lundi 7 juillet 2014

كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***

سورة آل عمران

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 66‏]‏
‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏65‏)‏ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏66‏)‏‏}‏
استئناف ابتدائي للانتقال من دعائهم لكلمة الحق الجامعة لحق الدين، إلى الإنكار عليهم محاجتهم الباطلة للمسلمين في دين إبراهيم، وزعم كلّ فريق منهم أنهم على دينه توصّلاً إلى أنّ الذي خالف دينهم لا يكون على دين إبراهيم كما يدّعي النبي محمد صلى الله عليه وسلم فالمحاجة فرع عن المخالفة في الدعوى‏.‏ وهذه المحاجة على طريق قياس المساواة في النفي، أو في محاجتهم النبي في دعواه أنه على دين إبراهيم، محاجة يقصدون منها إبطال مساواة دينِه لدين إبراهيم، بطريقة قياس المساواة في النفي أيضاً‏.‏
فيجوز أن تكون هذه الجملة من مقول القول المأمور به الرسولُ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل يا أهل الكتاب تعالوا‏}‏ أي قل لهم‏:‏ يا أهل الكتاب لِمَ تحاجون‏.‏ ويجوز أن يكون الاستئناف من كلام الله تعالى عَقِبَ أمرِه الرسولَ بأن يقول ‏{‏تعالَوا‏}‏ فيكون توجيه خطاب إلى أهل الكتاب مباشرة، ويكون جعل الجملة الأولى من مقول الرسول دون هذه لأنّ الأولى من شُؤون الدعوة، وهذه من طرق المجاحّة، وإبطال قولهم، وذلك في الدرجة الثانِيَة مِن الدعوة‏.‏ والكلُ في النسبة إلى الله سواء‏.‏
ومناسبة الانتقال من الكلام السابق إلى هذا الكلام نشأت من قوله‏:‏ ‏{‏فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 64‏]‏ لأنه قد شاع فيما نزل من القرآن في مكة، وبعدَها أنّ الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يرجع إلى الحنيفية دين إبراهيم كما تقدم تقريره في سورة البقرة وكما في سورة النحل ‏(‏‏)‏‏:‏ ‏{‏ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وسيجيء أنّ إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، وقد اشتهر هذا وأعلن بين المشركين في مكة، وبني اليهود في المدينة، وبين النصارى في وَفد نجران، وقد علم أنّ المشركين بمكة كانوا يدّعون أنهم ورثة شريعة إبراهيم وسدنة بيته، وكان أهل الكتاب قد ادّعوا أنهم على دين إبراهيم، ولم يتبين لي أكان ذلك منهم ادّعاء قديماً أم كانوا قد تفطنوا إليه من دعوة محمد، فاستيقظوا لتقليده في ذلك، أم كانوا قالوا ذلك على وجه الإفحام للرسول حين حاجهم بأنّ دينه هو الحق، وأنّ الدين عند الله الإسلام فألْجَؤوه إلى أحد أمرين‏:‏ إما أن تكون الزيادةُ على دين إبراهيم غيرَ مخرجة عن اتِّباعه، فهو مشترَك الإلزام في دين اليهودية والنصرانية، وإما أن تكون مخرجة عن دين إبراهيم فلا يكون الإسلام تابعاً لدين إبراهيم‏.‏
وأحسب أنّ ادّعاءهم أنهم على ملة إبراهيم إنما انتحلوه لبثّ كل من الفريقين الدعوةَ إلى دينه بين العرب، ولا سيما النصرانية، فإنّ دعاتها كانوا يحاولون انتشارها بين العرب فلا يجدون شيئاً يروج عندهم سِوى أن يقولوا‏:‏ إنها ملة إبراهيم، ومن أجل ذلك اتُّبعت في بعض قبائل العرب، وهنالك أخبار في أسباب النزول تثير هذه الاحتمالات‏:‏ فروى أنّ وفد نجران قالوا للنبيء حين دعاهم إلى اتباع دينه‏:‏ على أي دين أنتَ قال‏:‏ على ملة إبراهيم قالوا‏:‏ فقد زدتَ فيه ما لم يكن فيه فعلى هذه الرواية يكون المخاطبُ بأهل الكتاب هنا خصوصَ النصارى كالخطاب الذي قبْله وروى‏:‏ أنه تنازعت اليهود ونصارى نجران بالمدينة، عند النبي، فأدّعي كل فريق أنه على دين إبراهيم دون الاخر، فيكون الخطاب لأهل الكتاب كلهم، من يهود ونصارى‏.‏
ولعل اختلاف المخاطبين هو الداعي لتكرير الخطاب‏.‏
وقوله‏:‏ وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده‏}‏ يكون على حسب الرواية الأولى مَنْعاً لقولهم‏:‏ فقد زدت فيه ما ليس مِنْه، المقصودِ منه إبطال أن يكون الإسلام هو دين إبراهيم‏.‏ وتفصيلُ هذا المنع‏:‏ إنكم لا قبل لكم بمعرفة دين إبراهيم، فمن أين لكم أنّ الإسلام زاد فيما جاء به على دين إبراهيم، فإنكم لا مستند لكم في علمكم بأمور الدين إلاّ التوراةُ والإنجيلُ، وهما قد نَزلا من بعد إبراهيم، فمن أين يعلم ما كانت شريعة إبراهيم حتى يعلمَ المزيد عليهَا، وذكر التوراة على هذا لأنها أصل الإنجيل‏.‏ ويكون على حسب الرواية الثانية نفياً لدعوى كلّ فريق منهما أنه على دين إبراهيم، بِأنّ دين اليهود هو التوراة، ودينَ النصارى هو الإنجيل، وكلاهما نزل بعد إبراهيم، فكيف يكون شريعةً له‏.‏ قال الفخر‏:‏ يعني ولم يُصرّح في أحد هذين الكتابين بأنه مطابقٌ لشريعة إبراهيم، فذكر التوراة والإنجيل على هذا نشرٌ بعد اللف‏:‏ لأنّ أهل الكتاب شَمِل الفريقين، فذكر التوراة لإبطال قول اليهود، وذكرَ الإنجيل لإبطاللِ قول النصارى، وذكر التوراة والإنجيل هنا لقصد جمع الفريقين في التخطئة، وإن كان المقصود بادئ ذي بدء هم النصارى الذين مَساقُ الكلام معهم‏.‏
والأظهر عندي في تأليف المحاجة ينتظم من مجموع قوله‏:‏ ‏{‏وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده‏}‏ وقولِه‏:‏ ‏{‏فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم‏}‏ وقولِه‏:‏ ‏{‏والله يعلم وأنتم لا تعلمون‏}‏ فيبطل بذلك دعواهم أنهم على دين إبراهيم، ودعواهم أنّ الإسلام ليس على دين إبراهيم، ويَثْبُتُ عليهم أنّ الإسلام على دين إبراهيم، وذلك أنّ قوله‏:‏ ‏{‏وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده‏}‏ يدل على أنّ علمهم في الدين منحصر فيهما، وهما نزلا بعد إبراهيم فلا جائز أن يكونا عين صحف إبراهيم‏.‏
وقولُه‏:‏ ‏{‏فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم‏}‏ يُبطل قولهم‏:‏ إنّ الإسلام زاد على دين إبراهيم، ولا يدل على أنهم على دين إبراهيم؛ لأنّ التوراة والإنجيل لم يَرد فيهما التصريح بذلك، وهذا هو الفارق بين انتساب الإسلام إلى إبراهيم وانتساب اليهودية والنصرانية إليه، فلا يقولون وكيف يُدّعَى أنّ الإسلام دين إبراهيم مع أنّ القرآن أنزل من بعد إبراهيم كما أنزلت التوراة والإنجيل من بعده‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏والله يعلم‏}‏ يدل على أنّ الله أنبأ في القرآن بأنه أرسل محمداً بالإسلام ديننِ إبراهيم وهو أعلم منكم بذلك، ولم يسبق أن امتنّ عليكم بمثل ذلك في التوراة والإنجيل فأنتم لا تعلمون ذلك، فلما جاء الإسلام وأنبأ بذلك أردتم أن تنتحلوا هذه المزية، واستيقظتم لذلك حَسداً على هذه النعمة، فنهضتْ الحجة عليهم، ولم يبق لهم معذرة في أن يقولوا‏:‏ إنّ مجيء التوراة والإنجيل من بعد إبراهيم مشترَكُ الإلزام لنا ولكم؛ فإنّ القرآن أنزل بعد إبراهيم، ولولا انتظام الدليل على الوجه الذي ذكرنا لَكَانَ مشترك الإلزام‏.‏
والاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏فلم تحاجون‏}‏ مقصود منه التنبيه على الغلط‏.‏
وقد أعرض في هذا الاحتجاح عليهم عن إبطال المنافاة بين الزيادة الواقعة في الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم على الدين الذي جاء به إبراهيم، وبين وصف الإسلام بأنّه ملّة إبراهيم‏:‏ لأنّهم لم يكن لهم من صحة النظر ما يفرقون به بين زيادة الفروع، واتحاد الأصول، وأنّ مساواة الدينين منظور فيها إلى اتحاد أصولهما سنبينها عند تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإنْ حاجّوك فقل أسلمتُ وجهي للَّه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 20‏]‏ وعندَ قوله‏:‏ ‏{‏ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً‏}‏ فاكتُفي في المحاجّة بإبطال مستندهم في قولهم‏:‏ «فقد زدت فيه ما ليس فيه على طريقة المنع، ثم بقوله‏:‏ ‏{‏ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 67‏]‏ على طريقة الدعوى بناءً على أنّ انقطاع المعترِض كاففٍ في اتجاه دعوى المستدل‏.‏
وقولُه‏:‏ ‏{‏ها أنتم هؤلاء حاججتم‏}‏ تقدم القول في نظيره عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 85‏]‏‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ ها أنتم بإثبات ألف هَا وبتخفيف همزة أنتم، وقرأه قالون، وأبو عمرو، ويعقوب‏:‏ بإثبات الألف وتسهيل همزة أنتم، وقرأه ورش بحذف ألف ها وبتسهيل همزة أنتم وبإبدالها ألفاً أيضاً مع المد، وقرأه قنبل بتخفيف الهمزة دون ألف‏.‏
ووقعت ما الاستفهامية بعد لام التعليل فيكون المسؤول عنه هو سبب المحاجة فما صدَق ‏(‏ما‏)‏ علةٌ من العلل مجهولة أي سبب للمحاجّة مجهول؛ لأنه ليس من شأنه أن يعلم لأنه لا وجود له، فلا يعلم، فالاستفهام عنه كناية عن عدمه، وهذا قريب من معنى الاستفهام الإنكاري، وليس عينيه‏.‏
وحذفت ألف ما الاستفهامية على ما هو الاستعمال فيها إذا وقعت مجرورة بحرف نحو ‏{‏عمّ يتساءلون‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 1‏]‏ وقول ابننِ معد يكرب‏:‏
عَلاَمَ تَقولُ الرُمْحَ يُثقِلُ عَاتِقي *** والألفات التي تكتب في حروف الجر على صورة الياء‏.‏ إذا جر بواحد من تلك الحروف ‏(‏ما‏)‏ هذه يكتبون الألفات على صورة الألف‏:‏ لأنّ مَا صارت على حرف واحد فأشبهت جزء الكلمة فصارت الألفات كالتي في أواسط الكلمات‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏في إبراهيم‏}‏ معناه في شَيْء من أحْواله، وظاهر أنّ المراد بذلك هنا دينُه، فهذا من تعليق الحكم بالذات، والمرادُ حال من أحوال الذات يَتعين من المقام كما تَقَدّم في تفسير قوله تعالى‏:‏
‏{‏إنما حَرّم عليكم الميتةَ‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 173‏]‏‏.‏
و ‏(‏ها‏)‏ من قوله‏:‏ ها أنتم‏}‏ تنبيه، وأصل الكلام أنتم حاججتم، وإنما يجيء مثل هذا التركيب في محل التعجب والنكير والتنبيه ونحو ذلك، ولذلك يؤكد غالباً باسم إشارة بعده فيقال ها أناذا، وها أنتم أولاء أو هَؤلاء‏.‏
و ‏{‏حاججتم‏}‏ خبر ‏{‏أنتم‏}‏، ولك أن تجعل جملة حاججتم حالاً هي محل التعجيب باعتبار ما عطف عليها من قوله‏:‏ ‏{‏فلم تحاجون‏}‏‏:‏ لأنّ الاستفهام فيه إنكاري، فمعناه‏:‏ فلا تحاجون‏.‏
وسيأتي بيَان مثله في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هاأنتم أولاء تحبونهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 119‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏والله يعلم وأنتم لا تعلمون‏}‏ تكميل للحجة أي إنّ القرآن الذي هومن عند الله أثبت أنه ملة إبراهيم، وأنتم لم تهتدوا لذلك لأنكم لا تعلمون، وهذا كقوله في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 140‏]‏‏:‏ ‏{‏أم تقولون إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباطَ كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم اللَّه‏.‏‏}‏
تفسير الآية رقم ‏[‏67‏]‏
‏{‏مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏67‏)‏‏}‏
نتيجة للاستدلال إذ قد تحَصحَص من الحجّة الماضية أنّ اليهودية والنصرانية غير الحنيفية، وأنّ موسى وعيسى، عليهما السلام، لم يخبرا بأنهما على الحنيفية، فأنتج أنّ إبراهيم لم يكن على حال اليهودية أو النصرانية؛ إذ لم يؤْثَر ذلك عن موسى ولا عيسى، عليهما السلام، فهذا سنده خلوّ كتبهم عن ادّعاء ذلك‏.‏ وكيف تكون اليهودية أو النصرانية من الحنيفية مع خلوّها عن فريضة الحج، وقد جاء الإسلام بذكر فرضه لمن تمكن منه، ومما يؤيد هذا ما ذكره ابن عطية في تفسير قوله تعالى في هذه السورة‏:‏ ‏{‏لا نفرّق بينَ أحد منهم ونحن له مسلمون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 136‏]‏ عن عكرمة قال‏:‏ «لما نزلت الآية قال أهل الملل‏:‏ «قد أسلمنا قبلك، ونحن المسلمون» فقال الله له‏:‏ فحُجهم يا محمد وأنزل الله‏:‏ ‏{‏وللَّه على الناس حجّ البيت‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 97‏]‏ الآية فحجّ المسلمون وقَعد الكفار»‏.‏ ثمّ تمم الله ذلك بقوله‏:‏ وما كان من المشركين، فأبطلت دعاوى الفرق الثلاث‏.‏
والحنيف تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 135‏]‏‏.‏
وقولُه‏:‏ ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين‏}‏ أفاد الاستدراكُ بعد نفي الضدّ حصرَا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام، ولذلك بُيِّن حنيفاً بقوله‏:‏ ‏{‏مسلماً‏}‏ لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ولا يؤمنون بالإسلام، فأعلمهم أنّ الإسلام هو الحنيفية، وقال‏:‏ ‏{‏وما كان من المشركين‏}‏ فنفى عن إبراهيم موافقة اليهودية،‏.‏ وموافقة النصرانية، وموافقة المشركين، وإنه كان مسلماً، فثبتت موافقته الإسلام، وقد تقدم في سورة البقرة ‏[‏135‏]‏ في مواضع أنّ إبراهيم سأل أن يكون مسلماً، وأنّ الله أمره أن يكون مسلماً، وأنه كان حنيفاً، وأنّ الإسلام الذي جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي كان جاء به إبراهيم ‏{‏وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين‏}‏ وكلّ ذلك لا يُبقي شكاً في أنّ الإسلام هو إسلام إبراهيم‏.‏
وَقد بينتُ آنفاً عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 20‏]‏ الأصولَ الداخلة تحت معنى ‏{‏أسلمتُ وجهي لله‏}‏ فلنفرضها في معنى قول إبراهيم‏:‏ ‏{‏إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 79‏]‏ فقد جاء إبراهيم بالتوحيد، وأعلنه إعلاناً لم يَترك للشرك مسلكاً إلى نفوس الغافلين، وأقام هيكلاً وهو الكعبة، أول بيت وضع للناس، وفرض حَجّه على الناس‏:‏ ارتباطاً بمغزاه، وأعلَن تمام العبودية لله تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏ولا أخاف مَا تشركون به إلاّ أن يشاء ربّي شيئاً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 80‏]‏ وأخلص القول والعمل لله تعالى فقال‏:‏ ‏{‏وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم يُنزِّل به عليكم سلطاناً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 81‏]‏ وتَطَلّب الهُدى بقوله‏:‏ ‏{‏ربنا واجعلنا مسلمَيْننِ لك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 128‏]‏ ‏{‏وأرنا مناسكنا وتُب علينا‏}‏
‏[‏البقرة‏:‏ 128‏]‏ وكسر الأصنام بيده ‏{‏فجعلهم جذاذاً‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 58‏]‏، وأظهر الانقطاع لله بقوله‏:‏ ‏{‏الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 78 81‏]‏، وتصَدّى للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله ‏{‏قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 258‏]‏ ‏{‏وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 83‏]‏ ‏{‏وحاجهُ قومه‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 80‏]‏‏.‏
وعطف قوله‏:‏ ‏{‏وما كان من المشركين‏}‏ ليَيْأس مُشْرِكو العرب من أن يكونوا على ملّة إبراهيم، وحتى لا يتوهم متوهم أنّ القصر المستفاد من قوله‏:‏ ‏(‏ولكن حنيفاً مسلماً‏)‏ قصرٌ إضافي بالنسبة لليهودية والنصرانية، حيث كان العرب يزعمون أنهم على ملّلا إبراهيم لكنهم مشركون‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏68‏]‏
‏{‏إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏68‏)‏‏}‏
استئناف ناشيء عن نفي اليهودية والنصرانية عن إبراهيم، فليس اليهود ولا النصارى ولا المشركون بأولى الناس به، وهذا يدل على أنهم كانوا يقولون‏:‏ نحن أولى بدينكم‏.‏
و ‏(‏أولى‏)‏ اسم تفضيل أي أشد ولْياً أي قرباً مشتق من وَلِي إذا صار وَليّاً، وعدّي بالباء لتضمّنه معنى الاتصال أي أخصّ الناس بإبراهيم وأقربهم منه‏.‏ ومن المفسّرين من جعل أولى هنا بمعنى أجدر فيضطرّ إلى تقدير مضاف قبل قوله‏:‏ ‏{‏بإبراهيم‏}‏ أي بدين إبراهيم‏.‏
والذين اتبعوا إبراهيم هم الذين اتبعوه في حياته‏:‏ مثل لوط وإسماعيل وإسحاقَ، ولا اعتداد بمحاولة الذين حاولوا اتباع الحنيفية ولم يهتدوا إليها، مثل زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل، وأميةَ ابن أبي الصّلْت، وأبيه أبي الصَّلت، وأبي قيْس صِرمَة بن أبي أنس من بني النجّار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كاد أمية بن أبي الصّلْت، أن يُسلم ‏"‏ وهو لم يدرك الإسلام فالمعنى كاد أن يكون حنيفاً، وفي «صحيح البخاري»‏:‏ أنّ زيد بن عَمرو بن نُفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين فلقي عالماً من اليهود، فسأله عن دينه فقال له‏:‏ إنّي أريد أن أكونَ على دينك، فقال اليهوديّ‏:‏ إنّك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال زيد‏:‏ أفِرُّ إلاّ من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً وأنا أستطيع، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا‏؟‏ قال‏:‏ لا أعلمه إلاّ أن تكون حنيفاً، قال‏:‏ وما الحنيف‏؟‏ قال‏:‏ دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وكان لا يعبد إلاّ الله، فخرج من عنده فلقي عالماً من النصارى فقاوله مثل مقاولة اليهودي، غير أنّ النصراني قال‏:‏ أن تأخذ بنصيبك من لَعنة الله، فخرج من عنده وقد اتفقا له على دين إبراهيم، فلم يزل رافعاً يديه إلى السماء وقال‏:‏ اللهم أشهَدْ أنّي على دين إبراهيم وهذا أمنية منه لا تصادف الواقع‏.‏ وفي «صحيح البخاري»، عن أسماء بنت أبي بكر‏:‏ قالت‏:‏ رأيت زيدَ بن عَمرو بن نُفيل قبل الإسلام مسنِداً ظهره إلى الكعبة وهو يقول‏:‏ «يا معشر قريش ليس منكم على دين إبراهيم غيري» وفيه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيدَ بن عمرو بن نُفيل بأسفل بَلْدَح قبل أن يَنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي فقُدِّمَتْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم سُفرة فأبى زيدُ بن عمرو أنْ يأكل منها وقال‏:‏ إنّي لست آكل ممّا تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلاّ ما ذكر اسم الله عليه وهذا توهّم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كما تفعل قريش‏.‏ وإنّ زيداً كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول‏:‏ الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء أنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله‏.‏
واسم الإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏وهذا النبي‏}‏ مستعمل مجازاً في المشتهر بوصف بين المخاطبين كقوله في الحديث‏:‏ ‏"‏ فجعل الفَرَاشُ وهذه الدّوَابُّ تقع في النار ‏"‏ فالإشارة استعملت في استحضار الدوابّ المعروفة بالتساقط على النار عند وقودها، والنبي ليس بمشاهد للمخاطبين بالآية، حينئذ، ولا قُصدت الإشارة إلى ذاته‏.‏ ويجوز أن تكون الإشارة مستعملة في حضور التكلم باعتبار كون النبي هو الناطق بهذا الكلام، فهو كقول الشاعر‏:‏ «نجوتتِ وهَذا تحملين طَليق» أي والمتكلّم الذي تحملينه‏.‏ والاسم الواقع بعد اسم الإشارة، بدلاً منه، هو الذي يعين جهة الإشارة مَا هي‏.‏ وعطف النبي على الذين اتبعوا إبراهيم للاهتمام به وفيه إيماء إلى أنّ متابعته إبراهيم عليه السلام ليست متابعة عامة فكون الإسلام من الحنيفية أنّه موافق لها في أصولها‏.‏ والمراد بالذين آمنوا المسلمون‏.‏ فالمقصود معناه اللقَبي، فإنّ وصف الذين آمنوا صار لقباً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك كثر خطابهم في القرآن بيأيها الذين آمنوا‏.‏
ووجه كون هذا النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا أولى الناس بإبراهيم، مثل الذين اتبعوه، إنّهم قد تخلقوا بأصول شرعه، وعرفوا قدره، وكانوا له لسان صدق دائباً بذكره، فهؤلاء أحقّ به ممّن انتسبوا إليه لكنهم نقضوا أصول شرعه وهم المشركون، ومن الذين انتسبوا إليه وأنسوا ذكر شرعه، وهم اليهود والنصارى، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سَأل عن صوم اليهود، يوم عاشوراء فقالوا‏:‏ هو يوم نجّى الله فيه موسى فقال‏:‏ «نَحْن أحقّ بموسى منهم» وصامه وأمر المسلمين بصومه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏والله ولي المؤمنين‏}‏ تذييل أي هؤلاء هم أولى الناس بإبراهيم، والله ولي إبراهيم، والذين اتبعوه، وهذا النبي، والذين آمنوا؛ لأنّ التذييل يشمل المذيَّل قطعاً، ثم يشمل غيره تكميلاً كالعام على سبب خاص‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏والله ولي المؤمنين‏}‏ بعد قوله‏:‏ ‏{‏كان إبراهيم يهودياً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 67‏]‏ تعريض بأنّ الذين لم يكن إبراهيم منهم ليسوا بمؤمنين‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏69‏]‏
‏{‏وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ‏(‏69‏)‏‏}‏
ئناف مناسبتُه قوله‏:‏ ‏{‏فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون إلى قوله ‏{‏إن أولى الناس بإبراهيم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 64 68‏]‏ إلخ‏.‏ والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، ولذلك عُبّر عنهم بطائفة من أهل الكتاب لئلاّ يتوهم أنهم أهل الكتاب الذين كانت المحاجة مَعهم في الآيات السابقة‏.‏
والمراد بالطائفة جماعة منهم من قريظة، والنضير، وقَينُقاع، دَعَوا عمَّار بن ياسر، ومعاذَ بن جبل، وحذيفةَ بن اليمان، إلى الرجوع إلى الشرك‏.‏
وجملة لو يضلونكم مبينة لمضمون جملة ودّت، على طريقة الإجمال والتفصيل‏.‏ فلو شرطية مستعملة في التمنّي مجازاً لأنّ التمنّي من لوازم الشرط الامتناعي‏.‏ وجواب الشرط محذوف يدل عليه فعل وَدّت تقديره‏:‏ لو يضلونكم لحصل مودودهم، والتحقيق أنّ التمنّي عارض من عوارض لَوْ الامتناعية في بعض المقامات‏.‏ وليس هو معنى أصلياً من معاني لو‏.‏ وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 96‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏لو يضلونكم‏}‏ أي ودّوا إضلالكم وهو يحتمل أنهم ودّوا أن يجعلوهم على غير هدى في نظر أهل الكتاب‏:‏ أي يذبذبوهم، ويحتمل أنّ المراد الإضلال في نفس الأمر، وإن كان وُدُّ أهل الكتاب أن يهوّدوهم‏.‏ وعلى الوجهين يحتمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما يضلون إلا أنفسهم‏}‏ أن يكون معناه‏:‏ إنهم إذا أضلوا الناس فقد صاروا هم أيضاً ضالين؛ لأنّ الإضلال ضلال، وأن يكون معناه‏:‏ إنهم كانوا من قبل ضالين برضاهم بالبقاء على دين منسوخ وقوله‏:‏ ‏{‏وما يشعرون‏}‏ يناسب الاحتمالين لأنّ العلم بالحالتين دقيق‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 71‏]‏
‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ‏(‏70‏)‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏71‏)‏‏}‏
التفات إلى خطاب اليهود‏.‏ والاستفهامُ إنكاري‏.‏ والآيات‏:‏ المعجزات، ولذلك قال وأنتم تشهدون‏.‏ وإعادة ندائهم بقوله‏:‏ ‏{‏يا أهل الكتاب‏}‏ ثانيةً لقصد التوبيخ وتسجيل باطلهم عليهم‏.‏ ولبس الحق بالباطل تلبيس دينهم بما أدخلوا فيه من الأكاذيب والخرافات والتأويلات الباطلة، حتى ارتفعت الثقة بجميعه‏.‏ وكتمان الحق يحتمل أن يراد به كتمانهم تصديق محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يراد به كتمانهم ما في التوراة من الأحكام التي أماتوها وعوّضوها بأعمال أحبارهم وآثار تأويلاتهم، وهم يعلمونها ولا يعملون بها‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏72- 74‏]‏
‏{‏وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏72‏)‏ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏73‏)‏ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏74‏)‏‏}‏
عطف على ‏{‏ودت طائفة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 69‏]‏‏.‏ فالطائفة الأولى حاوَلت الإضلال بالمجاهرة، وهذه الطائفة حاولتْه بالمخادعة‏:‏ قيل أشير إلى طائفة من اليهود منهم كَعْب بن الأشْرَف، ومالك بن الصيف، وغيرهما من يهود خيبر، أغواهم العجب بدينهم فتوهموا أنهم قدوة للناس فلما أعيتهم المجاهرة بالمكابرة دبروا للكيد مكيدة أخرى، فقالوا لطائفة من أتباعهم‏:‏ «آمِنوا بمحمد أولَ النهار مظهرين أنكم صدّقتموه ثم اكفُروا آخر النهار ليظهر أنكم كفرتم به عن بصيرة وتجربة فيقول المسلمون مَا صرف هؤلاء عنا إلاّ ما انكشف لهم من حقيقة أمر هذا الدين، وأنّه ليس هو الدين المبشر به في الكتب السالفة» ففعلوا ذلك‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏على الذين آمنوا‏}‏ يحتمل أنه من لفظ الحكاية بأن يكون اليهود قالوا آمِنوا بالذي أنزل على أتباع محمد فحوّله الله تعالى فقال على الذين آمنوا تنويهاً بصدق إيمانهم‏.‏ ويحتمل أنه من المحكيّ بأن يكون اليهود أطلقوا هذه الصلة على أتباع محمد إذ صارت علماً بالغلبة عليهم‏.‏ ووجهُ النهار أوله وتقدم آنفاً عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجيهاً في الدنيا والآخرة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 45‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم‏}‏ من كلام الطائفة من أهل الكتاب قصدوا به الاحتراس ألا يظنوا من قولهم آمِنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجهَ النهار أنه إيمان حَقُّ، فالمعنى ولا تؤمنوا إيماناً حقاً إلاّ لمن تَبع دينكم، فأما محمد فلا تؤمنوا به لأنه لم يتبِع دينكم فهذا تعليل للنهي‏.‏
وهذا اعتذار عن إلزامهم بأنّ كتبهم بشرت بمجيء رسول مقفّ فتوهموا أنه لا يجيء إلاّ بشريعة التوراة، وضلوا عن عدم الفائدة في مَجيئه بما في التوراة لأنه من تحصيل الحاصل، فينزّه فعلُ الله عنه، فالرسول الذي يجيء بعد موسى لا يكون إلاّ ناسخاً لبعض شريعة التوراة فجمعُهم بين مقالة‏:‏ ‏{‏آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا‏}‏ وبين مقالة‏:‏ ‏{‏ولا تؤمنوا‏}‏ مثل ‏{‏وما رميت إذ رميت‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 17‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏قل إن الهدى هدى الله‏}‏ كلام معترض، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوله لهم‏.‏ كنايةً عن استبعاد حصول اهتدائهم، وأنّ الله لم يهدهم، لأنّ هدى غيره أي محاولته هدى الناس لا يحصل منه المطلوب، إذا لم يقدّره الله‏.‏ فالقصر حقيقي‏:‏ لأنّ ما لم يقدّره الله فهو صورة الهدى وليس بهُدى وهو مقابل قولهم‏:‏ آمنوا بالذي أنزل ولا تؤمنوا إلاَّ لمن تبع دينكم، إذْ أرادوا صورة الإيمان، وما هو بإيمان، وفي هذا الجواب إظهار الاستغناء عن متابعتهم‏.‏
‏{‏أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ‏}‏‏.‏
أشكل موقعُ هذه الآية بعد سابقتها وصفَ نظمها، ومصرَف معناها‏:‏ إلى أي فريق‏.‏ وقال القرطبي‏:‏ إنها أشكَلُ آية في هذه السورة‏.‏
وذكر ابن عطية وجوها ثمانية‏.‏ ترجع إلى احتمالين أصليين‏.‏
الاحتمال الأول أنها تكملة لمحاورة الطائفةِ من أهل الكتاب بعضهم بعضاً، وأن جملة ‏{‏قل إن الهدى هدى الله‏}‏ معترضة في أثناء ذلك الحِوار، وعلى هذا الاحتمال تأتي وجوه نقتصر منها على وجهين واضحين‏:‏
أحدهما‏:‏ أنهم أرادوا تعليل قولهم‏:‏ ‏{‏ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم‏}‏ على أن سياق الكلام يقتضي إرادتهم استحالة نسخ شريعة التوراة، واستحالة بعثة رسول بعد موسى، وأنه يُقدّر لام تعليل محذوف قبل ‏(‏أنْ‏)‏ المصدرية وهو حذف شائع مثلُه‏.‏ ثم إما أن يقدر حرف نفي بعد ‏(‏أنْ‏)‏ يدل عليه هذا السياق ويَقتضيه لفظ ‏(‏أحد‏)‏ المرادِ منه شمول كلّ أحد‏:‏ لأنّ ذلك اللفظَ لا يستعمل مراداً منه الشمول إلاّ في سياق النفي، ومَا في معنيّ النفي مثللِ استفهام الإنكار، فأما إذا استعمل ‏(‏أحَد‏)‏ في الكلام الموجَب فإنه يكون بمعنى الوصف بالوحْدة، وليس ذلك بمناسب في هذه الآية‏.‏
فتقدير الكلام لأن لا يوتى أحد مثل ما أوتيتم وحذفُ حرف النفي بعد لام التعليل، ظاهرةً ومقدّرةً، كثيرٌ في الكلام، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُبين اللَّه لكم أن تضلوا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏، أي لئلاّ تضلوا‏.‏
والمعنى‏:‏ أنّ قصدهم من هذا الكلام تثبيتُ أنفسهم على ملازمة دين اليهودية، لأن اليهود لا يجوِّزون نسخَ أحكام الله، ويتوهمون أنّ النسخ يقتضي البَدَاء‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ أنهم أرادوا إنكار أن يوتَى أحد النبوءة كما أوتيها أنبياءُ بني إسرائيل فيكون الكلام استفهاماً إنكارياً حذفت منه أداة الاستفهام لدلالة السياق؛ ويؤيده قراءةُ ابن كثير قوله‏:‏ ‏{‏أن يؤتى أحد‏}‏ بهمزتين‏.‏
وأما قوله‏:‏ أو يحَاجوكم عندَ ربكم فحَرْف ‏(‏أو‏)‏ فيه للتقسيم مثل ‏{‏ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 24‏]‏ ‏(‏أو‏)‏ معطوف على النفي، أو على الاستفهام الإنكاري‏:‏ على اختلاف التقديرين، والمعنى‏:‏ ولا يحاجوكم عند ربكم أو وكيف يحاجونكم عند ربكم، أي لا حجة لهم عليكم عند الله‏.‏
وواو الجمع في ‏{‏يحاجوكم‏}‏ ضمير عائد إلى ‏(‏أحد‏)‏ لدلالته على العموم في سياق النفي أو الإنكار‏.‏
وفائدة الاعتراض في أثناء كلامهم المبادرة بما يفيد ضلالهم لأنّ الله حرمهم التوفيق‏.‏
الاحتمال الثاني أن تكون الجملة مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم بقيةً لقوله‏:‏ «إنّ الهُدى هُدى الله»‏.‏
والكلام على هذا ردّ على قولهم‏:‏ ‏{‏آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار‏}‏ وقولهم ‏{‏ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم‏}‏ على طريقة اللفّ والنشر المعكوس، فقوله‏:‏ ‏{‏أن يأتى أحد مثل ما أوتيتم‏}‏ إبطال لقولهم‏:‏ ‏{‏ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم‏}‏ أي قلتم ذلك حسَداً من أنْ يؤتي أحدٌ مثلَ ما أوتيتم وقوله‏:‏ ‏{‏أو يحاجوكم‏}‏ ردّ لقولهم‏:‏ ‏{‏آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره‏}‏ على طريقة التهكم، أي مرادكم التنصّل من أن يحاجوكم أي الذين آمنوا عند الله يوم القيامة، فجمعتم بين الإيمان بما آمن به المسلمون، حتى إذا كان لهم الفوز يوم القيامة لا يحاجونكم عند الله بأنكم كافرون، وإذا كان الفوز لكم كنتم قد أخذتم بالحَزم إذ لم تبطلوا دين اليهودية، وعلى هذا فواو الجماعة في قوله‏:‏ ‏{‏أو يحاجوكم‏}‏ عائد إلى الذين آمنوا‏.‏
وهذا الاحتمال أنسب نظماً بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إن الفضل بيد اللَّه‏}‏، ليكون لِكلّ كلام حُكي عنهم تلقينُ جواببٍ عنه‏:‏ فجواب قولهم‏:‏ ‏{‏آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا‏}‏ الآية، قولُه‏:‏ ‏{‏قل إن الهدى هدى الله‏}‏‏.‏ وجواب قولهم‏:‏ ‏{‏ولا تؤمنوا‏}‏ إلخ قولُه‏:‏ قل إنّ الفضل بيد الله إلخ‏.‏ فهذا مِلاك الوجوه، ولا نطيل باستيعابها إذْ ليس من غرضنا في هذا التفسير‏.‏
وكلمة ‏{‏أحد‏}‏ اسم نكرة غلب استعمالها في سياق النفي ومعناها شخص أو إنسان وهو معدود من الأسماء التي لا تقع إلاّ في حيّز النفي فيفيد العموم مثل عَرِيب ودَيَّار ونحوهما وندر وقوعه في حيّز الإيجاب، وهمزته مبدلة من الواو وأصلَه وَحَد بمعنى واحد ويرد وصفاً بمعنى واحد‏.‏ ‏[‏
وقرأ الجمهور ‏{‏أن يُؤتَى أحد‏}‏ بهمزة واحدة هي جزء من حرف ‏(‏أنْ‏)‏‏.‏ وقرأه ابن كثير بهمزتين مفتوحتين أولاهما همزة استفهام والثانية جزء من حرف ‏(‏أنْ‏)‏ وسهل الهمزة الثانية‏.‏
‏{‏قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله واسع عَلِيمٌ‏}‏ ‏{‏يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم‏}‏‏.‏
زيادة تذكير لهم وإبطال لإحالتهم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً من الله، وتذكير لهم على طرح الحسد على نعم الله تعالى أي كما أعطى الله الرسالة موسى كذلك أعطاها محمداً، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللَّه من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 54‏]‏‏.‏
وتأكيد الكلام ب ‏(‏إنّ‏)‏ لتنزيلهم منزلة من ينكر أنّ الفضل بيد الله ومن يحسب أنّ الفضل تبع لشهواتهم وجملة ‏{‏والله واسع عليم‏}‏ عطف على جملة أنّ الفضل بيد الله إلخ أي أنّ الفضل بيد الله وهو لاَ يخفى عليه من هو أهل لنوال فضله‏.‏
و ‏{‏واسع‏}‏ اسم فاعل الموصوف بالسعة‏.‏
وحقيقة السعة امتداد فضاء الحَيِّز من مكاننٍ أو ظرففٍ امتداداً يكفي لإيواء ما يحويه ذلك الحيز بدون تزاحم ولا تداخل بين أجزاء المحويّ، يقال أرض واسعة وإناء واسع وثوب واسع، ويطلق الاتساع وما يشتقّ منه على وفاء شيء بالعمل الذي يعملَه نوعُه دون مشقة يقال‏:‏ فلان واسع البال، وواسع الصدر، وواسع العطاء‏.‏ وواسععِ الخُلُق، فتدلّ على شدّةِ أو كثرةِ ما يسند إليه أو يوصف به أو يعلق به من أشياء ومعاننٍ، وشاع ذلك حتى صار معنى ثانياً‏.‏
و ‏{‏وَاسع‏}‏ من صفات الله وأسمائِه الحسنى وهو بالمعنى المجازي لا محالة لاستحالة المعنى الحقيقي في شأنه تعالى، ومعنى هذا الاسم عدمُ تناهي التعلقات لصفاته ذاتتِ التعلق فهو واسع العلم، واسع الرحمة، واسع العطاء، فسعة صفاته تعالى أنها لا حدّ لتعلقاتها، فهو أحقّ الموجودات بوصف واسع، لأنه الواسع المطلق‏.‏
وإسناد وصف واسع إلى اسمه تعالى إسناد مجازي أيضاً لأنّ الواسع صفاتُه ولذلك يُؤتَى بعد هذا الوصف أو ما في معناه من فعل السعة بما يميز جهة السعة من تمييز نحو‏:‏ وَسِع كل شيء علماً، ربنا وسعت كلّ شيء رحمةً وعلماً‏.‏ فوصفه في هذه الآية بأنه واسع هو سعة الفضل لأنه وقع تذييلاً لقوله‏:‏ ذلكَ فضل الله يؤتيه من يشاء‏.‏
وأحسب أنّ وصف الله بصفة واسع في العربية من مبتكرات القرآن‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏عليم‏}‏ صفة ثانية بقوة علمه أي كثرة متعلّقات صفة علمه تعالى‏.‏
ووصفه بأنه عليم هنا لإفادة أنه عليم بمن يستأهل أن يؤتيه فضلَه ويدل على علمه بذلك ما يظهر من آثار إرادته وقدرته الجارية على وفق علمه متى ظهر للناس ما أودعه الله من فضائل في بعض خلقه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 124‏]‏‏.‏
وجملة ‏{‏يختص برحمته من يشاء‏}‏ بدل بعض من كل لجملة ‏{‏إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء‏}‏ فإنّ رحمته بعض مما هو فضله‏.‏
وجملة ‏{‏والله ذو الفضل العظيم‏}‏ تذييل وتقدم تفسير نظيره عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واللَّه يختص برحمته من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 105‏]‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 76‏]‏
‏{‏وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏75‏)‏ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏76‏)‏‏}‏
عطف على قوله‏:‏ ‏{‏وقالت طائفة من أهل الكتاب‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 72‏]‏ أو على قوله‏:‏ ‏{‏ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 69‏]‏ عطف القصة على القصة والمناسبة بيان دخائل أحوال اليهود في معاملة المسلمين الناشئة عن حسدهم وفي انحرافهم عن ملة إبراهيم مع ادّعائهم أنهم أولَى الناس به، فقد حكى في هذه الآية خيانة فريق منهم‏.‏
وقد ذكر الله هنا أنّ في أهل الكتاب فريقين‏:‏ فريقاً يؤدّي الأمانة تعففاً عن الخيانة وفريقاً لا يؤدّي الأمانة متعلّلين لإباحة الخيانة في دينهم، قيل‏:‏ ومن الفريق الأول عبد الله بن سلام، ومن الفريق الثاني فِنْحَاص بن عازوراء وكلاهما من يهود يثرب والمقصود من الآية ذمّ الفريق الثاني إذ كان من دينهم في زعمهم إباحة الخَون قال‏:‏ ‏{‏ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمين سبيل‏}‏ فلذلك كان المقصود هو قوله‏:‏ ‏{‏ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك‏}‏ إلخ ولذلك طُوِّل الكلام فيه‏.‏
وإنما قدّم عليه قوله‏:‏ ‏{‏ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار‏}‏ إنصافاً لحقّ هذا الفريق، لأنّ الإنصاف مما اشتهر به الإسلام، وإذ كان في زعمهم أنّ دينهم يبيح لهم خيانة غيرهم، فقد صار النعيُ عليهم، والتعبيرُ بهذا القول لازمَاً لجميعهم أمينهم وخائنهم، لأنّ الأمين حينئذ لا مزية له إلاّ في أنّه ترك حقاً يبيح له دينُه أخذه، فترفّع عن ذلك كما يترفع المتغالي في المروءة عن بعض المباحات‏.‏
وتقديم المسند في قوله‏:‏ ‏{‏ومن أهل الكتاب‏}‏ في الموضعين للتعجيب من مضمون صلة المسند إليهما‏:‏ ففي الأول للتعجيب من قوة الأمانة، مع إمكان الخيانة ووجود العذر له في عادة أهل دينه، وفي الثاني للتعجيب من أن يكون الخوْن خُلْقاً لمتبع كتاب من كتب الله، ثم يزيد التعجيبُ عند قوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأنهم قالوا‏}‏ فيكسب المسند إليهما زيادة عجَب حاللٍ‏.‏
وعُدّي ‏{‏تأمنه‏}‏ بالباء مع أنّ مثله يتعدّى بعلي كقوله‏:‏ ‏{‏هل آمنكم عليه‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 64‏]‏، لتضمينه معنى تُعامله بقنطار ليشمل الأمانة بالوديعة، والأمانةَ بالمعاملة على الاستيمان، وقيل الباء فيه بمعنى على كقول أبي ذرّ أو عباسسٍ بن مِرداس‏:‏
أربٌّ يَبولُ الثعْلُبَان بِرَأسه ***
وهو محمل بعيد، لأنّ الباء في البيت للظرفية كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ببطن مكة‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 24‏]‏‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏يؤدّهِ‏}‏ إليك بكسر الهاء من يؤدّهِ على الأصل في الضمائر‏.‏
وقرأه أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم، وأبُو جعفر‏:‏ بإسكان هاء الضمير في يؤدّه، فقال الزجاج‏:‏ هذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بيِّن لأنّ الهاء لا ينبغي أن تجزم وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تكسر في الوصل ‏(‏هكذا نقله ابن عطية ومعناه أنّ جزم الجواب لا يظهر على هاء الضمير بل على آخر حرف من الفعل ولا يجوز تسكينها في الوصل كما في أكثر الآيات التي سكنوا فيها الهاء‏)‏‏.‏
وقيل هو إجرَاء للوصل مُجرى الوقف وهو قليل، قال الزجاج‏:‏ وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسر فغلط عليه من نقله وكلام الزجاج مردود لأنه راعى فيه المشهور من الاستعمال المقيس، واللغة أوسع من ذلك، والقراءة حجة‏.‏ وقرأه هشام عن ابن عامر، ويعقوب باختلاس الكسر‏.‏
وحكى القرطبي عن الفرّاء‏:‏ أنّ مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرّك ما قبلها يقولون ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصله الرفع وهذا كما قال الراجز‏:‏
لَما رَأى ألاّ دَعَهْ ولاَ شِبَع *** مَالَ إلى أرْطَاةِ حقف فاضطجع
والقِنطار تقدم آنفاً في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والقَناطير المقنطرة من الذهب والفضة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 14‏]‏
والدينار اسم للمسكوك من الذهب الذي وزنه اثنتان وسبعون حبة من الشعير المتوسط وهو معرّب دِنَّار من الرومية‏.‏
وقد جعل القنطار والدينار مَثَلين للكثرة والقلة، والمقصود ما يفيده الفحوى من أداء الأمانة فيما هو دون القنطار، ووقوع الخيانة فيما هو فوق الدينار‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إلا ما دمت عليه قائماً‏}‏ أطلق القيام هنا على الحرص والمواظبة‏:‏ كقوله‏:‏ ‏{‏قائماً بالقسط‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 18‏]‏ أي لا يفعل إلاّ العدل‏.‏
وعديّ «قائماً» بحرف ‏(‏على‏)‏ لأنّ القيام مجاز على الإلحاح والترداد فتعديته بحرف الاستعلاء قرينة وتجريد للاستعارة‏.‏
و ‏(‏ما‏)‏ من قوله‏:‏ ‏{‏إلا ما دمت عليه قائماً‏}‏ حرف مصدري يصير الفعل بعده في تأويل مصدر، ويكثر أن يقدر معها اسم زمان ملتزَمٌ حذفه يدل عليه سياق الكلام فحينئذ يقال ما ظرفية مصدرية‏.‏ وليست الظرفية مدلولها بالأصالة ولا هي نائبة عن الظرف، ولكنها مستفادة من موقع ‏(‏مَا‏)‏ في سياق كلام يؤذن بالزمان، ويكثر ذلك في دخول ‏(‏ما‏)‏ على الفعل المتصرّف من مادة دَام ومرادفها‏.‏
و ‏(‏ما‏)‏ في هذه الآية كذلك فالمعنى‏:‏ لا يؤدّه إليك إلاّ في مدة دوام قيامك عليه أي إلحاحك عليه‏.‏ والدوام حقيقته استمرار الفعل وهو هنا مجاز في طول المدة، لتعذر المعنى الحقيقي مع وجود أداة الاستثناء، لأنه إذا انتهى العمر لم يحصل الإلحاح بعدَ الموت‏.‏
والاستثناء من قوله‏:‏ ‏{‏إلا ما دمت عليه قائماً‏}‏ يجوز أن يكون استثناء مفرّغاً من أوقات يدل عليها موقع ‏(‏مَا‏)‏ والتقدير لا يؤدّه إليك في جميع الأزمان إلاّ زماناً تدوم عليه فيه قائماً فيكون ما بعد ‏(‏إلاّ‏)‏ نصباً على الظرففِ، ويجوز أن يكون مفرّغاً من مصادر يَدل عليها معنى ‏(‏ما‏)‏ المصدرية، فيكون ما بعده منصوباً على الحال لأنّ المصدر يقع حالاً‏.‏
وقدّم المجرور على متعلقه في قوله‏:‏ ‏{‏عليه قائماً‏}‏ للاهتمام بمعنى المجرور، ففي تقديمه معنى الإلحاح، أي إذا لم يكن قيامُك عليه لا يُرجعُ لك أمانتك‏.‏
والإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأنهم قالوا‏}‏ إلى الحكم المذكور وهو ‏{‏إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك‏}‏ وإنما أشير إليه لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الشأن العجيب‏.‏
والباء للسبب أي ذلك مُسَببٌ عن أقوال اختلقوها، وعبّر عن ذلك بالقول، لأنّ القول يصدر عن الاعتقاد، فلذا ناب منابه فأطلق على الظنّ في مواضع من كلام العرب‏.‏
وأرادوا بالأميين من ليسوا من أهل الكتاب في القديم، وقد تقدم بيان معنى الأمي في سورة البقرة‏.‏
وحرف ‏(‏في‏)‏ هنا للتعليل‏.‏ وإذ قد كان التعليل لا يتعلق بالذوات، تعيَّن تقدير مضاف مجرور بحرف ‏(‏في‏)‏ والتقدير في معاملة الأمّيّين‏.‏
ومعنى ليس علينا في الأميين سبيل ليس علينا في أكل حقوقهم حرج ولا إثم، فتعليق الحكم بالأميين أي ذواتِهم مراد منه أعلق أحوالهم بالغرض الذي سبق له الكلام‏.‏
فالسبيل هنا طريق المؤاخذة، ثم أطلق السبيل في كلام العرب مجازاً مشهوراً على المؤاخذة قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا على المحسنين من سبيل‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 91‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إنما السبيل على الذين يستأذنوك‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 93‏]‏ وربما عبّر عنه العرب بالطريق قال حُميد بن ثور‏:‏
وهل أنا إن علّلتُ نفسي بسَرحة *** من السرْح موجود عليَّ طريق
وقصدهم بذلك أن يحقروا المسلمين، ويتطاولوا بما أوتوه من معرفة القراءة والكتابة مِنْ قبلهم‏.‏ أو أرادوا الأميين بمعرفة التوراة، أي الجاهلين‏:‏ كناية عن كونهم ليسوا من أتباع دِين موسى عليه السلام‏.‏
وأيَّاماً كان فقد أنْبَأ هذا عن خلق عجيب فيهم، وهو استخفافهم بحقوق المخالفين لهم في الدين، واستباحةُ ظلمهم مع اعتقادهم أنّ الجاهل أو الأمّي جدير بأن يدحَضُ حقُه‏.‏ والظاهر أنّ الذي جرّأهم علَى هذا سوء فهمهم في التوراة، فإنّ التوراة ذكرت أحكاماً فرّقت فيها بين الإسرائيلي وغيره في الحقوق، غير أنّ ذلك فيما يرجع إلى المؤاساة والمخالطة بين الأمة، فقد جاء في سفر التثنية الإصحاح الخامس عشر‏:‏ «في آخر سبع سنين تعمل إبراء يبرئ كلُ صاحب دين يدَه ممّا أقرض صاحبه‏.‏ الأجنبيَّ تُطالِب، وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئة» وجاء في «الإصحاح» 23 منه‏:‏ «لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام وللأجنبي تُقرض بربا» ولكن شَتان بين الحقوق وبين المؤاساة فإنّ تحريم الربا إنما كان لقصد المؤاساة، والمؤاساة غير مفروضة مع غير أهل الملّة الواحدة‏.‏ وعن ابن الكلبي قالت اليهود‏:‏ الأموال كلّها كانت لنا، فما في أيدي العرب منها فهو لنا، وإنهم ظلمونا وغصَبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم‏.‏ وهذا الخلقان الذميمان اللذان حكاهما الله عن اليهود قد اتصف بهما كثير من المسلمين، فاستحلّ بعضهم حقوق أهل الذمة، وتأوّلوها بأنهم صاروا أهل حرب، في حين لا حرب ولا ضرب‏.‏
وقد كذّبهم الله تعالى في هذا الزعم فقال‏:‏ ‏{‏ويقولون على الله الكذب‏}‏ قال المفسرون‏:‏ إنهم ادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم‏.‏ وروى عن سعيد بن جبير أنه لما نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن أهل الكتاب من إن تأمنه‏}‏ إلى قوله ‏{‏وهم يعلمون‏}‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلاّ وهو تحت قدميّ هاتين إلاّ الأمانة فإنها مؤدّاة إلى البرّ والفاجر‏.‏
وقوله وهم يعلمون حال أي يعتمدون الكذب‏:‏ إما لأنهم علموا أنّ ما قاسوه على ما في كتابهم ليس القياس فيه بصحيح، وإما لأنّ التأويل الباطل بمنزلة العلم بالكذب، إذ الشبهة الضعيفة كالعهد‏.‏
و ‏(‏بَلى‏)‏ حرف جواب وهو مختص بإبطال النفي فهو هنا لإبطال قولهم‏:‏ ‏{‏ليس علينا في الأميين سبيل‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 75‏]‏‏.‏
و ‏(‏بلى‏)‏ غير مختصّة بجواب الاستفهام المنفي بل يجاب بها عند قصد الإبطال، وأكثر مواقعها في جواب الاستفهام المنفي، وجيء في الجواب بحكم عام ليشمل المقصود وغيره‏:‏ توفيراً للمعنى، وقصْداً في اللفظ، فقال‏:‏ ‏{‏من أوفى بعهده‏}‏ أي لم يخن، لأنّ الأمانة عهد، ‏{‏واتقى‏}‏» ربه فلم يدحَض حق غيره ‏{‏إنّ الله يحبّ المحسنين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 13‏]‏ أي الموصوفين بالتقوى، والمقصود نفي محبة الله عن ضدّ المذكور بقرينة المقام‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏77‏]‏
‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏77‏)‏‏}‏
مناسبة هذه الآية لما قبلها أنّ في خيانة الأمانة إبطالاً للعهد، وللحلف الذي بينهم، وبين المسلمين، وقريششٍ‏.‏ والكلامُ استئناف قصد منه ذكر الخُلق الجامع لشتات مساوئ أهل الكتاب من اليهود، دعا إليه قوله وَدّت طائفة من أهل الكتاب وما بعده‏.‏
وقد جرت أمثال هذه الأوصاف على اليهود مفرّقة في سورة البقرة ‏(‏40‏)‏‏:‏ ‏{‏أوفوا بعهدي، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 41‏]‏‏.‏ ‏{‏ماله في الآخرة من خلاق‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 102‏]‏‏.‏ ‏{‏ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزيكهم‏}‏ ‏[‏البرة‏:‏ 174‏]‏‏.‏ فعلمنا أنهم المراد بذلك هنا‏.‏ وقد بينا هنالك وجه تسمية دينهم بالعهد وبالميثاق، في مواضع، لأنّ موسى عاهدهم على العمل به، وبينا معاني هذه الأوصاف والأخبار‏.‏
ومعنى ‏{‏ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة‏}‏ غَضَبُه عليهم إذ قد شاع نفي الكلام في الكناية عن الغضب، وشاع استعمال النظر في الإقبال والعناية، ونفي النظر في الغَضب فالنظر المنفي هنا نظر خاص‏.‏ وهاتان الكنايتان يجوز معهما إرادة المعنى الحقيقي‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ولا يزكيهم‏}‏ أي لا يطهرهم من الذنوب ولا يقلعون عن آثامهم، لأنّ من بلغ من رقّة الديانة إلى حدّ أن يشتري بعهد الله وأيمانه ثمناً قليلاً، فقد بلغ الغَاية القصوى في الجُرْأة على الله، فكيف يُرجى له صلاح بعد ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى ولا يُنْميهم أي لا يكثر حظوظهم في الخيْرات‏.‏
وفي مجيء هذا الوعيد، عقب الصلة، وهي يشترون بعهد الله الآية، إيذان بأنّ من شابههم في هذه الصفات فهو لاَحِقٌ بهم، حتى ظنّ بعض السلف أنّ هذه الآية نزلت فيمن حلَف يميناً باطلة، وكلّ يظنّ أنها نزلت فيما يَعرفه من قصةِ يَمين فاجرة، ففي «البخاري»، عن أبي وائِل، عن عبد الله بن مسعود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من حلف يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ‏"‏ فأنزل الله تصديق ذلك‏:‏ ‏{‏إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم‏}‏ الآية فدخل الأشعث بن قيس وقال‏:‏ «ما يحدثكم أبو عبد الرحمان» قلنا‏:‏ كذا وكذا‏.‏ قال‏:‏ «فيّ أنزلت كانت لي بئر في أرض ابن عم لي» فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بينتك أو يمينه قلت‏:‏ إذن يحلف فقال رسول الله‏:‏ من حَلف على يمين صبر الحديث‏.‏
وفي «البخاري»، عن عبد الله بن أبي أوفى‏:‏ أنّ رجلاً أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يُعْطَه ليُوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت‏:‏ ‏{‏إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً‏}‏ الآية‏.‏
وفيه عن ابن عباس أنه قرأ هاته الآية في قصّة وجبت فيها يمين لِردّ دعوى‏:‏
تفسير الآية رقم ‏[‏78‏]‏
‏{‏وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏78‏)‏‏}‏
أي من اليهود طائفة تخيل للمسلمين أشياء أنها مما جاء في التوراة، وليست كذلك، إما في الاعتذار عن بعض أفعالهم الذميمة، كقولهم‏:‏ ليس علينا في الأميين سبيل، وإما للتخليط على المسلمين حتى يشككوهم فيما يخالف ذلك مما ذكره القرآن، أو لإدخال الشك عليهم في بعض ما نزل به القرآن، فاللَّيُّ مجمل، ولكنه مبين بقوله‏:‏ ‏{‏لتحسبوه من الكتاب‏}‏ وقولِه‏:‏ ‏{‏ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله‏}‏‏.‏
واللَّيُّ في الأصل‏:‏ الإراغة أي إدارة الجسم غير المتصلب إلى غير الصوْب الذي هو ممتدّ إليه‏:‏ فمن ذلك ليّ الحَبْل، وليّ العنان للفَرس لإدارته إلى جهة غير صوب سَيره، ومنه لَيّ العنق، وليّ الرأس بمعنى الالتفات الشزر والإعراض قال تعالى‏:‏ ‏{‏لووا رؤوسهم‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 5‏]‏‏.‏
واللّي في هذه الآية يحتمل أن يكون حقيقة بمعنى تحريف اللسان عن طريق حرف من حروف الهجاء إلى طريق حرف آخر يقاربه لتعطي الكلمة في أذن السامع جرس كلمة أخرى، وهذا مثل ما حكى الله عنهم في قولهم «راعنا» وفي الحديث من قولهم في السلام على النبي‏:‏ «السامُ عليكم» أي الموت أو «السِّلام بكسر السين عليك» وهذا اللّي يشابه الإشمام والاختلاس ومنه إمالة الألف إلى الياء، وقد تتغير الكلمات بالترقيق والتفخيم وباختلاف صفات الحروف‏.‏ والظاهر أنّ الكتاب هو التوراة فلعلهم كانوا إذا قرؤوا بعض التوراة بالعربية نطقوا بحروف من كلماتها بينَ بينَ ليوهموا المسلمين معنى غير المعنى المراد، وقد كانت لهم مقدرة ومِراس في هذا‏.‏
وقريب من هذا ما ذكره المبرّد في الكامل أنّ بعض الأزارقة أعاد بيت عُمر ابن أبي ربيعة في مجلس ابن عباس
‏.‏ *** رَأتْ رجلاً أما إذا الشمس عَارَضت
فيضْحَى وأما بالعشي فيخصر *** فجعل يضحى يَحْزَى وجعل يَخصر يخسر بالسين لِيشوّه المعنى لأنه غضب من إقبال ابن عباس على سماع شعره‏.‏ وفي الأحاجي والألغاز كثير من هذا كقولهم‏:‏ إنّ للاّهي إلهاً فوقَه فيقولها أحد بحضرة ناس ولا يشبع كسرة اللاّهي يخالها السامع لله فيظنه كَفَر‏.‏ أو لعلهم كانوا يقرؤون ما ليس من التوراة بالكيفيات أو اللحون التي كانوا يقرؤون بها التوراة ليخيلوا للسامعين أنهم يقرؤون التوراة‏.‏
ويحتمل أن يكون اللّي هنا مجازَاً عن صرف المعنى إلى معنى آخر كقولهم لوى الحجة أي ألقي بها على غير وجهها، وهو تحريف الكلم عن مواضعه‏:‏ بالتأويلات الباطلة، والأقيسة الفاسدة، والموضوعات الكاذبة، وينسبون ذلك إلى الله، وأياماً كان فهذااللَّيُّ يقصدون منه التمويه على المسلمين لغرض، حكما فعل ابن صوريا في إخفاء حكم رجم الزاني في التوراة وقوله‏:‏ نحَمم وجهه‏.‏
والمخاطب يتحسبوه المسلمون دون النبي صلى الله عليه وسلم أو هو والمسلمون في ظنّ اليهود‏.‏
وجيء بالمضارع في هاته الأفعال‏:‏ يلوون، ويَقُولون، للدلالة على تجدّد ذلك وأنه دأبهم‏.‏
وتكرير الكتاب في الآية مرتين، واسم الجلالة أيضاً مرتين، لقصد الاهتمام بالاسمين، وذلك يجر إلى الاهتمام بالخبر المتعلق بهما، والمتعلقين به، قال المرزوقي في شرح الحماسة في باب الأدب عند قول يحيى بن زياد‏:‏
لما رأيت الشيب لاح بياضه *** بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا
كان الواجب أن يقول‏:‏ «قلت له مرحبا لكنهم يكرّرون الأعلام وأسماء الأجناس كثيراً والقصد بالتكرير التفخيم» قلت ومنه قول الشاعر‏:‏
لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** قهر الموت ذا الغنى والفقيرا
وقد تقدم تفصيل ذلك عند قوله تعالى في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 282‏]‏‏:‏ ‏{‏واتقوا اللَّه ويعلمكم اللَّه واللَّه بكل شيء عليم‏}‏
والقراءة المعروفة يلوون‏:‏ بفتح التحتية وسكون اللام وتخفيف الواو مضارع لوى، وذكر ابن عطيّة أنّ أبا جعفر قرأه‏:‏ يُلَوون بضم ففتح فواو مشدّدة مضارع لوّى بوزن فعل للمبالغة ولم أر نسبة هذه القراءة إلى أبي جعفر في كتب القراءات‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏79- 80‏]‏
‏{‏مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ‏(‏79‏)‏ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏80‏)‏‏}‏
اعتراض واستطراد‏:‏ فإنه لما ذكر لَيّ اليهودِ ألسنتَهم بالتوراة، وهو ضرب من التحريف، استطرد بذكر التحريف الذي عند النصارى لمناسبة التشابه في التحريف إذ تقَوّل النصارى على المسيح أنه أمرهم بعبادته فالمراد بالبشر عيسى عليه السلام، والمقصود تنزيه عيسى عن أن يكون قال ذلك، ردّاً على النصارى، فيكون رجوعاً إلى الغرض الذي في قوله‏:‏ ‏{‏قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء إلى قوله بأنا مسلمون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 64‏]‏‏.‏
وفي «الكشاف» قيل نزلت لأنّ رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله نُسلمُ عليك كما يُسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏ لا ينبغي أن يُسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيئكم واعرِفوا الحق لأهله ‏"‏ قلت‏:‏ أخرجه عبد بن حميد عن الحسن، فعلى تقدير كونه حديثاً مقبولاً فمناسبة ذكر هذه الآية أنها قص منها الردّ على جميع هذه المعتقدات‏.‏ ووقع في أسباب النزول للواحدي مِن رواية الكلبي، عن ابن عباس‏:‏ أنّ أبا رافع اليهودي والسيدَ مِن نصارى نجران قالا يا محمد‏:‏ «أتريد أن نعبدك» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ معاذ الله أن يُعبد غير الله ‏"‏ ونزلت هذه الآية‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ما كان لبشر‏}‏ نفي لاستحقاق أحد لذلك القول واللام فيه للاستحقاق‏.‏ وأصل هذا التركيب في الكلام ما كان فُلان فاعلاً كذا، فلما أريدت المبالغة في النفي عدل عن نفي الفعل إلى نفي المصدر الدال على الجنس، وجعل نفي الجنس عن الشخص بواسطة نفي الاستحقاق إذ لا طريقة لِحمل اسم ذات على اسم ذات إلاّ بواسطة بعض الحروف، فصار التركيب‏:‏ ما كان له أن يفعل، ويقال أيضاً‏:‏ ليس له أن يفعل، ومثل ذلك في الإثبات كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 118‏]‏‏.‏
فمعنى الآية‏:‏ ليس قولُ ‏{‏كونوا عباداً لي‏}‏ حقاً لبشر أيِّ بشر كان‏.‏ وهذه اللام هي أصل لام الجحود التي في نحو ‏{‏وما كان الله ليعذّبهم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 33‏]‏، فتراكيب لام الجحود كلّها من قبيل قلب مثل هذا التركيب لقصد المبالغة في النفي، بحيث ينفى أن يكون وجود المسند إليه مجعولاً لأجل فِعْل كذا، أي فهو بريء منه بأصل الخلقة ولذلك سميت جحوداً‏.‏
والمنفي في ظاهر هذه الآية إيتاء الحكم والنبوءة، ولكن قد علم أنّ مصبّ النفي هو المعطوف من قوله‏:‏ ‏{‏ثم يقول للناس كونوا عباداً لي‏}‏ أي ما كان له أن يقول كونوا عباداً لي إذا آتاه الله الكتاب إلخ‏.‏
والعباد جمع عبد كالعبيد، وقال ابن عطية‏:‏ «الذي استقريت في لفظ العباد أنه جمع عبد لا يقصد معه التحقير، والعبيد يقصد منه، ولذلك قال تعالى‏:‏ «يا عبادي» وسمّت العرب طوائف من العرب سكنوا الحِيرة ودخلوا تحت حكم كِسرى بالعباد، وقيل لأنهم تنصّروا فسموْهم بالعباد، بخلاف جمعه على عَبيد كقولهم‏:‏ هم عبيد العَصا، وقال حمزةُ بنُ المطلب هل أنتم إلاّ عبيدٌ لأبي ومنه قول الله تعالى‏:‏
‏{‏وما ربك بظلام للعبيد‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 46‏]‏؛ لأنّه مكان تشفيق وإعْلام بقلة مقدرتهم وأنه تعالى ليس بظلاّم لهم مع ذلك، ولما كان لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك آنس بها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 53‏]‏ فهذا النوع من النظر يُسلك به سُبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن على الطريقة العربية السلبية»‏.‏ اه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏من دون الله‏}‏ قيد قصد منه تشنيع القول بأن يكونوا عباداً للقائل بأنّ ذلك يقتضي أنهم انسلخوا عن العبودية لله تعالى إلى عبودية البشر، لأنّ حقيقة العبودية لا تقبل التجزئة لمعبودين، فإنّ النصارى لما جعلوا عيسى ربّاً لهم، وجعلوه ابناً للَّه، قد لزمهم أنهم انخلعوا عن عبودية الله فلا جدوى لقولهم‏:‏ نحن عبد الله وعبيدُ عيسى، فلذلك جعلت مقالتُهم مقتضية أنّ عيسى أمرهم بأن يكونوا عباداً له دون الله، والمعنى أنّ لآمِر بأن يكون الناس عباداً له هو آمر بانصرافهم عن عبادة الله‏.‏ ‏{‏ولكن كونوا ربانيين‏}‏ أي ولكن يقول كونوا ربانيين أي كونوا منسوبين للربّ، وهو الله تعالى، لأنّ النسب إلى الشيء إنما يَكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب إليه‏.‏
ومعنى ذلك أن يَكونوا مخلصين لله دون غيره‏.‏
والربّاني نسبة إلى الرب على غير قياس كما يقال اللِّحياني لعظيم اللحية، والشَّعراني لكثير الشعرَ‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏بما كنتم تعلمون الكتاب‏}‏ أي لأنّ علمكم الكتاب من شأنه أن يصدّكم عن إشراك العبادة، فإنّ فائدة العلم العمل‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ بما كنتم تعلمون بفتح المثناة الفوقية وسكون العين وفتح اللام مضارع عَلِم‏.‏ وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف‏:‏ بضم ففتح فلاممٍ مشدّدة مكسورة مضارع عَلَّم المضاعف‏.‏
‏{‏وتدرسون‏}‏ معناه تقرؤون أي قراءة بإعادة وتكرير‏:‏ لأنّ مادّة درس في كلام العرب تحوم حول معاني التأثر من تكرّر عمل يُعمل في أمثاله، فمنه قولهم‏:‏ دَرَسَت الريحُ رسمَ الدار إذا عفته وأبلته، فهو دارس، يقال منزل دارس، والطريق الدارس العافي الذي لا يتبين‏.‏ وثوْب دارس خَلَقٌ، وقالوا‏:‏ دَرَس الكتاب إذا قرأه بتمهّل لحفظه، أو للتدبّر، وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلت عليهم السكينة إلخ ‏"‏ رواه الترمذي فعطَفَ التدارس على القراءة فعُلم أنّ الدراسة أخصّ من القراءة‏.‏ وسموا بيت قراءة اليهود مِدْرَاساً كما في الحديث‏:‏ إنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج في طائفة من أصحابه حتى أتى مدراس اليهود فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلخ‏.‏ ومادة درس تستلزم التمكن من المفعول فلذلك صار درس الكتاب مجازاً في فهمه وإتقانه ولذلك عطف في هذه الآية ‏{‏وبما كنتم تدرسون‏}‏ على ‏{‏بما كنتم تعلمون الكتاب‏}‏‏.‏
وفعله من باب نصر، ومصدره في غالب معانيه الدرس، ومصدر درس بمعنى قرأ يجيء على الأصل دَرْساً ومنه سمي تعليم العِلم درساً‏.‏
ويجيء على وزن الفِعالة دِراسة وهي زنة تدل على معالجة الفعل، مثل الكتابة والقراءة، إلحاقاً لذلك بمصادر الصناعات كالتجارة والخياطة‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏ولا يأمركم‏}‏ التفات من الغيبة إلى الخطاب‏.‏
وقرأ الجمهور «يأمُرُكم» بالرفع على ابتداء الكلام، وهذا الأصل فيما إذا أعيد حرف النفي، فإنه لما وقع بعد فعل منفي، ثم انتقض نفيه بلكن، احتيج إلى إعادة حرف النفي، والمعنى على هذه القراءة واضح‏:‏ أي ما كان لبشر أن يقول للناس كونوا إلخ ولا هو يأمُرهم أن يتخذوا الملائكة أرباباً‏.‏ وقرأه ابن عامر، وحمزة ويعقوب، وخلف‏:‏ بالنصب عطفاً على أن يقولَ ولا زائدة لتأكيد النفي الذي في قوله‏:‏ ‏{‏ما كان لبشر‏}‏، وليست معمولة لأنْ‏:‏ لاقتضاء ذلك أن يصير المعنى‏:‏ لا ينبغي لبشر أوتي الكتاب ألاّ يأمركم أن تتخذوا، والمقصود عكس هذا المعنى، إذ المقصود أنه لا ينبغي له أن يأمر، فلذلك اضطرّ في تخريج هذه القراءة إلى جعل لا زائدة لتأكيد النفي وليست لنفي جديد‏.‏ وقرأه الدُّوري عن أبي عمرو باختلاس الضمة إلى السكون‏.‏
ولعلّ المقصود من قوله‏:‏ ‏{‏ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً‏}‏‏:‏ أنهم لما بالغوا في تعظيم بعض الأنبياء والملائكة، فصوّروا صور النبيئين، مثل يحيى ومريم، وعبدوهما، وصوّروا صور الملائكة، واقتران التصوير مع الغلوّ في تعظيم الصورة والتعبد عندها ضربٌ من الوثنية‏.‏
قال ابن عرفة‏:‏ «إن قيل نفي الأمر أعم من النهي فهلا قيل ويَنهاكم‏.‏ والجواب أنّ ذلك باعتبار دعواهم وتقوّلهم على الرسل»‏.‏ وأقول‏:‏ لعلّ التعبير بلا يأمركم مشاكلة لقوله‏:‏ ‏{‏ثم يقول للناس‏}‏ لأنهم زعموا أنّ المسيح قال‏:‏ إنه ابنُ الله فلما نفي أنه يقول ذلك نفي ما هو مثله وهو أن يأمرُهم باتخاذ الملائكة أرباباً، أو لأنهم لما كانوا يدّعون التمسك بالدين كان سائر أحوالهم محمولة على أنهم تلقوها منه، أو لأنّ المسيح لم ينههم عن ذلك في نفس الأمر، إذ هذا مما لا يخطر بالبال أن تتلبس به أمة متدينة فاقتصر، في الردّ على الأمة، على أنّ أنبياءهم لم يَأمروهم به ولذلك عقب بالاستفهام الإنكاري، وبالظرف المفيد مزيد الإنكار على ارتكابهم هذه الحالة، وهي قوله‏:‏ ‏{‏أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون‏}‏‏.‏
فهناك سببان لإنكار أن يكونَ ما هم عليه مُرضياً أنبياءهم؛ فإنه كفر، وهم لا يرضون بالكفر‏.‏ فما كان من حقّ من يتبعونهم التلبُّس بالكفر بعد أن خرجوا منه‏.‏
والخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏ولا يأمركم‏}‏ التفات من طريقة الغيبة في قوله‏:‏ ‏{‏ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله‏}‏ فالمواجَه بالخطاب هم الذين زعموا أنّ عيسى قال لهم‏:‏ كونوا عباداً لي من دون الله‏.‏
فمعنى ‏{‏أنتم مسلمون‏}‏ يقتضي أنّهم كانوا مسلمين والخطاب للنصارى وليس دينهم يطلق عليه أنه إسلام‏.‏ فقيل‏:‏ أريد بالإسلام الإيمان أي غير مشركين بقرينة قوله ‏{‏بالكفر‏}‏‏.‏
وقيل الخطاب للمسلمين بناء على ظاهر قوله‏:‏ ‏{‏إذ أنتم مسلمون‏}‏ لأنّ اليهود والنصارى لم يوصفوا بأنهم مسلمون في القرآن، فهذا الذي جرّأ من قالوا‏:‏ إنّ الآية نزلت لقول رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم «ألاَ نسجد لك»، ولا أراه لو كان صحيحاً أن تكون الآية قاصدة إياه؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل‏:‏ ثم يأمر الناس بالسجود إليه، ولما عرّج على الأمر بأن يكونوا عباداً له من دون الله ولا بأن يتّخذوا الملائكة والنبيين أرباباً‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏81- 82‏]‏
‏{‏وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ‏(‏81‏)‏ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏82‏)‏‏}‏
عطف ‏{‏وإذْ أخذ الله‏}‏ على ‏{‏ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 80‏]‏ أي ما أمركم الأنبياء بشيء مما تقوّلتم عليهم وقد أمروكم بغير ذلك فأضعتموه حين أخذ الله ميثاقهم لِيُبَلِّغوه إليكم، فالمعطوف هو ظرف ‏(‏إذْ‏)‏ وما تعلق به‏.‏
ويجوز أن يتعلق ‏(‏إذ‏)‏ بقوله‏:‏ ‏{‏أأقررتم‏}‏ مقدماً عليه‏.‏ ويصح أن تجعل ‏(‏إذ‏)‏ بمعنى زمان غير ظرف والتقدير‏:‏ واذْكر إذْ أخذ الله ميثاق النبيين، فالمقصود الحكاية عن ذلك الزمان وما معه فيكون ‏{‏قال أقررتم‏}‏ معطوفاً بحذف العاطف‏.‏ كما هو الشأن في جمل المحاورة وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏قالوا أقررنا‏}‏‏.‏
ويصح أن تكون جملة ‏{‏قال أأقررتم‏}‏ وما بعدها بياناً لجملة ‏{‏أخذ اللَّه ميثاق النبيين‏}‏ باعتبار ما يقتضيه فعل أخذ الله ميثاقَ النبيين‏:‏ من أنّ النبيين أعْطَوْا ميثاقاً لله فقال‏:‏ أأقررتم قالوا‏:‏ أقررنا إلخ‏.‏ ويكون قوله‏:‏ ‏{‏لما آتينااكم‏}‏ إلى قوله ‏{‏ولتنصرنه‏}‏ هو صيغة الميثاق‏.‏
وهذا الميثاق أخذه الله على جميع الأنبياء، يؤذنهم فيه بأنّ رسولاً يجيء مصدّقاً لما معهم، ويأمُرُهم بالإيمان به وبنصره، والمقصود من ذلك إعلام أممهم بذلك ليَكون هذا الميثاق محفوظاً لدى سائر الأجيال، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏فمن تولّى بعد ذلك‏}‏ إلخ إذ لا يجوز على الأنبياء التولّي والفسق ولكنّ المقصود أممهم كقوله‏:‏ ‏{‏لئن أشركت ليحبطن عملك‏}‏‏.‏ وبدليل قوله قال‏:‏ ‏{‏فاشهدوا‏}‏ أي على أممكم‏.‏ وإلى هذا يرجع ما ورد في القرآن من دعوة إبراهيم عليه السلام‏:‏ ‏{‏ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 129‏]‏، وقد جاء في سفر التثنية قول موسى عليه السلام‏:‏ «قال لي الربّ أقيم لهم نبيئاً من وسط إخوتهم مثلَك وأجْعَلُ كلامي في فمه فيكلمهم بكلّ ما أوصيه به»‏.‏ وإخوَةُ بني إسرائيل هم بنو إسماعيل، ولو كان المراد نبيئاً إسرائيلياً لقال أقيم لهم نبيئاً منهم على ما في ترجمة التوراة من غموض ولعلّ النص الأصلي أصرح من هذا المترجم‏.‏
والبشارات في كتب أنبياء بني إسرائيل وفي الأناجيل كثيرة ففي متى قول المسيح «وتقوم أنبياء كذَبة كثيرون ويضلون كثيرين ولكنّ الذي يصبر أي يبقى أخيراً إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادةً لجميع الأمم ثم يَأتي المنتهَى» وفي إنجيل يوحنا قول المسيح «وأنا أطلب من الأب فيعطيكم مُعَزِّياً آخر ليَمكث معكم إلى الأبد وأما المُعَزِّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلتُه لكم ومتى جاء المعزِّي روحُ الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي» إلى غير ذلك‏.‏
وفي أخذ العهد على الأنبياء زيادة تنويه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى هو ظاهر الآية، وبه فسر محققو المفسرين من السلف والخلف منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، وطاووس، والسدي‏.‏
ومن العلماء من استبعد أن يكون أخذ العهد على الأنبياء حقيقة نظراً إلى قوله‏:‏ ‏{‏فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون‏}‏ ‏(‏توهموه متعيناً لأن يكون المراد بمن تولّى من النبيين المخاطبين، وستعلم أنه ليس كذلك‏)‏ فتأوّلوا الآية بأنّ المراد أخذ العهد على أممهم، وسلكوا مسالك مختلفة من التأويل فمنهم من جعل إضافة الميثاق للنبيين إضافة تشبه إضافة المصدر إلى فاعله أي أخذ الله على الأمم ميثاق أنبيائهم منهم‏.‏ ومنهم من قدَّر حذف المضاف أي أمم النبيئين أو أولاد النبيئين وإليه مال قول مجاهد والربيع، واحتجوا بقراءة أبي، وابن مسعود، هذه الآية‏:‏ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيناكم من كتاب، ولم يقرأ ميثاق النبيئين، وزاد مجاهد فقال‏:‏ إن قراءة أبي هي القرآن، وإنّ لفظ النبيئين غلط من الكتَّاب، وردّه ابن عطية وغيره بإجماع الصحابة والأمة على مصحف عثمان‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏لما آتيناكم‏}‏ قرأ الجمهور «لَمَا» بفتح اللام وتخفيف الميم فاللام موطئة للقسم، لأنّ أخذ الميثاق في معنى اليمين وما موصوله مبتدأ ‏{‏وآتيناكم‏}‏ صلته وحذف العائد المنصوب جرى على الغالب في مثله ومِن كتاب بيان للموصول وصلتِه، وعُطف ‏{‏ثم جاءكم‏}‏ على ‏{‏آتيْناكم‏}‏ أي الذي آتيناكموه وجاءكم بعده رسول‏.‏ ولتؤمننّ اللام فيه لام جواب القسم والجواب سدّ مسد خبر المبتدأ كما هو المعروف وضمير به عائد على المذكور أي لتؤمنّن بما آتيناكم وبالرسول، أو هو عائد على الرسول وحذف ما يعود على ما آتيناكم لظهوره‏.‏
وقرأه حمزة‏:‏ بكسر لام لما فتكون اللام للتعليل متعلق بقوله‏:‏ ‏{‏لتؤمننّ به‏}‏ أي شكراً على ما آتيتُكم وعلى أن بعثت إليكم رسولاً مصدّقاً لما كنتم عليه من الدين ولا يضرّ عمل مَا بعد لام القسم فيما قبلها فأخْذ الميثاق عليهم مطلقاً ثم علّل جواب القسم بأنه من شكر نعمة الإيتاء والتصديق، ولا يصح من جهة المعنى تعليق ‏{‏لما آتيتكم‏}‏ بفعل القسم المحذوف، لأنّ الشكر علة للجواب، لا لأخْذ العهد‏.‏
ولام ‏{‏لتؤمِننّ‏}‏ لام جواب القسم، على الوجه الأول، وموطئة للقسم على الوجه الثاني‏.‏
وقرأ نافع، وأبو جعفر‏:‏ آتيناكم بنون العظمة وقرأه الباقون ‏{‏آتيتكم‏}‏ بتاء المتكلم‏.‏
وجملة قال‏:‏ ‏{‏أأقررتم‏}‏ بدل اشتمال من جملة ‏{‏أخذ الله ميثاق النبيين‏}‏‏.‏
والإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق‏.‏
والإصر‏:‏ بكسر الهمزة، العهد المؤكد الموثق واشتقاقه من الإصار بكسر الهمزة وهو ما يعقد ويسدّ به، وقد تقدم الكلام على حقيقته ومجازه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ربنا ولا تحمل علينا إصراً‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 286‏]‏‏.‏
‏(‏وقوله‏:‏ ‏{‏فاشهدوا‏}‏ إن كان شهادة على أنفسهم فهي بمعنى التوثق والتحقيق وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏وأنا معكم من الشاهدين‏}‏ كقوله‏:‏ ‏{‏شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 18‏]‏ وإن كانت شهادة على أممهم بتبليغ ذلك الميثاق فالمعنى فاشهدوا على أممكم بذلك، والله شاهد على الجميع كما شهد النبيئون على الأمم‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فمن تولى بعد ذلك‏}‏ أي من تولّى مِمن شهدتم عليهم، وهم الأمم، ولذلك لم يقل فمن تولّى بعد ذلك منكم كما قال في الآية التي خوطب فيها بنو إسرائيل في سورة ‏[‏المائدة‏:‏ 12‏]‏‏:‏ ‏{‏فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبيل‏}‏
ووجه الحَصر في قوله‏:‏ فأولئك هم الفاسقون‏}‏ أنه للمبالغة لأنّ فسقهم في هذه الحالة أشد فسق فجعل غيره من الفسق كالعدَم‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏83‏]‏
‏{‏أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ‏(‏83‏)‏‏}‏
تفريع عن التذكير بما كان عليه الأنبياء‏.‏
والاستفهام للتوبيخ والتحذير‏.‏
وقرأه الجمهور ‏{‏تبغون‏}‏ بتاء الخطاب فهو خطاب لأهل الكتاب جارٍ على طريقة الخطاب في قوله آنفاً‏:‏ ‏{‏ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 80‏]‏ وقرأه أبو عَمرو، وحفص، ويعقوب‏:‏ بياء الغيبة فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة، إعراضاً عن مخاطبتهم إلى مخاطبة المسلمين بالتعجيب من أهل الكتاب‏.‏ وكله تفريع ذكر أحوال خلَف أولئك الأمم كيف اتبعوا غير ما أخذ عليهم العهد به‏.‏ والاستفهام حينئذ للتعجيب‏.‏
ودين الله هو الإسلام لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الدين عند الله الإسلام‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 19‏]‏ وإضافته إلى الله لتشريفه على غيره من الأديان، أو لأنّ غيره يومئذ قد نسخ بما هو دين الله‏.‏
ومعنى ‏{‏تبغون‏}‏ وتطلبون يقال بَغى الأمرَ يبغيه بُغَاء بضم الباء وبالمد، ويقصر والبُغية بضم الباء وكسرها وهاء في آخره قيل مصدر، وقيل اسم، ويقال ابتغى بمعنى بغى، وهو موضوع للطلب ويتعدّى إلى مفعول واحد‏.‏ وقياس مصدره البغي، لكنه لم يسمع البغي إلاّ في معنى الاعتداء والجور، وذَلك فعلُه قاصر، ولعلهم أرادوا التفرقة بين الطلب وبين الاعتداء، فأماتوا المصدر القياسي لبَغَى بمعنى طلب وخصّوه ببغى بمعنى اعتدى وظلم‏:‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 42‏]‏ ويقال تَبَغّى بمعنى ابتغى‏.‏
وجملة ‏{‏وله أسلَم‏}‏» حال من اسم الجلالة وتقدم تفسير معنى الإسلام لله عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقل أسلمتُ وجهي للَّه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 20‏]‏‏.‏
ومعنى ‏{‏طوعاً وكرهاً‏}‏ أنّ من العقلاء من أسلم عن اختيار لظهور الحق له، ومنهم من أسلم بالجبلّة والفطرة كالملائكة، أو الإسلام كرهاً هو الإسلام بعد الامتناع أي أكرهته الأدلة والآيات أو هو إسلام الكافرين عند الموت ورؤية سوء العاقبة، أو هو الإكراه على الإسلام قبل نزول آية لاَ إكراه في الدين‏.‏
والكرهُ بفتح الكاف هو الإكراه، والكُره بضم الكاف المكروه‏.‏
ومعنى ‏{‏وإليه ترجعون‏}‏ أنه يرجعكم إليه ففعل رجع المتعدّي أسند إلى المجهول‏.‏ لظهور فاعله، أي يرجعكم الله بعد الموت، وعند القيامة، ومناسبة ذكر هذا، عقب التوبيخ والتحذير، أنّ الربّ الذي لا مفر من حكمه لا يجوز للعاقل أن يعدل عن ديننٍ أمره به، وحقه أن يسلم إليه نفسه مختاراً قبل أن يسلمها اضطراراً‏.‏
وقد دل قوله‏:‏ ‏{‏وإليه ترجعون‏}‏ على المراد من قوله‏:‏ ‏{‏وكرهاً‏}‏‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ وإليه تُرجعون بتاء الخطاب، وقرأه حفص بياء الغيبة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏84‏]‏
‏{‏قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏84‏)‏‏}‏
المخاطب بفعل قل هو النبي صلى الله عليه وسلم ليقول ذلك بمسمع من الناس‏:‏ مسلمهم، وكافرهم، ولذلك جاء في هذه الآية قوله‏:‏ ‏{‏وما أنزل علينا‏}‏ أي أنزل عليّ لتبليغكم فجعل إنزاله على الرسول والأمة لاشتراكهم في وجوب العمل بما أنزل، وعدّى فعل ‏(‏أنزل‏)‏ هنا بحرف ‏(‏على‏)‏ باعتبار أنّ الإنزال يقتضي علوّاً فوصول الشيء المنزَل وصول استعلاء وعدّي في آية سورة البقرة بحرف ‏(‏إلى‏)‏ باعتبار أنّ الإنزال يتضمن الوصول وهو يتعدّى بحرف ‏(‏إلى‏)‏‏.‏ والجملة اعتراض‏.‏ واستئناف‏:‏ لتلقين النبي عليه السلام والمسلمين كلاماً جامعاً لمعنى الإسلام ليدوموا عليه، ويعلن به للأمم، نشأ عن قوله‏:‏ ‏{‏أفغير دين الله يبغون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 83‏]‏‏.‏
ومعنى‏:‏ ‏{‏لا نفرق بين أحد منهم‏}‏ أننا لا نعادي الأنبياء، ولا يحملنا حبّ نبيئنا على كراهتهم، وهذا تعريض باليهود والنصارى، وحذف المعطوف وتقديره لا نفرق بين أحد وآخر، وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة‏.‏ وهذه الآية شعار الإسلام وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وتؤمنون بالكتاب كله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 119‏]‏‏.‏
وهنا انتهت المجادلة مع نصارى نجران‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏85‏]‏
‏{‏وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏85‏)‏‏}‏
عطف على جملة ‏{‏أفغير دين الله يبغون‏}‏ وما بينهما اعتراض، كما علمت، وهذا تأييس لأهل الكتاب من النجاة في الآخرة، وردّ لقولهم‏:‏ نحن على ملة إبراهيم، فنحن ناجون على كلّ حال‏.‏ والمعنى من يبتغ غير الإسلام بعد مجيء الإسلام‏.‏ وقرأه الجميع بإظهار حرفي الغين من كلمة ‏{‏من يبتغ‏}‏ وكلمة ‏{‏غير‏}‏ وروى السُوسي عن أبي عمرو إدغام إحداهما في الأخرى وهو الإدغام الكبير‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏86‏]‏
‏{‏كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏86‏)‏‏}‏
استئناف ابتدائي يناسب ما سبقه من التنويه بشرف الإسلام‏.‏
‏(‏وكيف‏)‏ استفهام إنكاري والمقصود إنكار أن تحصل لهم هداية خاصة وهي إما الهداية الناشئة عن عناية الله بالعبد ولطفه به، وإسنادها إلى الله ظاهر؛ وإما الهداية الناشئة عن إعمال الأدلة والاستنتاج منها، وإسنادُها إلى الله لأنّه موجد الأسباب ومسبّباتها‏.‏ ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملاً في الاستبعاد، فإنهم آمنوا وعلموا ما في كتب الله، ثمّ كفروا بعد ذلك بأنبيائهم، إذ عبدَ اليهود الأصنام غير مرة، وعبد النصارى المسِيح، وقد شهدوا أنّ محمداً صادق لقيام دلائل الصدق، ثم كابروا، وشككوا الناس‏.‏ وجاءتهم الآيات فلم يتعظوا، فلا مطمع في هديهم بعد هذه الأحوال، وإنما تسري الهداية لمن أنصف وتهيّأ لإدراك الآيات دون القوم الذين ظلموا أنفسهم‏.‏ وقيل نزلت في اليهود خاصّة‏.‏ وقيل نزلت في جماعة من العرب أسلموا ثم كفروا ولحقوا بقريش ثم ندموا فراسلوا قومهم من المسلمين يسألونهم هل من توبة فنزلت، ومِنهم الحارث بن سويد، وأبو عامر الراهب، وطُعيمة بن أُبَيْرِق‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وشهدوا‏}‏ عطف على ‏{‏إيمانهم‏}‏ أي وشهادتهم، لأنّ الاسم الشبيه بالفعل في الاشتقاق يحسن عطفه على الفعل وعطفُ الفعل عليه‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 89‏]‏
‏{‏أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏87‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏88‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏89‏)‏‏}‏
الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما يَرد بعد اسم الإشارة من الحُكم عليهم‏.‏ وتقدم معنى ‏{‏لعنة الله والملائكة إلى قوله ‏{‏أجمعين‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏161‏)‏‏.‏ وتقدم أيضاً معنى ‏{‏إلا الذين تابوا وأصلحوا‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏160‏)‏، ومعنى فإن الله غفور رحيم‏}‏ الكناية عن المغفرة لهم‏.‏ قيل نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري من بني عمرو بن عوف الذي ارتدّ ولحق بقريش وقيل بنصارى الشام، ثم كتب إلى قومه ليسألهم هل من توبة، فسألوا رسول الله فنزلت هذه الآية فأسلم ورجع إلى المدينة وقوله‏:‏ ‏{‏فإن الله غفور رحيم‏}‏ علة لكلام محذوف تقديره الله يغفر لهم لأنه غفور رحيم‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏90‏]‏
‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ‏(‏90‏)‏‏}‏
قال قتادة، وعطاء، والحسن‏:‏ نزلت هذه الآية في اليهود، وعليه فالموصول بمعنى لام العهد، فاليهود بعد أن آمنوا بموسى كفروا بعيسى وازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم
وقيل أريد به اليهود والنصارى‏:‏ فاليهود كما علمتَ، والنصارى آمنوا بعيسى ثم كفروا فعبدوه وألهوه ثم ازدادوا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم
وتأويل ‏{‏لن تقبل توبتهم‏}‏ إما أنه كناية عن أنهم لا يتوبون فتقبَل توبتهم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يقبل منها شفاعة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 48‏]‏ أي لا شفاعة لها فتقبل وهذا كقول امرئ القيس
‏.‏ *** على لاَ حب لا يُهتدَى بمناره
أي لا منار له، إذ قد علم من الأدلة أنّ التوبة مقبولة ودليله الحصر المقصود به المبالغة في قوله‏:‏ ‏{‏وأولئك هم الضالون‏}‏‏.‏ وإمَّا أنّ الله نهى نبيه عن الاغترَار بما يظهرونه من الإسلام نفاقاً، فالمراد بعدم القبول عدم تصديقهم في إيمانهم، وإما الإخبار بأنّ الكفر قد رسخ في قلوبهم فصار لهم سجية لا يحولون عنها، فإذا أظهروا التوبة فهم كاذبون، فيكون عدم القبول بمعنى عدم الاطمئنان لهم، وأسرارُهم موكولة إلى الله تعالى‏.‏ وقد أسلم بعض اليهود قبل نزول الآية‏:‏ مثل عبد الله بن سلام، فلا إشكال فيه، وأسلم بعضهم بعد نزول الآية‏.‏
وقيل المراد الذين ارتدّوا من المسلمين وماتوا على الكفر، فالمراد بالازدياد الاستمرار وعدم الإقلاع‏.‏ والقول في معنى لن تقبل توبتهم كما تقدم‏.‏ وعليه يكون قوله‏:‏ ‏{‏إن الذين كفروا وماتوا‏}‏ توكيداً لفظياً بالمرادف، ولِيُبْنى عليه التفريع بقوله‏:‏ ‏{‏فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً‏}‏ وأياماً كان فتأويل الآية مُتعين‏:‏ لأنّ ظاهرها تعارضه الأدلة القاطعة على أنّ إسلام الكافر مقبول، ولو تكرّر منه الكفر، وأنّ توبة العُصاة مقبولة، ولو وقع نقضها على أصح الأقوال وسيجيء مثل هذه الآية في سورة النساء ‏(‏137‏)‏ وهو قوله‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن اللَّه ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً‏.‏‏}‏
تفسير الآية رقم ‏[‏91‏]‏
‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ‏(‏91‏)‏‏}‏
استئناف لبيان حال الكافرين الذين ماتوا على كفرهم، نشأ عن حكم فريق من الكفار تكرّر منهم الكفر حتى رسخ فيهم وصار لهم ديدَناً‏.‏ وإن كان المراد في الآية السابقة من الذين ازدادوا كفراً الذين ماتوا على الكفر، كانت هذه الآية كالتوكيد اللفظي للأولى أعيدت ليبنى عليها قوله‏:‏ ‏{‏فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً‏}‏‏.‏ وأياً مّا كان فالمراد بالموصول هنا العموم مثل المعرّف بلام الاستغراق‏.‏
والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فلن يقبل‏}‏ مؤذنة بمعاملة الموصول معاملة اسم الشرط ليدل على أنّ الصلة هي علة عدم قبول التوبة، ولذلك لم يقترن خبر الموصول بالفاء في الجملة التي قبلها‏:‏ ‏{‏إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 90‏]‏ لأنّهم إذا فعلوا ذلك ولم يموتوا كافرين قبلت توبتهم، بخلاف الذين يموتون على الكفر فسبب عدم قبول التوبة منهم مصرّح به، وعليه فجملة فلن يقبل من أحدهم إلى آخرها في موضع خبر ‏(‏إن‏)‏ وجملة ‏{‏أولئك لهم عذاب أليم‏}‏ مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن الإخبار بأنه لن يقبل من أحدهم فدية ويجوز أن تكون جملة ‏{‏فلن يقبل من أحدهم‏}‏ إلى آخرها معترضة بين اسم ‏(‏إنّ‏)‏ وخبرها مقترنة بالفاء كالتي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلكم فذوقوه وأنّ للكافرين عذاب النار‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 14‏]‏ وتكون جملة ‏{‏أولئك لهم عذاب أليم‏}‏ خبر ‏(‏إنّ‏)‏‏.‏
ومعنى ‏{‏فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً‏}‏ لن يقبل منهم بشيء يفتدون به في الآخرة لظهور أن ليس المراد نفي قبول الافتداء في الدنيا؛ ضرورة أنهم وصفوا بأنهم ماتُوا وهم كفار‏.‏ والمِلْء بكسر الميم ما يملأ وعاءً، ومِلء الأرض في كلامهم كناية عن الكثرة المتعذّرة، لأنّ الأرض لا يملؤها شيء من الموجودات المقدّرة، وهذا كقولهم عدد رمال الدهناء، وعدد الحصى، ومُيز هذا المقدار بذَهباً لعزة الذهب وتنافس الناس في اقتنائه وقبول حاجة من بذله قال الحريري‏:‏
وقارنتْ نَجْحَ المساعي خَطْرتُه ***
وقوله‏:‏ ‏{‏ولو افتدى به‏}‏ جملة في موقع الحال، والواو واو الحال، أي لا يقبل منهم ولو في حال فرض الافتداء به، وحرف ‏(‏لو‏)‏ للشرط وحذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، ومثل هذا الاستعمال شائع في كلام العرب، ولكثرته قال كثير من النحاة‏:‏ إنّ لو وإن الشرطيتين في مثله مجرّدتان عن معنى الشرط لا يقصد بهما إلاّ المبالغة، ولَقبوهُما بالوصليتين‏:‏ أي أنّهما لِمجرد الوصل والربط في مقام التأكيد‏.‏ وتردّدوا أيضاً في إعراب الجملة الواقعة هذَا الموقع، وفي الواو المقترنة بها، والمحققون على أنّها واو الحال وإليه مَال الزمخشري، وابنُ جنّي، والمرزوقي‏.‏ ومن النحاة من جعل الواو عاطفة على شرط محذوف هو ضدّ الشرط المذكور‏:‏ كقوله تعالى‏:‏
‏{‏كونوا قوّامين بالقسط شهداء للَّه ولو على أنفسكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 135‏]‏‏.‏ ومن النحاة من جعل الواو للاستئناف، ذكره الرضي رادّاً عليه، وليس حقيقاً بالردّ‏:‏ فإنّ للاستئناف البياني موقعاً مع هذه الواو‏.‏
هذا وإنّ مواقع هذه الواو تؤذن بأنّ الشرط الذي بعدها شرط مفروضٌ هو غاية ما يتوقّع معه انتفاء الحكم الذي قبلها، فيذكره المتكلم لقصد تحقق الحكم في سائر الأحوال كقول عمرو بن معد يكرب‏:‏
لَيْسَ الجمالُ بمِئْزَرٍ *** فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدا
ولذلك جرت عادة النحاة أن يقدّروا قبلها شرطاً هو نقيض الشرط الذي بعدها فيقولون في مثل قوله‏:‏ وإنْ رُدّيت بُردا إنْ لم تُرَدَّ بُردا بل وإن رُدِّيتَ بردا وكذا قول النابغة‏:‏
سأكْعَمُ كَلبي أَن يَريبَك نبحُه *** ولو كنْتُ أرْعى مُسْحلاننِ فَحَامِرا
ولأجل ذلك، ورد إشكال على هذه الآية‏:‏ لأنّ ما بعد ‏{‏ولو‏}‏ فيها هو عين ما قبلها، إذ الافتداء هو عين بَذل مِلْءِ الأرض ذهباً، فلا يستقيم تقدير إن لم يفتد به بل ولَو افتدى به، ولذلك احتاج المفسرون إلى تأويلات في هذه الآية‏:‏ فقال الزجّاج المعنى لن يقبل من أحدهم مِلء الأرض ذهباً ينفقه في الدنيا ولو افتدى به في الآخرة، أي لا يفديهم شيء من العذاب، وهذا الوجه بعيد، إذ لا يقدر أنّ في الآخرة افتداء حتى يبالغ عليه، وقال قوم‏:‏ الواو زائدة، وقال في «الكشاف»‏:‏ هو محمول على المعنى كأنه قيل‏:‏ فلن تقبل من أحدهم فدية ولو افتدى مِلء الأرض ذهباً، يريد أنّ كلمة بمِلء الأرض في قوة كلمة فدية واختُصر بعد ذلك بالضمير، قال ويجوز أن يقدر كلمة ‏(‏مثل‏)‏ قبل الضمير المجرور‏:‏ أي ولو افتدى بمثله أي ولو زاد ضعفَه كقوله‏:‏ ‏{‏ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 47‏]‏‏.‏
وعندي أنّ موقع هذا الشرط في الآية جارٍ على استعمال غفل أهل العربية عن ذكره وهو أن يقع الشرط استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال، محقّق أو مقدّر، يتوهمه المتكلم من المخاطَب فيريد تقريره، فلا يقتضي أنّ شرطها هو غاية للحكم المذكور قبله، بل قد يكون كذلك، وقد يكون السؤال مجرّد استغراب من الحكم فيقع بإعادة ما تضمّنه الحكم تثبيتاً على المتكلم على حدّ قولهم‏:‏ «ادْرِ ما تقول» فيجيب المتكلم بإعادة السوال تقريراً له وإيذاناً بأنه تكلم عن بينة، نعم إنّ الغالب أن يكون السؤال عن الغاية وذلك كقول رؤبة، وهو من شواهد هذا‏:‏
قالت بناتُ العَمِّ يا سلمَى وإنْ *** كَان فَقيراً مُعْدِمَا قالتْ وإنْ
وقد يحذف السؤال ويبقى الجواب كقول كعب بن زهير‏:‏
لا تأخُذَنِّي بأقوال الوُشاة ولم *** أذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فيّ الأقاويل
وقد يذكر السؤال ولا يذكر الجواب كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أوَ لَوْ كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 43‏]‏ فلو ذكر الجواب من قبل المشركين لأجابوا بتقرير ذلك‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏ولو افتدى به‏}‏ جواب سؤاللِ متعجِّببٍ من الحكم وهو قوله‏:‏ ‏{‏فلن يقبل من أحدهم‏}‏ فكأنه قال ولو افتدى به فأجيب بتقرير ذلك على حدّ بيت كعب‏.‏ فمفاد هذا الشرط حينئذ مجرّد التأكيد‏.‏
ويجوز أن يكون الشرط عطفاً على محذوف دلّ عليه افتدى‏:‏ أي لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً يجعله رَهينة‏.‏ ولو بذلُه فدية، لأنّ من عادة العرب أن المطلوب بحق قد يعطي فيه رَهناً إلى أن يقع الصلح أو العفو، وكذلك في الديون، وكانوا إذا تعاهدوا على صلح أعطت القبائل رَهائن منهم كما قال الحارث‏:‏
واذْكروا حِلْف ذي المَجاز وما قُدِّ *** م فيه العُهُودُ والكُفَلاء‏:‏
وقع في حديث أبي رافع اليهودي أنّ مُحمد بن مَسلمة قال لأبي رافع‏:‏ «نرهنك السلاح واللاّمة»‏.‏ *** وجملة ‏{‏أولئك لهم عذاب أليم‏}‏ فذلكة للمراد من قوله‏:‏ ‏{‏إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 90‏]‏ الآيتين‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وما لهم من ناصرين‏}‏ تكميل لنفي أحوال الغَناء عنهم وذلك أنّ المأخوذ بشيء قد يعطي فدية من مال، وقد يكفُله من يوثق بكفالتهم، أو يشفع له من هو مسموع الكلمة، وكلٌّ من الكفيل والشفيع ناصر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏92‏]‏
‏{‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ‏(‏92‏)‏‏}‏
ئناف وقع معتَرَضاً بين جملة ‏{‏إن الذين كفروا وماتوا وهم كفّار‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 91‏]‏ الآية، وبين جملة ‏{‏كُلّ الطعام كانَ حِلاّ لبني إسرائيل‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 93‏]‏‏.‏
وافتتاح الكلام ببيان بعض وسائل البرّ إيذَان بأنّ شرائع الإسلام تدور على مِحْور البرّ، وأنّ البرّ معنى نفساني عظيم لا يخرِم حقيقته إلاّ ما يفضى إلى نقض أصل من أصول الاستقامة النَّفسانيّة‏.‏ فالمقصود من هذه الآيَة أمران‏:‏ أوّلهما التَّحريض على الإنفاق والتّنويه بأنّه من البرّ، وثانيهما التنويه بالبرّ الَّذِي الإنفاق خصلة من خصاله‏.‏
ومناسبة موقع هذه الآية تِلْو سابقتها أنّ الآية السّابقة لمّا بينت أنّ الّذين كفروا لن يقبل من أحدهم أعظم ما ينفقه، بيّنت هذه الآية ما ينفع أهل الإيمان من بذل المال، وأنّه يبلغ بصاحبه إلى مرتبة البرّ، فبيْن الطرفيْن مراتب كثيرة قد علمها الفطناء من هذه المقابلة‏.‏ والخطاب للمؤمنين لأنَّهم المقصود من كُلّ خطاب لم يتقدّم قبله ما يعيِّن المقصود منه‏.‏
والبرّ كمال الخير وشموله في نوعه‏:‏ إذ الخير قد يعظم بالكيفية، وبالكميّة، وبهما معاً، فبذل النَّفس في نصر الدّين يعظم بالكيفية في ملاقاة العدوّ الكثير بالعدد القليل، وكذلك إنقاذ الغريق في حالة هوْل البحر، ولا يتصوّر في مثل ذلك تعدّد، وإطعام الجائع يعظم بالتعدّد، والإنفاق يعظم بالأمرين جميعاً، والجزاء على فعل الخير إذا بلغ كمال الجزاء وشموله كان برّاً أيضاً‏.‏
وروَى النَّوَّاسُ بن سِمْعان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «البرُّ حُسْن الخُلُق والإثممِ ما حاك في النفْس وكَرهتَ أن يَطَّلع عليه الناس» رواه مسلم‏.‏
ومُقابَلَة البرّ بالإثم تدلّ على أنّ البرّ ضدّ الإثم‏.‏ وتقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قِبل المَشرق والمغرب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 177‏]‏‏.‏
وقد جعل الإنفاق من نفس المال المُحَبّ غاية لانتفاء نوال البرّ، ومقتضى الغاية أنّ نوال البرّ لا يحصل بدونها، وهو مشعر بأنّ قبْل الإنفاق مسافاتتٍ معنوية في الطريق الموصلة إلى البرّ، وتلك هي خصال البرّ كلّها بقيتْ غير مسلوكة، وأنّ البرّ لا يحصل إلاّ بنِهايتها وهو الإنفاق من المحبوب، فظهر ل ‏(‏حتّى‏)‏ هنا موقع من البلاغة لا يخلفها فيه غيرها‏:‏ لأنَّه لو قيل إلاّ أن تنفقوا مِمَّا تحبّون، لتوهمّ السامع أنّ الإنفاق من المحَبِّ وحده يوجب نَوال البِرّ، وفاتت الدلالة على المسافات والدرجات الَّتي أشعرت بها ‏(‏حتَّى‏)‏ الغائية‏.‏
و ‏(‏تنالوا‏)‏ مشتقّ من النوال وهو التّحصيل على الشيء المعطي‏.‏
والتّعريف في البِرّ تعريف الجنس‏:‏ لأنّ هذا الجنس مركّب من أفعال كثيرة منها الإنفاق المخصوص، فبدونه لا تتحقَّق هذه الحقيقة‏.‏
والإنفاق‏:‏ إعطاء المال والقوتتِ والكسوة‏.‏
وما صدقُ ‏(‏ما‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏مما تحبون‏}‏ المال‏:‏ أي المال النَّفيس العزيز على النَّفس، وسوّغ هذا الإبهام هنا وجود تنفقوا إذ الإنفاق لا يطلق على غير بذل المال ف ‏(‏من‏)‏ للتبعيض لا غير، ومن جوّز أن تكون ‏(‏من‏)‏ للتبيين فقد سها لأنّ التبيينية لا بدّ أن تُسبق بلفظ مبهم‏.‏
والمال المحبوب يختلف باختلاف أحوال المتصدّقين، ورغباتهم، وسعة ثرواتهم، والإنفاقُ منه أي التّصدق دليل على سخاءٍ لوجه الله تعالى، وفي ذلك تزكية للنّفس من بقية ما فيها من الشحّ، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 9‏]‏ وفي ذلك صلاح عظيم للأمّة إذ تجود أغنيَاؤها على فقرائها بما تطمح إليه نفوسهم من نفائس الأموال فتشتدّ بذلك أواصر الأخوّة، ويهنأ عيش الجميع‏.‏
روى مالك في «الموطأ»، عن أنس بن مالك، قال‏:‏ كان أبو طلحة أكثر أنصاريّ بالمدينة مالاً، وكان أحبُّ أمواله بئرَ حاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب، فلما نزل قوله تعالى ‏{‏لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏}‏ جاء أبو طلحة، فقال‏:‏ «يا رسول الله إنّ الله قال‏:‏ ‏{‏لن تنالوا البرّ حتَّى تنفقوا ممَّا تحبّون‏}‏، وإنّ أحبّ أموالي بئر حاء وإنها صدقة لله أرجو بِرّها وذُخْرَها عندَ الله، فَضَعْهَا يا رسول الله حيثُ أراك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فَبَخْ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ وإني أرَى أن تجعلها في الأقربين، فقال‏:‏ أفْعلُ يا رسول الله‏.‏ فجعلها لحسّان بن ثابت، وأبيّ بن كعب‏.‏
وقد بيَّن الله خصال البِرّ في قوله‏:‏ ‏{‏ولكن البر من آمن باللَّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنَّبيّين وآتى المال على حُبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقامَ الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 177‏]‏‏.‏
‏(‏فالبرّ هو الوفاء بما جاء به الإسلام ممَّا يعرض للمرء في أفعاله، وقد جمع الله بينه وبين التَّقوى في قوله‏:‏ ‏{‏وتعاونوا على البِر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 2‏]‏ فقابل البرّ بالإثم كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النّواس بن سِمْعان المتقدّم آنفاً‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم‏}‏ تَذْييل قُصد به تعميم أنواع الإنفاق، وتبيين أنّ الله لا يخفى عليه شيء من مقاصد المنفقين، وقد يكون الشيء القليل نفيساً بحسب حال صاحبه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏والذين لا يجدون إلاّ جهدهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 79‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فإن الله به عليم‏}‏ مراد به صريحه أي يطّلع على مقدار وقعه ممَّا رغَّب فيه، ومرَاد به الكناية عن الجزاء عليه‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏93- 95‏]‏
‏{‏كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏93‏)‏ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏94‏)‏ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏95‏)‏‏}‏
هذا يرتبط بالآي السَّابقة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 67‏]‏ وما بينهما اعتراضات وانتقالات في فنون الخطاب‏.‏
وهذه حجّة جزئية بعد الحجج الأصليّة على أنّ دين اليهودية ليس من الحنيفية في شيء، فإنّ الحنيفية لم يكن ما حرّم من الطّعام بنصّ التَّوراة محرّماً فيها، ولذلك كان بنو إسرائيل قبل التَّوراة على شريعة إبراهيم، فلم يكن محرّماً عليهم ما حُرّم من الطعام إلاّ طعاماً حرّمه يعقوب على نفسه‏.‏ والحجَّة ظاهرة ويدلّ لهذا الارتباط قوله في آخرها‏:‏ ‏{‏قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 95‏]‏‏.‏
ويحتمل أنّ اليهود مع ذلك طعنوا في الإسلام، وأنَّه لم يكن على شريعة إبراهيم، إذْ أباح للمسلمين أكل المحرّمات على اليهود، جهلاً منهم بتاريخ تشريعهم، أو تضليلاً من أحبارهم لعامّتهم، تنفيراً عن الإسلام، لأن الأمم في سذاجتهم إنَّما يتعلّقون بالمألوفات، فيعدّونها كالحقائق، ويقيمونها ميزاناً للقبول والنّقد، فبيّن لهم أنّ هذا ممّا لا يُلتفت إليه عند النّظر في بقيّة الأديان، وحسبكم أنّ ديناً عظيماً وهو دين إبراهيم، وزُمرة من الأنبياء من بنيه وحفدته، لم يكونوا يحرّمون ذلك‏.‏
وتعريف ‏(‏الطّعام‏)‏ تعريف الجنس، و‏(‏كُلّ‏)‏ للتنصيص على العموم‏.‏
وقد استدلّ القرآن عليهم بهذا الحكم لأنَّه أصرح ما في التَّوراة دلالة على وقوع النسخ فإنّ التوراة ذكرت في سفر التكوين ما يدلّ على أنّ يعقوب حرّم على نفسه أكل عِرق النَّسَا الَّذِي على الفخذ، وقد قيل‏:‏ إنَّه حرّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، فقيل‏:‏ إنّ ذلك على وجه النذر، وقيل‏:‏ إنّ الأطبَّاء نهوه عن أكل ما فيه عرق النّسا لأنَّه كان مبتلى بوجع نَساه، وفي الحديث أنّ يعقوب كان في البدو فلم تستقم عافيته بأكل اللّحم الّذي فيه النّسا‏.‏ وما حرّمه يعقوب على نفسه من الطعام‏:‏ ظاهر الآية أنَّه لم يكن ذلك بوحي من الله إليه، بل من تلقاء نفسه، فبعضه أراد به تقرّباً إلى الله بحرمان نفسه من بعض الطيِّبات المشتهاة، وهذا من جهاد النَّفس، وهو من مقامات الزّاهدين، وكان تحريم ذلك على نفسه بالنذر أو بالعزم‏.‏ وليس في ذلك دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء في التشّريع لأنّ هذا من تصرّفه في نفسه فيما أبيح له، ولم يدع إليه غيرَه، ولعلّ أبناء يعقوب تأسَّوا بأبيهم فيما حرَّمه على نفسه فاستمرّ ذلك فيهم‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏من قبل أن تنزل التوراة‏}‏ تصريح بمحلّ الحجَّة من الردّ إذ المقصود تنبيههم على ما تناسوه فنُزلوا منزلة الجاهل بكون يعقوب كان قبل موسى، وقال العصام‏:‏ يتعلّق قوله‏:‏ ‏{‏من قبل أن تنزل التوراة‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏حِلاًّ‏}‏ لئلاّ يلزم خلوّه عن الفائدة، وهو غير مُجد لأنّه لمّا تأخّر عن الاستثناء من قوله ‏{‏حلاّ‏}‏ وتبيّن من الاستثناء أنّ الكلام على زمن يعقوب، صار ذكر القيد لغواً لولا تنزيلهم منزلة الجاهل، وقصد إعلان التّسجيل بخطئهم والتعريض بغباوتهم‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏قل فأتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين‏}‏ أي في زعمكم أنّ الأمر ليس كما قلناه أو إن كنتم صادقين في جميع ما تقدّم‏:‏ من قولكم إنّ إبراهيم كان على دين اليهودية، وهو أمر للتعجيز، إذ قد علم أنَّهم لا يأتون بها إذا استدلّوا على الصّدق‏.‏
والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فأتوا‏}‏ فاء التفريع‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏ شرط حذف جوابه لدلالة التفريع الَّذي قبله عليه‏.‏ والتَّقدير‏:‏ إن كنتم صادقين فأتوا بالتَّوراة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فمن أفترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون‏}‏ نهاية لتسجيل كذبهم أي من استمرّ على الكذب على الله، أي فمن افترى منكم بعد أن جعلنا التَّوراة فيصلاً بيننا، إذ لم يبق لهم ما يستطيعون أن يدّعُوه شُبهة لهم في الاختلاق، وجُعل الافتراء على الله لتعلّقه بدين الله‏.‏ والفاء للتفريع على الأمْر‏.‏
والافتراء‏:‏ الكذب، وهو مرادف الاختلاق‏.‏ والافتراء مأخوذ من الفَرْي، وهو قطع الجلد قِطعاً ليُصلح به مثل أن يحْذى النعل ويصنع النطع أو القِربة‏.‏ وافترى افتعال من فرى لعلّهُ لإفادة المبالغة في الفَرْي، يقال‏:‏ افترى الجلد كأنَّه اشتدّ في تقطيعه أو قطعَه تقطيع إفساد، وهو أكثر إطلاق افترى‏.‏ فأطلقوا على الإخبار عن شيء بأنّه وقَعَ ولَم يقع اسم الافتراء بمعنى الكذب، كأنّ أصله كناية عن الكذب وتلميح، وشاع ذلك حتَّى صار مرادفاً للكذب، ونظيره إطلاق اسم الاختلاق على الكذب، فالافتراء مرادف للكذب، وإردَافه بقوله هنا‏:‏ «الكذب» تأكيد للافتراء، وتكرّرت نظائر هذا الإرداف في آيات كثيرة‏.‏
فانتصب «الكذب» على المفعول المطلق الموكِّد لفعله‏.‏ واللام في الكذب لتعريف الجنس فهو كقوله‏:‏ ‏{‏أفْتَرَى على اللَّه كَذِباً أمْ به جِنّة‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 8‏]‏
والكذب‏:‏ الخبر المخالف لما هو حاصل في نفس الأمر من غير نظر إلى كون الخَبر موافقاً لاعتقاد المُخبر أو هو على خلاف ما يعتقده، ولكنّه إذا اجتمع في الخبر المخالفة للواقع والمخالفة لاعتقاد المخبِر كان ذلك مذموماً ومسبَّة؛ وإن كان معتقداً وقوعه لشبهة أو سوء تأمّل فهو مذموم ولكنّه لا يُحقَّر المخبر به، والأكثر في كلام العرب أن يعنى بالكذب ما هو مذموم‏.‏
ثُمّ أعلنَ أن المتعيّن في جانبه الصّدق هو خبَر الله تعالى للجزم بأنهم لا يأتون بالتوراة، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏ولن يتمنّوه أبداً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 95‏]‏ وبعد أن فرغ من إعلان كذبهم بالحجَّة القاطعة قال‏:‏ ‏{‏قل صدق الله‏}‏ وهو تعريض بكذبهم لأنّ صدق أحد الخبرين المتنافيين يستلزم كذب الآخر، فهو مستعمل في معناه الأصلي والكنائي‏.‏
والتَّفريع في قوله‏:‏ ‏{‏فاتبعوا ملة إبراهيم جنيفاً‏}‏ تفريع على ‏{‏صدق الله‏}‏ لأنّ اتّباع الصادق فيما أمر به مَنجاة من الخطر‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏96- 97‏]‏
‏{‏إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ‏(‏96‏)‏ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ‏(‏97‏)‏‏}‏
هذا الكلام واقع موقع التّعليل للأمر في قوله‏:‏ ‏{‏فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 95‏]‏ لأنّ هذا البيت المنوّه بشأنه كان مقاماً لإبراهيم ففضائل هذا البيتتِ تحقّق فضيلة شرع بانيه في متعارف النَّاس، فهذا الاستدلال خطابي، وهو أيضاً إخبار بفضيلة الكعبة، وحرمتها فيما مضى من الزّمان‏.‏
وقد آذن بكون الكلام تعليلاً موقع ‏(‏إنّ‏)‏ في أوّله فإنّ التأكيد بإنّ هنا لمجرّد الاهتمام وليس لردّ إنكار منكر، أو شكّ شاكّ‏.‏
ومن خصائص ‏(‏إنّ‏)‏ إذا وردت في الكلام لمجرّد الاهتمام، أن تغني غَناء فاء التفريع وتفيد التَّعليل والربط، كما في دلائل الإعجاز‏.‏
ولِمَا في هذه من إفادة الربط استغني عن العطف لكون ‏(‏إنّ‏)‏ مؤذنة بالربط‏.‏ وبيانُ وجه التعليل أن هذا البيت لمّا كان أوّل بيت وضع للهُدى وإعلان توحيد الله ليكون علماً مشهوداً بالحسّ على معنى الوحدانية ونفي الإشراك، فقد كان جامعاً لدلائل الحنيفية، فإذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممرّ العصور، دون غيره من الهياكل الدينية الَّتي نشأت بعده، وهو مائل، كان ذلك دلالة إلهية على أنَّه بمحلّ العناية من الله تعالى، فدلّ على أنّ الدّين الَّذي قارن إقامته هو الدّين المراد لله، وهذا يؤول إلى معنى قوله‏:‏ ‏{‏إن الدين عند اللَّه الإسلام‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 19‏]‏‏.‏
وهذا التَّعليل خطابي جار على طريقة اللُّزوم العرفي‏.‏
وقال الواحدي، عن مجاهد‏:‏ تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود‏:‏ بيت المَقْدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنَّه مُهَاجر الأنبياء وفي الأرض المقدّسة وقال المسلمون‏:‏ بل الكعبة أفضل، فأنزل الله هذه الآية‏.‏
و ‏{‏أوَّل‏}‏ اسم للسابق في فِعللٍ مَّا فإذا أضيف إلى اسم جنس فهو السابق من جنس ذلك المضاف إليه في الشأن المتحدّث عنه‏.‏
والبيت بناء يأوِي واحداً أو جماعة، فيكون بيتَ سكنى، وبيت صلاة، وبيت ندوة، ويكون مبنياً من حَجَر أو من أثواببِ نسيج شعر أو صوف، ويكون من أدم فيسمّى قبَّة قال تعالى‏:‏ ‏{‏وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 81‏]‏‏.‏
ومعنى ‏{‏وُضع‏}‏ أسّسَ وأثْبِتَ، ومنه سمّي المكان موضعاً‏.‏ وأصل الوضع أنَّه الحطّ ضدّ الرفع، ولمَّا كان الشيء المرفوع بعيداً عن التناول، كان الموضوع هو قريب التناول، فأطلق الوضع لمعنى الإدناء للمتناول، والتَّهيئة للانتفاع‏.‏
و ‏(‏النَّاس‏)‏ تقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن النَّاس من يقول آمنا باللَّه‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 8‏]‏‏.‏
‏(‏‏{‏وبكّة‏}‏ اسم مكَّة‏.‏ وهو لغة بإبدال الميم باء في كلمات كثيرة عدّت من المترادف‏:‏ مثل لازب في لازم، وأربد وأرمد أي في لون الرماد، وفي سماع ابن القاسم من العتبية عن مالك‏:‏ أنّ بكة بالباء اسم موضع البيت، وأنّ مكَّة بالميم اسم بقية الموضع، فتكون باء الجرّ هنا لظرفية مكان البيت خاصّة‏.‏
لا لسائر البلد الَّذي فيه البيت، والظاهر عندي أنّ بكة اسم بمعنى البلدة وضعه إبراهيم علماً على المكان الَّذي عيّنه لسكنى ولده بنيّة أن يكون بلداً، فيكون أصله من اللغة الكلدانية، لغة إبراهيم، ألا ترى أنَّهم سمّوا مدينة ‏(‏بعلبك‏)‏ أي بلد بَعل وهو معبود الكلدانيين، ومن إعجاز القرآن اختيار هذا اللَّفظ عند ذكر كونه أوّل بيت، فلاحظ أيضاً الاسم الأوّل، ويؤيّد ذلك قوله‏:‏ ‏{‏ربّ هذه البلدة‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 91‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ربّ اجعل هذا البلد آمناً‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 35‏]‏‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنّ بكّة مشتقّ من البَكّ وهو الازدحام، ولا أحسب قصد ذلك لواضع الاسم‏.‏
وعدل عن تعريف البيت باسمه العلَم بالغلبة، وهو الكعبة، إلى تعريفه بالموصولية بأنَّه ‏(‏الَّذي ببكة‏)‏‏:‏ لأنّ هذه الصّلة صارت أشهر في تعيّنه عند السامعين، إذ ليس في مكّة يومئذ بيت للعبادة غيره، بخلاف اسم الكعبة‏:‏ فقد أطلق اسم الكعبة على القليس الَّذي بناه الحبشة في صنعاء لدين النصرانية ولقّبوه الكعبة اليمانية‏.‏
والمقصود إثبات سبق الكعبة في الوجود قبل بيوت أخر من نوعها‏.‏ وظاهر الآية أنّ الكعبة أوّل البيوت المبنيّة في الأرض، فتمسّك بهذا الظَّاهر مجاهد، وقتادة، والسّدي، وجماعة، فقالوا‏:‏ هي أوّل بناء، وقالوا‏:‏ إنَّها كانت مبنيّة من عهد آدم عليه السلام ثُمّ درست، فجددها إبراهيم، قال ابن عطية‏:‏ ورويت في هذا أقاصيص أسانيدها ضعاف فلذلك تركتُها، وقد زعموا أنَّها كانت تسمّى الضُراح بوزن غراب ولكنّ المحقّقين وجمهور أهل العلم لم يأخذوا بهذا الظاهر، وتأوّلوا الآية‏.‏ قال عليّ رضي الله عنه‏:‏ «كان قبل البيت بيوت كثيرة» ولا شكّ أنّ الكعبة بناها إبراهيم وقد تعدّد في القرآن ذكر ذلك، ولو كانت من بناء الأنبياء قبله لزيد ذكر ذلك زيادة في التنويه بشأنها، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن يكون أوّل بناء وقع في الأرض كان في عهد إبراهيم، لأنّ قبل إبراهيم أمماً وعصوراً كان فيها البناء، وأشهر ذلك برج بابل، بُنِي إثر الطوفان، وما بناه المصريّون قبل عهد إبراهيم، وما بناه الكلدان في بدل إبراهيم قبل رحلته إلى مصر، ومن ذلك بيت أصنامهم، وذلك قبل أن تصير إليه هاجَر الَّتي أهداها له ملك مصر، وقد حكى القرآن عنهم ‏{‏قالوا ابْنُوا له بنياناً فَألْقُوه في الجحيم‏}‏ ‏[‏الثافات‏:‏ 97‏]‏ فتعيّن تأويل الآية بوجه ظاهر، وقد سلك العلماء مسالك فيه‏:‏ وهي راجعة إلى تأويل الأوّل، أو تأويل البيت، أو تأويل فعل وُضع، أو تأويل النَّاس، أو تأويل نظم الآية، والَّذي أراه في التأويل أنّ القرآن كتاب دين وهُدى، فليس غرض الكلام فيه ضبط أوائل التَّاريخ، ولكن أوائل أسباب الهدى، فالأوَّلية في الآية على بابها، والبيت كذلك، والمعنى أنَّه أوّل بيت عبادة حقّة وضع لإعلان التَّوحيد، بقرينة المقام، وبقرينة قوله‏:‏ ‏{‏وُضع للنَّاس‏}‏ المقتضى أنَّه من وضععِ واضععٍ لمصلحة النَّاس، لأنَّه لو كان بيت سكنى لقيل وضعه النَّاس، وبقرينة مجيء الحالين بعدُ؛ وهما قوله‏:‏ ‏{‏مباركاً وهدى للعالمين‏}‏‏.‏
وهذا تأويل في معنى بيت، وإذا كان أوّلَ بيتتِ عبادة حقَ، كان أوّل معهد للهدى، فكان كُلّ هدى مقتبساً منه فلا محيص لكلّ قوم كانوا على هدى من الاعتراف به وبفضله، وذلك يوجب اتّباع الملّة المبنيّة على أسس ملّة بانيه، وهذا المفاد من تفريع قوله‏:‏ ‏{‏فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 95‏]‏‏.‏ وتأوّل الآية عليّ بن أبي طالب، فروى عنه أنّ رجلاً سأله‏:‏ أهو أوّل بيت‏؟‏ قال‏:‏ «لا، قد كان قبله بيوت، ولكنَّه أوّل بيت وضع للنَّاس مباركاً وهدى» فجعل مباركاً وهدى حالين من الضمير في ‏{‏وُضع‏}‏ لا من اسممِ الموصول، وهذا تأويل في النظم لا ينساق إليه الذهن إلاّ على معنى أنَّه أوّل بيت من بيوت الهدى كما قلنا، وليس مراده أنّ قوله‏:‏ ‏{‏وضع‏}‏ هو الخبَر لتعيّن أن الخبر هو قوله‏:‏ ‏{‏للذي ببكة‏}‏ بدليل دُخول اللاّم عليه‏.‏
وعن مجاهد قالت اليهود‏:‏ بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنَّها مهاجَر الأنبياء، وقال المسلمون‏:‏ الكعبة، فأنزل الله هذه الآية، وهذا تأويل ‏{‏أول‏}‏ بأنَّه الأوّل من شيئين لا من جنس البيوت كلّها‏.‏
وقيل‏:‏ أراد بالأول الأشرف مجازاً‏.‏
وعندي أنَّه يجوز أن يكون المراد من النَّاس المعهودين وهم أهل الكتب أعني اليهود والنَّصارى والمسلمين، وكلّهم يعترف بأصالة دين إبراهيم عليه السلام، فأوّل معبد بإجماعهم هو الكعبة فيلزمهم الاعتراف بأنَّه أفضل ممَّا سواه من بيوت عبادتهم‏.‏
وإنَّما كانت الأوّلية موجِبة التّفضيل لأنّ مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة العبادة، إذ هي في ذلك سواء، ولكنَّها تتفاضل بما يحفّ بذلك من طول أزمان التعبّد فيها، وبنسبتها إلى بانيها، وبحسن المقصد في ذلك، وقد قال تعالى في مسجد قُبَاء‏:‏ ‏{‏لمَسجِدٌ أسِّسَ على التَّقوَى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 108‏]‏‏.‏
وقد جمعت الكعبة جميع هذه المزايا فكانت أسبق بيوت العبادة الحقّ، وهي أسبق من بيت المقدس بتسعة قرون‏.‏ فإنّ إبراهيم بنى الكعبة في حدود سنة 1900 قبل المسيح وسليمانَ بنى بيت المقدس سنة 1000 قبل المسيح، والكعبة بناها إبراهيم بيده فهي مبنية بيد رسول‏.‏ وأمَّا بيتُ المقدس فبناها العملة لسليمان بأمره‏.‏ وروى في «صحيح مسلم»، عن أبي ذرّ رضي الله عنه أنَّه قال‏:‏ سألت رسول الله‏:‏ أيّ مسجد وُضِعَ أولُ‏؟‏ قال‏:‏ المسجدُ الحرام، قلت‏:‏ ثمّ أيّ‏؟‏ قال‏:‏ المسجدُ الأقصى، قلت‏:‏ كم كان بينهما‏؟‏ قال‏:‏ أربعون سنة‏.‏ فاستشكله العلماء بأنّ بين إبراهيم وسليمان قروناً فكيف تكون أربعين سنة، وأجاب بعضهم بإمكان أن يكون إبراهيم بنى مسجداً في موضع بيت المقدس ثُمّ درس فجدّده سليمان‏.‏
وأقول‏:‏ لا شكّ أنّ بيت المقدس من بناء سليمان كما هو نص كتاب اليهود، وأشار إليه القرآن في قوله‏:‏
‏{‏يعملون له ما يشاء من محاريب‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 13‏]‏ الآية، فالظاهر أنّ إبراهيم لمَّا مرّ ببلاد الشَّام ووعده الله أن يورث تلك الأرض نسلهُ عيَّن الله له الوضع الَّذي سيكون به أكبر مسجدٍ تبنيه ذرّيّته، فأقام هنالك مسجداً صغيراً شكراً لله تعالى، وجعله على الصّخرة المجعولة مذبحاً للقربان‏.‏ وهي الصّخرة الَّتي بنى سليمان عليها المسجد، فلمَّا كان أهل ذلك البلد يومئذ مشركين دثر ذلك البناء حتَّى هدى الله سليمان إلى إقامة المسجد الأقصى عليه، وهذا من العِلم الَّذي أهملتْه كتب اليهود، وقد ثبت في سفر التَّكوين أنّ إبراهيم بنى مذابح في جهات مرّ عليها من أرض الكنعانيين لأنّ الله أخبره أنَّه يعطي تلك الأرض لنسله، فالظاهر أنّه بنى أيضاً بموضع مسجد أرشليم مذبحاً‏.‏
و ‏{‏مباركاً‏}‏ اسم مفعول من بارك الشيء إذا جعل له بركة وهي زيادة في الخير‏.‏ أي جُعلت البركة فيه بجعل الله تعالى، إذ قَدّرَ أن يكون داخلُهُ مُثاباً ومحصّلا على خيْر يبلغه على مبلغ نيته، وقدّر لمجاوريه وسكّان بلده أن يكونوا ببركة زيادةِ الثَّواببِ ورفاهية الحال، وأمر بجعل داخله آمناً، وقدّر ذلك بين النَّاس فكان ذلك كلّه بركة‏.‏ وسيأتي معنى البركة عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الَّذي بين يديه‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 92‏]‏‏.‏
‏(‏ووصفه بالمصدر في قوله‏:‏ وهُدى‏}‏ مبالغة لأنَّه سبب هدى‏.‏
وجُعل هدى للعالمين كلِّهم‏:‏ لأنّ شهرته وتسامع النَّاس به، يحملهم على التساؤل عن سبب وضعه، وأنَّه لتوحيد الله، وتطهير النُّفوس من خبث الشرك فيهتدي بذلك المهتدي، ويرعوي المتشكك‏.‏
ومن بركة ذاته أنّ حجارته وضعتْها عند بنائه يد إبراهيم، ويد إسماعيل، ثُمّ يدُ محمَّد صلى الله عليه وسلم ولا سيما الحجر الأسود‏.‏ وانتصب ‏{‏مباركاً وهدى‏}‏ على الحال من الخبر، وهو اسم الموصول‏.‏
وجملة ‏{‏فيه آيات بيِّنات‏}‏ استئناف ثناء على هذا البيت بما حفّ به من المناقب والمزايا فغيّر الأسلوب للاهتمام ولذلك لم تجعل الجملة حالاً، فتعطف على الحالين قبلها، لأنّ مباركاً وهدى وصفان ذاتيّان له، وحالان مقارنان، والآيات عوارض عرضت في أوقات متفاوتة، أو هي حال ثالثة ولم تعطف بالواو لأنّها جملة وما قبلها مفردان ولئلاّ يتوهم أن الواو فيها واو الحال، فتكون في صورتها جارية على غير صورة الأفصح في مثلها من عدم الاقتران بالواو، على ما حقَّقه الشَّيخ عبد القاهر، فلو قرنت بواو العطف لالتبست بواو الحال، فكرهت في السمع، فيكون هذا من القطع لدفع اللبس، أو نقول هي حال ولم تعطف على الأحوال الأخرى لأنّها جملة، فاستغنت بالضّمير عن رابط العطف‏.‏
ووصف الآيات ببيِّناتتٍ لظهورها في علم المخاطبين‏.‏ وجماع هذه الآيات هي ما يسّره الله لسكّان الحرم وزائريه من طرق الخير، وما دفع عنهم من الأضرار، على حالة اتّفق عليها سائر العرب، وقمعوا بها أنفسهم وشهواتهم، مع تكالبهم على إرضاء نفوسهم‏.‏
وأعظمها الأمن، الّذي وطن عليه نفوس جميع العرب في الجاهلية مع عدم تديّنهم، فكان الرجل يلاقي قاتل أبيه في الحرم فلا يناله بسوء، وتَواضُعُ مثل هذا بين مختلف القبائل، ذات اختلاف الأنساب والعوائد والأديان، آية على أنّ الله تعالى وقَر ذلك في نفوسهم‏.‏ وكذلك تأمين وحْشِه مع افتتان العرب بحبّ الصّيد‏.‏ ومنها ما شاع بين العرب من قصم كلّ من رامه بسوء، وما انصرافُ الأحباش عنه بعد امتلاكهم جميع اليمن وتهامة إلا آية من آيات الله فيه‏.‏ ومنها انبثاق الماء فيه لإسماعيل حين إشرافه على الهلاك‏.‏ وافتداء الله تعالى إيّاه بذبح عظيم حين أراد أبوه إبراهيم عليْه السّلام قربانه‏.‏ ومنها ما شاع بين العرب وتوارثوا خبره أباً عن جدّ من نزول الحجر الأسود من السَّماء على أبي قبيس بمرأى إبراهيم، ولعلَّه حجر كوكبي‏.‏ ومنها تيسير الرزق لساكنيه مع قُحولة أرضه، وملوحة مائه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏مقام إبراهيم‏}‏ أصل المقام أنّه مَفْعَل من القيام، والقيام يطلق على المعنى الشَّائع وهو ضدّ القعُود، ويطلق على خصوص القيام للصّلاة والدعاء، فعلى الوجه الثَّاني فرفع مقام على أنّه خبر لضمير محذوف يعود على ‏{‏للذى ببكّة‏}‏، أي هو مقام إبراهيم، أي البيتُ الَّذى ببكّة‏.‏ وحذْفُ المسند إليه هنا جاء على الحذف الَّذي سمَّاه علماء المعاني، التَّابعين لاصطلاح السكاكي، بالحذف للاستعمال الجاري على تركه، وذلك في الرفع على المدح، أو الذم، أو الترحّم، بعد أن يجري على المسند إليه من الأوصاف قبل ذلك ما يبيّن المراد منه كقول أبي الطمحان القيني‏:‏
فإنّ بني لأممِ بن عمرو أرومة *** سَمَتْ فوق صعب لا تُنالُ مراقبه
نجوم سماءٍ كلّما انْقَضَّ كوكبٌ *** بَدَا كوكب تأْوِي إليه كواكبه
هذا هو الوجه في موقع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مقام إبراهيم‏}‏‏.‏
وقد عبّر عن المسجد الحرام بأنّه مقام إبراهيم أي محلّ قيامه للصلاة والطواف قال تعالى‏:‏ ‏{‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 125‏]‏ ويدل لذلك قول زيد بن عَمرو بن نُفَيل‏:‏
عُذْتُ بما عاذَ به إبْرَاهِمْ *** مستقبلَ الكَعْبَةِ وهو قائم
وعلى الوجه الأول يكون المراد الحجر الَّذى فيه أثر قَدَمي إبراهيم عليه السّلام في الصّخرة التي ارتقى عليها ليرفع جدران الكعبة، وبذلك فسر الزجّاج وتبعه على ذلك الزمخشري، وأجاب الزمخشري عمَّا يعترض به من لزوم تبيين الجمع بالمفرد بأنّ هذا المفرد في قوّة جماعة من الآيات لأنّ أثر القدم في الصّخرة آية، وغوصَه فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض الصّخر دون بعض آية، وأنا أقول‏:‏ إنَّه آيات لدلالته على نبوّة إبراهيم بمعجزة له وعلى علممِ الله وقدرته، وإنّ بقاء ذلك الأثر مع تلاشي آثار كثيرة في طيلة القرون آية أيضاً‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ومن دخله كان آمناً‏}‏ عطف على مَزايا البيت وفضائله من الأمن فيه على العموم، وامتنان بما تقرّر في ماضِي العصور، فهو خبر لفظاً مستعمل في الامتنان، فإنّ الأمن فيه قد تقرّر واطّرد، وهذا الامتنان كما امتنّ الله على النَّاس بأنَّه خلق لهم أسماعاً وأبصَاراً فإنّ ذلك لا ينقض بمن ولد أكمه أو عرض له ما أزال بعض ذلك‏.‏
قال ابن العربي‏:‏ هذا خبر عمّا كان وليس فيه إثبات حكم وإنّما هو تنبيه على آيات ونعم متعددات؛ أنّ الله سبحانه قد كان صرف القلوب عن القصد إلى معارضته، وصرف الأيدي عن إذايتِه‏.‏ وروي هذا عن الحسن‏.‏ وإذا كان ذلك خبراً فهو خبر عمّا مضى قبل مجيء شريعة الإسلام حين لم يكن لهم في الجاهلية وازع فلا ينتقض بما وقع فيه من اختلال الأمن في القتال بين الحَجَّاج وابن الزبير وفي فتنة القرامطة‏.‏ وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأخر متشابهات أوّل هذه السورة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 7‏]‏‏.‏
ومن العلماء من حمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن دخله كان آمناً‏}‏ أنَّه خبر مستعمل في الأمر بتأمين داخله من أن يُصاب بأذى، وروي عن ابن عبَّاس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي‏.‏
وقد اختلف الصائرون إلى هذا المعنى في محمل العمل بهذا الأمر؛ فقال جماعة‏:‏ هذا حكمٌ نُسخ يعنون نسختْه الأدلّة الَّتي دلّت على أنّ الحرم لا يُعيذ عاصياً‏.‏ روى البخاري، عن أبي شُريح الكعبي، أنَّه قال لعَمْرِو بن سعيد وهو يبعث البُعوث إلى مكّة أي لحرب ابن الزبير‏:‏ ائذن لى أيُّهَا الأمير أحدثْك قولاً قام به رسول الله الغدَ من يوم الفتح، سمعتْه أُذناي ووعاه قلبي وأبصرتْه عيناي حين تكلَّم به‏:‏ إنَّه حمد الله وأثنى عليه ثُمّ قال‏:‏ «إنّ مكَّة حرَّمها الله ولم يحرّمها النَّاس؛ لا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة‏.‏ فإنْ أحَد تَرَخَّص لقتال رسول الله فيها فقولوا له‏:‏ إنّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنَّما أذِن لي فيها ساعة من نهار وقد عَادَتْ حُرْمَتُها اليَومَ كحرمتها بالأمس وليبلّغ الشاهدُ الغائبَ»‏.‏ قال‏:‏ فقال لي عَمْرو‏:‏ أنا أعلمَ بذلك منكَ يا أبا شُرَيح إنّ الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارّاً بدَم ولا فارّا بخَرْبة ‏(‏الخَربة بفتح الخاء وسكون الراء الجناية والبلية الَّتي تكون على النَّاس‏)‏ وبما ثبت أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم أمر بأن يُقْتل ابن خَطل وهو متعلِّق بأستار الكعبة يوم الفتح‏.‏
وقد قال مالك، والشَّافعى‏:‏ إنّ من أصاب جناية في الحرم أو خارجه ثُمّ عاذ بالحرم يقام عليه الحدّ في الحرم ويقاد منه‏.‏
وقال أبو حنيفة، وأصحابه الأربعة‏:‏ لا يقتصّ في الحرم من اللاجئ إليه من خارجه ما دام فيه؛ ولكنَّه لا يبايَع ولا يؤاكَلُ ولا يجالَسُ إلى أن يخرج من الحرم‏.‏
ويروون ذلك عن ابن عبَّاس، وابننِ عُمر، ومَنْ ذكرناه معهما آنفا‏.‏
وفي أحكام ابن الفرس أن عبد الله بن عمر قال‏:‏ «من كان خائفاً من الاحتيال عليه فليس بآمن ولا تجوز إذايته بالامتناع من مكالمته»‏.‏
وقال فريق‏:‏ هو حكم محكم غير منسوخ، فقال فريق منهم‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏ومن دخله‏}‏ يفهم منه أنَّه أتى ما يوجب العقوبة خارجَ الحرم فإذا جنى في الحرم أقيد منه، وهذا قول الجمهور منهم، ولعلّ مستندهُم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والحرمات قصاص‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 194‏]‏ أو استندوا إلى أدلّة من القياس، وقال شذوذ‏:‏ لا يقام الحدّ في الحرم، ولو كان الجاني جنى في الحرم وهؤلاء طردوا دليلهم‏.‏
وقد ألممنا بذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتَّى يقاتلوكم فيه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 191‏]‏‏.‏
وقد جعل الزجّاج جملة ‏{‏ومن دخله كان آمناً‏}‏ آية ثانية من الآيات البيّنات فهى بيان ل ‏(‏آيات‏)‏، وتبعه الزمخشري، وقال‏:‏ يجوز أن يطلق لفظ الجمع على المثنّى كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقد صغت قلوبكما‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 4‏]‏‏.‏ ‏(‏وإنَّما جاز بيان المفرد بجملة لأنّ هذه الجملة في معنى المفرد إذ التَّقدير‏:‏ مقامُ إبراهيم وأمْنُ مَن دخَله‏.‏ ولم ينظر ذلك بما استعمل من كلام العرب حتَّى يُقَرّب هذا الوجه‏.‏ وعندي في نظيره قول الحرث بن حلزة‏:‏
مَنْ لنا عنده من الخيْر آيا *** تٌ ثلاثٌ في كلهنّ القضاء
آيةٌ شارق الشقيقة إذ جا *** ءَت مَعَدّ لِكلّ حيّ لواء
ثم قال‏:‏
ثُمّ حُجْرا أعني ابن أم قَطامٍ *** وله فارسية خضراء
ثم قال‏:‏
وفككنا غُلّ امرئ القيس عنه *** بعد ما طال حَبسه والعَناء
فجعل ‏(‏وفككنا‏)‏ هي الآية الرابعة باتِّفاق الشرّاح إذ التقدير‏:‏ وفَكُّنا غُل امرئ القيس‏.‏
وجوّز الزمخشري أن يكون آيات باقياً على معنى الجمع وقد بُيّن بآيتين وتركت الثَّالثة كقول جرير‏:‏
كانَتْ حنيفةُ أثلاثا فثُلْثهُمُ *** من العبيدِ وثُلث من مواليها
أي ولم يذكر الثلث الثالث وهو تنظير ضعيف لأنّ بيت جرير ظهر منه الثُلث الثالث، فَهُم الصميم، بخلاف الآية فإنّ بقية الآيات لم يُعرف‏.‏ ويجوز أن نجعل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولله على الناس حج البيت‏}‏ إلخ متضمّناً الثالثة من الآيات البيّنات‏.‏
‏{‏وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين‏}‏‏.‏
حُكم أعقب به الامتنان‏:‏ لما في هذا الحكم من التَّنويه بشأن البيت فلذلك حسن عطفه‏.‏ والتَّقدير‏:‏ مباركاً وهدى، وواجباً حجّه‏.‏ فهو عطف على الأحوال‏.‏
والحجّ تقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحجّ أشهر معلومات‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 197‏]‏، وفيه لغتان فتح الحاء وكسرها ولم يقرأ في جميع مواقعه في القرآن بكسر الحاء إلاّ في هذه الآية‏:‏ قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر بكسر الحاء‏.‏
ويتّجه أن تكون هذه الآية هي الَّتي فرض بها الحجّ على المسلمين، وقد استدلّ بها علماؤنا على فرضية الحجّ، فما كان يقع من حجّ النّبيء والمسلمين، قبل نزولها، فإنَّما كان تقرّباً إلى الله، واستصحاباً للحنيفية‏.‏
وقد ثبت أنّ النّبيء حجّ مرّتين بمكّة قبل الهجرة ووقف مع النَّاس‏.‏ فأمَّا إيجاب الحجّ في الشَّريعة الإسلاميَّة فلا دليل على وقوعه إلاّ هذه الآية وقد تمالأ علماء الإسلام على الاستدلال بها على وجوب الحجّ، فلا يعد ما وقع من الحجّ قبل نزولها، وبعد البعثة إلاّ تحنّثاً وتقرّباً، وقد صحّ أنَّها نزلت سنة ثلاث من الهجرة، عقب غزوة أحدُ، فيكون الحجّ فرض يومئذ‏.‏ وذكر القرطبي الاختلاف في وقت فرضية الحجّ على ثلاثة أقوال‏:‏ فقيل‏:‏ سنة خمس، وقيل‏:‏ سنة سبع، وقيل‏:‏ سنة تسع، ولم يعز الأقوال إلى أصحابها، سوى أنَّه ذكر عن ابن هشام، عن أبي عبيد الواقدي أنَّه فرض عام الخندق، بعد انصراف الأحزاب، وكان انصرافهم آخر سنة خمس‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ وولى تلك الحجَّة المشركون‏.‏ وفي مقدّمات ابن رشد ما يقتضي أنّ الشافعي يقول‏:‏ إنّ الحجّ وجب سنة تسع، وأظهر من هذه الأقوال قول رابع تمالأ عليه الفقهاء وهو أنّ دليل وجوب الحجّ قوله تعالى‏:‏ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا‏}‏‏.‏ وقد استدلّ الشَّافعي بها على أنّ وجوبه على التَّراخي، فيكون وجوبه على المسلمين قد تقرَّر سنة ثلاث، وأصبح المسلمون منذ يومئذ مُحْصَرين عن أداء هذه الفريضة إلى أن فتح الله مكّة ووقعت حجّة سنة تسع‏.‏
وفي هذه الآية من صيَغ الوجوب صِيغتان‏:‏ لام الاستحقاق، وحرف ‏(‏على‏)‏ الدال على تقرّر حقّ في ذمة المجرور بها‏.‏ وقد تعسّر أو تعذّر قيام المسلمين بأداء الحجّ عقب نزولها، لأنّ المشركين كانوا لا يسمحون لهم بذلك، فلعلّ حكمة إيجاب الحجّ يومئذ أن يكون المسلمون على استعداد لأداء الحجّ مهما تمكّنوا من ذلك، ولتقوم الحجَّة على المشركين بأنَّهم يمنعون هذه العبادة، ويصدّون عن المسجد الحرام، ويمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏من استطاع إليه سبيلا‏}‏ بدل من النَّاس لتقييد حال الوجوب، وجوّز الكسائي أن يكون فاعل حَجّ، وردّ بأنَّه يصير الكلام‏:‏ لله على سائر النَّاس أن يحجّ المستطيع منهم، ولا معنى لتكليف جميع النَّاس بفعل بعضهم، والحقّ أنّ هذا الردّ لا يتّجه لأنّ العرب تتفنَّن في الكلام لعلم السامع بأنّ فرض ذلك على النَّاس فرض مجمل يبيِّنه فاعل حَجّ، وليس هو كقولك‏:‏ استطَاع الصّوم، أو استطاع حمل الثقل، ومعنى ‏{‏استطاع سبيلاً‏}‏ وجد سبيلاً وتمكّن منه، والكلام بأواخره‏.‏ والسَّبيل هنا مجاز فيما يتمكّن به المكلّف من الحجّ‏.‏
وللعلماء في تفسير السبيل أقوال اختلفت ألفاظها، واتَّحدت أغراضها، فلا ينبغي بقاء الخلاف بينهم لأجلها مثبتاً في كتب التَّفسير وغيرها، فسبيل القريب من البيت الحرام سهل جداً، وسبيل البعيد الراحلة والزاد، ولذلك قال مالك‏:‏ السبيل القدرة والنَّاس على قدر طاقتهم وسيرهم وجلدهم‏.‏
واختلف فيمن لا زاد له ويستطيع الاحْتِرَاف في طريقه‏:‏ فقال مالك‏:‏ إذا كان ذلك لا يزري فليسافر ويكتسب في طريقه، وقال بمثله ابن الزبير، والشعبي، وعكرمة‏.‏ وعن مالك كراهية السفر في البحر للحجّ إلا لمن لا يجد طريقاً غيره كأهل الأندلس، واحتجّ بأنّ الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏يأتوك رجالاً وعلى كُلّ ضامر‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 27‏]‏ ولم أجد للبحر ذكراً‏.‏ قال الشيخ ابن عطية‏:‏ هذا تأنيس من مالك وليست الآية بالَّتي تقتضي سقوط سفر البحر‏.‏ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ناس من أمَّتِي عُرِضوا عليّ غُزاة في سبيل الله يركبون ثَبَج هذا البحر» وهل الجهادِ إلاّ عبادة كالحجّ، وكره مالك للمرأة السَّفر في البحر لأنَّه كشفة لها، وكلّ هذا إذا كانت السَّلامة هي الغالب وإلا لم يجز الإلقاء إلى التهلكة، وحال سفر البحر اليوم أسلم من سفر البرّ إلاّ في أحوال عارضة في الحروب إذا شملت البحارَ‏.‏
وظاهر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من استاع إليه سبيلا‏}‏ أنّ الخطاب بالحجّ والاستطاعة للمرءِ في عمله لا في عمل غيره، ولذلك قال مالك‏:‏ لا تصحّ النِّيابة في الحجّ في الحياة لعذر، فالعاجز يسقط عنه الحجّ عنده ولم ير فيه إلاّ أنّ للرجل أن يوصي بأن يُحَجّ عنه بعد موته حجّ التَّطوع، وقال الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه‏:‏ إذا كان له عذر مانع من الحجّ وكان له من يطيعه لو أمره بأن يحجّ عنه، أو كان له مال يستأجر به من يحجّ عنه، صار قادراً في الجملة، فيلزمه الحجّ، واحتجّ بحديث ابن عبَّاس‏:‏ أنّ امرأة من خثعم سألت النّبيء صلى الله عليه وسلم يوم حجَّة الوداع فقالت‏:‏ إنّ فريضة الله على عباده في الحجّ أدركتْ أبي شيخاً كبيراً لا يثبُت على الراحلة أفيُجْزِئ أن أحجّ عنه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، حُجِّي عنه أرَأيْتتِ لو كان على أبيككِ دَيْن أكُنْتتِ قاضيتَهُ‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، قال‏:‏ فَدَيْن الله أحقّ أن يقضى‏.‏ وأجاب عنه المالكية بأنّ الحديث لم يدلّ على الوجوب بل أجابها بما فيه حثّ على طاعة أبيها، وطاعة ربِّها‏.‏
وقال عليّ بن أبي طالب، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وابن المبارك‏.‏ لا تجزئ إلاّ إنابة الأجرة دون إنابة الطَّاعة‏.‏
وظاهر الآية أنَّه إذا تحقّقت الاسْتطاعة وجب الحجّ على المستطيع على الفور، وذلك يندرج تحت مسألة اقتضاءِ الأمر الفورَ أو عدممِ اقتضائِه إيّاه، وقد اختلف علماء الإسلام في أنّ الحجّ واجب على الفور أو على التَّراخي‏.‏ فذهب إلى أنَّه على الفور البغداديون من المالكية‏:‏ ابنُ القصار، وإسماعيل بن حَماد، وغيرهما، وتأوّلوه من قول مالك، وهو الصّحيح من مذهب أبي حنيفة، وهو قول أحمد بن حنبل، وداوود الظاهري‏.‏ وذهب جمهور العلماء إلى أنّه على التَّراخي وهو الصحيح من مذهب مالك ورواية ابن نافع وأشهب عنه وهو قول الشَّافعي وأبي يوسف‏.‏
واحتجّ الشّافعي بأنّ الحجّ فرض قبل حجّ النّبيء صلى الله عليه وسلم بسنين، فلو كان على الفور لما أخّره لعُذْر لبيّنه أي لأنَّه قدوة للنَّاس‏.‏ وقال جماعة‏:‏ إذا بلغ المرء الستِّين وجب عليه الفور بالحجّ إن كان مستطيعاً خشية الموت، وحكاه ابن خويزَ مَنْدادَ عن ابن القاسم‏.‏
ومعنى الفور أن يوقعه المكلّف في الحجَّة الَّتي يحين وقتها أولاً عند استكمال شرط الاستطاعة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ومن كفر فإن الله غني عن العالمين‏}‏ ظاهره أنَّه مقابل قوله ‏{‏من استطاع إليه سبيلاً‏}‏ فيكون المراد بمن كفر من لم يحجّ مع الاستطاعة، ولذلك قال جمع من المحقّقين‏:‏ إنّ الإخبار عنه بالكفر هنا تغليظ لأمر ترك الحجّ‏.‏ والمراد كفر النعمة‏.‏ ويجوز أيضاً أن يراد تشويه صنعه بأنَّه كصنيع من لا يؤمن بالله ورسله وفضيلة حَرمه‏.‏ وقال قوم‏:‏ أراد ومن كفر بفرض الحجّ، وقال قوم بظاهره‏:‏ إنّ ترك الحجّ مع القدرة عليه كفر‏.‏ ونسب للحسن‏.‏ ولم يلتزم جماعة من المفسِّرين أنّ يكون العطف للمقابلة وجعلوها جملة مستقلّة‏.‏ كالتذييل، بيّن بها عدم اكتراث الله بمن كفر به‏.‏
وعندي أنَّه يجوز أن يكون المراد بمن كفر من كفر بالإسلام، وذلك تعريض بالمشركين من أهل مكّة بأنَّه لا اعتداد بحجّهم عند الله وإنَّما يريد الله أن يحجّ المؤمنون به والموحّدون له‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏غني عن العالمين‏}‏ رمز إلى نزعه ولاية الحرم من أيديهم‏:‏ لأنَّه لمّا فرضَ الحجّ وهُم يصدّون عنه، وأعلمنا أنَّه غني عن النَّاس، فهو لا يعجزه من يصدّ النَّاس عن مراده تعالى‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 99‏]‏
‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ‏(‏98‏)‏ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏99‏)‏‏}‏
ابتداء كرم رُجع به إلى مجادلة أهل الكتاب وموعظتهم فهو مرتبط بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل صدق اللَّه‏}‏ الآية‏.‏
أمر الرّسول عليه الصلاة والسّلام بالصدع بالإنكار على أهل الكتاب‏.‏ بعد أن مهّد بين يدي ذلك دلائل صحَّة هذا الدّين ولذلك افتتح بفعل ‏{‏قل‏}‏ اهتماماً بالمقول، وافتتح المقولُ بنداء أهل الكتاب تسجيلاً عليهم‏.‏ والمراد بآيات الله‏:‏ إمّا القرآن، وإمّا دلائل صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم والكفر على هذين الوجهين بمعناه الشَّرعي واضح، وإمَّا آيات فضيلة المسجد الحرام على غيره، والكُفر على هذا الوجه بمعناه اللُّغوي والاستفهام إنكار‏.‏
وجملة ‏{‏والله شهيد على ما تعملون‏}‏ في موضع الحال لأنّ أهل الكتاب يوقنون بعموم علم الله تعالى، وأنّه لا يخفى عليه شيء فجحدهم لآياته مع ذلك اليقين أشدّ إنكاراً، ولذلك لم يصحّ جعل ‏{‏والله شهيد‏}‏ مُجرّد خبر إلاّ إذا نُزّلوا منزلة الجاهل‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏قل يا أهل الكتاب لم تصدون‏}‏ توبيخ ثان وإنكار على مجادلتهم لإضلالهم المؤمنين بعد أن أنكر عليهم ضلالهم في نفوسهم، وفُصِل بلا عطف للدلالة على استقلاله بالقصد، ولو عطف لصحّ العطف‏.‏
والصدّ يستعمل قاصراً ومتعدّياً‏:‏ يقال صدّه عن كذا فصدّ عنه‏.‏ وقاصرُه بمعنى الإعراض‏.‏ فمتعدّيه بمعنى جعل المصدود مُعرضاً أي صَرْفُه، ويقال‏:‏ أصدّه عن كذا، وهو ظاهر‏.‏
وسبيل الله مجاز في الأقوال والأدلّة الموصلة إلى الدّين الحقّ‏.‏ والمراد بالصدّ عن سبيل الله إمّا محاولة إرجاع المؤمنين إلى الكفر بإلقاء التشكيك عليهم‏.‏ وهذا المعنى يلاقي معنى الكفر في قوله‏:‏ ‏{‏لم تكفرون بآيات الله‏}‏ على وجهيه الراجعين للمعنى الشَّرعي‏.‏ وإمّا صدّ النّاس عن الحجّ أي صدّ أتباعهم عن حجّ الكعبة، وترغيبهم في حجّ بيت المقدس، بتفضيله على الكعبة، وهذا يلاقي الكفر بمعناه اللُّغوي المتقدّم، ويجوز أن يكون إشارة إلى إنكراهم القبلة في قولهم ‏{‏وما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 142‏]‏ لأنّ المقصود به صدّ المؤمنين عن استقبال الكعبة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏تبغونها عوجاً‏}‏ أي تبغون السبيل فأنّث ضميره لأنّ السّبيل يذكّر ويؤنث‏:‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل هذه سبيلي‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 108‏]‏‏.‏ والبغي الطلب أي تطلبون‏.‏ والعوج بكسر العين وفتح الواو ضدّ الاستقامة وهو اسم مصدر عَوِج كفَرح، ومصدره العَوَج كالفرح‏.‏ وقد خصّ الاستعمال غالباً المصدر بالاعوجاج في الأشياء المحسوسة،، كالحائط والقناة‏.‏ وخصّ إطلاق اسم المصدر بالاعوجاج الّذي لا يشاهد كاعْوجاج الأرض والسطح، وبالمعنويات كالدِّين‏.‏
ومعنى ‏{‏تبغونها عوجاً‏}‏ يجوز أن يكون عوجاً باقياً على معنى المصدرية، فيكون ‏{‏عوجاً‏}‏ مفعول ‏{‏تبغونها‏}‏، ويكون ضمير النصب في تبغونها على نزع الخافض كما قالوا‏:‏ شكرتك وبعتُك كذا‏:‏ أي شكرت لك وبعتُ لك، والتقدير‏:‏ وتبغون لها عوجاً، أي تتطلبون نسبة العوج إليها، وتصوّرونها باطلة زائغة‏.‏
ويجوز أن يكون عوجاً، وصفاً للسبيل على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة، أي تبْغونها عوجاء شديدة العوج فيكون ضمير النصب في ‏{‏تبغونها‏}‏ مفعول ‏{‏تبغون‏}‏، ويكون عوجاً حالاً من ضمير النَّصب أي ترومُونها معوجَّة أي تبغون سبيلاً معوجّة وهي سبيل الشرك‏.‏
والمعنى‏:‏ تصدّون عن السَّبيل المستقيم وتريدون السَّبيل المعوجّ ففي ضمير ‏{‏تبغونها‏}‏ استخدام لأنّ سبيل الله المصدود عنها هي الإسلام، والسّبيل الَّتي يريدونها هي ما هم عليه من الدّين بعد نسخه وتحريفه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وأنتم شهداء‏}‏ حال أيضاً توازن الحال في قوله قبلها ‏{‏والله شهيد على ما تعملون‏}‏ ومعناه وأنتم عالمون أنّها سبيل الله‏.‏ وقد أحالهم في هذا الكلام على ما في ضمائرهم مِمَّا لا يعلمه إلاّ الله لأنّ ذلك هو المقصود من وخز قلوبهم، وانثنائهم باللائمة على أنفسهم، ولذلك عقّبه بقوله‏:‏ ‏{‏وما الله بغافل عما تعملون‏}‏ وهو وعيد وتهديد وتذكير لأنَّهم يعلمون أنّ الله يعلم ما تخفي الصدور وهو بمعنى قوله في موعظتهم السابقة ‏{‏والله شهيد على ما تعملون‏}‏ إلاّ أنّ هذا أغلظ في التَّوبيخ لما فيه من إبطال اعتقاد غفلته سبحانه، لأنّ حالهم كانت بمنزلة حال من يعتقد ذلك‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏100- 101‏]‏
‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ‏(‏100‏)‏ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏101‏)‏‏}‏
إقبال على خطاب المؤمنين لتحذيرهم من كيد أهل الكتاب وسوء دعائهم المؤمنين، وقد تفضّل الله على المؤمنين بأن خاطبهم بغير واسطة خلاف خطابه أهل الكتاب إذ قال‏:‏ ‏{‏قل يا أهل الكتاب‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 98‏]‏ ولم يقل‏:‏ قل يأيُّها الّذين آمنوا‏.‏
والفريق‏:‏ الجماعة من النَّاس، وأشار به هنا إلى فريق من اليهود وهم شَاس بن قَيس وأصحابه، أو أراد شاساً وحده، وجعله فريقاً كما جعل أبا سفيان ناساً قي قوله‏:‏ «إنّ النّاس قد جمعوا لكم» وسياق الآية مؤذن بأنَّها جرت على حادثة حدثتْ وأنّ لنزولها سبباً‏.‏ وسبب نزول هذه الآية‏:‏ أنّ الأوس والخزرج كانوا في الجاهلية قد تخاذلوا وتحاربوا حتَّى تفانوا، وكانت بينهم حروب وآخرها يوم بُعاث الّتي انتهت قبل الهجرة بثلاث سنين، فلمَّا اجتمعوا على الإسلام زالت تلك الأحقاد من بينهم وأصبحوا عُدّة للإسلام، فساء ذلك يهودَ يثرب فقام شاس بن قيس اليهودي، وهو شيخ قديم منهم، فجلس إلى الأوس والخزرج، أو أرسل إليهم من جلس إليهم يذكِّرهم حروب بُعاث، فكادوا أن يقتتلوا، ونادى كُلّ فريق‏:‏ يا للأوس ويا للخزرج وأخذوا السلاح، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بينهم وقال‏:‏ أتَدْعُون الجاهليةَ وأنا بين أظهركم‏؟‏ وفي رواية‏:‏ أبدعوى الجاهلية‏؟‏ أي أتدعون بدعوى الجاهلية وقرأ هذه الآية، فما فرغ منها حتَّى ألقوا السِّلاح، وعانق بعضهم بعضاً، قال جابر بن عبد الله‏:‏ ما كان طالع أكره إلينا من طلوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا أصلح الله بيننا ما كان شخص أحبّ إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت يوماً أقبحَ ولا أوْحَش أوّلا وأحسنَ آخراً من ذلك اليوم‏.‏
وأصل الردّ الصّرف والإرجاع قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 5‏]‏ وهو هنا مستعار لتغيّر الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصيير كقول الشَّاعر، فيما أنشده أهل اللّغة‏:‏
فَرَدّ شُعُورَهُنّ السُّود بِيضا *** وَرَدّ وُجُوهَهُنّ البِيض سُودا
و‏{‏كافرين‏}‏ مفعوله الثَّاني، وقوله ‏{‏بعد إيمانكم‏}‏ تأكيد لما أفاده قوله ‏{‏يردّوكم‏}‏ والقصد من التَّصريح به توضيح فوات نعمة عظيمة كانوا فيها لو يكفرون‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وكيف تكفرون‏}‏ استفهام مستعمل في الاستبْعَاد استبعاداً لكفرهم ونفياً له، كقول جرير‏:‏
كَيْفَ الهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكّ صَالِحَةٌ *** من آل لأممٍ بِظهْرِ الغَيْببِ تَأتينِي
وجملة ‏{‏وأنتم تتلى عليكم آيات الله‏}‏ حالية، وهي محطّ الاستبعاد والنَّفي لأنّ كلاّ من تلاوة آيات الله وإقامة الرّسول عليه الصّلاة والسَّلام فيهم وازع لهم عن الكفر، وأيّ وازع، فالآيات هنا هي القرآن ومواعظه‏.‏
والظرفية في قوله‏:‏ ‏{‏وفيكم رسوله‏}‏ حقيقيّة ومؤذنة بمنقبة عظيمة، ومنّة جليلة، وهي وجود هذا الرسول العظيم بينهم، تلك المزيّة الَّتي فاز بها أصحابه المخاطبون‏.‏
وبها يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدْري‏:‏ «لاَ تسبُّوا أصحابي فوالّذي نفسي بيده لَوْ أنّ أحدكم أنفق مثلَ أُحُد ذَهَباً مَا بَلَغ مُدّ أحدِهم ولا نصِيفه» النصيف نِصْف مدّ‏.‏
وفي الآية دلالة على عِظْم قدْر الصّحابة وأنّ لهم وازعين عن مواقعة الضّلال‏:‏ سماعُ القرآن، ومشاهدَة أنوار الرّسول عليه السَّلام فإنّ وجوده عصمة من ضلالهم‏.‏ قال قتادة‏:‏ أمّا الرسول فقد مضى إلى رحمة الله، وأمَّا الكتاب فباققٍ على وجه الدّهر‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم‏}‏ أي من يتمسّك بالدّين فلا يخش عليه الضّلال‏.‏ فالاعتصام هنا استعارة للتَّمسّك‏.‏
وفي هذا إشارة إلى التمسّك بكتاب الله ودينه لسائر المسلمين الَّذين لم يشهدوا حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم
تفسير الآيات رقم ‏[‏102- 103‏]‏
‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏102‏)‏ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏103‏)‏‏}‏
انتقل مِن تحذير المخاطبين من الانخداع لوساوس بعض أهل الكتاب، إلى تحريضهم على تمام التَّقوى، لأنّ في ذلك زيادة صلاح لهم ورسوخاً لإيمانهم، وهو خطاب لأصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم ويَسري إلى جميع من يكون بعدهم‏.‏
وهذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية‏.‏ والتَّقوى تقدّم تفسيرها عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هدى للمتقين‏}‏‏.‏ وحاصلها امتثال الأمر، واجتناب المنهي عنه، في الأعمال الظَّاهرة، والنَّوايا الباطنة‏.‏ وحقّ التقوى هو أن لا يكون فيها تقصير، وتظاهر بما ليس من عمله، وذلك هو معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتَّقوا الله ما استطعتم‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 16‏]‏ لأنّ الاستطاعة هي القدرة، والتَّقوى مقدورة للنَّاس‏.‏ وبذلك لم يكن تعارض بين الآيتين، ولا نسخ، وقيل‏:‏ هاته منسوخة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتقوا اللَّه ما استطعتم‏}‏ لأنّ هاته دلّت على تقوى كاملة كما فسَّرها ابن مسعود‏:‏ أن يطاع فلا يعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويذكر فلا يُنْسى، ورووا أنّ هذه الآية لمَّا نزلت قالوا‏:‏ «يا رسول الله من يَقوىَ لهذا» فنزلت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتَّقوا الله ما استطعتم‏}‏ فنسَخَ هذه بناء على أنّ الأمر في الآيتين للوجوب، وعلى اختلاف المراد من التقويين‏.‏ والحقّ أنّ هذا بيان لا نسخ، كما حقَّقه المحقِّقون، ولكن شا عند المتقدّمين إطلاق النَّسخ على ما يشمل البيان‏.‏
والتُّقاة اسمُ مصدر‏.‏ اتَّقى وأصله وُقَيَة ثمّ وُقَاة ثُمّ أبدلت الواو تاء تبعاً لإبدالها في الافتعال إبدالاً قصدوا منه الإدغام‏.‏ كما تقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا أن تتقوا منهم تقاة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 28‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون نهي عن أن يموتوا على حالة في الدِّين إلاّ على حالة الإسلام فمحطّ النَّهي هو القيد‏:‏ أعني المستثنى منه المحذوفَ والمستثنى وهو جملة الحال، لأنَّها استثناء من أحوال، وهذا المركّب مستعمل في غير معناه لأنَّه مستعمل في النَّهي عن مفارقة الدّين بالإسلام مدّة الحياة، وهو مجاز تمثيلي علاقته اللزوم، لما شاع بين النَّاس من أنّ ساعة الموت أمر غير معلوم كما قال الصدّيق‏:‏
كُلّ امرئ مصبَّح في أهلِهِ *** والموتُ أدنى من شراك نَعْلِه
فالنهي عن الموت على غير الإسلام يستلزم النَّهي عن مفارقة الإسلام في سائر أحيان الحياة، ولو كان المراد به معناه الأصلي، لكان ترخيصاً في مفارقة الإسلام إلاّ عند حضور الموت، وهو معنى فاسد وقد تقدّم ذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا‏}‏ ثَنَّى أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم لأخراهم، بأمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم، وذلك بالاجتماع على هذا الدّين وعدم التَّفرّق ليكتسبوا باتّحادهم قوّة ونماء‏.‏ والاعتصام افتعال من عَصَم وهو طلب ما يعصم أي يمنع‏.‏
والحَبْل‏:‏ ما يشدّ به للارتقاء، أو التدلّي، أو للنَّجاة من غَرَق، أو نحوه، والكلام تمثيل لهيئة اجتماعهم والتفافهم على دين الله ووصاياه وعهوده بهيئة استمساك جماعة بحبل ألقى إليهم من مُنقذ لهم من غرق أو سقوط، وإضافة الحبل إلى الله قرينة هذا التَّمثيل‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏جميعاً‏}‏ حال وهو الّذي رجّح إرادة التَّمثيل، إذ ليس المقصود الأمر باعتصام كُلّ مسلم في حال انفراده اعتصاماً بهذا الدّين، بل المقصود الأمر باعتصام الأمَّة كُلّها، ويحصل في ضِمن ذلك أمرُ كُلّ واحد بالتَّمسك بهذا الدّين، فالكلام أمر لهم بأن يكونوا على هاته الهيئة، وهذا هو الوجه المناسب لتمام البلاغة لكثرة ما فيه من المعاني، ويجوز أن يستعار الاعتصام للتَّوثيق بالدّين وعهوده، وعدم الانفصال عنه، ويستعار الحبل للدّين والعهود كقوله‏:‏ ‏{‏إلاّ بحَبْل من الله وحبْل من النَّاس‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 112‏]‏ ويكون كُلّ من الاستعارتين ترشيحاً للأخرى، لأنّ مبنى التَّرشيح على اعتبار تقوية التَّشبيه في نفس السامع، وذلك يحصل له بمجرد سماع لفظ ما هو من ملائمات المستعار، بقطع النَّظر عن كون ذلك الملائم معتبرة فيه استعارة أخرى، إذ لا يزيده ذلك الاعتبار إلاّ قُوّة‏.‏ وليست الاستعارة بوضع اللَّفظ في معنى جديد حتَّى يَتَوهّم متوهّم أنّ تلك الدّلالة الجديدة، الحاصلة في الاستعارة الثَّانية، صارت غير ملائمة لِمعنى المستعار في الاستعارة الأخرى، وإنَّما هي اعتبارات لطيفة تزيد كثرتها الكلام حسناً‏.‏ وقريب من هذا التوريةُ، فإنّ فيها حُسناً بإيهام أحد المعنيين مع إرادة غيره، ولا شكّ أنَّه عند إرادة غيره لا يكون المعنى الآخَر مقصوداً، وفي هذا الوجه لا يكون الكلام صريحاً في الأمر بالاجتماع على الدّين بل ظاهره أنّه أمر للمؤمنين بالتمسّك بالدّين فيؤول إلى أمر كُلّ واحد منهم بذلك على ما هو الأصل في معنى مثل هذه الصّيغة ويصير قوله‏:‏ ‏{‏جميعاً‏}‏ محتملاً لتأكيد العموم المستفاد من واو الجماعة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تفرقوا‏}‏ تأكيد لمضمون اعتصموا جميعاً كقولهم‏:‏ ذممت ولم تُحْمَد‏.‏ على الوجه الأول في تفسير ‏{‏واعتصموا بحبل الله جميعاً‏}‏‏.‏ وأمّا على الوجه الثَّاني فيكون قوله‏:‏ ‏{‏ولا تفرّقوا‏}‏ أمراً ثانياً للدلالة على طلب الاتّحاد في الدّين، وقد ذكرنا أنّ الشيء قد يؤكّد بنفي ضدّه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد ضلوا وما كانوا مهتدين‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 140‏]‏ وفي الآية دليل على أنّ الأمر بالشيء يستلزم النَّهي عن ضدّه‏.‏
وقوله‏:‏ واذكروا نعمت الله عليكم‏}‏ تصوير لحالهم الَّتي كانوا عليها ليحصل من استفظاعها انكشاف فائدة الحالة الَّتي أمروا بأن يكونوا عليها وهي الاعتصام جميعاً بجامعة الإسلام الَّذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة، وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله تعالى، الّذي اختار لهم هذا الدّين، وفي ذلك تحريض على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتِّفاق‏.‏ والتَّذكيرُ بنعمة الله تعالى طريق من طُرق مواعظ الرّسل‏.‏ قال تعالى حكاية عن هود‏:‏ ‏{‏واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح‏}‏
‏[‏الأعراف‏:‏ 69‏]‏ وقال عن شعيب‏:‏ ‏{‏واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثَّركم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 86‏]‏ وقال الله لموسى‏:‏ ‏{‏وذكرهم بأيام الله‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وهذا التَّذكير خاصّ بمن أسلم من المسلمين بعد أن كان في الجاهلية، لأنّ الآية خطاب للصّحابة ولكن المنّة به مستمرة على سائر المسلمين، لأن كُلّ جيل يُقَدّر أن لو لم يَسبق إسلام الجيل الَّذي قبله لكانوا هم أعداء وكانوا على شفا حفرة من النَّار‏.‏
والظرفية في قوله‏:‏ ‏{‏إذ كنتم أعداء‏}‏ معتبر فيها التَّعقيب من قوله‏:‏ ‏{‏فألف بين قلوبكم‏}‏ إذ النعمة لم تكن عند العداوة، ولكن عند حصول التأليف عقب تلك العداوة‏.‏
والخطاب للمؤمنين وهم يومئذ المهاجرون والأنصار وأفراد قليلون من بعض القبائل القريبة، وكان جميعهم قبل الإسلام في عداوة وحروب، فالأوس والخزرج كانت بينهم حروب دامت مائة وعشرين سنة قبل الهجرة، ومنها كان يوم بعاث، والعرب كانوا في حروب وغارات بل وسائر الأمم الَّتي دعاها الإسلام كانوا في تفرّق وتخاذل فصار الّذين دخلوا في الإسلام إخواناً وأولياء بعضهم لبعض، لا يصدّهم عن ذلك اختلاف أنساب، ولا تباعد مواطن، ولقد حاولت حكماؤهم وأولو الرأي منهم التأليف بينهم، وإصلاح ذات بينهم، بأفانين الدّعاية من خطابة وجاه وشعر فلم يصلوا إلى ما ابتغوا حتَّى ألَّف الله بين قلوبهم بالإسلام فصاروا بذلك التَّأليف بمنزلة الإخوان‏.‏
والإخوان جمع الأخ، مثل الإخوة، وقيل‏:‏ يختصّ الإخوان بالأخ المجازي والإخوة بالأخخِ الحقيقي، وليس بصحيح قال تعالى‏:‏ ‏{‏أو بيوت إخوانكم‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 61‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إنَّما المؤمنون إخوة‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 10‏]‏ وليس يصحّ أن يكون للمعنى المجازي صيغة خاصّة في الجمع أو المفرد وإلا لبطل كون اللَّفظ مجازاً وصار مشتركاً، لكن للاستعمال أن يُغلّب إطلاق إحدى الصيغتين الموضوعتين لمعنى واحد فيغلّبها في المعنى المجازي والأخرى في الحقيقي‏.‏
وقد امتنّ الله عليهم بتغيير أحوالهم من أشنع حالة إلى أحسنها‏:‏ فحالة كانوا عليها هي حالة العداوة والتَّفاني والتقاتل، وحالة أصبحوا عليها وهي حالة الأخُوّة ولا يدرِك الفرقَ بين الحالتين إلا من كانوا في السُّوأى فأصبحوا في الحُسنى، والنَّاس إذا كانوا في حالة بُؤس وضنك واعتادوها صار الشقاء دأبهم، وذلّت له نفوسهم فلم يشعروا بما هم فيه، ولا يتفطّنوا لوخيم عواقبه، حتَّى إذا هُيّئ لهم الصّلاح، وأخذ يتطرّق إليهم استفاقوا من شقوتهم، وعلموا سوء حالتهم، ولأجل هذا المعنى جمعت لهم هذه الآية في الامتنان بين ذكر الحالتين وما بينهما فقالت‏:‏ ‏{‏إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً‏}‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏بنعمته‏}‏ الباء فيه للملابسة بمعنى ‏(‏مع‏)‏ أي أصبحتم إخواناً مصاحبين نعمة من الله وهي نعمة الأخوَّة، كقول الفضل بن عبَّاس بن عتبة اللهبي‏:‏
كُلُّ له نية في بغض صاحبه *** بنعمة الله نَقْلِيكُم وتَقْلُونَا
وقوله‏:‏ ‏{‏وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها‏}‏ عطف على ‏{‏كنتم أعداء‏}‏ فهو نعمة أخرى وهي نعمة الإنقاذ من حالة أخرى بئيسة وهي حالة الإشراف على المهلكات‏.‏
والشَّفا مثل الشَّفَة هو حرف القليب وَطرفه، وألِفُه مبدلة من واو‏.‏ وأما واو شفة فقد حذفت وعوضت عنها الهاء مثل سنة وعِزّة إلاّ أنهم لم يجمعوه على شفوات ولا على شَفِينَ بل قالوا شفاه كأنَّهم اعتدوا بالهاء كالأصل‏.‏
فأرى أن شَفا حفرة النَّار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك الهلاك والتَّفاني الَّذي عبَّر عنه زهير بقوله‏:‏
تفانَوا ودَقُّوا بينَهم عِطْر مَنْشَم *** بحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النَّار كالأُخدُود فليس بينهم وبين الهلاك السَّريع التَّام إلا خطوة قصيرة، واختيار الحالة المشبَّه بها هنا لأن النَّار أشدّ المهلكات إهلاكاً، وأسرعُها، وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون الامتنان بنعمتين محسوستين هما‏:‏ نعمة الأخوة بعد العداوة، ونعمة السلامة بعد الخطر، كما قال أبو الطيب‏:‏
نَجاة من البأساءِ بعدَ وقوع *** والإنقاذ من حالتين شنيعتين‏.‏ وقال جمهور المفسرين‏:‏ أراد نار جهنَّم‏.‏ وعلى قولهم هذا يكون قوله‏:‏ ‏{‏شفا حفرة‏}‏ مستعاراً للاقتراب استعارة المحسوس للمعقول‏.‏ والنَّارُ حقيقة، ويبعد هذا المحمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حفرة‏}‏ إذ ليست جهنّم حفرة بل هي عالم عظيم للعذاب‏.‏ وورد في الحديث «فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان» لكن ذلك رؤيا جاءت على وجه التمثيل وإلا فهي لا يحيط بها النّظر‏.‏ ويكون الامتنان على هذا امتناناً عليهم بالإيمان بعد الكفر وهم ليقينهم بدخول الكفرة النَّارَ علموا أنَّهم كانوا على شفاها‏.‏ وقيل‏:‏ أراد نار الحرب وهو بعيد جداً لأنّ نار الحرب لا توقد في حُفرة بل توقد في العلياء ليراها من كان بعيداً كما قال الحارث‏:‏
وبعينيك أوقدَتْ هند النَّارَ *** عِشاء تُلْوي بها العَليَاء
فتنورتَ نَارها من بعيد *** بخَزَازَى أيَّان منك الصِلاء
ولأنهم كانوا ملابسين لها ولم يكونوا على مقاربتها‏.‏
والضّمير في ‏{‏منها‏}‏ للنَّار على التَّقادير الثَّلاثة‏.‏ ويجوز على التَّقدير الأول أن يكون لشَفا حفرة وعاد عليه بالتأنيث لاكتسابه التَّأنيث من المضاف إليه كقول الأعشى‏:‏
وتَشْرَقَ بالقَوْللِ الذي قد أذعتَه *** كما شَرِقَتْ صَدْرُ القناة من الدم
وقوله‏:‏ ‏{‏كذلك يبين الله لكم آياته‏}‏ نعمة أخرى وهي نعمة التَّعليم والإرشاد، وإيضاح الحقائق حتَّى تكمل عقولهم، ويَتَبَيَّنوا مَا فيه صلاحهم‏.‏ والبيان هنا بمعنى الإظهار والإيضاح‏.‏ والآيات يجوز أن يكون المراد بها النعم، كقول الحرث بن حلزة‏:‏
مَنْ لنا عنده من الخَيْر آيا *** تٌ ثلاث في كلّهن القضاء
ويجوز أن يراد بها دلائل عنايته تعالى بهم وتثقيف عقولهم وقلوبهم بأنوار المعارف الإلهية‏.‏ وأن يراد بها آيات القرآن فإنها غاية في الإفصاح عن المقاصد وإبلاغ المعاني إلى الأذهان‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏104- 105‏]‏
‏{‏وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏104‏)‏ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏105‏)‏‏}‏
هذا مفرّع عن الكلام السَّابق‏:‏ لأنَّه لمّا أظهر لهم نعمة نقلهم من حالتي شقاء وشناعة إلى حالتي نعيم وكَمال، وكانوا قد ذاقوا بين الحالتين الأمَرّيْن ثُمّ الأَحْلَوَيْن، فحلبوا الدّهر أشطريه، كانوا أحرياء بأن يَسعوا بكل عزمهم إلى انتشال غيرهم من سُوء ما هو فيه إلى حُسنى ما هُم عليه حتَّى يكون النَّاس أمَّة واحدة خيِّرة‏.‏ وفي غريزة البشر حبّ المشاركة في الخير لذلك تجد الصّبي إذا رأى شيئاً أعجبه نادى من هو حوله ليراه معه‏.‏
ولذلك كان هذا الكلام حرياً بأن يعطف بالفاء، ولو عطف بها لكان أسلوباً عربياً إلاّ أنّه عُدل عن العطف بالفاء تنبيهاً على أن مضمون هذا الكلام مقصود لذاته بحيث لو لم يسبقه الكلام السابق لكان هو حريّاً بأن يؤمر به، فلا يكونُ مذكوراً لأجل التفرّع عن غيره والتبع‏.‏
وفيه من حسن المقابلة في التَّقسيم ضرب من ضروب الخطابة‏:‏ وذلك أنَّه أنكر على أهل الكتاب كفرهم وصدّهم النَّاس عن الإيمان، فقال‏:‏ ‏{‏قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 98، 99‏]‏ الآية‏.‏
وقابل ذلك بأن أمر المؤمنين بالإيمان والدعاء إليه إذ قال‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 102‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير‏}‏ الآية‏.‏
وصيغة ‏{‏ولتكن منكم أمَّة‏}‏ صيغة وجوب لأنَّها أصرح في الأمر من صيغة افعلوا لأنَّها أصلها‏.‏ فإذا كان الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر غير معلوم بينهم من قبل نزوللِ هذه الآية، فالأمرُ لتشريع الوجوب، وإذا كان ذلك حاصلاً بينهم من قبل كما يدلّ عليه قوله‏:‏ ‏{‏كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 110‏]‏ فالأمر لتأكيد ما كانوا يفعلونه ووجوبه، وفيه زيادة الأمر بالدّعوة إلى الخير وقد كان الوجوب مقرّراً من قبل بآيات أخرى مثل‏:‏ ‏{‏وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر‏}‏ ‏[‏العصر‏:‏ 3‏]‏، أو بأوامر نبويَّة‏.‏ فالأمر لتأكيد الوجوب أيضا للدلالة على الدّوام والثبات عليه، مثل ‏{‏يأيها الذين آمنوا آمنوا باللَّه‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 136‏]‏‏.‏
والأمَّة الجماعة والطائفة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلما دخلت أمة لعنت أختها‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 38‏]‏‏.‏
وأصل الأمَّة في كلام العرب الطَّائفة من النَّاس الَّتي تؤمّ قصداً واحداً‏:‏ من نسب أو موطن أو دين، أو مجموع ذلك، ويتعيّن ما يجمعها بالإضافة أو الوصف كقولهم‏:‏ أمَّة العرب وأمّة غسان وأمّة النصارى‏.‏
والمخاطب بضمير ‏(‏منكم‏)‏ إن كان هم أصحابَ رسول الله كما هو ظاهر الخطابات السابقة آنِفاً جاز أن تكون ‏(‏مِن‏)‏ بَيانيَّة وَقُدّم البيانُ على المبيَّن ويكون ما صْدق الأمّة نفس الصّحابة، وهم أهل العصر الأول من المسلمين فيكون المعنى‏:‏ ولتكونوا أمَّة يدعون إلى الخير فهذه الأمَّة أصحاب هذا الوصف قد أمروا بأن يكوِّنوا من مجموعهم الأمَّة الموصوفة بأنهم يدعون إلى الخير، والمقصود تكوين هذا الوصف، لأنّ الواجب عليهم هو التَّخلق بهذا الخلق فإذا تخلّقوا به تكوّنت الأمَّة المطلوبة‏.‏
وهي أفضل الأمم‏.‏ وهي أهل المدينة الفاضلة المنشود للحكماء من قبل، فجَاءت الآية بهذا الأمر على هذا الأسلوب البليغ الموجز‏.‏
وفي هذا محسِّن التجريد‏:‏ جُرّدت من المخاطبين أمَّة أخرى للمبالغة في هذا الحكم كما يقال‏:‏ لِفلان من بنيه أنصار‏.‏ والمقصود‏:‏ ولتكونوا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر حتَّى تكونوا أمَّة هذه صفتها، وهذا هو الأظهر فيكون جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خوطبوا بأن يكونوا دعاة إلى الخير، ولا جرم فهم الَّذين تلقوا الشَّريعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، فهم أولى النَّاس بتبليغها‏.‏ وأعلم بمشَاهِدها وأحوالها، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة‏:‏ «ليبلغ الشاهد الغائب أَلاَ هل بلّغت» وإلى هذا المحمل مال الزجاج وغير واحد من المفسّرين، كما قاله ابن عطية‏.‏
ويجوز أيضاً على اعتبار الضّمير خطابا لأصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم أن تكون ‏(‏من‏)‏ للتبعيض، والمراد من الأمّة الجماعة والفريق، أي‏:‏ وليكن بعضكم فريقاً يدعون إلى الخير فيكون الوجوب على جماعة من الصّحابة فقد قال ابن عطية‏:‏ قال الضّحاك، والطبري‏:‏ أمر المؤمنين أن تكون منهم جماعة بهذه الصّفة‏.‏ فهم خاصّة أصحاب الرسول وهم خاصّة الرواة‏.‏
وأقول‏:‏ على هذا يثبت حكم الوجوب على كلّ جيل بعدهم بطريق القياس لئلا يتعطّل الهدى‏.‏ ومن النَّاس من لا يستطيع الدّعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 122‏]‏ الآية‏.‏
وإن كان الخطاب بالضّمير لجميع المؤمنين تبعاً لكون المخاطب بيَأيها الّذين آمنوا إيَّاهم أيضاً، كانت ‏(‏مِنْ‏)‏ للتبعيض لا محالة، وكان المراد بالأمّة الطائفة إذ لا يكون المؤمنون كُلّهم مأمورين بالدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بل يكون الواجب على الكفاية وإلى هذا المعنى ذهب ابن عطية، والطبري، ومن تبعهم، وعلى هذا فيكون المأمور جماعة غير معيّنة وإنما المقصود حصول هذا الفعل الَّذى فُرض على الأمَّة وقُوعُه‏.‏
على أنّ هذا الاعتبار لا يمنع من أن تكون ‏(‏مِن‏)‏ بيانية بمعنى أن يكونوا هم الأمّة ويكون المراد بكونهم يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، إقامة ذلك فيهم وأن لا يخلُوا عن ذلك على حسب الحاجة ومقدار الكفاءة للقيام بذلك، ويكون هذا جارياً على المعتاد عند العرب من وصف القبيلة بالصّفات الشائعة فيها الغالبة على أفرادها كقولهم‏:‏ بَاهِلَة لِئَام، وعُذْرةُ عُشَّاق‏.‏
وعلى هذه الاعتبارات تجري الاعتبارات في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تكونوا كالذين تفرقوا‏}‏ كما سيأتي‏.‏
إنّ الدعوة إلى الخير تتفاوت‏:‏ فمنها ما هو بيّن يقوم به كلّ مسلم، ومنها ما يحْتاج إلى علم فيقوم به أهله، وهذا هو المسمّى بفرض الكفاية، يعني إذا قام به بعض النَّاس كفَى عن قيام الباقين، وتتعيَّن الطائفة الَّتي تقوم بها بتوفّر شروط القيام بمثل ذلك الفعل فيها‏.‏
كالقوة على السلاح في الحرب، وكالسباحة في إنقاذ الغريق، والعلم بأمور الدّين في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وكذلك تَعيّن العدد الَّذي يكفي للقيام بذلك الفعل مثل كون الجيش نصفَ عدد جيش العدوّ، ولمَّا كان الأمر يستلزم متعلِّقاً فالمأمور في فرض الكفاية الفريق الّذين فيهم الشروط، ومجموعُ أهل البلد، أو القبيلة، لتنفيذ ذلك، فإذا قام به العدد الكافي ممّن فيهم الشروط سقط التكليف عن الباقين، وإذا لم يقوموا به كان الإثم على البلد أو القبيلة، لسكوت جميعهم، ولتقاعس الصَّالحين للقيام بذلك، مع سكوتهم أيضا ثمّ إذا قام به البعض فإنَّما يُثاب البعض خاصّة‏.‏
ومعنى الدعاء إلى الخير الدعاء إلى الإسلام، وبثّ دعوة النّبيء صلى الله عليه وسلم فإنّ الخير اسم يجمع خصال الإسلام‏:‏ ففي حديث حذيفة بن اليَمان «قلت‏:‏ يا رسول الله إنّا كنّا في جاهلية وشَرّ فجاءَنا الله بهذا الخيْرِ فهل بعد هذا الخير من شرّ» الحديث، ولذلك يكون عطف الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر عليه من عطف الشيء على مغايره، وهو أصل العطف‏.‏ وقيل‏:‏ أريد بالخير ما يشمل جميع الخيرات، ومنها الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فيكون العطف من عطف الخاصّ على العامّ للاهتمام به‏.‏
وحذفت مفاعيل يَدعون ويأمرون وَيَنهَوْن لقصد التَّعميم أي يَدعون كلّ أحد كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واللَّهُ يدعو إلى دار السَّلام‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 25‏]‏‏.‏
والمعروف هو ما يعرف وهو مجاز في المقبول المرضي به، لأنّ الشيء إذا كان معروفاً كان مألوفاً مقبولاً مرضيّاً به، وأريد به هنا ما يُقبل عند أهل العقول، وفي الشَّرائع، وهو الحقّ والصلاح، لأنّ ذلك مقبول عند انتفاء العوارض‏.‏
والمنكر مجاز في المكروه، والكُرْه لازم للإنكار لأنّ النكر في أصل اللِّسان هو الجهل ومنه تسمية غير المألوف نكرة، وأريد به هنا الباطل والفساد، لأنَّهما من المكروه في الجبلّة عند انتفاء العوارض‏.‏
والتَّعريف في ‏(‏الخير والمعروف والمنكر‏)‏ تعريف الاستغراق، فيفيد العموم في المعاملات بحسب ما ينتهي إليه العلم والمقدرة فيُشبه الاستغراق العرفي‏.‏
ومن المفسّرين من عيّن جعل ‏(‏مِن‏)‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولتكن منكم أمة‏}‏ للبيان، وتأوّل الكلام بتقدير تقديممِ البيان على المبيَّن فيَصِير المعنى‏:‏ ولتكن أمَّة هي أنتم أي ولتكونوا أمَّة يدعون محاولة للتسويَّة بين مضمون هذه الآية، ومضمون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 110‏]‏ الآية‏.‏ ومساواة معنيي الآيتين غير متعيّنة لِجواز أن يكون المراد من خير أمَّة هاته الأمَّة، الَّتي قامت بالأمر بالمعروف، على ما سنبيِّنه هنالك‏.‏
والآية أوجبت أن تقوم طائفة من المسلمين بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ولا شكّ أن الأمر والنَّهي من أقسام القول والكلام، فالمكلّف به هو بيان المعروف، والأمر به، وبيان المنكر، والنَّهي عنه، وأمَّا امتثال المأمورين والمنهيين لذلك، فموكول إليهم أو إلى ولاة الأمور الَّذين يحملونهم على فعل ما أمروا به، وأمَّا ما وقع في الحديث‏:‏ «من رأى منكم منكراً فَلْيُغَيِّرْه بيدِه، فإنْ لم يَسْتَطِعْ فبِلِسانه فإن لم يستطع فبقلبه» فذلك مرتبةُ التغيير، والتَّغييرُ يكون باليد، ويكون بالقلب، أي تمنّى التَّغيير، وأمَّا الأمر والنَّهي فلا يكونان بهما‏.‏
والمعروف والمنكر إن كانا ضروريين كان لكلّ مسلم أن يأمر وينهى فيهما، وإن كانا نظريَّيْن، فإنَّما يقوم بالأمر والنَّهي فيهما أهل العلم‏.‏
وللأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر شروط مبيّنة في الفقه والآداب الشرعية، إلاّ أنِّي أنبِّه إلى شرط ساء فهم بعض النَّاس فيه وهو قول بعض الفقهاء‏:‏ يشترط أن لا يجرّ النَّهي إلى منكر أعظم‏.‏ وهذا شرط قد خرم مزيّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، واتّخذه المسلمون ذريعة لترك هذا الواجب‏.‏ ولقد ساء فهمهم فيه إذا مراد مشترطِه أن يتحقَّق الآمر أنّ أمره يجرّ إلى منكر أعظم لاَ أن يخاف أو يتوهّم إذ الوجوب قطعي لا يعارضه إلاّ ظنّ أقوى‏.‏
ولمّا كان تعيين الكفاءة للقيام بهذا الفرض، في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، لتوقّفه على مراتب العلم بالمعروف والمنكر، ومراتب القدرة على التَّغيير، وإفهام النَّاس ذلك، رأَى أيمة المسلمين تعيين ولاة للبحث عن المناكر وتعيين كيفية القيام بتغييرها، وسمّوا تلك الولاية بالحسبة، وقد أولى عمر بن الخطَّاب في هاته الولاية أم الشَفاء، وأشهر من وليها في الدولة العبَّاسيَّة ابن عائشة، وكان رجلاً صلباً في الحق، وتسمّى هذه الولاية في المغرب ولاية السوق وقد وليها في قرطبة الإمام محمَّد بن خالد بن مَرْتَنِيل القرطبي المعروف بالأشجّ من أصحاب ابن القاسم توفِّي سنة 220‏.‏ وكانت في الدولة الحفصيَّة ولاية الحسبة من الولايات النبيهة وربَّما ضمّت إلى القضاء كما كان الحال في تونس بعد الدولة الحفصيَّة‏.‏
وجملة ‏{‏وأولئك هم المفلحون‏}‏ معطوفة على صفات أمَّة وهي الَّتي تضمّنتها جُمَلُ ‏{‏يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‏}‏ والتقدير‏:‏ وهم مفلحون‏:‏ لأن الفلاح لمّا كان مسبّباً على تلك الصفّات الثلاث جعل بمنزلة صفة لهم، ويجوز جعل جملة ‏{‏وأولئك هم المفلحون‏}‏ حالاً من أمَّة، والواو للحال‏.‏
والمقصود بشارتهم بالفلاح الكامل إن فعلوا ذلك‏.‏ وكان مقتضى الظاهر فصل هذه الجملة عمّا قبلها بدون عطف، مثل فصل جملة ‏{‏أولئك على هدى من ربِّهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 5‏]‏ لكن هذه عُطفت أو جاءت حالاً لأن مضمونها جزاء عن الجمل الَّتي قبلها، فهي أجدر بأن تُلحق بها‏.‏
ومفاد هذه الجملة قصر صفة الفلاح عليهم، فهو إمّا قصر إضافي بالنّسبة لمن لم يقم بذلك مع المقدرة عليه وإمّا قصر أريد به المبالغة لعدم الاعتداد في هذا المقام بفلاح غيرهم، وهو معنى قصد الدّلالة على معنى الكمال‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تكونوا كالذين تفرقوا‏}‏ معطوف على قوله‏:‏ ‏{‏ولتكن منكم أمة‏}‏ وهو يرجع إلى قوله قبلُ‏:‏ ‏{‏ولا تفرقوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 103‏]‏ لما فيه من تمثيل حال التفرّق في أبشع صوره المعروفة لديهم من مطالعة أحوال اليهود‏.‏ وفيه إشارة إلى أن ترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر يفضي إلى التفرّق والاختلاف إذ تكثر النزعات والنزغات وتنشقّ الأمَّة بذلك انشقاقاً شديداً‏.‏
والمخاطب به يجري على الاحتمالين المذكورين في المخاطب بقوله‏:‏ ‏{‏ولتكن منكم أمة‏}‏ مع أنّه لا شكّ في أن حكم هذه الآية يعمّ سائر المسلمين‏:‏ إمَّا بطريق اللَّفظ، وإمَّا بطريق لَحْن الخطاب، لأن المنهي عنه هو الحالة الشبيهة بحال الَّذين تفرّقوا واختلفوا‏.‏
وأريد بالّذين تفرّقوا واختلفوا الَّذين اختلفوا في أصول الدّين، من اليهود والنَّصارى، من بعد ما جاءهم من الدلائل المانعة من الاختلاف والافتراق‏.‏ وقدّم الافتراق على الاختلاف للإيذان بأن الاختلاف علّة التفرّق وهذا من المفادات الحاصلة من ترتيب الكلام وذكر الأشياء مع مقارناتها، وفي عكسه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتقوا اللَّه ويعلمكم اللَّه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 282‏]‏‏.‏
وفيه إشارة إلى أنّ الاختلاف المذموم والَّذي يؤدّي إلى الافتراق، وهو الاختلاف في أصول الدّيانة الَّذي يفضي إلى تكفير بعض الأمَّة بعضاً، أو تفسيقه، دون الاختلاف في الفروع المبنيّة على اختلاف مصالح الأمَّة في الأقطار والأعصار، وهو المعبّر عنه بالاجتهاد‏.‏ ونحن إذا تقصّينا تاريخ المذاهب الإسلاميَّة لا نجد افتراقاً نشأ بين المسلمين إلا عن اختلاف في العقائد والأصول، دون الاختلاف في الاجتهاد في فروع الشَّريعة‏.‏
والبيِّنات‏:‏ الدلائل الَّتي فيها عصمة من الوقوع في الاختلاف لو قيضت لها أفهام‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وأولئك لهم عذاب عظيم‏}‏ مقابل قوله في الفريق الآخر‏:‏ ‏{‏وأولئك هم المفلحون‏}‏ فالقول فيه كالقول في نظيره، وهذا جزاء لهم على التفرّق والاختلاف وعلى تفريطهم في تجنّب أسبابه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 107‏]‏
‏{‏يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏106‏)‏ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏107‏)‏‏}‏
يجوز أن يكون ‏{‏يوم تبيض وجوه‏}‏ منصوباً على الظرف، متعلّقاً بما في قوله ‏{‏لهم عذاب‏}‏ من معنى كائننٍ أو مستقرّ‏:‏ أي يكون عذاب لهم يوم تبيضّ وجوه وتسْودّ وجوه، وهذا هو الجاري على أكثر الاستعمال في إضافة أسماء الزمان إلى الجُمل‏.‏ ويجوز أن يكون منصوباً على المفعول به لفعل اذْكر محذوفاً، وتكون جملة ‏{‏تبيضّ وجوه‏}‏ صفة ل ‏(‏يوم‏)‏ على تقدير‏:‏ تبيضّ فيهِ وجوه وتسودّ فيه وجوه‏.‏
وفي تعريف هذا اليوم بحصول بياض وجوه وسواد وجوه فيه، تهويل لأمره، وتشويق لما يرِد بعده من تفصيل أصحاب الوجوه المبيضّة، والوجوه المسودّة‏:‏ ترهيباً لفريق وترغيباً لفريق آخر‏.‏ والأظهر أن عِلْم السامعين بوقوع تبييض وجوه وتسويد وجوه في ذلكَ اليوم حاصل من قبل‏:‏ في الآيات النازلة قبل هذه الآية، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم القيامة ترى الَّذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 60‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذٍ عليها غبرة ترهقها قترَة‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 38 41‏]‏‏.‏
والبياض والسواد بياض وسواد حقيقيان يوسم بهما المؤمن والكافر يوم القيامة، وهما بياض وسواد خاصّان لأن هذا م أحوال الآخرة فلا داعي لصرفه عن حقيقته‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم‏}‏ تفصيل للإجمال السابق، سُلك فيه طريق النشَّر المعكوس، وفيه إيجاز لأنّ أصل الكلام، فأمّا الَّذين اسودّت وجوههم فهم الكافرون يقال لهم أكفرتم إلى آخر‏:‏ وأمّا الَّذين ابيضّت وجوههم فهم المؤمنون وفي رحمة الله هم فيها خالدون‏.‏
قدّم عند وصف اليوم ذكر البياض، الَّذي هو شعار أهل النَّعيم، تشريفاً لذلك اليوم بأنَّه يوم ظهور رحمة الله ونعمته، ولأنّ رحمة الله سبقت غضبه، ولأنّ في ذكر سمة أهل النَّعيم، عقب وعيد بالعذاب، حسرةً عليهم، إذ يعلم السَّامع أنّ لهم عذاباً عظيماً في يوم فيه نعيم عظيم، ثُمّ قُدّم في التفصيل ذكر سمة أهل العذاب تعجيلاً بمساءتهم‏.‏
وقوله ‏{‏أكفرتم‏}‏ مقول قول محذوف يحذف مثله في الكلام لظهوره‏:‏ لأنّ الاستفهام لا يصدر إلاّ من مستفهم، وذلك القول هو جواب أمَّا، ولذلك لم تدحل الفاء على ‏{‏أكفرتم‏}‏ ليظهر أن ليس هو الجواب وأن الجواب حذف برمَّته‏.‏
وقائل هذا القول مجهول، إذ لم يتقدّم ما يدّل عليه، فيحتمل أنّ ذلك يقوله أهل المحشر لهم وهم الَّذين عرفوهم في الدّنيا مؤمنين، ثمّ رأوهم وعليهم سمة الكفر، كما ورد في حديث الحوض «فليَرِدنّ عليّ أقوام أعرفهم ثمّ يُخْتلجُون دوني، فأقولُ‏:‏ أصَيْحَابي، فيقال‏:‏ إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك» والمستفهِم سلَفُهم من قومهم أو رسولهم، فالاستفهام على حقيقته مع كنايته عن معنى التعجّب‏.‏
ويحتمل أنَّه يقوله تعالى لهم، فالاستفهام مجاز عن الإنكار والتغليط‏.‏ ثمّ إن كان المراد بالَّذين اسودّت وجوههم أهل الكتاب، فمعنى كفرهم بعدَ إيمانهم تغييرهم شريعة أنبيائهم وكتمانهم ما كتموه فيها، أو كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بموسى وعيسى، كما تقدّم في قوله
‏{‏إنّ الَّذين كفروا بعد إيمانهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 90‏]‏ وهذا هو المحمل البيّن، وسياق الكلام ولفظه يقتضيه، فإنَّه مسَوق لوعيد أولئك‏.‏ ووقعت تأويلات من المسلمين وقعوا بها فيما حذّرهم منه القرآن، فتفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات‏:‏ الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فلا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ‏"‏ مثل أهل الردة الذين ماتوا على ذلك، فمعنى الكفر بعد الإيمان حينئذٍ ظاهر، وعلى هذا المعنى تأوّل الآية مالك بن أنس فيما روى عنه ابن القاسم وهو في ثالثة المسائل من سماعه من كتاب المرتدّين والمحاربين من العتبية قال‏:‏ «ما آية في كتاب الله أشدّ على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية» يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه» قال مالك‏:‏ إنَّما هذه لأهل القبلة‏.‏ يعني أنَّها ليست للَّذين تفرّقوا واختلفوا من الأمم قبلنا بدليل قوله ‏{‏أكفرتم بعد إيمانكم‏}‏ ورواه أبو غسّان مالك الهروي عن مالك عن ابن عمرَ، ورُوي مثل هذا عن ابن عبّاس، وعلى هذا الوجه فالمراد الَّذين أحدثوا بعد إيمانهم كفرا بالردّة أو بشنيع الأقوال الَّتي تفضي إلى الكفر ونقض الشَّريعة، مثل الغرابية من الشيعة الَّذين قالوا بأنّ النبوءة لعلي، ومثل غلاة الإسماعلية أتباع حمزة بن عليّ، وأتباع الحاكم العُبيدي، بخلاف من لم تبلغ به مقالته إلى الكفر تصريحاً ولا لزوماً بيّنا مثل الخوارج والقدرية كما هو مفصّل في كتب الفقه والكلام في حكم المتأوّلين ومن يؤول قولهم إلى لوازم سيّئة‏.‏
وذوق العذاب مجاز للإحساس وهو مجاز مشهور علاقته التقييد‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏108- 109‏]‏
‏{‏تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ‏(‏108‏)‏ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ‏(‏109‏)‏‏}‏
تذييلات، والإشارة في قوله ‏{‏تلك‏}‏ إلى ائفة من آيات القرآن السابقة من هذه السورة كما اقتضاه قوله ‏{‏نتلوها عليك بالحق‏}‏‏.‏
والتلاوة اسم لحكاية كلام لإرادة تبليغه بلفظه وهي كالقراءة إلاّ أن القراءة تختصّ بحكاية كلام مكتوب فيتّجه أن تكون الطائفة المقصودة بالإشارة هي الآيات المبدوءة بقوله تعالى ‏{‏إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 59‏]‏ إلى هنا لأن ما قبله ختم بتذييل قريب من هذا التذييل، وهو قوله ‏{‏ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 58‏]‏ فيكون كل تذييل مستقلاً بطائفة الجمل الَّتي وقع هو عقبها‏.‏
وخصّت هذه الطائفة من القرآن بالإشارة لما فيها من الدلائل المثبتة صحة عقيدة الإسلام، والمبطلة لدعازي الفرق الثلاث من اليهود والنَّصارى والمشركين، مثل قوله ‏{‏إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 59‏]‏ وقوله ‏{‏ومَا من إله إلاّ إله واحد‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 74‏]‏ الآية‏.‏ وقوله ‏{‏فلِمَ تُحاجّون فيما ليس لكم به علم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 66‏]‏ الآية‏.‏ وقوله ‏{‏إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 68‏]‏ الآية‏.‏ وقوله ‏{‏ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 79‏]‏ الآية‏.‏ وقوله ‏{‏وإذ أخذ الله ميثاق النبيين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 81‏]‏ الآية‏.‏ وقوله ‏{‏فأتوا بالتَّوراة فاتلوها‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 93‏]‏ وقوله ‏{‏إنّ أول بين وضع للناس للذي ببكة مباركاً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 96‏]‏، وما تخلّل ذلك من أمثال ومواعظ وشواهد‏.‏
والباء في قوله ‏{‏بالحق‏}‏ للملابسة، وهي ملابسة الإخبار للمخبَر عنه، أي لما في نفس الأمر والواقع، فهذه الآيات بيّنت عقائد أهل الكتاب وفصّلت أحوالهم في الدنيا والآخرة‏.‏
ومن الحقّ استحقاق كلا الفريقين لما عومل به عدلاً من الله، ولذا قال ‏{‏وما الله يريد ظلماً للعالمين‏}‏ أي لا يريد أن يظلم النَّاس ولو شاء ذلك لفعله، لكنَّه وعَد بأن لا يظلم أحداً فحقّ وعدُه، وليس في الآية دليل للمعتزلة على استحالة إرادة الله تعالى الظلم إذ لا خلاف بيننا وبين المعتزلة في انتفاء وقوعه، وإنَّما الخلاف في جواز ذلك واستحالته‏.‏
وجيء بالمسند فعلاً لإفادة تقوي الحكم، وهو انتفاء إرادة ظلم العالمين عن الله تعالى، وتنكير ‏(‏ظلماً‏)‏ في سياق النَّفي يدلّ على انتفاء جنس الظلم عن أن تتعلّق به إرادة الله، فكلّ ما يعدّظلماً في مجال العقول السليمة منتف أن يكون مراد الله تعالى‏.‏
وقوله ‏{‏ولله ما في السماوات وما في الأرض‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 284‏]‏ عطف على التذييل‏:‏ لأنَّه إذا كان له ما في السموات وما في الأرض فهو يريد صلاح حالهم، ولا حاجة له بإضرارهم إلا للجزاء على أفعالهم‏.‏ فلا يريد ظلمهم، وإليه ترجع الأشياء كُلّها فلا يفوته ثواب محسن ولا جزاء مسيء‏.‏
وتكرير اسم الجلالة ثلاث مرات في الجمل الثلاث التي بعد الأولى بدون إضمار للقصد إلى أن تكون كلّ جملة مستقلّة الدلالة بنفسها، غير متوقّفة على غيرها، حتَّى تصلح لأن يتمثّل بها، وتستحضرها النُّفوس وتحفظها الأسماع‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏110‏]‏
‏{‏كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏110‏)‏‏}‏
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله‏}‏‏.‏
يتنزّل هذا منزلة التَّعليل لأمرهم بالدّعوة إلى الخير، وما بعده فإن قوله ‏{‏تأمرون بالمعروف‏}‏ حال من ضمير كنتم، فهو موذن بتعليل كونهم خيرَ أمَّة فيترتب عليه أنّ ما كان فيه خيريتهم يجدر أن يفرض عليهم، إن لم يكن مفروضاً من قبل، وأن يؤكد عليهم فرضه، إن كان قد فرض عليهم من قبل‏.‏
والخطاب في قوله ‏{‏كنتم‏}‏ إمَّا لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ونقل ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عبَّاس‏.‏ قال عمر‏:‏ هذه لأوّلنَا ولا تكون لآخِرنا‏.‏ وإضافة خير إلى أمّة من إضافة الصفة إلى الموصوف‏:‏ أي كنتم أمَّة خير أمَّة أخرجت للنَّاس، فالمراد بالأمّة الجماعة، وأهل العصر النبوي، مثل القَرن، وهو إطلاق مشهور ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وادّكَر بعد أمَّة‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 45‏]‏ أي بعد مدة طويلة كمدة عصر كامل‏.‏ ولا شكّ أن الصحابة كانوا أفضل القرون التي ظهرت في العالم، لأن رسولهم أفضل الرسل، ولأن الهدى الذي كانوا عليه لا يماثله هدى أصحاب الرسل الذين مضوا، فإن أخذت الأمة باعتبار الرسول فيها فالصحابة أفضل أمة من الأمم مع رسولها، قال النبي صلى الله عليه وسلم «خير القرون قرني» والفضل ثابت للجموع على المجموع، وإن أخذت الأمة من عدا الرسول، فكذلك الصحابة أفضل الأمم التي مضت بدون رُسلها، وهذا تفضيل للهدى الذي اهتدوا به، وهو هدى رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته‏.‏
وإمّا أن يكون الخطاب بضمير ‏{‏كنتم‏}‏ للمسلمين كلّهم في كلّ جيل ظهروا فيه، ومعنى تفضيلهم بالأمر بالمعروف مع كونه من فروض الكفايات لا تقوم به جميع أفراد الأمّة لا يخلو مسلم من القيام بما يستطيع القيام به من هذا الأمر، على حسب مبلغ العلم ومنتهى القدرة، فمن التغيير على الأهل والولد، إلى التغيير على جميع أهل البلد، أو لأن وجود طوائف القائمين بهذا الأمر في مجموع الأمّة أوجب فضيلة لجميع الأمّة، لكون هذه الطوائف منها كما كانت القبيلة تفتخر بمحامد طوائقها، وفي هذا ضمان من الله تعالى بأنّ ذلك لا ينقطع من المسلمين إن شاء الله تعالى‏.‏
وفعل ‏(‏كان‏)‏ يدل على وجود ما يسند إليه في زمن مضى، دون دلالة على استمرار، ولا على انقطاع، قال تعالى ‏{‏وكان الله غفوراً رحيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 96‏]‏ أي وما زال، فمعنى ‏{‏كنتم خير أمة‏}‏ وجدتم على حالة الأخيرية على جميع الأمم، أي حصلت لكم هذه الأخيرية بحصول أسبابها ووسائلها، لأنّهم اتّصفوا بالإيمان، والدّعوة للإسلام، وإقامته على وجهه، والذبّ عنه النقصانَ والإضاعة لتحقّق أنّهم لمّا جُعل ذلك من واجبهم، وقد قام كُلّ بما استطاع، فقد تحقّق منهم القيام به، أو قد ظهر منهم العزم على امتثاله، كُلّما سنح سانح يقتضيه، فقد تحقّق أنهم خير أمَّة على الإجمال فأخبر عنهم بذلك‏.‏
هذا إذا بنَينا على كون الأمر في قوله آنفاً ‏{‏ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 104‏]‏ وما بعده من النهي في قوله ‏{‏ولا تكونوا كالذين تفرقوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 105‏]‏ الآية، لم يكن حاصلاً عندهم من قبل‏.‏
ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ ‏{‏كنتم خير أمة‏}‏ موصوفين بتلك الصّفات فيما مضى تفعلونها إمَّا من تلقاء أنفسكم، حرصاً على إقامة الدّين واستحساناً وتوفيقاً من الله في مصادفتكم لمرضاته ومراده، وإمّا بوجوب سابق حاصل من آيات أخرى مثل قوله‏:‏ ‏{‏وتواصوا بالحق‏}‏ ‏[‏العصر‏:‏ 3‏]‏ وحينئذٍ فلمَّا أمرهم بذلك على سبيل الجزم، أثنى عليهم بأنَّهم لم يكونوا تاركيه من قبل، وهذا إذا بنَينا على أنّ الأمر في قوله ‏{‏ولتكن منكم أمة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 104‏]‏ تأكيداً لما كانوا يفعلونه، وإعلام بأنَّه واجب، أو بتأكيد وجوبه على الوجوه التي قدّمتها عند قوله ‏{‏ولتكن منكم أمة‏}‏‏.‏
ومن الحيرة التجاء جمع من المفسرين إلى جعل الإخبار عن المخاطبين بكونهم فيما مضى من الزمان أمة بمعنى كونهم كذلك في علم الله تعالى وقَدَره أو ثبوت هذا الكون في اللوح المحفوظ أو جعل كان بمعنى صار‏.‏
والمراد بأمَّة عمومُ الأمم كلّها على ما هو المعروف في إضافة أفعل التفضيل إلى النكرة أن تكون للجنس فتفيد الاستغراق‏.‏
وقوله ‏{‏أخرجت للناس‏}‏ الإخراج مجاز في الإيجاد والإظهار كقوله تعالء ‏{‏فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 88‏]‏ أي أظهر بصوغه عجلاً جسداً‏.‏
والمعنى‏:‏ كنتم خير الأمم التي وجدت في عالم الدنيا‏.‏ وفاعل ‏{‏أخرجت‏}‏ معلوم وهو الله موجد الأمم، والسائق إليها ما به تفاضلها‏.‏ والمراد بالناس جميع البشر من أوّل الخليقة‏.‏
وجملة‏:‏ ‏{‏تأمرون بالمعروف‏}‏ حال في معنى التَّعليل إذ مدلولها ليس من الكيفيات المحسوسة حتّى تحكى الخيرية في حال مقارنتها لها، بل هي من الأعمال النَّفسية الصالحة للتعليل لا للتوصيف، ويجوز أن يكون استئنافاً لبيان كونهم خير أمَّة‏.‏ والمعروف والمنكر تقدّم بيانهما قريباً‏.‏
وإنّما قدّم ‏{‏تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر‏}‏ على قوله ‏{‏وتؤمنون بالله‏}‏ لأنهما الأهم في هذا المقام المسوق للتنويه بفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحاصلة من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 104‏]‏ والاهتمام الذي هو سبب التقديم يختلف باختلاف مقامات الكلام ولا ينظر فيه إلى ما في نفس الأمر لأنّ إيمانهم ثابت محقّق من قبل‏.‏
وإنَّما ذكر الإيمان بالله في عداد الأحوال التي استحقوا بها التفضيل على الأمم، لأنّ لكلّ من تلك الأحوال الموجبة للأفضلية أثراً في التفَّضيل على بعض الفرق، فالإيمان قصد به التفضيل على المشركين الذين كانوا يفتخروم بأنهم أهل حرم الله وسدنة بيته وقد ردّ الله ذلك صريحاً في قوله‏:‏
‏{‏أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 19‏]‏ وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قصد به التفضيل على أهل الكتاب، الذين أضاعوا ذلك بينهم، وقد قال تعالى فيهم ‏{‏كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 79‏]‏‏.‏
فإن قلت إذا كان وجه التفضيل على الأمم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، فقد شاركنا في هذه الفضيلة بعض الجماعات من صالحي الأمم الذين قبلنا، لأنَّهم آمنوا بالله على حسب شرائعهم، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، لتعذّر أن يترك الأمم بالمعروف لأنّ الغيرة على الدين أمر مرتكز في نفوس الصادقين من أتباعه‏.‏ قلت‏:‏ لم يثبت أن صالحي الأمم كانوا يلتزمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إمّا لأنه لم يكن واجباً عليهم، أو لأنَّهم كانوا يتوسعّون في حل التقية، وهذا هارون في زمن موسى عبدت بنو إسرائيل العجل بمرآى منه ومسمع فلم يغيّر عليهم، وقد حكى الله محاورة موسى معه بقوله ‏{‏قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري قال يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 92 94‏]‏ وأما قوله تعالى ‏{‏من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 113، 114‏]‏ الآية فتلك فئة قليلة من أهل الكتاب هم الذين دخلوا في الإسلام مثل عبد الله بن سلام، وقد كانوا فئة قليلة بين قومهم فلم يكونوا جمهرة الأمّة‏.‏
وقد شاع عند العلماء الاستدلال بهذه الآية على حجيّة الإجماع وعصمته من الخطأ بناء على أن التعريف في المعروف والمنكر للاستغراق، فإذا أجمعت الأمَّة على حكم، لم يجز أن يكون ما أجمعوا عليه منكراً، وتعيّن أن يكون معروفاً، لأنّ الطائفة المأمورة بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في ضمنهم، ولا يجوز سكوتها منكر يقع، ولا عن معروف يترك، وهذا الاستدلال إن كان على حجية الإجماع بمعنى الشرع المتواتر المعلوم من الدين بالضرورة فهو استدلال صحيح لأن المعروف والمنكر في هذا النوع بديهي ضروري، وإن كان استدلالاً على حجية الإجماعات المنعقدة عن اجتهاد، وهو الذي يقصده المستدلون بالآية، فاستدلالهم بها عليه سفسطائي لأنّ المنكر لا يعتبر منكراً إلاّ بعد إثبات حكمه شرعاً، وطريق إثبات حكمه الإجماع، فلو أجمعوا على منكر عند الله خطأ منهم لما كان منكراً حتَّى ينهي عنه طائفة منهم لأنّ اجتهادهم هو غاية وسعهم‏.‏
‏{‏وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون‏}‏‏.‏
عطف على قوله ‏{‏كنتم خير أمة أخرجت للناس‏}‏ لأن ذلك التفضيل قد غمر أهل الكتاب من اليهود وغيرهم فنبّههم هذا العطف إلى إمكان تحصيلهم على هذا الفضل، مع ما فيه من التعريض بهم بأنَّهم متردّدون في اتباع الإسلام، فقد كان مخيريق متردّداً زماناً ثمّ أسلم، وكذلك وفد نجران تردّدوا في أمر الإسلام‏.‏
وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى، لكن المقصود الأول هنا هم اليهود، لأنَّهم كانوا مختلطين بالمسلمين في المدينة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام، وقصد بيت مدراسهم، وٌّصهم قد أسلم منهم نفر قليل وقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم ‏"‏‏.‏
ولم يذكر متعلق ‏(‏آمن‏)‏ هنا لأنّ المراد لو اتَّصفوا بالإيمان الذي هو لقب لدين الإسلام وهو الذي منه أطلقت صلة الذين آمنوا على المسلمين فصار كالعلم بالغلبة، وهذا كقولهم أسْلَم، وَصَبَأ، وأشْرَكَ، وألْحَد، دون ذكر متعلّقات لهاته الأفعال لأن المراد أنَّه اتَّصف بهذه الصّفات التي صارت أعلاماً على أديان معروفة، فالفعل نُزّل منزلة اللازم، وأظهر منه‏:‏ تَهَوّد، وتَنَصّر، وتَزَنْدق، وتَحَنَّف، والقرينة على هذا المعنى ظاهرة وهي جعل إيمان أهل الكتاب في شرط الامتناع، مع أنّ إيمانهم بالله معروف لا ينكره أحد‏.‏ ووقع في «الكشاف» أنّ المراد‏:‏ لو آمنوا الإيمان الكامل، وه تكلّف ظاهر، وليس المقام مقامه‏.‏‏.‏ وأجمل وجه كون الإيمان خيراً لهم لتذهب نفوسهم كلّ مذهب في الرجاء والإشفاق‏.‏ ولمَّا أخبر عن أهْل الكتاب بامتناع الإيمان منهم بمقتضى جعل إيمانهم في حيز شرط ‏(‏لو‏)‏ الامتناعية، تعيّن أن المراد من بقي بوصف أهل الكتاب، وهو وصف لا يبقى وصفهم به بعد أن يتديّنوا بالإسلام، وكان قد يتوهّم أن وصف أهل الكتاب يشمل من كان قبل ذلك منهم ولو دخل في الإسلام، وجيء بالاحتراس بقوله‏:‏ ‏{‏منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون‏}‏ أي منهم من آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم فصدق عليه لقب المؤمن، مثل عبد الله بن سلام، وكان اسمه حُصيناً وهو من بني قينقاع، وأخيه، وعمصته خالدة، وسعية أو سنعة بن غريض بن عاديا التيماوي، وهو ابن أخي السموأل بن عاديا، وثعلبة بن سعية، وأسد بن سعية القرظي، وأسد بن عبيد القرظي، ومخيريق مِن بني النضير أو من بني قينقاع، ومثل أصْمحة النَّجاشي، فإنَّه آمن بقلبه وعوّض عن إظهاره إعمالَ الإسلام نصره للمسلمين، وحمايته لهم ببلده، حتَّى ظهر دين الله، فقبل الله منه ذلك، ولذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بأنَّه كان مؤمناً وصلّى عليه حين أوحي إليه بموته‏.‏ ويحتمل أن يكون المعنى من أهل الكتاب فريق متقّ في دينه، فهو قريب من الإيمان بمحمَّد صلى الله عليه وسلم وهؤلاء مثل من بقي متردّداً في الإيمان من دون أن يتعرّض لأذى المسلمين، مثل النَّصارى من نجران ونصارى الحبشة، ومثل مخيريق اليهودي قبل أن يسلم، على الخلاف في إسلامه، فإنَّه أوصى بماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد بإيمانهم صدق الإيمان بالله وبدينهم‏.‏ وفريق منهم فاسق عن دينه، محرّف له، مناوٍ لأهل الخير، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس‏}‏ مثل الذين سَمُّوا الشاة لرسول الله يوم خيْبر، والذين حاولوا أن يرموا عليه صخرة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏111‏]‏
‏{‏لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏111‏)‏‏}‏
استئناف نشأ عن قوله ‏{‏وأكثرهم الفاسقون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 110‏]‏ لأن الإخبار عن أكثرهم بأنَّهم غير مؤمنين يؤذن بمعادَاتهم للمؤمنين، وذلك من شأنه أن يوقع في نفوس المسلمين خشية من بأسهم، وهذا يختصّ باليهود، فإنَّهم كانوا منتشرين حيال المدينة في خيبر، والنضير، وقينقاع، وقريظة، وكانوا أهل مكر، وقوة، ومال، عُدّة، والمسلمون يومئذٍ في قلّة فطمأن الله المسلمين بأنَّهم لا يخشون بأس أهل الكتاب، ولا يخشون ضُرّهم، لكن أذاهُم‏.‏
أمَّا النصّارى فلا ملابسة بينهم وبين المسلمين حتَّى يخشوهم‏.‏ والأذى هو الألم الخفيف وهو لا يبلغ حد الضرّ الَّذي هو الألم، وقد قيل‏:‏ هو الضرّ بالقول، فيكون كقول إسحاق بن خلف‏:‏
أخشىَ فَظاظة عمّ أو جَفاء أخٍ *** وكُنتُ أبقى عليها من أذى الكَلِم
ومعنى ‏{‏يولّوكم الأدبار‏}‏ يفرّون منهزمين‏.‏
وقوله ‏{‏ثم لا ينصرون‏}‏ احتراس أي يولوكم الأدبار تولية منهزمين لا تولية متحرّفين لقتال أو متحيّزين إلى فئة، أو متأمّلين في الأمر‏.‏ وفي العدول عن جعله معطوفاً على جملة الجواب إلى جعله معطوفاً على جملتي الشرط وجزائه معاً، إشارة إلى أنّ هذا ديدنهم وهجيراهم‏.‏ لو قاتلوكم، وكذلك في قتالهم غيركم‏.‏
وثمّ لترتيب الإخبار دالّة على تراخي الرتبة‏.‏ ومعنى تراخي الرتبة كون رتبة معطوفها أعظم من رتبة المعطوف عليه في الغرض المسوق له الكلام‏.‏ وهو غير التّراخي المجازي، لأن التّراخي المجازي أن يشبَّه ما ليس بمتأخّر عن المعطوف بالمتأخّر عنه‏.‏
وهذا كلّه وعيد لهم بأنهم سيقاتلون المسلمين، وأنّهم ينهزمون، وإغراء للمسلمين بقتالهم‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏112‏]‏
‏{‏ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ‏(‏112‏)‏‏}‏
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة‏}‏‏.‏
يعود ضمير ‏(‏عليهم‏)‏ إلى ‏{‏وأكثرهم الفاسقون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 110‏]‏ وهو خاص باليهود لا محالة، وهو كالبيان لقوله ‏{‏ثم لا ينصرون‏}‏‏.‏
والجملة بيَانيّة لذكر حال شديد من شقائهم في الدنيا‏.‏
ومعنى ضرب الذلّة اتَّصالها بهم وإحاطتها، ففيه استعارة مكنية وتبعية شبّهت الذلّة، وهي أمر معقول، بقية أو خيمة شملتهم وشبّه اتّصالها وثباتها بضرب القبة وشَدّ أطنابها، وقد تقدّم نظيره في البقرة‏.‏
و ‏{‏ثُقفُوا‏}‏ في الأصل أخذوا في الحرب ‏{‏فإمّا تثقفنّهم في الحرب‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 57‏]‏ وهذه المادة تدلّ على تمكّن من أخذ الشيء، وتصرّف فيه بشدّة، ومنها سمي الأسْر ثِقافاً، والثقاف آلة كالكلُّوب تكسر به أنابيب قنا الرّماح‏.‏ قال النابغة‏:‏
عَضّ الثِّقَاففِ على صُمّ الأنَابِيب *** والمعنى هنا‏:‏ أينما عثر عليهم، أو أينما وجدوا، أي هم لا يوجدون إلا محكومين، شبّه حال ملاقاتهم في غير الحرب بحال أخذ الأسير لشدّة ذلّهم‏.‏
وقوله ‏{‏إلا بحبل من الله وحبل من الناس‏}‏ الحبل مستعار للعهد، وتقدّم ما يتعلق بذلك عند قوله تعالى ‏{‏فقد استمسك بالعروة الوثقى‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏256‏)‏ وعهد الله ذمّته، وعهد النَّاس حلفهم، ونصرهم، والاستثناء من عموم الأحوال وهي أحوال دلّت عليها الباء التي للمصاحبة‏.‏ والتَّقدير‏:‏ ضربت عليهم الذلّة متلبِّسين بكُلّ حال إلاّ متلبّسين بعهد من الله وعهد من النَّاس، فالتَّقدير‏:‏ فذهبوا بذلّة إلاّ بحبل من الله‏.‏
والمعنى لا يسلمون من الذلّة إلاّ إذا تلبَّسُوا بعهد من الله، أي ذمّة الإسلام، أو إذا استنصروا بقبائل أولى بأس شديد، وأمّا هم في أنفسهم فلا نصر لهم‏.‏ وهذا من دلائل النُّبوّة فإنّ اليهود كانوا أعزّة بيشربَ وخيبر والنضير وقريظة، فأصبحوا أذلّة، وعمَّتهم المذلّة في سائر أقطار الدنيا‏.‏
وباءوا بغضب من الله‏}‏ أي رجعوا وهو مجاز لمعنى صاروا إذ لا رجوع هنَا‏.‏
والمسكنة الفقر الشَّديد مشتقة من اسم المسكين وهو الفقير، ولعلّ اشتقاقه من السكون وهو سكون خيالي أطلق على قلّة الحيلة في العيش‏.‏ والمراد بضرب المسكنة عليهم تقديرها لهم وهذا إخبار بمغيّب لأن اليهود المخبر عنهم قد أصابهم الفقر حين أخذت منازلهم في خيبر والنَّضِير وقينُقاع وقُريظةَ، ثُمّ بإجلائهم بعد ذلك في زمن عمر‏.‏
‏{‏مِّنَ الناس وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بھايات الله وَيَقْتُلُونَ الانبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ‏}‏‏.‏
الإشارة إلى ضرب الذلّة المأخوذ من ‏{‏ضربت عليهم الذلّة‏}‏‏.‏ ومعنى ‏{‏يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء‏}‏ تقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنّ الذين يكفرون بآيات الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 21‏]‏ أوائل هذه السورة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏لك بما عَصوا وكانوا يعتدون‏}‏ يحتمل أن يكون إشارة إلى كفرهم وقتلهم الأنبياء بغير حقّ، فالباء سبب السبب، ويحتمل أن يكون إشارة ثانية إلى ضرب الذلّة والمسكنة فيكون سبباً ثانياً‏.‏ ‏(‏وما‏)‏ مصدرية أي بسبب عصيانهم واعتدائهم، وهذا نشر على ترتيب اللفّ فكفرهم بالآيات سببه العصيان، وقتلهم الأنبياء سببه الأعتداء‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏113- 114‏]‏
‏{‏لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ‏(‏113‏)‏ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏114‏)‏‏}‏
استئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب، بعد الحكم على معظمهم بصيغة تعمّهم، تأكيداً لِما أفاده قولُه ‏{‏منهم المؤمنون وأكثرُهم الفاسقون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 110‏]‏ فالضمير في قوله ‏{‏ليسوا‏}‏ لأهل الكتاب المتحدّث عنهم آنفاً، وهم اليهود، وهذه الجملة تتنزّل من التي بعدها منزلة التمهيد‏.‏
و ‏(‏سواء‏)‏ اسم بمعنى المماثل وأصله مصدر مشتق من التسوية‏.‏
وجملة ‏{‏من أهل الكتاب أمصة قائمة الخ‏.‏‏.‏‏.‏ مبيّنة لإبهام ليسوا سواء‏}‏ والإظهار في مقام الإضمار للاهتمام بهؤلاء الأمة، فلأمّة هنا بمعنى الفريق‏.‏
وإطلاق أهل الكتاب عليهم مجاز باعتبار ما كان كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا اليتامى أموالهم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 2‏]‏ لأنهم صاروا من المسلمين‏.‏
وعدل عن أن يقال‏:‏ منهم أمَّة قائمة إلى قوله من أهل الكتاب‏:‏ ليكون ذا الثناء شاملاً لصالحي اليهود، وصالحي النَّصارى، فلا يختصّ بصالحي اليهود، فإن صالحي اليهود قبل بعثة عيسى كانوا متمسّكين بدينهم، مستقيمين عليه، ومنهم الَّذين آمنوا بعيسى واتّبعوه، وكذلك صالحو النَّصارى قبل بعثة محمّد صلى الله عليه وسلم كانوا مستقيمين على شريعة عيسى وكثير منهم أهل تهجَّد في الأديرة والصّوامع وقد صاروا مسلمين بعد البعثة المحمدية‏.‏
والأمَّة‏:‏ الطائفة والجماعة‏.‏
ومعنى قائمة أنه تمثيل للعمل بدينها على الوجه الحقّ، كما يقال‏:‏ سوق قائمة وشريعة قائمة‏.‏
والآناء أصله أأنْاء بهمزتين بوزن أفعال، وهو جمع إنى بكسر الهمزة وفتح النُّون مقصوراً ويقال أنى بفتح الهمزة قال تعالى‏:‏ ‏{‏غير ناظرين إنَاه‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 53‏]‏ أي منتظرين وقته‏.‏
وجملة ‏{‏وهم يسجدون‏}‏ حال، أيّ يتهجّدون في الليَّل بتلاوة كتابهم، فقيّدت تلاوتهم الكتاب بحالة سجودهم‏.‏ وهذا الأسلوب أبلغ وأبين من أن يقال‏:‏ يتهجّدون لأنّه يدلّ على صورة فعلهم‏.‏
ومعنى ‏{‏يسارعون في الخيرات‏}‏ يسارعون إليها أي يرغبون في الاستكثار منها‏.‏ والمسارعة مستعارة للاستكثار من الفعل، والمبادرة إليه، تشبيهاً للاستكثار والأعتنار بالسير السريع لبلوغ المطلوب‏.‏ وفي للظرفية المجازية، وهي تخييلية تؤذن بتشبيه الخيرات بطريق يسير فيه السائرون، ولهؤلاء مزيّة السرعة في قطعه‏.‏ ولَك أن تجعل مجموع المركّب من قوله ‏{‏ويسارعون في الخيرات‏}‏ تمثيلاً لحال مبادرتهم وحرصهم على فعل الخيرات بحال السائر الراغب في البلوغ إلى قصده يُسرع في سيره‏.‏ وسيأتي نظيره عند قوله تعالى ‏{‏لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏}‏ في سورة ‏[‏العقود‏:‏ 176‏]‏‏.‏
والإشارة بأولئك إلى الأمّة القائمة الموصوفة بتلك الأوصاف‏.‏ وموقع اسم الإشارة التنبيه على أنَّهم استحقوا الوصف المذكور بعد اسم الإشارة بسبب ما سبق اسمّ الإشارة من الأوصاف‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏115‏]‏
‏{‏وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ‏(‏115‏)‏‏}‏
تذييل للجمل المفتتحة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من أهل الكتاب أمَّة قائمة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 113‏]‏ إلى قوله ‏{‏من الصالحين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 114‏]‏ وقرأ الجمهور‏:‏ تفعلوا بالفوقية فهو وعد للحاضرين، ويعلم منه أنّ الصّالحين السَّابقين مثلهم، بقرينة مقام الامتنان، ووقوعه عقب ذكرهم، فكأنَّه قيل‏:‏ وما تفعلوا من خير ويَفعلوا‏.‏ ويجوز أن يكون إلتفاتاً لخطاب أهل الكتاب‏.‏ وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف بياء الغيبة عائداً إلى أمّة قائمة‏.‏
والكفر‏:‏ ضد الشكر أي هو إنكار وصول النَّعمة الواصلة‏.‏ قال عنترة‏:‏
نبئْتُ عَمْرا غيرَ شاكر نعمتي *** والكفْرُ مَخْبَثَة لِنَفْسسِ المنعم
وقال تعالى ‏{‏واشكروا لي ولا تكفرون‏}‏ وأصل الشكر والكفر أ يتعديا إلى واحد، ويكون مفعولهما النّعمة كما في البيت‏.‏ وقد يجعل مفعولهما المنعم على التوسّع في حذف حرف الجرّ، لأن الأصل شكرت له وكفرت له‏.‏ قال النابغة‏:‏
شكرتُ لك النعمي ***
وقد جمع بين الاستعمالين قوله تعالى ‏{‏واشكروا لي ولا تكفرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 152‏]‏ وقد عدّي ‏{‏تُكْفَروه‏}‏ هنا إلى مفعولين‏:‏ أحدهما نائب الفاعل، لأن الفعل ضمّن معنى الحرمان‏.‏ والضّمير المنصوب عائد إلى خير بتأويل خير بجزاء فعل الخير على طريقة الاستخدام وأطلق الكفر هنا على ترك جزاء فعل الخير، تشبيهاً لفعل الخير بالنَّعمة‏.‏ كأنّ فاعل الخير أنعم على الله تعالى بنعمته مثل قوله ‏{‏إن تُقرضوا الله قرضاً حسناً‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 17‏]‏ فحذفّ المشبّه ورمز إليه بما ه من لوازم العرفية‏.‏ وهو الكفر، على أنّ في القرينة استعارة مصرّحة مثل ‏{‏ينقضون عهدَ الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 27‏]‏‏.‏ وقد أمتنّ الله علينا إذ جعل طاعتنا إيّاه كنعمة عليه تعالى، وجعل ثوابها شُكراً، وتَرْك ثوابها كفراً فنفاه‏.‏ وسمّى نفسه الشكور‏.‏
وقد عدّي الكفر أن هنا إلى النعمة على أصل تعديته‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏116‏]‏
‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏116‏)‏‏}‏
استئناف ابتدائي للانتقال إلى ذكر وعيد المشركين بمناسبة ذكر وعد الذين آمنوا من أهل الكتاب‏.‏
وإنَّما عطف الأولاد هنا لأن الغَناء في متعارف النَّاس يكون بالمال والولد، فالمال يدفع به المرءُ عن نفسه في فداء أو نحوه، والولد يدافعون عن أبيهم بالنصر، وقد تقدّم القول في مثله في طالعة هذه السورة‏.‏
وكرّر حرف النَّفي مع المعطوف في قوله ‏{‏ولا أولادهم‏}‏ لتأكيد عدم غناء أولادهم عنهم لدفع توّهم ما هو متعارف من أن الأولاد لا يقعدون عن الذبّ عن آبائهم‏.‏
ويتعلق ‏{‏من الله‏}‏ بفعل ‏{‏لن تغني‏}‏ على معنى ‏(‏من‏)‏ الابتدائية أي غناء يصدر من جانب الله بالعفو عن كفرهم‏.‏
وانتصب ‏(‏شيئاً‏)‏ على المفعول المطلق لفعل ‏{‏لن تغني‏}‏ أي شيئاً من غٍناء‏.‏ وتنكير شيئاً للتقليل‏.‏
وجملة ‏{‏وأولئك أصحاب النار‏}‏ عطف على جملة ‏{‏لن تغني عنه أموالهم ولا أولادهم‏}‏‏.‏ وجيء بالجملة معطوفة، على خلاف الغالب في أمثالها أن يكون بدون عطف، لقصد أن تكون الجملة منصبّاً عليها التَّأكيد بحرف ‏(‏إنّ‏)‏ فيكمل لها من أدلَّة تحقيق مضمونها خمسة أدلة هي‏:‏ التَّكيد ب ‏{‏إن‏}‏، وموقع اسم الإشارة، والإخبار عنهم بأنَّهم أصحاب النَّار، وضمير الفصل، ووصف خالدون‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏117‏]‏
‏{‏مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏117‏)‏‏}‏
استئناف بياني لأن قوله‏:‏ ‏{‏لن تغني عنهم أموالهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ يثير سؤال سائل عن إنفاقهم الأموال في الخير من إغاثة الملهوف وإعطاء الديات في الصلح عن القتلى‏.‏
ضَرَبَ لأعمالهم المتعلّقة بالأموال مثلاً، فشبّه هيئة إنفاقهم المعجب ظاهرُها، المخيِّببِ آخِرُها، حين يحبطها الكفر، بهيئة زرع أصابته ريح باردة فأهلكته، تشبيه المعقول بالمحسوس‏.‏ ولمَّا كان التَّشبيه تمثيلياً لم يُتَوخ فيه مُوالاةُ ما شبّه به إنفاقهم لأداةِ التَّمثيل، فقيل‏:‏ كمثل ريح، ولم يُقل‏:‏ كمثل حَرْث قوم‏.‏
والكلام على الريح تقدّم عند قوله تعالى ‏{‏إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 164‏]‏‏.‏
‏(‏والصّر‏:‏ البرْد الشّديد المميت لكلّ زرع أو ورق يهبّ عليه فيتركه كالمحترق، ولم يعرف في كلام العرب إطلاق الصرّ على الرّيح الشّديد البرْد وإنَّما الصرّ اسم البرد‏.‏ وأمّا الصرصر فهو الرسح الشديدة وقد تكون باردة‏.‏ ومعنى الآية غني عن التأويل، وجوز في الكشاف‏}‏ أن يكون الصرّ هنا اسماً للريح الباردة وجعله مرادف الصرصر‏.‏ وقد أقره الكاتبون عليه ولم يذكر هذا الاطلاق في الأساس ولا ذكره الراغب‏.‏
وفي قوله ‏{‏فيها صرّ‏}‏ إفادة شدّة برد هذه الريح، حتَّى كأنّ جنس الصر مظروف فيها، وهي تحمله إلى الحرث‏.‏
والحرث هنا مصدر بمعنى المفعول‏:‏ أي محروثَ قوم أي أرضاً محروثة والمراد أصابت زرعَ حرث‏.‏ وتقدّم الكلام على معاني الحرث عند قوله تعالى ‏{‏والأنعام والحرث‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 14‏]‏ في أول السورة‏.‏
وقوله ‏{‏ظلموا أنفسهم‏}‏ إدماج في خلال التمثيل يكسب التمثيل تفظيعاً وتشويهاً وليس جُزءاً من الهيئة المشبّه بها‏.‏ وقد يذكر البلغاء مع المُشَبَّه به صفات لا يقصدون منها غير التحسين أو التقبيح كقول كعب بن زهير‏:‏
شُجَّت بذي شبم من ماء مَحْنيَة *** صاففٍ بأبطحَ أضحى وهو مشمول
تنفي الرّياحُ القذى عنه وأفرطهُ *** من صَوْب سَارِيَةٍ بيض يعاليل
فأجرى على الماء الذي هو جزء المشبّه به صفات لا أثر لها في التشبيه‏.‏
والسامعون عالمون بأن عقاب الأقوام الذين ظلموا أنفسهم غاية في الشدّة، فذكر وصفهم بظلم أنفسهم لتذكير السامعين بذلك على سبيل الموعظة، وجيء بقوله ‏{‏مثل ما ينفقون‏}‏ غير معطوف على ما قبله لأنّه كالبيان لقوله ‏{‏لن تغني عنهم أموالهم‏}‏‏.‏
وقوله ‏{‏وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون‏}‏ الضمائر فيه عائدة على الذين كفروا‏.‏ والمعنى أنّ الله لم يظلمهم حين لم يتقبل نفقاتهم بل هم تسبّبوا في ذلك، إذ لم يؤمنوا لأن الإيمان جعله الله شرطاً في قبول الأعمال، فلما أعلمهم بذلك وأنذرهم لم يكن عقابه بعد ذلك ظلماً لهم، وفيه إيذان بأنّ الله لا يخالف وعده من نفي الظلم عن نفسه‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏118‏]‏
‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏118‏)‏‏}‏
الآن إذ كشف الله دخائل مَنْ حولَ المسلمين من أهل الكتاب، أتمّ كشف، جاء موقع التحذير من فريق منهم، والتحذير من الاغترار بهم، والنهي عن الإلقاء إليهم بالمودة، وهؤلاء هم المنافقون، للإخبار عنهم بقوله‏:‏ ‏{‏وإذا لقوكم قالوا آمنا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 119‏]‏ الخ‏.‏‏.‏‏.‏ وأكثرهم من اليهود، دون الذين كانوا مشركين من الأوس والخزرج‏.‏ وهذا موقع الاستنتاج في صناعة الخطابة بعد ذكر التمهيدات والأزقناعات‏.‏ وحقّه الاستئناف الابتدائي كما هنا‏.‏
والبطانة بكسر الباء في الأصل داخل الثَّوب، وجمعها بطائن، وفي القرآن ‏{‏بطائنها من استبرق‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 54‏]‏ وظاهر الثوب يسمّى الظِهارة بكسر الظاء‏.‏ والبطانة أيضاً الثوب الذي يجعل تحت ثوب آخر، ويسمّى الشِعار، وما فوقه الدثار، وفي الحديث‏:‏ «الأنصارُ شعار والنَّاس دِثار» ثمّ أطلقت الثِّياب في شدة القرب من صاحبها‏.‏
ومعنى اتخاذهم بطانة أنهم كانوا يحالفونهم ويودّونهم من قبل الإسلام فلمَّا أسلم من أسلم من الأنصار بقيت المودة بينهم وبين من كانوا أحلافهم من اليهود، ثُمّ كان من اليهود من أظهروا الإسلام، ومنهم من بَقي على دينه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏من دونكم‏}‏ يجوز أن تكون ‏(‏من‏)‏ فيه زائدة و‏(‏دون‏)‏ اسم مكان بمعنى حولكم، وهو الاحتمال الأظهر كقوله تعالى في نظيره ‏{‏ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 16‏]‏ ويجوز أن تكون ‏(‏من‏)‏ للتبعيض و‏(‏دون‏)‏ بمعنى غير كقوله تعالى ‏{‏ومنَّا دون ذلك‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 27‏]‏ من غير أهل ملّتكم، وقد علم السامعون أنّ المنهي عن اتِّخاذهم بطانة هم الذين كانوا يموّهون على المؤمنين بأنَّهم منهم، ودخائلهم تقتضي التَّحذير من استبطانهم‏.‏
وجملة‏:‏ ‏{‏لا يألونكم خبالاً‏}‏ صفة لبطانة على الوجه الأول، وهذا الوصف ليس من الأوصاف الظاهرة التي تفيد تخصيص النكرة عمّا شاركها، لكنّه يظهر بظهور آثاره للمتوسّمين‏.‏ فنهى الله المسلمين عن اتّخاذ بطانة هذا شأنها وسمَتها، ووكلهم إلى توسّم الأحوال والأعمال، ويكون قوله ‏{‏ودّوا مَا عنتُّم‏}‏ وقوله ‏{‏قد بدت البغضاء‏}‏ جملتين في محلّ الوصف أيضاً على طريقة ترك عطف الصفات، ويومئ إلى ذلك قوله‏:‏ ‏{‏قد بينّا لكم الآيات إن كنتم تعقلون‏}‏ أي‏:‏ قد بيّنا لكم علامات عداوتهم بتلك الصفات إن كنتم تعقلون فتتوسّمون تلك الصّفات، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنّ في ذلك لآيات للمتوسّمين‏}‏ وعلى الاحتمال الثاني يجعل ‏{‏من دونكم‏}‏ وصفاً، وتكون الجمل بعده مستأنفات واقعة موقع التعليل للنَّهي عن اتِّخاذ بطانة من غير أهل ملّتنا، وهذ الخلال ثابتة لهم فهي صالحة للتوصيف، ولتعليل النَّهي، ذلك لأنّ العداوة النَّاشئة عن اختلاف الدين عداوة متأصّلة لا سيما عداوة قوم يرون هذا الدّين قد أبطَلَ دينهم، وأزال حظوظهم‏.‏ كما سنبينه‏.‏
ومعنى ‏{‏لا يألونكم خبالاً‏}‏ لا يقصّرون في حبالكم، والألْوُ التقصير والترك، وفعله ألاَ يَألو، وقد يتوسّعون في هذا الفعل فيعدّى إلى مفعولين، لأنَّهم ضمّنوه معنى المنع فيما يرغَب فيه المفعول، فقالوا لا آلوك جُهداً، كما قالوا لا أدّخرك نصحاً، فالظاهر أنَّه شاع ذلك الاستعمال حتَّى صار التضمين منسياً، فلذلك تعدّى إلى ما يدلّ على الشرّ كما يعدّى إلى ما يدلّ على الخير، فقال هنا‏:‏ ‏{‏لا يألونكم خبالا‏}‏ أي لا يقصّرون في خبالكم، وليس المراد لا يمنعونكم، لأن الخبال لا يُرْغب فيه ولا يسأل‏.‏
ويحتمل أنَّه استعمل في هذه الآية على سبيل التهكّم بالبطانة، لأنّ شأن البطانة أن يسعوا إلى ما فيه خير من استبطنهم، فلمّا كان هؤلاء بضدّ ذلك عبّر عن سعيهم بالضرّ، بالفعل الذي من شأنه أن يستعمل في السعي بالخير‏.‏
والخبال اختلال الأمر وفساده، ومنه سمّي فساد العقل خبالاً، وفساد الأعْضَاء‏.‏
وقوله ‏{‏ودّوا ما عنتم‏}‏ الود‏:‏ المحبّة، والعنَت‏:‏ التعب الشَّديد، أي رغبوا فيما يعنتكم و‏(‏ما‏)‏ هنا مصدرية، غير زمانية، ففعل ‏{‏عنتم‏}‏ لمّا صار بمعنى المصدر زالت دلالته على المضي‏.‏
ومعنى ‏{‏قد بدت البغضاء من أفواههم‏}‏ ظهرت من فلتات أقوالهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولتعرفنهم في لحن القول‏}‏ فعبّر بالبغضاء عن دلائلها‏.‏
وجملة ‏{‏وما تخفي صدورهم أكبر‏}‏ حالية‏.‏
‏(‏والآيات‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏قد بينا لكم الآيات‏}‏ بمعنى دلائل سوء نوايا هذه البطانة كما قال‏:‏ ‏{‏إن في ذلك لآيات للمتوسمين‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 75‏]‏ ولم يزل القرآن يربّي هذه الأمّة على إعمال الفكر، والاستدلال، وتعرّف المسبَّبات من أسبابها في سائر أحوالها‏:‏ في التَّشريع، والمعاملة ليُنشئها أمَّة علم وفطنة‏.‏ 6
ولكون هذه الآيات آياتتِ فراسةٍ وتوسّم، قال‏:‏ ‏{‏إن كنتم تعقلون‏}‏ ولم يقل‏:‏ إن كنتم تعلمون أو تفقهون، لأنّ العقل أعمّ من العلم والفقه‏.‏
وجملة ‏{‏قد بينا لكم الآيات‏}‏ مستأنفة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏119‏]‏
‏{‏هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏119‏)‏‏}‏
استئناف ابتدائي، قصد منه المقابلة بين خُلق الفريقين، فالمؤمنون يحبّون أهل الكتاب، وأهل الكتاب يبغضونهم، وكلّ إناء بما فيه يرشح، والشأن أنّ المحبَّة تجلب المحبَّة إلاّ إذا اختلفت المقاصد والأخلاق‏.‏
وتركيب ها أنتم أولاء ونظائره مثل هأنا تقدم في قوله تعالى في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 85‏]‏‏:‏ ‏{‏ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم‏}‏ ولمّا كان التعجيب في الآية من مجموع الحالين قيل‏:‏ هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم‏}‏ فالعَجب من محبّة المؤمنين إيّاهم في حال بغضهم المؤمنين، ولا يذكر بعد اسم الإشارة جملة في هذا التركيب إلاّ والقصد التعجّب من مضمون تلك الجملة‏.‏
وجملة ‏{‏ولا يحبونكم‏}‏ جملة حال من الضمير المرفوع في قوله‏:‏ ‏{‏تحبونهم‏}‏ لأنّ محلّ التّعجيب هو مجموع الحالين‏.‏
وليس في هذا التعجيب شيء من التغليط، ولكنَّه مجرد إيقاظ، ولذلك عقّبه بقوله‏:‏ ‏{‏وتؤمنون بالكتاب كله‏}‏ فإنَّه كالعذر للمؤمنين في استبطانهم أهل الكتاب بعد إيمان المؤمنين، لأنّ المؤمنين لمَّا آمنوا بجميع رسل الله وكتبهم كانوا ينسبون أهل الكتاب إلى هدى ذهب زمانه، وأدخلوا فيه التّحريف بخلاف أهل الكتاب إذ يرمقون المسلمين بعين الازدراء والضلالة واتّباع ما ليس بحقّ‏.‏ وهذان النظران، منّا ومنهم، هما أصل تسامح المسلمين مع قوّتهم، وتصَلُّب أهل الكتابين مع ضعفهم‏.‏
‏{‏وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الانامل مِنَ الغيظ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ‏}‏‏.‏
جملة ‏{‏وتؤمنون‏}‏ معطوفة على ‏{‏تحبونهم‏}‏ كما أن جملة ‏{‏وإذا لقوكم‏}‏ معطوفة على ‏{‏ولا يحبونكم‏}‏ وكلّها أحوال موزّعة على ضمائر الخطاب وضمائر الغيبة‏.‏
والتعريف في ‏{‏الكتاب‏}‏ للجنس وأكّد بصيغة المفرد مراعاةً للفظه، وأراد بهذا جماعة من منافقي اليهود أشهرهم زيد بن الصتيتتِ القَيْنُقَاعي‏.‏
والعَضّ‏:‏ شدّ الشيء بالأسنان‏.‏ وعضّ الأنامل كناية عن شدّة الغيظ والتحسّر‏.‏ وإن لم يكن عَضّ أنامل محسوساً، ولكن كنّي به عن لازمه في المتعارف، فإنّ الإنسان إذا اضطرب باطنه من الانفعال صدرت عنه أفعال تناسب ذلك الانفعال، فقد تكون مُعِينة على دفع انفعاله كقتل عدوّه، وفي ضدّه تقبيل من يحبّهُ، وقد تكون قاصرة عليه يشفي بها بعض انفعاله، كتخبّط الصّبي في الأرض إذا غضب، وضَرب الرجل نفسه من الغضب، وعضّه أصابعه من الغيظ، وقرعه سنّه من النَّدم، وضرب الكفّ بالكفّ من التحسّر، ومن ذلك التأوّه والصّياح ونحوها، وهي ضروب من علامات الجزع، وبعضها جبلّي كالصياح، وبعضها عادي يتعارفه النَّاس ويكثر بينهم، فيصيرون يفعلونه بدون تأمّل، وقال الحارث بن ظالم المري‏:‏
فأقبل أقوام لئام أذلّة *** يعضّون من غيظ رؤوس الأباهم
وقوله‏:‏ ‏{‏عليكم‏}‏ على فيه للتَّعليل، والضّمير المجرور ضمير المسلمين، وهو من تعليق الحكم بالذات بتقدير حالة معيّنة، أي على التئامكم وزوال البغضاء، كما فعل شاس بن قيس اليهودي فنزل فيه قوله تعالى‏:‏
‏{‏يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 100‏]‏، ونظير هذا التعليق قول الشاعر‏:‏
لتقرعِنّ على السنّ من ندم *** إذا تذكرتتِ يوما بعضَ أخلاقي
و‏{‏من الغيظ‏}‏ ‏(‏من‏)‏ للتعليل‏.‏ والغيظ‏:‏ غضب شديد يلازمه إرادة الانتقام‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏قل موتوا بغيظكم‏}‏ كلام لم يقصد به مخاطبون معيَّنون لأنَّه دعاء على الَّذين يعضّون الأنامل من الغيظ، وهم يفعلون ذلك إذا خلوا، فلا يتصوّر مشافهتهم بالدّعاء على التَّعيين ولكنَّه كلام قصد إسماعه لكلّ من يعلم من نفسه الاتّصاف بالغيظ على المسلمين وهو قريب من الخطاب الَّذي يقصد به عموم كُل مخاطب نحو‏:‏ ‏{‏ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 12‏]‏‏.‏
والدعاء عليهم بالموت بالغيظ صريحهُ طلب موتهم بسبب غيظهم، وهو كناية عن ملازمة الغيظ لهم طول حياتهم إن طالت أو قصرت، وذلك كناية عن دوام سبب غيظهم، وهو حسن حال المسلمين، وانتظام أمرهم، وازدياد خيرهم، وفي هذا الدعاء عليهم بلزوم ألم الغيظ لهم، وبتعجيل موتهم به، وكلّ من المعنيين المكني بهما مراد هنا، والتكنّي بالغيظ وبالحسد عن كمال المغيظ منه المحسود مشهور، والعرب تقول‏:‏ فلان محسَّد، أي هو في حالة نعمة وكمال‏.‏
‏{‏إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور‏}‏‏.‏
تذييل لقوله‏:‏ ‏{‏عضوا عليكم الأنامل من الغيظ‏}‏ وما بيْنها كالاعتراض أي أنّ الله مطلّع عليهم وهو مطلعك على دخائلهم‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏120‏]‏
‏{‏إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ‏(‏120‏)‏‏}‏
إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا‏}‏‏.‏
زاد الله كشفا لِما في صدورهم بقوله‏:‏ ‏{‏إن تمسسكم حسنة نسؤهم‏}‏ أي تصبكم حسنة والمسّ الإصابة، ولا يختصّ أحدهما بالخير والآخر بالشرّ، فالتَّعبير بأحدهما في جانب الحسنة، وبالآخر في جانب السيِّئة، تفنّن، وتقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كالذي يتخبطه الشيطان‏}‏ من المس في سورة البقرة ‏(‏275‏)‏‏.‏
والحسنة والسيِّئة هنا الحادثة أو الحالة الَّتي تحسن عند صاحبها أو تسوء وليس المراد بهما هنا الاصطلاح الشَّرعي‏.‏
وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ‏}‏‏.‏
أرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقّي أذى العدوّ‏:‏ بأن يتلقّوه بالصّبر والحذر، وعبّر عن الحذر بالاتّقاء أي اتّقاء كيدهم وخداعهم، وقوله ‏{‏لا يَضِركم كيدهم شيئاً‏}‏ أي بذلك ينتفي الضرّ كلّه لأنّه أثبت في أوّل الآيات أنّهم لا يضرّون المؤمنين إلاّ أذى، فالأذى ضرّ خفيف، فلمَّا انتفى الضرّ الأعظم الَّذي يحتاج في دفعه إلى شديدِ مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق، كان انتفاء ما بَقي من الضرّ هيّناً، وذلك بالصّبر على الأذى، وقلّة الاكتراث به، مع الحذر منهم أن يتوسّلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرّاً عظيماً‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّهِ يدعون له نِدّاً وهو يرزقهم»‏.‏
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب‏:‏ ‏{‏لا يضركم‏}‏ بكسر الضاد وسكون الراء من ضارُه يضيره بمعنى أضرّه‏.‏ وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف بضم الضاد وضم الراء مشدّدة مِن ضرّهُ يضُرّه، والضمّة ضمّة إتباع لحركة العين عند الإدغام للتخلّص من التقاء الساكنين‏:‏ سكون الجزم وسكوننِ الإدغام، ويجوز في مثله من المضموم العين في المضارع ثلاثةُ وجوه في العربية‏:‏ الضمّ لإتباع حركة العين، والفتح لخفّته، والكسر لأنَّه الأصل في التخلّص من التقاء الساكنين، ولم يُقرأ إلاّ بالضمّ في المتواتر‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏121- 122‏]‏
‏{‏وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏121‏)‏ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏122‏)‏‏}‏
وجود حرف العطف في قوله‏:‏ ‏{‏وإذ غدوت‏}‏ مانع من تعليق الظرف ببعض الأفعال المتقدّمة مثل ‏{‏ودوأ ما عنتم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 118‏]‏ ومثل ‏{‏يفرحوا بها‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 120‏]‏ وعليه فهو آت كما أتَتْ نظائره في أوائل الآي والقِصص القرآنية، وهو من عطف جملة على جملة وقصة على وذلك انتقال اقتضابي فالتقدير‏:‏ واذكر إذ غدوت‏.‏ ولا يأتي في هذا تعلّق الظرف بفعل ممَّا بعده لأنّ قوله‏:‏ ‏{‏تبوئ‏}‏ لاَ يستقيم أن يكون مبدأ الغرض، وقوله‏:‏ ‏{‏همت‏}‏ لا يصلح لتعليق ‏{‏إذ غدوت‏}‏ لأنَّه مدخول ‏(‏إذْ‏)‏ أخرى‏.‏
ومناسبة ذكر هذه الوقعة عقب ما تقدّم أنَّها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في الدّين، المنافقين، ولمَّا كان شأن المنافقين من اليهود وأهل يثرب واحداً، ودخيلتهما سواء، وكانوا يعملون على ما تدبّره اليهود، جمع الله مكائد الفريقين بذكر غزوة أحُد، وكان نزول هذه السورة عقب غزوة أحُد كما تقدّم‏.‏ فهذه الآيات تشير إلى وقعة أحُد الكائنة في شوّال سنة ثلاث من الهجرة حين نزل مشركو مكَّة ومن معهم من أحلافهم سَفْحَ جبل أحُد، حول المدينة، لأخذ الثَّأر بما نالهم يوم بدر من الهزيمة، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فيما يفعلون وفيهم عبد الله بنُ أبي ابن سَلُول رأسُ المنافقين، فأشار جمهورهم بالتحصّن بالمدينة حتَّى إذا دخل عليهم المشركون المدينة قاتلوهم في الديار والحصون فغلبوهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، وأشار فريق بالخروج ورغبوا في الجهاد وألحُّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي المشيرين بالخروج، ولبس لأْمته، ثُمّ عرضَ للمسلمين تردّد في الخروج فراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ لا ينبغي لنبيء أن يلبس لأمته فيضعها حتَّى يحكم الله بينه وبين عدُوّه ‏"‏ وخرج بالمسلمين إلى جبل أحُد وكان الجبل وراءهم، وصَفَّهم للحرب، وانكشفت الحرب عن هزيمة خفيفة لحقت المسلمين بسبب مكيدة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، إذا انخزل هو وثلث الجيش، وكان عدد جيش المسلمين سبعمائة، وعددُ جيش أهل مكَّة ثلاثة آلاف، وهمّت بنو سَلِمَة وبنو حَارثة من المسلمين بالانخزال، ثُمّ عصمهم الله، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما‏}‏ أي ناصرهما على ذلك الهَمّ الشيطاني، الّذي لو صار عزماً لكان سبب شقائهما، فلعناية الله بهما بَرّأهما الله من فعل ما همَّتا به، وفي «البخاري» عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ ‏"‏ نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سَلِمة وفينا نزلتْ ‏{‏إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا‏}‏ وما يسرّني أنَّها لم تنزل والله يقول‏:‏ ‏{‏والله وليهما‏}‏ ‏"‏ وانكشفت الواقعة عن مرجوحية المسلمين إذ قتل منهم سبعون، وقتل من المشركين نيف وعشرون وقال أبو سفيان يومئذ‏:‏ «اعلُ هُبَلْ يوم بيوم بدر والحربُ سِجَال» وقتل حمزة رضي الله عنه ومَثّلت به هند بنت عتبة بن ربيعة، زوج أبي سفيان، إذ بقرت عن بطنه وقطعت قطعة من كبده لتأكلها لإحْنَةٍ كانت في قلبها عليه إذ قتل أباها عتبة يوم بدر، ثُمّ أسلمت بعد وحسن إسلامها‏.‏
وشُجّ وجه النَّبيء صلى الله عليه وسلم يومئذ وكُسِرَت رباعيته‏.‏ والغدوّ‏:‏ الخروج في وقت الغداة‏.‏
و ‏(‏مِن‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏من أهلك‏}‏ ابتدائية‏.‏
والأهل‏:‏ الزوج‏.‏ والكلام بتقدير مضاف يدلّ عليه فعْل ‏{‏غدوتَ‏}‏ أي من بيت أهلِك وهو بيت عائشة رضي الله عنها‏.‏
و ‏{‏تُبَوّئ‏}‏ تجعل مَبَاء أي مكان بَوْء‏.‏
والبَوْء‏:‏ الرجوع، وهو هنا المقرّ لأنَّه يبوء إليه صاحبه‏.‏ وانتصب ‏{‏المؤمنين‏}‏ على أنَّه مفعول أوّل لِ ‏(‏تُبَوِّئ‏)‏، ومقاعد مفعول ثان إجراء لفعل تُبَوّئ مجرى تعطي‏.‏ والمقاعد جمع مقعد‏.‏ وهو مكان القعود أي الجلوس على الأرض، والقعود ضدّ الوقوف والقيام، وإضافة مقاعد لاسم ‏{‏القتال‏}‏ قرينة على أنَّه أطلق على المواضع اللاّئقة بالقتال الَّتي يثبت فيها الجيش ولا ينتقل عنها لأنَّها لائقة بحركاته، فأطلق المقاعد هنا على مواضع القرار كناية، أو مجازاً مرسلاً بعلاقة الإطلاق، وشاع ذلك في الكلام حتَّى ساوى المقرّ والمكان، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏في مقعد صدق‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 55‏]‏‏.‏
واعلم أنّ كلمة مقاعد جرى فيها على الشريف الرضي نقد إذ قال في رثاء أبي إسحاق الصابيء‏:‏
أعْزِزْ عَلَيّ بأن أراك وقَد خَلا *** عن جَانبَيْكَ مَقَاعِدُ العُوّاد
ذكر ابن الأثير في المَثل السائر أن ابن سنان قال‏:‏ إيراده هذه اللَّفظة في هذا الموضع صحيح إلاّ أنَّه موافق لما يُكره ذِكْرُه لا سيما وقد أضافه إلى من تحتمل إضافته إليه وهم العُوّاد، ولو انفرد لكان الأمرُ سهلاً‏.‏ قال ابن الأثير‏:‏ قد جاءت هذه اللَّفظة في القرآن فجاءت مرضية وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال‏}‏ ألا ترى أنَّها في هذه الآية غير مضافة إلى من تُقبح إضافتها إليه‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏123- 125‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏123‏)‏ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ‏(‏124‏)‏ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ‏(‏125‏)‏‏}‏
إذ قد كانت وقعة أحُد لم تنكشف عن نصر المسلمين، عَقَّب الله ذكرها بأن ذكَّرهم الله تعالى نَصره إيّاهم النصر الَّذي قدّره لهم يوم بدر، وهو نصر عظيم إذ كان نصرَ فئة قليلةٍ على جيش كثير، ذي عُدد وافرة، وكان قتلى المشركين يومئذ سادةَ قريش، وأيمّة الشرك، وحسبك بأبي جهل بن هشام، ولذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأنتم أذلة‏}‏ أي ضعفاء‏.‏ والذلّ ضد العزّ فهو الوهن والضعف‏.‏ وهذا تعريض بأنّ انهزام يوم أحُد لا يفلّ حدّة المسلمين لأنّهم صاروا أعزّة‏.‏ والحرب سجال‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فاتقوا الله لعلكم تشكرون‏}‏ اعتراض بين جملة ‏{‏ولقد نصركم الله ببدر‏}‏ ومتعلّق فعلها أعني ‏{‏إذ تقول للمؤمنين‏}‏‏.‏ والفاء للتفريع والفاء تقع في الجملة المعترضة على الأصحّ، خلافاً لمن منع ذلك من النحويين‏.‏‏.‏ فإنَّه لمّا ذكّرهم بتلك المنّة العظيمة ذكّرهم بأنَّها سبب للشكر فأمرهم بالشكر بملازمة التَّقوى تأدّباً بنسبة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لئن شكرتم لأزيدنكم‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 70‏]‏‏.‏
ومن الشكر على ذلك النَّصر أن يثبتوا في قتال العدو، وامتثالُ أمر النَّبيء صلى الله عليه وسلم وأن لا تَفُلّ حدّتَهم هزيمة يوم أحُد‏.‏
وظرف ‏{‏إذ تقول للمؤمنين‏}‏ زماني وهو متعلّق «بنصركم» لأنّ الوعد بنصرة الملائكة والمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحُد‏.‏ هذا قول جمهور المفسّرين‏.‏
وخصّ هذا الوقت بالذكر لأنَّه كان وقت ظهور هذه المعجزة، وهذه النِّعمة، فكان جديراً بالتذكير والامتنان‏.‏
والمعنى‏:‏ إذ تعِد المؤمنين بإمداد الله بالملائكة، فما كان قول النَّبيء صلى الله عليه وسلم لهم تلك المقالة إلاّ بوعد أوحاه الله إليه أن يقوله‏.‏
والاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏ألن يكفيكم‏}‏ تقريري، والتقريري يكثر أن يورد على النَّفي، كما قدّمنا بيانه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 243‏]‏‏.‏
وإنَّما جيء في النَّفي بحرف لَن الَّذي يفيد تأكيد النَّفي للإشعَار بأنّهم كانوا يوم بدر لقلّتهم، وضعفهم، مع كثرة عدوّهم، وشوكته، كالآيسين من كفاية هذا المدد من الملائكة، فأوقع الاستفهام التَّقريري على ذلك ليكون تلقيناً لِمن يخالج نفسَه اليأس من كفاية ذلك العدد من الملائكة، بأن يصرّح بما في نفسه، والمقصود من ذلك لازمهُ، وهذا إثبات أنّ ذلك العدد كاف‏.‏
ولأجل كون الاستفهام غير حقيقي كان جوابه من قِبَل السائل بقوله‏:‏ بلى‏}‏ لأنّه ممَّا لا تسع المماراة فيه كما سيأتي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 19‏]‏، فكان ‏(‏بلى‏)‏ إبطالاً للنفي، وإثباتاً لكون ذلك العدد كافياً، وهو من تمام مقالة النَّبيء للمؤمنين‏.‏
وقد جاء في سورة الأنفال ‏[‏9‏]‏ عند ذكره وقعة بدر أن الله وعدهم بمدد من الملائكة عدده ألف بقوله‏:‏ ‏{‏إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنِّي ممدّكم بألف من الملائكة مردفين‏}‏
وذكر هنا أنّ الله وعدهم بثلاثة آلاف ثُمّ صيّرهم إلى خمسة آلاف‏.‏ ووجه الجمع بين الآيتين أنّ الله وعدهم بثلاثة آلاف ثُمّ صيّرهم إلى خمسة آلاف‏.‏ ووجه الجمع بين الآيتين أنّ الله وعدهم بألف من الملائكة وأطمعهم بالزّيادة بقوله‏:‏ ‏{‏مردفين‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 9‏]‏ أي مردَفيْن بعدد آخر، ودلّ كلامه هنا على أنَّهم لم يزالوا وجلين من كثرة عدد العدوّ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «ألن يكفيكم أن يمدّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين» أراد الله بذلك زيادة تثبيتهم ثمّ زادهم ألفين إن صبروا واتَّقوا‏.‏ وبهذا الوجه فسّر الجمهور، وهو الذي يقتضيه السياق‏.‏ وقد ثبت أنّ الملائكة نزلوا يوم بدر لنصرة المؤمنين، وشاهد بعض الصّحابة طائفة منهم، وبعضهم شهد آثار قتلهم رجالاً من المشركين‏.‏
ووصف الملائكة بمُنْزَلين للدلالة على أنَّهم يَنزلون إلى الارض في موقع القتال عناية بالمسلمين قال تعالى‏:‏ ‏{‏ما تَنَزَّل الملائكة إلاّ بالحق‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 8‏]‏‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ مُنْزلين بسكون النُّون وتخفيف الزاي وقرأه ابن عامر بفتح النُّون وتشديد الزاي‏.‏ وأنزل ونزّل بمعنى واحد‏.‏
فالضميران‏:‏ المرفوعُ والمجرور، في قوله‏:‏ ‏{‏ويأتوكم من فورهم‏}‏ عائدان إلى الملائكة الَّذين جرى الكلام عليهم، كما هو الظاهر، وعلى هذا حمله جمع من المفسّرين‏.‏
وعليه فموقع قوله‏:‏ ‏{‏ويأتوكم‏}‏ موقع وعد، فهو المعنى معطوف على ‏{‏يمددكم ربكم‏}‏ وكان حقّه أن يرِد بعده، ولكنَّه قدّم على المعطوف عليه، تعجيلاً للطمأنينة إلى نفوس المؤمنين، فيكون تقديمه من تقديم المعطوف على المعطوف عليه، وإذا جاز ذلك التَّقديم في عطف المفردات كما في قول صَنَّان بن عَبَّاد اليَشْكُرِي‏:‏
ثمّ اشتَكَيْتُ لأَشْكانِي وسَاكنُه *** قَبْرٌ بِسِنْجَارَ أوْ قبر على قَهَدِ
قال ابن جنّي في شرح أبيات الحماسة‏:‏ قدّم المعطوف على المعطوف عليه، وحَسَّنه شدّة الاتِّصال بين الفعل ومرفوعه ‏(‏أي فالعامل وهو الفعل آخذ حظَّه من التقديم ولا التفات لكون المعطوففِ عليه مؤخّراً عن المعطوف‏)‏ ولو قلت‏:‏ ضربت وزيداً عمراً كان أضعف، لأنّ اتّصال المفعول بالفعل ليس في قوّة اتّصال الفاعل به، ولكن لو قلت‏:‏ مررت وزيد بعمرو، لم يجز من جهة أنَّك لم تقدم العامل، وهو الباء، على حرف العطف‏.‏ ومن تقديم المفعول به قول زيد‏:‏
جمعتَ وعيباً غِيبةً ونَمِيمَةً *** ثلاثَ خصال لستَ عنها بمُرْعوِيْ
ومنه قول آخر‏:‏
لعن الإلهُ وزوجَها مَعَها *** هِنْدَ الهنود طَوِيلَةَ الفعل
ولا يجوز وعيباً جمعت غيبة ونميمة‏.‏ وأمَّا قوله‏:‏
عليككِ ورحمةُ الله السلامُ ***
فممَّا قرب مأخذه عن سيبويه، ولكن الجماعة لم تتلقّ هذا البيت إلاّ على اعتقاد التَّقديم فيه، ووافقه المرزوقي على ذلك، وليس في كلامهما أن تقديم المعطوف في مثل ما حسُن تقديمه فيه خاص بالضرورة في الشعر، فلذلك خرّجنا عليه هذا الوجه في الآية وهو من عطف الجمل، على أن عطف الجمل أوسع من عطف المفردات لأنَّه عطف صوري‏.‏
ووقع في «مغني اللبيب» في حرف الواو أنّ تقديم معطوفها على المعطوف عليه ضرورة، وسبقه إلى ذلك ابن السِّيد في شرح أبياتتِ الجمل، والتفتزاني في شرح المفتاح، كما نقله عنه الدماميني في «تحفة الغريب»‏.‏
وجعل جمع من المفسّرين ضميري الغيبة في قوله‏:‏ ‏{‏ويأتوكم من فورهم‏}‏ عائديْن إلى طائفة من المشركين، بلغ المسلمين أنَّهم سيمدّون جيش العدوّ يوم بدر، وهم كرز بن جابر المحاربي، ومن معه، فشقّ ذلك على المسلمين وخافوا، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم‏}‏ الآية، وعليه درج «الكشاف» ومتابعوه‏.‏ فيكون معادُ الضّميرين غير مذكور في الكلام، ولكنَّه معلوم للنَّاس الَّذين حضروا يوم بدر، وحينئذ يكون ‏{‏يأتوكم‏}‏ معطوفاً على الشرط‏:‏ أي إن صبرتم واتّقيتم وأتاكم كرز وأصحابه يعاونون المشركين عليكم يمددكم ربّكم بأكثر من ألف ومن ثلاثة آلاف بخمسة آلاف، قالوا فبلغت كرزاً وأصحابه هزيمة المشركين يوم بدر فعدل عن إمدادهم فلم يمدّهم الله بالملائكة، أي بالملائكة الزائدين على الألف‏.‏ وقيل‏:‏ لم يمدّهم بملائكة أصلاً، والآثار تشهد بخلاف ذلك‏.‏
وذهب بعض المفسّرين الأوّلين‏:‏ مثل مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والزهري‏:‏ إلى أن القول المحكي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ تقول للمؤمنين‏}‏ قول صادر يوم أحُد، قالوا وعدهم الله بالمدد من الملائكة على شرط أن يصبروا، فلمّا لم يصبروا واستَبَقُوا إلى طلب الغنيمة لم يمددهم الله ولا بملَك واحد، وعلى هذا التفسير يكون ‏{‏إذ تقول المؤمنين‏}‏ بدلاً من ‏{‏وإذ غَدَوْت‏}‏ وحينئذ يتعيّن أن تكون جملة ‏{‏ويأتوكم‏}‏ مقدمة على المعطوفة هي عليها، للوجه المتقدّم من تحقيق سرعة النَّصر، ويكون القول في إعراب ‏{‏ويأتوكم‏}‏ على ما ذكرناه آنفاً من الوجهين‏.‏
ومعنى ‏{‏من فورهم هذا‏}‏ المبادرة السَّريعة، فإنّ الفور المبادرة إلى الفعل، وإضافة الفور إلى ضمير الآتين لإفادة شدّة اختصاص الفَور بهم، أي شدّة اتّصافهم به حتَّى صار يعرف بأنَّه فورهم، ومن هذا القبيل قولهم خرج من فوره‏.‏ و‏(‏من‏)‏ لابتداء الغاية‏.‏
والإشارة بقوله ‏(‏هذا‏)‏ إلى الفور تنزيلاً له منزلة المشاهد القريب، وتلك كناية أو استعادة لكونه عاجلاً‏.‏
‏{‏ومسوّمين‏}‏ قرأه الجمهور بفتح الواو على صيغة اسم المفعول من سوّمه، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب بكسر الواو بصيغة اسم الفاعل‏.‏ وهو مشتقّ من السُّومة بضم السين وهي العلامة مقلوب سمة لأنّ أصل سمة وسمة‏.‏ وتطلق السومة على علامة يجعلها البطل لنفسه في الحرب من صوف أو ريش ملوّن، يجعلها على رأسه أو على رأس فرسه، يرمز بها إلى أنَّه لا يتّقي أن يعرفه أعداؤه، فيسدّدوا إليه سهامهم، أو يحملون عليه بسيوفهم، فهو يرمز بها إلى أنَّه واثق بحمايته نفسه بشجاعته، وصِدققِ لقائه، وأنَّه لا يعبأ بغيره من العدوّ‏.‏
وتقدّم الكلام عليها في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والخيل المسومة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 14‏]‏ في أوّل هذه السورة‏.‏ وصيغة التفعيل والاستفعال تكثران في اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة‏.‏
ووصف الملائكة بذلك كناية على كونهم شداداً‏.‏
وأحسب أنّ الأعداد المذكورة هنا مناسبة لجيش العدوّ لأنّ جيش العدوّ يوم بدر كان ألفاً فوعدهم الله بمدد ألف من الملائكة فلمَّا خشُوا أن يلحق بالعدوّ مدد من كُرْز المحاربي‏.‏ وعدهم الله بثلاثة آلاف أي بجيش له قلب‏.‏
وميمنة وميسرة كلّ ركن منها ألف، ولمَّا لم تنقشع خشيتهم من إمداد المشركين لأعدائهم وعدهم الله بخمسة آلاف، وهو جيش عظيم له قلب وميمنة وميسرة ومقدّمة وساقة، وذلك هو الخميس، وهو أعظم تركيباً وجعل كُلّ ركن منه مساوياً لجيش العدوّ كلّه‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏126- 128‏]‏
‏{‏وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏(‏126‏)‏ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ‏(‏127‏)‏ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ‏(‏128‏)‏‏}‏
يجوز أن تكون جملة ‏{‏وما جعله الله إلا بشرى‏}‏ في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله‏:‏ ‏{‏ولقد نصركم الله ببدر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 123‏]‏ والمعنى لقد نصركم الله ببدر حين تقول للمؤمنين مَا وعدك الله به في حال أنّ الله ما جعل ذلك الوعدَ إلاّ بشرى لكم وإلاّ فإنَّه وعَدَكم النصر كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنَّها لكم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 70‏]‏ الآية‏.‏
ويجوز أن يكون الواو للعطف عطفَ الإخبار على التذكير والامتنان‏.‏ وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار للتنويه بهذه العناية من الله بهم، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين‏.‏
وضمير النصب في قوله‏:‏ ‏{‏جعله‏}‏ عائد إلى الإمداد المستفاد مِن ‏{‏يمددكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 125‏]‏ أو إلى الوعد المستفاد من قوله‏:‏ ‏{‏إن تصبروا وتتقوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 125‏]‏ الآية‏.‏
والاستثناء مفرّغ‏.‏ و‏{‏بشرى‏}‏ مفعول ثان ل ‏(‏جعله‏)‏ أي ما جعل الله الإمداد والوعد به إلاّ أنَّه بشرى، أي جعله بشرى، ولم يجعله غير ذلك‏.‏
و ‏(‏لكم‏)‏ متعلّق ب ‏(‏بشرى‏)‏‏.‏ وفائدة التصريح به مع ظهور أن البشرى إليهم هي الدلالة على تكرمة الله تعالى إيّاهم بأنْ بَشَّرهم بشرى لأجلهم كما في التصريح بذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم نشرح لك صدرك‏}‏ ‏[‏الشرح‏:‏ 1‏]‏
والبشرى اسم لمصدر بَشَّر كالرُّجعى، والبشرى خبر بحصول ما فيه نفع ومسرّة للمخبر به، فإنّ الله لمَّا وعدهم بالنَّصر أيقنوا به فكان في تبيين سببه وهو الإمداد بالملائكة طَمْأنة لنفوسهم لأنّ النفوس تركن إلى الصّور المألوفة‏.‏
والطمْأنة والطُّمأنِينة‏:‏ السكون وعدم الاضطراب، واستعيرت هنا ليقين النَّفس بحصول الأمر تشبيهاً للعلم الثابت بثبات النفس أي عدم اضطرابها، وتقدّمت عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن ليطمئنّ قلبي‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 260‏]‏‏.‏
‏(‏‏{‏وعُطف ولتطمئنّ‏}‏ على ‏{‏بُشرى‏}‏ فكانَ داخلاً في حيّز الاستثناء فيكون استثناء مِن علللٍ، أي ما جعله الله لأجل شيء إلاّ لأجل أن تطمئن قلوبكم به‏.‏
وجملة ‏{‏وما النصر إلا من عند الله‏}‏ تذييل أي كلّ نصر هو من الله لا من الملائكة‏.‏ وإجراء وصفي العزيز الحكيم هنا لأنَّهما أولى بالذكر في هذا المقام، لأنّ العزيز ينصر من يريد نصره، والحكيم يعلم من يستحق نصره وكيف يُعطاه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ليقطع طرفاً‏}‏ متعلّق ب ‏(‏النَّصر‏)‏ باعتبار أنَّه علَّة لبعض أحوال النصر، أي ليقطع يوم بدر طرفاً من المشركين‏.‏
والطَّرف بالتحريك يجوز أن يكون بمعنى النَّاحية، ويخصّ بالنَّاحية الَّتي هي منتهى المكان، قال أبو تمّام‏:‏
كانت هي الوسَطَ المحميّ فاتّصلتْ *** بها الحَوادث حتَّى أصبحت طَرفا
فيكون استعارة لطائفة من المشركين كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو لم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 41‏]‏ ويجوز أن يكون بمعنى الجزء المتطرّف من الجسد كاليدين والرجلين والرأس فيكون مستعاراً هنا لأشراففِ المشركين، أي ليقطع من جسم الشرك أهم أعضائه، أي ليستأصل صناديد الَّذين كفروا‏.‏
وتنكير ‏(‏طرفاً‏)‏ للتفخيم، ويقال‏:‏ هو من أطراف العرب، أي من أشرافها وأهل بيوتاتها‏.‏
ومَعنى ‏{‏أو يكبتهم‏}‏ يصيبهم بغمّ وكمد، وأصل كبت كَبَد بالدال إذا أصابه في كَبده‏.‏ كقولهم‏:‏ صُدرَ إذا أصيب في صدره، وكُلِيَ إذا أصيب في كُلْيَتِه، ومُتِنَ إذا أصيب في مَتْنه، ورُئي إذا أصيب في رِئته، فأبدلت الدال تاء وقد تبدل التاء دالاً كقولهم‏:‏ سَبَد رأسَه وسبَته أي حلقه‏.‏ والعرب تتخيّل الغمّ والحزن مقرّه الكبد، والغضب مقرّه الصّدر وأعضاء التنفّس‏.‏ قال أبو الطيب يمدح سيف الدّولة حِين سفره عن أنطاكية‏:‏
لأَكْبِتَ حَاسداً وأرِي عَدُواً *** كأنَّهُمَا ودَاعُكَ والرّحيلُ
وقد استقرى أحوال الهزيمة فإنّ فريقاً قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتُوا وانقلبوا خائبين، وفريقاً مَنَّ الله عليهم بالإسلام، فأسلموا، وفريقاً عُذّبوا بالموت على الكفر بعد ذلك، أو عذبوا في الدنيا بالذلّ، والصغار، والأسر، والمَنّ عليهم يوم الفتح، بعد أخذ بلدهم و«أو» بين هذه الأفعال للتقسيم‏.‏
وهذا القطع والكبت قد مضيا يوم بدر قبل نزول هذه الآية بنحو سنتين، فالتَّعبير عنهما بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة العجيبة في ذلك النصر المبين العزيز النظير‏.‏
وجملة ‏{‏ليس لك من الأمر شيء‏}‏ معترضة بين المتعاطفات، والخطاب للنَّبيء صلى الله عليه وسلم فيجوز أن تُحْمَل على صريح لفظها، فيكون المعنى نفي أن يكون للنَّبيء، أي لقتاله الكفارَ بجيشه من المسلمين، تأثير في حصول النَّصر يوم بدر، فإن المسلمين كانوا في قلّة من كُلّ جانب من جوانب القتال، أي فالنصر حصل بمحض فضل الله على المسلمين، وهذا من معنى قوله‏:‏ ‏{‏فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 17‏]‏‏.‏ ولفظ ‏(‏الأمر‏)‏ من قوله‏:‏ ‏{‏ليس لك من الأمر شيء‏}‏ معناه الشأن، و‏(‏أل‏)‏ فيه للعهد، أي من الشأن الذي عرفتموه وهو النَّصر‏.‏
ويجوز أن تحمل الجملة على أنَّها كناية عن صرف النَّبيء عليْه الصلاة والسلام عن الاشتغال بشأن ما صنع الله بالَّذين كفروا، من قطع طَرفهم، وكبْتِهم أو توبة عليهم، أو تعذيب لهم‏:‏ أي فذلك موكول إلينا نحقّقُه متى أردنا، ويتخلّف متى أردنا على حسب ما تقتضيه حكمتنا، وذلك كالاعتذار عن تخلّف نصر المُسلمين يوم أحُد‏.‏
فلفظ ‏(‏الأمر‏)‏ بمعنى شأن المشركين‏.‏ والتعريفُ فيه عوض عن المضاف إليه، أي ليس لك من أمرهم اهتمام‏.‏ وهذا تذكير بما كان للنَّبيء صلى الله عليه وسلم يوم بدر من تخوّف ظهور المشركين عليه، وإلحاحه في الدّعاء بالنَّصر‏.‏ ولعلّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم كان يوَدّ استيصال جميع المشركين يوم بدر حيث وجد مقتضى ذلك وهو نزول الملائكة لإهلاكهم، فذكّره الله بذلك أنَّه لم يقدّر استيصالهم جميعاً بل جعل الانتقام منهم ألواناً فانتقم من طائفة بقطع طرَف منهم، ومن بقيّتهم بالكَبْتتِ، وهو الحزن على قتلاهم، وذهاب رؤسائهم، واختلال أمورهم، واستبقى طائفة ليتوب عليهم ويهديهم، فيكونوا قوّة للمسلمين فيؤمنوا بعد ذلك، وهم من آمن من أهل مكَّة قبل الفتح، ويوم الفتح‏:‏ مثل أبي سفيان، والحارث بن هشام أخي أبي جهل، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وخالد بن الوليد، وعذّب طائفة عذاب الدنيا بالأسر، أو بالقتل‏:‏ مثل ابن خَطل، والنضْر بن الحارث، فلذلك قيل له‏:‏ «ليس لك من الأمر شيء»‏.‏
ووضعت هذه الجملة بين المتعاطفات ليظهر أنّ المراد من الأمر هو الأمر الدائر بين هذه الأحوال الأربعة من أحوال المشركين، أي ليس لك من أمر هذه الأحوال الأربعة شيء ولكنّه موكول إلى الله، هو أعلم بما سيصيرون إليه وجَعل هذه الجملة قبل قوله‏:‏ ‏{‏أو يتوب عليهم‏}‏ استئناس للنَّبيء صلى الله عليه وسلم إذ قُدّم ما يدلّ على الانتقام منهم لأجله، ثُمّ أردف بما يدلّ على العفو عنهم، ثُمّ أردف بما يدلّ على عقابهم، ففي بعض هذه الأحوال إرضاء له من جانب الانتصار له، وفي بعضها إرضاء له من جانب تطويعهم له‏.‏ ولأجل هذا المقصد عاد الكلام إلى بقية عقوبات المشركين بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو يعذبهم‏}‏‏.‏
ولكون التَّذكير بيوم بدر وقع في خلال الإشارة إلى وقعة أحُد، كأنّ في هذا التَّقسيم إيماء إلى ما يصلح بياناً لِحكمة الهزيمة اللاحقة المسلمين يوم أحُد، إذ كان في استبقاء كثير من المشركين، لم يصبهم القتلُ يومئذ، ادّخار فريق عظيم منهم للإسلام فيما بعد، بَعْد أن حصل رعبهم من المسلمين بوقعة بدر، وإن حسِبوا للمسلمين أي حساب بما شاهدوه من شجاعتهم يوم أحُد، وإن لم ينتصروا‏.‏ ولا يستقيم أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏ليس لك من الأمر شيء‏}‏ متعلّقاً بأحوال يوم أحُد‏:‏ لأنّ سياق الكلام ينبو عنه، وحال المشركين يوم أحُد لا يناسبه قولُه‏:‏ ‏{‏ليقطع طرفاً من الذين كفروا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏خائبين‏}‏‏.‏
ووقع في «صَحِيح مسلم»، عن أنس بن مالك‏:‏ أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم شُجّ وجهه، وكُسرت رباعيته يوم أحُد، وجاء المسلمون يمسحون الدم عن وجه نبيّهم، فقال النَّبيء عليْه السَّلام‏:‏ ‏"‏ كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم ‏"‏ أي في حال أنَّه يدعوهم إلى الخير عند ربّهم، فنزلت الآية، ومعناه‏:‏ لا تستبْعِد فلاحهم‏.‏ ولا شكّ أن قوله فنزلت هذه الآية مُتأوّل على إرادة‏:‏‏:‏ فذُكِّر النَّبيء صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، لظهور أن ما ذكروه غير صالح لأن يكون سبباً لأنّ النَّبيء تعجّب من فلاحهم أو استبعده، ولم يدّع لنفسه شيئاً، أو عملاً، حتَّى يقال‏:‏ «ليس لك من الأمر شيء»‏.‏ وروى الترمذي‏:‏ أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم دعا على أربعة من المشركين، وسمّى أناساً، فنزلت هذه الآية لنهيه عن ذلك، ثُمّ أسلموا‏.‏
وقيل‏:‏ إنَّه همّ بالدعاء، أو استأذن الله أن يدعو عليهم بالاستيصال، فنهى‏.‏ ويردّ هذه الوجوه ما في «صحيح مسلم»، عن ابن مسعود، قال‏:‏ كأنِّي أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيئاً من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول‏:‏ ربّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون‏.‏ وورد أنَّه لمَّا شجّ وجهه يوم أحُد قال له أصحابه‏:‏ لو دعوت عليهم، فقال‏:‏ إنِّي لم أبعث لَعَّاناً، ولكِنِّي بعثت داعياً ورحمة، اللَّهُمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون‏.‏ وما ثبت من خُلقه صلى الله عليه وسلم أنَّه كان لا ينتقم لنفسه‏.‏
وأغرَبَ جماعة فقالوا نزل قوله‏:‏ ‏{‏ليس لك من الأمر شيء‏}‏ نسخاً لما كان يدعو به النَّبيء صلى الله عليه وسلم في قنوته على رِعْل، وذكْوان، وعُصية، ولِحْيان، الَّذين قتلوا أصحاب بئر معونة، وسندهم في ذلك ما وقع في «البخاري» أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم لم يزل يدعو عليهم، حتَّى أنزل الله‏:‏ ‏{‏ليس لك من الأمر شيء‏}‏‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا كلام ضعيف كله وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ‏.‏ وكيف يصحّ أن تكون نزلت لنسخ ذلك وهي متوسطة بين علل النَّصر الواقع يوم بدر‏.‏ وتفسيرُ ما وقع في «صحيح البخاري» من حديث أبي هريرة‏:‏ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء على المشركين بعد نزول هذه الآية أخذاً بكامل الأدب، لأنّ الله لمَّا أعلمه في هذا بما يدلّ على أن الله أعلَمُ بما فيه نفع الإسلام، ونقمة الكفر، ترك الدعاء عليهم إذ لعلّهم أن يسلموا‏.‏ وإذ جعلنا دعاءه صلى الله عليه وسلم على قبائل من المشركين في القنوت شرعاً تقررّ بالاجتهاد في موضع الإباحة لأن أصل الدعاء على العدوّ مباح، فتركه لذلك بعد نزول هذه الآية، من قبيل النسخ بالقياس، نسخت حكم الإباحة التي هي استواء الفعل والترك بإثبات حكم أولوية الفعل‏.‏
ومنهم من أبعد المرمى، وزعم أن قوله‏:‏ ‏{‏أو يتوب عليهم‏}‏ منصوب بأن مضمرة وجوباً، وأنّ ‏(‏أو‏)‏ بمعنى حتَّى‏:‏ أي ليس لك من أمر إيمانهم شيء حتَّى يتوب الله عليهم، أي لا يؤمنون إلاّ إذا تاب عليهم، وهل يجهل هذا أحد حتَّى يحتاج إلى بيانه، على أن الجملة وقعت بين علل النصر، فكيف يشتّت الكلام، وتنتثر المتعاطفات‏.‏
ومنهم من جعل ‏{‏أو يتوب عليهم‏}‏ عطفاً على قوله ‏{‏الأمر‏}‏ أو على قوله ‏{‏شيء‏}‏، من عطف الفعل على اسم خالص بإضمار أنْ على سبيل الجواز، أي ليس لك من أمرهم أو توبتهم شيء، أو ليس لك من الأمر شيء أو توبة عليهم‏.‏
فإن قلت‏:‏ هلاّ جمع العقوبات متوالية‏:‏ فقال ليقطع طرفاً من الَّذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، أو يتوبَ عليهم، أو يعذّبهم، قلت‏:‏ روعي قضاء حقّ جمع النظير أولاً، وجمع الضدّين ثانياً، بجمع القَطْع والكبْتتِ، ثم جمع التوبة والعذاب، على نحو ما أجاب به أبو الطيب عن نقد من نقد قوله في سيف الدّولة‏:‏
وقفتَ وما في الموت شَكّ لواقف *** كأنَّك في جفن الردى وهو نائم
تَمُرّ بك الأبطال كَلْمى حزينة *** ووَجْهُك وَضّاح وثَغرك باسم
إذ قدّم من صفتيه تشبيهه بكونه في جفن الردى لمناسبة الموت، وأخَّر الحال وهي ووجهك وضّاح لمضادّة قوله كلمى حزينة، في قصة مذكورة في كتب الأدب‏.‏
واللام الجارّة لام الملك، وكاف الخطاب لمعيّن، وهو الرسول عليه الصّلاة والسّلام‏.‏
وهذه الجملة تجري مجرى المثل إذ ركبت تركيباً وجيزاً محذوفاً منه بعض الكلمات، ولم أظفر، فيما حفظت من غير القرآن، بأنَّها كانت مستعملة عند العرب، فلعلّها من مبتكرات القرآن، وقريب منها قوله‏:‏ ‏{‏وما أملك لك من اللَّه من شيء‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏ 4‏]‏ وسيجيء قريب منها في قوله الآتي‏:‏ ‏{‏يقولون هل لنا من الأمر من شيء‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 154‏]‏ و‏{‏يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 154‏]‏ فإن كانت حكاية قولهم بلفظه، فقد دلّ على أنّ هذه الكلمة مستعملة عند العرب، وإن كان حكاية بالمعنى فلا‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فإنهم ظالمون‏}‏ إشارة إلى أنَّهم بالعقوبة أجدر، وأنّ التّوبة عليهم إن وقعت فضل من الله تعالى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏129‏]‏
‏{‏وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏129‏)‏‏}‏
تذييل لقوله‏:‏ ‏{‏أو يتوب عليهم أو يعذبهم‏}‏ مشير إلى أن هذين الحالين على التوزيع بين المشركين، ولمَّا كان مظنّة التطلّع لمعرفة تخصيص فريق دون فريق، أو تعميم العذاب، ذيّله بالحوالة على إجمال حضرة الإطلاق الإلهية، لأنّ أسرار تخصيص كلّ أحد بما يعيَّن له، أسرار خفيّة لا يعلمها إلاّ الله تعالى، وكلّ ميسّر لما خلق له‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏130- 132‏]‏
‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏130‏)‏ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ‏(‏131‏)‏ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏132‏)‏‏}‏
ا أنّ الكلام على يوم أحُد لم يكمل، إذ هو سيعاد عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد خَلت من قبلِكُم سنن‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏يستبشرون بنعمة من الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 171‏]‏ الآية لقلنا إنّ قوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا‏}‏ اقتضاب تشريع، ولكنّه متعيّن لأنْ نعتبره استطراداً في خلال الحديث عن يوم أحُد، ثمّ لم يظهر وجه المناسبة في وقوعه في هذا الأثناء‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ولا أحفظ سبباً في ذلك مروياً‏.‏ وقال الفخر‏:‏ من النّاس من قال‏:‏ لمّا أرشد الله المؤمنين إلى الأصلح لهم في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنَّهي فقال‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا‏}‏ فلا تعلّق لها بما قبلها‏.‏
وقال القفّال‏:‏ لمّا أنفق المشركون على جيوشهم أموالاً جمعوها من الربا، خيف أن يدعُو ذلك المسلمين إلى الإقدام على الرّبا‏.‏ وهذه مناسبة مستبعدة‏.‏ وقال ابن عرفة‏:‏ لمّا ذكر الله وعيد الكفار عقّبه ببيان أن الوعيد لا يخصّهم بل يتناول العصاة، وذكر أحد صور العصيان وهي أكل الربا‏.‏ وهو في ضعف ما قبله، وعندي بادئ ذي بدء أن لا حاجة إلى اطّراد المناسبة، فإن مدّة نزول السورة قابلة، لأن تحدث في خلالها حوادث ينزل فيها قرآن فيكون من جملة تلك السورة، كما بيّناه في المقدّمة الثَّامنة، فتكون هاته الآية نزلت عقب ما نزل قبلها فكتبت هنا ولا تكون بَينهما مناسبة إذ هو ملحق إلحاقاً بالكلام‏.‏
ويتّجه أن يسأل سائل عن وجه إعادة النّهي عن الربا في هذه السورة بعد ما سبق من آيات سورة البقرة بما هو أوفى ممَّا في هذه السورة، فالجواب‏:‏ أنّ الظاهر أنّ هذه الآية نزلت قبل نزول آية سورة البقرة فكانت هذه تمهيداً لتلك، ولم يكن النّهي فيها بالغاً ما في سورة البقرة وقد روي أن آية البقرة نزلت بعد أن حَرّم الله الربا وأن ثقيفاً قالوا‏:‏ كيف ننهى عن الربا، وهومثل البيع، ويكون وصف الربا ب ‏{‏أضعافاً مضاعفة‏}‏ نهياً عن الربا الفاحش وسَكت عمّا دون ذلك ممّا لا يبلغ مبلغ الأضعاف، ثمّ نزلت الآية الَّتي في سورة البقرة ويحتمل أن يكون بعض المسلمين داين بعضاً بالمراباة عقب غزوة أحُد فنزل تحريم الرّبا في مدّة نزول قصّة تلك الغزوة‏.‏ وتقدّم الكلام على معنى أكل الرّبا، وعلى معنى الربا، ووجه تحريمه، في سورة البقرة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏أضعافاً مضاعفة‏}‏ حال من ‏{‏الرّبا‏}‏ والأضعاف جمع ضعف بكسر الضّاد وهو معادل الشيء في المقدار إذا كان الشيء ومماثله متلازمين، لا تقول‏:‏ عندي ضعف درهمك، إذ ليس الأصل عندك، بل يحسن أن تقول‏:‏ عندي درهمان، وإنَّما تقول‏:‏ عندي درهم وضعفه، إذا كان أصل الدرهم عندك، وتقول‏:‏ لك درهم وضِعفه، إذا فعلت كذا‏.‏
والضعف يطلق على الواحد إذا كان غير معرّف بأل نحو ضِعفُه، فإذا أريد الجمع جيء به بصيغة الجَمع كما هنا، وإذا عُرف الضعف بأل صحّ اعتبار العهد واعتبارالجنس، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 37‏]‏ فإن الجزاء أضعاف، كما جاء في الحديث إلى سبعمائة ضعف‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏مضاعفة‏}‏ صفة للأضعاف أي هي أضعاف يدخلها التَّضعيف، وذلك أنّهم كانوا إذا دَاينوا أحداً إلى أجل داينوه بزيادة، ومتى أعسر عند الأجل أو رام التأخير زاد مثل تلك الزيادة، فيصير الضِعف ضعفاً، ويزيد، وهكذا، فيصدق بصورة أن يجعلوا الدّين مضاعفاً بمثله إلى الأجل، وإذا ازداد أجلاً ثانياً زاد مثل جميع ذلك، فالأضعاف من أوّل التداين للأجل الأوّل، ومضاعفتها في الآجال الموالية، ويصدُق بأن يداينوا بمراباة دون مقدار الدّين ثُمّ تزيد بزيادة الآجال، حتَّى يصير الدّين أضعافاً، وتصير الأضعاف أضعافاً، فإن كان الأوّل فالحال واردة لحكاية الواقع فلا تفيد مفهوماً‏:‏ لأنّ شرط استفادة المفهوم من القيود أن لا يكون القيد الملفوظ به جرَى لحكاية الواقع، وإن كان الثَّاني فالحال واردة لقصد التشنيع وإراءة هذه العاقبة الفاسدة‏.‏ وإذ قد كان غالب المدينين تستمرّ حاجتهم آجالاً طويلة، كان الوقوع في هذه العاقبة مطرّداً، وحينئذ فالحال لا تفيد مفهوماً كذلك إذ ليس القصد منها التقييدَ بل التشنيعَ، فلا يقتصر التَّحريم بهذه الآية على الربا البالغ أضعافاً كثيرة، حتَّى يقول قائل‏:‏ إذا كان الرّبا أقلّ من ضعف رأس المال فليس بمحرّم‏.‏ فليس هذا الحال هو مصبّ النَّهي عن أكل الربا حتَّى يَتَوهَّم متوهّم أنَّه إن كان دون الضعف لم يكن حرَاماً‏.‏ ويظهر أنَّها أوّل آية نزلت في تحريم الربا، وجاءت بعدها آية البقرة، لأن صيغة هذه الآية تناسب ابتداء التشريع، وصيغة آية البقرة تدلّ على أن الحكم قد تقرّر، ولذلك ذكر في تلك الآية عذابُ المستمرّ على أكل الرّبا‏.‏ وذُكر غرور من ظنّ الرّبا مثل البيع، وقيل فيها ‏{‏فمن جاءه موعظة من ربِّه فانتهى فله ما سلف‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 275‏]‏ الآية، كما ذكرناه آنفاً، فمفهوم القيد معطَّل على كُلّ حال‏.‏
وحكمة تحريم الرّبا هي قصد الشَّريعة حملَ الأمَّة على مواساة غنيِّها محتاجَها احْتياجاً عارضاً موقّتاً بالقرض، فهو مرتبة دون الصدقة، وهو ضرب من المواساة إلا أن المواساة منها فرض كالزكاة، ومنها ندب كالصّدقة والسلففِ، فإن انتدب لها المكلّف حرّم عليه طلب عوض عنها، وكذلك المعروف كُلّه، وذلك أن العادة الماضية في الأمم، وخاصّة العرب، أنّ المرء لا يتداين إلاّ لضرورة حياته، فلذلك كان حقّ الأمَّة مواساته‏.‏ والمواساة يظهر أنَّها فرض كفاية على القادرين عليها، فهو غير الَّذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعيْن والمتقارضين‏:‏ للفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلاّ أن الشرع ميّز هاته الواهي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية، لا باختلاف أحوال المتعاقدين، فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الرّبا في السلف، ولو كان المستسلف غير محتاج، بل كان طالبَ سعة وإثراءٍ بتحريك المال الَّذي يتسلّفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك، وسمَح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتِّجارة ودين السَّلَم، ولو كان الرّبح في ذلك أكثر من مقدار الرّبا تفرقة بين المواهي الشرعية‏.‏
ويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الرّبا البعدَ بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال، وإلجاؤهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا، فيكون تحريم الرّبا، ولو كان قليلاً، مع تجويز الربح من التِّجارة والشركات، ولو كان كثيراً تحقيقاً لهذا المقصد‏.‏
ولقد قضى المسلمون قروناً طويلة لم يروا أنفسهم فيها محتاجين إلى التعامل بالرّبا، ولم تكن ثروتهم أيّامئذ قاصرة عن ثروة بقية الأمم في العالم، أزمان كانت سيادة العالم بيدهم، أو أزمان كانوا مستقلّين بإدارة شؤونهم، فلمَّا صارت سيادة العالم بيد أمم غير إسلامية، وارتبط المسلمون بغيرهم في التِّجارة والمعاملة، وانتظمت سوق الثَّروة العالمية على قواعد القوانين الَّتي لا تتحاشى المراباة في المعاملات، ولا تعْرف أساليب مواساة المسلمين، دهش المسلمون، وهم اليوم يتساءلون، وتحريم الربا في الآية صريح، وليس لما حرّمه الله مبيح‏.‏ ولا مخلص من هذا المضيق إلا أن تجعل الدول الإسلامية قوانين مالية تُبنى على أصول الشريعة في المصارف، والبيوع، وعقود المعاملات المركبة من رؤوس الأموال وعمل العمّال‏.‏ وحوالات الديون ومقاصّتها وبيعها‏.‏ وهذا يقضي بإعمال أنظار علماء الشريعة والتدارس بينهم في مجمع يحوي طائفة من كلّ فرقة كما أمر الله تعالى‏.‏
وقد تقدّم ذكر الربا والبيوع الربوية عند تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس الآيات الخمس‏}‏ من سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 275‏]‏‏.‏
‏(‏وقوله‏:‏ واتقوا النار التي أعدت للكافرين‏}‏ تحذير وتنفير من النَّار وما يوقع فيها، بأنَّها معدودة للكافرين وإعدادها للكافرين‏.‏ عَدل من الله تعالى وحكمة لأنّ ترتّب الأشياء على أمثالها من أكبر مظاهر الحكمة، ومَن أشركوا بالله مخلوقاته، فقد استحقّوا الحرمان من رحماته، والمسلمون لا يرضَون بمشاركة الكافرين لأنّ الإسلام الحقّ يوجب كراهية ما ينشأ عن الكفر‏.‏ وذاك تعريض واضح في الوعيد على أخذ الربا‏.‏
ومقابل هذا التنفير الترغيب الآتي في قوله‏:‏ ‏{‏وجنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 133‏]‏، والتَّقوى أعلى درجات الإيمان‏.‏
وتعريف النار بهذه الصّلة يُشعر بأنَّه قد شاع بين المسلمين هذا الوصف للنَّار بما في القرآن من نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 6‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وبرزت الجحيم للغاوين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 91‏]‏ الآية‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏133- 134‏]‏
‏{‏وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏133‏)‏ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏134‏)‏‏}‏
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ‏{‏سارعوا‏}‏ دون واو عطف‏.‏
تتنزّل جملة ‏{‏سارعوا‏.‏‏.‏‏}‏ منزلة البيان، أو بدل الاشتمال، لِجملة ‏{‏وأطيعوا الله والرسول‏}‏ لأنّ طاعة الله والرّسول مسارعة إلى المغفرة والجنَّة فلذلك فُصلت‏.‏ ولكون الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنّة يؤول إلى الأمر بالأعمال الصّالحة جاز عطف الجملة على الجملة الأمر بالطّاعة، فلذلك قرأ بقية العشرة ‏{‏وسارعوا‏}‏‏.‏ بالعطف وفي هذه الآية ما ينبئنا بأنَّه يجوز الفصل والوصل في بعض الجمل باعتبارين‏.‏
والسرعة المشتقّ منها سارعوا مجاز في الحرص والمنافسة والفور إلى عمل الطاعات التي هي سبب المغفرة والجنة، ويَجوز أن تكون السرعة حقيقة، وهي سرعة الخروج إلى الجهاد عند النفير كقوله في الحديث‏:‏ «وإذا استُنْفِرْتُمْ فانفِرُوا»‏.‏
والمسارعة، على التقادير كلّها تتعلّق بأسباب المغفرة وأسباب دخول الجنة، فتعليقها بذات المغفرة والجنة من تعليق الأحكام بالذوات على إرادة أحوالها عند ظهور عدم الفائدة في التعلّق بالذات‏.‏
وجيء بصيغة المفاعلة، مجرّدة عن معنى حصول الفعل من جانبين، قصد المبالغة في طلب الإسراع، والعرب تأتي بما يدلّ في الوضع على تكرّر الفعل وهم يريدون التأكيد والمبالغة دون التكرير، ونظيره التثنية في قولهم‏:‏ لبيك وسعديك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم ارجع البصر كرتين‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 4‏]‏‏.‏
وتنكير ‏(‏مغفرة‏]‏ ووصلها بقوله‏:‏ ‏{‏من ربكم‏}‏ مع تأتّي الإضافة بأن يقال إلى مغفرة ربّكم، لقصد الدّلالة على التَّعظيم، ووصف الجنة بأنّ عرضها السماوات والارض على طريقة التشبيه البليغ، بدليل التَّصريح بحرف التَّشبيه في نظيرتها في آية سورة الحديد‏.‏ والعَرض في كلام العرب يطلق على ما يقابل الطول، وليس هو المراد هنا، ويطلق على الاتِّساع لأنّ الشيء العريض هو الواسع في العرف بخلاف الطويل غير العريض فهو ضيق، وهذا كقول العُديل‏:‏
ودونَ يدِ الحَجَّاج منْ أنْ تنالني *** بساط بأيدِي الناعِجاتتِ عرِيضُ
وذِكر السماوات والأرض جار على طريقة العرب في تمثيل شدّة الاتّساع‏.‏ وليس المراد حقيقة عرض السماوات والارض ليوافق قول الجمهور من علمائنا بأن الجنَّة مخلوقة الآن، وأنَّها في السماء، وقيل‏:‏ هو عرضها حقيقة، وهي مخلوقة الآن لكنّها أكبر من السماوات وهي فوق السماوات تحت العرش، وقد رُوي‏:‏ العرش سقف الجنة‏.‏ وأما من قال‏:‏ إن الجنّة لم تخلق الآن وستخلق يوم القيامة، وهو قول المعتزلة وبعض أهل السنّة منهم مُنذر بن سعيد البَلُّوطي الأندلسي الظاهري، فيجوز عندهم أن تكون كعرض السماوات والأرض بأن تخلق في سعة الفضاء الَّذي كان يملؤه السماوات والأرض أو في سعة فضاء أعظم من ذلك‏.‏ وأدلّة الكتاب والسنّة ظاهرة في أنّ الجنَّة مخلوقة، وفي حديث رؤيا رآها النَّبيء صلى الله عليه وسلم وهو الحديث الطويل الذي فيه قوله‏:‏ «إنّ جبريل وميكاييل قالا له‏:‏ ارفع رأسك، فرفع فإذا فوقه مثل السحاب، قالا‏:‏ هذا منزلك، قال‏:‏ فقلت‏:‏ دَعاني أدخُل منزلي، قالا‏:‏ إنَّه بقي لك عُمُر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك»‏.‏
أعقب وصف الجنَّة بذكر أهلها لأنّ ذلك ممَّا يزيد التَّنويه به، ولم يزل العقلاء يتخيّرون حسن الجوار كما قال أبو تمام‏:‏
مَنْ مُبْلِغُ أفْنَاءَ يعرُب كلّها *** أني بَنيت الجارَ قبل المنزلِ
وجملةُ ‏{‏أعدّت للمتّقين‏}‏ استئناف بياني لأنّ ذكر الجنَّة عقب ذكر النَّار الموصوفة بأنَّها أعدّت للكافرين يثير في نفوس السامعين أن يتعرّفوا مَن الذين أعدّت لهم‏:‏ فإن أريد بالمتَّقين أكمل ما يتحقّق فيه التَّقوى، فإعدادها لهم لأنَّهم أهلها فضلاً من الله تعالى الّذين لا يلجون النار أصلاً عدلاً من الله تعالى فيكون مقابلَ قوله‏:‏ ‏{‏واتقوا النار التي أُعدت للكافرين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 131‏]‏، ويكون عصاة المؤمنين غير التَّائبين قد أخذوا بحظّ من الدارين، لمشابهة حالهم حالَ الفريقين عدلاً من الله وفضلاً، وبمقدار الاقتراب من أحدهما يكون الأخذ بنصيب منه، وأريد المتّقون في الجملة فالإعداد لهم باعتبار أنَّهم مقدّرون من أهلها في العاقبة‏.‏
وقد أجرى على المتَّقين صفات ثناءٍ وتنويه، هي ليست جماع التَّقوى، ولكن اجتماعها في محلّها مؤذن بأنّ ذلك المحلّ الموصوف بها قد استكمل ما به التقوى، وتلك هي مقاومة الشحّ المُطاع، والهوَى المتَّبع‏.‏
الصفة الأولى‏:‏ الإنفاق في السَّراء والضّراء‏.‏ والإنفاق تقدّم غير مرّة وهو الصدقة وإعطاء المال والسلاح والعُدة في سبيل الله‏.‏ والسرّاء فَعْلاء، اسم لمصدر سرّه سَرّاَ وسُروراً‏.‏ والضّراء كذلك من ضَرّه، أي في حالي الاتّصاف بالفرح والحزن، وكأنّ الجمعَ بينهما هنا لأنّ السرّاء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن غيرهم، والضرّاء فيها ملهاة وقلّة مَوجدة‏.‏ فملازمة الإنفاق في هذين الحالين تَدلّ على أنّ محبَّة نفع الغير بالمال، الَّذي هو عزيز على النَّفس، قد صارت لهم خلقاً لا يحجبهم عنه حاجب ولا ينشأ ذلك إلاّ عن نفس طاهرة‏.‏
الصفة الثَّانية‏:‏ الكاظمين الغيظ‏.‏ وكظم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتَّى لا يظهر عليه، وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها، قال المبرّد‏:‏ فهو تمثيل للإمساك مع الامتلاء، ولا شكّ أن أقوى القوى تأثيراً على النَّفس القوّة الغاضبة فتشتهي إظهار آثار الغضب، فإذا استطاع إمساكَ مظاهرها، مع الامتلاء منها، دلّ ذلك على عزيمة راسخة في النَّفس، وقهرِ الإرادةِ للشهوة، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة‏.‏
الصفّة الثالثة‏:‏ العفو عن النَّاس فيما أساؤوا به إليهم‏.‏ وهي تكملة لصفة كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس لأنّ كظم الغيظ قد تعترضه ندامة فيستعدي على من غاظه بالحقّ، فلمَّا وصفوا بالعفو عمّن أساء إليهم دلّ ذلك على أنّ كظم الغيظ وصف متأصّل فيهم، مستمرّ معهم‏.‏ وإذا اجتمعت هذه الصفّات في نفسسٍ سهل ما دونها لديها‏.‏
وبجماعها يجتمع كمال الإحسان ولذلك ذيل الله تعالى ذكرها بقوله‏:‏ ‏{‏والله يحب المحسنين‏}‏ لأنه دال على تقدير أنهم بهذه الصفات محسنون والله يحبّ المحسنين‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏135‏]‏
‏{‏وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏135‏)‏‏}‏
إن كان عطفَ فريققٍ آخر، فهم غيرُ المتّقين الكاملين، بل هم فريق من المتّقين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، وإن كان عطفَ صفات، فهو تفضيل آخر لحال المتَّقين بأن ذُكر أوّلاً حال كمالهم، وذكر بعده حال تداركهم نقائصهم‏.‏
والفاحشة الفَعلة المتجاوزة الحدّ في الفساد، ولذلك جمعت في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 32‏]‏ واشتقاقها من فَحُش بمعنى قال قولاً ذميماً، كما في قول عائشة‏:‏ «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحّشاً»، أو فعلَ فعلاً ذميماً، ومنه ‏{‏قل إن الله لا يأمر بالفحشاء‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 28‏]‏‏.‏
ولا شك أنّ التَّعريف هنا تعريف الجنس، أي فعلوا الفواحش، وظلمُ النفس هو الذنوب الكبائر، وعطفها هنا على الفواحش كعطف الفواحش عليها في قوله‏:‏ ‏{‏الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 32‏]‏‏.‏ فقيل‏:‏ الفاحشة المعصية الكبيرة، وظلم النَّفس الكبيرة مطلقاً، وقيل‏:‏ الفاحشة هي الكبيرة المتعدية إلى الغير، وظلم النَّفس الكبيرة القاصرة على النَّفس، وقيل‏:‏ الفاحشة الزنا، وهذا تفسير على معنى المثال‏.‏
والذكر في قوله‏:‏ ‏{‏ذكروا الله‏}‏ ذكر القلب وهو ذِكر ما يجب لله على عبده، وما أوصاه به، وهو الَّذي يتفرّع عنه طلب المغفرة؛ وأمّا ذكر اللّسان فلا يترتّب عليه ذلك‏.‏ ومعنى ذكر الله هنا ذكر أمره ونهيه ووعده ووعيده‏.‏
والاستغفار‏:‏ طلب الغَفْر أي الستر للذنوب، وهو مجاز في عدم المؤاخذة على الذنب، ولذلك صار يعدّي إلى الذنب باللام الدالة على التَّعليل كما هنا، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستغفر لذنبك‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 55‏]‏‏.‏ ولمَّا كان طلب الصفح عن المؤاخذة بالذنب لا يصدر إلا عن ندامة، ونية إقلاع عن الذنب، وعدم العودة إليه، كان الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة، إذ كيف يطلب العفو عن الذنب من هو مستمرّ عليه، أو عازم على معاودته، ولو طلب ذلك في تلك الحالة لكان أكثر إساءة من الذنب، فلذلك عدّ الاستغفار هنا رتبة من مراتب التَّقوى‏.‏ وليس الاستغفار مجرّد قول ‏(‏أستغفر الله‏)‏ باللّسان والقائلُ ملتبس بالذنوب‏.‏ وعن رابعة العدوية أنَّها قالت‏:‏ «استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار» وفي كلامها مبالغة فإنّ الاستغفار بالقول مأمور به في الدّين لأنَّه وسيلة لتذكّر الذنب والحيلة للإقلاع عنه‏.‏
وجملة ‏{‏ومن يغفر الذنوب إلاّ الله‏}‏ معترضة بين جملة ‏{‏فاستغفروا‏}‏ وجملة ‏{‏ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا‏}‏‏.‏
والاستفهام مستعمل في معنى النَّفي، بقرينة الاستثناء منه، والمقصود تسديد مبادرتهم إلى استغفار الله عقب الذنب، والتعريض بالمشركين الَّذين اتّخذوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله، وبالنَّصارى في زعمهم أنّ عيسى رفع الخطايا عن بني آدم ببلية صَلبه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ولم يصروا‏}‏ إتمام لركْني التَّوبة لأنّ قوله‏:‏ ‏{‏فاستغفروا لذنوبهم‏}‏ يشير إلى الندم، وقوله‏:‏ ‏{‏ولم يصروا‏}‏ تصريح بنفي الإصرار، وهذان ركنا التَّوبة‏.‏
وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ النَّدم توبة ‏"‏، وأما تدارك ما فرّط فيه بسبب الذنب فإنَّما يكون مع الإمكان، وفيه تفصيل إذا تعذّر أو تعسّر، وكيف يؤخذ بأقصى ما يمكن من التدارك‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ولم يصروا على ما فعلوا‏}‏ حال من الضّمير المرفوع في «ذكروا» أي‏:‏ ذكروا الله في حال عدم الإصرار‏.‏ والإصرار‏:‏ المُقام على الذنب، ونفيُه هو معنى الإقلاع‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وهم يعلمون‏}‏ حال ثانية، وحذف مفعول يعلمون لظهوره من المقام أي يعلمون سوء فعلهم، وعظم غضب الربّ، ووجوبَ التوبة إليه، وأنَّه تفضّل بقبول التَّوبة فمحا بها الذنوب الواقعة‏.‏
وقد انتظم من قوله‏:‏ ‏{‏ذكروا الله فاستغفروا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولم يصروا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وهم يعلمون‏}‏ الأركان الثلاثة الَّتي ينتظم منها معنى التَّوبة في كلام أبي حامد الغزالي في كتاب التَّوبة من «إحياء علوم الدّين» إذ قال‏:‏ «وهي عِلْم، وحال، وفعل‏.‏ فالعلم هو معرفة ضرّ الذنوب، وكونها حجاباً بين العبد وبين ربِّه، فإذا علم ذلك بيقين ثار من هذه المعرفة تألّم للقلب بسبب فوات ما يحبّه من القرب من ربِّه، ورضاه عنه، وذلك الألم يسمّى ندماً، فإذا غلب هذا الألم على القلب انبعثت منه في القلب حالة تسمّى إرادة وقصداً إلى فعل له تعلّق بالحال والماضي والمستقبل، فتعلّقه بالحال هو ترك الذنب ‏(‏الإقلاع‏)‏، وتعلّقه بالمستقبل هو العزم على ترك الذنب في المستقبل ‏(‏نفي الإصرار‏)‏، وتعلّقه بالماضي بتلافي ما فات»‏.‏
فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذكروا الله‏}‏ إشارة إلى انفعال القلب‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ولم يصروا‏}‏ إشارة إلى الفعل وهو الإقلاع ونفي العزم على العودة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وهم يعلمون‏}‏ إشارة إلى العلم المثير للانفعال النفساني‏.‏ وقد رتّبت هاته الأركان في الآية بحسب شدّة تعلّقها بالمقصود‏:‏ لأنّ ذكر الله يحصل بعد الذنب، فيبعث على التَّوبة، ولذلك رتّب الاستغفار عليه بالفاء، وأمَّا العلم بأنَّه ذنب، فهو حاصل من قبل حصول المعصية، ولولا حصوله لما كانت الفعلة معصية‏.‏ فلذلك جيء به بعد الذكر ونفي الإصرار، على أنّ جملة الحال لا تدلّ على ترتيب حصول مضمونها بعد حصول مضمون ما جيء به قبلَها في الأخبار والصّفات‏.‏
ثُمّ إن كان الإصرار، وهو الاستمرار على الذنب، كما فُسِّر به كان نفيه بمعنى الإقلاع لأجل خَشية الله تعالى، فلم يدلّ على أنَّه عازم على عدم العود إليه، ولكنَّه بحسب الظاهر لا يرجع إلى ذنب ندِمَ على فعله، وإن أريد بالإصرار اعتقاد العود إلى الذنب فنفيه هو التَّوبة الخالصة، وهو يستلزم حصول الإقلاع معه إذ التلبّس بالذنب لا يجتمع مع العزم على عدم العود إليه، فإنَّه متلبّس به من الآن‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏136‏]‏
‏{‏أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ‏(‏136‏)‏‏}‏
استئناف للتنويه بسداد عملهم‏:‏ من الاستغفار، وقبول الله منهم‏.‏
وجيء باسم الإشارة لإفادة أنّ المشار إليهم صاروا أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة، لأجل تلك الأوصاف الَّتي استوجبوا الإشارة لأجلها‏.‏
وهذا الجزاء وهو المغفرة وعد من الله تعالى، تفضّلا منه‏:‏ بأن جعل الإقلاع عن المعاصي سبباً في غفران ما سلف منها‏.‏ وأمَّا الجنّات فإنَّما خلصت لهم لأجل المغفرة، ولو أخذوا بسالف ذنوبهم لما استحقّوا الجنَّات فالكلّ فضل منه تعالى‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ويعم أجر العالمين‏}‏ تذييل لإنشاء مدح الجزاء‏.‏ والمخصوص بالمدح محذوف تقديره هو‏.‏ والواو للعطف على جملة ‏{‏جزاؤهم مغفرة‏}‏ فهو من عطف الإنشاء على الإخبار، وهو كثير في فصيح الكلام، وسمِّي الجزاء أجراً لأنَّه كان عن وعد للعامل بما عمل‏.‏ والتَّعريف في ‏(‏العاملين‏)‏ للعهد أي‏:‏ ونعم أجر العاملين هذا الجزاء، وهذا تفضيل له والعمل المجازي عليه أي إذا كان لأصناف العاملين أجور، كما هو المتعارف، فهذا نعم الأجر لعامل‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏137‏]‏
‏{‏قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏137‏)‏‏}‏
استئناف ابتدائي‏:‏ تمهيد لإعادة الكلام على ما كان يوم أحُد، وما بينهما استطراد، كما علمت آنفاً، وهذا مقدّمة التَّسلية والبشارة الآيتين‏.‏ ابتدئت هاته المقدّمة بحقيقة تاريخية‏:‏ وهي الاعتبار بأحوال الأمم الماضية‏.‏
وجيء ب ‏(‏قد‏)‏، الدّالة على تأكيد الخبر، تنزيلاً لهم منزلة من ينكر ذلك لما ظهر عليهم من انكسار الخواطر من جراء الهزيمة الحاصلة لهم من المشركين، مع أنّهم يقاتلون لنصر دين الله، وبعد أن ذاقوا حلاوة النَّصر يوم بدر، فبيّن الله لهم أنّ الله جعل سنّة هذا العامل أن تكون الأحوال فيه سجالاً ومداولة، وذكّرهم بأحوال الأمم الماضية، فقال‏:‏ ‏{‏قد خلت من قبلكم سنن‏}‏‏.‏ والله قادر على نصرهم، ولكن الحكمة اقتضت ذلك لئلاّ يغترّ من يأتي بعدهم من المسلمين، فيحسب أنّ النَّصر حليفهم‏.‏ ومعنى خلت مضت وانقرضت‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد خلت من قبله الرسل‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 137‏]‏‏.‏
والسنن جمع سنة وهي السيرة من العمل أو الخلق الذي يلازم المرءُ صدور العمل على مثالها قال لبيد‏:‏
من معشر سنَّت لهم آباؤهم *** ولكُلّ قوم سْنَّة وإمَامُهَا
وقال خالد الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي‏:‏
فَلاَ تَجْزَعَنْ من سُنّة أنتَ سرْتها *** فأوّلُ راضضٍ سنّةً من يَسيرها
وقد تردّد اعتبار أيمّة اللّغة إيّاها جامداً غير مشتقّ، أو اسم مصْدر سَنّ، إذ لم يرد في كلام العرب السَّنُّ بمعنى وضْع السنّة، وفي «الكشاف» في قوله‏:‏ ‏{‏سنة اللَّه في الذين خلوا من قبل‏}‏ في سورة ‏[‏الأحزاب‏:‏ 38‏]‏‏:‏ سنة الله اسم موضوع موضع المصدر كقولهم تُرْباً وَجَنْدَلاً، ولعلّ مراده أنَّه اسم جامد أقيم مقام المصدر كما أقيم تُربا وجندلاً مُقام تَبَّاً وسُحْقاً في النصب على المفعولية المطلقة، الَّتي هي من شأن المصادر، وأنّ المعنى تراب له وجندل له أي حُصِب بتراب ورُجم بجندل‏.‏ ويظهر أنَّه مختار صاحب القاموس‏}‏ لأنَّه لم يذكر في مادّة سَنّ ما يقتضي أنّ السنّة اسم مصدر، ولا أتى بها عقب فعل سَنّ، ولا ذكر مصدراً لفعل سنّ‏.‏ وعلى هذا يكون فعل سنّ هو المشتقّ من السنّة اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة، وهو اشتقاق نادر‏.‏ والجاري بكثرة على ألسنة المفسّرين والمعربين‏:‏ أنّ السنّة اسم مصدر سَنّ ولم يذكروا لِفعل سَنّ مصدراً قياسياً‏.‏ وفي القرآن إطلاق السنّة على هذا المعنى كثيراً‏:‏ ‏{‏فلن تجد لسنة اللَّه تبديلاً‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 43‏]‏ وفسّروا السنن هنا بسنن الله في الأمم الماضية‏.‏
والمعنى‏:‏ قد مضت من قبلكم أحوال للأمم، جارية على طريقة واحدة، هى عادة الله في الخلق، وهي أنّ قوّة الظالمين وعتّوهم على الضعفاء أمر زائل، والعاقبة للمتّقين المحقّين، ولذلك قال‏:‏ ‏{‏فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين‏}‏ أي المكذّبين بِرسل ربّهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه تحقّق ما بلغ من أخبارهم، أو السؤال عن أسباب هلاكهم، وكيف كانوا أولي قوة، وكيف طغوا على المستضعفين، فاستأصلهم الله أو لتطمئنّ نفوس المؤمنين بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدةَ عيان، فإنّ للعيان بديع معنى لأنّ بَلَغتهم أخبار المكذّبين، ومن المكذّبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرسّ، وكلّهم في بلاد العرب يستطيعون مشاهدة آثارهم، وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم‏.‏
وفي الآية دلالة على أهميِّة علم التَّاريخ لأنّ فيه فائدة السير في الأرض، وهي معرفة أخبار الأوائل، وأسباب صلاح الأمم وفسادها‏.‏ قال ابن عرفة‏:‏ «السير في الأرض حسّي ومعنوي، والمعنوي هو النظر في كتب التَّاريخ بحيث يحصل للنَّاظر العلم بأحوال الأمم، وما يقرب من العلم، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الأرض لِعجز الإنسان وقصوره»‏.‏
وإنَّما أمر الله بالسير في الأرض دون مطالعة الكتب لأنّ في المخاطبين مَن كانوا أمِّيين، ولأنّ المشاهدة تفيد من لم يقرأ علماً وتقوّي عِلْم من قرأ التَّاريخ أو قصّ عليه‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏138‏]‏
‏{‏هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏138‏)‏‏}‏
تذييل يعمّ المخاطبين الحاضرين ومن يجيء بعدهم من الأجيال، والإشارة إمَّا إلى ما تقدّم بتأويل المذكور، وإمَّا إلى حاضر في الذهن عند تلاوة الآية وهو القُرآن‏.‏
والبيانُ‏:‏ الإيضاح وكشف الحقائق الواقعة‏.‏ والهدى‏:‏ الإرشاد إلى ما فيه خير النَّاس في الحال والاستقبال‏.‏ والموعظة‏:‏ التحذير والتخويف‏.‏ فإن جعلت الإشارة إلى مضمون قوله‏:‏ ‏{‏قد خلت من قبلكم سنن‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 137‏]‏ الآية فإنَّها بيان لما غفلوا عنه من عدم التَّلازم بين النَّصر وحسن العاقبة، ولا بين الهزيمة وسوء العاقبة، وهي هدى لهم لينتزعوا المسببات من أسبابها، فإن سبب النجاح حقاً هو الصلاح والاستقامة، وهي موعظة لهم ليحذروا الفساد ولا يغترّوا كما اغترّت عاد إذ قالوا‏:‏ «مَنْ أشَدّ مِنَّا قوّة»‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏139‏]‏
‏{‏وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏139‏)‏‏}‏
قوله‏:‏ ‏{‏ولا تهنوا ولا تحزنوا‏}‏ نهي للمسلمين عن أسباب الفشل‏.‏ والوهن‏:‏ الضعف، وأصله ضعف الذات‏:‏ كالجسم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ربِّ إنِّي وهَن العظم منِّي‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 4‏]‏، والحبْل في قول زهير‏:‏
فأصبح الحَبْل منها خَلَقا ***
وهو هنا مجاز في خور العزيمة وضعف الإرادة وانقلاب الرجاء يأساً، والشَّجاعة جبناً، واليقين شكّاً، ولذلك نهوا عنه‏.‏ وأمَّا الحزن فهو شدّة الأسف البالغة حدّ الكآبة والانكسار‏.‏ والوهنُ والحزن حالتان للنفس تنشآن عن اعتقاد الخيبة والرزء فيترتّب عليهما الاستسلام وترك المقاومة‏.‏ فالنهي عن الوهن والحزن في الحقيقة نهي عن سببهما وهو الاعتقاد، كما يُنهى عن النسيان، وكما يُنهى أحد عن فعل غيره في نحو لا أرَيَنّ فلاناً في موضع كذا أي لا تَتْركْه يحلّ فيه، ولذلك قدّم على هذا النَّهي قوله‏:‏ ‏{‏قد خلت من قبلكم سنن‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 137‏]‏ إلخ‏.‏‏.‏‏.‏ وعقب بقوله‏:‏ ‏{‏وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين‏}‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين‏}‏، الواو للعطف وهذه بشارة لهم بالنَّصر المستقبل، فالعلوّ هنا علوّ مجازيّ وهو علوّ المنزلة‏.‏
والتَّعليق بالشرط في قوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم مؤمنين‏}‏ قصد به تهييج غيرتهم على الإيمان إذ قد علِم الله أنَّهم مؤمنون ولكنَّهم لمّا لاح عليهم الوهن والحزن من الغلبة، كانوا بمنزلة من ضعف يقينه فقيل لهم‏:‏ إن علمتم من أنفسكم الإيمان، وجيء بإن الشرطية الَّتي من شأنها عدم تحقيق شرطها، إتماماً لِهذا المقصد‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏140- 141‏]‏
‏{‏إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ‏(‏140‏)‏ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ‏(‏141‏)‏‏}‏
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الايام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس‏}‏‏.‏
تسلية عمَّا أصاب المسلمين يوم أُحُد من الهزيمة بأن ذلك غير عجيب في الحرب، إذ لا يخلو جيش من أن يغلب في بعض مواقع الحرب، وقد سبق أنّ العدوّ غُلب‏.‏ والمسّ هنا الإصابة كقوله في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 214‏]‏ ‏{‏مستهم البأساء والضراء‏}‏ والقَرح بفتح القاف في لغة قريش الجرح، وبضمِّها في لغة غيرهم، وقرأه الجمهور‏:‏ بفتح القاف، وقرأه حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف‏:‏ بضمّ القاف، وهو هنا مستعمل في غير حقيقته، بل هو استعارة للهزيمة الَّتي أصابتهم، فإنّ الهزيمة تشبّه بالثلمة وبالانكسار، فشبّهت هنا بالقرح حين يصيب الجسد، ولا يصحّ أن يراد به الحقيقة لأنّ الجراح الَّتي تصيب الجيش لا يعبأ بها إذا كان معها النصر، فلا شكّ أنّ التسلية وقعت عمّا أصابهم من الهزيمة‏.‏
والقوم هم مشركو مكة ومن معهم‏.‏
والمعنى إن هُزِمتم يوم أُحُد فقد هزم المشركون يوم بدر وكنتم كفافاً‏.‏ ولذلك أعقبه بقوله‏:‏ وتلك الأيام نداولها بين الناس‏}‏‏.‏ والتَّعبير عمَّا أصاب المسلمين بصيغة المضارع في ‏{‏يمسسكم‏}‏ لقُربه من زمن الحال، وعمّا أصاب المشركين بصيغة الماضِي لبعده لأنَّه حصل يوم بدر‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏فقد مس القوم قرح‏}‏ ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنّه دليل عليه أغنى عنه على طريقة الإيجاز، والمعنى‏:‏ إن يمسكم قرح فلا تحْزنوا أو فلا تهنوا وهَناً بالشكّ في وعد الله بنصر دينه إذ قد مسّ القومَ قرح مثله فلم تكونوا مهزومين ولكنّكم كنتم كفافاً، وذلك بالنِّسبة لقلّة المؤمنين نصر مبين‏.‏ وهذه المقابلة بما أصاب العدوّ يوم بدر تعيِّن أن يكون الكلام تسلية وليس إعلاماً بالعقوبة كما قاله جمع من المفسّرين‏.‏ وقد سأل هرقل أبا سفيان‏:‏ كيف كان قتالكم له قال «الحرب بيننا سِجَال يَنَالُ مِنَّا وننال منه، فقال هرقل‏:‏ وكذلك الرسل تبتلَى وتكون لهم العاقبة»‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وتلك الأيام نداولها بين الناس‏}‏ الواو اعتراضية، والإشارة بتلك إلى ما سيُذكر بعدُ، فالإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن لقصد الاهتمام بالخبر وهذا الخبر مكنّى به عن تعليل للجواب المحذوف المدلول عليه بجملة‏:‏ ‏{‏فقد مس القوم قرح مثله‏}‏‏.‏
و ‏{‏الأيَّام‏}‏ يجوز أن تكون جمع يوم مراد به يوم الحرب، كقولهم‏:‏ يوم بدر ويوم بُعاث ويوم الشَّعْثَمَيْن، ومنه أيّام العرب، ويجوز أن يكون أطلق على الزّمان كقول طرفة‏:‏
وما تَنْقُصصِ الأيَّامُ والدهرُ يَنْفَدِ ***
أي الأزمان‏.‏
والمداولة تصريفها غريب إذ هي مصدر دَاول فلان فلاناً الشيء إذا جعله عنده دُولة ودوُلة عند الآخر أي يَدُولُه كُلٌّ منهما أي يلزمه حتَّى يشتهر به، ومنه دال يَدُول دَوْلاً اشتهر، لأنّ الملازمة تقتضِي الشهرة بالشيء، فالتداول في الأصل تفاعل من دال، ويكون ذلك في الأشياء والكلام، يقال‏:‏ كلام مُدَاوَل، ثُمّ استعملوا داولت الشيء مجازاً، إذا جعلت غيرك يتداولونه، وقرينة هذا الاستعمال أن تقول‏:‏ بينهم‏.‏
فالفاعل في هذا الإطلاق لا حظّ له من الفعل، ولكن له الحظّ في الجعل، وقريب منه قولهم‏:‏ اضطررته إلى كذا، أي جعلته مضطرّاً مع أنّ أصل اضطرّ أنَّه مطاوع ضَرّه‏.‏
و ‏{‏النَّاس‏}‏ البشر كلهم لأنّ هذا من السنن الكونية، فلا يختصّ بالقوم المتحدّث عنهم‏.‏
‏{‏وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين‏}‏ ‏{‏وَلِيُمَحِّصَ الله الذين ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الكافرين‏}‏‏.‏
عطف على جملة ‏{‏وتلك الأيام نداولها بين الناس‏}‏، فمضمون هذه علّة ثانية لجواب الشرط المحذوف المدلول عليه بقوله‏:‏ ‏{‏فقد مس القوم قرح مثله‏}‏ وعلم الله بأنّهم مؤمنون متحقق من قبل أن يمسهم القرح‏.‏
فإن كان المراد من ‏{‏الَّذين آمنوا‏}‏ هنا معنى الَّذين آمنوا إيماناً راسخاً كاملاً فقد صار المعنى‏:‏ أنّ علم الله برسوخ إيمانهم يحصل بعد مَسِّ القرح إيّاهم، وهو معنى غير مستقيم، فلذلك اختلف المفسّرون في المراد من هذا التَّعليل على اختلاف مذاهبهم في صفة العِلم، وقد تقرّر في أصول الدّين أن الفلاسفة قالوا‏:‏ إنّ الله عالم بالكلّيات بأسرها، أي حقائق الأشياء على ما هي عليه، علماً كالعِلم المبحوث عنه في الفلسفة لأنّ ذلك العلم صفة كمال، وأنَّه يعلم الجزئيات من الجواهر والأعراض علماً بوجه كلّي‏.‏ ومعنى ذلك أنَّه يعلمها من حيث إنَّها غير متعلّقة بزمان، مِثالُه‏:‏ أن يعلم أنّ القمر جسم يوجد في وقت تكوينه، وأنّ صفته تكون كذا وكذا، وأنّ عوارضه النورانية المكتسبة من الشَّمس والخسوف والسَّير في أمد كذا‏.‏ أمَّا حصوله في زمانه عندما يقع تكوينه، وكذلك حصول عوارضه، فغير معلوم لله تعالى، قالوا‏:‏ لأنّ الله لو علم الجزئيات عند حصولها في أزمنتها للزم تغيّر علمه فيقتضي ذلك تغيّر القديم، أو لزم جهل العالِم، مثاله‏:‏ أنَّه إذا علم أنّ القمر سيخسف ساعة كذا علماً أزلياً، فإذا خسف بالفعل فلا يخلو إمّا أن يزول ذلك العلم فيلزم تغيّر العلم السابق فيلزم من ذلك تغيّر الذات الموصوفةِ به من صفة إلى صفة، وهذا يستلزم الحدوث إذ حدوث الصّفة يستلزم حدوث الموصوف، وإمّا أن لا يزول العلم الأول فينقلب العلمُ جهلاً، لأنّ الله إنَّما علم أنّ القمر سيخسف في المستقبل والقمر الآن قد خسف بالفعل‏.‏ ولأجل هذا قالوا‏:‏ إنّ علم الله تعالى غير زماني‏.‏ وقال المسلمون كلّهم‏:‏ إنّ الله يعلم الكلّيات والجزئيات قبل حصولها، وعند حصولها‏.‏ وأجابوا عن شبهة الفلاسفة بأن العلم صفة من قبيل الإضافة أي نسبة بين العالِم والمعلوم، والإضافات اعتباريات، والاعتباريات عدميات، أو هو من قبيل الصّفة ذات الإضافة‏:‏ أي صفة وجودية لها تعلّق، أي نسبة بينها وبين معلومها‏.‏
فإن كان العلم إضافة فتغيّرها لا يستلزم تغيّر موصوفها وهو العالم، ونظَّروا ذلك بالقديم يوصف بأنَّه قبل الحادث ومعه وبعده، من غير تغيّر في ذات القديم، وإن كان العلم صفة ذات إضافة أي ذات تعلّق، فالتغيّر يعتري تعلّقها ولا تتغيّر الصّفة فضلاً عن تغيّر الموصوف، فعلمُ اللَّهِ بأن القمر سيخسف، وعلمُه بأنَّه خاسف الآن، وعلمُه بأنَّه كان خاسفاً بالأمس، علم واحد لا يتغيّر موصوفة، وإن تغيّرت الصّفة، أو تغيّر متعلّقها على الوجهين، إلاّ أن سلف أهل السنّة والمعتزلة أبوا التَّصريح بتغيّر التعلُّق ولذلك لم يقع في كلامهم ذكر تعلقين للعلم الإلهي أحدهما قديم والآخر حادث، كما ذكروا ذلك في الإرادة والقدرة، نظراً لكون صفة العلم لا تتجاوز غيرَ ذات العالم تجاوزاً محسوساً‏.‏ فلذلك قال سلفهم‏:‏ إنّ الله يعلم في الأزل أنّ القمر سيخسف في سنتنا هذه في بلد كذا ساعة كذا، فعند خسوف القمر كذلك عَلِم اللَّه أنَّه خسف بذلك العلم الأوّل لأنّ ذلك العلم مجموع من كون الفعل لم يحصل في الأزل، ومن كونه يحصل في وقته فيما لا يزال، قالوا‏:‏ ولا يقاس ذلك على علمنا حين نعلم أنّ القمر سيخسف بمقتضى الحساب ثمّ عند خسوفه نعلم أنَّه تحقّق خسوفه بعلم جديد، لأنّ احتياجنا لعلم متجدّد إنَّما هو لطريان الغفلة عن الأول‏.‏ وقال بعض المعتزلة مثل جَهْم بن صَفْوَان وهِشام بن الحَكم‏:‏ إنّ الله عالم في الأزل بالكلّيات والحقائق، وأمَّا علمه بالجزئيات والأشخاص والأحوال فحاصل بعد حدوثها لأنّ هذا العلم من التصديقات، ويلزمه عَدم سبق العلم‏.‏
وقال أبو الحُسين البصري من المعتزلة، رادّاً على السلف‏:‏ لا يجوز أن يكون علم الله بأنّ القمر سيخسف عين علمه بعد ذلك بأنَّه خسف لأمور ثلاثة‏:‏ الأوّل التغايُر بينهما في الحقيقة لأنّ حقيقة كونه سيقع غيرُ حقيقة كونه وقع، فالعلمُ بأحدهما يغاير العلم بالآخر، لأنّ اختلاف المتعلّقين يستدعي اختلاف العالم بهما‏.‏ الثَّاني التغاير بينهما في الشرط فإنّ شرط العلم بكون الشيء سيقع هو عدم الوقوع، وشرط العلم بكونه وقَع الوقوعُ، فلو كان العلمان شيئاً واحداً لم يختلف شرطاهُما‏.‏ الثَّالث أنّه يمكن العلم بأنَّه وقع الجهل بأنَّه سيقع وبالعكس وغير المعلوم غير المعلوم ‏(‏هكذا عبّر أبو الحسين أي الأمر الغير المعلوم مغاير للمعلوم‏)‏ ولذلك قال أبو الحسين بالتزام وقوع التَّغير في علم الله تعالى بالمتغيِّرات، وأنّ ذاته تعالى تقتضي اتّصافه بكونه عالماً بالمعلومات الَّتي ستقع، بشرط وقوعها، فيحدث العلم بأنَّها وجدت عند وجودها، ويزول عند زوالها، ويحصل علم آخر، وهذا عين مذهب جهم وهشام‏.‏ ورُدّ عليه بأنَّه يلزم أن لا يكون الله تعالى في الأزل عالماً بأحوال الحوادث، وهذا تجهيل‏.‏ وأجاب عنه عبد الحكيم في «حاشية المواقف» بأنّ أبا الحسين ذهب إلى أنَّه تعالى يعلم في الأزل أنّ الحادث سيقع على الوصف الفلاني، فلا جهل فيه، وأنّ عدم شهوده تعالى للحوادث قبل حدوثها ليس بجهل، إذ هي معدومة في الواقع، بل لو علمها تعالى شهودياً حينَ عدمها لكان ذلك العلم هو الجهل، لأنّ شهود المعدوم مخالف للواقع، فالعلم المتغيّر الحادث هو العلم الشهودي‏.‏
فالحاصل أنّ ثمة علمين‏:‏ أحدهما قديم وهو العلم المشروط بالشروط، والآخر حادث وهو المعلوم الحاصلة عند حصول الشروط وليست بصفة مستقلّة، وإنَّما هي تعلّقات وإضافات، ولذلك جرى في كلام المتأخّرين، من علمائنا وعلماء المعتزلة، إطلاق إثباتتِ تعلّققٍ حادثثٍ لعلم الله تعالى بالحوادث‏.‏ وقد ذكر ذلك الشَّيخ عبد الحكيم في «الرسالة الخاقانية» الَّتي جعلها لِتحقيق علم الله تعالى غير منسوب لقائل، بل عبّر عنه بقيل، وقد رأيت التفتزاني جرى على ذلك في «حاشية الكشّاف» في هذه الآية فلعل الشَّيخ عبد الحكيم نسي أن ينسبه‏.‏
وتأويل الآية على اختلاف المذاهب‏:‏ فأمَّا الّذين أبو إطلاق الحدوث على تعلّق العلم فقالوا في قوله‏:‏ ‏{‏وليعلم الله الذين آمنوا‏}‏ أطلق العلم على لازمه وهو ثبوت المعلوم أي تميّزه على طريقة الكناية لأنَّها كإثبات الشيء بالبرهان، وهذا كقول إياس بن قبيصة الطائي‏:‏
وأقبلت والخطيّ يخطِر بينا *** لأَعْلَمَ مَن جَبَانَها مِنْ شجاعها
أي ليظهر الجبان والشُّجاع فأطلق العلم وأريد ملزومه‏.‏
ومنهم من جعل قوله‏:‏ ‏{‏وليعلم الله‏}‏ تمثيلاً أي فعل ذلك فِعْلَ من يريد أن يعلم وإليه مال في «الكشاف»، ومنهم من قال‏:‏ العلّة هي تعلّق علم الله بالحادث وهو تعلّق حادث، أي ليعلم الله الَّذين آمنوا موجودين‏.‏ قاله البيضاوي والتفتزاني في «حاشية الكشّاف»‏.‏ وإن كان المراد من قوله‏:‏ ‏{‏الذين آمنوا‏}‏ ظاهرَهُ أي ليعلم من اتَّصف بالإيمان، تعيّن التأويل في هذه الآية لاَ لأجل لزوم حدوث علم الله تعالى، بل لأنّ علم الله بالمؤمنين من أهل أُحُد حاصل من قبللِ أن يمسّهم القرح، فقال الزجاج‏:‏ أراد العِلمَ الَّذي يترتّب عليه الجزاء وهو ثباتهم على الإيمان، وعدم تزلزلهم في حال الشدّة، وأشار التفتزاني إلى أنّ تأويل صاحب «الكشاف» ذلك بأنَّه وارد مورد التمثيل، ناظر إلى كون العلم بالمؤمنين حاصلاً من قبل، لا لأجل التحرّز عن لزوم حدوث العلم‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ويتخذ منكم شهداء‏}‏ عطف على العلّة السابقة‏.‏ وجعل القتل في ذلك اليوم الَّذي هو سبب اتِّخاذ القتلى شهداء علَّة من علل الهزيمة، لأنّ كثرة القتلى هي الَّتي أوقعت الهزيمة‏.‏
والشهداء هم الَّذين قُتلوا يوم أُحُد، وعبّر عن تقدير الشهادة لهم بالاتّخاذ لأنّ الشهادة فضيلة من الله، واقتراب من رضوانه، ولذلك قوبل بقوله‏:‏ ‏{‏والله لا يحب الظالمين‏}‏ أي الكافرين فهو في جانب الكفّار، أي فقتلاكم في الجنَّة، وقتلاهم في النَّار، فهو كقوله‏:‏ ‏{‏قل هل تربّصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 52‏]‏‏.‏
والتَّمحيص‏:‏ التنقية والتخليص من العيوب‏.‏
والمحق‏:‏ الإهلاك‏.‏ وقد جعل الله تعالى مسّ القرح المؤمنين والكفار فاعلاً فِعلاً واحداً‏:‏ هو فضيلة في جانب المؤمنين، ورزّية في جانب الكافرين، فجعله للمؤمنين تمحيصاً وزيادة في تزكية أنفسهم، واعتباراً بمواعظ الله تعالى، وجعله للكافرين هلاكاً، لأنّ ما أصابهم في بدر تناسوه، وما انتصروه في أحُد يزيدهم ثقة بأنفسهم فيتواكلون؛ يظنون المسلمين قد ذهب بأسهم، على أنّ المؤمنين في ازدياد، فلا ينقصهم من قُتل منهم، والكفّار في تناقض فمن ذهب منهم نفد‏.‏ وكذلك شأن المواعظ والنذر والعبر قد تكسب بعض النُّفوس كمالاً وبَعْضها نقصاً قال أبو الطيب‏:‏
فحُبّ الجبان العيش أورده التُّقى *** وحبّ الشجاع العيش أورده الحربا
ويختلف القصدَان والفعل واحد *** إلى أن نَرى إحسانَ هذا لنا ذنبا
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 124، 125‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 82‏]‏ وهذا من بديع تقدير الله تعالى‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏142‏]‏
‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ‏(‏142‏)‏‏}‏
‏{‏أم‏}‏ هنا منقطعة، هي بمعنى ‏(‏بل‏)‏ الانتقالية، لأنّ هذا الكلام انتقال من غرض إلى آخر، وهي إذا استعملت منقطعة تؤذن بأنّ ما بعدها استفهام، لملازمتها للاستفهام، حتَّى قال الزمخشري والمحقّقون‏:‏ إنَّها لا تفارق الدلالة على الاستفهام بعدها، وقال غيره‏:‏ ذلك هو الغالب وقد تفارقه، واستشهدوا على مفارقتها للاستفهام بشواهد تقبل التَّأويل‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏أم حسبتم‏}‏ عطف على جملة ‏{‏ولا تهنوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 139‏]‏ وذلك أنَّهم لمّا مسّهم القرح فحزنوا واعتراهم الوهن حيث لم يشاهدوا مثل النَّصر الَّذي شاهدوه يوم بدر، بيّن الله أنّ لا وجه للوهن للعلل الَّتي تقدّمت، ثُمّ بيّن لهم هنا‏:‏ أن دخول الجنَّة الَّذي هو مرغوبهم لا يحصل إذا لم يبذلوا نفوسهم في نصر الدّين فإذا حسبوا دخول الجنَّة يحصل دون ذلك، فقد أخطأوا‏.‏
والاستفهام المقدّر بعد ‏(‏أم‏)‏ مستعمل في التَّغليط والنَّهي، ولذلك جاء ب ‏(‏أم‏)‏ للدلالة على التغليط‏:‏ أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنَّة دون أن تجاهدوا وتصبروا على عواقب الجهاد‏.‏
ومن المفسّرين من قدّر لِ ‏(‏أمْ‏)‏ هنا معادِلاً محذوفاً، وجعلها متَّصلة، فنقل الفخر عن أبي مسلم الأصفهاني أنَّه قال‏:‏ عادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً لأنَّه لمّا قال‏:‏ ‏{‏ولا تهنوا ولا تحزنوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 139‏]‏ كأنَّه قال‏:‏ أفتعلمون أنّ ذلك كما تؤمرون أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة‏.‏
وجملة ‏{‏ولما يعلم الله‏}‏ إلخ في موضع الحال، وهي مصبّ الإنكار، أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنَّة حين لا يعلم الله الَّذين جاهدوا‏.‏
و ‏(‏لَمَّا‏)‏ حرف نفي أختُ ‏(‏لم‏)‏ إلاّ أنَّها أشدّ نفياً من ‏(‏لم‏)‏، لأنّ ‏(‏لم‏)‏ لِنفي قول القائل فَعَل فلان، و‏(‏لمّا‏)‏ لنفي قوله قد فعل فلان‏.‏ قاله سيبويه، كما قال‏:‏ إنّ ‏(‏لا‏)‏ لنفي يفعل و‏(‏لن‏)‏ لنفي سيفعل و‏(‏ما‏)‏ لنفي لقد فعل و‏(‏لا‏)‏ لنفي هو يفعل‏.‏ فتدلّ ‏(‏لَمَّا‏)‏ على اتِّصال النَّفي بها إلى زمن التكلّم، بخلاف ‏(‏لم‏)‏، ومن هذه الدلالة استفيدت دلالة أخرى وهي أنّها تؤذن بأنّ المنفي بها مترقّب الثبوت فيما يستقبل، لأنَّها قائمة مقام قولك استمرّ النَّفي إلى الآن، وإلى هذا ذهب الزمخشري هنا فقال‏:‏ و‏(‏لمّا‏)‏ بمعنى ‏(‏لم‏)‏ إلاّ أنّ فيها ضرباً من التوقُّع وقال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولما يدخل الإيمان في قلوبكم‏}‏ سورة ‏[‏الحجرَات‏:‏ 14‏]‏‏:‏ فيه دلالة على أنّ الأَعراب آمنوا فيما بعد‏.‏
والقول في علم الله تقدّم آنفاً في الآية قبل هذه‏.‏
وأريد بحالة نفي علم الله بالَّذين جاهدوا والصَّابرين الكناية عن حالة نفي الجهاد والصّبر عنهم، لأنّ الله إذا علم شيئاً فذلك المعلوم محقّق الوقوع فكما كنّى بعلم الله عن التّحقق في قوله‏:‏ ‏{‏وليعلم الله الذين آمنوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 140‏]‏ كنّى بنفي العلم عن نفي الوقوع‏.‏ وشرط الكناية هنا متوفّر وهو جواز إرادة المعنى الملزوم مع المعنى اللازم لِجواز إرادة انتفاء علم الله بجهادهم مع إرادة انتفاء جهادهم‏.‏
ولا يرد ما أورده التفتزاني، وأجاب عنه بأنّ الكناية في النفي بنيت على الكناية في الإثبات، وهو تكلّف، إذ شأن التراكيب استقلالها في مفادها ولوازمها‏.‏
وعقّب هذا النفي بقوله‏:‏ ‏{‏ويعلم الصابرين‏}‏ معطوفاً بواو المعية فهو في معنى المفعول معه، لتنتظم القيود بعضها مع بعض، فيصير المعنى‏:‏ أتحسبون أن تدخلوا الجنَّة في حال انتفاء علم الله بجهادكم مع انتفاء علمه بصبركم، أي أحسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يجتمع العلمان‏.‏ والجهاد يستدعي الصّبر، لأنّ الصّبر هو سبب النَّجاح في الجهاد، وجالب الانتصار، وقد سئل عليّ عن الشَّجاعة، فقال‏:‏ صبر ساعة‏.‏ وقال زفر بن الحارث الكلابي، يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم
*** سَقَيْنَاهُمُ كأْساً سَقَوْنا بمثلها
ولكنَّهم كانُوا على الموْتتِ أصبرا *** وقد تسبّب في هزيمة المسلمين يومَ أُحُد ضعفُ صبر الرماة، وخفّتهم إلى الغنيمة، وفي الجهاد يُتطلّب صبر المغلوب على الغلب حتَّى لا يهن ولا يستسلم‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏143‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ‏(‏143‏)‏‏}‏
كلام ألقي إليهم بإجمال بالغ غاية الإيجاز، ليكون جامعاً بين الموعظة، والمعذرة، والملام، والواو عاطفة أو حالية‏.‏
والخطاب للأحياء، لا محالة، الَّذين لم يذوقوا الموت، ولم ينالوا الشهادة، والَّذين كان حظّهم في ذلك اليوم هو الهزيمة، فقوله‏:‏ ‏{‏كنتم تمنّون الموت‏}‏ أريد به تمنّي لقاء العدوّ يوم أُحُد، وعدم رضاهم بأن يتحصّنوا بالمدينة، ويقفوا موقف الدّفاع، كما أشار به الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنّهم أظهروا الشجاعة وحبّ اللِّقاء، ولو كان فيه الموت، نظراً لقوة العدوّ وكثرته، فالتمنّي هو تمنّي اللِّقاء ونصر الدّين بأقصى جهدهم، ولمَّا كان ذلك يقتضي عدم اكتراث كُلّ واحد منهم بتلف نفسه في الدّفاع، رجاء أن يكون قبل هلاكه قد أبلى في العدوّ، وهيّأ النَّصر لمن بقي بعده، جعل تمنّيهم اللِّقاء كأنَّه تمنّي الموت من أوّل الأمر، تنزيلاً لِغاية التمنّي منزلة مبدئه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏من قبل أن تلقوه‏}‏ تعريض بأنَّهم تمنّوا أمراً مع الإغضاء عن شدّته عليهم، فتمنّيهم إيّاه كتمنّي شيء قد جهلوا ما فيه من المصائب‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فقد رأيتموه‏}‏ أي رأيتم الموت، ومعنى رؤيته مشاهدة أسبابه المحقّقة، الَّتي رؤيتها كمشاهدة الموت، فيجوز أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏فقد رأيتموه‏}‏ تمثيلاً، ويجوز أن تطلق الرؤية على شدّة التوقّع، كإطلاق الشمّ على ذلك في قول الحارث بن هشام المخزومي‏:‏
وشممتُ ريح الموت من تلقائهم *** في مأزق والخيل لم تتبدّد
وكإطلاقه في قول ابن معد يكرب يوم القادسية‏:‏ فضمّني ضمّة وَجَدْت منها ريحَ الموت‏.‏
والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فقد رأيتموه‏}‏ فاء الفصيحة عن قوله‏:‏ ‏{‏كنتم تمنون‏}‏ والتقدير‏:‏ وأجبتم إلى ما تمنّيتم فقد رأيتموه، أو التقدير‏:‏ فإن كان تمنّيكم حقّاً فقد رأيتموه، والمعنى‏:‏ فأين بلاء من يتمنّى الموت، كقول عباس بن الأحنف‏:‏
قالُوا خُراسانُ أقصى ما يُراد بنا *** ثُمّ القُفول فقدْ جِئْنا خُراسانا
ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقد كذّبوكم بما تقولون‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 19‏]‏ وقوله في سورة الروم ‏(‏56‏)‏‏:‏ ‏{‏فهذا يوم البعث‏}‏
‏{‏وجملة وأنتم تنظرون‏}‏ حال مؤكّدة لمعنى ‏{‏رأيتُموه‏}‏، أو هو تفريع أي‏:‏ رأيتم الموت وكان حظّكم من ذلك النظر، دون الغَناء في وقت الخطر، فأنتم مبهوتون‏.‏ ومحلّ الموعظة من الآية‏:‏ أنّ المرء لا يطلب أمراً حَتَّى يفكِّر في عواقبه، ويسبر مقدار تحمّله لمصائبه‏.‏ ومحلّ المعذرة في قوله‏:‏ ‏{‏من قبل أن تلقوه‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فقد رأيتموه‏}‏ ومحلّ الملام في قوله‏:‏ ‏{‏وأنتم تنظرون‏}‏‏.‏
ويحتمل أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏تمنون الموت‏}‏ بمعنى تتمنَّوْن موت الشهادة في سبيل الله فقد رأيتم مشارفة الموت إياكم، وأنتم تنظرون من مات من إخوانكم، أي فكيف وجدتم أنفسكم حين رأيتم الموت، وكأنَّه تعريض بهم بأنَّهم ليسوا بمقام من يتمنّى الشهادة‏.‏ إذ قد جبنوا وقت الحاجة، وخفّوا إلى الغنيمة، فالكلام ملام محض على هذا، وليس تمنّي الشهادة بملوم عليه، ولكن اللَّوم على تمنّي ما لا يستطيع كما قيل‏:‏ ‏(‏إذا لم تستطع شيئاً فدعه‏)‏‏.‏
كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ولوددت أنّي أقتل في سبيل الله، ثُمّ أُحيا ثُمّ أقتل ثمّ أحيا، ثمّ أقْتل ‏"‏ وقال عمر‏:‏ «اللَّهم إنّي أسألك شهادة في سبيلك» وقال ابن رواحة‏:‏
لكنّني أسأل الرّحمانَ مغفرة *** وضربةً ذات فرغ تقذِف الزبدا
حتَّى يقولوا إذا مَرّوا على جَدثي *** أرشدَك الله من غازٍ وقد رشدا
وعلى هذا الاحتمال فالضّمير راجع إلى الموت، بمعنى أسبابه، تنزيلاً لرؤية أسبابه منزلة رؤيته، وهو كالاستخدام، وعندي أنَّه أقرب من الاستخدام لأنَّه عاد إلى أسباب الموت باعتبار تنزيلها منزلة الموت‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏144‏]‏
‏{‏وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ‏(‏144‏)‏‏}‏
عطف الإنكار على الملام المتقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم حسبتم أن تدخلوا الجنة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 142‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 143‏]‏ وكُلّ هاته الجمل ترجع إلى العتاب والتقريع على أحوال كثيرة، كانت سبب الهزيمة يوم أُحُد، فيأخذ كُلّ من حضر الوقعة من هذا الملام بنصِيبه المناسب لما يعلمه من حاله ظاهراً كان أم باطناً‏.‏
والآية تشير إلى ما كان من المسلمين من الاضطراب حين أرجَف بموت الرّسول صلى الله عليه وسلم فقال المنافقون‏:‏ لو كان نبيّاً ما قتل، فارجعوا إلى دينكم القديم وإخوانكم من أهل مكَّة ونكلّم عبد الله بن أبَي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، فهمّوا بترك القتال والانضمام للمشركين، وثبت فريق من المسلمين، منهم‏:‏ أنس بن النضر الأنصاري، فقال‏:‏ إن كان قُتل محمد فإنّ ربّ محمد حيّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعده، فقاتلوا على ما قاتل عليه‏.‏
ومحمد اسم رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم سمَّاه به جدّه عبد المطلب وقيل له‏:‏ لِمَ سَمّيتَه محمّداً وليس من أسماء آبائك‏؟‏ فقال‏:‏ رجوت أن يحمده النَّاس‏.‏ وقد قيل‏:‏ لم يسمّ أحد من العرب محمداً قبل رسول الله‏.‏ ذكر السهيلي في «الروض» أنّه لم يُسمّ به من العرب قبل ولادة رسول الله إلاّ ثلاثة‏:‏ محمد بن سفيان بن مجاشع، جدّ جدّ الفرزدق، ومحمد بن أحَيْحَةَ بن الجُلاَح الأوسي‏.‏ ومحمد بن حمران مِن ربيعة‏.‏
وهذا الاسم منقول من اسم مفعول حَمَّده تحميداً إذا أكثر من حمده، والرسول فَعول بمعنى مَفعول مثل قولهم‏:‏ حَلُوب ورَكوب وجَزور‏.‏
ومعنى ‏{‏خلت‏}‏ مضت وانقرضت كقوله‏:‏ ‏{‏قد خلت من قبلكم سنن‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 137‏]‏ وقول امرئ القيس‏:‏ ‏(‏مَن كان في العصر الخالي‏)‏ وقَصر محمداً على وصف الرسالة قَصْرَ موصوف على الصفة‏.‏ قصراً إضافياً، لردّ ما يخالف ذلك ردّ إنكار، سواء كان قصر قلب أو قصر إفراد‏.‏
والظاهر أنّ جملة ‏{‏قد خلت من قبله الرسل‏}‏ صفة «لرسول»، فتكون هي محطّ القصر‏:‏ أي ما هو إلاّ رسول موصوف بخلوّ الرسل قبله أي انقراضهم‏.‏ وهذا الكلام مسوق لردّ اعتقاد من يعتقد انتفاء خلوّ الرسللِ مِن قبله، وهذا الاعتقاد وإن لم يكن حاصلاً لأحد من المخاطبين، إلاّ أنَّهم لمّا صدر عنهم ما من شأنه أن يكون أثراً لهذا الاعتقاد، وهو عزمهم على ترك نصرة الدّين والاستسلام للعدوّ كانوا أحرياء بأن ينزلوا منزلة من يعتقد انتفاء خلوّ الرسل مِن قبله، حيث يجدون أتباعهم ثابتين على مللهم حتّى الآن فكان حال المخاطبين حال من يتوهّم التلازم بين بقاء الملّة وبقاء رسولها، فيستدلّ بدوام الملّة على دوام رسولها، فإذا هلك رسول ملّة ظنّوا انتهاء شرعه وإبطال اتّباعه‏.‏
فالقصر على هذا الوجه قصر قلب، وهو قلب اعتقادهم لوازم ضدّ الصّفة المقصور عليها، وهي خلوّ الرسل قبله، وتلك اللوازم هي الوهَن والتردّد في الاستمرار على نشر دعوة الإسلام، وبهذا يشعر كلام صاحب «الكشّاف»‏.‏
وجعَل السكاكي المقصور عليه هو وصف الرسالة فيكون محطّ القصر هو قوله‏:‏ «رسول» دون قوله‏:‏ ‏{‏قد خلت من قبله الرسل‏}‏ ويكون القصر قصرَ إفْراد بتنزيل المخاطبين منزلة من اعتقد وصفه بالرسالة مع التنزّه عن الهلاك، حين رتَّبوا على ظنّ موته ظنوناً لا يفرضها إلاّ من يعتقد عصمته من الموت، ويكون قوله‏:‏ ‏{‏قد خلت من قبله الرسل‏}‏ على هذا الوجه استئنافاً لا صفة، وهو بعيد، لأنّ المخاطبين لم يصدر منهم ما يقتضي استبعاد خبر موته، بل هم ظنّوه صدقاً‏.‏
وعلى كلا الوجهين فقد نُزّل المخاطبون منزلَة من يَجهل قصر الموصوف على هذه الصفة وينكره، فلذلك خوطبوا بطريق النَّفي والاستثناء، الَّذي كثر استعماله في خطاب من يجهل الحكم المقصورَ عليه وينكره دون طريق، إنَّما كما بيّنه صاحب «المفتاح»‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏أفإين مات أو قتل اتقلبتم على أعقابكم‏}‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏وما محمد إلا رسول‏}‏ إلخ‏.‏‏.‏‏.‏ والفاء لتعقيب مضمون الجملة المعطوف عليها بمضمون الجملة المعطوفة، ولمَّا كان مضمون الجملة المعطوفة إنشاء الاستفهام الإنكاري على مضمونها، وهو الشرط وجزاؤه، لم يكن للتعقيب المفاد من فاء العطف معنى إلاّ ترتّب مضمون المعطوفة على المعطوف عليها، ترتّب المسبّب على السبب، فالفاء حينئذ للسببية، وهمزة الاستفهام مقدّمة من تأخير، كشأنها مع حروف العطف، والمعنى ترتّب إنكار أن ينقبلوا على أعقابهم على تحقّق مضمون جملة القصر‏:‏ لأنّه إذا تحقّق مضمون جملة القصر، وهو قلب الاعتقاد أو إفرادُ أحد الاعتقادين، تسبّب عليه أن يكون انقلابهم على الأعقاب على تقدير أن يموت أو يقتل أمراً منكراً جديراً بعدم الحصول، فكيف يحصل منهم، وهذا الحكم يؤكِّد ما اقتضته جملة القصر، من التعريض بالإنكار عليهم في اعتقادهم خلاف مضمون جملة القصر، فقد حصل الإنكار عليهم مرتين‏:‏ إحداهما بالتَّعريض المستفاد، من جملة القصر، والأخرى بالتَّصريح الواقع في هاته الجملة‏.‏
وقال صاحب «الكشاف»‏:‏ الهمزة لإنكار تسبّب الانقلاب على خلوّ الرسول، وهو التسّبب المفاد من الفاء أي إنكار مجموع مدلول الفاء ومدلول مدخولها مثل إنكار الترتّب والمهلة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أثم إذا ما وقع آمَنْتم به‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 51‏]‏ وقول النابغة‏:‏
أثُمّ تَعَذّراننِ إلَيّ منهَا *** فإنّي قد سمِعْتُ وقد رأيتُ
بأن أنكر عليهم جعلهم خلوّ الرسل قبله سبباً لارتدادهم عند العلم بموته‏.‏ وعلى هذا فالهمزة غير مقدّمة من تأخير لأنَّها دخلت على فاء السَّببية‏.‏ ويَرِد عليه أنَّه ليس علمهم بخلوّ الرسل من قبله مع بقاء أتباعهم متمسكين سبباً لانقلاب المخاطبين على أعقابهم، وأجيب بأنّ المراد أنَّهم لمَّا علموا خلوّ الرسل من قبله مع بقاء مللهم، ولم يَجْروا على موجَب علمهم، فكأنَّهم جعلوا علمهم بذلك سبباً في تحصيل نقيض أثره، على نحو ما يعرض من فساد الوضع في الاستدلال الجدلي، وفي هذا الوجه تكلّف وتدقيق كثير‏.‏
وذهب جماعة إلى أنّ الفاء لِمجرّد التَّعقيب الذكري، أو الاستئناف، وأنَّه عطف إنكار تصريحي على إنكار تعريضي، وهذا الوجه وإن كان سهلاً غير أنَّه يفيت خصوصية العطف بالفاء دون غيرها، على أنّ شأن الفاء المفيدة للترتيب الذكري المحض أن يعطف بها الأوصاف نحو ‏{‏والصافات صفا فالزاجرات زجراً‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 1، 2‏]‏ أو أسماء الأماكن نحو قوله‏:‏
بَيْنَ الدّخول فحَوْمَل *** فتُوضِحَ فالمقراة‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ
والانقلاب‏:‏ الرجوع إلى المكان، يقال‏:‏ انقلب إلى منزله، وهو هنا مجاز في الرجوع إلى الحال الَّتي كانوا عليها، أي حال الكفر‏.‏ و‏{‏على‏}‏ للاستعلاء المجازي لأنّ الرجوع في الأصل يكونُ مُسبَّباً على طريق‏.‏ والأعقاب جمع عقب وهو مؤخّر الرّجل، وفي الحديث «وَيْل للأعقاب من النَّار» والمراد منه جهة الأعقاب أي الوراء‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ومن ينقلب على عاقبيه فلن يضر الله شيئاً‏}‏ أي شيئاً من الضر، ولو قليلاً، لأنّ الارتداد عن الدّين إبطال لما فيه صلاح النَّاس، فالمرتدّ يضرّ بنفسه وبالنَّاس، ولا يضرّ الله شيئاً، ولكن الشاكر الثَّابت على الإيمان يجازي بالشكر لأنَّه سعى في صلاح نفسه وصلاح النَّاس، والله يحبّ الصلاح ولا يحبّ الفساد‏.‏
والمقصود من الآية العتاب على ما وقع من الاضطراب، والثناءُ على الَّذين ثبتوا ووعظوا النَّاس، والتحذيرُ من وقوع الارتداد عند موت الرسول عليه السَّلام، وقد وقع ما حذّرهم الله منه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ارتد كثير من المسلمين، وظنّوا اتِّباعَ الرسول مقصوراً على حياته، ثُمّ هداهم الله بعد ذلك، فالآية فيها إنباء بالمستقبل‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏145‏]‏
‏{‏وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ‏(‏145‏)‏‏}‏
مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كتابا مُّؤَجَّلاً‏}‏‏.‏
جملة معترضة، والواو اعتراضية‏.‏
فإن كانت من تتمة الإنكار على هلعهم عند ظنّ موت الرسول، فالمقصود عموم الأنفس لا خصوص نفس الرسول عليه السلام، وتكون الآية لوماً للمسلمين على ذهولهم عن حفظ الله رسولَه من أن يسلّط عليه أعداؤُه، ومن أن يخترم عمره قبل تبليغ الرسالة‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏والله يعصمك عن الناس‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏ عقب قوله‏:‏ ‏{‏بلغ ما أنزل إليك من ربك‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏ الدالّ على أنّ عصمته من النَّاس لأجل تبليغ الشَّلايعة‏.‏ فقد ضمن الله له الحياة حتَّى يبلّغ شرعه، ويتمّ مراده، فكيف يظنّون قتله بيد أعدائه، على أنَّه قبل الإعلان بإتمام شرعه، ألا ترى أنَّه لمّا أنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ الآية‏.‏ بكى أبو بكر وعلم أنّ أجل النَّبيء صلى الله عليه وسلم قد قرب، وقال‏:‏ ما كمُل شيء إلاّ نقص‏.‏ فالجملة، على هذا، في موضع الحال، والواو واو الحال‏.‏
وإن كان هذا إنكاراً مستأنفاً على الَّذين فزعوا عند الهزيمة وخافوا الموت، فالعموم في النفس مقصود أي ما كان ينبغي لكم الخوف وقد علمتم أنّ لكلّ نفس أجلاً‏.‏
وجيء في هذا الحكم بصيغة الجحود للمبالغة في انتفاء أن يكون موت قبل الأجل، فالجملة، على هذا، معترضة، والواو اعتراضية، ومثل هذه الحقائق تلقى في المقامات الَّتي يقصد فيها مداواة النُّفوس من عاهات ذميمة، وإلاّ فإنّ انتهاء الأجل منوط بعلم الله لا يعلم أحد وقته، ‏{‏وما تدري نفس بأي أرض تموت‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 34‏]‏، والمؤمن مأمور بحفظ حياته، إلاّ في سبيل الله، فتعيّن عليه في وقت الجهاد أن يرجع إلى الحقيقة وهي أنّ الموت بالأجل، والمراد ‏{‏بإذن الله‏}‏ تقديره وقت الموت، ووضعه العلامات الدالة على بلوغ ذلك الوقت المقدّر، وهو ما عبّر عنه مرّة ب ‏(‏كن‏)‏، ومرة بقدر مقدُور، ومرّة بالقلم، ومرّة بالكتاب‏.‏
والكتاب في قوله‏:‏ ‏{‏كتاباً مؤجلاً‏}‏ يجوز أن يكون اسماً بمعنى الشيء المكتوب، فيكون حالاً من الإذن، أو من الموت، كقوله‏:‏ ‏{‏لكل أجل كتاب‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 38‏]‏ و«مؤجّلاً» حالاً ثانية، ويجوز أن يكون ‏{‏كتاباً‏}‏ مصدر كاتب المستعمل في كتب للمبالغة، وقوله‏:‏ ‏{‏مؤجلاً‏}‏ صفة له، وهو بدل من فِعله المحذوف، والتَّقدير‏:‏ كُتِب كتاباً مؤجّلاً أي مؤقتاً‏.‏ وجعله صاحب «الكشاف» مصدراً مؤكّداً أي لِمضمون جملة ‏{‏وما كان لنفس‏}‏ الآية، وهو يريد أنَّه مع صفته وهي ‏{‏مؤجّلاً‏}‏ يؤكِّد معنى ‏{‏إلاّ بإذن الله‏}‏ لأنّ قوله‏:‏ ‏{‏بإذن الله‏}‏ يفيد أنّ له وقتاً قد يكون قريباً وقد يكون بعيداً فهو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتاب الله عليكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 24‏]‏ بعد قوله‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم أمهاتكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 23‏]‏ الآية‏.‏
‏{‏وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الاخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين‏}‏‏.‏
عطف على الجملة المعترضة‏.‏
أي من يرد الدنيا دون الآخرة، كالَّذي يفضّل الحياة على الموت في سبيل الله أو كالَّذين استعجلوا للغنيمة فتسبّبوا في الهزيمة، وليس المراد أنّ من أراد ثواب الدنيا وحظوظها يُحرم من ثواب الآخرة وحظوظها، فإنّ الأدلّة الشرعية دلّت على أنّ إرادة خير الدنيا مقصد شرعي حسن، وهل جاءت الشريعة إلاّ لإصلاح الدنيا والإعداد لِحياة الآخرة الأبدية الكاملة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 148‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين‏}‏ أي الغنيمة أو الشَّهادة، وغيرُ هذا من الآيات والأحاديث كثير‏.‏ وجملة ‏{‏وسنجزي الشاكرين‏}‏ تذييل يعمّ الشاكرين ممّن يريد ثواب الدنيا ومن يريد ثواب الآخرة‏.‏ ويعمّ الجزاء كلّ بحسبه، أي يجزي الشاكرين جزاء الدنيا والآخرة أو جزاء الدنيا فقط‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏146- 148‏]‏
‏{‏وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ‏(‏146‏)‏ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ‏(‏147‏)‏ فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏148‏)‏‏}‏
عطف على قوله‏:‏ ‏{‏ومن ينقلب على عقبيه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 144‏]‏ الآية وما بينهما اعتراض، وهو عطف العبرة على الموعظة فإنّ قوله‏:‏ ‏{‏ومن ينقلب عقبيه‏}‏ موعظة لمن يَهِمّ بالانقلاب، وقولَه‏:‏ ‏{‏وكأين من نبي قاتل‏}‏ عبرة بما سلف من صبر أتباع الرسل والأنبياء عند إصابة أنبيائهم أو قتلهم، في حرب أو غيره، لمماثلة الحالين‏.‏ فالكلام تعريض بتشبيه حال أصحاب أحُد بحال أصحاب الأنبياء السالفين لأنّ مَحَلّ المثل ليس هو خصوص الانهزام في الحرب بل ذلك هو الممثل‏.‏ وأمَّا التَّشبيه فهو بصير الأتباع عند حلول المصائب أو موت المتبوع‏.‏
«وكأيّن» كلمة بمعنى التكثير، قيل‏:‏ هي بسيطة موضوعة للتكثير، وقيل‏:‏ هي مركّبة من كاف التَّشبيه وأي الاستفهامية وهو قول الخليل وسيبويه، وليست ‏(‏أيّ‏)‏ هذه استفهاماً حقيقيّاً، ولكنّ المراد منها تذكير المستفهم بالتكثير، فاستفهامها مجازي، ونونها في الأصل تنوين، فلمّا ركّبت وصارت كلمة واحدة جعل تنوينها نوناً وبُنيت‏.‏ والأظهر أنَّها بسيطة وفيها لغات أرْبع، أشهرها في النثر كأيِّن بوزن كعَيِّن ‏(‏هكذا جرت عادة اللغويين والنحاة إذا وزنوا الكلمات المهموزة أن يعوّضوا عن حرف الهمزة بحرف العين لئلا تلتبس الهمزة بالألف أو الياء الَّتي تكتب في صورة إحداهما‏)‏، وأشهرها في الشِعْر كائن بوزن اسم فاعل كان، وليست باسم فاعل خلافاً للمبرّد، بل هي مخفّف كأيِّن‏.‏
ولهم في كيفية تخفيفها توجيهات أصلها قول الخليل لمّا كثر استعمالها تصرّف فيها العرب بالقلب والحذف في بعض الأحوال‏.‏ قلت‏:‏ وتفصيله يطول‏.‏ وأنا أرى أنَّهم لمّا راموا التَّخفيف جعلوا الهمزة ألفاً، ثمّ التقى ساكنان على غير حدّه، فحذفوا الياء الساكنة فبقيت الياء المكسورة فشابهت اسم فاعل ‏(‏كان‏)‏ فجعلوها همزة كالياء الَّتي تقع بعد ألف زائدة، وأكثر ما وقع في كلام العرب هو كاين لأنَّها أخف في النظم وأسعد بأكثر الموازين في أوائل الأبيات وأواسطها بخلاف كائن، قال الزجاج‏:‏ اللغتان الجيّدتان كايِّن وكائن‏.‏ وحكى الشَّيخ ابن عرفة في تفسيره عن شيخه ابن الحباب قال‏:‏ أخبرنا شيخنا أحمد بن يوسف السلمي الكناني، قال‏:‏ قلت لشيخنا ابن عصفور‏:‏ لِم أكثرت في شرحك للإيضاح من الشواهد على كائن‏؟‏ فقال‏:‏ لأنِّي دخلت على السلطان الأمير المستنصر ‏(‏يعني محمد المستنصر ابن أبي زكرياء الحفصي والظاهر أنَّه حينئذ ولّي العهد‏)‏ فوجدت ابن هشام ‏(‏يعني محمد بن يحيى بن هشام الخضراوي نزيل تونس ودفينها المتوفّى سنة 646‏)‏ فأخبرني أنَّه سأله عمَّا يحفظ من الشواهد على قراءة كايِّن فلم يستحضر غير بيت الإيضاح‏:‏
وكائن بالأباطح من صديق *** يراني لو أُصِبت هو المصابا
قال ابن عصفور‏:‏ فلمَّا سألني أنا قلت‏:‏ أحفظ فيها خمسين بيتاً فلمَّا أنشدته نحو عشرة قال‏:‏ حسبك، وأعطاني خمسين ديناراً، فخرجت فوجدت ابن هشام جالساً بالباب فأعطيته نصفها‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏وكأيِّن‏}‏ بهمزة مفتوحة بعد الكاف وياء تحتية مشدّدة بعد الهمزة، على وزن كلمة ‏{‏كصَيِّب‏}‏ وقرأه ابن كثير ‏{‏كَائن‏}‏ بألف بعد الكاف وهمزة مكسورة بعد الألف بوزن كَاهِن‏.‏
والتكثير المستفاد من ‏{‏كأيّن‏}‏ واقع على تمييزها وهو لفظ ‏(‏نبيء‏)‏ فيحتمل أن يكون تكثيراً بمعنى مطلق العدد، فلا يتجاوز جمع القلّة، ويحتمل أن يكون تكثيراً في معنى جمع الكثرة، فمنهم من علمناه ومنهم من لم نعلمه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومنهم من لم نقصص عليك‏}‏، ويحضرني أسماء ستة مِمَّن قتل من الأنبياء‏:‏ أرمياء قتلته بنو إسرائيل، وحزقيال قتلوه أيضاً لأنَّه وبّخهم على سوء أعمالهم، وأشعياء قتله منسا بن حزقيال ملك إسرائيل لأنَّه وبّخه ووعظه على سوء فعله فنشره بمنشار، وزكرياء، ويحيى، قتلتهما بنو إسرائيل لإيمانهما بالمسيح، وقتل أهلُ الرسّ من العرب نبيئهم حنظلة بن صفوان في مدّة عدنان، والحواريّون اعتقدوا أنّ المسيح قُتل ولم يهنوا في إقامة دينه بعده، وليس مراداً هنا وإنَّما العبرة بثبات أتباعه على دينه مع مفارقته لهم إذ العبرة في خلوّ الرسول وبقاء أتباعه، سواء كان بقتل أو غيره‏.‏ وليس في هؤلاء رسول إلاّ حنظلة بن صفوان، وليس فيهم أيضاً من قُتِل في جِهادٍ، قال سعيد بن جبير‏:‏ ما سمعنا بنبيء قتل في القتال‏.‏
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ ‏(‏قُتل‏)‏ بصيغة المبنى للمجهول، وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر‏:‏ ‏(‏قَاتَلَ‏)‏ بصيغة المفاعلة فعلى قراءة ‏(‏قُتل‏)‏ بالبناء للمجهول فمرفوع الفعل هو ضمير نبيء، وعلى كلتا القراءتين يجوز أن يكون مرفوع الفعلين ضميرَ نبيء فيكون قوله‏:‏ ‏{‏معه ربيون‏}‏ جملة حاليَّة من ‏(‏نبيء‏)‏ ويجوز أن يكون مرفوع الفعلين لفظ ‏(‏ربّيّون‏)‏ فيكون قوله ‏(‏معه‏)‏ حالاً من ‏(‏ربّيّون‏)‏ مقدّماً‏.‏
وجاءت هذه الآية على هذا النظم البديع الصالح لحمل الكلام على تثبيت المسلمين في حال الهزيمة وفي حال الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الوجهين في موقع جملة ‏{‏ومعه ربّيّون‏}‏ يختلف حُسن الوقف على كلمة ‏(‏قتل‏)‏ أو على كلمة ‏(‏كثير‏)‏‏.‏
و ‏(‏الرّبيُّون‏)‏ جمع ربيّ وهو المتّبع لشريعة الرّب مثل الربّاني، والمراد بهم هنا أتباع الرسل وتلامذة الأنبياء‏.‏ ويجوز في رَائه الفتح، على القياس، والكسر، على أنَّه من تغييرات النسب وهو الذي قرئ به في المتواتر‏.‏
ومحلّ العبرة هو ثبات الربّانيّين على الدّين مع موت أنبيائهم ودعاتهم‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏كثير‏}‏ صفة ‏{‏ربّيّون‏}‏ وجيء به على صيغة الإفراد، مع أنّ الموصوف جمع، لأنّ لفظ كثير وقليل يعامل موصوفهما معاملة لفظ شيءٍ أو عدد، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 1‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏ود كثير من أهل الكتاب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 109‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏اذكروا إذ أنتم قليل‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 26‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 43‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فما وهنوا‏}‏ أي الربّيّون إذ من المعلوم أنّ الأنبياء لا يهنون فالقدوة المقصودة هنا، هي الاقتداء بأتباع الأنبياء، أي لا ينبغي أن يكون أتباع من مضى من الأنبياء، أجدر بالعزم من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم
وجمع بين الوهن والضّعف، وهما متقاربان تقارباً قريباً من الترادف؛ فالوهن قلَّة القدرة على العمل، وعلى النُّهوض في الأمر، وفعله كوعَد وورِث وكرُم‏.‏ والضّعف بضم الضّاد وفتحها ضدّ القوّة في البدن، وهما هنا مجازان، فالأوّل أقرب إلى خور العزيمة، ودبيب اليأس في النُّفوس والفكر، والثَّاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة‏.‏ وأمّا الاستكانة فهي الخضوع والمذلّة للعدوّ‏.‏ ومن اللطائف ترتيبها في الذّكر على حسب ترتيبها في الحصول‏:‏ فإنَّه إذا خارت العزيمة فَشِلت الأعضاء، وجاء الاستسلام، فتبعته المذلّة والخضوع للعدوّ‏.‏
واعلموا أنَّه إذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء، وكانت النُّبوءة هدياً وتعليماً، فلا بدع أن يكون هذا شأن أهل العلم، وأتباع الحقّ، أن لا يوهنهم، ولا يضعفهم، ولا يخضعهم، مقاومة مقاوم، ولا أذى حاسد، أو جاهل، وفي الحديث الصّحيح، في «البخاري»‏:‏ أن خَبَّاباً قال للنَّبيء صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لقد لقينا من المشركين شدّة ألاَ تدعُو الله ‏"‏ فقعد وهو محمّر وجهه فقال‏:‏ ‏"‏ لقد كان مَن قبلكم لَيُمشَط بِمِشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضَع المنشار على مَفْرِق رأسه فيُشَقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ‏"‏ الحديث‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا‏}‏ الآية عطف على ‏{‏فما وهنوا‏}‏ لأنَّه لمّا وصفهم برباطة الجأش، وثبات القلب، وصفهم بعد ذلك بما يدلّ على الثبات من أقوال اللِّسان الَّتي تجري عليه عند الاضطراب والجزع، أي أنّ ما أصابهم لم يخالجهم بسببه تردّد في صدق وعد الله، ولا بَدَر منهم تذمّر، بل علموا أنّ ذلك لحكمة يعلمها سبحانه، أو لعلَّه كان جزاء على تقصير منهم في القيام بواجب نصر دينه، أو في الوفاء بأمانة التكليف، فلذلك ابتهلوا إليه عند نزول المصيبة بقولهم‏:‏ ‏{‏ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا‏}‏ خشية أن يكون ما أصابهم جزاء على ما فرط منهم، ثُمّ سألوه النصر وأسبابه ثانياً فقالوا‏:‏ ‏{‏وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين‏}‏ فلم يصُدّهم ما لحقهم من الهزيمة عن رجاء النَّصر، وفي «الموطأ»، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل يقول‏:‏ دعوت فلم يُستجب لي ‏"‏ فقصر قولهم في تلك الحالة الَّتي يندر فيها صدور مثل هذا القول، على قولهم‏:‏ ‏{‏ربنا اغفر لنا‏}‏ إلى آخره، فصيغة القصر في قوله‏:‏ ‏{‏وما كان قولهم إلا أن قالوا‏}‏ قصر إضافي لردّ اعتقاد من قد يتوهمّ أنَّهم قالوا أقوالاً تنبئ عن الجزع، أو الهلع، أو الشكّ في النَّصر، أو الاستسلام للكفار‏.‏
وفي هذا القصر تعريض بالَّذين جزِعوا من ضعفاء المسلمين أو المنافقين فقال قائلهم‏:‏ لو كلّمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان‏.‏
وقدّم خبر ‏(‏كان‏)‏ على اسمها في قوله‏:‏ ‏{‏وما كان قولهم إلا أن قالوا‏}‏ لأنَّه خبر عن مبتدأ محصور، لأنّ المقصود حصر أقوالهم حينئذ في مقالة ‏{‏ربنا اغفر لنا ذنوبنا‏}‏ فالقصر حقيقي لأنَّه قصر لقولهم الصّادر منهم، حين حصول ما أصابهم في سبيل الله، فذلك القيد ملاحظ من المقام، نظير القصر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 51‏]‏ فهو قصر حقيقي مقيّد بزمان خاص، تقييداً منطوقاً به، وهذا أحسن من توجيه تقديم الخبر في الآية بأنّ المصدر المنسبك المؤوّل أعرف من المصدر الصّريح لدلالة المؤوّل على النسبة وزمان الحدث، بخلاف إضافة المصدر الصّريح، وذلك جائز في باب ‏(‏كان‏)‏ في غير صيغ القصر، وأمَّا في الحصر فمتعيّن تقديم المحصور‏.‏
والمراد من الذنوب جميعها، وعطف عليه بعض الذنوب وهو المعبّر عنه هنا بالإسراف في الأمر، والإسراف هو الإفراط وتجاوز الحدّ، فلعلّه أريد به الكبائر من الذنوب كما نقل عن ابن عبَّاس وجماعة، وعليه فالمراد بقوله‏:‏ أمرْنا، أي ديننا وتكليفنا، فيكون عطف خاص للاهتمام بطلب غفرانه، وتمحّض المعطوف عليه حينئذ لبقية الذنوب وهي الصّغائر‏.‏ ويجوز عندي أن يكون المراد بالإسْراف في الأمر التقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال، والاستعداد له، أو الحذر من العدوّ، وهذا الظاهر من كلمة أمْر، بأن يكونوا شكُّوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوّهم ناشئاً عن سببين‏:‏ باطننٍ وظاهر، فالباطن هو غضب الله عليهم من جهة الذنوب، والظاهرُ هو تقصيرهم في الاستعداد والحذر، وهذا أولى من الوجه الأول‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة‏}‏ إعلام بتعجيل إجابة دعوتهم لِحصول خيري الدنيا والآخرة، فثواب الدّنيا هو الفتح والغنيمة، وثواب الآخرة هو ما كتب لهم حينئذ من حسن عاقبة الآخرة، ولذلك وصفه بقوله‏:‏ ‏{‏وحسن ثواب الآخرة‏}‏ لأنَّه خيرٌ وأبقى‏.‏ وتقدّم الكلام على الثّواب عند قوله تعالى في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 103‏]‏ ‏{‏لمثوبة من عند اللَّه خير‏}‏
وجملة والله يحب المحسنين‏}‏ تذييل أي يحبّ كلّ محسن، وموقع التذييل يدلّ على أنّ المتحدّث عنهم هم من الَّذين أحسنوا، فاللام للجنس المفيد معنى الاستغراق، وهذه من أكبر الأدلّة على أنّ ‏(‏أل‏)‏ الجنسية إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية، وأنّ الاستغراق المفاد من ‏(‏أل‏)‏ إذا كان مدخولها مفرداً وجملة سواء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏149- 150‏]‏
‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ‏(‏149‏)‏ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ‏(‏150‏)‏‏}‏
استئناف ابتدائي للانتقال من التَّوبيخ واللوم والعتاب إلى التَّحذير، ليتوسّل منه إلى معاودة التسلية، على ما حصل من الهزيمة، وفي ضمن ذلك كلّه، من الحقائق الحكمية والمواعظ الأخلاقية والعبر التَّاريخية، ما لا يحصيه مريد إحصائه‏.‏
والطاعة تطلق على امتثال أمْر الآمِر وهو معروف، وعلى الدخول تحت حكم الغالب، فيُقال طَاعَت قبيلة كذا وطوّع الجيش بلاد كذا‏.‏
و ‏{‏الَّذين كفروا‏}‏ شائع في اصطلاح القرآن أن يراد به المشركون، واللفظ صالح بالوضع لكلّ كافر من مشرك وكتابي، مظهر أو منافق‏.‏
والردّ على الأعقاب‏:‏ الارتداد، والانقلاب‏:‏ الرجوع، وقد تقدّم القول فيهما عند قوله‏:‏ ‏{‏أفأين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 144‏]‏ فالظاهر أنَّه أراد من هذا الكلام تحذير المؤمنين من أن يُخامرهم خاطر الدخول في صلح المشركين وأمانهم، لأنّ في ذلك إظهار الضّعف أمامهم، والحاجة إليهم، فإذا مالوا إليهم استدرجوهم رويداً رويداً، بإظهار عدم كراهية دينهم المخالف لهم، حتَّى يردّوهم عن دينهم لأنَّهم لن يرضوا عنهم حتَّى يرجعوا إلى ملّتهم، فالردّ على الأعقاب على هذا يحصل بالإخارة والمآل، وقد وقعت هذه العبرة في طاعة مسلمي الأندلس لطاغية الجلالقة‏.‏ وعلى هذا الوجه تكون الآية مشيرة إلى تسفيهِ رأي من قال‏:‏ «لو كلّمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان» كما يدلّ عليه قوله‏:‏ ‏{‏بل الله مولاكم‏}‏‏.‏
ويحتمل أن يراد من الطاعة طاعة القول والإشارة، أي الامتثال، وذلك قول المنافقين لهم‏:‏ لو كان محمد نبيئاً ما قُتل فارجعوا إلى إخوانكم وملّتكم‏.‏ ومعنى الردّ على الأعقاب في هذا الوجه أنَّه يحصل مباشرة في حال طاعتهم إيّاهم‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏بل الله مولاكم‏}‏ إضراب لإبطال ما تضمّنه ما قبله، فعلى الوحه الأول تظهر المناسبة غاية الظهور، لأنّ الطاعة على ذلك الوجه هي من قبيل الموالاة والحلف فناسب إبطالها بالتَّذكير بأنّ مولى المؤمنين هو الله تعالى، ولهذا التَّذكير موقع عظيم‏:‏ وهو أن نقض الولاء والحلف أمر عظيم عند العرب، فإنّ للولاء عندهم شأناً كشأن النسب، وهذا معنى قرّره الإسلام في خطبة حجّة الوداع أو فتح مكة «مَن انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين» فكيف إذا كان الولاء ولاء سيد الموالي كلّهم‏.‏
وعلى الوجه الثَّاني في معنى ‏{‏إن تطيعوا الَّذين كفروا‏}‏ تكون المناسبة باعتبار ما في طاعة المنافقين من موالاتهم وترك ولاء الله تعالى‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وهو خير الناصرين‏}‏ يقوّي مناسبة الوجه الأول ويزيد إرادته ظهوراً‏.‏ و‏{‏خير النَّاصرين‏}‏ هو أفضل الموصوفين بالوصف، فيما يراد منه، وفي موقعه، وفائدته، فالنصر يقصد منه دفع الغلب عن المغلوب، فمتى كان الدفع أقطع للغالب كان النصر أفضل، ويقصد منه دفع الظلم فمتى كان النصر قاطعاً لظلم الظالم كان موقعه أفضل، وفائدته أكمل، فالنصر لا يخلو من مدحة لأنّ فيه ظهور الشَّجاعة وإباء الضيم والنجدة‏.‏
قال ودّاك بنُ ثمَيْل المازني‏:‏
إذا استنجدوا لمْ يسْألوا من دعاهم *** لأية حرب أم بأي مكان
ولكنّه إذا كان تأييداً لظالم أو قاطع طريق، كان فيه دَخَل ومذمّة، فإذا كان إظهاراً لحقِّ المحقّ وإبطاللِ الباطل، استكمل المحمدة، ولذلك فَسّر النَّبيء صلى الله عليه وسلم نصر الظالم بما يناسب خُلُق الإسلام لمّا قال‏:‏ «انصر أخاك ظالماً ومظلوماً» فقال بعض القوم‏:‏ هذا أنصره إذا كان مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً‏؟‏ فقال‏:‏ «أنْ تنصره على نفسه فتكفّه عن ظلمه»‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏151‏]‏
‏{‏سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ‏(‏151‏)‏‏}‏
رجوع إلى تسلية المؤمنين، وتطْمينهم، ووعدهم بالنَّصر على العدوّ‏.‏ والإلقاءُ حقيقته رمي شيء على الأرض ‏{‏فألقوا حبالهم وعصيّهم‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 44‏]‏، أو في الماء ‏{‏فألقِيه في اليمّ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 7‏]‏ ويطلق على الإفضاء بالكلام ‏{‏يُلقُون السمع‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 223‏]‏ وعلى حصول الشيء في النفس كأنّ ملقياً ألقاه أي من غير سبق تهيّؤ ‏{‏وألقينا بينهم العداوة والبغضاء‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 64‏]‏ وهو هنا مجاز في الجعل والتَّكوين كقوله‏:‏ ‏{‏وقذف في قلوبهم الرعب‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 26‏]‏‏.‏
والرعب‏:‏ الفزع من شدّة خوف، وفيه لغتان الرعْب بسكون العين والرعُب بضم العين وقرأه الجمهور بسكون العين وقرأه ابن عامر، والكسائي بضم العين‏.‏
والبَاء في قوله‏:‏ ‏{‏بما أشركوا بالله‏}‏ للعِوض وتسمّى باء المقابلة مثل قولهم‏:‏ هذه بتلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏جزاء بما كسبا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 38‏]‏، وهذا جزاء دنيوي رتّبهُ الله تعالى على الإشراك به، ومن حكمته تعالى أن رتّب على الأمور الخبيثة آثاراً خبيثة، فإنّ الشرك لمّا كان اعتقاد تأثير من لا تأثير له، وكان ذلك الاعتقاد يرتكز في نفوس معتقديه على غير دليل، كان من شأن معتقده أن يكون مضطرِب النَّفس متحيّراً في العاقبة في تغلّب بعض الآلهة على بعض، فيكون لكلّ قوم صَنم هم أخصّ به، وهم في تلك الحالة يعتقدون أنّ لغيره من الأصنام مثل ما له من القدرة والغيرة‏.‏ فلا تزال آلهتهم في مغالبة ومنافرة‏.‏ كمَا لا يزال أتباعهم كذلك، والَّذين حالهم كما وصفنا لا يستقرّ لهم قرار في الثِّقة بالنَّصر في حروبهم، إذ هم لا يدرون هل الربح مع آلهتهم أم مع أضدادها، وعليه فقوله‏:‏ ‏{‏ما لم ينزل به سلطاناً‏}‏ صلة أجريت على المشرك به ليس القصد بها تعريف الشركاء، ولكن قصد بها الإيماء إلى أنَّه من أسباببِ إلقاء الرعب في قلوبهم، إذ هم على غير يَقين فيما أشركوا واعتقدوا، فقلوبهم وَجِلة متزلزلة، إذ قد علم كلّ أحد أن الشركاء يَستحيل أن ينزل بهم سلطان‏.‏ فإن قلتَ‏:‏ ما ذكرتَه يقتضي أنّ الشرك سبب في إلقاء الرعب في قلوب أهله، فيتعيّن أن يكون الرعب نازلاً في قلوبهم من قبل هذه الوقعة، والله يقول ‏{‏سنلقي‏}‏» أي في المستقبل، قلت‏:‏ هو كذلك إلاّ أنّ هذه الصّفات تستكنّ في النفوس حتَّى يدعو داعي ظهورها، فالرعب والشجاعة صفتان لا تظهران إلا عند القتال، وتقويان وتضعفان، فالشجاع تزيد شجاعته بتكرّر الانتصار، وقد ينزوي قليلاً إذا انهزم ثُمّ تعود له صفته سرعَى‏.‏ كما وصفه عمرو بن الإطْنابَةِ في قوله‏:‏
وقَوْلي كُلَّمَا جَشَأتْ وجَاشَتْ *** مَكَانَككِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي
وقول الحُصَيْننِ بن الحُمَام‏:‏
تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحياة فلم أجدْ *** لِنَفْسِي حَيَاة مثلَ أنْ أتَقدّمَا
وكذلك الرعب والجبن قد يضعف عند حصول بارقة انتصار، فالمشركون لما انهزموا بادِئ الأمر يومَ أُحُد، فُلَّت عزيمتهم، ثُمّ لمّا ابتلَى الله المؤمنين بالهزيمة راجعَهم شيء من الشجاعة والازدهاء، ولكنّهم بعد انصرافِهم عَاوَدَتْهم صفاتهم، ‏(‏وتأبَى الطِبَاعُ عَلى الناقل‏)‏‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏سنُلقي‏}‏ أي إلقاءَ إعادةِ الصفة إلى النُّفوس، ولك أن تجعل السين فيه لمجرّد التَّأكيد أي ألقينا ونُلقي، ويندفع الإشكال‏.‏
وكثير من المفسِّرين ذكروا أنّ هذا الرعب كانت له مظاهر‏:‏ منها أنّ المشركين لمَّا انتصروا على المسلمين كان في مكنتهم أن يوغلوا في استيصالهم إلاّ أنّ الرعب صدّهم عن ذلك، لأنَّهم خافوا أن تعود عليهم الهزيمة، وتدور عليهم الدائرة، ومنها أنَّهم لمَّا انصرفوا قاصدين الرجوع إلى مكَّة عنّ لهم في الطريق ندم، وقالوا‏:‏ لو رجعنا فاقتفينا آثار محمد وأصحابه، فإنّا قتلناهم ولم يبق إلاّ الفَلّ والطَّريد، فلْنرجع إليهم حتَّى نستأصلهم، وبلغ ذلك النَّبيء صلى الله عليه وسلم فندب المسلمين إلى لقائهم، فانتدبوا، وكانوا في غاية الضعف ومثقّلين بالجراحة، حتَّى قيل‏:‏ إنّ الواحد منهم كان يحمل الآخر ثمّ ينزل المحمول فيحمل الَّذي كان حامله، فقيّض الله مَعْبَد بنَ أبي مَعْبَد الخُزَاعي وهو كافر فجاء إلى رسول الله فقال‏:‏ «إنّ خزاعة قد ساءها ما أصابك ولوَدِدْنا أنَّك لم تُرزأ في أصحابك» ثُمّ لحق معبد بقريش فأدركهم بالرّوْحَاء قد أجمعوا الرجعة إلى قتال المسلمين فقال له أبو سفيان‏:‏ ما وراءَك يا معبد، قال‏:‏ محمد وأصحابه قد خرجوا يطلبونكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرّقون عليكم، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه، فقال‏:‏ ويلك، ما تقول‏؟‏ قال‏:‏ ما أرى أنَّك ترتحلُ حتَّى ترى نواصي الخيل ولقد حملني ما رأيت منه على أن قلتُ فيه‏:‏
كَادَت تُهَدّ من الأصوات راحلتي *** إذْ سالت الأرض بالجُرْد الأبابيلِ
تَرْدِي بأسْدٍ كراممٍ لا تَنابِلَةٍ *** عند اللِّقاء ولا مِيللٍ مَعَازِيلِ
فَظَلْتُ أعْدُو وأظُنّ الأرض مائلة *** لمّا سَمَوا برَئيس غير مخذولِ
فوقع الرّعب في قلوب المشركين وقال صفوان بن أميَّة‏:‏ لا ترجعوا فإنِّي أرى أنَّه سيكون للقوم قتال غير الَّذي كان‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ما لم ينزل به سلطانا‏}‏ أي ما لاسلطان له‏.‏ والسلطان‏:‏ الحجّة والبرهان لأنَّه يتسلّط على النّفس، ونُفي تنزيله وأريد نَفْيُ وجوده، لأنّه لو كان لنَزْل أي لأوْحى الله به إلى النَّاس، لأنّ الله لم يكتم النَّاسَ الإرشادَ إلى ما يجب عليهم من اعتقاد على ألْسنةِ الرسل، فالتنزيل إمَّا بمعنى الوحي، وإمَّا بمعنى نصب الأدلَّة عليهم كقولهم‏:‏ «نزلت الحكمة على ألْسنة العرب وعقول الفرس وأيدي الصّين» ولمَّا كان الحقّ لا يعدو هذين الحالين‏:‏ لأنَّه إمَّا أن يعلم بالوحي، أو بالأمارات، كان نفي تنزيل السلطان على الإشراك كناية عن نفي السلطان نفسه، كقول الشاعر الّذي لا يعرف اسمه‏:‏
لا تُفْزع الأرْنَبَ أهوالُهَا *** ولا تَرَى الضبّ بها يَنْجَحِرْ
وقوله‏:‏ ‏{‏ومأواهم النار‏}‏ ذِكر عقابهم في الآخرة‏.‏ والمأوى مَفعل من أوى إلى كذا إذا ذهب إليه، والمَثْوَى مَفعل من ثَوَى إذا أقام؛ فالنَّار مصيرهم ومقرّهم والمرادُ المشركون‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏152‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏152‏)‏‏}‏
‏{‏ولقد صدقكم‏}‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 151‏]‏ وهذا عود إلى التَّسلية على ما أصابهم، وإظهار لاستمرار عناية الله تعالى بالمؤمنين، ورمز إلى الثقة بوعدهم بإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وتبيين لسبب هزيمة المسلمين‏:‏ تطميناً لهم بذكر نظيره ومماثله السابققِ، فإنّ لذلك موقعاً عظيماً في الكلام على حدّ قولهم ‏(‏التَّاريخ يعيد نفسه‏)‏ وليتوسّل بذلك إلى إلقاء تَبِعة الهزيمة عليهم، وأنّ الله لم يُخلفهم وعده، ولكن سوء صنيعهم أوقعهم في المصيبة كقوله‏:‏ ‏{‏وما أصابك من سيئة فمن نفسك‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 79‏]‏‏.‏
وصِدق الوعد‏:‏ تحقيقُه والوفاءُ به، لأنّ معنى الصدق مطابقة الخبر للواقع، وقد عدّي صدق هنا إلى مفعولين، وحقّه أن لا يتعدّى إلا إلى مفعول واحد‏.‏ قال الزمخشري في قوله تعالى في سورة ‏[‏الأحزاب‏:‏ 23‏]‏‏:‏ ‏{‏من المؤمنين رجال صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه‏}‏ يقال‏:‏ صدقني أخوك وكذَبني إذا قال لك الصدق والكذب، وأمَّا المثَل ‏(‏صَدَقَنِي سِنّ بَكْرِه‏)‏ فمعناه صدقني في سنّ بَكره بطرح الجارّ وإيصال الفعل‏.‏ فنصب وعدَه‏}‏ هنا على الحذف والإيصال، وأصل الكلام صدقَكم في وعده، أو على تضمين صَدَق معنى أعطى‏.‏
والوعد هنا وعد النصر الواقعُ بمثل قوله‏:‏ ‏{‏يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 7‏]‏ أو بخبر خاصّ في يوم أحُد‏.‏
وإذْن الله بمعنى التقدير وتيسير الأسباب‏.‏
و ‏(‏إذ‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏إذ تحسونهم‏}‏ نصب على الظرفية لقوله‏:‏ ‏{‏صدقكم‏}‏ أي‏:‏ صدقكم الله الوعد حين كنتم تحسّونهم بإذنه فإنّ ذلك الحسّ تحقيق لوعد الله إيّاهم بالنَّصر، و‏(‏إذْ‏)‏ فيه للمضيّ، وأتى بعدها بالمضارع لإفادة التجدّد أي لحكاية تجدّد الحسّ في الماضِي‏.‏
والحَسّ بفتح الحاء القَتل أطلقه أكثر اللغويين، وقَيّده في «الكشاف» بالقتل الذريع، وهو أصوب‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏حتى إذا فشلتم‏}‏ ‏(‏حتَّى‏)‏ حرف انتهاء وغاية، يفيد أنّ مضمون الجملة الَّتي بعدها غاية لمضمون الجملة الَّتي قبلها، فالمعنى‏:‏ إذ تقتلونهم بتيسير الله، واستمرّ قتلكم إيّاهم إلى حصول الفشل لكم والتنازع بينكم‏.‏
و ‏(‏حتَّى‏)‏ هنا جارّة و‏(‏إذا‏)‏ مجرور بها‏.‏
و ‏(‏إذا‏)‏ اسم زمان، وهو في الغالب للزمان المستقبل وقد يخرج عنه إلى الزمان مطلقاً كما هنا، ولعلّ نكتة ذلك أنَّه أريد استحضار الحالة العجيبة تبعاً لقوله‏:‏ ‏{‏تحسونهم‏}‏‏.‏
و ‏(‏إذا‏)‏ هنا مجرّدة عن معنى الشرط لأنَّها إذا صارت للمضيّ انسلخت عن الصلاحية للشرطية، إذ الشرط لا يكون ماضياً إلاّ بتأويل لذلك فهي غير محتاجة لجواب فلا فائدة في تكلّف تقديره‏:‏ انقسمتم، ولا إلى جعل الكلام بعدها دليلاً عليه وهو قوله‏:‏ ‏{‏منكم من يريد الدنيا‏}‏ إلى آخرها‏.‏
والفشل‏:‏ الوهن والإعياء، والتنازع‏:‏ التخالف، والمُراد بالعصيان هنا عصيان أمر الرسول، وقد رتّبت الأفعال الثلاثة في الآية على حسب ترتيبها في الحصول، إذ كان الفشل، وهو ضجر بعض الرماة من ملازمة موقفهم للطمع في الغنيمة، قد حصل أولاً فنشأ عنه التنازع بينهم في ملازمة الموقف وفي اللحاق بالجيش للغنيمة، ونشأ عن التنازع تصميم معظمهم على مفارقة الموقف الَّذي أمرهم الرسول عليه الصلاة والسّلام بملازمته وعدم الانصراف منه، وهذا هو الأصل في ترتيب الأخبار في صناعة الإنشاء ما لم يقتض الحال العدول عنه‏.‏
والتعريف في قوله‏:‏ ‏{‏في الأمر‏}‏ عوض عن المضاف إليه أي في أمركم أي شأنكم‏.‏
ومعنى ‏{‏من بعد ما أراكم ما تحبون‏}‏ أراد به النَّصر إذ كانت الريح أوّل يوم أُحُد للمسلمين، فهزموا المشركين، وولوا الأدبار، حتَّى شوهدت نساؤهم مشمّرات عن سوقهنّ في أعلى الجبل هاربات من الأسر، وفيهنّ هند بنت عتبة بن ربيعة امرأة أبي سفيان، فلمَّا رأى الرماة الَّذين أمرهم الرسول أن يثبتوا لحماية ظهور المسلمين، الغنيمة، التحقوا بالغزاة، فرأى خالد بن الوليد، وهو قائد خيل المشركين يومئذ، غرّة من المسلمين فأتاهم من ورائهم فانكشفوا واضطرب بعضهم في بعض وبادروا الفرار وانهزموا، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من بعد ما أراكم ما تحبون‏}‏ فيكون المجرور متعلّقاً بفشلهم‏.‏ والكلام على هذا تشديد في الملام والتنديم‏.‏
والأظهر عندي أن يكون معنى ما تحبّون هو الغنيمة فإنّ المال محبوب، فيكون المجرور يتنازعه كُلّ من ‏(‏فشلتم، وتنازعتم، وعصيتم‏)‏، وعدل عن ذكر الغنيمة باسمها، إلى الموصول تنبيهاً على أنَّهم عجّلوا في طلب المَال المحبوب، والكلام على هذا تمهيد لبساط المعذرة إذ كان فشلهم وتنازعهم وعصيانهم عن سبب من أغراض الحرب وهو المعبّر عنه ب ‏(‏إحدى الحسنيين‏)‏ ولم يكن ذلك عن جبن، ولا عن ضعف إيمان، أو قصد خذلان المسلمين، وكلّه تمهيد لما يأتي من قوله‏:‏ ‏{‏ولقد عفا عنكم‏}‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة‏}‏ تفصيل لتنازعتم، وتبيين ل ‏(‏عصيتم‏)‏، وتخصيص له بأنّ العاصين بعض المخاطبين المتنازعين، إذ الَّذين أرادوا الآخرة ليسوا بعاصين، ولذلك أخّرت هاته الجملة إلى بعد الفعلين، وكان مقتضى الظاهر أن يعقب بها قوله‏:‏ ‏{‏وتنازعتم في الأمر‏}‏ وفي هذا الموضع للجملة ما أغنى عن ذكر ثلاث جمل وهذا من أبدع وجوه الإعجاز، والقرينة واضحة‏.‏
والمراد بقوله‏:‏ ‏{‏منكم من يريد الدنيا‏}‏ إرادة نعمة الدنيا وخيرها، وهي الغنيمة، لأنّ من أراد الغنيمة لم يحرص على ثواب الامتثال لأمر الرسول بدون تأويل، وليس هو مفرّطاً في الآخرة مطلقاً، ولا حاسباً تحصيل خير الدنيا في فعله ذلك مفيتاً عليه ثواب الآخرة في غير ذلك الفعل، فليس في هذا الكلام ما يدلّ على أنّ الفريق الَّذين أرادوا ثواب الدنيا قد ارتدّوا عن الإيمان حينئذ، إذ ليس الحرص على تحصيل فائدة دنيوية من فعل من الأفعال، مع عدم الحرص على تحصيل ثواب الآخرة من ذلك الفعل بِدالَ على استخفاف بالآخرة، وإنكار لها، كما هو بيّن، ولا حاجة إلى تقدير‏:‏ منكم من يريد الدنيا، فقط‏.‏
وإنَّما سمّيت مخالفة من خالف أمر الرسول عصياناً، مع أن تلك المخالفة كانت عن اجتهاد لا عن استخفاف، إذ كانوا قالوا‏:‏ إنّ رسول الله أمرنا بالثبات هنا لحماية ظهور المسلمين، فلمَّا نصر الله المسلمين فما لنا وللوقوف هنا حتَّى تفوتنا الغنائم، فكانوا متأوَّلين، فإنَّما سمّيت هنا عصياناً لأنّ المقام ليس مقام اجتهاد، فإنّ شأن الحرب الطاعة للقائد من دون تأويل، أو لأنّ التأويل كان بعيداً فلم يعذروا فيه، أو لأنَّه كان تأويلاً لإرضاء حبّ المال، فلم يكن مكافئاً لدليل وجوب طاعة الرّسول‏.‏
وإنَّما قال‏:‏ ‏{‏ثم صرفكم عنهم ليبتليكم‏}‏ ليدلّ على أنّ ذلك الصرف بإذن الله وتقديره، كما كان القتل بإذن الله وأنّ حكمته الابتلاء، ليظهر للرسول وللنَّاس مَن ثبت على الإيمان من غيره، ولأنّ في الابتلاء أسراراً عظيمة في المحاسبة بين العبد وربِّه سبحانه وقد أجمل هذا الابتلاء هنا وسيبيّنه‏.‏
وعُقب هذا الملام بقوله‏:‏ ‏{‏ولقد عفا عنكم‏}‏ تسكيناً لخواطرهم، وفي ذلك تلطّف معهم على عادة القرآن في تقريع المؤمنين، وأعظم من ذلك تقديم العفو على الملام في ملام الرسول عليه السلام في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عفا اللَّه عنك لم أذنت لهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 43‏]‏، فتلك رتبة أشرف من رتبة تعقيب الملام بذكر العفو، وفيه أيضاً دلالة على صدق إيمانهم إذ عجل لهم الإعلام بالعفو لكيلا تطير نفوسهم رهبة وخوفاً من غضب الله تعالى‏.‏
وفي تذييله بقوله‏:‏ ‏{‏والله ذو فضل على المؤمنين‏}‏ تأكيد ما اقتضاه قوله‏:‏ ‏{‏ولقد عفا عنكموالظاهر أنَّه عفو لأجل التأويل، فلا يحتاج إلى التَّوبة، ويجوز أن يكون عفواً بعدما ظهر منهم من الندم والتَّوبة، ولأجل هذا الاحتمال لم تكن الآية صالحة للاستدلال على الخوارج والمعتزلة القائلين بأنّ المعصية تسلب الإيمان‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏153‏]‏
‏{‏إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏153‏)‏‏}‏
‏{‏إذ تصعدون‏}‏ متعلّق بقوله‏:‏ ‏{‏ثم صرفكم عنهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 152‏]‏ أي دفعكم عن المشركين حين أنتم مصعدون‏.‏
والإصْعاد‏:‏ الذهاب في الأرض لأنّ الأرض تسمّى صعيداً، قال جعفر بن عُلْبة‏:‏
هَوَاي مَع الرَكْب اليَمَانِينَ مُصْعِد ***
والإصعاد أيضاً السَّير في الوادي، قال قتادة والربيع‏:‏ أصعدوا يوم أحُد في الوادي‏.‏ والمعنى‏:‏ تفرّون مصعدين، كأنَّه قيل‏:‏ تذهبون في الأرض أي فراراً، ف إذ‏)‏ ظرف للزمان الَّذي عقب صرف الله إيّاهم وكان من آثاره‏.‏
‏{‏ولا تلون على أحد‏}‏ أي في هذه الحالة‏.‏ واللَّيُّ مجاز بمعنى الرّحمة والرفق مثل العطف في حقيقته ومجازه، فالمعنى ولا يلوي أحد عن أحد فأوجز بالحذف، والمراد على أحد منكم، يعني‏:‏ فررتم لا يرحم أحد أحداً ولا يرفق به، وهذا تمثيل للجدّ في الهروب حتَّى إنّ الواحد ليدوس الآخر لو تعرّض في طريقه‏.‏
وجملة ‏{‏والرسول يدعوكم في أُخراكم‏}‏ حال، والأخرى آخر الجيش أي من ورائكم‏.‏ ودعاء الرسول دعاؤه إيّاهم للثبات والرجوع عن الهزيمة، وهذا هو دعاء الرسول النَّاس بقوله‏:‏ «إليّ عباد الله من يَكُر فله الجنَّة»‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فأثابكم غما‏}‏ إن كان ضمير ‏{‏فأثابكم‏}‏ ضميرَ اسم الجلالةَ، وهو الأظهر والموافق لقوله بعده‏:‏ ‏{‏ثم أنزل عليكم من بعد الغم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 154‏]‏ فهو عطف على ‏{‏صَرَفكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 152‏]‏ أي ترتّب على الصرف إثابتكم‏.‏ وأصلُ الإثابة إعطاء الثَّواب وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل‏.‏ والغمّ ليس بخير، فيكونُ أثابكم إمّا استعارة تهكمية كقول عمرو بن كلثوم‏:‏
قَرَينَاكُم فَعَجَّلْنَا قِراكم *** قبيلَ الصبح مِرداة طحونا
أي جازاكم الله على ذلك الإصعاد المقارن للصرف أن أثابكم غمّاً أي قلقَا لكم في نفوسكم، والمراد أن عاقبكم بغمّ كقوله‏:‏ ‏{‏فبشّرهم بعذاب أليم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 21‏]‏ وفي هذا الوجه بعد‏:‏ لأنّ المقام مقام ملام لا توبيخ، ومقام لا تنديم‏.‏ وإمّا مشاكلةً تقديرية لأنَّهم لما خرجوا للحرب خرجوا طالبين الثَّواب، فسلكوا مسالك باءوا معها بعقاب فيكون كقول الفرزدق‏:‏
أخاف زياداً أن يكون عطاؤُه *** أدَاهِم سوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمرا
وقول الآخر‏:‏
قلتُ‏:‏ اطبُخوا لي جُبَّةً قميصاً ***
ونكتة هذه المشاكلة أن يتوصّل بها إلى الكلام على ما نشأ عن هذا الغمّ من عبرة، ومن توجّه عناية الله تعالى إليهم بعده‏.‏
والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بغمّ‏}‏ للمصاحبة أي غمّاً مع غمّ، وهو جملة الغموم الَّتي دخلت عليهم من خيبة الأمل في النَّصر بعد ظهور بَوارقه، ومن الانهزام، ومن قتل من قُتل، وجرح من جرح، ويجوز كون الباء للعوض، أي‏:‏ جازاكم الله غمّاً في نفوسكم عوضاً عن الغمّ الَّذي نسبتم فيه للرسول وإن كان الضّمير في قوله‏:‏ ‏{‏فأثابكم‏}‏ عائداً إلى الرسول في قوله‏:‏ ‏{‏والرسول يدعوكم‏}‏، وفيه بعد، فالإثابة مجاز في مقابلة فعل الجميل بمثله أي جازاكم بغمّ‏.‏
والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بغمّ‏}‏ باء العوض‏.‏ والغمّ الأوّل غمّ نفس الرسول، والغمّ الثَّاني غمّ المسلمين، والمعنى أنّ الرسول اغتمّ وحزن لما أصابكم، كما اغتممتم لما شاع من قتله فكان غمّه لأجلكم جزاءاً على غمّكم لأجله‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏لكيلا تحزنوا على ما فاتكم‏}‏ تعليل أوّل ل ‏(‏أثابكم‏)‏ أي ألهاكم بذلك الغمّ لئلاّ تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة، وما أصابكم من القتل والجراح، فهو أنساهم بمصيبة صغيرة مصيبة كبيرة، وقيل‏:‏ ‏(‏لا‏)‏ زائدة والمعنى‏:‏ لتحزنوا، فيكون زيادة في التوبيخ والتنديم إن كان قوله‏:‏ ‏{‏أثابكم‏}‏ تهكّماً أو المعنى فأثابكم الرسول غمّاً لكيلا تحزنوا على ما فاتكم‏:‏ أي سكت عن تثريبكم، ولم يظهر لكم إلاّ الاغتمام لأجلكم، لكيلا يذكّركم بالتثريب حزناً على ما فاتكم، فأعرض عن ذكره جَبراً لخواطركم‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى أصابكم بالغمّ الَّذي نشأ عن الهزيمة لتعتادوا نزول المصائب، فيذهب عنكم الهلع والجزع عند النوائب‏.‏
وفي الجمع بين ‏{‏ما فاتكم‏}‏ و‏{‏ما أصابكم‏}‏ طباق يؤذن بطباق آخر مقدّر، لأنّ ما فات هو النافع وما أصاب هو من الضّار‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏154‏]‏
‏{‏ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏154‏)‏‏}‏
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً يغشى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ‏}‏‏.‏
الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏ثم أنزل‏}‏ ضمير اسم الجلالة، وهو يرجّح كون الضمير ‏{‏أثابكم‏}‏ مثله لئلا يكون هذا رجوعاً إلى سياق الضمائر المتقدّمة من قوله‏:‏ ‏{‏ولقد صدقكم الله وعده‏}‏ والمعنى ثمّ أغشاكم بالنعاس بعد الهزيمة‏.‏ وسمّي الأغشاء إنزالاً لأنّه لمّا كان نعاساً مقدّراً من الله لحكمة خاصّة، كان كالنازل من العوالم المشرّفة كما يقال‏:‏ نزلت السكينة‏.‏
والأمَنةُ بفتح الميم الأمن، والنعاس‏:‏ النوم الخفيف أو أوّل النَّوم، وهو يزيل التعب ولا يغيّب صاحبه، فلذلك كان أمنة إذ لو ناموا نوماً ثقيلاً لأخذوا، قال أبو طلحة الأنصاري، والزبير، وأنس بن مالك‏:‏ غشينا نعاس حتَّى أنّ السيف ليسقط من يد أحدنا‏.‏ وقد استجدّوا بذلك نشاطهم، ونسوا حزنهم، لأنّ الحزن تبتدئ خفّته بعد أوّل نومة تعفيه، كما هو مشاهد في أحزان الموت وغيرها‏.‏ و‏(‏نعاساً‏)‏ بَدل على ‏(‏أمنة‏)‏ بدل مطابق‏.‏
وكان مقتضى الظاهر أن يقدّم النعاس ويؤخّر أمنة‏:‏ لأنّ أمنة بمنزلة الصفة أو المفعول لأجله فحقّه التقديم على المفعول كما جاء في آية ‏[‏الأنفال‏:‏ 11‏]‏‏:‏ ‏{‏إذ يغشيكم النعاس أمنة منه‏}‏ ولكنّه قدّم الأمنة هنا تشريفاً لشأنها لأنَّها جعلت كالمنزل من الله لنصرهم، فهو كالسكينة، فناسب أن يجعل هو مفعول أنزل، ويجعل النعاس بدلاً منه‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ يَغشى بالتحتية على أنّ الضّمير عائد إلى نعاس، وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بالفوقية بإعادة الضّمير إلى أمَنة، ولذلك وصفها بقوله‏:‏ منكم‏}‏‏.‏
‏{‏وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق ظَنَّ الجاهلية يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الامر مِن شَئ قُلْ إِنَّ الامر كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الامر شَئ مَّا قُتِلْنَا هاهنا‏}‏‏.‏
لمّا ذكر حال طائفة المؤمنين، تخلّص منه لذكر حال طائفة المنافقين، كما علم من المقابلة، ومن قوله‏:‏ ‏{‏يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية‏}‏، ومِن ترك وصفها بمنكم كما وصف الأولى‏.‏
‏{‏وطائفة‏}‏ مبتدأ وصف بجملة ‏{‏قد أهمتهم أنفسهم‏}‏‏.‏ وخبره جملة ‏{‏يظنون بالله غير الحق‏}‏ والجملة من قوله‏:‏ ‏{‏وطائفة قد أهمتهم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏والله عليم بذات الصدور‏}‏ اعتراض بين جملة ‏{‏ثم أنزل عليكم‏}‏ الآية‏.‏ وجملة ‏{‏إن الذين تولوا منكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 155‏]‏ الآية‏.‏
ومعنى ‏{‏أهمتهم أنفسهم‏}‏ أي حَدّثتهم أنفسهم بما يدخل عليهم الهَمّ وذلك بعدم رضاهم بقدر الله، وبشدّة تلّهفهم على ما أصابهم وتحسّرهم على ما فاتهم مِمّا يظّنونه منجياً لهم لو عملوه‏:‏ أي من الندم على ما فات، وإذ كانوا كذلك كانت نفوسهم في اضطراب وتحرّق يمنعهم من الاطمئنان ومن المنام، وهذا كقوله الآتي‏:‏ ‏{‏ليجعل اللَّه ذلك حسرة في قلوبهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 156‏]‏‏.‏ وقيل معنى ‏{‏أهمّتهم‏}‏ أدخلت عليهم الهَمّ بالكفر والارتداد، وكان رأسُ هذه الطائفة معتّب بن قشير‏.‏
وجملة ‏{‏يظنون بالله غير الحق‏}‏ إمَّا استئناف بياني نشأ عن قوله‏:‏ ‏{‏قد أهمتهم أنفسهم‏}‏ وإمَّا حال من ‏(‏طائفة‏)‏‏.‏ ومعنى ‏{‏يظنون بالله غير الحق‏}‏ أنَّهم ذهبت بهم هواجسهم إلى أن ظنوا بالله ظنوناً باطلة من أوهام الجاهلية‏.‏ وفي هذا تعريض بأنَّهم لم يزالوا على جاهليتهم لم يخلصوا الدين لله، وقد بيّن بعض ما لهم الظنّ بقوله‏:‏ ‏{‏يقولون هل لنا من الأمر من شيء‏}‏ وهل للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، بقرينة زيادة ‏(‏من‏)‏ قبل النكرة، وهي من خصائص النفي، وهو تبرئة لأنفسهم من أن يكونوا سبباً في مقابلة العدوّ‏.‏ حتَّى نشأ عنه ما نشأ، وتعريض بأنّ الخروج للقتال يوم أحُدُ خطأ وغرور، ويظنّون أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم ليس برسول إذ لو كان لكان مؤيّداً بالنصر‏.‏
والقول في ‏{‏هل لنا من الأمر من شيء‏}‏ كالقول في ‏{‏ليس لك من الأمر شيء‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 128‏]‏ المتقدّم آنفاً‏.‏ والمراد بالأمر هنا شأن الخروج إلى القتال، والأمر بمعنى السيادة الذي منه الإمارة، ومنه أولو الأمر‏.‏
وجملة ‏{‏يقولون هل لنا من الأمر من شيء‏}‏ بدل اشتمال من جملة ‏{‏يظنّون‏}‏ لأنّ ظنّ الجاهلية يشتمل على معنى هذا القول‏.‏ ومعنى ‏{‏لو كان لنا من الأمر شيء‏}‏ أي من شأن الخروج إلى القتال، أو من أمر تدبير النَّاس شيء، أي رأي ما قتلنا ههنا، أي ما قتل قومنا‏.‏ وليس المراد انتفاء القتل مع الخروج إلى القتال في أحُدُ، بل المراد انتفاء الخروج إلى أحُدُ الَّذي كان سبباً في قتل من قُتل، كما تدلّ عليه قرينة الإشارة بقوله‏:‏ ‏(‏ههنا‏)‏، فالكلام كناية‏.‏ وهذا القول قاله عبد الله بن أُبَي ابن سلول لمّا أخبروه بمن استشهد من الخزرج يومئذ، وهذا تنصّل من أسباب الحرب وتعريض بالنَّبيء ومن أشار بالخروج من المؤمنين الَّذين رغبوا في إحدى الحسنيين‏.‏
وإنَّما كان هذا الظنّ غيرَ الحقّ لأنَّه تخليط في معرفة صفات الله وصفات رسوله وما يجوز وما يستحيل، فإنّ لله أمراً وهدياً وله قدَر وتيسير، وكذلك لرسوله الدعوة والتشريع وبذل الجهد في تأييد الدّين وهو في ذلك معصوم، وليس معصوماً من جريان الأسباب الدنيوية عليه، ومن أن يكون الحرب بينه وبين عدوّه سجالاً، قال أبو سفيان لهرقل وقد سأله‏:‏ كيف كان قتالكم له‏؟‏ فقال أبو سفيان‏:‏ ينال منّا وننال منه، فقال هرقل‏:‏ وكذلك الإيمان حتَّى يتمّ‏.‏ فظنّهم ذلك ليس بحقّ‏.‏
وقد بيّن الله تعالى أنَّه ظنّ الجاهلية الَّذين لم يعرفوا الإيمان أصلاً فهؤلاء المتظاهرون بالإيمان لم يدخل الإيمان في قلوبهم فبقيت معارفهم كما هي من عهد الجاهلية، والجاهلية صفة جرت على موصوف محذوف يقدّر بالفئة أو الجماعة، وربما أريد به حالة الجاهلية في قولهم أهل الجاهلية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تبرّج الجاهلية الأولى‏}‏، والظاهر أنَّه نسبة إلى الجاهل أي الَّذي لا يعلم الدين والتَّوحيد، فإنّ العرب أطلقت الجهل على ما قابل الحلم، قال ابن الرومي‏:‏
بجهل كجهل السيف والسيف منتضى *** وحلم كحلم السيف والسيف مغمد
وأطلقت الجهل على عدم العلم قال السموأل‏:‏
فليسَ سواء عالم وجَهول ***
وقال النابغة‏:‏
وليس جَاهل شيءٍ مثلَ مَن علما ***
وأحسب أن لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن، وصف به أهل الشرك تنفيراً من الجهل، وترغيباً في العلم، ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذمّ في نحو قوله‏:‏ ‏{‏أفحكم الجاهلية يبغون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 50‏]‏ ‏{‏ولاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الجاهليّة الأولى‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 33‏]‏ ‏{‏إذ جعل الَّذين كفروا في قلوبهم الحَمِيَّة حَمِيَّة الجَاهلية‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 26‏]‏‏.‏ وقال ابن عبَّاس‏:‏ سمعت أبي في الجاهلية يقول‏:‏ اسقنا كأساً دِهاقاً، وفي حديث حكيم بن حِزام‏:‏ أنَّه سأل النَّبيء صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يتحنّث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم‏.‏ وقالوا‏:‏ شعر الجاهلية، وأيَّامُ الجاهلية‏.‏ ولم يسمع ذلك كُلّه إلاّ بعد نزول القرآن وفي كلام المسلمين‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏غير الحق‏}‏ منتصب على أنَّه مفعول ‏{‏يظنّون‏}‏ كأنَّه قيل الباطلَ‏.‏ وانتصب قوله‏:‏ ‏{‏ظن الجاهلية‏}‏ على المصدر المبيّن للنوع إذ كلّ أحد يعرف عقائد الجاهلية إن كان متلبِّساً بها أو تاركاً بها‏.‏
وجملة ‏{‏يخفون‏}‏ حال من الضّمير في ‏{‏يقولون‏}‏ أي يقولون ذلك في حال نيّتهم غيرَ ظَاهِرِه، ف ‏{‏يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك‏}‏ إعلان بنفاقهم، وأنّ قولهم‏:‏ ‏{‏هل لنا من الأمر من شيء‏}‏ وقولهم‏:‏ ‏{‏لو كان من الأمر شيء ما قتلنا ههنا‏}‏ هو وإن كان ظاهره صورة العتاب عن ترك مشورتهم فنِيَّتهم منه تخطئة النَّبيء في خروجه بالمسلمين إلى أُحُد، وأنَّهم أسدّ رأياً منه‏.‏
وجملة ‏{‏يقولون لو كان لنا من الأمر شيء‏}‏ بدل اشتمال من جملة ‏{‏يخفون في أنفسهم‏}‏ إذ كانوا قد قالوا ذلك فيما بينهم ولم يظهروه، أو هي بيان لجملة ‏{‏يقولون هل لنا من الأمر من شيء‏}‏ إذا أظهروا قولهم للمسلمين، فترجع الجملة إلى معنى بدل الاشتمال من جملة ‏{‏يظنّون‏}‏ لأنها لما بينت جملة هي بدل فهي أيضا كالتي بينتها، وهذا أظهر لأجل قوله بعدَه‏:‏ ‏{‏قل لو كنتم في بيوتكم‏}‏ فإنَّه يقتضي أنّ تلك القالة فشت وبلغت الرسولَ، ولا يحسن كون جملة ‏{‏يقولون لو كان‏}‏ إلى آخره مستأنفة خلافا لما في «الكشاف»‏.‏
وهذه المقالة صدرت من مُعَتِّب بن قُشير قال الزبير بن العوّام‏:‏ غشيني النُّعاس فسمعت معتّب بن قشير يقول‏:‏ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا‏.‏ فحكى القرآن مقالته كما قالها، وأسندت إلى جميعهم لأنَّهم سمعوها ورضوا بها‏.‏
وجملة ‏{‏قل إن الأمر كله لله‏}‏ ردّ عليهم هذا العذر الباطل أي أنّ الله ورسوله غير محتاجين إلى أمركم‏.‏ والجملة معترضة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ كلَّه بالنصب تأكيداً لاسم إنّ، وقرأه أبو عمرو، ويعقوب بالرفع على نيّة الابتداء‏.‏
والجملةُ خبر إنّ‏.‏
‏{‏قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ‏}‏‏.‏
لقن الله رسوله الجواب عن قولهم‏:‏ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا‏.‏ والجواب إبطال لقولهم، وتعليم للمؤمنين لدفع ما عسى أن يقع في نفوسهم من الريب، إذا سمعوا كلام المنافقين، أو هو جواب للمنافقين ويحصل به علم للمؤمنين‏.‏ وفُصلت الجملة جرياً على حكاية المقاولة كما قرّرنا غير مرّة‏.‏ وهذا الجواب جار على الحقيقة وهي جريان الأشياء على قَدر من الله والتسليممِ لذلك بعد استفراغ الجهد في مصادفة المأمول، فليس هذا الجواب ونظائره بمقتض ترك الأسباب، لأنّ قدر الله تعالى وقضاءه غير معلومَين لنا إلاّ بعد الوقوع، فنحن مأمورون بالسعي فيما عساه أن يكون كاشفاً عن مصادفة قدر الله لمأمولنا، فإن استفرغنا جهودنا وحُرمنا المأمول، علمنا أنّ قدر الله جرى من قبل على خلاف مرادنا‏.‏ فأمَّا ترك الأسباب فليس من شأننا، وهو مخالف لما أراد الله منّا، وإعراض عمّا أقامنا الله فيه في هذا العالم وهو تحريف لمعنى القدَر‏.‏ والمعنى‏:‏ لو لم تكونوا ههنا وكنتم في بيوتكم لخرج الَّذين كتب الله عليهم أن يموتوا مقتولين فقتلوا في مضاجعهم الَّتي اضطجعوا فيها يوم أُحُد أي مصارعهم فالمراد بقوله‏:‏ ‏{‏كتب‏}‏ قدّر، ومعنى ‏{‏برز‏}‏ خرج إلى البراز وهو الأرض‏.‏
وقرأ الجمهور باء ‏(‏بيوتكم‏)‏ بالكسر‏.‏ وقرأه أبو عمرو، وورش عن نافع، وحفص، وأبو جعفر بالضم‏.‏
والمضاجع جمع مضجع بفتح الميم وفتح الجيم وهو محلّ الضجوع، والضجوع‏:‏ وضع الجنب بالأرض للراحة والنَّوم، وفعله من باب منع ومصدره القياسي الضجْع، وأمَّا الضجوع فغير قياسي، ثمّ غلب إطلاق المضجع على مكان النَّوم قال تعالى‏:‏ ‏{‏تتجافى جنوبهم عن المضاجع‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 16‏]‏ وفي حديث أمّ زرع‏:‏ «مَضْجَعه كمَسلّ شَطْبَة» فحقيقة الضجوع هو وضع الجنب للنَّوم والراحة وأطلق هنا على مصارع القتلى على سبيل الاستعارة، وحسّنها أنّ الشهداء أحياء، فهو استعارة أو مشاكلة تقديرية لأنّ قولهم، ما قُتلنا ههنا يتضمَّن معنى أنّ الشهداء كانوا يَبْقون في بيوتهم متمتَّعين بفروشهم‏.‏
‏{‏وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور‏}‏‏.‏
‏{‏وليبتلي الله ما في صدوركم‏}‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏لكيلا تحزنوا على ما فاتكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 153‏]‏ وما بينهما جمل بعضها عطف على الجملة المعلّلة، وبعضها معترضة، فهو خطاب للمؤمنين لا محالة، وهو علَّة ثانية لقوله‏:‏ ‏{‏فأثابكم عما بغم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 153‏]‏‏.‏
والصّدُور هنا بمعنى الضّمائر، والابتلاءُ‏:‏ الاختبار، وهو هنا كناية عن أثره، وهو إظهاره للنَّاس والحجّة على أصحاب تلك الضّمائر بقرينة قوله‏:‏ ‏{‏والله عليم بذات الصدور‏}‏ كما تقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وليعلم اللَّه الذين ءامنوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 140‏]‏‏.‏
والتمحيص تخليص الشيء ممَّا يخالطه ممَّا فيه عيب له فهو كالتزكية‏.‏ والقلوب هنا بمعنى العقائد، ومعنى تمحيص ما فيه قلوبهم تطهيرها ممَّا يخامرها من الريب حين سماع شُبه المنافقين الّتي يبثُّونها بينهم‏.‏
وأطلق الصدور على الضّمائر لأنّ الصدر في كلام العرب يطلق على الإحساس الباطني، وفي الحديث‏:‏ «الإثم ما حاك في الصّدر» وأطلق القلب على الاعتقاد لأنّ القلب في لسان العرب هو ما به يحصّل التفكّر والاعتقاد‏.‏ وعُدّي إلى الصّدور فعل الابتلاء لأنَّه اختبار الأخلاق والضّمائر‏:‏ ما فيها من خير وشَرّ، وليتميّز ما في النفس‏.‏ وَعُدِّيَ إلى القلوب فعل التمحيص لأنّ الظنون والعقائد محتاجة إلى التمحيص لتكون مصدر كلّ خير‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏155‏]‏
‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ‏(‏155‏)‏‏}‏
استئناف لبيان سبب الهزيمة الخفيّ، وهي استزلال الشيطان إيّاهم، وأراد ب ‏{‏يوم التقى الجمعان‏}‏ يومَ أُحُد، و‏(‏استزلّهم‏)‏ بمعنى أزلّهم أي جعلهم زالّين، والزلل مستعار لفعل الخطيئة، والسين والتاء فيه للتأكيد، مثل استفاد واستبشر واستنشق وقول النَّابغة‏:‏
وهم قتلوا الطائي بالجوّ عنوة *** أبا جابر فاسْتَنْكحوا أم جابر
أي نكحوا‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستغنى اللَّه‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 6‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أبى واستكبر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 34‏]‏‏.‏ ولا يحسن حمل السين والتاء على معنى الطلب لأنّ المقصود لومهم على وقوعهم في معصية الرسول، فهو زلل واقع‏.‏
والمراد بالزّلل الانهزام، وإطلاق الزلل عليه معلوم مشهور كإطلاق ثبات القدم على ضدّه وهو النَّصر قال تعالى‏:‏ ‏{‏وثبت أقدامنا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 147‏]‏‏.‏
‏(‏والباء في ‏{‏ببعض ما كسبوا‏}‏ للسببية وأريد ‏{‏ببعض ما كسبوا‏}‏ مفارقة موقفهم، وعصيان أمر الرّسول، والتنازع، والتعجيل إلى الغنيمة، والمعنى أن ما أصابهم كان من آثار الشيطان، رماهم فيه ببعض ما كسبوا من صنيعهم، والمقصد من هذا إلقاء تبعة ذلك الانهزام على عواتقهم، وإبطال ما عرّض به المنافقون من رمى تبعته على أمر الرسول عليه الصلاة والسّلام بالخروج، وتحريض الله المؤمنين على الجهاد‏.‏ وذلك شأن ضعاف العقول أن يشتبه عليهم مقارن الفعل بسببه، ولأجل تخليص الأفكار من هذا الغلط الخفيّ وضع أهل المنطق باب القضيّة اللزوميّة والقضيّة الاتفاقية‏.‏
ومناسبةُ ذكر هذه الآية عقب الَّتي قبلها أنَّه تعالى بعد أن بيَّن لهم مرتبة حقّ اليقين بقوله‏:‏ ‏{‏قل لو كنتم في بيوتكم‏}‏ انتقل بهم إلى مرتبة الأسباب الظاهرة، فبيّن لهم أنَّه إن كان للأسباب تأثير فسبب مصيبتهم هي أفعالهم الَّتي أملاها الشيطان عليهم وأضلّهم، فلم يتفطّنوا إلى السبب، والتبس عليهم بالمقارن، ومن شأن هذا الضلال أن يحول بين المخطئ وبين تدارك خطئه ولا يخفى ما في الجمع بين هذه الأغراض من العلم الصّحيح، وتزكية النفوس، وتحبيب الله ورسوله للمؤمنين، وتعظيمه عندهم، وتنفيرهم من الشيطان، والأفعاللِ الذميمة، ومعصية الرسول، وتسفيه أحلام المشركين والمنافقين‏.‏ وعلى هذا فالمراد من الذين تولّوا نفس المخاطبين بقوله‏:‏ ‏{‏ثم صرفكم عنهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 152‏]‏ الآيات‏.‏ وضمير ‏{‏منكم‏}‏ راجع إلى عامّة جيش أُحُد فشمل الذين ثبتوا ولم يفرّوا‏.‏ وعن السديّ أنّ الذين تولّوا جماعة هربوا إلى المدينة‏.‏
وللمفسّرين في قوله‏:‏ ‏{‏استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا‏}‏ احتمالات ذكرها صاحب «الكشاف» والفخر، وهي بمعزل عن القصد‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ولقد عفا الله عنهم‏}‏ أعيد الإخبار بالعفْو تأنيساً لهم كقوله‏:‏ ‏{‏ولقد عفا عنكم‏}‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏156‏]‏
‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏156‏)‏‏}‏
تحذير من العود إلى مخالجة عقائد المشركين، وبيان لسوء عاقبة تلك العقائد في الدنيا أيضاً‏.‏ والكلام استئناف‏.‏ والإقبال على المؤمنين بالخطاب تلطّف بهم جميعاً بعد تقريع فريق منهم الَّذين تولّوا يوم التقى الجمعان‏.‏ واللام في قولهم‏:‏ ‏{‏لإخوانهم‏}‏ ليست لام تعدية فعل القول بل هي لام العلّة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً‏}‏ لأنّ الإخوان ليسوا متكلّماً معهم بل هم الَّذين ماتوا وقُتلوا، والمراد بالإخوان الأقارب في النسب، أي من الخزرج المؤمنين، لأنّ الشهداء من المؤمنين‏.‏
و ‏(‏إذ‏)‏ هنا ظرف للماضي بدليل فعليّ ‏(‏قالوا وضَربوا‏)‏، وقد حذف فعل دلّ عليه قوله‏:‏ ‏{‏ما ماتوا‏}‏ تقديره‏:‏ فماتوا في سفرهم أو قتلوا في الغزو‏.‏
والضرب في الأرض هو السفر، فالضرب مستعمل في السير لأنّ أصل الضّرب هو إيقاع جسم على جسم وقرعه به، فالسير ضرب في الأرض بالأرجل، فأطلق على السفر للتجارة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل اللَّه‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 20‏]‏، وعلى مطلق السفر كما هنا، وعلى السفر للغزو كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 94‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 101‏]‏ والظاهر أنّ المراد هنا السفر في مصالح المسلمين لأنّ ذلك هو الَّذي يلومهم عليه الكفار، وقيل‏:‏ أريد بالضرب في الأرض التجارة‏.‏
وعليه يكون قرنه مع القتل في الغزو لكونهما كذلك في عقيدة الكفار‏.‏
و ‏{‏غُزًّى‏}‏ جمع غاز‏.‏ وفُعَّل قليل في جمع فَاعل الناقص‏.‏ وهو مع ذلك فصيح‏.‏ ونظيره عُفَّى في قول امرئ القيس‏:‏
لَهَا قُلُب عُفَّى الحِيَاضضِ أُجُونُ ***
وقوله‏:‏ ‏{‏ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم‏}‏ علّة ل ‏(‏قَالوا‏)‏ باعتبار ما يتضمّنه من اعتقاد ذلك مع الإعلان به توجيهاً للنَّهي عن التشبيه بهم أي فإنَّكم إن اعتقدتم اعتقادهم لحِقَكم أثره كما لحقهم، فالإشارة بقوله‏:‏ ‏(‏ذلك‏)‏ إلى القول الدال على الاعتقاد، وعلى هذا الوجه فالتعليل خارج عن التشبيه‏.‏ وقيل‏:‏ اللام لام العاقبة، أي‏:‏ لا تكونوا كالَّذين قالوا فترتّب على قولهم أن كان ذلك حسرة في قلوبهم، فيكون قوله‏:‏ ‏{‏ليجعل‏}‏ على هذا الوجه من صلة ‏(‏الّذين‏)‏، ومن جملة الأحوال المشبّه بها، فيعلم أنّ النّهي عن التّشبّه بهم فيها لما فيها من الضرّ‏.‏
والحَسرة‏:‏ شدّة الأسف أي الحُزن، وكانَ هذا حسرة عليهم لأنَّهم توهّموا أنّ مصابهم نشأ عن تضييعهم الحزم، وأنَّهم لو كانوا سلكوا غير ما سلكوه لنجوا فلا يزالون متلهّفين على مافتهم‏.‏ والمؤمن يبذل جهده فإذا خَابَ سَلَّم لْحكم القدر‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏والله بما تعملون بصير‏}‏ تحذير لهم من أن يضمروا العود إلى ما نهوا عنه‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏157- 158‏]‏
‏{‏وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ‏(‏157‏)‏ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏158‏)‏‏}‏
ذكر ترغيباً وترهيباً، فجعل الموت في سبيل الله والموت في غير سبيل الله، إذا أعقبتهما المَغفرة خيراً من الحياة وما يجمعون فيها، وجعل الموت والقتل في سبيل الله وسيلة للحشر والحساب فلْيَعْلَم أحد بماذَا يُلاقي ربّه‏.‏ والواو للعطف على قوله‏:‏ ‏{‏لا تكذبوا كالذين كفروا‏}‏ وعلى قوله‏:‏ ‏{‏والله يحي ويميت‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 156‏]‏
واللام في قوله‏:‏ ‏{‏ولئن قتلتم‏}‏ موطّئة للقسم أي مؤذنة بأنّ قبلها قسماً مقدّراً، ورد بعده شرط فلذلك لا تقع إلاّ مع الشرط‏.‏ واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لمغفرة‏}‏ هي لام جواب القسم‏.‏ والجوابُ هو قوله‏:‏ ‏{‏لمغفرة من الله ورحمة خير‏}‏ لظهور أنّ التقدير‏:‏ لمغفرة ورحمة لكم‏.‏ وقرأه نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف‏:‏ مِتّم بكسر الميم على لغة الحجاز لأنَّهم جعلوا مَاضيهُ مثل خَاف، اعتبروه مكسور العين وجعلوا مضارعه من باب قَام فقالوا‏:‏ يموت، ولم يقولوا‏:‏ يمات، فهو من تداخل اللغتين‏.‏ وأمَّا سُفلى مضر فقد جاءوا به في الحالين من باب‏:‏ قام فقرأوه‏:‏ مُتُّم‏.‏ وبها قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عَمرو، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب‏.‏ وقرأ الجمهور، ‏{‏ممَّا تجمعون‏}‏ بتاء الخطاب وقرأ حفص عن عاصم بياء الغائب على أنّ الضّمير عائد إلى المشركين أي خير لكم من غنائم المشركين الّتي جمعوها وطمعتم أنتم في غنمها‏.‏
وقُدّم القتل في الأولى والموتُ في الثانية اعتباراً بعطف ما يظنّ أنّه أبْعد عن الحكم فإنّ كون القتل في سبيل الله سبباً للمغفرة أمر قريب، ولكن كون الموت في غير السبيل مثل ذلك أمر خفي مستبعد، وكذلك تقديم الموت في الثَّانية لأنّ القتل في سبيل الله قد يظنّ أنَّه بعيد عن أن يعقبه الحشر، مع ما فيه من التفنّن، ومن ردّ العجز على الصدر وجعل القتل مبدأ الكلام وعوده‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏159‏]‏
‏{‏فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ‏(‏159‏)‏‏}‏
الفاء للتفريع على ما اشتمل عليه الكلام السابق الَّذي حُكي فيه مخالفة طوائف لأمر الرسول من مؤمنين ومنافقين، وما حكي من عفو الله عنهم فيما صنعوا‏.‏ ولأنّ في تلك الواقعة المحكية بالآيات السابقة مظاهر كثيرة من لين النَّبيء صلى الله عليه وسلم للمسلمين، حيث استشارهم في الخروج، وحيث لم يثرِّبهم على ما صنعوا من مغادرة مراكزهم، ولمَّا كان عفو الله عنهم يعرف في معاملة الرّسول إيّاهم، ألاَن الله لهم الرسول تحقيقاً لرحمته وعفوه، فكان المعنى‏:‏ ولقد عفا الله عنهم برحمته فَلاَن لهم الرسول بإذن الله وتكوينه إيّاه راحماً، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 107‏]‏‏.‏
والباء للمصاحبة، أي لنتَ مع رحمة الله‏:‏ إذ كان لينه في ذلك كلّه ليناً لا تفريط معه لشيء من مصالحهم، ولا مجاراةً لهم في التساهل في أمر الدّين، فلذلك كان حقيقاً باسم الرحمة‏.‏
وتقديم المجرور مفيد للحصر الإضافي، أي‏:‏ برحمة من الله لا بغير ذلك من أحوالهم، وهذا القصر مفيد التعريض بأنّ أحوالهم كانت مستوجبة الغلظ عليهم، ولكن الله ألاَن خلق رسوله رحمة بهم، لحكمة علمها الله في سياسة هذه الأمَّة‏.‏
وزيدت ‏(‏ما‏)‏ بعد باء الجرّ لتأكيد الجملة بما فيه من القصر، فتعيّنَ بزيادتها كون التَّقديم للحصر، لا لمجرد الاهتمام، ونبّه عليه في «الكشاف»‏.‏
واللِينُ هنا مجاز في سعة الخلق مع أمّة الدعوة والمسلمين، وفي الصفح عن جَفاء المشركين، وإقالة العثرات‏.‏ ودلّ فعل المضيّ في قوله‏:‏ ‏{‏لنت‏}‏ على أنّ ذلك وصف تقرّر وعرف من خُلقه، وأنّ فطرته على ذلك برحمة من الله إذ خلقَه كذلك ‏{‏واللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 124‏]‏، فخلق الرسول مُناسب لتحقيق حصول مراد الله تعالى من إرساله، لأنّ الرسول يجيء بشريعة يبلّغها عن الله تعالى، فالتبليغ متعيّن لا مصانعة فيه، ولا يتأثّر بخلق الرسول، وهو أيضاً مأمور بسياسة أمَّته بتلك الشريعة، وتنفيذها فيهم، وهذا عمل له ارتباط قوي بمناسبة خُلق الرسول لطباع أمّته حتَّى يلائم خلقه الوسائل المتوسَّل بها لحمل أمَّته على الشَّريعة الناجحة في البلوغ بهم إلى مراد الله تعالى منهم‏.‏
أرسل محمَّد صلى الله عليه وسلم مفطوراً على الرحمة، فكان لِينه رحمة من الله بالأمَّة في تنفيذ شريعته بدون تساهل وبرفق وإعانة على تحصيلها، فلذلك جعل لينه مصاحباً لرحمةٍ من الله أودعها الله فِيه، إذ هو قد بعث للنَّاس كافّة، ولكن اختار الله أن تكون دعوته بين العرب أولَ شيء لحكمةٍ أرادها الله تعالى في أن يكون العرب هم مبلغي الشَّريعة للعالم‏.‏
والعرب أمَّة عُرفت بالأنفة، وإباء الضيم، وسلامةِ الفطرة‏.‏ وسرعةِ الفهم‏.‏ وهم المتلقُّون الأوّلون للدين فلم تكن تليق بهم الشّدة والغلظة، ولكنّهم محتاجون إلى استنزال طائرهم في تبليغ الشريعة لهم، ليتجنّبوا بذلك المكابرةَ الَّتي هي الحائل الوحيد بينهم وبين الإذعان إلى الحقّ‏.‏
وورد أن صفح النَّبيء صلى الله عليه وسلم وعفوه ورحمته كان سبباً في دخول كثير في الإسلام، كما ذكر بعض ذلك عياض في كتاب الشفاء‏.‏
فضمير ‏{‏لهم‏}‏ عائد على جميع الأمَّة كما هو مقتضى مقام التَّشريع وسياسة الأمَّة، وليس عائداً على المسلمين الَّذين عصوا أمر الرسول يوم أُحُد، لأنَّه لا يناسب قوله بعده‏:‏ ‏{‏لانفضوا من حولك‏}‏ إذ لا يُظنّ ذلك بالمسلمين، ولأنَّه لا يناسب قوله بعده‏:‏ ‏{‏وشاورهم في الأمر‏}‏ إذا كان المراد المشاورة للاستعانة بآرائهم، بل المعنى‏:‏ لو كنت فظّاً لنفرك كثير ممّن استجاب لك فهلكوا، أو يكون الضّمير عائداً على المنافقين المعبّر عنهم بقوله‏:‏ ‏{‏وطائفة قد أهمتهم أنفسهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 154‏]‏ فالمعنى‏:‏ ولو كنت فظّاً لأعلنوا الكفر وتفرّقوا عنك، وليس المراد أنَّك لنت لهم في وقعة أُحُد خاصّة، لأنّ قوله بعده‏:‏ ‏{‏ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك‏}‏ إلخ ينافي ذلك المحمل‏.‏
والفَظّ‏:‏ السيء الخلق، الجافي الطبع‏.‏
والغليظ القلب‏:‏ القاسِيه، إذ الغلظة مجاز عن القسوة وقلّة التسامح، كما كان اللين مجازاً في عكس ذلك، وقالت جواري الأنصار لعمر حين انتهرهنّ «أنت أفظّ وأغلظ من رسول الله» يردن أنت فظّ وغليظ دون رسول الله‏.‏
والانفضاض‏:‏ التفرق‏.‏ و‏{‏من حولك‏}‏ أي من جهتك وإزائك، يقال‏:‏ حَوْله وحَوْلَيه وحَوَاليْه وحَوَالَه وحِيَالَه وبِحِيَالِه‏.‏ والضّمير للذين حَوْل رسول الله، أي الَّذين دخلوا في الدّين لأنَّهم لا يطيقون الشدّة، والكلام تمثيل‏:‏ شبّهت هيئة النفور منه وكراهية الدخول في دينه بالانفضاض من حوله أي الفرار عنه متفرّقين، وهو يؤذَّن بأنَّهم حوله متّبعون له‏.‏
والتَّفريع في قوله‏:‏ ‏{‏فاعف عنهم‏}‏ على قوله‏:‏ ‏{‏لنت لهم‏}‏ الآية، لأنّ جميع الأفعال المأمور بها مناسب للين، فأمَّا العفول والاستغفار فأمرهما ظاهر، وأمَّا عطف ‏{‏وشاورهم‏}‏ فلأنّ الخروج إلى أُحُد كان عن تشاور معهم وإشارتهم، ويشمل هذا الضّميرُ جميع الَّذين لاَن لهم صلى الله عليه وسلم وهم أصحابه الَّذين حوله سواء من صدر منهم أمر يوم أحُد وغيرهم‏.‏
والمشاورة مصدر شاور، والاسم الشُّورَى والمَشُورة بفتح الميم وضم الشِّين أصلها مَفْعُلة بضمّ العين، فوقع فيها نقل حركة الواو إلى الساكن‏.‏ قيل‏:‏ المشاورة مشتقّة من شار الدابّة إذا اختبر جَريها عند العرض على المشتري، وفعل شار الدابّة مشتقّ من المِشْوَار وهو المكان الَّذي تُركض فيه الدوابّ‏.‏ وأصله معرّب ‏(‏نَشْخُوَار‏)‏ بالفارسية وهو ما تبقيه الدابّة من علفها‏.‏ وقيل‏:‏ مشتقّة من شار العسل أي جناه من الوقَبَة لأنّ بها يستخرج الحقّ والصّواب، وإنَّما تكون في الأمر المهمّ المشكل من شؤون المرء في نفسه أو شؤون القبيلة أو شؤون الأمة‏.‏
و ‏(‏أل‏)‏ في الأمر للجنس، والمراد بالأمر المهمّ الَّذي يؤتمر له، ومنه قولهم‏:‏ أمْر أمِر، وقال أبو سفيان لأصحابه في حديث هرقل‏:‏
«لقد أمِر أمْرُ ابن أبي كَبشة، إنَّه يَخافُه مَلِك بَنِي الأصفر»‏.‏ وقيل‏:‏ أريد بالأمر أمر الحرب فاللام للعهد‏.‏
وظاهر الأمر أنّ المراد المشاورة الحقيقية الَّتي يقصد منها الاستعانة برأي المستشارَيْن بدليل قوله عقبه‏:‏ ‏{‏فإذا عزمت فتوكل على الله‏}‏ فضمير الجميع في قوله‏:‏ ‏{‏وشاورهم‏}‏ عائد على المسلمين خاصة‏:‏ أي شاور الَّذين أسلموا مِن بين مَن لنت لهم، أي لا يصدّك خطل رأيهم فيما بدا منهم يوم أحُد عن أن تستعين برأيهم في مواقع أخرى، فإنَّما كان ما حصل فلتة منهم، وعشرة قد أقَلْتَهم منها‏.‏
ويحتمل أن يراد استشارة عبد الله بن أبي وأصحابه، فالمراد الأخذ بظاهر أحوالهم وتأليفهم، لعلّهم أن يُخلصوا الإسلام أو لا يزيدوا نفاقاً، وقطعاً لأعذارهم فيما يستقبل‏.‏
وقد دلّت الآية على أن الشُّورى مأمور بها الرسُول صلى الله عليه وسلم فيما عبّر عنه ب ‏(‏الأمر‏)‏ وهو مُهمّات اللأمّة ومصالحها في الحرب وغيره، وذلك في غير أمر التَّشريع لأنّ أمر التَّشريع إن كان فيه وحي فلا محيد عنه، وإن لم يكن فيه وحي وقلنا بجواز الاجتهاد للنَّبيء صلى الله عليه وسلم في التَّشريع فلا تدخل فيه الشورى لأنّ شأن الاجتهاد أن يستند إلى الأدلّة لا للآراء، والمجتهد لا يستشير غيره إلاّ عند القضاء باجتهاده‏.‏ كما فعل عُمر وعُثمان‏.‏
فتعيّن أنّ المشاورة المأمور بها هنا هي المشاورة في شؤون الأمَّة ومصالحها، وقد أمر الله بها هنا ومدحها في ذكر الأنصار في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمرهم شورى بينهم‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 38‏]‏ واشترطها في أمر العائلة فقال‏:‏ ‏{‏فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 233‏]‏‏.‏ فشرع بهاته الآيات المشاورة في مراتب المصالح كلّها‏:‏ وهي مصالح العائلة ومصالح القبيلة أو البلد، ومصالح الأمَّة‏.‏
واختلف العلماء في مدلول قوله‏:‏ ‏{‏وشاورهم‏}‏ هل هو للوجوب أو للندب، وهل هو خاصّ بالرسول عليه الصلاة السَّلام، أو عامّ له ولولاة أمور الأمَّة كلّهم‏.‏
فَذهب المالكية إلى الوجوب والعموم، قال ابن خُوَيْز منداد‏:‏ واجب على الولاة المشاورة، فيُشاورون العلماء فيما يشكل من أمور الدّين، ويشاورون وجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب، ويشاورون وجوه النَّاس فيما يتعلَّق بمصالحهم ويشاورون وجوه الكتّاب والعمّال والوزراء فيما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها‏.‏ وأشار ابن العربي إلى وجوبها بأنَّها سبب للصّواب فقالَ‏:‏ والشورى مِسبار العقل وسبب الصّواب‏.‏ يشير إلى أنَّنا مأمورون بتحرّي الصّواب في مصالح الأمَّة، وما يتوقّف عليه الواجب فهو واجب‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ الشورى من قواعد الشَّريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، وهذا ما لا اختلاف فيه‏.‏ واعتراض عليه ابن عرفة قوله‏:‏ فعزله واجب ولم يعترض كونَها واجبة، إلاّ أنّ ابن عطية ذكر ذلك جازماً به وابن عرفة اعترضه بالقياس على قول علماء الكلام بعدم عزل الأمير إذا ظهر فسقه، يعني ولا يزيد تركُ الشورى على كونه تركَ واجب فهو فسق‏.‏
وقلت‏:‏ من حفظ حجَّة على من لم يحفظ، وإنّ القياس فيه فارق معتبر فإنّ الفسق مضرّته قاصرة على النفس وترك التشاور تعريض بمصالح المسلمين للخطر والفوات، ومحمل الأمر عند المالكية للوجوب والأصل عندهم عدم الخصوصية في التَّشريع إلاّ لدليل‏.‏
وعن الشافعي أنّ هذا الأمر للاستحباب، ولتقتدي به الأمّة، وهو عامّ للرسول وغيره، تطييباً لنفوس أصحابه ورفعاً لأقدارهم، وروى مثله عن قتادة، والرّبيع، وابن إسحاق‏.‏ وردّ هذا أبو بكر أحمدُ بن عليّ الرازي الحنفي المشهور بالجَصّاص بقوله‏:‏ لو كان معلوماً عندهم أنَّهم إذا استَفرغوا جهدهم في استنباط الصّواب عمَّا سُئِلُوا عنه، ثُمّ لم يكن معمولاً به، لم يكن في ذلك تطييب لنفوسهم ولا رفع لأقدارهم، بل فيه إيحاشُهم فالمشاورة لم تفد شيئاً فهذا تأويل ساقط‏.‏ وقال النووي، في صدر كتاب الصلاة من «شرح مسلم»‏:‏ الصحيح عندهم وجوبها وهو المختار‏.‏ وقال الفخر‏:‏ ظاهر الأمر أنَّه للوجوب‏.‏ ولم ينسب العلماء للحنفية قولاً في هذا الأمر إلا أنّ الجَصّاص قال في كتابه أحكام القرآن عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمرهم شورى بينهم‏}‏‏)‏‏:‏ هذا يدلّ على جلالة وقع المَشُورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصّلاة ويدلّ على أنَّنا مأمورون بها‏.‏ ومجموع كلامي الجصّاص يدلّ أن مذهب أبي حنيفة وجوبها‏.‏
ومن السلف من ذهب إلى اختصاص الوجوب بالنَّبيء صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وسفيان، قالا‏:‏ وإنَّما أمر بها ليقتدى به غيره وتشيع في أمَّته وذلك فيما لا وحي فيه‏.‏ وقد استشار النَّبيء صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج لبدر، وفي الخروج إلى أحُد، وفي شأن الأسرى يوم بدر، واستشار عموم الجيش في رَدِّ سبي هوازن‏.‏
والظاهر أنَّها لا تكون في الأحكام الشرعية لأنّ الأحكام إن كانت بوحي فظاهر، وإن كانت اجتهادية، بناء على جواز الاجتهاد للنَّبيء صلى الله عليه وسلم في الأمور الشرعية، فالاجتهاد إنَّما يستند للأدلَّة لا للآراء وإذا كان المجتهد من أمَّته لا يستشير في اجتهاده، فكيف تجب الاستشارة على النَّبيء صلى الله عليه وسلم مع أنَّه لو اجتهد وقلنا بجواز الخطإ عليه فإنَّه لا يُقرّ على خطإ باتّفاق العلماء‏.‏ ولم يزل من سنّة خلفاء العدل استشارة أهل الرأي في مصالح المسلمين، قال البخاري في كتاب الاعتصام من «صحيحه»‏:‏ «وكانت الأئمة بعد النَّبيء صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم، وكان القُرّاء أصحابَ مشُورة عمَرَ‏:‏ كُهولاً كانوا أو شُبَّاناً، وكان وقّافاً عند كتاب الله»‏.‏ وأخرج الخطيب عن عليّ قال‏:‏ «قلت‏:‏ يا رسول الله الأمر ينزل بعدَك لم يَنزل فيه قرآن ولم يسْمع منك فيه شيء قال‏:‏ اجمعوا له العابِد من أمّتي واجعلوه بينكم شُورى ولا تقضوه برأي واحد» واستشار أبو بكر في قتال أهل الردّة، وتشاور الصّحابةُ في أمر الخليفة بعد وفاة النَّبيء صلى الله عليه وسلم وجعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بعده في ستَّة عيّنهم، وجعل مراقبة الشورى لِخمسين من الأنصار، وكان عمر يكتب لعمّاله يأمرهم بالتَّشاور، ويتمثّل لهم في كتابه بقول الشاعر ‏(‏لم أقف على اسمه‏)‏‏:‏
خَلِيلَيّ ليسَ الرأيُ في صَدرِ واحد *** أشِيرا عَلَيّ بالَّذِي تَرَيَانِ
هذا والشورى ممَّا جبل لله عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطره على محبّة الصلاح وتطلّب النجاح في المساعي، ولذلك قرن الله تعالى خلق أصل البشر بالتَّشاور في شأنه إذ قال للملائكة‏:‏ ‏{‏إني جاعل في الأرض خليفة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 30‏]‏، إذ قد غَنِي الله عن إعانة المخلوقات في الرأي ولكنَّه عرض على الملائكة مراده ليكون التَّشاور سنّة في البشر ضرورة أنّه مقترن بتكوينه، فإنّ مقارنة الشيء للشيء في أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه، ولمَّا كانت الشورى معنى من المعاني لا ذات لها في الوجود جعل الله إلفها للبشر بطريقة المقارنة في وقت التكوين‏.‏ ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر فقد استشار فرعون في شأن موسى عليه السَّلام فيما حكى الله عنه بقوله‏:‏ ‏{‏فماذا تأمرون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 110‏]‏‏.‏ واستشارت بلقيس في شأن سليمان عليه السلام فيما حكى الله عنها بقوله‏:‏ ‏{‏قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون وإنَّما يلهي النَّاس عنها حبّ الاستبداد، وكراهية سماع ما يخالف الهوى، وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة، ولذلك يهرع المستبدّ إلى الشورى عند المضائق‏.‏ قال ابن عبد البرّ في بهجة المجالس‏:‏ الشورى محمودة عند عامّة العلماء ولا أعلم أحداً رضِي الاستبداد إلاّ رجل مفتون مخادع لمن يطلب عنده فائدة، أو رجل فاتك يحاول حين الغفلة، وكلا الرجلين فاسق‏.‏ ومثَل أوّلهما قول عمر بن أبي ربيعة‏:‏
واستَبَدّت مَرّة واحِدة *** إنَّمَا العَاجِز مَن لا يستبدّ
ومَثل ثانيهما قول سَعْد بن نَاشِب‏:‏
إذا هَمّ ألقَى بين عينيه عزمه *** ونَكَّب عن ذِكْر العواقب جانباً
ولم يستَشِرْ في أمره غَير نفسه *** ولم يَرْضَ إلا قَائم السيف صاحباً
ومن أحسن ما قيل في الشورى قول بشار بن برد‏:‏
إذا بَلغ الرأيُ المَشُورة فاستَعن *** بحزم نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشُورى عليك غضاضة *** مَكانُ الخَوافي قُوّة للقَوادِم
وهي أبيات كثيرة مثبتة في كتب الأدب‏.‏
وقوله‏:‏ فإذا عزمت فتوكل على الله‏}‏ العزم هو تصميم الرأي على الفعل وحُذف متعلَّق ‏(‏عزمت‏)‏ لأنَّه دلّ عليه التفريع عن قوله‏:‏ ‏{‏وشاورهم في الأمر‏}‏، فالتقدير‏:‏ فإذا عزمت على الأمر‏.‏ وقد ظهر من التفريع أنّ المراد‏:‏ فإذا عزمت بعد الشورى أي تبيّن لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه فعزمت على تَنفيذه سواء كان على وفق بعض آراء أهل الشورى أم كان رأياً آخر لاح للرّسول سدادُه فقد يَخْرج من آراء أهل الشورى رأي، وفي المثل‏:‏ «مَا بَيْنَ الرأيَيْن رأي»‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فتوكل على الله‏}‏ التوكُّل حقيقته الاعتماد، وهو هنا مجاز في الشروع في الفعل مع رجاء السداد فيه من الله، وهو شأن أهل الإيمان، فالتوكّل انفعال قلبي عقلي يتوجّه به الفاعل إلى الله راجياً الإعانة ومستعيذاً من الخيبة والعوائق، وربَّما رافقه قول لساني وهو الدعاء بذلك‏.‏ وبذلك يَظهر أن قوله‏:‏ ‏{‏فتوكل على الله‏}‏ دليل على جواب إذَا، وفَرع عنه، والتقدير‏:‏ فإذَا عزمت فَبَادر ولا تتأخّر وتَوكَّل على الله، لأنّ للتأخّر آفاتتٍ، والتردّد يضيّع الأوقات، ولو كان التَّوكل هو جواب إذا لما كان للشورى فائدة لأنّ الشورى كما علمت لقصد استظهار أنفع الوسائل لحصول الفعل المرغوب على أحسن وجه وأقربه، فإنّ القصد منها العمل بما يتضّح منها، ولو كان المراد حصول التوكّل من أوّل خطور الخاطر، لما كان للأمر بالشورى من فائدة‏.‏ وهذه الآية أوضح آية في الإرشاد إلى معنى التَّوكل الَّذي حرَف القاصرون ومن كان على شاكلتهم معناه، فأفسدوا هذا الدين من مبناه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إن الله يحب المتوكلين‏}‏ لأنّ التوكّل علامة صدق الإيمان، وفيه ملاحظة عظمة الله وقدرته، واعتقادُ الحاجة إليه، وعدم الاستغناء عنه وهذا، أدب عظيم مع الخالق يدلّ على محبّة العبد ربّه فلذلك أحبَّه الله‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏160‏]‏
‏{‏إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏160‏)‏‏}‏
استئناف نشأ عن قوله‏:‏ ‏{‏ولئن قتلتم في سبيل الله أو مِتُّم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 157‏]‏ أو عن قوله‏:‏ ‏{‏لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 156‏]‏ الآية‏.‏
ولو حُمل هذا الخبر على ظاهر الإخبار لكان إخبَاراً بأمر معلوم عند المخاطبين إذ هم مؤمنون، ولا يجهل مؤمن أنّ الله إذا قَدّر نَصر أحَدٍ فلا رادّ لنصره، وأنَّه إذا قدّر خَذْلَه فلا ملجأ له من الهزيمة، فإنّ مثل هذا المعنى محقّق في جانب الله لا يجهله معترف بإلهيته، مؤمن بوحدانيته، وهل بعد اعتقاد نفي الشريك عن الله في ملكه مجال لاعتقاد وجود ممانع له في إرادته، فيتعيّن أن يكون هذا الخبر مراداً به غيرُ ظاهر الإخبار، وأحسن ما يحمل عليه أن يكون تقريراً لتسلية المؤمنين على ما أصابهم من الهزيمة، حتَّى لا يحزنوا على ما فات لأنّ ردّ الأمور إلى الله تعالى عند العجز عن تداركها مسلاة للنفس، وعزاء على المصيبة، وفي ضمن ذلك تنبيه إلى أنّ نصر الله قوماً في بعض الأيَّام، وخَذْله إيّاهم في بعضها، لا يكون إلاّ لحِكَم وأسباب، فعليهم السعي في أسباب الرضا الموجب للنصر، وتجنّب أسباب السخط الموجب للخَذل كما أشار إليه قوله‏:‏ ‏{‏يأيُّها الَّذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 7‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فأثابكم غماً بغم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 153‏]‏ وقوله الآتي‏:‏ ‏{‏أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليْها قلتم أنى هذا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 165‏]‏ وعليهم التطلّب للأسباب الَّتي قُدر لهم النَّصر لأجلها في مثل يوم بَدر، وأضدادها الَّتي كان بها الخَذل في يَوم أحُد، وفي التفكير في ذلك مجال واسع لمكاشفات الحقائق والعلل والأسباب والحكم والمنافع والمضارّ على قدر سعة التفكير الجائل في ذلك، ففي هذا الخبر العظيم إطلاق للأفكار من عقالها، وزجّ بها في مسارح العبر، ومراكض العظات، والسابقون الجيادُ، فالخبر مستعمل في لازم معناه وهو الحضّ على تحصيل ذلك‏.‏ وعلى هذا الوجه تظهر مناسبة موقع هذا الاستئناف عقب ما تقدّمه‏:‏ لأنَّه بعد أن خاطبهم بفنون الملام والمعذرة والتسلية من قوله‏:‏ ‏{‏قد خلت من قبلكم سنن‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 137‏]‏ إلى هنا، جمع لهم كُلّ ذلك في كلام جامع نافععٍ في تلقِّي الماضي، وصالححٍ للعمل به في المستقبل، ويجوز أن يكون الإخبار مبنيّاً على تنزيل العالم منزلة الجاهل، حيث أظهروا من الحرص على الغنيمة ومن التأوّل في أمر الرسول لهم في الثبات، ومن التلهّف على ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجرح، ما جعل حالهم كحال من يجهل أنّ النصر والخذل بيد الله تعالى‏.‏ فالخبر مستعمل في معناه على خلاف مقتضى الظاهر‏.‏
والنَّصر‏:‏ الإعانة على الخلاص من غلب العَدوّ ومُريد الإضرار‏.‏
والخِذْلانُ ضدّه‏:‏ وهو إمساك الإعانة مع القدرة، مأخوذ من خَذلت الوَحشية إذا تخلفت عن القطيع لأجل عجز ولدها عن المشي‏.‏
ومعنى ‏{‏إن ينصركم‏}‏ ‏{‏وإن يخذلكم‏}‏ إنْ يُرد هَذا لَكم، وإلاّ لما استقام جواب الشرط الأوّل، وهو «‏{‏فلا غالب لكم‏}‏ إذ لا فائدة في ترتيب عدم الغلب على حصول النصر بالفِعل، ولا سيما مع نفي الجنس في قوله‏:‏ ‏{‏فلا غالب لكم‏}‏، لأنَّه يصير من الإخبار بالمعلوم، كما تقول‏:‏ إن قمتَ فأنتَ لست بقَاعد‏.‏ وأمَّا فعل الشرط الثَّاني وهو‏:‏ ‏{‏وإن يخذلكم‏}‏ فيقدّر كذلك حَمْلاً على نظيره، وإن كان يستقيم المعنى بدون تأويل فيه‏.‏ وهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏ الآية‏.‏
وجَعْل الجواب بقوله‏:‏ ‏{‏فلا غالب لكم‏}‏ دون أن يقول‏:‏ لا تغلبوا، للتنصيص على التَّعميم في الجواب، لأنّ عموم ترتّب الجزاء على الشرط أغلبي وقد يكون جزئياً أي لا تغلبوا من بعض المغالبين، فأريد بإفادة التعميم دفع التّوهم‏.‏
والاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏فمن ذا الذي ينصركم من بعده‏}‏ إنكاري أي فلا ينصركم أحد غيره‏.‏
وكلمة ‏{‏من بَعده‏}‏ هنا مستعملة في لازم معناها وهو المغايرة والمجاوزة‏:‏ أي فمن الَّذي ينصركم دونَه أو غيرَه أي دون اللَّه، فالضّمير ضمير اسم الجلالة لا محالة، واستعمال ‏(‏بعد‏)‏ في مثل هذا شائع في القرآن قال تعالى‏:‏ ‏{‏فمن يهديه من بعد الله‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 23‏]‏ وأصل هذا الاستعمال أنه كالتمثيلية المكنية‏:‏ بأن مثلت الحالة الحاصلة من تقدير الانكسار بحالة من أسلم الذي استنصر به وخذله فتركه وانصرف عنه لأن المقاتل معك إذا ولى عنك فقد خذللك فحذف ما يدل على الحالة المشبه بها ورمز إليه بلازمه وهو لفظ ‏{‏من بعده‏}‏‏.‏
وجملة ‏{‏وعلى الله فليتوكل المؤمنون‏}‏ تذييل قصد به الأمر بالتَّوكل المستند إلى ارتكاب أسباب نصر الله تعالى‏:‏ من أسباببٍ عادية وهي الاستعداد، وأسباببٍ نفسانية وهي تزكية النفس واتّباع رضَى الله تعالى‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏161‏]‏
‏{‏وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏161‏)‏‏}‏
الأظهر أنَّه عطف على مجموع الكلام عطف الغرض رعلى الغرض وموقعه عقب جملة‏:‏ ‏{‏إن ينصركم الله فلا غالب لكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 160‏]‏‏.‏ الآية لأنها أفادت أن النصر بيد الله والخذْل بيده، وذلك يستلزم التَّحريض على طلب مرضاته ليكون لطيفاً بمن يُرضونه‏.‏ وإذ قد كانت هذه النَّصائح والمواعظ موجهة إليهم ليعملوا بها فيما يستقبل من غزواتهم، نبّهوا إلى شيء يستخفّ به الجيش في الغزوات، وهو الغُلول ليعلموا أنّ ذلك لا يُرضي الله تعالى فيحذَروه ويكونوا ممّا هو أدعى لغضب الله أشدّ حذراً فهذه مناسبة التَّحذير من الغلول ويعضّد ذلك أنّ سبب هزيمتهم يوم أُحُد هو تعجلهم إلى أخذ الغنائم‏.‏ والغلُول‏:‏ تعجّل بأخذ شيء من غال الغنيمة‏.‏
ولا تجد غير هذا يصلح لأن يكون مناسباً لتعقيب آية النصر بآية الغلول، فإنّ غزوة أحُد الَّتي أتت السورة على قصّتها لم يقع فيها غُلول ولا كائن للمسلمين فيها غنيمة وما ذكره بعض المفسِّرين من قضية غلوللٍ وقعت يومَ بدر في قطيفة حمراء أو في سيف لا يستقيم هنا لبعد ما بين غزوة بدر وغزوة أُحُد فضلاً على ما ذكره بعضهم من نزول هذه الآية في حرص الأعراب على قسمة الغنائم يوم حُنين الواقععِ بعد غزوة أحُد بخمس سنين‏.‏
وقرأ جمهور العشرة‏:‏ يُغَلّ بضمّ التحتية وفتح الغين وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو وعاصم بفتح التحتية وضَمّ الغين‏.‏
والفعل مشتقّ من الغلول وهو أخذ شيء من الغنيمة بدون إذن أمير الجيش، والغلول مصدر غير قياسي، ويطلق الغلول على الخيانة في المال مطلقاً‏.‏
وصيغة ‏{‏وما كان لنبي أن يُغلّ‏}‏ صيغة جحود تفيد مبالغة النَّفي‏.‏ وقد تقدّم القول فيها عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنُّبَوة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 79‏]‏ في هذه السورة فإذا استعملت في الإنشاء كما هنا أفادت المبالغة في النَّهي‏.‏ والمعنى على قراءة الجمهور نهي جيش النَّبيء عن أن يَغلُو لأنّ الغلول في غنائم النَّبيء صلى الله عليه وسلم غلول للنَّبيء، إذ قسمة الغنائم إليه، وأمَّا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم فمعنى أن النَّبيء لا يَغُلّ أنَّه لا يقع الغلول في جيشه فإسناد الغُلول إلى النَّبيء مجاز عقلي لملابسة جيش النَّبيء نبيئَهم ولك أن تجعله على تقدير مضاف‏.‏ والتقدير‏:‏ ما كَان لجيش نَبيء أن يَغُلّ‏.‏
ولبعض المفسّرين من المتقدّمين ومن بعدهم تأويلات للمعنى على هذه القراءة فيها سَماجة‏.‏
ومعنى و‏{‏من يغلل يأت بما غل يوم القيامة‏}‏ أنَّه يأتي به مشهَّراً مفضوحاً بالسرقة‏.‏
ومن اللَّطائف ما في البيان والتبيين للجاحظ‏:‏ أنّ مَزْيَداً رجلاً من الأعراب سرق نافجة مسك فقيل له‏:‏ كيفَ تسرقها وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة‏}‏‏؟‏ فقال‏:‏ إذَنْ أحمِلُها طيّبةَ الريح خفيفة المحمل‏.‏
وهذا تلميح وتلقي المخاطب بغير ما يترقّب‏.‏ وقريب منه ما حكي عن عبد الله بن مسعود والدرك على مَن حكاه قالوا‏:‏ لمّا بعث إليه عثمان ليسلم مصحفه ليحرقه بعد أن اتَّفق المسلمون على المصحف الَّذي كُتب في عهد أبي بكر قال ابن مسعود‏:‏ إنّ الله قال‏:‏ ‏{‏ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة‏}‏ وإنِّي غالّ مصحفي فمن استطاع منكم أن يَغُلّ مصحفه فليفعل‏.‏ ولا أثق بصحَّة هذا الخبر لأنّ ابْن مسعود يعلم أنّ هذا ليس من الغلول‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ثم توفى كل نفس ما كسبت‏}‏ تنبيه على العقوبة بعد التفضيح، إذ قد علم أنّ الكلام السابق مسوق مساق النَّهي، وجيء ب ‏(‏ثمّ‏)‏ للدّلالة على طول مهلة التفضيح، ومن جملة النُّفوس الَّتي توفَّى ما كسبت نفس من يغلل، فقد دخل في العموم‏.‏
وجملة ‏{‏وهم لا يظلمون‏}‏ حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها وهي ‏{‏توفى كل نفس ما كسبت‏}‏‏.‏
والآية دلّت على تحريم الغلول وهو أخذ شيء من المغنم بغير إذن أمير الجيش، وهو من الكبائر لأنَّه مِثل السرقة، وأصحّ ما في الغلول حديث «الموطأ»‏:‏ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من خيبر قاصداً وادي القُرى وكان له عبد أسود يدعى مِدْعَما، فبينما هو يحطّ رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فقتله، فقال النَّاس‏:‏ هنيئاً له الجنَّةُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كلاّ والَّذي نفسي بيده إن الشَّملة التي أخذها يومَ خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً ‏"‏
ومن غلّ في المغنم يؤخذ منه مَا غَلَّه ويؤدّب بالاجتهاد، ولا قطع فيه باتِّفاق، هذا قول الجمهور، وقال الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد بن حنبل، وجماعة‏:‏ يحرق متاع الغالّ كُلّه عدَا سِلاحَه وسرجه، ويردّ ما غلّه إلى بيت المال، واستدلّوا بحديث رواه صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي، عن عمر بن الخطاب‏:‏ أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إذا وجدتم الرجل قد غلّ فأحرقوا متاعه واضربوه ‏"‏ وهو حديث ضعيف، قال الترمذي سألت محمداً يعني البخاري عنه فقال‏:‏ «إنَّما رواه صالح بن محمد، وهو منكر الحديث‏.‏ على أنَّه لو صَحّ لوجَبَ تأويله لأنّ قواعد الشَّريعة تدلّ على وجوب تأويله فالأخذ به إغراق في التعلّق بالظواهر وليس من التفقّه في شيء‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏162- 163‏]‏
‏{‏أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏162‏)‏ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ‏(‏163‏)‏‏}‏
تفريع على قوله‏:‏ ‏{‏ثم توفى محل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون‏}‏ فهو كالبيان لتوفية كلّ نفس بما كسبت‏.‏
والاستفهام إنكار للمماثلة المستفادة من كاف التَّشبيه فهو بمعنى لا يستوون‏.‏ والاتِّباع هنا بمعنى التطلّب‏:‏ شبه حَال المتوّخي بأفعاله رضَى الله بحال المتطلِّب لطِلْبَة فهو يتبعها حيث حلّ ليقتنصها، وفي هذا التَّشبيه حسن التنبيه على أنّ التحصيل على رضوان الله تعالى محتاج إلى فرط اهتمام، وفي فعل ‏(‏باء‏)‏ من قوله‏:‏ ‏{‏كمن بآء بسخط من الله‏}‏ تمثيل لحال صاحب المعاصي بالَّذي خرج يطلب ما ينفعه فرجع بما يضرّه، أو رجع بالخيبة كما تقدّم في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما ربحت تجارتهم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏16‏)‏‏.‏ وقد علم من هذه المقابلة حال أهل الطاعة وأهل المعصية، أوْ أهللِ الإيمان وأهللِ الكفر‏.‏
وقوله‏:‏ هم درجات عند الله‏}‏ عاد الضّمير ل ‏{‏من اتَّبع رضوان الله‏}‏ لأنَّهم المقصود من الكلام، ولقرينة قوله‏:‏ ‏{‏درجات‏}‏ لأن الدرجات منازل رفعة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏عند الله‏}‏ تشريف لمنازلهم‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏164‏]‏
‏{‏لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏164‏)‏‏}‏
استئناف لتذكير رِجال يوممِ أُحُد وغيرهم من المؤمنين بنعمة الله عليهم‏.‏ ومناسبةُ ذكره هنا أنّ فيه من التسلية على مصيبة الهزيمة حظّاً عظيماً، إذ قد شاع تصْبير المحزون وتعزيته بتذكيره ما هو فيه من النعم، وله مزيد ارتباط بقوله‏:‏ ‏{‏فبما رحمة من الله لنت لهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 159‏]‏، وكذلك جاءت آي هذا الغرض في قصة أُحُد ناشئاً بعضها عن بعض، متفنّنة في مواقعها بحسب ما سمحت به فرصُ الفراغ من غرض والشروع في غيره فما تجد طراد الكلام يغدو طَلْقاً في حلبة الاستطراد إلا وتجد له رواحاً إلى مُنْبَعثه‏.‏
والمنّ هنا‏:‏ إسداء المِنّة أي النِّعمة، وليس هو تعداد النعمة على المنعم عليه مثل الَّذي في قوله‏:‏ ‏{‏لا تبطلوا صدقاتكم بالمَن والأذى‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 264‏]‏، وإن كان ذكرُ هذا المنّ مَنّاً بالمعنى الآخر‏.‏ والكلّ محمود من الله تعالى لأنّ المنّ إنَّما كان مذموماً لما فيه من إبداء التطاول على المنعم عليه، وطوْل الله ليس بمجحود‏.‏
والمراد بالمؤمنين هنا المؤمنون يومئذ وهم الَّذين كانوا مع النَّبيء بقرينة السياق وهو قوله‏:‏ إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم‏}‏ أي من أمَّتهم العربية‏.‏
و ‏(‏إذ‏)‏ ظرف ل ‏(‏مَنّ‏)‏ لأنّ الإنعام بهذه النِّعمة حصل أوقات البعث‏.‏
ومعنى ‏{‏من أنفسهم‏}‏ المماثلةُ لهم في الأشياء التي تكون المماثلة فيها سبباً لقوّة التواصل، وهي هنا النسب، واللغة، والوطن‏.‏ والعرب تقول‏:‏ فلان من بني فلان من أنفسهم، أي من صميمهم ليس انتسابه إليهم بوَلاء أو لصق، وكأنّه هذا وجه إطلاق النفس عليه التي هي في معنى المماثلة، فكونه من أهل نسبهم أي كونه عربياً يوجب أنسهم به والركون إليه وعدم الاستيحاش منه، وكونه يتكلّم بلسانهم يجعلهم سريعين إلى فهم ما يجيء به، وكونه جاراً لهم وربيّا فيهم يعجّل لهم التصديق برسالته، إذ يكونون قد خبَروا أمره، وعلموا فضله، وشاهدوا استقامته ومعجزاته‏.‏ وعن النقاش‏:‏ قيل ليس في العرب قبيلة إلا ولها ولادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ تغْلِب، وبذلك فسّر‏:‏ «قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى»‏.‏ وهذه المنّة خاصّة بالعرب ومزيّة لهم، زيادة على المنّة ببعثة محمد على جميع البشر، فالعرب وهم الذين تلقّوا الدعوة قبل الناس كلّهم، لأنّ الله أراد ظهور الدين بينهم ليتلقّوه التلقّي الكامل المناسب لصفاء أذهانهم وسرعة فهمهم لدقائق اللغة، ثم يكونوا هم حملته إلى البشر، فيكونوا أعواناً على عموم الدعوة، ولمن تخلّق بأخلاق العرب وأتقن لسانهم والتبس بعوائدهم وأذواقهم اقتراب من هذه المزيّة وهو معظمها، إذ لم يَفته منها إلا النسب والموطن وما هما إلا مكمّلان لحسن التلقّي، ولذلك كان المؤمنون مدّة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب خاصّة بحيث إنّ تلقّيهم الدعوة كان على سواء في الفهم حتى استقرّ الدين‏.‏
وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ ‏"‏ من دخل في الإسلام فهو من العرب ‏"‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏يتلوا عليهم آياتيه‏}‏ أي يقرأ عليهم القرآن، وسمّيت جمل القرآن آيات لأنّ كلّ واحدة منها دليل على صدق الرسول من حيث بلاغة اللفظ وكمال المعنى، كما تقدّم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير، فكانوا صالحين لفهم ما يتلى عليهم من غير حاجة لترجمان‏.‏
والتزكية‏:‏ التطهير، أي يطهر النفوس بهدي الإسلام‏.‏
وتعليم الكتاب هو تبيين مقاصد القرآن وأمرُهم بحفظ ألفاظه، لتكون معانيه حاضرة عندهم‏.‏
والمراد بالحكمة ما اشتملت عليه الشريعة من تهذيب الأخلاق وتقنين الأحكام لأنّ ذلك كلّه مانع للأنفس من سوء الحال واختلال النظام، وذلك من معنى الحكمة، وتقدّم القول في ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يؤتي الحكمة من يشاء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 269‏]‏‏.‏
وعطفُ الحكمة على الكتاب عطف الأخصّ من وجه على الأعمّ من وجه، فمن الحكمة ما هو في الكتاب نحو‏:‏ ‏{‏ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 9‏]‏ ومنها ما ليس في الكتاب مثل قوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ لا يُلدَغُ المؤمن من جحر مرّتين ‏"‏ وفي الكتاب ما هو علم وليس حكمة مثل فَرْض الصلاة والحجّ‏.‏
وجملة ‏{‏وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين‏}‏ حال، وإنْ مخففة مهملة، والجملة بعدها خبر عن ضمير الشأن محذوف، والجملة خبره على رأي صاحب «الكشاف»، وهو التحقيق إذ لا وجه لزوال عملها مع بقاء معناها، ولا وجه للتفرقة بينها وبين المفتوحة إذا خففت فقد قدّروا لها اسماً هو ضمير الشأن، بل نجد المكسورة أولى ببقاء العمل عند التخفيف لأنها أمّ الباب فلا يزول عملها بسهولة، وقال جمهور النحاة‏:‏ يبطل عملها وتكون بعدها جملة، وعلى هذا فالمراد بإهمالها أنّها لا تنصب مفردين بل تعمل في ضمير شأن وجملة إمَّا اسمية، أو فعلية فعلها من النواسخ غالباً‏.‏
ووصف الضلال بالمبين لأنّه لشدّته لا يلتبس على أحد بشائبة هُدى، أو شبهة، فكان حاله مبيّناً كونَه ضلالاً كقوله‏:‏ ‏{‏وقالوا هذا سحر مبين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 13‏]‏‏.‏
والمراد به ضلال الشرك والجهالة والتقاتل وأحكام الجاهلية‏.‏
ويجوز أن يشمل قوله‏:‏ ‏{‏على المؤمنين‏}‏ المؤمنين في كل العصور ويراد بكونه من أنفسهم أنّه من نوع البشر‏.‏ ويراد بإسناد تعليم الكتاب والحكمة إليه ما يجمع بين الإسناد الحقيقي والمجازي، لأنّ تعليم ذلك متلقّي منه مباشرة أو بالواسطة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏165‏]‏
‏{‏أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏165‏)‏‏}‏
عُطف الاستفهام الإنكاري التعجيبي على ما تقدّم، فإنّ قولهم‏:‏ ‏{‏أنى هذا‏}‏ ممَّا ينكر وَيَتَعجَّب السامع من صدوره منهم بعد ما عَلِموا ما أتَوا من أسباب المصيبة، إذ لا ينبغي أن يخفى على ذي فطْنَةٍ، وقد جاء موقع هذا الاستفهام بعد ما تكرّر‏:‏ من تسجيل تبعة الهزيمة عليهم بما ارتكبوا من عصيان أمر الرسول، ومن العجلة إلى الغنيمة، وبعد أن أمرهم بالرضا بما وقع، وَذكَّرَهم النصر الواقع يوم بدر، عطف على ذلك هنا إنكارُ تعجّبهم من إصابة الهزيمة إيّاهم‏.‏
‏(‏ولَمَّا‏)‏ اسم زمان مضمّن معنى الشرط فيدلّ على وجود جوابه لوُجود شرطه، وهو ملازم الإضافة إلى جملة شرطه، فالمعنى‏:‏ قلتم لمَّا أصابتكم مصيبة‏:‏ أنَّى هذا،‏.‏
وجملة ‏{‏قد أصبتم مثليها‏}‏ صفة «لمصيبة»، ومعنى أصبتم غَلبتم العدوّ ونلتم منه مِثْلَيْ ما أصابكم به، يقال‏:‏ أصاب إذا غلب، وأصيب إذا غُلِب، قال قَطَرِيُّ بنُ الفُجَاءةَ‏:‏
ثم انصرفت وقد أصَبْتُ ولم أُصَب *** جَذَعَ البصيرة قارِحَ الإقدام
والمراد بمثليها المساويان في الجنس أو القيمة باعتبار جهة المماثلة أي‏:‏ أنَّكم قد نلتم مثلي ما أصابكم، والمماثلة هنا مماثلة في القدر والقيمة، لا في الجنس، فإنّ رزايا الحرب أجناس‏:‏ قَتل، وأسر، وغَنيمة، وأسلاب، فالمسلمون أصابهم يوم أحُد القتل‏:‏ إذا قُتِل منهم سبعون، وكانوا قد قَتَلوا من المشركين يومَ بدر سبعين، فهذا أحد المثلين، ثم إنّهم أصابوا من المشركين أسرى يوم بدر فذلك مثل آخر في المقدار إذ الإسير كالقتيل، أو أريد أنّهم يومَ أحُد أصابوا قتلَى إلاّ أنّ عددهم أقلّ فهو مثل في الجنس لا في المقدار والقيمة‏.‏
و ‏(‏أنّى‏)‏ استفهام بمعنى من أين قصدوا به التعجّب والإنكار، وجملة ‏{‏قلتم أنى هذا‏}‏ جواب ‏(‏لمّا‏)‏، والاستفهام بأنَّى هنا مستعمل في التعجّب‏.‏
ثم ذُيّل الإنكار والتعجّب بقوله‏:‏ ‏{‏قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير‏}‏ أي إنّ الله قدير على نصركم وعلى خذلانكم، فلمّا عصيتم وجررتم لأنفسكم الغضب قدّر الله لكم الخِذلان‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏166- 168‏]‏
‏{‏وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏166‏)‏ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ‏(‏167‏)‏ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏168‏)‏‏}‏
عطف على قوله‏:‏ ‏{‏أو لما أصابتكم مصيبة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 165‏]‏ وهو كلام وارد على معنى التسليم أي‏:‏ هَبُوا أنّ هذه مصيبة، ولم يكن عنها عوض، فهي بقدر الله، فالواجب التسليم، ثم رَجَع إلى ذكر بعض ما في ذلك من الحكمة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وما أصابكم‏}‏ أرادَ به عين المراد بقوله‏:‏ ‏{‏أصابكم مصيبة‏}‏ وهي مصيبة الهزيمة‏.‏ وإنّما أعيد ما أصابكم لِيعيّن اليوم بأنّه يومَ التقى الجمعان‏.‏ وما موصولة مضمّنة معنى الشرط كأنّه قيل‏:‏ وأمّا ما أصابكم، لأنّ قوله‏:‏ ‏{‏وما أصابكم‏}‏ معناه بيانُ سببه وحكمته، فلذلك قرن الخبر بالفاء‏.‏ و‏{‏يوم التقى الجمعان‏}‏ هو يوم أُحُد‏.‏ وإنَّما لم يقل وهي بإذن الله لأنَّ المقصود إعلان ذكر المصيبة وأنّها بإذن الله إذ المقام مقام إظهار الحقيقة، وأمّا التعبير بلفظ ‏{‏ما أصابكم‏}‏ دون أن يعاد لفظ المصيبة فتفنّن، أو قُصد الإطناب‏.‏
والإذن هنا مستعمل في غير معناه إذ لا معنى لتوجّه الإذن إلى المصيبة فهو مجاز في تخلية الله تعالى بين أسباب المصيبة وبين المصابين، وعدم تدارك ذلك باللطف‏.‏ ووجه الشبه أنّ الإذن تخلية بين المأذون ومطلوبِه ومراده، ذلك أنّ الله تعالى رتّب الأسباب والمسبّبات في هذا العالم على نظام، فإذا جاءت المسبّبات من قِبَل أسبابها فلا عجب، والمسلمون أقلّ من المشركين عدداً وعُدداً فانتصار المسلمين يومَ بدر كرامة لهم، وانهزامهم يوم أُحُد عادة وليس بإهانة‏.‏ فهذا المراد بالإذن‏.‏
وقَوله‏:‏ ‏{‏وليعلم المؤمنين‏}‏ عطف على ‏{‏فإذن الله‏}‏ عذفَ العلّة على السبب‏.‏ والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرّر في الخارج كقول إياس بن قبيصة الطائي‏:‏
وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطر بيننا *** لأَعْلَمَ مَنْ جَبَانُها مِن شجاعها
أراد لتظهر شجاعتي وجبن الآخرين‏.‏ وقد تقدّم نظيره قريباً‏.‏
و ‏{‏الذين نافقوا‏}‏ هم عبد الله بنُ أبيّ ومن انخزل معه يوم أحُد، وهم الذين قيل لهم‏:‏ تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا‏.‏ قاله لهم عبد الله بن عُمَر بن حَرَام الأنصاري، والدُ جابر بن عبد الله، فإنّه لمّا رأى انخزالهم قال لهم‏:‏ اتّقوا الله ولا تتركوا نبيئكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفَعوا‏.‏ والمراد بالدفع حِراسة الجيش وهو الرباط أي‏:‏ ادفعوا عنّا من يريدنا من العدوّ فلمّا قال عبد الله بن عمر بن حرام ذلك أجابه عبد الله بن أبي وأصحابه بقولهم‏:‏ لَوْ نَعْلَمُ قتالاً لاتَّبعناكم، أي لم نعلم أنّه قتال، قيل‏:‏ أرادوا أنّ هذا ليس بقتال بل إلقاء باليد إلى التَّهْلُكَة، وقيل‏:‏ أرادوا أنّ قريشاً لا ينوون القتال، وهذا لا يصحّ إلاّ لو كان قولُهم هذا حاصلاً قبل انخزالهم، وعلى هذين فالعِلم بمعنى التحقّق المسمّى بالتصديق عند المناطقة، وقيل‏:‏ أرادوا لو نحسن القتال لاتّبعناكم، فالعِلم بمعنى المعرفة، وقولهم حينئذ تهكّم وتعذُّر‏.‏
ومعنى ‏{‏هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان‏}‏ أنّ ما يُشاهد من حالهم يومئذ أقرب دلالة على أنهم يُبطنون الكفر مِن دلالة أقوالهم‏:‏ إنَّا مسلمون، واعتذارِهم بقولهم‏:‏ لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم‏.‏ أي إنّ عذرهم ظاهر الكذب، وإرادة تفشيل المسلمين، والقرب مجاز في ظهور الكفر عليهم‏.‏
ويتعلّق كلّ من المجرورين في قوله‏:‏ ‏{‏منهم للإيمان‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏أقرب‏}‏ لأنّ ‏{‏أقرب‏}‏ تفضيل يقتضي فاضلاً ومفضولاً، فلا يقع لبْس في تعلّق مجرورين به لأنّ السامع يَردّ كل مجرور إلى بعض معنى التفضيل‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم‏}‏ استئناف لبيان مغزى هذا الاقتراب، لأنّهم يبدون من حالهم أنّهم مؤمنون، فكيف جُعلوا إلى الكفر أقربَ، فقيل‏:‏ إنّ الذي يُبدونه ليس موافقاً لما في قلوبهم، وفي هذا الاستئناف ما يمنع أن يكون المراد من الكفر في قوله‏:‏ ‏{‏هم للكفر‏}‏ أهلَ الكفر‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏الذين قالوا لإخوانهم‏}‏ بدل من ‏{‏الذين نافقوا‏}‏، أو صفة له، إذا كان مضمون صلته أشهر عند السامعين، إذ لعلّهم عُرفوا من قبل بقولهم فيما تقدّم ‏{‏لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا‏}‏ فذُكِر هنا وصفاً لهم ليتميّزُوا كمال تمييز‏.‏ واللام في ‏(‏لإخوانهم‏)‏ للتعليل وليست للتعدية، قالوا‏:‏ كما هي في قوله‏:‏ ‏{‏وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 156‏]‏‏.‏
والمراد بالإخوان هنا عين المراد هناك، وهم الخزرج الذين قتلوا يوم أُحُد، وهم من جلّة المؤمنين‏.‏
وجملة ‏{‏وقعدوا‏}‏ حال معترَضة، ومعنى لو أطاعونا أي امتثلوا إشارتنا في عدم الخروج إلى أُحُد، وفعلوا كما فعلنا، وقرأ الجمهور‏:‏ ما قُتِلوا بتخفيف التاء من القتل‏.‏ وقرأه هشام عن ابن عامر بتشديد التاء من التقتيل للمبالغة في القتل، وهو يفيد معنى تفظيعهم ما أصاب إخوانهم من القتل طعناً في طاعتهم النبي صلى الله عليه وسلم
وقوله‏:‏ ‏{‏قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين‏}‏ أي ادرأوه عند حلوله، فإنّ من لم يمت بالسيف مات بغيره أي‏:‏ إن كنتم صادقين في أنّ سبب موت إخوانكم هو عصين أمركم‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏169- 172‏]‏
‏{‏وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ‏(‏169‏)‏ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏170‏)‏ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏171‏)‏ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏172‏)‏‏}‏
قوله‏:‏ ‏{‏ولا تحسبن‏}‏ عطف على ‏{‏قل فادرءوا عن أنفسكم الموت‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 168‏]‏، فلمّا أمر الله نبيئه أن يجيبهم بما فيه تبكيتهم على طريقة إرخاء العِنان لهم في ظنّهم أنّ الذين قتلوا من إخوانهم قد ذهبوا سُدًى، فقيل لهم‏:‏ إنّ الموت لا مفرّ منه على كل حال، أعرض بعد ذلك عن خطابهم لقلّة أهليتهم، وأقبل على خطاب من يستأهل المعرفة، فقال‏:‏ ‏{‏ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً‏}‏ وهو إبطال لما تلهّف منه المنافقون على إضاعة قتلاهم‏.‏
والخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم تعليماً له، وليُعلِّم المسلمين، ويجوز أن يكون جارياً على طريقة العرب في عدم إرادة مخاطب معيّن‏.‏
والحسبان‏:‏ الظنّ فهو نهي عن أن يظنّ أنّهم أموات وبالأحرى يكون نهياً عن الجزم بأنَّهم أموات‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ الذين قُتِلوا بتخفيف التاء وقرأه ابن عامر بتشديد التاء أي قُتِّلوا قتلاً كثيراً‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏بل أحياء‏}‏ للإضراب عن قوله‏:‏ ‏{‏ولا تحسبن الذين قتلوا‏}‏ فلذلك كان ما بعدها جملة غير مفرد، لأنّها أضربت عن حكم الجملة ولم تُضرب عن مفردٍ من الجملة، فالوجه في الجملة التي بعدها أن تكون اسمية من المبتدأ المحذوف والخبر الظاهر، فالتقدير‏:‏ بل هم أحياء، ولذلك قرأه السبعة بالرفع، وقرئ بالنصب على أنّ الجملة فعلية، والمعنى‏:‏ بل أحسبتم أحياء، وأنكرها أبو علي الفارسي‏.‏
وقد أثبت القرآن للمجاهدين موتاً ظاهراً بقوله‏:‏ ‏{‏قتلوا‏}‏، ونفي عنهم الموت الحقيقي بقوله‏:‏ ‏{‏بل أحياء عند ربهم يرزقون‏}‏ فعلِمنا أنّهم وإن كانوا أموات الأجسام فهم أحياء الأرواح، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح، غير مضمحلّة، بل هي حياة بمعنى تحقّق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارّة لأنفسهم، ومسرّتهم بإخوانهم، ولذلك كان قوله‏:‏ ‏{‏عند ربهم‏}‏ دليلاً على أنّ حياتهم حياة خاصّة بهم، ليست هي الحياة المتعارفة في هذا العالم، أعني حياة الأجسام وجريان الدم في العروق، ونبضات القلب، ولا هي حياة الأرواح الثابتة لأرواح جميع الناس، وكذلك الرزق يجب أن يكون ملائماً لحياة الأرواح وهو رزق النعيم في الجنّة‏.‏ فإن علّقنا ‏{‏عند ربهم‏}‏ بقوله‏:‏ أحياء كما هو الظاهر، فالأمر ظاهر، وإن علقناه بقوله‏:‏ ‏{‏يرزقون‏}‏ فكذلك، لأنّ هذه الحياة لمّا كان الرزق الناشئ عنها كائناً عند الله، كانت حياة غير مادّية ولا دنيويَّة، وحينئذ فتقديم الظرف للاهتمام بكينونة هذا الرزق‏.‏ وقولُه‏:‏ ‏{‏فرحين‏}‏ حال من ضمير ‏{‏يرزقون‏}‏‏.‏
والاستبشار‏:‏ حصول البشارة، فالسين والتاء فيه كما هما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستغنى اللَّه‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 6‏]‏ وقد جمع اللَّهُ لهم بين المسرّة بأنفسهم والمسرّة بمن بقي من إخوانهم، لأنّ في بقائهم نكاية لأعدائهم، وهم مع حصول فضل الشهادة لهم على أيدي الأعداء يتمنّون هلاك أعدائهم، لأنّ في هلاكهم تحقيق أمنية أخرى لهم وهي أمنية نصر الدين‏.‏
فالمراد ‏{‏بالذين لم يلحقوا بهم‏}‏ رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم، ومعنى لم يلحقوا بهم لم يستشهدوا فيصيروا إلى الحياة الآخرة‏.‏
و ‏{‏من خلفهم‏}‏ تمثيل بمعنى من بعدهم، والتقدير‏:‏ ويستبشرون بالذين لم يصيروا إلى الدار الآخرة مِن رفاقهم بأَمْنِهم وانتفاءِ ما يُحْزنهم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ألا خوف عليهم‏}‏ بدل اشتمال، و‏(‏لا‏)‏ عاملة عمل ليس ومفيدة معناها، ولم يُبن اسم ‏(‏لا‏)‏ على الفتح هنا لظهور أنّ المقصود نفي الجنس ولا احتمال لنفي الوحدة فلا حاجة لبناء النكرة على الفتح، وهو كقول إحدى نساء حديث أمّ زرع‏:‏ «زوجي كلَيْللِ نِهَامَة، لا حرٌّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سَآمَهْ» برفع الأسماء النكرات الثلاثة‏.‏
وفي هذا دلالة على أنّ أرواح هؤلاء الشهداء مُنحت الكشفَ على ما يسرّها من أحوال الذين يهمّهم شأنهم في الدنيا‏.‏ وأنّ هذا الكشف ثابت لجميع الشهداء في سبيل الله، وقد يكون خاصّاً الأحوال السارّة لأنّها لذّة لها‏.‏ وقد يكون عامّاً لِجميع الأحوال لأنّ لذّة الأرواح تحصل بالمعرفة، على أنّ الإمام الرازي حَصَر اللذّة الحقيقية في المعارف‏.‏ وهي لذّة الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء، ولو كانت سيئة‏.‏
وفي الآية بشارة لأصحاب أُحُد بأنّهم لا تلحقهم نكبة بعد ذلك اليوم‏.‏
وضمير ‏{‏يستبشرون بنعمة من الله‏}‏ يجوز أن يعود إلى الذين لم يلحقوا بهم فتكون الجملة حالاً من الذين لم يلحقوا بهم أي لا خوف عليهم ولا حزن فهم مستبشرون بنعمة من الله، ويحتمل أن يكون تكريراً لقوله‏:‏ ‏{‏ويستبشرون بالذين لم يلحقوا‏}‏ والضمير ل ‏{‏الذين قُتِلوا في سبيل الله‏}‏، وفائدة التكرير تحقيق معنى البشارة كقوله‏:‏ ‏{‏ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 63‏]‏ فكرّر أغويناهم، ولأنّ هذا استبشار منه عائد لأنفسهم، ومنه عائد لرفاقهم الذين استجابوا لله من بعد القرح، والأولى عائدة لإخوانهم‏.‏ والنعمة‏:‏ هي ما يكون به صلاح، والفضل‏:‏ الزيادة في النعمة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين‏}‏ قرأه الجمهور بفتح همزة ‏(‏أنّ‏)‏ على أنه عطف على ‏{‏نعمةٍ من الله وفضلٍ‏}‏، والمقصود من ذلك تفخيم ما حصل لهم من الاستبشار وانشراح الأنفس بأنْ جمع الله لهم المسرّة الجثمانية الجزئية والمسرّة العقليّة الكلية، فإنّ إدراك الحقائق الكلية لذّة روحانية عظيمة لشرف الحقائق الكلية وشرف العلم بها، وحصول المسرّة للنفس من انكشافها لها وإدراكها، أي استبشروا بأنّ عَلِموا حقيقة كليّة وسرّاً جليلاً من أسرار العِلم بصفات الله وكمالاته، التي تعمّ آثارها، أهل الكمال كلَّهم، فتشمل الذين أدركوها وغيرهم، ولولا هذا المعنى الجليل لم يكن داع إلى زيادة ‏{‏وأن الله لا يضيع أجرالمؤمنين‏}‏ إذ لم يحصل بزيادته زيادةُ نعمة وفضل للمستبشرين مِن جنس النعمة والفضل الأولين، بل حصلت نعمة وفضل آخران‏.‏
وقرأه الكسائي بكسر همزة ‏(‏إنّ‏)‏ على أنه عطف على جملة ‏{‏يستبشرون‏}‏ في معنى التذييل فهو غير داخل فيما استبشر به الشهداء‏.‏ ويجوز أن تكون الجملة على هذا الوجه ابتداء كلام، فتكون الواو للاستئناف‏.‏
وجملة ‏{‏الذين استجابوا لله والرسول‏}‏ صفة للمؤمنين أو مبتدأ خبره ‏{‏للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم‏}‏ وهذه الاستجابة تشير إلى ما وقع إثر أُحُد من الأرجاف بأنّ المشركين، بعد أن بلغوا الرّوحاء، خطر لهم أنْ لو لحقوا المسلمين فاستأصلوهم‏.‏ وقد مرّ ذكر هذا وما وقع لمعبد بن أبي معبد الخزاعي عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 149‏]‏‏.‏ وقد تقدّم القول في القرح عند قوله‏:‏ ‏{‏إن يمسسكم قرح‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 140‏]‏‏.‏ والظاهر أنَّه هنا للقرح المجازي، ولذلك لم يجمع فيقال القروح‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏173- 175‏]‏
‏{‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ‏(‏173‏)‏ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ‏(‏174‏)‏ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏175‏)‏‏}‏
يجوز أن يكون ‏{‏الذين قال لهم الناس‏}‏ إلى آخره، بدلاً من ‏{‏الذين استجابوا لله والرسول‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 172‏]‏، أو صفة له، أو صفة ثانية للمؤمنين في قوله‏:‏ ‏{‏وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 171‏]‏ على طريقة ترك العطف في الأخبار‏.‏ وإنَّما جيء بإعادة الموصول، دون أن تعطف الصلة على الصلة، اهتماماً بشأن هذه الصلة الثانية حتّى لا تكون كجزء صلةٍ، ويجوز أن يكون ابتداء كلام مستأنففٍ، فيكون مبتدأ وخبره قوله‏:‏ ‏{‏إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 175‏]‏ أي ذلك القول، كما سيأتي‏.‏ وهذا تخلّص بذكر شأن من شؤون المسلمين كفاهم الله به بأس عدوّهم بعد يَوم أحُد بعاممٍ، إنجازاً لوعدهم مع أبي سفيان إذ قال‏:‏ مَوعدكم بدر في العام القابل، وكان أبو سفيان قد كره الخروج إلى لقاء المسلمين في ذلك الأجل، وكاد للمسلمين ليُظهر إخلاف الوعد منهم ليجعل ذلك ذريعة إلى الإرجاف بين العرب بضعف المسلمين، فجَاعَل ركباً من عبدِ القيس مارينَ بمَرّ الظَّهْرانَ قرب مكّة قاصدين المدينة للميرة، أن يخبروا المسلمين بأنّ قريشاً جمعوا لهم جيشاً عظيماً، وكان مع الركب نعيم بن مسعود الأشجعي، فأخبر نعيم ومن معه المسلمين بذلك فزاد ذلك المسلمين استعداداً وحميّة للدين، وخرجوا إلى الموعد وهو بدر، فلم يجدوا المشركين وانتظروهم هنالك، وكانت هنالك سوق فاتّجَرُوا ورجعوا سالمين غير مذمومين، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين قال لهم الناس أي الركب العَبْدِيُّون إن الناس قد جمعوا لكم‏}‏ أي إنّ قريشاً قد جمعوا لكم‏.‏ وحذف مفعول ‏{‏جمعوا‏}‏ أي جمعوا أنفسهم وعُددهم وأحلافهم كما فعلوا يوم بدر الأول‏.‏
وقال بعض المُفسّرين وأهل العربية‏:‏ إنّ لفظ الناس هنا أطلق على نُعيم بن مسعود وأبي سفيان، وجعلوه شاهداً على استعمال الناس بمعنى الواحد والآية تحتمله، وإطلاق لفظ الناس مراداً به واحد أو نحوه مستعمل لقصد الإبهام، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم يحسدون الناس على ما ءاتاهم الله من فضله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 54‏]‏ قال المفسّرون‏:‏ يعني ب ‏(‏الناس‏)‏ محمداً صلى الله عليه وسلم
وقوله‏:‏ ‏{‏فزادهم إيماناً‏}‏ أي زادهم قول الناس، فضمير الرفع المستتر في ‏{‏فزادهم‏}‏ عائد إلى القول المستفاد من فعل ‏{‏قال لهم الناس‏}‏ أو عائد إلى الناس، ولمّا كان ذاك القول مراداً به تخويف المسلمين ورجوعهم عن قصدهم‏.‏ وحصل منه خلاف ما أراد به المشركون، جُعل ما حصل به زائداً في إيمان المسلمين‏.‏ فالظاهر أنّ الإيمان أطلق هنا على العمل، أي العزم على النصر والجهاد، وهو بهذا المعنى يزيد وينقص‏.‏ ومسألة زيادة الإيمان ونقصه مسألة قديمة، والخلاف فيها مبنيّ على أنّ الأعمال يطلق عليها اسم الإيمان، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان اللَّه ليضيع إيمانكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 143‏]‏ يعني صَلاتكم‏.‏ أمّا التَّصديق القلبي وهو عقد القلب على إثبات وجود الله وصفاته وبعثة الرسل وصدق الرسول، فلا يقبل النقص، ولا يقبل الزيادة، ولذلك لا خلاف بين المسلمين في هذا المعنى، وإنّما هو خلاف مبني على اللفظ، غير أنّه قد تقرّر في علم الأخلاق أنّ الاعتقاد الجازم إذا تكررت أدلّته، أو طال زمانه، أو قارنته التجارب، يزداد جلاء وانكشافاً، وهو المعبّر عنه بالمَلَكة، فلعلّ هذا المعنى ممّا يراد بالزيادة، بقرينة أنّ القرآن لم يطلق وصف النقص في الإيمان بل ما ذكر إلا الزيادة، وقد قال إبراهيمُ عليه السلام‏:‏
‏{‏بلى ولكن ليطمئنّ قلبي‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 260‏]‏
وقولهم‏:‏ ‏{‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏}‏ كلمة لعلّهمُ ألهموها أو تلقّوها عن النبي صلى الله عليه وسلم وحسب أي كاف، وهو اسم جامد بمعنى الوصف ليس له فعل، قالوا‏:‏ ومنه اسمه تعالى الحَسيب، فهو فعيل بمعنى مُفعل‏.‏ وقيل‏:‏ الإحساب هو الإكفاء، وقيل‏:‏ هو اسم فعل بمعنى كفى، وهو ظاهر القاموس‏.‏ وردّه ابن هشام في توضيحه بأنّ دخول العوامل عليه نحو ‏{‏فإنّ حسبك الله‏}‏، وقولهم‏:‏ بحسبك درهم، ينافي دعوى كونه اسم فعل لأنّ أسماء الأفعال لا تدخل عليها العوامل، وقيل‏:‏ هو مصدر، وهو ظاهر كلام سيبويه‏.‏ وهو من الأسماء اللازمة للإضافة لفظاً دون معنى، فيبنى على الضمّ مثل‏:‏ قبلُ وبعدُ، كقولهم‏:‏ اعطه درهيمن فَحَسْبُ، ويتجدّد له معنى حينئذ فيكون بمعنى لا غير‏.‏ وإضافته لا تفيده تعريفاً لأنّه في قوة المشتقّ ولذلك توصف به النكرة، وهو ملازم الإفراد والتذكير فلا يثنّى ولا يجمعُ ولا يؤنّث لأنّه لجموده شابَه المصدر، أو لأنّه لمّا كان اسم فعل فهو كالمصدر، أو لأنّه مصدر،، وهو شأن المصادر، ومَعناها‏:‏ إنّهم اكتفوا بالله ناصراً وإن كانوا في قِلّة وضعف‏.‏
وجملة ‏{‏ونعم الوكيل‏}‏ معطوفة على ‏{‏حسبنا الله‏}‏ في كلام القائلين، فالواو من المحكي لا من الحكاية، وهو من عطف الإنشاء على الخبر الذي لا تطلب فيه إلا المناسبة‏.‏ والمخصوص بالمدح محذوف لتقدّم دليله‏.‏
و ‏{‏الوكيل‏}‏ فعيل بمعنى مفعول أي موكول إليه‏.‏ يقال‏:‏ وكل حاجته إلى فلان إذا اعتمد عليه في قضائها وفوّض إليه تحصيلها، ويقال للذي لا يستطيع القيام بشؤونه بنفسه‏:‏ رَجل وَكَل بفتحتين أي كثير الاعتماد على غيره، فالوكيل هو القائم بشأن من وكّله، وهذا القيام بشأن الموكِّل يختلف باختلاف الأحوال الموكّل فيها، وبذلك الاختلاف يختلف معنى الوكيل، فإن كان القيام في دفع العداء والجور فالوكيل الناصر والمدافع ‏{‏قل لست عليكم بوكيل‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 66‏]‏، ومنه ‏{‏فمن يجادل اللَّه عنهم يوم القيامة أمَّن يكون عليهم وكيلاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 109‏]‏‏.‏ ومنه الوكيل في الخصومة، وإن كان في شؤون الحياة فالوكيل الكافل والكافي منه‏:‏ ‏{‏أن لا تتخذوا من دوني وكيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 2‏]‏ كما قال‏:‏ ‏{‏قد جعلتم الله عليكم كفيلاً‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 91‏]‏ ولذلك كان من أسمائه تعالى‏:‏ الوكيل، وقولُه‏:‏ ‏{‏وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل‏}‏ ومنه الوكيل على المال، ولذلك أطلق على هذا المعنى أيضاً اسم الكفيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقد جعلتم اللَّه عليكم كفيلاً‏}‏‏.‏
وقد حمل الزمخشري الوكيل على ما يشمل هذا عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو على كل شيء وكيل‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 102‏]‏، فقال‏:‏ وهو مالك لكلّ شيء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال‏.‏ وذلك يدل على أنّ الوكيل اسم جامع للرقيب والحافظ في الأمور التي يُعني الناس بحفظها ورقابتها وادّخارها، ولذلك يتقيّد ويتعمّم بحسب المقامات‏.‏
وقوله‏:‏ فانقلبوا بنعمة من الله‏}‏ تعقيب للإخبار عن ثبات إيمانهم وقولِهم‏:‏ حسبنا الله ونعم الوكيل، وهو تعقيب لمحذوف يدلّ عليه فعل ‏{‏فانقلبوا‏}‏، لأنّ الانقلاب يقتضي أنَّهم خرجوا للقاء العدوّ الذي بلغ عنهم أنّهم جمعوا لَهم ولم يَعبأوا بخويف الشيطان، والتقدير‏:‏ فخرجوا فانقلبوا بنعمة من الله‏.‏
والباء للملابسة أي ملابسين لِنعمة وفضل من الله‏.‏ فالنعمة هي ما أخذوه من الأموال، والفضلُ فضل الجهاد‏.‏ ومعنى لم يمسسهم سوء لم يلاقوا حرباً مع المشركين‏.‏
وجملة ‏{‏إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه‏}‏ إمّا استئناف بياني إن جَعلتَ قوله‏:‏ ‏{‏الذين قال لهم الناس‏}‏ بدلاً أو صفة كما تقدّم، وإمَّا خبر عن ‏{‏الذين قال لهم الناسإن جَعلَت قوله‏:‏ الذين قال لهم الناس‏}‏ مبتدأ، والتقدير‏:‏ الذين قال لهم الناس إلى آخره إنّما مقالهم يخوّف الشيطان به‏.‏ ورابط هذه الجملة بالمبتدأ، وهو «الذين قال لهم الناس» على هذا التقدير، هو اسم الإشارة، واسم الإشارة مبتدأ‏.‏
ثم الإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلكم‏}‏ إمّا عائد إلى المقال فلفظ الشيطان على هذا مبتدأ ثان، ولفظه مستعمل في معناه الحقيقي، والمعنى‏:‏ أنّ ذلك المقال ناشئ عن وسوسة الشيطان في نفوس الذين دبّروا مكيدة الإرجاف بتلك المقالة لتخويف المسلمين بواسطة ركب عبد القيس‏.‏
وإمّا أن تعود الإشارة الى ‏{‏الناس‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏قال لهم الناس‏}‏ لأن الناس مؤوّل بشخص، أعني نُعميا بن مسعود، فالشيطان بدل أو بيان من اسم الإشارة وأطلق عليه لفظ شيطان على طريقة التشبيه البليغ‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏يخوف أولياءه‏}‏ تقديره يخوّفكم أولياءه، فحذف المفعول الأول لفعل ‏(‏يخوّف‏)‏ بقرينة قوله بعده‏:‏ ‏{‏فلا تخافوهم‏}‏ فإنّ خَوّف يتعدّى إلى مفعولين إذ هو مضاعف خاف المجرّد، وخاف يتعدّى الى مفعول واحد فصار بالتضعيف متعدّياً إلى مفعولين من باب كَسَا كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويخوّفكم اللَّه نفسه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 28‏]‏‏.‏
وضمير ‏{‏فلا تخافوهم‏}‏ على هذا يعود إلى ‏{‏أولياءه‏}‏ وجملة ‏{‏وخافون‏}‏ معترضة بين جملة ‏{‏فلا تخافوهم‏}‏ وجملة ‏{‏إن كنتم مؤمنين‏}‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم مؤمنين‏}‏ شرط مؤخّر تقدّم دليل جوابه، وهو تذكير وإحماء لإيمانهم وإلا فقد علم أنّهم مؤمنون حقّاً‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏176‏]‏
‏{‏وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏176‏)‏‏}‏
نهي للرسول عن أن يحزن من فعل قوم يحرصون على الكفر أي على أعماله ومعنى ‏{‏يسارعون في الكفر‏}‏ يتوغّلون فيه ويَعجَلون إلى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص، ويحرصون على إلقائه في نفوس الناس، فعبّر عن هذا المعنى بقوله‏:‏ ‏{‏يسارعون‏}‏، فقيل‏:‏ ذلك من التضمين ضمّن يسارعون معنى يقعون، فعدّي بفي، وهي طريقة «الكشاف» وشروحه، وعندي أنّ هذا استعارة تمثيلية‏:‏ شبّه حال حرصهم وجدّهم في تفكير الناس وإدخال الشكّ على المؤمنين وتربّصهم الدوائر وانتهازهم الفرص بحال الطالب المسارع الى تحصيل شيء يخشى أن يَفوته وهو متوغّل فيه متلبس به، فلذلك عدّي بفي الدالة على سرعتهم سرعة طالب التمكين، لا طالب الحصول، إذ هو حاصل عندهم ولو عدّي بإلى لفهم منه أنّهم لم يكفروا عند المسارعة‏.‏ قيل‏:‏ هؤلاء هم المنافقون، وقيل‏:‏ قوم أسلموا ثم خافوا من المشركين فارتدّوا‏.‏
وجملة ‏{‏إنهم لن يضروا الله شيئاً‏}‏ تعليل للنهي عن أن يحزنه تسارعهم الى الكفر بعلّة يوقن بها الرسول عليه الصلاة والسلام‏.‏ وموقع إنّ في مثل هذا المقام إفادة التعليل، وإنّ تُغني غناء فاء التسبّب، كما تقدّم غير مرّة‏.‏
ونفي ‏{‏لن يضروا الله‏}‏ مراد به نفي أن يعطّلوا ما أراده إذ قد كان الله وعد الرسول إظهار دينه على الدّين كلّه، وكان سعي المنافقين في تعطيل ذلك، نهي الله رسوله أن يحزن لما يبدو له من اشتداد المنافقين في معاكسة الدعوة، وبيّن له أنّهم لن يستطيعوا إبطال مراد الله، تذكيراً له بأنه وعده بأنّه متمّ نوره‏.‏
ووجه الحاجة الى هذا النهي‏:‏ هو أنّ نفس الرسول، وإن بلغت مرتقى الكمال، لا تعدو أن تعتريها في بعض أوقات الشدّة أحوال النفوس البشرية‏:‏ من تأثير مظاهر الأسباب، وتوقّع حصول المسبّبات العادية عندها، كما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر‏.‏ وهو في العريش، وإذا انتفى إضرارهم الله انتفى إضرارهم المؤمنين فيما وعدهم الله‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ يَحْزُنك بفتح الياء وضمّ الزاي من حَزَنَه إذا أدخل عليه الحزن، وقرأه نَافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه‏.‏
وجملة ‏{‏يريد الله‏}‏ استئناف لبيان جزائهم على كفرهم في الآخرة، بعد أن بيّن السلامة من كيدهم في الدنيا والمعنى‏:‏ أنّ الله خذلهم وسلبهم التوفيق فكانوا مسارعين في الكفر لأنّه أراد أن لا يكون لهم حظّ في الآخرة‏.‏ والحظّ‏:‏ النصيب من شيء نافع‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏177‏]‏
‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏177‏)‏‏}‏
تكرير لجملة ‏{‏إنهم لن يضروا الله شيئاً‏}‏ قصد به، مع التأكيد، إفادةُ هذا الخبر استقلالاً للاهتمام به بعد أن ذكر على وجه التعليل لتسلية الرسول‏.‏ وفي اختلاف الصلتين إيماء إلى أنّ مضمون كل صلة منهما هو سبب الخبر الثابت لمَوصُولها، وتأكيد لقوله‏:‏ ‏{‏إنهم لن يضروا الله شيئاً‏}‏ المتقدّم، كقول لبيد‏:‏
كدُخان نارٍ سَاطِع أسْنَامُها ***
بعد قوله‏:‏
كدُخان مُشْعَلَةٍ يُشَبّ ضِرامُها ***
مع زيادة بيان اشتهارهم هم بمضمون الصلة‏.‏
والاشتراء مستعار للاستبدال كما تقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 16‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏178‏]‏
‏{‏وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏178‏)‏‏}‏
عطف على قوله‏:‏ ‏{‏ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 169‏]‏ والمقصود مقابلة الإعلام بخلاف الحسبان في حالتين‏:‏ إحداهما تلوح للناظر حالة ضرّ، والأخرى تلوح حالة خير، فأعلم الله أن كلتا الحالتين على خلاف ما يتراءى للناظرين‏.‏
ويجوز كونه معطوفا على قوله‏:‏ ‏{‏ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 176‏]‏ إذ نهاه عن أن يكون ذلك موجباً لحزنه، لأنهم لا يضرّون الله شيئاً، ثم ألقى إليه خبراً لقصد إبلاغه إلى المشركين وإخوانهم المنافقين‏:‏ أن لا يحسبوا أن بقاءهم نفع لهم بل هو إملاء لهم يزدادون به آثاماً، ليكون أخذُهم بعد ذلك أشدّ‏.‏ وقرأه الجمهور ‏{‏ولا يَحسبنّ الذين كفروا‏}‏ بياء الغيبة وفاعلُ الفعل ‏(‏الذين كفروا‏)‏، وقرأه حمزة وحده بتاء الخطاب‏.‏
فالخطاب إما للرسول عليه السلام وهو نهي عن حسبان لم يقع، فالنهي للتحذير منه أو عن حسبان هو خاطر خطر للرسول صلى الله عليه وسلم غير أنّه حسبان تعجّب، لأنّ الرسول يعلم أنّ الإملاء ليس خيراً لهم، أو المخاطب الرسول والمقصود غيره، ممّن يظنّ ذلك من المؤمنين على طريقة التعريض مثل ‏{‏لئن أشركت ليحبطنّ عملك‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 65‏]‏، أو المراد من الخطاب كلّ مخاطب يصلح لذلك‏.‏
وعلى قراءة الياء التحتية فالنهي مقصود به بلوغه إليهم ليعلموا سوء عاقبتهم، ويُمِرَّ عيشهم بهذا الوعيد، لأنّ المسلمين لا يحسبون ذلك من قبل والإملاء‏:‏ الإمهال في الحياة، والمراد به هنا تأخير حياتهم، وعدمُ استئصالهم في الحرب، حيث فرحوا بالنصر يوم أُحُد، وبأنّ قتلى المسلمين بوم أحُد كانوا أكثر من قتلاهم‏.‏
ويجوز أن يراد بالإملاء التخلية بينهم وبين أعمالهم في كيد المسلمين وحربهم وعدم الأخذ على أيديهم بالهزيمة والقتل كما كان يوم بدر، يقال‏:‏ أملى لفرسه إذا أرخى له الطِّوَل في المرعى، وهو مأخوذ من الملْو بالواو وهو سيرُ البعير الشديدُ، ثم قالوا‏:‏ أمليت للبعير والفرس إذا وسَّعت له في القيد لأنّه يتمكّن بذلك من الخَبَب والركض، فشُبِّه فعله بشدّة السير، وقالوا‏:‏ أمليت لزيد في غيّه أى تركته‏:‏ على وجه الاستعارة، وأملى الله لفلان أخّر عقابه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأملي لهم إن كيدي متين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 183‏]‏ واستعير التملّي لطول المدّة تشبيهاً للمعقول بالمحسوس فقالوا‏:‏ ملأَّك الله حبيبَك تمليئة، أي أطال عمرك معه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏أنما نملي لهم خير لأنفسهم‏}‏ ‏(‏أَنّ‏)‏ أخت ‏(‏إنّ‏)‏ المكسورة الهمزة، و‏(‏ما‏)‏ موصولة وليست الزائدة، وقد كتبت في المصحف كلمة واحدة كما تكتب إنّما المركبة من ‏(‏إن‏)‏ أخت ‏(‏أنّ‏)‏ و‏(‏ما‏)‏ الزائدةِ الكافّةِ، التي هي حرف حصر بمعنى ‏(‏مَا‏)‏ و‏(‏إلاّ‏)‏، وكان القياس أن تكتب مفصولة وهو اصطلاح حدث بعد كتابة المصاحف لم يكن مطّرداً في الرسم القديم، على هذا اجتمعت كلمات المفسّرين من المتقدّمين والمتأخّرين‏.‏
وأنا أرى أنّه يجوز أن يكون ‏(‏أنّما‏)‏ من قوله‏:‏ ‏{‏أنما نمي خير لأنفسهم‏}‏ هي أنّما أخت إنّما المكسورة وأنّها مركّبة من ‏(‏أنّ‏)‏ و‏(‏ما‏)‏ الكافّة الزائدة وأنها طريق من طرق القصر عند المحقّقين، وأنّ المعنى‏:‏ ولا يحسبنّ الذين كفروا انحصار إمهالنا لهم في أنّه خير لهم لأنّهم لمّا فرحوا بالسلامة من القتل وبالبقاء بقيد الحياة قد أضمروا في أنفسهم اعتقاد أنّ بقاءهم ما هو إلاّ خير لهم لأنّهم يحسبون القتل شرّاً لهم، إذ لا يؤمنون بجزاء الشهادة في الآخرة لكفرهم بالبعث‏.‏ فهو قصر حقيقي في ظنّهم‏.‏
ولهذا يكون رسمهم كلمة ‏(‏أنَّما‏)‏ المفتوحة الهمزة في المصحف جارياً على ما يقتضيه اصطلاح الرسم‏.‏ و‏{‏أنّما نملي لهم خير لأنفسهم‏}‏ هو بدل اشتمال من ‏{‏الذين كفروا‏}‏، فيكون سادّاً مسدّ المفعولين، لأنّ المبدل منه صار كالمتروك، وسلكت طريقة الإبدال لما فيه من الإجمال، ثمّ التفصيل، لأنّ تعلّق الظنّ بالمفعول الأول يستدعي تشوّف السامع للجهة التي تعلَّق بها الظنّ، وهي مدلول المفعول الثاني، فإذا سمع ما يسدّ مسدّ المفعولين بعد ذلك تمكّن من نفسه فضْل تمكّن وزاد تقريراً‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً‏}‏ استئناف واقع موقع التعليل للنهي عن حسبان الإملاء خيراً، أي ما هو بخير لأنّهم يزدادون في تلك المدّة إثماً‏.‏
و ‏(‏إنما‏)‏ هذه كلمة مركّبة من ‏(‏إِنّ‏)‏ حرف التوكيد و‏(‏ما‏)‏ الزائدة الكافّة وهي أداة حصر أي‏:‏ ما نملي لهم إلاّ ليزدادوا إثماً، أي فيكون أخذهم به أشدّ فهو قصر قلب‏.‏
ومعناه أنّه يملي لهم ويؤخّرهم وهم على كفرهم فيزدادون إثماً في تلك المدّة، فيشتدّ عقابهم على ذلك، وبذلك لا يكون الإملاء لهم خيراً لهم، بل هو شرّ لهم‏.‏
واللام في ‏{‏ليزدادوا إثماً‏}‏ لام العاقبة كما هي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليكون لهم عدواً وحزناً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 8‏]‏ أي‏:‏ إنما نملي لهم فيزدادون إثماً، فلمّا كان ازدياد الإثم ناشئاً عن الإملاء، كان كالعلّة له، لا سيما وازدياد الإثم يعلمه الله فهو حين أملَى لهم علم أنّهم يزدادون به إثماً، فكان الازدياد من الإثم شديد الشبه بالعلّة، أمّا علّة الإملاء في الحقيقة ونفس الأمر فهي شيء آخر يعلمه الله، وهو داخل في جملة حكمة خلق أسباب الضلال وأهله والشياطين والأشياء الضارّة‏.‏ وهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام، وهي ممّا استأثر الله بعلم الحكمة في شأنه‏.‏ وتعليلُ النهي على حسبان الإملاء لهم خيراً لأنفسهم حاصل، لأنّ مداره على التلازم بين الإملاء لهم وبين ازديادهم من الإثم في مدّة الإملاء‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏179‏]‏
‏{‏مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏179‏)‏‏}‏
استئناف ابتدائي، وهو رجوع إلى بيان ما في مصيبة المسلمين من الهزيمة يوم أُحُد من الحِكم النافعة دُنيا وأخرى، فهو عود إلى الغرض المذكور في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 166‏]‏ بيّن هنا أنّ الله لم يرد دوام اللبس في حال المؤمنين والمنافقين واختلاطهم، فقدّر ذلك زماناً كانت الحكمة في مثله تقتضي بقاءه وذلك أيّام ضعف المؤمنين عقب هجرتهم وشدّة حاجتهم إلى الاقتناع من الناس بحسن الظاهر حتّى لا يبدأ الانشقاق من أوّل أيّام الهجرة، فلمّا استقرّ الإيمان في النفوس، وقرّ للمؤمنين الخالصين المُقام في أمْن، أراد الله تعالى تنهية الاختلاط وأن يميز الخبيث من الطيّب وكان المنافقون يكتمون نفاقهم لمَّا رأوا أمر المؤمنين في إقبال، ورأوا انتصارهم يوم بدر، فأراد الله أن يفضحهم ويظهر نفاقهم، بأن أصاب المؤمنين بقَرح الهزيمة حتّى أظهر المنافقون فرحهم بنصرة المشركين، وسجّل الله عليهم نفاقهم بادياً للعيان كما قال‏:‏
جَزَى الله المصائبَ كلّ خير *** عرفتُ بها عدوّي من صديقي
ومَا صَدْقُ ‏{‏ما أنتم عليه‏}‏ هو اشتباه المؤمن والمنافق في ظاهر الحال‏.‏
وحَرْفَا ‏(‏على‏)‏ الأوّلُ والثاني، في قوله‏:‏ ‏{‏ما أنتم عليه‏}‏ للاستعلاء المجازي، وهو التمكّن من معنى مجرورها ويتبيّن الوصف المبهم في الصلة بما وردَ بعد ‏(‏حتَّى‏)‏ من قوله‏:‏ ‏{‏على ما أنتم عليه‏}‏، فيعْلم أنّ ما هُم عليه هو عدمُ التمييز بين الخبيث والطيّب‏.‏
ومعنى ‏{‏ما كان الله ليذر المؤمنين‏}‏ نفي هذا عن أن يكون مراداً لله نفياً مؤكَّداً بلام الجُحود، وقد تقدّم نظيره في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 79‏]‏ إلخ‏.‏‏.‏‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏على ما أنتم عليه‏}‏ أي من اختلاط المؤمن الخالص والمنافق، فالضمير في قوله‏:‏ ‏{‏أنتم عليه‏}‏ مخاطب به المسلمون كلّهم باعتبار من فيهم من المنافقين‏.‏
والمراد بالمؤمنين المؤمنون الخُلَّص من النفاق، ولذلك عبّر عنهم بالمؤمنين، وغيّر الأسلوب لأجل ذلك، فلم يقل‏:‏ ليذركم على ما أنتم عليه تنبيهاً على أنّ المراد بضمير الخطاب أكثر من المراد بلفظ المؤمنين، ولذلك لم يقل على ما هم عليه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏حتى يميز الخبيث من الطيب‏}‏ غاية للجحود المستفاد من قوله‏:‏ ‏{‏ما كان الله ليذر‏}‏ المفيد أنّ هذا الوَذْر لا تتعلّق به إرادة الله بعد وقت الإخبار ولا واقعاً منه تعالى إلى أن يحصل تمييز الخبيث من الطيّب، فإذا حصل تمييز الخبيث من الطّيب صار هذا الوذر ممكناً، فقد تتعلّق الإرادة بحصوله وبعدم حصوله، ومعناه رجوع إلى حال الاختيار بعد الإعلام بحالة الاستحالة‏.‏
ولحتّى استعمال خاصّ بعد نفي الجحود، فمعناها تنهية الاستحالة‏:‏ ذلك أنّ الجحود أخصّ من النفي لأنّ أصل وضع الصيغة الدلالة على أنّ ما بعد لام الجحود مناف لحقيقة اسم كان المنفية، فيكون حصوله كالمستحيل، فإذا غيّاه المتكلّم بغاية كانت تلك الغاية غاية للاستحالة المستفادة من الجحود، وليست غاية للنفي حتّى يكون مفهومها أنّه بعد حصول الغاية يثبت ما كان منفياً، وهذا كلّه لمح لأصل وضع صيغة الجحود من الدلالة على مبالغة النفي لا لغلبة استعمالها في معنى مطلق النفي، وقد أهمل التنبيه على إشكال الغاية هنا صاحب «الكشاف» ومتابعوه، وتنّبه لها أبو حيّان، فاستشكلها حتّى اضطرّ إلى تأوّل النفي بالإثبات، فجعل التقدير‏:‏ إنّ الله يخلّص بينكم بالامتحان، حتّى يميز‏.‏
وأخذ هذا التأويل من كلام ابننِ عطية، ولا حاجة إليه على أنّه يمكن أن يتأوّل تأويلاً أحسن، وهو أن يجعل مفهوم الغاية معطّلاً لوجود قرينة على عدم إرادة المفهوم، ولكن فيما ذكرته وضوح وتوقيف على استعمال عربيّ رشيق‏.‏
و ‏(‏مِنْ‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏من الطيب‏}‏ معناها الفصْل أي فصل أحد الضدين من الآخر، وهو معنى أثبته ابن مالك وبحث فيه صاحب «مغني اللبيب»، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واللَّه يعلم المفسد من المصلح‏}‏ وقد تقدّم القول فيه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واللَّه يعلم المفسد من المصلح‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 220‏]‏‏.‏
وقيل‏:‏ الخطاب بضمير ما أنتم‏}‏ للكفار، أي‏:‏ لا يترك الله المؤمنين جاهلين بأحوالكم من النفاق‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ يَميز بفتح ياء المضارعة وكسر الميم وياء تحتية بعدها ساكنة من ماز يميز، وقرأه حمزة، والكسائي ويعقوب، وخَلَف بضمّ ياء المضارعة وفتح الميم وياء بعدها مشدّدة مكسورة من ميَّز مضاعف ماز‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وما كان الله ليطلعكم‏}‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏ما كان الله ليذر‏}‏ يعني أنّه أراد أن يميز لكم الخبيث فتعرفوا أعداءكم، ولم يكن من شأن الله إطلاعكم على الغيب، فلذلك جعل أسباباً من شأنها أن تستفزّ أعداءكم فيظهروا لكم العداوة فتطلّعوا عليهم، وإنّما قال‏:‏ ‏{‏وما كان الله ليطلعكم على الغيب‏}‏ لأنّه تعالى جعل نظام هذا العالم مؤسّساً على استفادة المسبّبات من أسبابها، والنتائج من مقدّماتها‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء‏}‏ يجوز أنّه استدراك على ما أفاده قوله‏:‏ ‏{‏وما كان الله ليطلعكم على الغيب‏}‏ حتّى لا يجعله المنافقون حجّة على المؤمنين‏.‏ في نفي الوحي والرسالة، فيكون المعنى‏:‏ وما كان الله ليطلعكم على الغيب إلاّ ما أطلع عليه رسوله ومن شأن الرسول أن لا يفشي ما أسرّه الله إليه كقوله‏:‏ ‏{‏عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحد إلا من ارتضى من رسول‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 26، 27‏]‏ الآية، فيكون كاستثناء من عموم ‏{‏ليطلعكم‏}‏‏.‏ ويجوز أنّه استدراك على ما يفيده ‏{‏وما كان الله ليطلعكم على الغيب‏}‏ من انتفاء اطّلاع أحد على علم الله تعالى فيكون كاستثناء من مفاد الغيب أي‏:‏ إلاّ الغيب الراجع الى إبلاغ الشريعة، وأمّا ما عداه فلم يضمن الله لرسله إطلاعهم عليه بل قد يطلعهم، وقد لا يطلعهم، قال تعالى‏:‏
‏{‏وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعملهم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 60‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فآمنوا بالله ورسله‏}‏ إن كان خطاباً للمؤمنين فالمقصود منه الإيمان الخاصّ، وهو التصديق بأنّهم لا ينطقون عن الهوى، وبأنّ وعد الله لا يخلف، فعليهم الطاعة في الحرب وغيره أو أريد الدوام على الإيمان، لأنّ الحالة المتحدّث عنها قد يتوقع منها تزلزل إيمان الضعفاء ورواج شبه المنافقين، وموقع ‏{‏وإن تؤمنوا وتتقوا‏}‏ ظاهر على الوجهين، وإن كان قوله‏:‏ ‏{‏فآمنوا‏}‏ خطاباً للكفار من المنافقين بناء على أنّ الخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏على ما أنتم عليه‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ليطلعكم على الغيب‏}‏ للكفّار فالأمر بالإيمان ظاهر، ومناسبة تفريعه عمّا تقدّم انتهاز فرص الدعوة حيثما تأتّت‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏180‏]‏
‏{‏وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏180‏)‏‏}‏
عطف على ‏{‏ولا يحسبن الذين كفروا‏}‏، لأنّ الظاهر أنّ هذا أنزل في شأن أحوال المنافقين، فإنّهم كانوا يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، كما حكى الله عنهم في سورة النساء ‏(‏37‏)‏ بقوله‏:‏ ‏{‏الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل‏}‏ وكانوا يقولون‏:‏ لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضُّوا، وغير ذلك، ولا يجوز بحال أن يكون نازلاً في شأن بعض المسلمين لأنّ المسلمين يومئذ مبرّؤون من هذا الفعل ومن هذا الحسبان، ولذلك قال معظم المفسّرين‏:‏ إنّ الآية نزلت في منع الزكاة، أي فيمن منعوا الزكاة، وهل يمنعها يومئذ إلاّ منافق‏.‏ ولعلّ مناسبة ذكر نزول هذه الآية هنا أنّ بعضهم منع النفقة في سبيل الله في غزوة أُحُد‏.‏ ومعنى حسبانه خيراً أنّهم حسبوا أن قد استبقوا مالهم وتنصّلوا عن دفعه بمعاذير قُبلت منهم‏.‏
أمّا شمولها لِمنع الزكاة، فإن لم يكن بعموم صلة الموصول إن كان الموصول للعهد لا للجنس، فبدلالة فحوى الخطاب‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ ولا يحسبنّ الذين يبخلون‏}‏ بياء الغيبة، وقرأه حمزة بتاء الخطاب كما تقدّم في نظيره‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ تحسِبنّ بكسر السين، وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم بفتح السين‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏هو خيراً لهم‏}‏ قال الزمخشري ‏(‏هو‏)‏ ضمير فصْل، وقد يبنى كلامه على أنّ ضمير الفصل لا يختصّ بالوقوع مع الأفعال التي تطلب اسماً وخبراً، ونقل الطيبي عن الزجاج أنّه قال‏:‏ زعم سيبويه أنّه إنّما يكون فصلاً مع المبتدأ والخبر، يعني فلا يصحّ أن يكون هُنا ضمير فصل ولذلك حكى أبو البقاء فيه وجهين‏:‏ أحدهما أن يكون ‏(‏هو‏)‏ ضميراً واقعاً موقع المفعول الأوّل على أنه من إنابة ضمير الرفع عن ضمير النصب، ولعلّ الذي حسنّه أنّ المعاد غير مذكور فلا يهتدي إليه بضمير النصب، بخلاف ضمير الرفع لأنّه كالعمدة في الكلام، وعلى كلّ تقدير فالضمير عائد على البخل المستفاد من ‏{‏يبخلون‏}‏، مثل ‏{‏اعدلوا هو أقرب للتقوى‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 8‏]‏، ومثل قوله‏:‏
إذَا نُهِي السفيهُ جَرى إليه *** وخَالف والسفيهُ إلى خلاف
ثم إذا كان ضمير فصل فأحد مفعولي حسب محذوف اختصاراً لدلالة ضمير الفصل عليه، فعلى قراءة الفوقية فالمحذوف مضاف حَلّ المضافُ إليه محلّه، أي لا تحسبنّ الذين يبخلون خيراً وعلى قراءة التحتيّة‏:‏ ولا يحسبنّ الذين يبخلون بُخلهم خيراً‏.‏
والبُخْل بضم الباء وسكون الخاء ويقال‏:‏ بَخَل بفتحهما، وفعلُه في لغة أهل الحجاز مضموم العين في الماضي والمضارع‏.‏ وبقية العرب تجعله بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع، وبلغة غير أهل الحجاز جاء القرآن لِخفّة الكسرة والفتحة ولذا لم يقرأ إلاّ بها‏.‏ وهو ضدّ الجود، فهو الانقباض عن إعطاء المال بدون عوض، هذا حقيقته، ولا يطلق على منع صاحب شيء غير مال أن ينتفع غيره بشيئه بدون مضرّة عليه إلاَّ مجازاً، وقد ورد في أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم
«البخيل الذي أُذكُر عنده فلا يصلّي عليّ» ويقولون‏:‏ بخِلت العين بالدموع، ويرادف البخلَ الشحّ، كما يرادف الجودَ السخاء والسماح‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏بل هو شر لهم‏}‏ تأكيد لنفي كونه خيراً، كقول امرئ القيس‏:‏
وتعطو برخص غير ششن ***
وهذا كثير في كلام العرب، على أنّ في هذا المقام إفادة نفي توهّم الواسطة بين الخير والشرّ‏.‏
وجملة ‏{‏سيطوّقون‏}‏ واقعة موقع العلّة لقوله‏:‏ ‏{‏بل هو شر لهم‏}‏‏.‏
ويطوّقون يحتمل أنه مشتقّ من الطاقة، وهي تحمُّل ما فوق القدرة أي سيحملون ما بخلوا به، أي يكون عليهم وزراً يوم القيامة، والأظهر أنّه مشتقّ من الطَّوْق، وهو ما يلبس تحت الرقبة فوق الصدر، أي تجعل أموالهم أطواقاً يوم القيامة فيعذّبون بحملها، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم «من اغتصب شبراً من أرض طُوّقه من سبع أرضين يوم القيامة» والعرب يقولون في أمثالهم تقلّدها ‏(‏أي الفعلة الذميمة‏)‏ طوقَ الحمامة‏.‏ وعلى كلا الاحتمالين فالمعنى أنّهم يشهَّرون بهذه المذمّة بين أهل المحشر، ويلزمون عقاب ذلك‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولله ميراث السموات والأرض‏}‏ تذييل لموعظة البَاخلين وغيرهم‏:‏ بأنّ المال مال الله، وما من بخيل إلاّ سيذهب ويترك ماله، والمتصرّف في ذلك كلّه هو الله، فهو يرث السماوات والأرض، أي يستمرّ ملكه عليهما بعد زوال البشر كلّهم المنتفعين ببعض ذلك، وهو يملك ما في ضمنهما تبعاً لهما، وهو عليم بما يعمل الناس من بخل وصدقة، فالآية موعظة ووعيد ووعد لأنّ المقصود لازم قوله‏:‏ ‏{‏خبير‏}‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏181- 182‏]‏
‏{‏لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ‏(‏181‏)‏ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏182‏)‏‏}‏
استئناف جملة ‏{‏لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء‏}‏ لمناسبة ذكر البخل لأنّهم قالوه في معرض دفع الترغيب في الصدقات، والذين قالوا ذلك هم اليهود، كما هو صريح آخر الآية في قوله‏:‏ ‏{‏وقتلهم الأنبياء بغير حق‏}‏، وقائل ذلك‏:‏ قيل هو حُيَيُّ بنُ أخْطَبَ اليهودي، حَبر اليهود، لمّا سمع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من ذا الذي يقرض اللَّه قرضاً حسناً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 245‏]‏ فقال حُيَيّ‏:‏ إنّما يستقرض الفقيرُ الغنيَّ، وقيل‏:‏ قاله فِنحَاص بن عَازورَاء لأبي بكر الصديق بسبب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر إلى يهود قَيْنُقاع يدعوهم، فأتى بيت المِدْرَاس فوجد جماعة منهم قد اجتمعوا على فنحاص حَبْرِهم، فدعاه أبو بكر، فقال فنحاص‏:‏ ما بنا إلى الله من حاجة، وإنّه إلينا لفقير ولو كان غنيّاً لما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، فغضب أبو بكر ولطم فنحاص وهمّ بقتله، فنزلت الآية‏.‏ وشاع قولهما في اليهود‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏لقد سمع الله‏}‏ تهديد، وهو يؤذن بأنّ هذا القول جراءة عظيمة، وإن كان القصد منها التعريض ببطلان كلام القرآن، لأنهم أتوا بهاته العبارة بدون محاشاة، ولأنّ الاستخفاف بالرسول وقرآنه إثم عظيم وكفر على كفر، ولذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏لقد سمع‏}‏ المستعمل في لازم معناه، وهو التهديد على كلام فاحش، إذ قد علم أهل الأديان أنّ الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فليس المقصود إعلامهم بأنّ الله علم ذلك بل لازمه وهو مقتضى قوله‏:‏ ‏{‏سنكتب ما قالوا‏}‏‏.‏ والمراد بالكتابة إمّا كتابته في صحائف آثامهم إذ لا يخطر ببال أحد أن يكتب في صحائف الحسنات، وهذا بعيد، لأنّ وجود علامة الاستقبال يؤذّن بأنّ الكتابة أمر يحصل فيما بعد‏.‏ فالظاهر أنّه أريد من الكتابة عدم الصفح عنه ولا العفو بل سيثبت لهم ويجازون عنه فتكون الكتابة كناية عن المحاسبة‏.‏ فعلى الأول يكون وعيداً وعلى الثاني يكون تهديداً‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏سنكتب ما قالوا وقتلَهم‏}‏ بنون العظمة من ‏(‏سنكتب‏)‏ وبنصب اللام من ‏(‏قتلهم‏)‏ على أنّه مفعول ‏(‏نكتب‏)‏ و‏(‏نقول‏)‏ بنون‏.‏ وقرأه حمزة‏:‏ سيُكْتب بياء الغائب مضمومة وفتح المثناة الفوقية مبنيّاً للنائب لأنّ فاعل الكتابة معلوم وهو الله تعالى، وبرفع اللام من ‏(‏قتلُهم‏)‏ على أنه نائب الفاعل‏.‏ ‏(‏ويقول‏)‏ بياء الغائب، والضمير عائد الى اسم الجلالة في قوله‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏‏.‏
وعطف قوله‏:‏ ‏{‏وقتلهم الأنبياء بغير حق‏}‏ زيادة في مذمّتهم بذكر مساوي أسلافهم، لأنّ الذين قتلوا الأنبياء هم غير الذين قالوا‏:‏ ‏{‏إن الله فقير ونحن أغنياء‏}‏ بل هم من أسلافهم، فذكر هنا ليدلّ على أنّ هذه شنشنة قديمة فيهم، وهي الاجتراء على الله ورسله، واتّحاد الضمائر مع اختلاف المعاد طريقة عربية في المحامد والمذامّ التي تناط بالقبائل‏.‏
قال الحجّاج في خطبته بعد يوم دَيْر الجَماجم يخاطب أهل العراق‏:‏ ألستم أصحابي بالأهواز حين أضمَرْتُم الشرّ واستبطنتم الكفر إلى أن قال‏:‏ ثمّ يوم الزاوية وما يوم الزاوية‏.‏‏.‏ إلخ، مع أنّ فيهم من مات ومن طرأ بعد‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وتقول ذوقوا عذاب الحريق‏}‏ عُطف أثرُ الكتب عَلى الكتب أي سيجازون عن ذلك بدون صفح، ‏{‏ونقول ذوقوا‏}‏ وهْو أمر الله بأن يَدخلوا النار‏.‏
والذوق حقيقته إدراك الطُّعوم، واستعمل هنا مجازاً مرسلاً في الإحساس بالعذاب فعلاقته الإطلاق، ونكتته أنّ الذوق في العرف يستتبع تكرّر ذلك الإحساس لأنّ الذوق يتبعه الأكل، وبهذا الاعتبار يصحّ أن يكون «ذوقوا» استعارة‏.‏
وقد شاع في كلام العرب إطلاق الذوق على الإحساس بالخير أو بالشرّ، وورد في القرآن كثيراً‏.‏
والإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏ذلك بما قدمت أيديكم‏}‏ للعذاب المشاهد يومئذ، وفيه تهويل للعذاب‏.‏ والباء للسببية على أنّ هذا العذاب لعظم هَوله ممّا يُتساءل عن سببه‏.‏ وعطف قوله‏:‏ ‏{‏وأن الله ليس بظلام للعبيد‏}‏ على مجرور الباء، ليكون لهذا العذاب سببان‏:‏ ما قدّمتْه أيديهم، وعَدْل الله تعالى، فما قدّمت أيديهم أوجب حصول العذاب، وعدْل الله أوجب كون هذا العذاب في مقداره المشاهد من الشدّة حتّى لا يظنّوا أن في شدّته إفراطاً عليهم في التعذيب‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏183- 184‏]‏
‏{‏الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏183‏)‏ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ‏(‏184‏)‏‏}‏
أبدل ‏{‏الذين قالوا إن الله عهد‏}‏ من ‏{‏الذين قالوا إن الله فقير‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 181‏]‏ لذكر قولة أخرى شنيعة منهم، وهي كذبهم على الله في أنّه عهد إليهم على ألسنة أنبيائهم أنّ لا يؤمنوا لرسول حتّى يأتيهم بقربان، أي حتّى يذبح قرباناً فتأكله نار تنزل من السماء، فتلك علامة القبول، وقد كان هذا حصل في زمن موسى عليه السلام حين ذُبح أوّل قربان على النحو الذي شَرعه الله لبني إسرائيل فخرجت نار من عند الرّب فأحرقتْه‏.‏ كما في سفر اللاويين‏.‏ إلاّ أنه معجزة لا تطّرد لسائر الأنبياء كما زعمه اليهود لأنّ معجزات الرسل تجيء على ما يناسب تصديق الأمّة‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «ما من الأنبياء نبيء إلاّ أوتي من الآيات ما مثله آمَن عليه البشر، وإنّما كان الذي أوتيتُ وحْياً أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعاً يوم القيامة» فقال الله تعالى لنبيّه‏:‏ ‏{‏قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم‏}‏‏.‏
وهذا الضرب من الجدل مبنيّ على التسليم، أي إذا سلّمنا ذلك فليس امتناعكم من اتّباع الإسلام لأجل انتظار هذه المعجزة فإنّكم قد كذّبتم الرسل الذين جاؤوكم بها وقتلتموهم، ولا يخفي أنّ التسليم يأتي على مذهب الخصم إذ لا شكّ أنّ بني إسرائيل قتلوا أنبياء منهم بعد أن آمنوا بهم، مثل زكرياء ويحيى وأشعياء وأرمياء، فالإيمان بهم أوّل الأمر يستلزم أنهم جاؤوا بالقُربان تأكله النار على قولهم، وقتلهم آخراً يستلزم أنّ عدم الثبات على الإيمان بالأنبياء شنشنة قديمة في اليهود وأنّهم إنّما يتّبعون أهواءهم، فلا عجب أن يأتي خلَفُهم بمثل ما أتى به سلفهم‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏ ظاهر في أنّ ما زعموه من العهد لهم بذلك كذب ومعاذير باطلة‏.‏
وإنّما قال‏:‏ ‏{‏وبالذي قلتم‏}‏ عُدل إلى الموصول للاختصار وتسجيلاً عليهم في نسبة ذلك لهم ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال لأوتينّ مالاً وولَداً إلى قوله‏:‏ ونرثه ما يقول‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 77، 80‏]‏ أي نرث ماله وولده‏.‏
ثم سلى الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ «فإن كذّبوك فقد كُذّب رسل من قبلك» والمذكور بعد الفاء دليل الجواب لأنّه علّته، والتقدير‏:‏ فإن كذّبوك فلا عجب أو فلا تخزن لأنّ هذه سُنّة قديمة في الأمم مع الرسل مثلك، وليس ذلك لنقص فيما جئت به‏.‏ والبيّنات‏:‏ الدلائل على الصدق، والزبر جمع زبور وهو فَعول بمعنى مفعول مثل رسول، أي مزبور بمعنى مخطوط‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنه مأخوذ من زَبَر إذا زَجر أوْ حَبَس لأنّ الكتاب يقصد للحكم‏.‏ وأريد بالزبر كتب الأنبياء والرسل، ممّا يتضمّن مواعظ وتذكيراً مثل كتاب داوود والإنجيل‏.‏
والمراد بالكتاب المنير‏:‏ إن كان التعريف للجنس فهو كتب الشرائع مثل التوراة والإنجيل، وإن كان للعهد فهو التوراة، ووصفه بالمنير مجاز بمعنى المبيِّن للحق كقوله‏:‏
‏{‏إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏ والعطف منظور فيه إلى التوزيع، فبعض الرسل جاء بالزّبر، وبعضهم بالكتاب المنير، وكلّهم جاء بالبيّنات‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏والزّبر‏}‏ بعطف الزبر بدون إعادة باء الجرّ‏.‏
وقرأه ابن عامر‏:‏ وبالزبر بإعادة باء الجرّ بعد واو العطف وكذلك هو مرسوم في المصحف الشامي‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ والكتاب بدون إعادة باء الجرّ وقرأه هشام عن ابن عامر وبالكتاب باعادة باء الجرّ وهذا انفرد به هشام، وقد قيل‏:‏ إنّه كُتب كذلك في بعض مصاحف الشام العتيقة، وليست في المصحف الإمام‏.‏ ويوشك أن تكون هذه الرواية لهشام عن ابن عامر شاذّة في هذه الآية، وأنّ المصاحف التي كتبت بإثبات الباء في قوله‏:‏ ‏{‏وبالكتاب‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 25‏]‏ كانت مملاة من حفّاظ هذه الرواية الشاذّة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏185‏]‏
‏{‏كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ‏(‏185‏)‏‏}‏
هذه الآية مرتبطة بأصل الغرض المسوق له الكلام، وهو تسلية المؤمنين على ما أصابهم يوم أُحُد، وتفنيد المنافقين في مزَاعمهم أنّ الناس لو استشاروهم في القتال لأشاروا بما فيه سلامتهم فلا يهلكوا، فبعد أنّ بيّن لهم ما يدفع توهّمهم أنّ الانهزام كان خذلاناً من الله وتعجّبهم منه كيف يلحق قوماً خرجوا لنصر الدين وأن لا سبب للهزيمة بقوله‏:‏ ‏{‏إنما استزلهم الشيطان‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 155‏]‏ ثم بيّن لهم أنّ في تلك الرزّية فوائد بقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏لكيلا تحزنوا على ما فاتكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 153‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وليعلم المؤمنين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 166‏]‏، ثم أمرهم بالتسليم لله في كلّ حال فقال‏:‏ ‏{‏وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 166‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 156‏]‏ الآية‏.‏ وبيّن لهم أنّ قتلى المؤمنين الذين حزِنوا لهم إنّما هم أحياء، وأنّ المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم لا يضيع الله أجرهم ولا فَضْلَ ثباتهم، وبيّن لهم أنّ سلامة الكفّار لا ينبغي أن تُحزن المؤمنين ولا أن تسرّ الكافرين، وأبطل في خلال ذلك مقال المنافقين بقوله‏:‏ ‏{‏قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 154‏]‏ وبقوله‏:‏ ‏{‏الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 168‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 168‏]‏ ختم ذلك كلّه بما هو جامع للغرضين في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة‏}‏ لأنّ المصيبة والحزن إنّما نشآ على موت من استشهد من خيرة المؤمنين، يعني أنّ الموت لمّا كان غاية كلّ حيّ فلو لم يموتوا اليوم لماتوا بعدَ ذلك فلا تأسفوا على موت قتلاكم في سبيل الله، ولا يفتنكم المنافقون بذلك، ويكون قوله بعده‏:‏ ‏{‏وإنما توفون أجوركم يوم القيامة‏}‏ قصر قلب لتنزيل المؤمنين فيما أصابهم من الحزن على قتلاهم وعلى هزيمتهم، منزلة من لا يترقّب من عمله إلاّ منافع الدنيا وهو النصر والغنيمة، مع أنّ نهاية الأجر في نعيم الآخرة، ولذلك قال‏:‏ ‏{‏توفون أجوركم‏}‏ أي تكمل لكم، وفيه تعريض، بأنّهم قد حصلت لهم أجور عظيمة في الدنيا على تأييدهم للدين‏:‏ منها النصر يوم بدر، ومنها كفّ أيدي المشركين عنهم في أيام مقامهم بمكّة إلى أن تمكّنوا من الهجرة‏.‏
والذوق هنا أطلق على وِجداننِ الموت، تقدّم بيان استعماله عند قوله آنفاً‏:‏ ‏{‏ونقول ذوقوا عذاب الحريق‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 181‏]‏ وشاع إطلاقه على حصول الموت، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا يذوقون فيها الموت‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 56‏]‏ ويقال ذاق طعم الموت‏.‏
والتوفية‏:‏ إعطاء الشيء وافياً‏.‏ ويطلقها الفقهاء على مطلق الإعطاء والتسليم، والأجور جمع الأجر بمعنى الثواب، ووجه جمعه مراعاة أنواع الأعمال‏.‏ ويوم القيامة يومُ الحشر سمّي بذلك لأنّه يقوم فيه الناس من خمود الموت إلى نهوض الحياة‏.‏
والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فمن زحزح‏}‏ للتفريع على ‏{‏توفون أجوركم‏}‏، ومعنى‏:‏ ‏{‏زحزح‏}‏ أبعد‏.‏ وحقيقةُ فعل زحزح أنها جذبٌ بسرعة، وهو مضاعف زَحَّه عن المكان إذا جذبه بعجلة‏.‏
وإنّما جُمع بين ‏{‏زُحزح عن النار وأدخل الجنة‏}‏، مع أنّ في الثاني غنية عن الأوّل، للدلالة على أنّ دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين‏:‏ النجاة من النار، ونعيم الجنّة‏.‏
ومعنى ‏{‏فقد فاز‏}‏ نال مبتغاه من الخير لأنّ ترتّب الفوز على دخول الجنّة والزحزحة عن النار معلوم فلا فائدة في ذكر الشرط إلاّ لهذا‏.‏ والعرب تعتمد في هذا على القرائن، فقد يكون الجواب عين الشرط لبيان التحقّق، نحو قول القائل‏:‏ من عرفني فقد عرفني، وقد يكون عينه بزيادة قيد نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا مروا باللغو مروا كراما‏}‏ وقد يكون على معنى بلوغ أقصى غايات نوع الجواب والشرط كما في هذه الآية وقوله‏:‏ ‏{‏ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته‏}‏ على أحد وجهين، وقول العرب‏:‏ «مَنْ أدرك مَرْعَى الصَّمَّان فقَدْ أدرك» وجميع ما قرّر في الجواب يأتي مثله في الصفة ونحوها كقوله‏:‏ ‏{‏ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 63‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏186‏]‏
‏{‏لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ‏(‏186‏)‏‏}‏
استئناف لإيقاظ المؤمنين إلى ما يعترض أهل الحقّ وأنصار الرسل من البلوى، وتنبيه لهم على أنّهم إن كانوا ممّن توهنهم الهزيمة فليسوا أحرياء بنصر الحقّ، وأكّد الفعل بلام القسم وبنون التوكيد الشديدة لإفادة تحقيق الابتلاء، إذ نون التوكيد الشديدة أقوى في الدلالة على التوكيد من الخفيفة‏.‏
فأصل ‏{‏لتبلونّ‏}‏ لتبلووننّ فلمّا توالى ثلاث نونات ثقل في النطق فحذفت نون الرفع فالتقى ساكنان‏:‏ واو الرفع ونون التوكيد الشديدة، فحذفت واو الرفع لأنّها ليست أصلاً في الكلمة فصار لتبْلَوُنّ‏.‏ وكذلك القول في تصريف قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولتسمعنّ‏}‏ وفي توكيده‏.‏
والابتلاء‏:‏ الاختبار، ويراد به هنا لازمه وهو المصيبة، لأنّ في المصائب اختباراً لمقدار الثبات‏.‏ والابتلاء في الأموال هو نفقات الجهاد، وتلاشي أموالهم التي تركوها بمكّة‏.‏ والابتلاء في الأنفس هو القتل والجراح‏.‏ وجمع مع ذلك سماع المكروه من أهل الكتاب والمشركين في يوم أُحُد وبعده‏.‏
والأذى هو الضرّ بالقول كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لن يضروكم إلا أذى‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 111‏]‏ كما تقدّم آنفاً، ولذلك وصفه هنا بالكثير، أي الخارج عن الحدّ الذي تحتمله النفوس غالباً، وكلّ ذلك ممّا يفضي إلى الفشل، فأمَرَهم الله بالصبر على ذلك حتّى يحصل لهم النصر، وأمرهم بالتقوى أي الدوام على أمور الإيمان والإقبال على بثّه وتأييده، فأمّا الصبر على الابتلاء في الأموال والأنفس فيشمل الجهاد، وأمّا الصبر على الأذى ففي وقتى الحرب والسلم، فليست الآية مقتضية عدم الإذن بالقتال من حيث إنه أمرهم بالصبر على أذى الكفّار حتّى تكون منسوخة بآيات السيف، لأنّ الظاهر أنّ الآية نزلت بعد وقعة أُحُد، وهي بعد الأمر بالقتال‏.‏ قاله القفّال‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فإن ذلك‏}‏ الإشارة إلى ما تقدّم من الصبر والتقوى بتأويل‏:‏ فإنّ المذكور‏.‏
و ‏(‏عزم الأمور‏)‏ من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور العَزم، ووصفَ الأمور وهو جمع بعزم وهو مفرد لأنّ أصل عزم أنه مصدر فيلزم لفظه حالة واحدة، وهو هنا مصدر بمعنى المفعول، أي من الأمور المعزوم عليها‏.‏ والعزم إمضاء الرأي وعدم التردّد بعد تبيين السداد‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 159‏]‏ والمراد هنا العزم في الخيرات، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 35‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏ولم نجد له عزما‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 115‏]‏‏.‏
ووقع قوله‏:‏ ‏{‏فإن ذلك من عزم الأمور‏}‏ دليلاً على جواب الشرط، والتقدير‏:‏ وإن تصبروا وتتّقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإنّ ذلك من عزم الأمور‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏187‏]‏
‏{‏وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ‏(‏187‏)‏‏}‏
معطوف على قوله‏:‏ ‏{‏ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 186‏]‏ فإنّ تكذيب الرسول من أكبر الأذى للمسلمين وإنّ الطعن في كلامه وأحكام شريعته من ذلك كقولهم‏:‏ ‏{‏إن الله فقير ونحن أغنياء‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 181‏]‏‏.‏ والقولُ في معنى أخذ الله تقدّم في قوله‏:‏ ‏{‏وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 34‏]‏ ونحوه‏.‏
و ‏{‏الذين أوتوا الكتاب‏}‏ هم اليهود، وهذا الميثاق أخذ على سلفهم من عهد رسولهم وأنبياِئهم، وكان فيه ما يدلّ على عمومه لعلماء أمّتهم في سائر أجيالهم إلى أن يجيء رسول‏.‏
وجملة ‏{‏لتبيننه للناس‏}‏ بيان للميثاق، فهي حكاية اليمين حين اقترحت عليهم، ولذلك جاءت بصيغة خطابهم بالمحلوف عليه كما قرأ بذلك الجمهور، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ ليُبيّننّه بياء الغيبة على طريقة الحكاية بالمعنى، حيث كان المأخوذ عليهم هذا العهد غائبين في وقت الإخبار عنهم‏.‏ وللعرب في مثل هذه الحكايات وجوه‏:‏ باعتبار كلام الحاكي، وكلام المحكي عنه، فقد يكون فيه وجهان كالمحكي بالقول في نحو‏:‏ أقسَم زيد لا يفعلُ كذا، وأقسم لا أفعل كذا، وقد يكون فيه ثلاثة أوجه‏:‏ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا تقاسموا باللَّه لنبيتنه وأهله‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 49‏]‏ قرئ بالنون والتاء الفوقية والياء التحتية لنبيّتنّه لتبيّتنّه ليبيّتنّه، إذا جعل تقاسموا فعلاً ماضياً فإذا جعل أمراً جاز وجهان‏:‏ في لنبيّتنّه النون والتاء الفوقية‏.‏ والقول في تصريف وإعراب ‏{‏لتبيّننّه‏}‏ كالقول في ‏{‏لتبلونّ‏}‏ المتقدّم قريباً‏.‏
وقد أخذ عليهم الميثاق بأمرين‏:‏ هما بيان الكتاب أي عدم إجمال معانيه أو تحريف تأويله، وعدمُ كتمانه إي إخفاء شيء منه‏.‏ فقوله‏:‏ ‏{‏ولا تكتمونه‏}‏ عطف على لتبيننه للناس ولم يقرن بنون التوكيد لأنّها لا تقارن الفعل المنفي لتنافي مقتضاهما‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فنبذوه‏}‏ عُطف بالفاء الدالّة على التعقيب للإشارة إلى مسارعتهم إلى ذلك، والذين نبذوه هم علماء اليهود في عصورهم الأخيرة القريبة من عهد الرسالة المحمّدية، فالتعقيب الذي بين أخذ الميثاق عليهم وبين نبذهم إيّاه منظور فيه إلى مبادرتهم بالنبذ عقب الوقت الذي تحقّق فيه أثر أخذِ الميثاق، وهو وقت تأهّل كلّ واحد من علمائهم لتبيين الكتاب وإعلانه فهو إذا أنس من نفسه المقدرة على فهم الكتاب والتصرّف في معانيه بادر باتّخاذ تلك المقدرة وسيلة لسوء التأويل والتحريف والكتمان‏.‏ ويجوز أن تكون الفاء مستعملة في لازم التعقيب، وهو شدّة المسارعة لذلك عند اقتضاء الحال إيّاه والاهتمام به وصرف الفكرة فيه‏.‏ ويجوز أن يكون التعقيب بحسب الحوادث التي أساؤوا فيها التأويل واشتروا بها الثمن القليل، لأنّ الميثاق لمّا كان عامّاً كانت كلّ جزئية مأخوذاً عليها الميثاق، فالجزئية التي لم يعملوا فيها بالميثاق يكون فيها تعقيب ميثاقها بالنبذ والاشتراء‏.‏
والنبذ‏:‏ الطرح والإلقاء، وهو هنا مستعار لعدم العمل بالعهد تشبيهاً للعهد بالشيء المنبوذ في عدم الانتفاع به‏.‏
ووراء الظُّهور هنا تمثيل للإضاعة والإهمال، لأنّ شأن الشيء المهتمّ به المتنافس فيه أن يجعل نصب العين ويحرس ويشاهد‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإنك بأعيننا‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 48‏]‏‏.‏ وشأن الشيء المرغوب عنه أن يستدبر ولا يلتفت إليه، وفي هذا التمثيل ترشيح لاستعارة النبذ لإخلاف العهد‏.‏
والضميران‏:‏ المنصوب والمجرور، يجوز عودهما إلى الميثاق أي استخفّوا بعهد الله وعوّضوه بثمن قليل، وذلك يتضمّن أنّهم أهملوا ما واثقوا عليه من تبيين الكتاب وعدم كتمانه، ويجوز عودهما إلى الكتاب أي أهملوا الكتاب ولم يعتنوا به، والمراد إهمال أحكامه وتعويض إقامتها بنفع قليل، وذلك يدلّ على نوعي الإهمال، وهما إهمال آياته وإهمال معانيه‏.‏
والاشتراء هنا مجاز في المبادلة والثمن القليل، وهو ما يأخذونه من الرُّشَى والجوائز من أهل الأهواء والظلم من الرؤساء والعامّة على تأييد المظالم والمفاسد بالتأويلات الباطلة، وتأويل كلّ حكم فيه ضرب على أيْدي الجبابرة والظلمة بما يُطلق أيديهم في ظلم الرعيّة من ضروب التأويلات الباطلة، وتحذيرات الذين يصدعون بتغيير المنكر‏.‏ وهذه الآية وإن كانت في أهل الكتاب إلاّ أنّ حكمها يشمل من يرتكب مثل صنيعهم من المسلمين لاتّحَاد جنس الحكم والعلّة فيه‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏188‏]‏
‏{‏لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏188‏)‏‏}‏
تكملة لأحوال أهل الكتاب المتحدّث عنهم ببيان حالة خُلقهم بعد أن بيّن اختلال أمانتهم في تبليغ الدين، وهذا ضرب آخر جاء به فريق آخر من أهل الكتاب فلذلك عبّر عنهم بالمَوصول للتوصّل إلى ذكر صلته العجيبة من حال من يفعل الشرّ والخسّة ثم لا يقف عند حدّ الانكسار لما فعل أو تطَلُّب الستر على شنعته، بل يرتقي فيترقّب ثناء الناس على سوء صنعه، ويتطلّب المحمدة عليه‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في المنافقين، والخطاب لكلّ من يصلح له الخطاب، والموصول هنا بمعنى المعرّف بلام العهد لأنّ أريد به قوم معيَّنون من اليهود أو المنافقين، فمعنى ‏{‏يفرحون بما أتوا‏}‏ أنّهم يفرحون بما فعلوا ممّا تقدّم ذكره، وهو نبذ الكتاب والاشتراء به ثمناً قليلاً وإنّما فرحهم بما نالوا بفعلهم من نفع في الدنيا‏.‏
ومعنى‏:‏ ‏{‏يُحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا‏}‏ أنّهم يحبّون الثناء عليهم بأنّهم حفظة الشريعة وحُرّاسها والعالمون بتأويلها، وذلك خلاف الواقع‏.‏ هذا ظاهر معنى الآية‏.‏ وهو قول مجاهد‏.‏ وعن ابن عباس أنّهم أتوا إضلال أتباعهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأحبّوا الحمد بأنّهم علماء بكتب الدين‏.‏
وفي «البخاري»، عن أبي سعيد الخدْري‏:‏ أنّها نزلت في المنافقين، كانوا يتخلّفون عن الغزو ويعتذرون بالمعاذير، فيقبل منهم النبي صلى الله عليه وسلم ويحبّون أن يحمدوا بأنّ لهم نية المجاهدين، وليس الموصول بمعنى لام الاستغراق‏.‏ وفي «البخاري»‏:‏ أنّ مروان بن الحكم قال لِبَوّابِه‏:‏ «اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل‏:‏ لئِنْ كان كلّ امرئ فرح بما أتَى وأحَبّ أن يُحمد بما لم يفعل معذّباً لنعذّبَنّ أجْمعون» قال ابن عباس‏:‏ «وما لكم ولهذه إنّما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودَ، فسألهم عن شيء فأخبروه بغيره فأرَوْه أنّهم قد استحمدوا إليه بما أخبروه وفرِحوا بما أتوا من كتمانهم» ثم قرأ ابن عباس‏:‏ ‏{‏وإذ أخذ الله ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 187‏]‏ حتّى قوله‏:‏ ‏{‏لا تَحْسِبَنّ الذين يفرحون بما أتوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 188‏]‏ الآية‏.‏ والمفازة‏:‏ مكان الفوزَ‏.‏ وهو المكان الذي مَن يحلّه يفوز بالسلامة من العدوّ سمّيت البيداء الواسعة مَفَازة لأنّ المنقطع فيها يفوز بنفسه من أعدائه وطلبة الوتر عنده وكانوا يتطلّبون الإقامة فيها‏.‏ قال النابغة‏:‏
أوْ أضَعُ البيتَ في صَمَّاء مُظلمةٍ *** تُقَيّدُ العَيْر لا يسري بها الساري
تُدافع الناس عنّا حين نركبها *** من المظالم تُدْعَى أمّ صَبَّار
ولمّا كانت المفازة مجملة بالنسبة للفوز الحاصل فيها بيّن ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏من العذاب‏}‏‏.‏ وحرف ‏(‏مِن‏)‏ معناه البدلية، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يسمن ولا يغني من جوع‏}‏ ‏[‏الغاشية‏:‏ 7‏]‏، أو بمعنى ‏(‏عن‏)‏ بتضمين مفازة معنى منجاة‏.‏
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمور، وأبو جعفر‏:‏ لا يحسبنّ الذين يفرحون بالياء التحتية على الغيبة، وقرأه الباقون بتاء الخطاب‏.‏
وأمّا سين ‏(‏تحسبن‏)‏ فقرأها بالكسر نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب‏.‏ وقرأها بالفتح الباقون‏.‏
وقد جاء تركيب الآية على نظم بديع إذ حُذف المفعول الثاني لفعل الحسبان الأوّل لدلالة ما يدلّ عليه وهو مفعول ‏{‏فلا تحسبنّهم‏}‏، والتقدير‏:‏ لا يحسبنّ الذين يفرحون إلخ أنْفسَهم‏.‏ وأعيد فعل الحسبان في قوله‏:‏ ‏{‏فلا تحسبنهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 188‏]‏ مسنداً إلى المخاطب على طريقة الاعتراض بالفاء وأتي بعده بالمفعول الثاني‏:‏ وهو ‏{‏بمفازة من العذاب‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 188‏]‏ فتنازعه كلا الفعلين‏.‏ وعلى قراءة الجمهور‏:‏ ‏{‏لا تَحسبنّ الذين يفرحون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 188‏]‏ بتاء الخطاب يكون خطاباً لغير معيّن ليعمّ كلّ مخاطب، ويكون قوله‏:‏ ‏{‏فلا تحسبنهم‏}‏ اعتراضاً بالفاء أيضاً والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم مع ما في حذف المفعول الثاني لفعل الحسبان الأول، وهو محلّ الفائدة، من تشويق السامع إلى سماع المنهي عن حسبانه‏.‏ وقرأ الجمهور فلا تحسبنّهم‏:‏ بفتح الباء الموحدة على أنّ الفعل لخطاب الواحد؛ وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب بضم الباء الموحدة على أنّه لخطاب الجمع، وحيث إنّهما قرءا أوّله بياء الغيبة فضمّ الباء يجعل فاعل ‏(‏يحسبنّ‏)‏ ومفعوله متّحدين أي لا يحسبون أنفسهم، واتّحاد الفاعل والمفعول للفعل الواحد من خصائص أفعال الظنّ كما هنا وألحقت بها أفعال قليلة، وهي‏:‏ ‏(‏وَجد‏)‏ و‏(‏عَدِم‏)‏ و‏(‏فَقَدَ‏)‏‏.‏
وأمّا سين «تحسبنّهم» فالقراءات مماثلة لما في سين ‏{‏يحسبنّ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏189‏]‏
‏{‏وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏189‏)‏‏}‏
تذييل بوعيد يدلّ على أنّ الله لا يخفى عليه ما يكتمون من خلائقهم‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏190- 194‏]‏
‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ‏(‏190‏)‏ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ‏(‏191‏)‏ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ‏(‏192‏)‏ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ‏(‏193‏)‏ رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ‏(‏194‏)‏‏}‏
هذا غرض أُنف بالنسبة لما تتابع من أغراض السورة، انتُقل به من المقدّمات والمقصد والمتخلِّلات بالمناسبات، إلى غرض جديد هو الاعتبار بخلق العوالم وأعراضها والتنويه بالذين يعتبرون بما فيها من آيات‏.‏
ومِثْل هذا الانتقال يكون إيذاناً بانتهاء الكلام على أغراض السورة، على تفنّنها، فقد كان التنقّل فيها من الغرض إلى مشاكله وقد وقع الانتقال الآن إلى غرض عامّ‏:‏ وهو الاعتبار بخلق السماوات والأرض وحال المؤمنين في الاتّعاظ بذلك، وهذا النحو في الانتقال يعرض للخطيب ونحوه من أغراضه عقب إيفائها حقّها إلى غرض آخر إيذاناً بأنّه أشرف على الانتهاء، وشأن القرآن أن يختم بالموعظة لأنّها أهمّ أغراض الرسالة، كما وقع في ختام سورة البقرة‏.‏
وحرف ‏(‏إنّ‏)‏ للاهتمام بالخبر‏.‏
والمراد ب ‏{‏خلْق السماوات والأرض‏}‏ هنا‏:‏ إمّا آثار خَلْقِها، وهو النظام الذي جعل فيها، وإمّا أن يراد بالخلق المخلوقات كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا خلق اللَّه‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 11‏]‏‏.‏ و‏{‏أولو الألباب‏}‏ أهل العقول الكاملة لأنّ لبّ الشيء هو خلاصته‏.‏ وقد قدّمنا في سورة البقرة بيان ما في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من الآيات عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن في خلق السموات والأرض واختلاف اللَّيل والنهار والفلك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 164‏]‏ إلخ‏.‏
و ‏{‏يذكرون الله‏}‏ إمّا من الذِّكر اللساني وإمّا من الذُّكر القلبي وهو التفكّر، وأراد بقوله‏:‏ ‏{‏قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم‏}‏ عموم الأحوال كقولهم‏:‏ ضَربه الظهرَ والبطْن، وقولهم‏:‏ اشتهر كذا عند أهل الشرق والغرب، على أنّ هذه الأحوال هي متعارَف أحوال البشر في السلامة، أي أحوال الشغل والراحة وقصد النوم‏.‏ وقيل‏:‏ أراد أحوال المصلّين‏:‏ من قادر، وعاجز، وشديد العجز‏.‏ وسياق الآية بعيد عن هذا المعنى‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ويتفكرون في خلق السموات والأرض‏}‏ عطف مرادف إن كان المراد بالذكر فيما سبق التفكّر، وإعادتُه لأجل اختلاف المتفكَّر فيه، أو هو عطف مغاير إذا كان المراد من قوله‏:‏ ‏{‏يذكرون‏}‏ ذِكر اللسان‏.‏ والتفكّر عبادة عظيمة‏.‏ روى ابن القاسم عن مالك رحمه الله في جامع العتبية قال‏:‏ قيل لأمّ الدرداء‏:‏ ما كان شأن أبي الدرداء‏؟‏ قالت‏:‏ كان أكثر شأنه التفكّر، قيل له‏:‏ أترى التفكّر عَمَلاً من الأعمال‏؟‏ قال‏:‏ نعم، هو اليقين‏.‏
‏{‏والخلق‏}‏ بمعنى كيفية أثر الخلق، أو المخلوقات التي في السماء والأرض، فالإضافة إمّا على معنى اللام، وإمّا على معنى ‏(‏في‏)‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ربنا ما خلقت هذا باطلاً‏}‏ وما بعده جملة واقعة موقع الحال على تقدير قَوْلٍ‏:‏ أي يتفكّرون قائلين‏:‏ ربّنا إلخ لأنّ هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء‏.‏
فإن قلت‏:‏ كيف تواطأ الجمع من أولي الألباب على قول هذا التنزيه والدعاء عند التفكّر مع اختلاف تفكيرهم وتأثّرهم ومقاصدهم‏.‏ قلت‏:‏ يحتمل أنّهم تلقَّوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يلازمونه عند التفكّر وعقبَه، ويحتمل أنّ الله ألهمهم إيّاه فصار هجيراهم مثلَ قوله تعالى‏:‏
‏{‏وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 285‏]‏ الآيات‏.‏ ويدلّ لذلك حديث ابن عباس في «الصحيح» قال‏:‏ ‏"‏ بتّ عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات من سورة آل عمران ‏"‏ إلى آخر الحديث‏.‏
ويجوز عندي أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏ربنا ما خلقت هذا باطلاً‏}‏ حكاية لتفكّرهم في نفوسهم، فهو كلام النفس يشترك فيه جميع المتفكّرين لاستوائهم في صحّة التفكّر لأنّه تنقل من معنى إلى متفرّع عنه، وقد استوى أولو الألباب المتحدّث عنهم هنا في إدراك هذه المعاني، فأوّل التفكّر أنتج لهم أنّ المخلوقات لم تخلق باطلاً، ثم تفرّع عنه تنزيه الله وسؤاله أن يقيهم عذاب النار، لأنّهم رأوا في المخلوقات طائعاً وعاصياً، فعلموا أنّ وراء هذا العالم ثَواباً وعقاباً، فاستعاذوا أن يكونوا ممّن حقّت عليه كلمة العذاب‏.‏ وتوسّلوا إلى ذلك بأنّهم بذَلوا غاية مقدورهم في طلب النجاة إذ استجابوا لمنادي الإيمان وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، وسألوا غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والموتَ على البر إلى آخره‏.‏‏.‏‏.‏ فلا يكاد أحد من أولي الألباب يخلو من هذه التفكّرات وربّما زاد عليها، ولمّا نزلت هذه الآية وشاعت بينهم، اهتدى لهذا التفكير من لم يكن انتبه له من قبل فصار شائعاً بين المسلمين بمعانيه وألفاظه‏.‏
ومعنى ‏{‏ما خلقتَ هذا باطلاً‏}‏ أي خلقاً باطلاً، أو ما خلقت هذا في حال أنّه باطل، فهي حال لازمة الذكر في النفي وإن كانت فضلة في الإثبات، كقوله‏:‏ ‏{‏وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 38‏]‏ فالمقصود نفي عقائد من يفضي اعتقادهم إلى أنّ هذا الخلق باطل أو خلي عن الحكمة، والعرب تبني صيغة النفي على اعتبار سبق الإثبات كثيراً‏.‏
وجيء بفاء التعقيب في حكاية قولهم‏:‏ ‏{‏فقنا عذاب النار‏}‏ لأنّه ترتّبَ على العلم بأنّ هذا الخلق حقّ، ومن جملة الحقّ أن لا يستوي الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، فعلموا أنّ لكلّ مستقرّاً مناسباً فسألوا أن يكونوا من أهل الخير المجنّبين عذاب النار‏.‏
وقولهم‏:‏ ‏{‏ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته‏}‏ مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار، كما توذن به ‏(‏إنّ‏)‏ المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا‏.‏ والخزي مصدر خزِيَ يَخْزَى بمعنى ذلّ وهان بمرأى من الناس، وأخزاه أذلّه على رؤوس الأشهاد، ووجه تعليل طلب الوقاية من النار بأنّ دخولها خزي بعد الإشارة إلى موجب ذلك الطلب بقولهم‏:‏ ‏{‏عذاب النار‏}‏ أنّ النار مع ما فيها من العذاب الأليم فيها قهر للمعذَّب وإهانة علنية، وذلك معنى مستقرّ في نفوس الناس، ومنه قول إبراهيم عليه السلام‏:‏ ‏{‏ولا تخزني يومَ يبعثون‏}‏ ‏[‏بالشعراء‏:‏ 87‏]‏ وذلك لظهور وجه الربط بين الشرط والجزاء، أي من يدخل النار فقد أخزيته‏.‏
والخزي لا تطيقه الأنفس، فلا حاجة إلى تأويل تأوّلوه على معنى فقَد أخزيته خزياً عظيماً‏.‏ ونظّره صاحب «الكشاف» بقول رُعاة العرب‏:‏ «من أدْرَكَ مَرْعَى الصَّمَّان فقد أدرك» أي فقد أدرك مرعى مخصباً لئلاّ يكون معنى الجزاء ضروري الحصول من الشرط فلا تظهر فائدة للتعليق بالشرط، لأنّه يخلي الكلام عن الفائدة حينئذ‏.‏ وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 185‏]‏‏.‏
ولأجل هذا أعقبوه بما في الطباع التفادي به عن الخزي والمذلّة بالهرع إلى أحلافهم وأنصارهم، فعلموا أن لا نصير في الآخرة للظالم فزادوا بذلك تأكيداً للحرص على الاستعاذة من عذاب النار إذ قالوا‏:‏ ‏{‏وما للظالمين من أنصار‏}‏ أي لأهل النار من أنصار تدفع عنهم الخزي‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ربنا إننا سمعنا منادياً‏}‏ أرادوا به النبي محمداً صلى الله عليه وسلم والمنادي، الذي يرفع صوته بالكلام‏.‏ والنداء‏:‏ رفع الصوت بالكلام رفعاً قوياً لأجل الإسماع وهو مشتقّ من النداء بكسر النون وبضمّها وهو الصوت المرتفع‏.‏ يقال‏:‏ هو أندى صوتاً أي أرفعُ، فأصل النداء الجهر بالصوت والصياح به، ومنه سمّي دعاء الشخص شخصاً ليقبل إليه نداء، لأنّ من شأنه أن يرفع الصوت به؛ ولذلك جعلوا له حروفاً ممدودة مثل ‏(‏يا‏)‏ و‏(‏آ‏)‏ و‏(‏أيا‏)‏ و‏(‏هيا‏)‏‏.‏ ومنه سمّي الأذان نداء، وأطلق هنا على المبالغة في الإسماع والدعوة وإن لم يكن في ذلك رفع صوت، ويطلق النداء على طلب الإقبال بالذات أو بالفَهم بحروف معلومة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 104، 105‏]‏ ويجوز أن يكون هو المراد هنا لأنّ النبي يدعو الناس بنحو‏:‏ يأيّها الناس ويا بَني فلان ويا أمّة محمد ونحو ذلك، وسيأتي تفسير معاني النداء عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونودوا أن تلكم الجنة‏}‏ في سورة ‏[‏الأعراف‏:‏ 43‏]‏‏.‏ واللام لام العلّة، أي لأجل الإيمان بالله‏.‏
و ‏(‏أن‏)‏ في أن آمنوا‏}‏ تفسيرية لما في فعل ‏(‏يُنادي‏)‏ من معنى القول دون حروفه‏.‏
وجاءوا بفاء التعقيب في ‏(‏فآمنّا‏)‏‏:‏ للدلالة على المبادرة والسبق إلى الإيمان، وذلك دليل سلامة فطرتهم من الخطأ والمكابرة، وقد توسّموا أن تكون مُبادرتهم لإجابة دعوة الإسلام مشكورة عند الله تعالى، فلذلك فرّعوا عليه قولهم‏:‏ ‏{‏فاغفر لنا ذنوبنا‏}‏ لأنّهم لمّا بذلوا كلّ ما في وسعهم من اتّباع الدين كانوا حقيقين بترجّي المغفرة‏.‏
والغَفْر والتكفير متقاربان في المادة المشتقيْن منها إلاّ أنّه شاع الغفر والغفران في العفو عن الذنب والتكفير في تعويض الذنب بعوض، فكأنّ العوض كفّر الذنب أي ستره، ومنه سمّيت كفّارة الإفطار في رمضان‏.‏ وكفّارة الحنث في اليمين إلاّ أنهم أرادوا بالذنوب ما كان قاصراً على ذواتهم، ولذلك طلبوا مغفرته، وأرادوا من السيّئات ما كان فيه حقّ الناس، فلذلك سألوا تكفيرها عنهم‏.‏
وقيل هو مجرّد تأكيد، وهو حسن، وقيل أرادوا من الذنوب الكبائر ومن السيّئات الصغائر لأنّ اجتناب الكبائر يكفّر الصغائر، بناء على أنّ الذنب أدلّ على الإثم من السيئة‏.‏
وسألوا الوفاة مع الأبرار، أي أن يموتوا على حالة البِرّ، بأن يلازمهم البرّ إلى الممات وأن لا يرتدّوا على أدبارهم، فإذا ماتوا كذلك ماتوا من جملة الأبرار‏.‏ فالمعية هنا معية اعتبارية، وهي المشاركة في الحالة الكاملة، والمعية مع الأبرار أبلغ في الاتّصاف بالدلالة، لأنّه برّ يرجى دوامه وتزايدُه لِكون صاحبه ضمن جمع يزيدونه إقبالاً على البرّ بلسان المقال ولسان الحال‏.‏
ولمّا سألوا أسباب المثوبة في الدنيا والآخرة ترقّوا في السؤال إلى طلب تحقيق المثوبة، فقالوا‏:‏ ‏{‏وآتنا ما وعدتنا على رسلك‏}‏‏.‏
وتحتمل كلمة ‏(‏على‏)‏ أن تكون لتعدية فعل الوعد، ومعناها التعليل فيكون الرسل هم الموعود عليهم، ومعنى الوعد على الرسل أنّه وعد على تصديقهم فتعيّن تقدير مضاف، وتحتمل أن تكون ‏(‏على‏)‏ ظرفاً مستقرّاً، أي وعداً كائناً على رُسلك أي، منزلاً عليهم، ومتعلَّق الجار في مثله كونٌ غير عامّ بل هو كون خاصّ، ولا ضير في ذلك إذا قامت القرينة، ومعنى ‏(‏على‏)‏ حينئذ الاستعلاء المجازي، أو تجعل ‏(‏على‏)‏ ظرفاً مستقرّاً حالاً ‏{‏ممّا وعدتنا‏}‏ أيضاً، بتقدير كون عامّ لكن مع تقدير مضاف إلى رسلك، أي على ألْسِنَةِ رسلك‏.‏
والموعود على ألسنة الرسل أو على التصديق بهم الأظهر أنّه ثواب الآخرة وثواب الدنيا‏:‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فآتاهم اللَّه ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 148‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وعد اللَّه الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 55‏]‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏‏.‏ والمراد بالرسل في قوله‏:‏ ‏{‏على رسلك‏}‏ خصوص محمد صلى الله عليه وسلم أطلق عليه وصف «رسل» تعظيماً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تحسبن اللَّه مخلف وعده رسله‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 47‏]‏‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 37‏]‏‏.‏
فإن قلتَ‏:‏ إذا كانوا عالمين بأنّ الله وعدهم ذلك وبأنَّه لا يخلف الميعاد فما فائدة سُؤالهم ذلك في دعائهم‏؟‏ قلت‏:‏ له وجوه‏:‏ أحدها‏:‏ أنّهم سألوا ذلك ليكون حصوله أمارة على حصول قُبول الأعمال التي وعد الله عليها بما سألوه فقد يظنّون أنفسهم آتين بما يبلّغهم تلك المرتبة ويخشون لعلّهم قد خلطوا أعمالهم الصالحة بما يبطلها، ولعلّ هذا هو السبب في مجيء الواو في قولهم‏:‏ ‏{‏وآتنا ما وعدتنا‏}‏ دون الفاء إذ جعلوه دعوة مستقلّة لتتحقّق ويتحقّق سببها، ولم يجعلوها نتيجة فعل مقطوع بحصوله‏.‏ ويدلّ لصحّة هذا التأويل قوله بعدُ‏:‏ ‏{‏فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 195‏]‏ مع أنّهم لم يطلبوا هنا عدم إضاعة أعمالهم‏.‏
الثاني‏:‏ قال في «الكشّاف»‏:‏ أرادوا طلب التوفيق إلى أسباب ما وعدهم الله على رسله‏.‏ فالكلام مستعمل كناية عن سبب ذلك من التوفيق للأعمال الموعود عليها‏.‏
الثالث‏:‏ قال فيه ما حاصله‏:‏ أن يكون هذا من باب الأدب مع الله حتّى لا يظهروا بمظهر المستحقّ لتحصيل الموعود به تذلّلاً، أي كسؤال الرسل عليهم السلام المغفرة وقد علموا أنّ الله غفر لهم‏.‏
الرابع‏:‏ أجاب القرافي في الفرق ‏(‏273‏)‏ بأنّهم سألوا ذلك لأنّ حصوله مشروط بالوفاة على الإيمان، وقد يؤيّد هذا بأنّهم قدّموا قبله قولهم‏:‏ ‏{‏وتوقنا مع الأبرار‏}‏ لكن هذا الجواب يقتضي قصر الموعود به على ثواب الآخرة، وأعادوا سؤال النجاة من خزي يوم القيامة لشدّته عليهم‏.‏
الخامس‏:‏ أنّ الموعود الذي سألوه هو النصر على العدوّ خاصّة، فالدعاء بقولهم‏:‏ ‏{‏وآتنا ما وعدتنا على رسلك‏}‏ مقصود منه تعجيل ذلك لهم، يعني أنّ الوعد كان لمجموع الأمّة، فكلّ واحد إذا دعا بهذا فإنّما يعني أن يجعله الله ممَّن يرى مصداق وعد الله تعالى خشية أن يفوتهم‏.‏ وهذا كقول خبّاب بن الأرتّ‏:‏ هاجرنا مع النبي نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمِنَّا مَن أيْنَعَتْ له ثمرته فهو يهدبُها، ومنَّا من مات لم يأكُل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحُد، فلم نجد له ما نكفّنه إلاّ بُردة» إلخ‏.‏
وقد ابتدأوا دعاءهم وخلّلوه بندائه تعالى‏:‏ خمس مرات إظهار للحاجة إلى إقبال الله عليهم‏.‏ وعن جعفر بن محمد رضي الله عنه «مَن حَزبه أمر فقال‏:‏ يا ربّ خمس مرات أنجاه الله ممّا يخاف وأعطاه ما أراد»، واقرأوا‏:‏ ‏{‏الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إنك لا تخلف الميعاد‏}‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏195‏]‏
‏{‏فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ‏(‏195‏)‏‏}‏
دلّت الفاء على سرعة الإجابة بحصول المطلوب، ودلّت على أنّ مناجاة العبد ربّه بقلبه ضرب من ضروب الدعاء قابل للإجابة‏.‏
و ‏(‏استجاب‏)‏ بمعنى أجاب عند جمهور أيمّة اللغة، فالسين والتاء للتأكيد، مثل‏:‏ استوقد واستخلص‏.‏ وعن الفرّاء، وعليّ بن عيسى الربعي‏:‏ أنّ استجاب أخصّ من أجاب لأنّ استجاب يقال لمن قَبِل ما دُعِي إليه، وأجاب أعمّ، فيقال لمن أجاب بالقبول وبالردّ‏.‏ وقال الراغب‏:‏ الاستجابة هي التحرّي للجواب والتهيُّؤ له، لكن عبّر به عن الإجابة لقلّة انفكاكها منها‏.‏ ويقال‏:‏ استجاب له واستجابه، فعدّي في الآية باللام، كما قالوا‏:‏ حَمِدَ له وشكر له، ويعدّي بنفسه أيضاً مثلهما‏.‏ قال كعب بن سعد الغنوي، يرثي قريباً له‏:‏
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا *** فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وتعبيرهم في دعائهم بوصف ‏{‏ربنا‏}‏ دون اسم الجلالة لما في وصف الربوبية من الدلالة على الشفقة بالمربوب، ومحبّة الخير له، ومن الاعتراف بأنّهم عبيده ولتتأتّى الإضافة المفيدة التشريف والقرب، ولردّ حسن دعائهم بمثله بقولهم‏:‏ «ربَّنا، ربَّنا»‏.‏
ومعنى نفي إضاعة عملهم نفي إلغاء الجزاء عنه‏:‏ جَعله كالضائع غير الحاصل في يد صاحبه‏.‏
فنفي إضاعة العمل وعد بالاعتداد بعملهم وحسبانه لهم، فقد تضمّنت الاستجابة تحقيق عدم إضاعة العمل تطميناً لقلوبهم من وَجل عدم القبول، وفي هذا دليل على أنّهم أرادوا من قولهم‏:‏ ‏{‏وآتنا ما وعدتنا على رسلك‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 194‏]‏ تحقيق قبول أعمالهم والاستعاذة من الحَبَط‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏من ذكر أو أنثى‏}‏ بيان لعَامِللٍ ووجه الحاجة إلى هذا البيان هنا أنّ الأعمال التي أتوا بها أكبرها الإيمان، ثم الهجرة، ثم الجهاد، ولمّا كان الجهاد أكثر تكرّراً خيف أن يتوهّم أنّ النساء لا حظّ لهنّ في تحقيق الوعد الذي وعد الله على ألسنة رسله، فدفع هذا بأنّ للنساء حظّهنّ في ذلك فهنّ في الإيمان والهجرة يساوين الرجال، وهنّ لهنّ حظّهنّ في ثواب الجهاد لأنّهن يقمن على المرضى ويُداوين الكلْمى، ويسقين الجَيش، وذلك عمل عظيم به استبقاء نفوس المسلمين، فهو لا يقصر عن القتال الذي به إتلاف نفوس عدوّ المؤمنين‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏بعضكم من بعض‏}‏ ‏(‏من‏)‏ فيه اتّصالية أي بعضُ المستجاب لهم مُتّصل ببعض، وهي كلمة تقولها العرب بمعنى أنّ شأنهم واحد وأمرهم سواء‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 67‏]‏ إلخ‏.‏‏.‏‏.‏ وقولهم‏:‏ هو منّي وأنا منه، وفي عكسه يقولون كما قال النابغة‏:‏
فإنّي لستُ مِنْكَ ولستَ مِنِّي ***
وقد حملها جمهور المفسّرين على معنى أنّ نساءكم ورجالكم يجمعهم أصل واحد، وعلى هذا فمَوقع هذه الجملة موقع التعليل للتعميم في قوله‏:‏ ‏{‏من ذكر أو أنثى‏}‏ أي لأنّ شأنكم واحد، وكلّ قائم بما لو لم يقم به لضاعت مصلحة الآخر، فلا جرم أن كانوا سواء في تحقيق وعد الله إيّاهم، وإن اختلفت أعمالهم وهذا كقوله تعالى‏:‏
‏{‏للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 32‏]‏‏.‏
والأظهر عندي أن ليس هذا تعليلاً لمضمون قوله‏:‏ ‏{‏من ذكر أو أنثى‏}‏ بل هو بيان للتساوي في الأخبار المتعلّقة بضمائر المخاطبين أي أنتم في عنايتي بأعمالكم سواء، وهو قضاء لحقّ ما لهم من الأعمال الصالحة المتساوين فيها، ليكون تمهيداً لبساط تمييز المهاجرين بفضل الهجرة الآتي في قوله‏:‏ ‏{‏فالذين هاجروا‏}‏، الآيات‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فالذين هاجروا‏}‏ تفريع عن قوله‏:‏ ‏{‏لا أضيع عمل عامل‏}‏ وهو من ذكر الخاصّ بعد العامّ للاهتمام بذلك الخاصّ، واشتمل على بيان ما تفاضلوا فيه من العمل، وهو الهجرة التي فاز بها المهاجرون‏.‏
والمهاجَرة‏:‏ هي ترك الموطن بقصد استيطان غيره، والمفاعلة فيها للتقوية كأنّه هَجر قومه وهَجَروه لأنّهم لم يحرصوا على بقائه، وهذا أصل المهاجرة أن تكون لمنافرة ونحوها، وهي تصدق بهجرة الذين هاجروا إلى بلاد الحبشة وبهجرة الذين هاجروا إلى المدينة‏.‏
وعطف قوله‏:‏ ‏{‏وأخرجوا من ديارهم‏}‏ على ‏{‏هاجروا‏}‏ لتحقيق معنى المفاعلة في هاجر أي هاجروا مهاجرة لزّهم إليها قومهم، سواء كان الإخراج بصريح القول أم بالإلجاء، من جهة سوء المعاملة، ولقد هاجر المسلمون الهجرة الأولى إلى الحبشة لما لاقوه من سوء معاملة المشركين، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرته إلى المدينة والتحق به المسلمون كلّهم، لما لاقوه من أذى المشركين‏.‏ ولا يوجد ما يدلّ على أنّ المشركين أخرجوا المسلمين، وكيف واختفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى المدينة يدلّ على حرص المشركين على صدّه عن الخروج، ويدلّ لذلك أيضاً قول كعب‏:‏
في فتيةٍ من قريششٍ قال قائلهم *** ببطْن مكّةَ لمَّا أَسلموا زُولوا
أي قال قائل من المسلمين اخرُجوا من مكّة، وعليه فكلّ ما ورد ممّا فيه أنّهم أخرجوا من ديارهم بغير حقّ فتأويله أنه الإلجاء إلى الخروج، ومنه قول ورقة ابن نوفل‏:‏ «يا ليْتني أكون معكَ إذ يُخْرِجُك قومُك»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم له‏:‏ ‏"‏ أوَ مُخْرِجيّ هُم‏؟‏ فقال‏:‏ مَا جاء نَبيء بمثللِ ما جئْتَ به إلاّ عُودي ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأَوذوا في سبيلي‏}‏ أي أصابهم الأذى وهو مكروه قليل من قول أو فعل‏.‏ وفهم منه أنّ من أصابهم الضرّ أولى بالثواب وأوفى‏.‏ وهذه حالة تصدق بالذين أوذوا قبل الهجرة وبعدها‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وقاتلوا وقتلوا‏}‏ جُمع بينهما للإشارة إلى أنّ للقسمين ثواباً‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ وقاتلوا وقُتلوا‏.‏ وقَرَأ حَمزَة، والكسائي، وخلف‏:‏ وقُتلوا وقاتلوا عكس قراءة الجمهور ومآل القراءتين واحد، وهذه حالة تصدق على المهاجرين والأنصار من الذين جاهدوا فاستشهدوا أو بقوا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لأكفرن عنهم سيئاتهم‏}‏ إلخ مؤكّد بلام القسم‏.‏ وتكفير السيّئات تقدّم آنفاً‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏196- 198‏]‏
‏{‏لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ‏(‏196‏)‏ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ‏(‏197‏)‏ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ‏(‏198‏)‏‏}‏
اعتراض في أثناء هذه الخاتمة، نشأ عن قوله‏:‏ ‏{‏فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 195‏]‏ باعتبار ما يتضمّنه عدَمُ إضاعة العمل من الجزاء عليه جزاء كاملاً في الدنيا والآخرة، وما يستلزمه ذلك من حرمان الذين لم يستجيبوا لداعي الإيمان وهم المشركون، وهم المراد بالذين كَفَروا كَمَا هو مصطلح القرّاء‏.‏
والخطاب لغير معيّن ممّن يُتوهّم أن يغرّه حسن حال المشركين في الدنيا‏.‏
والغَرّ والغرور‏:‏ الإطماع في أمر محبوب على نيّة عدم وقوعه، أو إظهار الأمر المضرّ في صورة النافع، وهو مشتقّ من الغرّة بكسر الغين وهي الغفلة، ورجل غِرّ بكسر الغين إذا كان ينخدع لمن خادعه‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ المؤمن غرّ كريم ‏"‏ أي يظنّ الخير بأهل الشرّ إذا أظهروا له الخير‏.‏
وهو هنا مستعار لظهور الشيء في مظهر محبوب، وهو في العاقبة مكروه‏.‏
وأسند فعل الغرور إلى التقلّب لأنّ التقلّب سببه، فهو مجاز عقليّ، والمعنى لا ينبغي أن يغرّك‏.‏ ونظيره‏:‏ «لا يفتننّكم الشيطان»‏.‏ و‏(‏لا‏)‏ ناهية لأنّ نون التوكيد لا تجيء مع النفي‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ لا يَغُرّنَّك بتشديد الراء وتشديد النون وهي نون التوكيد الثقيلة؛ وقرأها رويس عن يعقوب بنون ساكنة، وهي نون التوكيد الخفيفة‏.‏
والتقلّب‏:‏ تصرّف على حسب المشيئة في الحروب والتجارات والغرس ونحو ذلك، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ما يجادل في آيات الله إلاّ الذين كفروا فلا يَغْرُرْك تَقَلُّبُهم في البلاد‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 4‏]‏‏.‏
والبلاد‏:‏ الأرض‏.‏ والمتاعُ‏:‏ الشيء الذي يشتري للتمتّع به‏.‏
وجملة ‏{‏متاع قليل‏}‏ إلى آخرها بيان لجملة ‏{‏لا يغرنك‏}‏‏.‏ والمتاع‏:‏ المنفعة العاجلة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 185‏]‏‏.‏
وجملة ‏{‏لكن الذين اتقوا ربهم‏}‏ إلى آخرها افتتحت بحرف الاستدراك لأنّ مضمونها ضدّ الكلام الذي قبلها لأنّ معنى ‏{‏لا يغرنّك‏}‏ إلخ وصف ما هم فيه بأنّه متاع قليل، أي غير دائم، وأنّ المؤمنين المتّقين لهم منافع دائمة‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ لكنْ بتخفيف النون ساكنة مخفَّفة من الثقيلة وهي مهملة، وقرأه أبو جعفر بتشديد النون مفتوحة وهي عاملة عمل إنَّ‏.‏
والنُزُل بضم النون والزاي وبضمّها مع سكون الزاي ما يعدّ للنزيل والضيف من الكرامة والقِرى، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون نزلاً من غفور رحيم‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 31، 32‏]‏‏.‏
و ‏(‏الأبرار‏)‏ جمع البَرّ وهو الموصوف بالمبرّة والبِرّ، وهو حسن العَمل ضدّ الفجور‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏199‏]‏
‏{‏وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‏(‏199‏)‏‏}‏
عطف على جملة ‏{‏لكن الذين اتقوا ربهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 198‏]‏ استكمالاً لذكر الفِرَق في تلقّي الإسلام‏:‏ فهؤلاء فريق الذين آمنوا من أهل الكتاب ولم يظهروا إيمانهم لخوف قومهم مثل النجاشي أصحمة، وأثنى الله عليهم بأنّهم لا يحرّفون الدين، والآية مؤذنة بأنّهم لم يكونوا معروفين بذلك لأنّهم لو عرفوا بالإيمان لما كان من فائدة في وصفهم بأنّهم من أهل الكتاب، وهذا الصنف بعكس حال المنافين‏.‏ وأكّد الخبر بأنّ وبلام الابتداء للردّ على المنافقين الذين قالوا لرسول الله لمّا صلّى على النجاشي‏:‏ انظروا إليه يصلّي على نصراني ليس على دينه ولم يره قط‏.‏ على ما روي عن ابن عباس وبعض أصحابه أنّ ذلك سبب نزول هذه الآية‏.‏ ولعلّ وفاة النجاشي حصلت قبل غزوة أُحُد‏.‏
وقيل‏:‏ أريد بهم هنا من أظهر إيمانه وتصديقه من اليهود مثل عبد الله بن سلام ومخيريق، وكذا من آمن من نصارى نجران أي الذين أسلموا ورسول الله بمكّة إن صحّ خبر إسلامهم‏.‏
وجيء باسم الإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏أولئك لهم أجرهم عند ربهم‏}‏ للتنبيه على أنّ المشار إليهم به أحرياء بما سيرد من الإخبار عنهم لأجل ما تقدّم اسمَ الإشارة‏.‏
وأشار بقوله‏:‏ ‏{‏إن الله سريع الحساب‏}‏ إلى أنّه يبادر لهم بأجرهم في الدنيا ويجعله لهم يوم القيامة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏200‏]‏
‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏200‏)‏‏}‏
ختمت السورة بوصاية جامعة للمؤمنين تجدّد عزيمتهم وتبعث الهمم إلى دوام الاستعداد للعدوّ كي لا يثبّطهم ما حصل من الهزيمة، فأمَرَهم بالصبر الذي هو جماع الفضائل وخصال الكمال، ثم بالمصابرة وهي الصبر في وجه الصابر، وهذا أشدّ الصبر ثباتاً في النفس وأقربه إلى التزلزل، ذلك أنّ الصبر في وجه صابرٍ آخر شديد على نفس الصابر لما يلاقيه من مقاومة قِرن له في الصبر قد يساويه أو يفوقه، ثم إنّ هذا المصابر إن لم يثبت على صبره حتّى يملّ قرنه فإنّه لا يجتني من صبره شيئاً، لأنّ نتيجة الصبر تكون لأطول الصابرين صبراً، كما قال زُفر بن الحارث في اعتذاره عن الانهزام‏:‏
سَقَيْنَاهُم كَأساً سقَوْنا بِمِثْلِها *** ولكنَّهم كانوا على الموت أَصْبَرا
فالمصابرة هي سبب نجاح الحرب كما قال شاعر العرب الذي لم يعرف اسمه‏:‏
لا أنت معتادُ في الهيجا مُصابَرةٍ
يَصْلى بها كلّ من عاداك نيراناً
وقوله‏:‏ ‏{‏ورابطوا‏}‏ أمر لهم بالمرابطة، وهي مفاعلة من الرّبْط، وهو ربط الخيل للحراسة في غير الجهاد خشية أن يفجأهم العدوّ، أمر الله به المسلمين ليكونوا دائماً على حذر من عدوّهم تنبيهاً لهم على ما يكيد به المشركون من مفاجأتهم على غِرّة بعد وقعة أُحُد كما قدّمناه آنفاً، وقد وقع ذلك منهم في وقعة الأحزاب فلمّا أمرهم الله بالجهاد أمرهم بأن يكونوا بعد ذلك أيقاظاً من عدوّهم‏.‏ وفي كتاب الجهاد من «البخاري»‏:‏ بابُ فضل رباط يوم في سبيل الله وقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا‏}‏ إلخ‏.‏ وكانت المرابطة معروفة في الجاهلية وهي ربط الفرس للحراسة في الثغور أي الجهات التي يستطيع العدوّ الوصول منها إلى الحيّ مثل الشعاب بين الجبال‏.‏ وما رأيت مَن وصف ذلك مثل لبيد في معلّقته إذ قال‏:‏
ولَقد حَمَيْتُ الحَيّ تَحْمِل شِكَّتي *** فُرُط وِشَاحِي إذْ غَدَوْتُ لجامُها
فَعَلَوْتُ مُرْتَقَبَا على ذي هَبْوَةٍ *** حَرِج إلى إعلامهن قَتَامُها
حَتَّى إذا ألْقَتْ يداً في كافر *** وأجَنّ عَوْرَاتتِ الثُّغورِ ظلامُها
فذكر أنّه حرس الحيّ على مكان مرتقَب، أي عال بربط فرسه في الثغر‏.‏ وكان المسلمون يرابطون في ثغور بلاد فارس والشام والأندلس في البَرّ، ثم لمّا اتّسع سلطان الإسلام وامتلكوا البحار صار الرباط في ثغور البخار وهي الشطوط التي يخشى نزول العدوّ منها‏:‏ مثل رباط المنستير بتونس بإفريقية، ورباط سلا بالمغرب، ورُبط تونس ومحارسها‏:‏ مثل مَحْرس علي بن سالم قرب صفاقس‏.‏ فأمر الله بالرباط كما أمر بالجهاد بهذا المعنى وقد خفي على بعض المفسّرين فقال بعضهم‏:‏ أراد بقوله‏:‏ ‏{‏ورابطوا‏}‏ إعداد الخيل مربوطة للجهاد، قال‏:‏ ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو في الثغور‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ أراد بقوله‏:‏ ‏{‏ورابطوا‏}‏ انتظار الصلاة بعد الفراغ من التي قبلها، لما روى مالك في «الموطأ»، عن أبي هريرة‏:‏ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة، وقال‏:‏ ‏"‏ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط ‏"‏ ونُسب هذا لأبي سلمة بن عبد الرحمن‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ والحقّ أن معنى هذا الحديث على التشبيه، كقوله‏:‏ ‏"‏ ليس الشديد بالصرعة ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ ليس المسكين بهذا الطّواف الذي تردّه اللقمة واللقمتان ‏"‏، أي وكقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ‏"‏‏.‏
وأعقب هذا الأمر بالأمر بالتقوى لأنّها جماع الخيرات وبها يرجى الفلاح‏.‏

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire