{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)}
جملة {الحمد لله} تفيد استحقاق الله تعالى الحمد وحده دون غيره لأنّها تدلّ على الحصر. واللام لتعريف الجنس، فدلّت على انحصار استحقاق هذا الجنس لله تعالى. وقد تقدّم بيان ذلك مستوفى في أول سورة الفاتحة.
ثم إنّ جملة {الحمد لله} هنا خبر لفظاً ومعنىً إذ ليس هنا ما يصرف إلى قصد إنشاء الحمد بخلاف ما في سورة الفاتحة لأنّه عقّب بقوله: {إيّاك نعبد} [الفاتحة: 5] إلى آخر السورة، فمن جوّز في هذه أن تكون إنشاء معنى لم يُجد التأمّل.
فالمعنى هنا أنّ الحمد كُلّه لا يستحقّه إلاّ الله، وهذا قصر إضافي للردّ على المشركين الذين حمدوا الأصنام على ما تخيّلوه من إسدائها إليهم نعماً ونصراً وتفريج كربات، فقد قال أبو سفيان حين انتصر هو وفريقه يوم أحُد: أعلُ هُبل لنا العُزّى ولا عُزّى لكم. ويجوز أن يكون قصراً حقيقياً على معنى الكمال وأنّ حمد غيره تعالى من المنعمين تسامح لأنّه في الحقيقة واسطة صورية لجريان نعمة الله على يديه، والمقصود هو هو، وهو الردّ على المشركين، لأنّ الأصنام لا تستحقّ الحمد الصوري بله الحقيقي كما قال إبراهيم عليه السلام «لمَ نعْبُدُ ما لا يسمع ولا يُبْصر ولا يُغْني عنك شيئاً». ولذلك عقّبت جملة الحمد على عظيم خلق الله تعالى بجملة {ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون}.
والموصول، في محلّ الصفة لاسم الجلالة، أفاد مع صلته التذكير بعظيم صفة الخلق الذي عمّ السماوات والأرض وما فيهنّ من الجواهر والأعراض. وذلك أوجز لفظ في استحضار عظمة قدرة الله تعالى. وليس في التعريف بالموصولية هنا إيذان بتعليل الجملة التي ذكرت قبله، إذ ليست الجملة إنشائية كما علمت. والجملة الخبرية لا تعلّل، لأنّ الخبر حكاية ما في الواقع فلا حاجة لتعليله. فالمقصود من الأوصاف التمهيد لقوله بعدُ {ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون}.
وجمع: {السماوات} لأنّها عوالم كثيرة، إذ كلّ كوكب منها عالم مستقلّ عن غيره، ومنها الكواكب السبعة المشهورة المعبّر عنها في القرآن بالسماوات السبع فيما نرى. وأفرد الأرض لأنّها عالم واحد، ولذلك لم يجيء لفظ الأرض في القرآن جمعاً.
وقوله: {وجعل الظلمات والنور} أشار في «الكشاف» أنّ (جعلَ) إذا تعدّى إلى مفعول واحد فهو بمعنى أحدث وأنشأ فيقارب مرادفة معنى (خلق). والفرق بينه وبين (خلق)؛ فإنّ في الخلق ملاحظة معنى التقدير، وفي الجعل ملاحظة معنى الانتساب، يعني كون المجعول مخلوقاً لأجل غيره أو منتسباً إلى غيره، فيعْرف المنتسب إليه بمعونة المقام. فالظلمات والنور لمّا كانا عرضين كان خلقهما تكويناً لتُكيَّف موجودات السماوات والأرض بهما. ويعرف ذلك بذكر {الظلمات والنور} عقب ذكر {السماوات والأرض}، وباختيار لفظ الخلق للسماوات والأرض، ولفظ الجعل للظلمات والنور، ومنه قوله تعالى:
{هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها} [الأعراف: 189] فإنّ الزوج وهو الأنثى مراعى في إيجاده أن يكون تكملة لخلق الذكر، ولذلك عقّبه بقوله: {ليسكن إليها} [الأعراف: 189] والخلق أعمّ في الإطلاق ولذلك قال تعالى في آية أخرى {يأيها النّاس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} [النساء: 1] لأنّ كلّ تكوين لا يخلو من تقدير ونظام.
وخَصّ بالذكر من الجواهر والأعراض عرضين عظيمين، وهما: الظلمات والنور فقال {وجعل الظلمات والنور} لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما. وبذكر هذه الأمور الأربعة حصلت الإشارة إلى جنسي المخلوقات من جواهر وأعراض. فالتفرقة بين فعل (خلق) وفعل (جعل) هنا معدود من فصاحة الكلمات. وإنّ لكلّ كلمة مع صاحبتها مقاماً، وهو ما يسمّى في عرف الأدباء برشاقة الكلمة ففعل (خلق) ألْيق بإيجاد الذوات، وفعل (جعل) أليق بإيجاد أعراض الذوات وأحوالها ونظامها.
والاقتصار في ذكر المخلوقات على هذه الأربعة تعريض بإبطال عقائد كفار العرب فإنّهم بين مشركين وصابئة ومجوس ونصارى، وكلّهم قد أثبتوا آلهة غير الله؛ فالمشركون أثبتوا آلهة من الأرض، وَالصابئة أثبتوا آلهة من الكواكب السماوية، والنصارى أثبتوا إلهية عيسى أو عيسى ومريم وهما من الموجودات الأرضية، والمجوس وهم المانوية ألّهوا النور والظلمة، فالنور إله الخير والظلمة إله الشرّ عندهم. فأخبرهم الله تعالى أنّه خالق السماوات والأرض، أي بما فيهم، وخالق الظلمات والنور.
ثم إنّ في إيثار الظلمات والنور بالذكر دون غيرهما من الأعراض إيماء وتعريضاً بحالِيْ المخاطبين بالآية من كفر فريق وإيمان فريق، فإنّ الكفر يشبه الظلمة لأنّه انغماس في جهالة وحيرة، والإيمان يشبه النور لأنّه استبانة الهدى والحقّ. قال تعالى: {يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257]. وقدّم ذكرالظلمات مراعاة للترتّب في الوجود لأنّ الظلمة سابقة النور، فإنّ النور حصل بعد خلق الذوات المضيئة، وكانت الظلمة عامّة. وإنّما جُمع {الظلمات} وأفرد {النور} اتّباعاً للاستعمال، لأنّ لفظ (الظلمات) بالجمع أخفّ، ولفظ (النور) بالإفراد أخفّ، ولذلك لم يرد لفظ (الظلمات) في القرآن إلاّ جمعاً ولم يرد لفظ (النور) إلاّ مفرداً. وهما معاً دالاّن على الجنس، والتعريف الجنسي يستوي فيه المفرد والجمع فلم يبق للاختلاف سبب لاتّباع الاستعمال، خلافاً لما في «الكشاف».
{ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}.
عُطفت جملة {ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون} على جملة: {الحمد لله الذي خلق السماوات}. ف {ثم} للتراخي الرتبي الدالّ على أنّ ما بعدها يتضمّن معنى من نوع ما قبله، وهو أهمّ في بابه. وذلك شأن (ثم) إذا وردت عاطفة جملة على أخرى، فإنّ عدول المشركين عن عبادة الله مع علمهم بأنّه خالق الأشياء أمر غريب فيهم أعجب من علمهم بذلك.
والحجّة ناهضة على الذين كفروا لأنّ جميعهم عدا المانوية يعترفون بأنّ الله هو الخالق والمدبّر للكون، ولذلك قال الله تعالى:
{أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذّكّرون} [النحل: 17].
والخبر مستعمل في التعجيب على وجه الكناية بقرينة موقع {ثم} ودلالة المضارع على التجدّد، فالتعجيب من شأن المشركين ظاهر وأمّا المانوية فالتعجيب من شأنهم في أنّهم لم يهتدوا إلى الخالق وعبدوا بعض مخلوقاته. فالمراد ب {الذين كفروا} كلّ من كفر بإثبات إله غير الله تعالى سواء في ذلك من جعل له شريكاً مثل مشركي العرب والصابئة ومن خصّ غير الله بالإلهية كالمانوية. وهذا المراد دلّت عليه القرينة وإن كان غالب عرف القرآن إطلاق الذين كفروا على المشركين.
ومعنى {يعدلون} يُسوّون. والعدل: التسوية. تقول: عدلت فلاناً بفلان، إذا سوّيته به، كما تقدّم في قوله: {أو عَدْل ذلك صياماً} [المائدة: 95]، فقوله {بربّهم} متعلّق ب {يعدلون} ولا يصحّ تعليقه ب {الذين كفروا} لعدم الحاجة إلى ذلك. وحذف مفعول {يعدلون}، أي يعدلون بربّهم غيره وقد علم كلّ فريق ماذا عدل بالله. والمراد يعدلونه بالله في الإلهيّة، وإن كان بعضهم يعترف بأنّ الله أعظم كما كان مشركو العرب يقولون: لَبَّيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وكما قالت الصابئة في الأرواح، والنصارى في الابن والروح القدس.
ومعنى العجيب عامّ في أحوال الذين ادّعوا الإلهيّة لغير الله تعالى سواء فيهم من كان أهلاً للاستدلال والنظر في خلق السماوات والأرض ومن لم يكن أهلاً لذلك، لأنّ محلّ التعجيب أنّه يخلقهم ويخلق معبوداتهم فلا يهتدون إليه بل ويختلقون إلهيّة غيره. ومعلوم أنّ التعجيب من شأنهم متفاوت على حسب تفاوت كفرهم وضلالهم.
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)}
استئناف لغرض آخر للتعجيب من حال المشركين إذ أنكروا البعث، فإنّه ذكّرهم ابتداء بخلق السماوات والأرض، وعجّب من حالهم في تسويتهم ما لم يخلق السماوات ولا الأرض بالله تعالى في الإلهيّة. ثم ذكّرهم بخلقهم الأول، وعجّب من حالهم كيف جمعوا بين الاعتراف بأنّ الله هو خالقهم الخلق الأول فكيف يمترون في الخلق الثاني.
وأتي بضمير (هو) في قوله {هو الذي خلقكم} ليحصل تعريف المسند والمسند إليه معاً، فتفيد الجملة القصر في ركني الإسناد وفي متعلّقها، أي هو خالقكم لا غيره، من طين لا من غيره، وهو الذي قضى أجلاً وعنده أجل مسمّى فينسحب حكم القصر على المعطوف على المقصور. والحال الذي اقتضى القصر هو حال إنكارهم البعث لأنّهم لمّا أنكروه وهو الخلق الثاني نزّلوا منزلة من أنكر الخلق الأول إذ لا فرق بين الخلقين بل الإعادة في متعارف الصانعين أيسرُ كما قال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] وقال {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خَلق جديد} [ق: 15]. والقصر أفاد نفي جميع هذه التكوينات عن غير الله من أصنامهم، فهو كقوله: {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء} [الروم: 40].
والخطاب في قوله {خلقكم} موجّه إلى الذين كفروا، ففيه التفات من الغيبة إلى الخطاب لقصد التوبيخ.
وذكر مادّة ما منه الخلق بقوله: {من طين} لإظهار فساد استدلالهم على إنكار الخلق الثاني، لأنّهم استبعدوا أن يعاد خلق الإنسان بعد أن صار تراباً. وتكرّرت حكاية ذلك عنهم في القرآن، فقد اعترفوا بأنّهم يصيرون تراباً بعد الموت، وهم يعترفون بأنّهم خلقوا من تراب، لأنّ ذلك مقرّر بين الناس في سائر العصور، فاستدلّوا على إنكار البعث بما هو جدير بأن يكون استدلالاً على إمكان البعث، لأنّ مصيرهم إلى تراب يقرّب إعادة خلقهم، إذ صاروا إلى مادة الخلق الأوّل، فلذلك قال الله هنا {هو الذي خلقكم من طين} وقال في آيات الاعتبار بعجيب تكوينه {إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} [الإنسان: 2]، وأمثال ذلك.
وهذا القدح في استدلالهم يسمّى في اصطلاح علم الجدل القولَ بالموجَب، والمنبّهُ عليه من خطأ استدلالهم يسمّى فساد الوضع.
ومعنى {خلقكم من طين} أنّه خلق أصل النّاس وهو البشر الأوّل من طين، فكان كلّ البشر راجعاً إلى الخلق من الطين، فلذلك قال {خلقكم من طين}. وقال في موضع آخر {إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} [الإنسان: 2] أي الإنسان المتناسل من أصل البشر.
و {ثم} للترتيب والمهلة عاطفة فعل {قضى} على فعل {خلق} فهو عطف فعل على فعل وليس عطف جملة على جملة.
والمهلة هنا باعتبار التوزيع، أي خلق كلّ فرد من البشر ثم قضى له أجله، أي استوفاه له، ف {قضى} هنا ليس بمعنى (قدّر) لأنّ تقدير الأجل مقارن للخلق أو سابق له وليس متأخّراً عنه ولكن {قضى} هنا بمعنى (أوفى) أجل كلّ مخلوق كقوله: {فلمّا قضينا عليه الموت} [سبأ: 14]، أي أمتناه. ولك أن تجعل (ثم) للتراخي الرتبي.
وإنّما اختير هنا ما يدلّ على تنهية أجل كلّ مخلوق من طين دون أن يقال: إلى أجل، لأنّ دلالة تنهية الأجل على إمكان الخلق الثاني، وهو البعث، أوضح من دلالة تقدير الأجل، لأنّ التقدير خفي والذي يعرفه الناس هو انتهاء أجل الحياة، ولأنّ انتهاء أجل الحياة مقدمة للحياة الثانية.
وجملة {وأجل مسمّى عنده} معترضة بين جملة {ثم قضى أجلاً}. وجملة {ثم أنتم تمترون}. وفائدة هذا الاعتراض إعلام الخلق بأنّ الله عالم آجال الناس ردّاً على قول المشركين {ما يهلكنا إلاّ الدهر} [الجاثية: 24].
وقد خولفت كثرة الاستعمال في تقديم الخبر الظرف على كلّ مبتدأ نكرة موصوفة، نحو قوله تعالى: {ولي نعجة واحدة} [ص: 23]، حتّى قال صاحب «الكشاف»: إنّه الكلام السائر، فلم يقدّم الظرف في هذه الآية لإظهار الاهتمام بالمسند إليه حيث خولف الاستعمال الغالب من تأخيره فصار بهذا التقديم تنكيره مفيداً لمعنى التعظيم، أي وأجل عظيم مسمّى عنده.
ومعنى: {مسمّى} معيّن، لأنّ أصل السمة العلامة التي يتعيّن بها المعلّم. والتعيين هنا تعيين الحدّ والوقت.
والعندية في قوله: {عنده} عندية العلم، أي معلوم له دون غيره. فالمراد بقوله: {وأجل مسمّى} أجل بعث الناس إلى الحشر، فإنّ إعادة النّكرة بعد نكرة يفيد أنّ الثانيّة غير الأولى، فصار: المعنى ثم قضى لكم أجلين: أجلاً تعرفون مدّته بموت صاحبه، وأجلاً معيّن المدّة في علم الله.
فالمراد بالأجل الأول عمر كلّ إنسان، فإنّه يعلمه الناس عند موت صاحبه، فيقولون: عاش كذا وكذا سنة، وهو وإن كان علمه لا يتحقّق إلاّ عند انتهائه فما هو إلاّ علم حاصل لكثير من النّاس بالمقايسة. والأجل المعلوم وإن كان قد انتهى فإنّه في الأصل أجل ممتدّ.
والمراد بالأجل الثاني ما بين موت كلّ أحد وبين يوم البعث الذي يبعث فيه جميع الناس، فإنَّه لا يعلمه في الدنيا أحد ولا يعلمونه يوم القيامة، قال تعالى: {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلاّ ساعة من النهار يتعارفون بينهم} [يونس: 45]، وقال: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} [الروم: 55].
وقوله: {ثم أنتم تمترون} عطفت على جملة: {هو الذي خلقكم من طين}، فحرف {ثم} للتراخي الرتبي كغالب وقوعها في عطف الجمل لانتقال من خبر إلى أعجب منه، كما تقدّم في قوله تعالى: {ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون} [الأنعام: 1]، أي فالتعجيب حقيق ممّن يمترون في أمر البعث مع علمهم بالخلق الأول وبالموت. والمخاطب بقوله: {أنتم تمترُون} هم المشركون. وجيء بالمسند إليه ضميراً بارزاً للتوبيخ.
والامتراء: الشكّ والتردّد في الأمر، وهو بوزن الافتعال، مشتقّ من المرية بكسر الميم اسم للشكّ، ولم يرد فعله إلاّ بزيادة التاء، ولم يسمع له فعل مجرّد.
وحذف متعلّق {تمترون} لظهوره من المقام، أي تمترون في إمكان البعث وإعادة الخلق. والذي دلّ على أنّ هذا هو المماري فيه قوله: {خَلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمّى عنده} إذ لولا قصد التذكير بدليل إمكان البعث لما كان لذكر الخلق من الطين وذكر الأجل الأول والأجل الثاني مُرجّح للتخصيص بالذكر.
{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)}
غيره.
وقوله: {في السموات وفي الأرض} متعلّق بالكون المستفاد من جملة القصر، أو بما في {الحمد لله} [الأنعام: 1] من معنى الإنفراد بالإلهية، كما يقول من يذكر جواداً ثم يقول: هو حاتم في العرب، وهذا لقصد التنصيص على أنّه لا يشاركه أحد في صفاته في الكائنات كلّها.
وقوله: {يعلم سرّكم وجهركم} جملة مقرّرة لمعنى جملة {وهو الله} ولذلك فصلت، لأنّها تتنزّل منا منزلة التوكي لأنّ انفراده بالإلهية في السماوات وفي الأرض ممّا يقتضي علمه بأحوال بعض الموجودات الأرضية.
ولا يجوز تعليق {في السماوات وفي الأرض} بالفعل في قوله: {يعلم سرّكم} لأنّ سرّ النّاس وجهرهم وكسبهم حاصل في الأرض خاصّة دون السماوات، فمن قدّر ذلك فقد أخطأ خطأ خفيّاً.
وذكر السرّ لأنّ علم السرّ دليل عموم العلم، وذكر الجهر لاستيعاب نوعي الأقوال. والمراد ب {تكسبون} جميع الاعتقادات والأعمال من خير وشر فهو تعريض بالوعد والوعيد.
والخطاب لجميع السامعين؛ فدخل فيه الكافِرون، وهم المقصود الأول من هذا الخطاب، لأنّه تعليم وإيقاظ بالنسبة إليهم وتذكير بالنسبة إلى المؤمنين.
{وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)}
هذا انتقال إلى كفران المشركين في تكذيبهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن أقيمت عليهم الحجّة ببطلان كفرهم في أمر الشرك بالله في الإلهية، وقد عطف لأنّ الأمرين من أحوال كفرهم ولأنّ الذي حملهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم هو دعوته إياهم إلى التوحيد، فمن أجله نشأ النزاع بينهم وبينه فكذبوه وسألوه الآيات على صدقه.
وضمائر جمع الغائبين مراد منها المشركون الذين هم بعض من شملته ضمائر الخطاب في الآية التي قبلها، ففي العدول عن الخطاب إلى الغيبة بالنسبة إليهم إلتفات أوجبه تشهيرهم بهذا الحال الذميم، تنصيصاً على ذلك، وإعراضاً عن خطابهم، وتمحيضاً للخطاب للمؤمنين، وهو من أحسن الالتفات، لأنّ الالتفات يحسنّه أن يكون له مقتض زائد على نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب المرادُ منه تجديد نشاط السامع. وتكون الواو استئنافية وما بعدها كلاماً مستأنفاً ابتدائياً.
واستعمل المضارع في قوله: {تأتيهم} للدلالة على التجدّد وإن كان هذا الإتيان ماضياً أيضاً بقرينة المضي في قوله: {إلا كانوا}.
والمراد بإتيانها بلوغها إليهم وتحدّيهم بها، فشبّه البلوغ بمجيء الجائي، كقول النابغة:
أتاني أبيت اللعن أنّك لمتني ***
وحذف ما يدّل على الجانب المأتي منه لظهوره من قوله: {من آيات ربّهم}، أي ما تأتيهم من عند ربّهم آية من آياته إلاّ كانوا عنها معرضين.
و {من} في قوله: {من آية} لتأكيد النفي لقصد عموم الآيات التي أتت وتأتي. و{من} التي في قوله: {من آيات ربّهم} تبعيضية. والمراد بقوله: {من آية} كلّ دلالة تدلّ على انفراد الله تعالى بالإلهية. من ذلك آيات القرآن التي لإعجازها لم كانت دلائل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من الوحدانية. وكذلك معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام مثل انشقاق القمر. وتقدّم معنى الآية عند قوله تعالى: {والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا} في سورة البقرة (39).
وإضافة الربّ إلى ضميرهم هم} لقصد التسجيل عليهم بالعقوق لحقّ العبودية، لأنّ من حقّ العبد أن يُقبل على ما يأتيه من ربّه وعلى من يأتيه يقول له: إنّي مُرسل إليك من ربّك، ثمّ يتأمّل وينظر، وليس من حقّه أن يعرض عن ذلك إذ لعلّه يعرض عمّا إن تأمله علم أنّه من عند ربّه.
والاستثناء مفرّغ من أحوال محذوفة.
وجملة: {كانوا عنها معرضين} في موضع الحال. واختير الإتيان في خبر كان بصيغة اسم الفاعل للدلالة على أنّ هذا الإعراض متحقّق من دلالة فعل الكون، ومتجدّد من دلالة صيغة اسم الفاعل لأنّ المشتقّات في قوة الفعل المضارع. والاستثناء دلّ على أنّهم لم يكن لهم حال إلاّ الإعراض.
وإنّما ينشأ الإعراض عن اعتقاد عدم جدوى النظر والتأمّل، فهو دليل على أنّ المعرض مكذّب للمخبِر المعرِض عن سماعه.
وأصل الإعراض صرف الوجه عن النظر في الشيء وهو هنا مجاز في إباء المعرفة، فيشمل المعنى الحقيقي بالنسبة إلى الآيات المبصرات كانشقاق القمر، ويشمل ترك الاستماع للقرآن، ويشمل المكابرة عن الاعتراف بإعجازه وكونه حقّاً بالنسبة للذين يستمعون القرآن ويكابرونه، كما يجيء في قوله: {ومنهم من يستمع إليك}. وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة.
{فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)}
الفاء فصيحة على الأظهر أفصحت عن كلام مقدّر نشأ عن قوله: {إلا كانوا عنها معرضين}، أي إذا تقرّر هذا الإعراض ثبت أنّهم كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهم من عند الله، فإنّ الإعراض علامة على التكذيب، كما قدّمته آنفاً، فما بعد فاء الفصيحة هو الجزاء. ومعناه أنّ من المعلوم سوء عواقب الذين كذّبوا بالحق الآتي من عند الله فلمّا تقرّر في الآية السابقة أنّهم أعرضوا آيات الله فقد ثبت أنّهم كذّبوا بالحقّ الوارد من الله، ولذلك فرّع عليه قوله: {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} تأكيداً لوعد المؤمنين بالنصر وإظهار الإسلام على الدين كلّ وإنذار للمشركين بأن سيحلّ بهم ما حلّ بالأمم الذين كذّبوا رسلهم ممّن عرفوا مثل عاد وثمود وأصحاب الرسّ.
وبهذا التقدير لم تكن حاجة إلى جعل الفاء تفريعاً محضاً وجعل ما بعدها علّة لجزاء محذوف مدلول عليه بعلّته كما هو ظاهر «الكشاف»، وهي مضمون {فقد كذّبوا} بأن يقدّر: فلا تعجب فقد كذّبوا بالقرآن، لأنّ من قدّر ذلك أوهمه أنّ تكذيبهم المراد هو تكذيبهم بالآيات التي أعرضوا عنها ما عدا آية القرآن. وهذا تخصيص لعموم قوله: {من آية} بلا مخصّص، فإنّ القرآن من جملة الآيات بل هو المقصود أولاً، وقد علمت أنّ {فقد كذّبوا} هو الجزاء وأنّ له موقعاً عظيماً من بلاغة الإيجاز، على أنّ ذلك التقدير يقتضي أن يكون المراد من الآيات في قوله: {من آيات ربّهم} ما عدا القرآن. وهو تخصيص لا يناسب مقام كون القرآن أعظمها.
والفاء في قوله: {فسوف} فاء التسبّب على قوله: {كذّبوا بالحقّ}، أي يترتّب على ذلك إصابتهم بما توعّدهم به الله.
وحرف التسويف هنا لتأكيد حصول ذلك في المستقبل. واستعمل الإتيان هنا في الإصابة والحصول على سبيل الاستعارة. والأنباء جمع نبأ، وهو الخبر الذي ب أهميّة. وأطلق تحقّق نبئِه، لأنّ النبأ نفسه قد علم من قبل.
و {ما كانوا به يستهزئون} هو القرآن، كقوله تعالى: {ذلكم بأنّكم اتَّخذتم آيات الله هزؤاً} فإنّ القرآن مشتمل على وعيدهم بعذاب الدنيا بالسيف، وعذاب الآخرة. فتلك أنباءٌ أنبأهم بها فكذبّوه واستهزؤا به فتوعّدهم الله بأنّ تلك الأنباء سيصيبهم مضمونها. فلمّا قال لهم: {ما كانوا به يستهزئون} علموا أنّها أنباء القرآن لأنّهم يعلمون أنّهم يستهزئون بالقرآن وعلم السامعون أنّ هؤلاء كانوا مستهزئين بالقرآن. وتقدّم معنى الاستهزاء عند قوله تعالى في سورة البقرة: {إنّما نحن مستهزئون.
{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6)}
الجملة بيان لجملة: {فسوف يأتيهم أنبار ما كانوا به يستهزئون. جاء بيانها بطريقة الاستفهام الإنكاري عن عدم رؤية القرون الكثيرة الذين أهلكتهم حوادث خارقة للعادة يدلّ حالها على أنّها مسلّطة عليهم من الله عقاباً لهم على التكذيب.
والرؤية يجوز أن تكون قلبية، أي ألم يعلموا كثرة القرون الذين أهلكناهم، ويجوز أن تكون بصربة بتقدير: ألم يروا آثار القرون التي أهلكناها كديار عاد وحِجْر ثمود، وقد رآها كثير من المشركين في رحلاتهم، وحدّثوا عنها الناس حتى تواترت بينهم فكانت بمنزلة المرئي وتحقّقتها نفوسهم.
وعلى كلا الوجهين ففعل يَرَوا} معلّق عن العمل في المفعولين أو المفعول، باسم الاستفهام وهو {كم}.
و (كم) اسم للسؤال عن عدد مبهم فلا بدّ بعده من تفسير، وهو تمييزه. كما تقدّم في قوله تعالى: {سَل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية} في سورة البقرة (211) وتكون خبرية فتدلّ على عدد كبير مبهم ولا بدّ من مفسّر هو تمييز للإبهام. فأمّا الاستهامية فمفسّرها منصوب أو مجرور، وإن كانت خبرية فمفسّرها مجرور لا غير، ولمّا كان (كم) اسماً في الموضعين كان له موقع الأسماء بحسب العوامل رفعٌ ونصب وجرّ، فهي هنا في موضع مفعول أو مفعولين ليرَوا}. و(مَنْ) فزائدة جارّة لمميّز {كم} الخبرية لوقوع الفصل بينها وبين مميّزها فإنّ ذلك يوجب جرّه ب (من)، كما بيّناه عند قوله تعالى: {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بيّنة في سورة البقرة.
والقرن أصله الزمن الطويل، وكثر إطلاقه على الأمّة التي دامت طويلاً. قال تعالى: من بعد ماأهلكنا القرون الأولى}. وفسّر القرن بالأمّة البائدة. ويطلق القرن على الجيل من الأمّة، ومنه حديث {خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم}. ويطلق على مقدار من الزمن قدره مائة سنة على الأشهر، وقيل: غير ذلك.
وجملة: {مكّمّاهم} صفة ل {قرن} وروعي في الضمير معنى القرن لأنّه دالّ على جمع.
ومعنى: {مكّنّاهم في الأرض} ثبّتناهم وملّكناهم، وأصله مشتقّ من المكان. فمعنى مكّنه ومكّن له، وضع له مكاناً. قال تعالى: {أو لم نمكّن لهم حرماً آمناً}. ومثله قولهم: أرَضَ له. ويكنّى بالتمكين عن الإقدار وإطلاق التصرّف، لأنّ صاحب المكان يتصرّف في مكانه وبيته ثم يطلق على التثبيت والتقوية والاستقلال بالأمر. ويقال: هو مكين بمعنى مُمَكّن، فعيل بمعنى مفعول. قال تعالى: {إنّك اليوم لدينا مكين أمين} فهو كناية أيضاً بمرتبة ثانية، أو هو مجاز مرسل مرتّب على المعنى الكنائي. والتمكين في الأرض تقوية التصرّف في منافع الأرض والاستظهار بأساباب الدنيا، بأن يكون في منعة من العدوّ وفي سعة في الرزق وفي حسن حال، قال تعالى: {إمّا مكنّا له في الأرضأ، وقال: الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة} الآية.
فمعنى مكَّنه: جعله متمكّناً ومعنى مكّن له: جعله متمكّناً لأجله، أي رعيا له، مثل حمده وحمد له، فلم تزده اللام ومجروورها إلاّ إشارة إلى أنّ الفاعل فعل ذلك رغبة في نفع المفعول، ولكن الاستعمال أزال الفرق بينهما وصيّر مكّنه ومكّن له بمعنى واحد، فكانت اللام زائدة كما قال أبو علي الفارسي. ودليل ذلك قوله تعالى: هنا {مكّنّاهم في الأرض ما لم نمكّن لكم} فإنّ المراد بالفعلين هنا شيء واحد لتعيّن أن يكون معنى الفعلين مستوياً، ليظهر وجه فوت القرون الماضية في التمكين على تمكين المخاطبين، إذ التفاوت لا يظهر إلاّ في شيء واحد، ولأنّ كون القرون الماضية أقوى تمكّنا من المخاطبين كان يقتضي أن يكون الفعل المقترن بلام الأجل في جانبهم لا في جانب المخاطبين، وقد عكس هنا. وبهذا البيان نجمع بين قول الراغب باستواء فعل مكّنه ومكّن له، وقول الزمخشري بأن: مكّن له بمعنى جعل له مكاناً، ومكّنه بمعنى أثبته. وكلام الراغب أمكن عربية. وقد أهملت التنبيه على هذين الرأيين كتب اللغة. واستعمال التمكين في معنى التثبيت والتقوية كناية أو مجاز مرسل لأنّه يستلزم التقوية. وقد شاع هذا الاستعمال حتى صار كالصريح أو كالحقيقة.
و {ما} موصولة معناها التمكين، فهي نائبة عن مصدر محذوف، أي تمكيناً لم نمكنّه لكم، فتنتصب (ما) على المفعولية المطلقة المبيّنة للنوع. والمقصود مكّناهم تمكيناً لم نمكَّنه لكم، أي هو أشدّ من تمكينكم في الأرض.
والخطاب في قوله: {لكم} التفات موجّه إلى الذين كفروا لأنّهم الممكّنون في الأرض وقت نزول الآية، وليس للمسلمين يومئذٍ تمكين. والالتفات هنا عكس الالتفات في قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجريْن بهم}. والمعنى أنّ الأمم الخالية من العرب البائدة كانوا أشدّ قوة وأكثر جمعاً من العرب المخاطبين بالقرآن وأعظم منهم آثار حضارة وسطوة. وحسبك أنّ العرب كانوا يضربون الأمثال للأمور العظيمة بأنّها عادية أو ثمودية أو سبئية قال تعالى: {وعمروها أكثر ممّا عمروها} أي عمَرَ الذين من قبل أهل العصر الأرض أكثر ممّا عمرها أهل العصر.
والسماء من أسماء المطر، كما في حديث «الموطأ» من قول زيد بن خالد: صلىّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إثر سماء، أي عقب مطر. وهو المراد هنا لأنّه المناسب لقوله: {أرسلنا} بخلافه في نحو قوله: {وأنزلنا من السماء ماء}. والمدرار صيغة مبالغة، مثل منحار لكثير النحر للأضياف، ومذكار لمن يولد له الذكور، من درّت الناقة ودرّ الضرع إذا سمح ضرعها باللبن، ولذلك سمّي اللبن الدّر. ووصفُ المطر بالمدرار مجاز عقلي، وإنّما المدرار سحابه. وهذه الصيغة يستوي فيها المذكّر والمؤنّث.
والمراد إرسال المطر في أوقات الحاجة إليه بحيث كان لا يخلفهم في مواسم نزوله.
ومن لوازم ذلك كثرة الأنهار والأدية بكثرة انفجار العيون من سعة ري طبقات الأرض، وقد كانت حالةَ معظم بلاد العرب في هذا الخصب والسعة، كما علمه الله ودلّت عليه آثار مصانعهم وسدودهم ونسلان الأمم إليها، ثم تغيّرت الأحوال بحوادث سماوية كالجدب الذي حلّ سنين ببلاد عاد، أو أرضية، فصار معظمها قاحلاً فهلكت أممها وتفرّقوا أيادي سَبا.
وقد تقدّم القول في معنى الأنهار تجري من تحتهم في نظيره وهو {أنّ لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار} في سورة البقرة (25).
والفاء في قوله: فأهلكناهم} للتعقيب عُطف على {مكّنّاهم} وما بعده. ولمّا تعلّق بقوله: {فأهلكناهم} قوله: {بذنوبهم} دلّ على أنّ تعقيب التمكين وما معه بالإهلاك وقع بعد أن أذنبوا. فالتقدير: فأذنبوا فأهلكناهم بذنوبهم، أو فبطروا النعمة فأهلكناهم، ففيه إيجاز حذف على حدّ قوله تعالى: {أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت} الآية، أي فضرب فانفجرت الخ. ولك أن تجعل الفاء للتفصيل تفصيلاً ل {أهلكنا} الأول على نحو قوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا} في سورة الأعراف (4).
والإهلاك: الإفناء، وهو عقاب للأمّة دالّ على غضب الله عليها، لأنّ فناء الأمم لا يكون إلاّ بما تجرّه إلى نفسها من سوء فعلها، بخلاف فناء الأفراد فإنْه نهاية محتّمة ولو استقام المرء طول حياته، لأنّ تركيب الحيوان مقتض للانتهاء بالفناء عند عجز الأعضاء الرئيسية عن إمداد البدن بمواد الحياة فلا يكون عقاباً إلاّ فيما يحفّ به من أحوال الخزي للهالك.
والذنوب هنا هي الكفر وتكذيب الرسل ونحو ذلك ممّا دلّ عليه التنظير بحال الذين قال الله فيهم هنا: بربهم يعدلون ثم أنتم تمترون وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحقّ لمّا جاءهم، وما قاله بعد ذلك ولو نزّلنا عليك كتاباً في قرطاس} الآية.
وقوله: {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين}: الإنشاء الإيجاد المبتكَر، قال تعالى: {إنّا أنشأناهن إنشاء}. والمراد به إنشاؤهم بتلك الصفات التي كان القرن الذين من قبلهم من التمكين في الأرض والإسعاف بالخصب، فخلفوا القرن المنقرضين سواء كان إنشاؤهم في ديار القوم الذين هلكوا، كما أنشأ قريشاً في ديار جرهم، أم في ديار أخرى كما أنشأ الله ثموداً بعد عاد في منازل أخرى. والمقصود من هذا تعريض بالمشركين بأنّ الله مهلكهم ومنشئ من بعدهم قرن المسلمين في ديارهم. ففيه نذارة بفتح مكّة وسائر بلاد العرب على أيدي المسلمين. وليس المراد بالإنشاء الولادة والخلق، لأنّ ذلك أمر مستمرّ في البشر لا ينتهي، وليس فيه عظة ولا تهديد للجبايرة المشركين. وأفرد {قرناً} مع أنّ الفعل الناصب له مقيّد بأنّه من بعد جمع القرون، على تقدير مضاف، أي أنشأنا من بعد كلّ قرن من المهلكين قرناً آخرين.
{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)}
يجوز أن تكون الواو عاطفة والمعطوف عليه جملة {وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم} الخ، وما بينهما جملاً تعلّقت بالجملة الأولى على طريقة الاعتراض، فلمّا ذكر الآيات في الجملة الأولى على وجه العموم ذكر هنا فرض آية تكون أوضحَ الآيات دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وهي أن ينزّل الله عليه كتاباً من السماء على صورة الكتب المتعارفة، فرأوه بأبصارهم ولمسوه بأيديهم لمَّا آمنوا ولادّعوا أنّ ذلك الكتاب سحر.
ويجوز أن تكون الواو للحال من ضمير {كذّبوا} في قوله: {فقد كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهم} أي أنكروا كون القرآن من عند الله، وكونه آية على صدق الرول، وزعموا أنّه لو كان من عند الله لنزل في صورة كتاب من السماء، فإنّهم قالوا: {لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة} وقالوا {حتى تنزّل علينا كتاباً نقرؤه} فكان قوله: {فقد كذّبوا بالحقّ لما جاءهم} مشتملاً بالإجمال على أقوالهم فصحّ مجيء الحال منه. وما بينهما اعتراض أيضاً.
وعلى الوجه الأول فالكتاب الشيء المكتوب سواء كان سفراً أم رسالة، وعلى الثاني فالمراد بكتاببٍ سفرٌ أي مثل التوراة.
والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم لا محالة لأنّ كلّ ينزل من القرآن موجّه إليه لأنّه المبلّغ، فانتقال الخطاب إليه بعد الحديث عن ذوي ضمائر أخرى لا يحتاج إلى مناسبة في الأنتقال. وليس يلزم أن يكون المراد كتاباً فيه تصديقه بل أعمّ من ذلك.
وقوله: {في قرطاس} صفة لكتاب، والظرفية مجازية من ظرفية اسم الشيء في اسم جزئه. والقرطاس بكسر القاف على الفصيح، ونقل ضمّ القاف وهو ضعيف. وهو اسم للصحيفة التي يكتب فيها ويكون من رَقّ ومن بَرْدى ومن كاغد، ولا يختصّ بما كان من كاغد بل يسمّى قرطاساً ما كان من رقّ. ومن النّاس من زعم أنّه لا يقال قرطاس إلاّ لما كان مكتوباً وإلاّ سمّي طَرساً، ولم يصحّ. وسمّى العرب الأديم الذي يجعل غرضاً لمتعلّم الرمي قرطاساً فقالوا: سَدّد القرطاس، أي سدّد رميه. قال الجواليقي: القرطاس تكلّموا به قديماً ويقال: إنّ أصله غير عربي. ولم يذكر ذلك الراغب ولا لسان العرب ولا القاموس، وأثبته الخفاجي في شفاء الغليل. وقال: كان معرّباً فلعلّه معرّب عن الرومية، ولذلك كان اسم الورقة في لغة بعضهم اليوم (كارتا).
وقوله: {فَلَمسوه} عطف على {نزّلنا}. واللمس وضع اليد على الشيء لمعرفة وجوده، أو لمعرفة وصف ظاهره من لين أو خشونة، ومن برودة أو حرارة، أو نحو ذلك. فقوله: {بأيديهم} تأكيد لمعنى اللمس لرفع احتمال أن يكون مجازاً في التأمّل، كما في قوله تعالى: {وإنّا لمسنا السماء فوجدناها مُلئَت حرساً شديداً وشهباً}، وللإفصاح عن منتهى ما اعتيد من مكابرتهم ووقاحتهم في الإنكار والتكذيب، وللتمهيد لقوله: {لقال الذين كفروا إن هذا إلاّ سحر مبين} لأنّ المظاهر السحرية تخيّلات لا تلمس.
وجاء قوله: {الذين كفروا} دون أن يقول: لقالوا، كما قال: {فلمسوه} إظهاراً في مقام الإضمار لقصد تسجيل أنّ دافعهم إلى هذا التعنّت هو الكفر، لأنّ الموصول يؤذن بالتعليل.
ومعنى: {إن هذا إلاّ سحر مبين} أنّهم يغالطون أنفسهم ويغالطون قومهم لستر مكابرتهم ولدفع ما ظهر من الغلبة عليهم. وهذا شأن المغلوب المحجوج أن يتعلّق بالمعاذير الكاذبة.
والمبين: البيّن الواضح، مشتقّ من (أبان) مرادف (بان). وتقدّم معنى السحر عند قوله تعالى: {يعلّمون الناس السحر} في سورة البقرة (102).
{وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)}
عطف على قوله: {ولو نزّلنا عليك كتاباً}، لأنّ هذا خبر عن تورّكهم وعنادهم، وما قبله بيان لعدم جدوى محاولة ما يقلع عنادهم، فذلك فُرض بإنزال كتاب عليهم، من السماء فيه تصديق النبي صلى الله عليه وسلم وهذا حكاية لاقتراح منهم آية يصدّقونه بها. وفي سيرة ابن إسحاق أنّ هذا القول واقع، وأنّ من جملة من قال هذا زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث بن كَلدة، وعبدة بن عبد يغوث؛ وأبَي ابن خلف، والعاصي بن وائل، والوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومن معهم، أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم سل ربّك أن يبعث معك ملكاً يصدّقك بما تقول ويراجعنا عنك.
فقوله: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} أي لولا أنزل عليه ملك نشاهده ويخبرنا بصدقه، لأنّ ذلك هو الذي يتطلّبه المعاند. أمّا نزول الملك الذي لا يرونه فهو أمر واقع، وفسّره قوله تعالى في الآية الأخرى: {لولا أنزل إليه ملك فيكونَ معه نذيراً} في سورة الفرقان (7).
والضمير عائد إلى الذين كفروا} وإن كان قاله بعضهم، لأنّ الجميع قائلون بقوله: وموافقون عليه.
و {لولا} للتحضيض بمعنى (هلاً). والتحضيض مستعمل في التعجيز على حسب اعتقادهم. وضمير {عليه} للنبيء صلى الله عليه وسلم ومعاد الضمير معلوم من المقام، لأنّه إذا جاء في الكلام ضمير غائب لم يتقدّم له معاد وكان بين ظهرانيهم من هو صاحب خبر أو قصة يتحدّث الناس بها تعيّن أنَّه المراد من الضمير. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين استأذنه في قتل ابن صيّاد: «إن يكْنه فلن تسلّط عليه وإلاّ يكْنه فلا خير لك في قتلة». يريد من مائر الغيبة الثلاثة الأولى الدجّال لأنّ الناس كانوا يتحدّثون أنّ ابن صيّاد هو الدجّال. ومثل الضمير اسم الإشارة إذا لم يذكر في الكلام اسم يشار إليه. كما ورد في حديث أبي ذرّ أنّه قال لأخيه عند بعثة محمد صلى الله عليه وسلم " اذهب فاستعلم لنا علم هذا الرجل " وفي حديث سؤال القبر " فيقال له (أي للمقبور): ما علمك بهذا الرجل " يعني أنّ هذا قولهم فيما بينهم، أو قولهم للذي أرسلوه إلى النبي أن يسأل الله أن يبعث معه ملكاً. وقد افهوه به مرة أخرى فيما حكاه الله عنهم: {وقالوا يا أيّها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} فإنّ (لَوْما) أخت (لولا) في إفادة التحضيض.
وقوله: {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون} معناه: لو أنزلنا ملكاً على الصفة التي اقترحوها يكلّمهم لقضي الأمر، أي أمرهم؛ فاللام عوض عن المضاف إليه بقرينة السياق، أي لقضي أمر عذابهم الذي يتهدَّدهم به.
ومعنى: {قُضي} تُمّم، كما دلّ عليه قوله: {ثم لا ينظرون}؛ ذلك أنّه لا تنزل ملائكة غير الذين سخّرهم الله للأمور المعتادة مثللِ الحفظة، وملك الموت، والملك الذي يأتي بالوحي؛ إلاّ ملائكة تنزل لتأييد الرسل بالنصر على من يكذّبهم، مثل الملائكة التي نزلت لنصر المؤمنين في بدر. ولا تنزل الملائكة بين القوم المغضوب عليهم إلاّ لإنزال العذاب بهم، كما نزلت الملائكة في قوم لوط. فمشركو مكة لمّا سألوا النبي أن يريهم ملكاً معه ظنّوا مقترحهم تعجيزاً، فأنبأهم الله تعالى بأنّهم اقترحوا أمراً لو أجيبوا إليه لكان سبباً في مناجزة هلاكهم الذي أمهلهم إليه فيه رحمة منه.
ولعلّ حكمة ذلك أنّ الله فطر الملائكة على الصلابة والغضب للحقّ بدون هوادة، وجعل الفطرة الملكية سريعة لتنفيذ الجزاء على وفق العمل، كما أشار إليه قوله تعالى: {ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى}، فلذلك حجزهم الله عن الاتّصال بغير العباد المكرّمين الذين شابهن نفوسهم الإنسانية النفوس الملكية، ولذلك حجبهم الله عن النزول إلى الأرض إلاّ في أحوال خاصّة، كما قال تعالى عنهم: {وما تتنزّل إلاّ بأمر ربّك}، وكما قال: {ما تنزّل الملائكة إلاّ بالحقّ} فلو أنّ الله أرسل ملائكة في الوسط البشري لما أمهلوا أهل الضلال والفساد ولنا جزوهم جزاء العذاب، ألا ترى أنّ الملائكة الذين أرسلهم الله لقوم لوط لمّا لقوا لوطاً قالوا: {يا لوط إنّا رسل ربّك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل}. ولمّا جادلهم إبراهيم في قوم لوط بعد أن بشّروه واستأنس بهم {قالوا يا إبراهيم أعرض عن هذا إنّه قد جاء أمر ربّك} وهو نزول الملائكة؛ فليس للملائكة تصرف في غير ما وجهّوا إليه.
فمعنى الآية أنّ ما اقترحوه لو وقع لكان سيء المغبّة عليهم من حيث لا يشعرون. وليس المراد أنّ سبب عدم إنزال الملك رحمة بهم بل لأنّ الله ما كان ليظهر آياته عن اقتراح الضاليّن، إذ ليس الرسول صلى الله عليه وسلم بصدد التصدّي لرام كلّ من عُرضت عليه الدعوة أن تظهر له آية حسب مقترحه فيصير الرسول صلى الله عليه وسلم مضيّعاً مدّة الإرشاد وتلتفّ عليه الناس التفافهم على المشعوذين، وذلك ينافي حرمة النبوة، ولكن الآيات تأتي عن محض اختيار من الله تعالى دون مسألة. وأنّما أجاب الله اقتراح الحواريّين إنزال المائدة لأنّهم كانوا قوماً صالحين، وما أرادوا إلاّ خيراً. ولكنّ الله أنبأهم أنّ إجابتهم لذلك لحكمة أخرى وهي تستتبع نفعاً لهم من حيث لا يشعرون، فكانوا أحرياء بأن يشكروا نعمة الله عليهم فيما فيه استبقاء لهم لو كانوا موفّقين. وسيأتي عند قوله تعالى: {وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه قل إنّ الله قادر على أن ينزلّ آية} زيادة بيان لهذا.
ومن المفسّرين من فسّر {قضي الأمر} بمعنى هلاكهم من هول رؤية الملك في صورته الأصبية. وليس هذا بلازم لأنّهم لم يسألوا ذلك. ولا يتوقّف تحقّق ملكيّته عندهم على رؤية صورة خارقة للعادة، بل يكفي أن يروه نازلاً من السماء مثلاً حتى يصاحب النبي صلى الله عليه وسلم حين يدعوهم إلى الإسلام، كما يدلّ عليه قوله الآتي: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً}.
وقوله: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} عطف على قوله: {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر} فهو جواب ثان عن مقترحهم، فيه ارتقاء في الجواب، وذلك أنّ مقترحهم يستلزم الاستغناء عن بعثة رسول من البشر لأنّه إذا كانت دعوة الرسول البشري غير مقبولة عندهم إلاّ إذا قارنه ملك يكون معه نذيراً كما قالوه وحكي عنهم في غير هذه الآية، فقد صار مجيء رسول بشري إليهم غير مجد للاستغناء عنه بالملك الذي يصاحبه، على أنّهم صرّحوا بهذا اللازم فيما حكي عنهم في غير هذه الآية، وهو قوله تعالى: {قالوا لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة}، فجاء هذا الجواب الثاني صالحاً لردّ الاقتراحين، ولكنّه رُوعي في تركيب ألفاظه ما يناسب المعنى الثاني لكلامهم فجيء بفعل {جعلنا} المقتي تصيير شيء آخر أو تعويضه به. فضمير {جعلناه} عائد إلى الرسول الذي عاد إليه ضمير {لولا أنزل عليه ملك}، أي ولو اكتفينا عن إرسال رسول من نوع البشر وجعلنا الرسول إليهم ملكاً لتعيّن أن نصّور ذلك الملك بصورة رجل، لأنّه لا محيد عن تشكّله بشكل لتمكّن إحاطة أبصارهم به وتحيّزه فإذا تشكّل فإنّما يتشكّل في صورة رجل ليطيقوا رؤيته وخطابه، وحينئذٍ يلتبس عليهم أمره كما التبس عليهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم
فجملة {ولبسنا عليهم ما يلبسون} من تمام الدليل والحجّة عليهم بعدم جدوى إرسال الملك.
واللّبس: خلط يعرض في الصفات والمعاني بحيث يعسر تمييز بعضها عن بعض. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {ولا تلبسوا الحقّ بالباطل} في سورة البقرة (42). وقد عدّي هنا بحرف (على) لأنّ المراد لبس فيه غَلبة لعقولهم.
والمعنى: وللبسنا على عقولهم، فشكّوا في كونه ملكاً فكذّبوه، إذ كان دأب عقولهم تطلّبَ خوارق العادات استدلالاً بها على الصدق، وتركَ إعمال النظر الذي يعرف به صدق الصادق.
وما} في قوله: {ما يلبسون} مصدرية مجرّدة عن الظرفية، والمعنى على التشبيه، أي وللبسنا عليهم لبَسهم الذي وقع لهم حين قالوا: {لولا أنزل عليه ملك}، أي مثل لبَسهم السابق الذي عرض لهم في صدق محمد عليه الصلاة والسلام.
وفي الكلام احتباك لأنّ كلا اللبسين هو بتقدير الله تعالى، لأنّه حرمهم التوفيق. فالتقدير: وللبسنا عليهم في شأن الملك فيلبسون على أنفسهم في شأنه كما لبسنا عليهم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم إذ يلبسون على أنفسهم في شأنه. وهذا الكلام كلّه منظور فيه إلى حمل اقتراحهم على ظاهر حاله من إرادتهم الاستدلال، فلذلك أجيبوا عن كلامهم إرخاء للعنان، وإلاّ فإنّهم ما أرادوا بكلامهم إلاّ التعجيز والاستهزاء، ولذلك عقّبه بقوله: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} الآية.
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)}
عطف على جملة: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} لبيان تفنّنهم في المكابرة والعناد تصلّباً في شركهم وإصراراً عليه، فلا يتركون وسيلة من وسائل التنفير من قبول دعوة الإسلام إلاّ توسّلوا بها. ومناسبة عطف هذا الكلام على قوله: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} أنّهم كانوا في قولهم ذلك قاصدين التعجيز والاستهزاء معاً، لأنّهم ما قالوه ألاّ عن يقين منهم أنّ ذلك لا يكون، فابتدئ الردّ عليهم بإبطال ظاهر كلامهم بقوله: {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر}. ثم ثنّى بتهديدهم على ما أرادوه من الاستهزاء، والمقصود مع ذلك تهديدهم بأنّهم سيحيق بهم العذاب وأنّ ذلك سنة الله في كلّ أمّة استهزأت برسول له.
فقوله: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} يدلّ على جملة مطوية إيجازاً، تقديرها: واستهزأوا بك ولقد استهزأ أمم برسل من قبلك، لأنّ قوله من {قبلك}، لأنّ قوله من {قبلك} يؤذن بأنّه قد استهزئ به هو أيضاً وإلاّ لم تكن فائدة في وصف الرسل بأنّهم من قبله لأنّ ذلك معلوم. وحُذف فاعل الاستهزاء فبنى الفعل إلى المجهول لأنّ المقصود هنا هو ترتّب أثر الاستهزاء لا تعيين المستهزئين.
واللام للقسم، و{قد} للتحقيق، وكلاهما يدلّ على تأكيد الخبر. والمقصود تأكيده باعتبار ما تفرّع عنه، وهو قوله: {فحاق بالذين سخروا} الخ، لأنّ حال المشركين حال من يتردّد في أنّ سبب هلاك الأمم السالفة هو الاستهزاء بالرسل، إذ لولا تردّدهم في ذلك لأخذوا الحيطة لأنفسهم مع الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي جاءهم فنظروا في دلائل صدقه وما أعرضوا، ليستبرئوا لأنفسهم من عذاب متوقّع، أو نزّلوا منزلة المتردّد إن كانوا يعلمون ذلك لعدم جريهم على موجب علمهم. واستهزاؤهم له أفانين، منها قولهم: {لولا أنزل عليه ملك}.
ومعنى الاستهزاء تقدّم عند قوله تعالى: {إنّما نحن مستهزئون في سورة البقرة. وهو مرادف للسخرية في كلام أئمّة اللغة، فذكر استهزئ} أولاً لأنّه أشهر، ولمّا أعيد عبّر ب {سخروا}، ولمّا أعيد ثالث مرّة رّجع إلى فعل {يستهزئون}، لأنّه أخفّ من (يسخرون). وهذا من بديع فصاحة القرآن المعجزة.
و {سخروا} بمعنى هزأوا، ويتعدّى إلى المفعول ب {من}، قيل: لا يتعدّى بغيرها. وقيل: يتعدّى بالباء. وكذا الخلاف في تعدية هزأ واستهزأ. والأصحّ أنّ كلا الفعلين يتعدّى بحرف (من) والباء، وأنّ الغالب في (هزأ) أن يتعدّى بالباء، وفي {سخر} أن يتعدّى ب {من}. وأصل مادّة {سخر} مؤذن بأنّ الفاعل اتّخذ المفعول مسخّراً يتصرف فيه كيف شاء بدون حرمة لشدّة قرب مادّة {سخر} المخفّف من مادّة التسخير، أي التطويع فكأنّه حوّله عن حقّ الحرمة الذاتية فاتّخذ منه لنفسه سخرية.
وفعل {حاق} اختلف أئمَّة اللغة في معناه. فقال الزجّاج: هو بمعنى أحاط، وتبعه الزمخشري، وفسّره الفرّاء بمعنى عاد عليه.
وقال الراغب: أصله حقّ، أي بمعنى وجب، فأبدل أحد حرفي التضعيف حرف علّة تخفيفاً، كما قالوا تظنّي في تظنّن، أي وكما قالوا: تقضّى البازي، بمعنى تقضّض. والأظهر ما قاله أبو إسحاق الزجّاج.
واختير فعل الإحاطة للدلالة على تمكّن ذلك منهم وعدم إفلاته أحداً منهم.
وإنّما جيء بالموصول في قوله: {بالذين سخروا} ولم يقل بالساخرين للإيماء إلى تعليل الحكم، وهو قوله {فحاق}.
و {منهم} يتعلّق ب {سخروا}، والضمير المجرور عائد إلى الرسل، لزيادة تقرير كون العقاب لأجلهم ترفيعاً لشأنهم. و{ما} في قوله: {ما كانوا به يستهزئون} موصولة. والباء في {به} لتعدية فعل الاستهزاء. ووجود الباء مانع من جعل {ما} غير موصولة. وهو ما أطال التردّد فيه الكاتبون.
والمراد ب {ما كانوا به يستهزئون} ما أنذرهم الرسل به من سوء العاقبة وحلول العذاب بهم، فحصل بذلك فائدة أخرى، وهي أنّ المستهزئين كانوا يستهزئون بالرسل وخاصّة بما ينذرونهم به من حلول العذاب إن استمّروا على عدم التصديق بما جاءوا به. فاستهزاؤهم بما أنذروا به جعل ما أنذروا به كالشخص المهزوء به إذا جعلنا الباء للتعدية، أو استهزاؤهم بالرسل بسبب ما أنذروهم به إذا جعلت الباء للسببية.
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)}
هذه الجملة وزانها وزان البيان لمضمون الجملة التي قبلها ولذلك فصلت، فإنّ الجملة التي قبلها تخبر بأنّ الذين استهزأوا بالرسل قد حاق بهم عواقب استهزائهم، وهذه تّحدوهم إلى مشاهدة ديار أولئك المستهزئين. وليس افتتاح هذه الجملة بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم منافياً لكونها بياناً لأنّه خوطب بأن يقول ذلك البيان. فالمقصودُ ما بعد القول.
وافتتاحها بالأمر بالقول لأنّها واردة مورد المحاورة على قولهم {لولا أنزل عليه ملك} [الأنعام: 1].
وهذه سلسلة ردود وأجوبة على مقالتهم المحكية آنفاً لتضمّنها التصميم على الشرك وتكذيب الرسالة، فكانت منحلّة إلى شبه كثيرة أريد ردّها وتفنيدها فكانت هاته الردود كلّها مفتتحة بكلمة {قل}) عشر مرات.
و {ثم} للتراخي الرتبي، كما هو شأنها في عطف الجمل، فإنّ النظر في عاقبة المكذّبين هو المقصد من السير، فهو ممّا يُرتقى إليه بعد الأمر بالسير، ولأنّ هذا النظر محتاج إلى تأمّل وترسّم فهو أهمّ من السير.
والنظر يحتمل أن يكون بصرياً وأن يكون قلبياً، وعلى الاحتماليين فقد علّقه الاستفهام عن نصب مفعوله أو مفعوليه. و{كيف} خبر لِ {كان} مقدّم عليها وجوباً.
والعاقبة آخر الشيء ومآله وما يعقبه من مسبّباته. ويقال: عاقبة وعقبى، وهي اسم كالعافية والخاتمة.
وإنّما وصفوا بِ {المكذّبين} دون المستهزئين للدلالة على أنّ التكذيب والاستهزاء كانا خلقين من أخُلاقهم، وأنّ الواحد من هذين الخلقين كاف في استحقاق تلك العاقبة، إذ قال في الآية السابقة {فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} [الأنعام: 10] وقال في هذه الآية {كيف كان عاقبة المكذّبين}.
وهذا ردّ جامع لدحض ضلالاتهم الجارية على سنن ضلالات نظرائهم من الأمم السالفة المكذّبين.
{قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)}
جملة {قل لمن ما في السماوات والأرض} تكرير في مقام الاستدلال، فإنّ هذا الاستدلال تضمّن استفهاماً تقريرياً، والتقرير من مقتضيان التكرير، لذلك لم تعطف الجملة. ويجوز أن يجعل تصدير هذا الكلام بالأمر بأن يقوله مقصوداً به الاهتمام بما بعد فعل الأمر بالقول على الوجه الذي سنبيّنه عند قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة} في هذه السورة [40]. والاستفهام مستعمل مجازاً في التقرير. والتقرير هنا مراد به لازم معناه، وهو تبكيت المشركين وإلجاؤهم إلى الإقرار بما يفضي إلى إبطال معتقدهم الشركَ، فهو مستعمل في معناه الكنائي مع معناه الصريح، والمقصود هو المعنى الكنائي.
ولكونه مراداً به الإلجاء إلى الإقرار كان الجواب عنه بما يريده السائل من إقرار المسؤول محقّقاً لا محيص عنه، إذ لا سبيل إلى الجحد فيه أو المغالطة، فلذلك لم ينتظر السائل جوابهم وبادرهم الجواب عنه بنفسه بقوله: لله} تبكيتاً لهم، لأنّ الكلام مسوق مساق إبلاغ الحجّة مقدّرة فيه محاورة وليس هو محاورة حقيقية. وهذا من أسلوب الكلام الصادر من متكلّم واحد. فهؤلاء القوم المقدّر إلجاؤهم إلى الجواب سواء أنصفوا فأقرّوا حقّيّة الجواب أم أنكروا وكابروا فقد حصل المقصود من دمغهم بالحجّة. وهذا أسلوب متّبع في القرآن، فتارة لا يذكر جواب منهم كما هنا، وكما في قوله تعالى: {قل من ربّ السماوات والأرض قل الله} [الرعد: 16]، وقوله: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى إلى قوله قل الله} [الأنعام: 91]، وتارة يذكر ما سيجيبون به بعد ذكر السؤال منسوباً إليهم أنّهم يجيبون به ثم ينتقل إلى ما يترتّب عليه من توبيخ ونحوه، كقوله تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكّرون إلى قوله قل فأنّى تسحرون} [المؤمنون: 84 89].
وابتدئ بإبطال أعظم ضلالهم. وهو ضلال الإشراك. وأدمج معه ضلال إنكارهم البعث المبتدأ به السورة بعد أن انتقل من ذلك إلى الإنذار الناشئ عن تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك لمّا كان دليل الوحدانية السالف دالاً على خلق السماوات والأرض وأحوالها بالصراحة، وعلى عبودية الموجودات التي تشملها بالالتزام، ذكر في هذه الآية تلك العبودية بالصراحة فقال: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله}.
وقوله: {لله} خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه {ما في السماوات}. الخ. ويقدّر المبتدأ مؤخّراً عن الخبر على وزان السؤال لأنّ المقصود إفادة الحصر.
واللام في قوله: {لله} للملك؛ دلّت على عبودية الناس لله دون غيره، وتستلزم أنّ العبد صائر إلى مالكه لا محالة، وفي ذلك تقرير لدليل البعث السابق المبني على إثبات العبودية بحقّ الخلق. ولا سبب للعبوديّة أحقّ وأعظم من الخالقية، ويستتبع هذا الاستدلالُ الإنذار بغضبه على من أشرك معه.
وهذا استدلال على المشركين بأنّ غير الله ليس أهلاً للإلهيّة، لأنّ غير الله لا يملك ما في السماوات وما في الأرض إذ ملك ذلك لخالق ذلك. وهو تمهيد لقوله بعده {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة}، لأنّ مالك الأشياء لا يهمل محاسبتها.
وجملة: {كتب على نفسه الرحمة} معترضة، وهي من المقول الذي أمر الرسول بأن يقوله. وفي هذا الاعتراض معان:
أحدها: أنّ ما بعده لمّا كان مشعراً بإنذار بوعيد قُدّم له التذكير بأنّه رحيم بعبيده عساهم يتوبون ويقلعون عن عنادهم، على نحو قوله تعالى: {كتب ربّكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنّه غفور رحيم} [الأنعام: 54]، والشرك بالله أعظم سوءٍ وأشدّ تلبّساً بجهالة.
والثاني: أنّ الإخبار بأنّ لله ما في السماوات وما في الأرض يثير سؤال سائل عن عدم تعجيل أخذهم على شركهم بمن هم مِلكه. فالكافر يقول: لو كان ما تقولون صدقاً لعجّل لنا العذاب، والمؤمن يستبطئ تأخير عقابهم، فكان قوله: {كتب على نفسه الرحمة} جواباً لكلا الفريقين بأنّه تفضّل بالرحمة، فمنها رحمة كاملة: وهذه رحمته بعباده الصالحين، ومنها رحمة موقّتة وهي رحمة الإمهال والإملاء للعصاة والضّالّين.
والثالث: أنّ ما في قوله: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} من التمهيد لما في جملة {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} من الوعيد والوعد.
ذُكرت رحمة الله تعريضاً ببشارة المؤمنين وبتهديد المشركين.
الرابع: أنّ فيه إيماء إلى أنّ الله قد نجّى أمّة الدعوة المحمدية من عذاب الاستئصال الذي عذّب به الأمم المكذّبةَ رسلها من قبل، وذلك ببركة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ جعله رحمة للعالمين في سائر أحواله بحكم قوله تعالى: {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]، وإذ أراد تكثير تابعيه فلذلك لم يقض على مكذّبيه قضاء عاجلاً بل أمهلهم وأملى لهم ليخرج منهم من يؤمن به، كما رجا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك لمّا قالوا: {اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] قال الله تعالى {وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33]. وقد حصل ما رجاه رسول الله فلم يلبث من بقي من المشركين أن آمنوا بالله ورسوله بعد فتح مكة ودخلوا في دين الله أفواجاً، وأيّد الله بهم بعد ذلك دينه ورسوله ونشروا كلمة الإسلام في آفاق الأرض. وإذ قد قدّر الله تعالى أن يكون هذا الدين خاتمة الأديان كان من الحكمة إمهال المعاندين له والجاحدين، لأنّ الله لو استأصلهم في أول ظهور الدين لأتى على من حوتْه مكة من مشرك ومسلم، ثم يحشرون على نيّاتهم، كما ورد في الحديث لمّا قالت أمّ سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
" أنهلك وفينا الصالحون، قال: نعم، إذا كثر الخبث ثم يحشرون على نيّاتهم " فلو كان ذلك في وقت ظهور الإسلام لارتفع بذلك هذا الدين فلم يحصل المقصود من جعله خاتمة الأديان. وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا نزل عليه {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم} فقال: {أعوذ بسبحات وجهك الكريم}.
ومعنى {كتب} تعلّقت إرادته، بأن جعل رحمته الموصوف بها بالذات متعلّقة تعلّقاً عامّاً مطّرداً بالنسبة إلى المخلوقات وإن كان خاصّاً بالنسبة إلى الأزمان والجهات. فلما كان ذلك مطّرداً شبّهت إرادته بالإلزام، فاستعير لها فعل (كتب) الذي هو حقيقة في الإيجاب، والقرينة هي مقام الإلهية، أو جعَل ذلك على نفسه لأنّ أحداً لا يُلزم نفسه بشيء إلاّ اختياراً وإلاّ فإنّ غيره يُلزمه. والمقصود أنّ ذلك لا يتخلّف كالأمر الواجب المكتوب، فإنّهم كانوا إذا أرادوا تأكيد وعد أو عهد كتبوه، كما قال الحارث بن حلّزة:
واذكروا حلف ذي المجاز وما قدّم فيه العهود والكفلاء
حذر الجور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء
فالرحمة هنا مصدر، أي كتب على نفسه أن يرحم، وليس المراد الصفة، أي كتب على نفسه الاتّصاف بالرحمة، أي بكونه رحيماً، لأنّ الرحمة صفة ذاتية لله تعالى واجبة له، والواجب العقلي لا تتعلّق به الإرادة، إلاّ إذا جعلنا {كتب} مستعملاً في تمجّز آخر، وهو تشبيه الوجوب الذاتي بالأمر المحتّم المفروض، والقرينة هي هي إلاّ أنّ المعنى الأول أظهر في الامتنان، وفي المقصود من شمول الرحمة للعبيد المعرضين عن حقّ شكره والمشركين له في ملكه غيره.
وفي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا قضى الله تعالى الخلق كتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش " إنّ رحمتي سَبَقَتْ غضبي "
وجملة {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة} واقعة موقع النتيجة من الدليل والمسبّب من السبب، فإنّه لمّا أبطلت أهلية أصنامهم للإلهية ومحّضت وحدانية الله بالإلهية بطلت إحالتهم البعث بشبهة تفّرق أجزاء الأجساد أو انعدامها.
ولام القسم ونون التوكيد أفادا تحقيق الوعيد. والمراد بالجمع استقصاء متفرّق جميع الناس أفراداً وأجزاءاً متفرّقة. وتعديته ب {إلى} لتضمينه معنى السوق. وقد تقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى: {الله لا إله إلاّ هو ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} في سورة [النساء 87].
وضمير الخطاب في قوله: ليجمعنّكم} مراد به خصوص المحجوجين من المشركين، لأنّهم المقصود من هذا القول من أوله؛ فيكون نِذارة لهم وتهديداً وجواباً عن أقلّ ما يحتمل من سؤال ينشأ عن قوله: {كتب على نفسه الرحمة} كما تقدّم.
وجملة {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} الأظهر عندي أنّها متفرّعة على جملة {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة} وأنّ الفاء من قوله: {فهم لا يؤمنون} للتفريع والسببية.
وأصل التركيب: فأنتم لا تؤمنون لأنّكم خسرتم أنفسكم في يوم القيامة؛ فعدل عن الضمير إلى الموصول لإفادة الصلة أنّهم خسروا أنفسهم بسبب عدم إيمانهم. وجعل {الذين خسروا أنفسهم} خبرَ مبتدأ محذوف. والتقدير: أنتم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون. ونظم الكلام على هذا الوجه أدعى لإسماعهم، وبهذا التقدير يستغنى عن سؤال «الكشاف» عن صحّة ترتّب عدم الإيمان على خسران أنفسهم مع أنّ الأمر بالعكس.
وقيل: {الذين خسروا أنفسهم} مبتدأ، وجملة: {فهم لا يؤمنون} خبره، وقرن بالفاء لأنّ الموصول تضمّن معنى الشرط على نحو قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم} [النساء: 15]. وأشرب الموصول معنى الشرط ليفيد شموله كلّ من اتّصف بمضمون الصلة، ويفيد تعليق حصول مضمون جملة الخبر المنزّل منزلة جواب الشرط على حصول مضمون الصلة المنزّلة منزلة جملة الشرط، فيفيد أنّ ذلك مستمرّ الارتباط والتعليل في جميع أزمنة المستقبل التي يتحقّق فيها معنى الصلة. فقد حصل في هذه الجملة من الخصوصيات البلاغية ما لا يوجد مثله في غير الكلام المعجز.
ومعنى: {خسروا أنفسهم} أضاعوها كما يضيّع التاجر رأس ماله، فالخسران مستعار لإضاعة ما شأنه أن يكون سبب نفع. فمعنى {خسروا أنفسهم} عدموا فائدة الانتفاع بما ينتفع به الناس من أنفسهم وهو العقل والتفكير، فإنّه حركة النفس في المعقولات لمعرفة حقائق الأمور. وذلك أنّهم لمّا أعرضوا عن التدبّر في صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فقد أضاعوا عن أنفسهم أنفع سبب للفوز في العاجل والآجل، فكان ذلك سبب أن لا يؤمنوا بالله والرسول واليوم الآخر. فعدم الإيمان مسبّب عن حرمانهم الانتفاع بأفضل نافع. ويتسبّب عن عدم الإيمان خسران آخر، وهو خسران الفوز في الدنيا بالسلامة من العذاب، وفي الآخرة بالنجاة من النار، وذلك يقال له خسران ولا يقال له خسران الأنفس. وقد أشار إلى الخسرانين قوله تعالى: {أولئك الذين خسروا أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون لا جرم أنّهم في الآخرة هم الأخسرون} [هود: 21، 22].
{وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)}
جملة معطوفة على {لله} من قوله: {قل لله} [الأنعام: 12] الذي هو في تقدير الجملة، أي ما في السماوات والأرض لله، وله ما سكن.
والسكون استقرار الجسم في مكان، أي حيّز لا ينتقل عنه مدّة، فهو ضدّ الحركة، وهو من أسباب الاختفاء، لأنّ المختفي يسكن ولا ينتشر. والأحسن عندي أن يكون هنا كناية عن الخفاء مع إرادة المعنى الصريح. ووجه كونه كناية أنّ الكلام مسوق للتذكير بعلم الله تعالى وأنّه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ومحاسبكم عليها يوم يجمعكم إلى يوم القيامة، فهو كقوله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كلّ أنثى إلى أن قال ومن هو مستخف بالليل} [الرعد: 8 10]. فالذي سكن بالليل والنهار بعض ما في السماوات والأرض، فلمّا أعلمهم بأنّه يملك ما في السموات والأرض عطف عليه الإعلام بأنه يملك ما سكن من ذلك لأنّه بحيث يُغفل عن شمول ما في السماوات والأرض إيّاه، لأنّ المتعارف بين الناس إذا أخبروا عن أشياء بحكم أن يريدوا الأشياء المعروفة المتداولة. فهذا من ذكر الخاصّ بعد العامّ لتقرير عموم الملك لله تعالى بأنّ مِلكه شمل الظاهرات والخفيّات، ففي هذا استدعاء ليوجّهوا النظر العقلي في الموجودات الخفيّة وما في إخفائها من دلالة على سعة القدرة وتصرّفات الحكمة الإلهية.
و {في} للظرفية الزمانية، وهي ظرف مستقرّ، لأنّ فعل السكون لا يتعدّى إلى الزمان تعدية الظرف اللغو كما يتعدّى إلى المكان لو كان بمعنى حلّ واستقرّ وهو ما لا يناسب حمل معنى الآية عليه. والكلام تمهيد لسعة العلم، لأنّ شأن المالك أن يعلم مملوكاته. وتخصيص الليل بالذكر لأنّ الساكن في ذلك الوقت يزداد خفاء، فهو كقوله: {ولا حَبَّةٍ في ظلمات الأرض} [الأنعام: 59]. وعطف النهار عليه لقصد زيادة الشمول، لأنّ الليل لمّا كان مظنّةً الاختفاء فيه قد يظنّ أنّ العالِم يقصد الاطّلاع على الساكنات فيه بأهميّة ولا يقصد إلى الاطّلاع على الساكنات في النهار، فذكر النهار لتحقيق تمام الإحاطة بالمعلومات.
وتقديم المجرور للدلالة على الحصر، وهو حصر الساكنات في كونها له لا لغيره، أي في كون ملكها التامّ له، كماتقدّم في قوله: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} [الأنعام: 12].
وقد جاء قوله: {وهو السميع العليم} كالنتيجة للمقدمة، لأنّ المقصود من الإخبار بأنّ الله يملك الساكنات التمهيد لإثبات عموم علمه، وإلاّ فإنّ مِلك المتحرّكات المتصرّفات أقوى من ملك الساكنات التي لا تبدي حَراكاً، فظهر حسن وقع قوله: {وهو السميع العليم} عقب هذا.
والسميع: العالم العظيم بالمسموعات أو بالمحسوسات. والعليم: الشديد العلم بكلّ معلوم.
{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)}
استئناف آخر ناشئ عن جملة: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} [الأنعام: 12].
وأعيد الأمر بالقول اهتماماً بهذا المقول، لأنّه غرض آخر غير الذي أمر فيه بالقول قبله، فإنّه لمّا تقرّر بالقول، السابق عبودية ما في السماوات والأرض لله وأنّ مصير كلّ ذلك إليه انتقل إلى تقرير وجوب إفراده بالعبادة، لأنّ ذلك نتيجة لازمة لكونه مالكاً لجميع ما احتوته السماوات والأرض، فكان هذا التقرير جارياً على طريقة التعريض إذ أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالتبرّئ من أن يعبد غير الله. والمقصود الإنكار على الذين عبدوا غيره واتّخذوهم أولياء، كما يقول القائل بمحضر المجادل المكابر (لا أجحد الحقّ) لدلالة المقام على أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصدر منه ذلك، كيف وقد علموا أنّه دعاهم إلى توحيد الله من أول بعثته، وهذه السورة ما نزلت إلاّ بعد البعثة بسنين كثيرة، كما استخلصناه ممّا تقدّم في صدر السورة. وقد ذكر ابن عطية عن بعض المفسّرين أنّ هذا القول أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم ليجيب المشركين الذين دعوه إلى عبادة أصنامهم، أي هو مثل ما في قوله تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيّها الجاهلون} [الزمر: 64]، وهو لعمري ممّا يشعر به أسلوب الكلام وإن قال ابن عطية: إنّ ظاهر الآية لا يتضمّنه كيف ولا بدّ للاستئناف من نكتة.
والاستفهام للإنكار. وقدّم المفعول الأول ل {أتّخذ} على الفعل وفاعله ليكون موالياً للاستفهام لأنّه هو المقصود بالإنكار لا مطلق اتّخاذ الوليّ. وشأن همزة الاستفهام بجميع استعمالاته أن يليها جزء الجملة المستفهم عنه كالمنكر هنا، فالتقديم للاهتمام به، وهو من جزئيات العناية التي قال فيها عبد القاهر أن لا بدّ من بيان وجه العناية، وليس مفيداً للتخصيص في مثل هذا لظهور أنّ داعي التقديم هو تعيين المراد بالاستفهام فلا يتعيّن أن يكون لغرض غير ذلك. فمن جعل التقديم هنا مفيداً للاختصاص، أي انحصار إنكار اتّخاذ الولي في غير الله كما مال إليه بعض شرّاح «الكشاف» فقد تكلّف ما يشهد الاستعمال والذوق بخلافه، وكلام «الكشاف» بريء منه بل الحقّ أنّ التقديم هنا ليس إلاّ للاهتمام بشأن المقدّم ليليَ أداة الاستفهام فيعلم أن محلّ الإنكار هو اتّخاذ غير الله وليّاً، وأما مّا زاد على ذلك فلا التفات إليه من المتكلم. ولعلّ الذي حداهم إلى ذلك أنّ المفعول في هذه الآية ونظائرها مثل {أفغير الله تأمروني أعبد} [الزمر: 64] {أغير الله تدعون} [الأنعام: 40] هو كلمة {غير} المضافة إلى اسم الجلالة، وهي عامّة في كلّ ما عدا الله، فكان الله ملحوظاً من لفظ المفعول فكان إنكار اتّخاذ الله وليّاً لأنّ إنكار اتّخاذ غيره وليّاً مستلزماً عدم إنكار اتّخاذ الله وليّاً، لأنّ إنكار اتّخاذ غير الله لا يبقى معه إلاّ اتّخاذ الله وليّاً؛ فكان هذا التركيب مستلزماً معنى القصر وآئلاً إليه وليس هو بدالّ على القصر مطابقة، ولا مفيداً لما يفيده القصر الإضافي من قلب اعتقاد أو إفراد أو تعيين، ألا ترى أنّه لو كان المفعول خلاف كلمة (غير) لما صحّ اعتبار القصر، كما لو قلت: أزيداً أتتّخذ صديقاً، لم يكن مفيداً إلاّ إنكار اتّخاذ زيد صديقاً من غير التفات إلى اتّخاذ غيره، وإنّما ذلك لأنّك تراه ليس أهلاً للصداقة فلا فرق بينه وبين قولك: أتتّخذ زيداً صديقاً، إلاّ أنّك أردت توجّه الإنكار للمتّخذ لا للاتّخاذ اهتماماً به.
والفرق بينهما دقيق فأجد فيه نظرك.
ثم إن كان المشركون قد سألوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتّخذ أصنامهم أولياء كان لتقديم المفعول نكتة اهتمام ثانية وهي كونه جواباً لكلام هو المقصود منه كما في قوله: {أفغير الله تَأمُرُونيَ أعْبُدُ أيّها الجاهلون} [الزمر: 64] وقوله: {قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة إلى قوله قال أغير الله أبغيكم إلهاً} [الأعراف: 12]. وأشار صاحب «الكشاف» في قوله: {أغير الله أبغي ربّاً} الآتي في آخر السورة إلى أنّ تقديم {غير الله} على {أبغي} لكونه جواباً عن ندائهم له إلى عبادة آلهتهم. قال الطيبي: لأنّ كل تقديم إمّا للاهتمام أو لجواب إنكار.
والوليّ: الناصر المدبّر، ففيه معنى العلم والقدرة. يقال: تولّى فلاناً، أي اتّخذه ناصراً. وسمّي الحليف وليّاً لأنّ المقصود من الحلف النصرة. ولمّا كان الإله هو الذي يرجع إليه عابده سمّي وليّاً لذلك. ومن أسمائه تعالى الولي.
والفاطر: المبدع والخالقُ. وأصله من الفطر وهو الشقّ. وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيات في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتُها. وإجراء هذا الوصف على اسم الجلالة دون وصف آخر استدلال على عدم جدارة غيره لأن يتّخذ وليّاً، فهو ناظر إلى قوله: في أول السورة {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون} [الأنعام: 1]. وليس يغني عنه قوله قبله {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} [الأنعام: 12] لأنّ ذلك استدلال عليهم بالعبودية لله وهذا استدلال بالافتقار إلى الله في أسبَاب بقائهم إلى أجل.
وقوله: {وهو يُطعم} جملة في موضع الحال، أي يُعطي الناس ما يأكلونه ممّا أخرج لهم من الأرض: من حبوب وثمار وكلأ وصيد. وهذا استدلال على المشركين بما هو مسلّم عندهم، لأنّهم يعترفون بأنّ الرازق هو الله وهو خالق المخلوقات وإنّما جعلوا الآلهة الأخرى شركاء في استحقاق العبادة. وقد كثر الاحتجاج على المشركين في القرآن بمثل هذا كقوله تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} [الواقعة: 63،] 64.
وأمّا قوله: {ولا يُطْعَمْ} بضم الياء وفتح العين فتكميل دالّ على الغنى المطلق كقوله تعالى: {وما أريد أن يطعِمونِ} [الذاريات: 57]. ولا أثر له في الاستدلال إذ ليس في آلهة العرب ما كانوا يطعمونه الطعام. ويجوز أن يراد التعريض بهم فيما يقدّمونه إلى أصنامهم من القرابين وما يهرقون عليها من الدماء، إذ لا يخلو فعلهم من اعتقاد أنّ الأصنام تنعم بذلك.
{قُلْ إنى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين}.
استئناف مكرّر لأسلوب الاستئناف الذي قبله. ومثار الاستئنافين واحد ولكن الغرض منهما مختلف، لأنّ ما قبله يحوم حول الاستدلال بدلالة العقل على إبطال الشرك، وهذا استدلال بدلالة الوحي الذي فيه الأمر باتّباع دين الإسلام وما بني عليه اسم الإسلام من صرف الوجه إلى الله، كما قال في الآية الأخرى {فقل أسلمت وجهي لله} [آل عمران: 20]، فهذا إبطال لطعنهم في الدين الذي جاء به المسمّى بالإسلام، وشعاره كلمة التوحيد المبطلة للإشراك.
وبني فعل {أمرت} للمفعول، لأنّ فاعل هذا الأمر معلوم بما تكرّر من إسناد الوحي إلى الله.
ومعنى {أوّل من أسلم} أنّه أول من يتّصف بالإسلام الذي بعثه الله به، فهو الإسلام الخاصّ الذي جاء به القرآن، وهو زائد على ما آمن به الرسل من قبل، بما فيه من وضوح البيان والسماحة، فلا ينافي أنّ بعض الرسل وصفوا بأنّهم مسلمون، كما في قوله تعالى: حكاية عن إبراهيم ويعقوب {يا بنيّ إنّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون} وقد تقدّم بيان ذلك عند ذكر تلك الآية في سورة [البقرة: 132].
ويجوز أن يكون المراد أول من أسلم ممّن دعوا إلى الإسلام. ويجوز أن يكون الأول كناية عن الأقوى والأمكن في الإسلام، لأنّ الأول في كلّ عمل هو الأحرص عليه والأعلق به، فالأوليّة تستلزم الحرص والقوة في العمل، كما حكى الله تعالى عن موسى قوله: {وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143]. فإنّ كونه أوّلهم معلوم وإنّما أراد: أنّي الآن بعد الصعقة أقوى الناس إيماناً. وفي الحديث: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة» وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: {ولا تكونوا أول كافر به} في سورة [البقرة: 41].
والمقصود من هذا على جميع الوجوه تأييس المشركين من عوده إلى دينهم لأنّهم ربّما كانوا إذا رأوا منه رحمة بهم وليناً في القول طمعوا في رجوعه إلى دينهم وقالوا إنّه دين آبائه.
وقوله: ولا تكوننّ من المشركين} عطف على قوله: {قل}، أي قل لهم ذلك لييْأسوا. والكلام نهي من الله لرسوله مقصود منه تأكيد الأمر بالإسلام، لأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فذكر النهي عن الضدّ بعد ذلك تأكيد له، وهذا التأكيد لتقطع جرثومة الشرك من هذا الدين.
و {من} تبعيضية، فمعنى {من المشركين} أي من جملة الذين يشركون، ويحتمل أنّ النهي عن الانتماء إلى المشركين، أي هو أمر بالبراءة منهم فتكون {من} اتّصالية ويكون {المشركين} بالمعنى اللقبي، أي الذي اشتهروا بهذا الاسم، أي لا يكن منك شيء فيه صلة بالمشركين، كقول النّابغة
: ***. فإنِّي لَسْتُ منك ولست منّي
والتأييس على هذا الوجه أشدّ وأقوى.
وقد يؤخذ من هذه الآية استدلال للمأثور عن الأشعري: أنّ الإيمان بالله وحده ليس ممّا يجب بدليل العقل بل تتوقّف المؤاخذة به على بعثة الرسول، لأنّ الله أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن ينكر أن يتّخذ غير الله وليّاً لأنّه فاطر السماوات والأرض، ثم أمره أن يقول {إنّي أمرت أن أكون أول من أسلم} ثم أمره بما يدلّ على المؤاخذة بقوله: {إنّي أخاف إن عصيت ربّي إلى قوله فقد رحمه} [الأنعام: 15، 16].
{قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)}
هذا استئناف مكرّر لما قبله، وهو تدرّج في الغرض المشترك بينها من أنّ الشرك بالله متوعّد صاحبه بالعذاب وموعود تاركه بالرحمة. فقوله: {أغير الله أتّخذ وليّاً} [الأنعام: 14] الآية رفض للشرك بالدليل العقلي، وقوله: {قل إنّي أمرت أن أكون أوّل من أسلم} [الأنعام: 14] الآية، رفض للشرك امتثالاً لأمر الله وجلاله.
وقوله هنا: {قل إنّي أخاف} الآية تجنّب للشرك خوفاً من العقاب وطمعاً في الرحمة. وقد جاءت مترتّبة على ترتيبها في نفس الأمر.
وفهم من قوله: {إن عصيت ربّي} أنّ الآمر له بأن يكون أول من أسلم والناهي عن كونه من المشركين هو الله تعالى. وفي العدول عن اسم الجلالة إلى قوله: {ربّي} إيماء إلى أنّ عصيانه أمر قبيح لأنّه ربّه فكيف يعصيه.
وأضيف العذاب إلى {يوم عظيم} تهويلاً له لأنّ في معتاد العرب أن يطلق اليوم على يوم نصر فريق وانهزام فريق من المحاربين، فيكون اليوم نكالاً على المنهزمين، إذ يكثر فيهم القتل والأسر ويسام المغلوب سوء العذاب، فذكر {يوم} يثير من الخيال مخاوف مألوفة، ولذلك قال الله تعالى: {فكذّبوه فأخذهم عذاب يوم الظلّة إنّه كان عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 189] ولم يقل عذاب الظلّة أنّه كان عذاباً عظيماً. وسيأتي بيان ذلك مفصّلاً عند قوله تعالى: {يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن} في سورة التغابن (9)، وبهذا الاعتبار حسَن جعل إضافة العذاب إلى اليوم العظيم كناية عن عظم ذلك العذاب، لأنّ عظمة اليوم العظيم تستلزم عظم ما يقع فيه عرفاً.
وقوله: من يصرف عنه يومئذٍ فقد رحمه} جملة من شرط وجزاء وقعت موقع الصفة ل {عذاب}.
و {يصرف} مبني للمجهول في قراءة الأكثر، على أنّه رافع لضمير العذاب أو لضمير {من} على النيابة عن الفاعل. والضمير المجرور ب«عن» عائد إلى {مَن} أي يصرف العذاب عنه، أو عائد إلى العذاب، أي من يصرف هو عن العذاب، وعلى عكس هذا العود يكون عود الضمير المستتر في قوله: {يصرف}.
وقرأه حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب، وخلف {يصرف} بالبناء للفاعل على أنّه رافع لضمير {ربّي} على الفاعلية.
أمّا الضمير المستتر في {رحمَهُ} فهو عائد إلى {ربّي}، والمنصوب عائد إلى {مَن} على كلتا القراءتين.
ومعنى وصف العذاب بمضمون جملة الشرط والجزاء، أي من وفّقه الله لتجنّب أسباب ذلك العذاب فهو قد قدّر الله له الرحمة ويسّر له أسبابها.
والمقصود من هذا الكلام إثبات مقابل قوله: {إنّي أخاف إن عصيت ربّي عذاب يوم عظيم} كأنّه قال: أرجو إن أطعته أن يرحمني ربّي، لأنّ من صرف عنه العذاب ثبتت له الرحمة. فجاء في إفادة هذا المعنى بطريقة المذهب الكلامي. وهو ذكر الدليل ليعلم المدلول. وهذا ضرب من الكناية وأسلوب بديع بحيث يدخل المحكوم له في الحكم بعنوان كونه فرداً من أفراد العموم الذين ثبت لهم الحكم.
ولذلك عقّبه بقوله: {وذلك الفوز المبين}. والإشارة موجّهة إلى الصرف المأخوذ من قوله: {من يصرف عنه} أو إلى المذكور. وإنّما كان الصرف عن العذاب فوزاً لأنّه إذا صرف عن العذاب في ذلك اليوم فقد دخل في النعيم في ذلك اليوم. قال تعالى: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنّة فقد فاز} [آل عمران: 185]. و{المبين} اسم فاعل من أبان بمعنى بان.
{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)}
عطف على الجمل المفتتحة بفعل {قل} [الأنعام: 15] فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم
وهذا مؤذن بأنّ المشركين خوّفوا النبي صلى الله عليه وسلم أو عرّضوا له بعزمهم على إصابته بشرّ وأذى فخاطبه الله بما يثبّت نفسه وما يؤيس أعداءه من أن يستزلّوه. وهذا كما حكي عن إبراهيم عليه السلام {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنّكم أشركتم بالله ما لم ينزّل به عليكم سلطاناً} [الأنعام: 81]، ومن وراء ذلك إثبات أنّ المتصرّف المطلق في أحوال الموجودات هو الله تعالى بعد أن أثبت بالجمل السابقة أنّه محدث الموجودات كلّها في السماء والأرض، فجُعل ذلك في أسلوب تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم على عدم الخشية من بأس المشركين وتهديدهم ووعيدهم، ووعدُه بحصول الخير له من أثر رضى ربّه وحدَه عنه، وتحدّي المشركين بأنّهم لا يستطيعون إضراره ولا يجلبون نفعه. ويحصل منه ردّ على المشركين الذين كانوا إذا ذُكّروا بأنّ الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن أقرّوا بذلك، ويزعمون أنّ آلهتهم تشفع عند الله وأنّها تجلب الخير وتدفع الشرّ، فلمَّا أبطلت الآيات السابقة استحقاق الأصنام الإلهية لأنّها لم تخلق شيئاً، وأوجبت عبادة المستحقّ الإلهية بحقّ، أبطلت هذه الآية استحقاقهم العبادة لأنّهم لا يملكون للناس ضرّاً ولا نفعاً، كما قال تعالى: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً} [المائدة: 76] وقال عن إبراهيم عليه السلام: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرّون} [الشعراء: 73].
وقد هيّأت الجمل السابقة موقعاً لهاته الجملة، لأنّه إذا تقرّر أنّ خالق الموجودات هو الله وحده لزم من ذلك أنّه مقدّر أحوالِهم وأعمالِهم، لأنّ كون ذلك في دائرة قدرته أولى وأحقّ بعد كون معروضات تلك العوارض مخلوقة له. فالمعروضات العارضة للموجودات حاصلة بتقدير الله لأنّه تعالى مقدّر أسبابها، واضع نظام حصولها وتحصيلها، وخالق وسائل الدواعي النفسانية إليها أو الصوارف عنها.
والمسّ حقيقته وضع اليد على شيء. وقد يكون مباشرة وقد يكون بآلة، ويستعمل مجازاً في إيصال شيء إلى شيء فيستعار إلى معنى الإيصال فيكثر أن يذكر معه ما هو مستعار للآلة. ويدخل عليه حرف الآلة وهو الباء كما هنا، فتكون فيه استعارتان تبعيتان إحداهما في الفعل والأخرى في معنى الحرف، كما في قوله: {ولا تمسّوها بسوء} [الأعراف: 73]. فالمعنى: وإن يصبك الله بضرّ، أو وإن ينلك من الله ضرّ.
والضُرّ بضم الضاد هو الحال الذي يؤلم الإنسان، وهو من الشرّ، وهو المنافر للإنسان. ويقابله النفع، وهو من الخير، وهو الملائم. والمعنى إن قدّر الله لك الضرّ فهلاّ يستطيع أحد كشفه عنك إلاّ هو إن شاء ذلك، لأنّ مقدّراته مربوطة ومحوطة بنواميس ونظم لا تصل إلى تحويلها إلاّ قدرة خالقها.
وقابل قوله: {وإن يمسسك الله بضرّ} بقوله: {وإن يمسسك بخير} مقابلة بالأعمّ، لأنّ الخير يشمل النفع وهو الملائم ويشمل السلامة من المنافر، للإشارة إلى أنّ المراد من الضرّ ما هو أعمّ، فكأنّه قيل: إن يمسسك بضرّ وشرّ وإن يمسسك بنفع وخير، ففي الآية احتباك. وقال ابن عطية: ناب الضرّ في هذه الآية مناب الشرّ والشرّ أعمّ وهو مقابل الخير. وهو من الفصاحة عدول عن قانون التكلّف والصنعة، فإنّ من باب التكلّف أن يكون الشيء مقترناً بالذي يختصّ به ونظَّر هذا بقوله تعالى: {إنّ لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنَّك لا تظمأ فيها ولا تضحى} [طه: 118، 119]. اه.
وقوله: {فهو على كلّ شيء قدير} جعل جواباً للشرط لأنّه علّة الجواب المحذوف والجواببِ المذكور قبله، إذ التقدير: وإن يمسسك بخير فلا مانع له لأنّه على كلّ شيء قدير في الضرّ والنفع. وقد جعل هذا العموم تمهيداً لقوله بعده {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 18].
{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)}
هذه الجملة معطوفة على جملة {وإن يمسسك الله بضرّ} [الأنعام: 17] الآية، والمناسبة بينهما أنّ مضمون كلتيهما يبطل استحقاق الأصنام العبادة. فالآية الأولى أبطلت ذلك بنفي أن يكون للأصنام تصرّف في أحوال المخلوقات، وهذه الآية أبطلت أن يكون غير الله قاهراً على أحد أو خبيراً أو عالماً بإعطاء كل مخلوق ما يناسبه، ولا جرم أنّ الإله تجب له القدرة والعلم، وهما جماع صفات الكمال، كما تجب له صفات الأفعال من نفع وضرّ وإحياء وإماتة، وهي تعلّقات للقدرة أطلق عليها اسم الصفات عند غير الأشعري نظراً للعرف، وأدخلها الأشعري في صفة القدرة لأنّها تعلّقات لها، وهو التحقيق.
ولذلك تتنزّل هذه الآية من التي قبلها منزلة التعميم بعد التخصيص لأنّ التي قبلها ذكرت كمال تصرّفه في المخلوقات وجاءت به في قالب تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم كما قدّمنا، وهذه الآية أوعت قدرته على كلّ شيء وعلمه بكلّ شيء، وذلك أصل جميع الفعل والصنع.
والقاهر الغالب المُكرِه الذي لا ينفلت من قدرته من عُدّي إليه فعل القهر.
وقد أفاد تعريف الجزأين القصر، أي لا قاهر إلاّ هو، لأنّ قهر الله تعالى هو القهر الحقيقي الذي لا يجد المقهور منه ملاذاً، لأنّه قهر بأسباب لا يستطيع أحد خلق ما يدافعها. وممّا يشاهد منها دوماً النوم وكذلك الموتُ. سبحان من قهر العباد بالموت.
و {فوق} ظرف متعلَّق بِ {القاهر}، وهو استعارة تمثيلية لحالة القاهر بأنَّه كالذي يأخذ المغلوب من أعلاه فلا يجد معالجة ولا حراكاً. وهو تمثيل بديع ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون {وإنّا فوقهم قاهرون} [الأعراف: 127].
ولا يفهم من ذلك جهة هي في علوّ كما قد يتوهّم، فلا تعدّ هذه الآية من المتشابهات.
والعباد: هم المخلوقون من العقلاء، فلا يقال للدوابّ عباد الله، وهو في الأصل جمع عبد لكن الاستعمال خصّه بالمخلوقات، وخصّ العبيد بجمع عبد بمعنى المملوك.
ومعنى القهر فوق العباد أنّه خالق ما لا يدخل تحت قُدرهم بحيث يوجدُ ما لا يريدون وجوده كالموت، ويمنع ما يريدون تحصيله كالولد للعقيم والجهل بكثير من الأشياء، بحيث إنّ كلّ أحد يجد في نفسه أموراً يستطيع فعلها وأموراً لا يستطيع فعلها وأموراً يفعلها تارة ولا يستطيع فعلها تارة، كالمشي لمن خَدِرت رجله؛ فيعلم كلّ أحد أنّ الله هو خالق القُدر والاستطاعات لأنّه قد يمنعها، ولأنّه يخلق ما يخرج عن مقدور البشر، ثم يقيس العقل عوالم الغيب على عالم الشهادة. وقد خلق الله العناصر والقوى وسلّط بعضها على بعض فلا يستطيع المدافعة إلاّ ما خوّلها الله.
والحكيم: المحكم المتقن للمصنوعات، فعيل بمعنى مفعل، وقد تقدّم في قوله: {فاعلموا أنّ الله عزيز حكيم} في سورة [البقرة: 209] وفي مواضع كثيرة.
والخبير: مبالغة في اسم الفاعل من (خَبَر) المتعدّي، بمعنى (علم)، يقال: خبر الأمر، إذا علمه وجرّبه. وقد قيل: إنّه مشتقّ من الخَبر لأنّ الشيء إذا علم أمكن الإخبار به.
{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)}
انتقال من الاستدلال على إثبات ما يليق بالله من الصفات، إلى إثبات صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى جعْللِ الله حكماً بينه وبين مكذّبيه، فالجملة استئناف ابتدائي، ومناسبة الانتقال ظاهرة.
روى الواحدي في «أسباب النزول» عن الكلبي: أنّ رؤساء مكّة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً مصدّقَك بما تقول، وقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس عندهم ذكرُك ولا صفتك فأرِنا من يشهد أنّك رسول الله. فنزلت هذه الآية.
وقد ابتدئت المحاورة بأسلوب إلقاء استفهام مستعمل في التقرير على نحو ما بيّنته عند قوله تعالى: {قل لمن ما في السماوات والأرض} [الأنعام: 12] ومثل هذا الأسلوب لإعداد السامعين لتلقّي ما يرد بعد الاستفهام.
و (أي) اسم استفهام يطلب به بيان أحد المشتركات فيما أضيف إليه هذا الاستفهام، والمضاف إليه هنا هو {شيء} المفسّر بأنَّه من نوع الشهادة.
و {شَيء} اسم عامّ من الأجناس العالية ذات العموم الكثير، قيل: هو الموجود، وقيل: هو ما يعلم ويصحّ وجوده. والأظهر في تعريفه أنّه الأمر الذي يعلم. ويجري عليه الإخبار سواء كان موجوداً أو صفة موجود أو معنى يتعقّل ويتحاور فيه، ومنه قوله تعالى: {فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا وكنّا تراباً ذلك رجْع بعيد} [ق: 2، 3].
وقد تقدّم الكلام على مواقع حسن استعمال كلمة (شيء) ومواقع ضعفها عند قوله تعالى: {ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع} في سورة [البقرة: 155].
({وأكبَرُ} هنا بمعنى أقوى وأعدل في جنس الشهادات، وهو من إطلاق ما مدلوله عظم الذات على عظم المعنى، كقوله تعالى: {ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72] وقوله: {قل قتال فيه كبير} وقد تقدّم في سورة [البقرة: 217].
وقوة الشهادة بقوة اطمئنان النفس إليها وتصديق مضمونها.
وقوله: شهادة} تمييز لنسبة الأكبرية إلى الشيء فصار ماصْدق الشيء بهذا التمييز هو الشهادة. فالمعنى: أيّة شهادة هي أصدق الشهادات، فالمستفهم عنه بِ {أي} فرد من أفراد الشهادات يطلب عِلم أنَّه أصدق أفراد جنسه.
والشهادة تقدّم بيانها عند قوله تعالى: {شهادة بينكم} في سورة [المائدة: 106].
ولمّا كانت شهادة الله على صدق الرسول غير معلومة للمخاطبين المكذّبين بأنّه رسول الله، صارت شهادة الله عليهم في معنى القسم على نحو قوله تعالى: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الكاذبين} [النور: 8] أي أن تُشهد الله على كذب الزوج، أي أن تحلف على ذلك بسم الله، فإنّ لفظ (أشهد الله) من صيغ القسم إلاّ أنّه إن لم يكن معه معنى الإشهاد يكون مجازاً مرسلاً، وإن كان معه معنى الإشهاد كما هنا فهو كناية عن القسم مراد منه معنى إشهاد الله عليهم، وبذلك يظهر موقع قوله: {الله شهيد بيني وبينكم}، أي أشهده عليكم.
وقريب منه ما حكاه الله عن هود {قال إنّي أشهد الله} [هود: 54].
وقوله: {قل الله شهيد بيني وبينكم} جواب للسؤال، ولذلك فصلت جملته المصدّرة ب {قل}. وهذا جواب أمر به المأمور بالسؤال على معنى أن يسأل ثم يبادر هو بالجواب لكون المراد بالسؤال التقرير وكون الجواب ممّا لا يسع المقرّر إنكاره، على نحو ما بيّنّاه في قوله: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} [الأنعام: 12] ووقع قوله: {الله شهيد بيني وبينكم} جواباً على لسانهم لأنّه مرتّب على السؤال وهو المقصود منه فالتقدير: قل شهادة الله أكبر شهادة، فالله شهيد بيني وبينكم، فحذف المرتّب عليه لدلالة المرتّب إيجازاً كما هو مقتضى جزالة أسلوب الإلجاء والجدل. والمعنى: أنّي أشهد الله الذي شهادته أعظم شهادة أنّني أبلغتكم أنّه لا يرضى بأن تشركوا به وأنذرتكم.
وفي هذه الآية ما يقتضي صحة إطلاق اسم (شيء) على الله تعالى لأنّ قوله: {الله شهيد} وقع جواباً عن قوله: {أي شيء} فاقتضى إطلاق اسم (شيء) خبراً عن الله تعالى وإن لم يدلّ صريحاً. وعليه فلو أطلقه المؤمن على الله تعالى لما كان في إطلاقه تجاوز للأدب ولا إثم. وهذا قول الأشعرية خلافاً لجهم بن صفوان وأصحابه.
ومعنى: {شهيد بيني وبينكم} أنّه لمّا لم تنفعهم الآيات والنذر فيرجعوا عن التكذيب والمكابرة لم يبق إلاّ أن يكلهم إلى حساب الله تعالى. والمقصود: إنذارهم بعذاب الله في الدنيا والآخرة. ووجه ذكر {بيني وبينكم} أنّ الله شهيد له، كما هو مقتضى السياق. فمعنى البيْن أنّ الله شهيد للرسول صلى الله عليه وسلم بالصدق لردّ إنكارهم رسالته كما هو شأن الشاهد في الخصومات.
وقوله: {وأوحي إليّ هذا القرآن} عطف على جملة {الله شهيد بيني وبينكم}، وهو الأهمّ فيما أقسم عليه من إثبات الرسالة. وينطوي في ذلك جميع ما أبلغهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما أقامه من الدلائل. فعطف {وأوحي إلي هذا القرآن} من عطف الخاصّ على العامّ، وحُذف فاعل الوحي وبني فعله للمجهول للعلم بالفاعل الذي أوحاه إليه وهو الله تعالى.
والإشارة ب {هذا القرآن} إلى ما هو في ذهن المتكلّم والسامع. وعطف البيان بعد اسم الإشارة بيَّن المقصود بالإشارة.
واقتصر على جعل علّة نزول القرآن للنذارة دون ذكر البشارة لأنّ المخاطبين في حال مكابرتهم التي هي مقام الكلام لا يناسبهم إلاّ الإنذار، فغاية القرآن بالنسبة إلى حالهم هي الإنذار، ولذلك قال {لأنذركم به} مصرَّحاً بضمير المخاطبين. ولم يقل: لأنذر به، وهم المقصود ابتداء من هذا الخطاب وإن كان المعطوف على ضميرهم ينذر ويبشّر. على أنّ لام العلّة لا تؤذن بانحصار العلّة في مدخولها إذ قد تكون للفعل المعدّى بها علل كثيرة.
{ومن بلغ} عطف على ضمير المخاطبين، أي ولأنذر به من بلغه القرآن وسمعه ولو لم أشافهه بالدعوة، فحذف ضمير النصب الرابط للصلة لأنّ حذفه كثير حسن، كما قال أبو علي الفارسي.
وعموم {مَن} وصلتها يشمل كلّ من يبلغه القرآن في جميع العصور.
{أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله ءَالِهَةً أخرى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله واحد وَإِنَّنِى بَرِئ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.
جملة مستأنفة من جملة القول المأمور بأن يقوله لهم. فهي استئناف بعد جملة {أيّ شيء أكبر شهادة}. خصّ هذا بالذكر لأنّ نفي الشريك لله في الإلهية هو أصل الدعوة الإسلامية فبعد أن قرّرهم أنّ شهادة الله أكبر شهادة وأشهد الله على نفسه فيما بلّغ، وعليهم فيما أعرضوا وكابروا؛ استأنف استفهاماً على طريقة الإنكار استقصاء في الإعذار لهم فقال: أتشهدون أنتم على ما أصررتم عليه أنّ مع الله آلهة أخرى كما شهدت أنا على ما دعوتكم إليه، والمقرّر عليه هنا أمر ينكرونه بدلالة المقام.
وإنّما جعل الاستفهام المستعمل في الإنكار عن الخبر الموكّد ب (إنّ) ولام الابتداء ليفيد أنّ شهادتهم هذه ممَّا لا يكاد يصدَّق السامعون أنّهم يشهدونها لاستبعاد صدورها من عقلاء، فيحتاج المخبر عنهم بها إلى تأكيد خبره بمؤكّديْن فيقول: إنّهم ليشهدون أنّ مع الله آلهة أخرى، فهنالك يحتاج مخاطبهم بالإنكار إلى إدخال أداة الاستفهام الإنكاري على الجملة التي من شأنها أن يحكى بها خبرهم، فيفيد مثلُ هذا التركيب إنكارين: أحدهما صريح بأداة الإنكار، والآخر كنائي بلازم تأكيد الإخبار لغرابة هذا الزعم بحيث يشكّ السامع في صدوره منهم.
ومعنى {لتشهدون} لتدّعونا دعوى تحقَّقونها تحقيقاً يشبه الشهادة على أمر محقّق الوقوع، فإطلاق {تشهدون} مشاكلة لقوله {قل الله شهيد بيني وبينكم}.
والآلهة جمع إله، وأجري عليه الوصف بالتأنيث تنبيهاً على أنّها لا تعقل فإنّ جمع غير العاقل يكون وصفه كوصف الواحدة المؤنّثة.
وقوله: {قل لا أشهد} جواب للاستفهام الذي في قوله: {أإنّكم لتشهدون} لأنّه بتقدير: قل أإنّكم، ووقعت المبادرة بالجواب بتبرّئ المتكلّم من أن يشهد بذلك لأنّ جواب المخاطبين عن هذا السؤال معلوم من حالهم أنّهم مقرّون به فأعرض عنهم بعد سؤالهم كأنّه يقول: دعْنا من شهادتكم وخذوا شهادتي فإنّي لا أشهد بذلك. ونظير هذا قوله تعالى: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} [الأنعام: 15].
وجملة: {قل إنّما هو إله واحد} بيان لجملة {لا أشهد} فلذلك فصلت لأنّها بمنزلة عطف البيان، لأنّ معنى لا أشهد بأنّ معه آلهة هو معنى أنّه إله واحد، وأعيد فعل القول لتأكيد التبليغ.
وكلمة {إنّما} أفادت الحصر، أي هو المخصوص بالوحدانية: ثم بالغ في إثبات ذلك بالتبرّئ من ضدّه بقوله: {وإنّني بريء ممَّا تشركون}. وفيه قطع للمجادلة معهم على طريقة المتاركة.
و (ما) في قوله: {ممّا تشركون} يجوز كونها مصدرية، أي من إشراككم. ويجوز كونها موصولة، وهو الأظهر، أي من أصنامكم التي تشركون بها، وفيه حذف العائد المجرور لأنّ حرف الجرّ المحذوف مع العائد متعيّن تقديره بلا لبس، وذلك هو ضابط جواز حذف العائد المجرور، كقوله تعالى: {أنسجد لما تأمرنا} [الفرقان: 60] أي بتعظيمه، وقوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر} أي بالجهر به. وظاهر كلام «التسهيل» أنّ هذا ممنوع، وهو غفلة من مؤلّفه اغترّ بها بعض شرّاح كتبه.
{الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)}
جملة مستأنفة انتقل بها أسلوب الكلام من مخاطبة الله المشركين على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إخبار عامّ كسائر أخبار القرآن. أظهر الله دليلاً على صدق الرسول فيما جاء به بعد شهادة الله تعالى التي في قوله {قل الله شهيد بيني وبينكم} [الأنعام: 19]، فإنّه لمَّا جاء ذكر القرآن هنالك وقع هذا الانتقال للاستشهاد على صدق القرآن المتضمّن صدق من جاء به، لأنّه هو الآية المعجزة العامَّة الدائمة. وقد علمت آنفاً أنّ الواحدي ذكر أنّ رؤساء المشركين قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم قد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس عندهم ذكرك ولا صفتك إلى آخره؛ فإذا كان كذلك كان التعرّض لأهل الكتاب هنا إبطالاً لما قالوه أنّه ليس عندهم ذكر النبي ولا صفته، أي فهم وأنتم سواء في جحد الحقّ، وإن لم تجعل الآية مشيرة إلى ما ذكر في أسباب النزول تعيّن أن تجعل المراد بِ {الذين آتيناهم الكتاب} بعض أهل الكتاب، وهم المنصفون منهم مثل عبد الله بن سلام ومخيريق، فقد كان المشركون يقدُرون أهل الكتاب ويثقون بعلمهم وربما اتّبع بعض المشركين دين أهل الكتاب وأقلعوا عن الشرك مثل ورقة بن نوفل، فلذلك كانت شهادتهم في معرفة صحّة الدين موثوقاً بها عندهم إذا أدّوها ولم يكتموها. وفيه تسجيل على أهل الكتاب بوجوب أداء هذه الشهادة إلى الناس.
فالضمير المنصوب في قوله: {يعرفونه} عائد إلى القرآن الذي في قوله: {وأوحي إليّ هذا القرآن} [الأنعام: 19]. والمراد أنَّهم يعرفون أنّه من عند الله ويعرفون ما تضمّنه ممّا أخبرت به كتبهم، ومن ذلك رسالة من جاء به، وهو محمد صلى الله عليه وسلم لما في كتبهم من البشارة به. والمراد بالذين أوتوا الكتاب علماء اليهود والنصارى كقوله تعالى: {قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43].
والتشبيه في قوله: {كما يعرفون أبناءهم} تشبيه المعرفة بالمعرفة. فوجه الشبه هو التحقّق والجزم بأنّه هو الكتاب الموعود به، وإنّما جعلت المعرفة المشبّه بها هي معرفة أبنائهم لأن المرء لا يضلّ عن معرفة شخص ابنه وذاته إذا لقيه وأنّه هو ابنه المعروف، وذلك لكثرة ملازمة الأبناء آباءهم عرفاً.
وقيل: إنّ ضمير {يعرفونه} عائد إلى التوحيد المأخوذ من قوله: {إنّما هو إله واحد} [الأنعام: 19] وهذا بعيد. وقيل: الضمير عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أنّه لم يجر له ذكر فيما تقدّم صريحاً ولا تأويلاً. ويقتضي أن يكون المخاطب غير الرسول صلى الله عليه وسلم وهو غير مناسب على أنّ في عوده إلى القرآن غنية عن ذلك مع زيادة إثباته بالحجَّة وهي القرآن.
وقوله: {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} استئناف لزيادة إيضاح تصلّب المشركين وإصرارهم، فهم المراد بالذين خسروا أنفسهم كما أريدوا بنظيره السابق الواقع بعد قوله {ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} [النساء: 87]. فهذا من التكرير للتسجيل وإقامة الحجَّة وقطع المعذرة، وأنّهم مصرّون على الكفر حتى ولو شهد بصدق الرسول أهل الكتاب، كقوله {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم} [الأحقاف: 10]. وقيل: أريد بهم أهل الكتاب، أي الذين كتموا الشهادة، فيكون {الذين خسروا} بدلاً من {الذين آتيناهم الكتاب}.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)}
عطف على جملة {الذين خسروا أنفسهم} [الأنعام: 20]. فالمراد بهم المشركون مثل قوله: {ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} وقد تقدَّم نظيره في سورة البقرة (114). والمراد بافترائهم عقيدة الشرك في الجاهلية بما فيها من تكاذيب، وبتكذيبهم الآيات تكذيبهم القرآن بعد البعثة. وقد جعل الآتي بواحدة من هاتين الخصلتين أظلم الناس فكيف بمن جمعوا بينهما.
وجملة: إنّه لا يفلح الظالمون} تذييل، فلذلك فصلت، أي إذا تحقّق أنّهم لا أظلم منهم فهم غير مفلحين، لأنّه لا يفلح الظالمون فكيف بمن بلغ ظلمه النهاية، فاستغنى بذكر العلّة عن ذكر المعلول.
وموقع (إنّ) في هذا المقام يفيد معنى التعليل للجملة المحذوفة، كما تقرّر في كلام عبد القاهر. وموقع ضمير الشأن معها أفاد الاهتمام بهذا الخبر اهتمام تحقيق لتقع الجملة الواقعة تفسيراً له في نفس السامع موقع الرسوخ.
والافتراء الكذب المتعمّد. وقوله: {كذباً} مصدر مؤكَّد له، وهو أعمّ من الافتراء. والتأكيد يحصل بالأعم، كما قدّمناه في قوله تعالى: {ولكنّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب} في سورة المائدة (103)، وقد نفى فلاحهم فعمّ كلّ فلاح في الدنيا والآخرة، فإنّ الفلاح المعتدّ به في نظر الدين في الدنيا هو الإيمان والعمل، وهو سبب فلاح الآخرة.
{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}
عطف على جملة: {ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً} [الأنعام: 21]، أو على جملة {إنّه لا يفلح الظالمون} [الأنعام: 21]، فإنّ مضمون هذه الجمل المعطوفة له مناسبة بمضمون جملة {ومن أظلم} ومضمون جملة {إنّه لا يفلح الظالمون}، لأنّ مضمون هذه من آثار الظلم وآثار عدم الفلاح، ولأنّ مضمون الآية جامع للتهديد على الشرك والتكذيب ولإثبات الحشر ولإبطال الشرك.
وانتصب {يومَ} على الظرفية، وعامله محذوف، والأظهر أنّه يقدّر ممَّا تدلّ عليه المعطوفات وهي: نقول، أو قالوا، أو كذّبوا، أو ضلّ، وكلّها صالحة للدلالة على تقدير المحذوف، وليست تلك الأفعال متعلّقاً بها الظرف بل هي دلالة على المتعلّق المحذوف، لأنّ المقصود تهويل ما يحصل لهم يوم الحشر من الفتنة والاضطراب الناشئين عن قول الله تعالى لهم: {أين شركاؤكم}، وتصوير تلك الحالة المهولة.
وقدّر في «الكشاف» الجواب ممَّا دلّ عليه مجموع الحكاية. وتقديره: كان ما كان، وأنَّ حذفه مقصود به الإبهام الذي هو داخل في التخويف. وقد سلك في هذا ما اعتاده أئمَّة البلاغة في تقدير المحذوفات من الأجوبة والمتعلّقات. والأحسن عندي أنّه إنَّما يصار إلى ذلك عند عدم الدليل في الكلام على تعيين المحذوف وإلاّ فقد يكون التخويف والتهويل بالتفصيل أشدّ منه بالإبهام إذا كان كلّ جزء من التفصيل حاصلاً به تخويف. وقدّر بعض المفسّرين: اذكر يوم نحشرهم. ولا نكتة فيه. وهنالك تقديرات أخرى لبعضهم لا ينبغي أن يعرّج عليها.
والضمير المنصوب في {نحشرهم} يعود إلى {من افترى على الله كذباً} [الأنعام: 21] أو إلى {الظالمون} [الأنعام: 21] إذ المقصود بذلك المشركون، فيؤذن بمشركين ومشرَك بهم. وللتنبيه على أنّ الضمير عائد إلى المشركين وأصنامهم جيء بقوله: {جميعاً} ليدلَّ على قصد الشمول، فإنَّ شمول الضمير لجميع المشركين لا يتردّد فيه السامع حتى يحتاج إلى تأكيده باسم الإحاطة والشمول، فتعيّن أنّ ذكر {جميعاً} قصد منه التنبيه. على أنّ الضمير عائد إلى المشركين وأصنامهم، فيكون نظير قوله: {ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم} [يونس: 28] وقوله: {ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله} [الفرقان: 17] وانتصب {جميعاً} هنا على الحال من الضمير.
والمقصود من حشر أصنامهم معهم أن تظهر مذلّة الأصنام وعدم جدواها كما يحشر الغالب أسرى قبيلة ومعهم من كانوا ينتصرون به، لأنّهم لو كانوا غائبين لظنّوا أنّهم لو حصروا لشفعوا، أو أنّهم شغلوا عنهم بما هم فيه من الجلالة والنعيم، فإنّ الأسرى كانوا قد يأملون حضور شفائعهم أو من يفاديهم. قال النابغة:
يأملْن رحلة نصر وابن سيّار ***
وعطف {نقولُ} بِ {ثم} لأنّ القول متأخّر عن زمن حشرهم بمهلة لأنّ حصّة انتظار المجرم ما سيحلّ به أشدّ عليه، ولأنّ في إهمال الاشتغال بهم تحقيراً لهم.
وتفيد {ثم} مع ذلك الترتيب الرتبي.
وصرّح بِ {الذين أشركوا} لأنّهم بعض ما شمله الضمير، أي ثم نقول للذين أشركوا من بين ذلك الجمع.
وأصل السؤال ب {أين} أنَّه استفهام عن المكان الذي يحلّ فيه المسند إليه، نحو: أين بيتك، وأين تذهبون. وقد يسأل بها عن الشيء الذي لا مكان له، فيراد الاستفهام عن سبب عدمه، كقول أبي سعيد الخدري لمروان بن الحكم حين خرج يوم العيد فقصد المنبر قبل الصلاة {أين تقديم الصلاة}. وقد يسأل ب {أين} عن عمل أحد كان مرجوّاً منه، فإذا حضر وقته ولم يحصل منه يسأل عنه بِ {أين}، كأنّ السائل يبحث عن مكانه تنزيلاً له منزلة الغائب المجهول مكانه؛ فالسؤال ب {أين} هنا عن الشركاء المزعومين وهم حاضرون كما دلّت عليه آيات أخرى. قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله} [الصافات: 22].
والاستفهام توبيخي عمّا كان المشركون يزعمونه من أنّها تشفع لهم عند الله، أو أنّها تنصرهم عند الحاجة، فلمّا رأوها لا غناء لها قيل لهم: أين شركاؤكم، أي أين عملهم فكأنّهم غُيّب عنهم.
وأضيف الشركاء إلى ضمير المخاطبين إضافة اختصاص لأنّهم الذين زعموا لهم الشركة مع الله في الإلهية فلم يكونوا شركاء إلاّ في اعتقاد المشركين، فلذلك قيل {شركاؤكم}. وهذا كقول أحد أبطال العرب لعَمرو بن معد يكرب لمّا حدّث عمرو في جمع أنّه قتله، وكان هو حاضراً في ذلك الجمع، فقال له: «مَهْلاً أبا ثور قتيلك يسمع»، أي المزعوم أنّه قتيلك.
ووصفوا ب {الذين كنتم تزعمون} تكذيباً لهم؛ وحذف المفعول الثاني ل {تزعمون} ليعمّ كلّ ما كانوا يزعمونه لهم من الإلهية والنصر والشفاعة؛ أمّا المفعول الأول فحذف على طريقة حذف عائد الصلة المنصوب.
والزعم: ظنّ يميل إلى الكذب أو الخطأ أو لغرابته يتّهم صاحبه، فيقال: زعم، بمعنى أنّ عهدة الخبر عليه لا على الناقل، وتقدّم عند قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون} الآية في سورة [النساء: 60]. وتأتي زيادة بيان لمعنى الزعم عند قوله تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا} في سورة [التغابن: 7].
وقوله: ثم لم تكن فتنتهم} عطف على جملة {ثم نقول} و(ثم) للترتيب الرتبي وهو الانتقال من خبر إلى خبر أعظم منه.
والفتنة أصلها الاختبار، من قولهم: فتنَ الذهَب إذا اختبر خلوصه من الغلْث. وتطلق على اضطراب الرأي من حصول خوف لا يصبر على مثله، لأنّ مثل ذلك يدلّ على مقدار ثبات من يناله، فقد يكون ذلك في حالة العيش؛ وقد يكون في البغض والحبّ؛ وقد يكون في الاعتقاد والتفكير وارتباك الأمور. وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: {إنّما نحن فتنة فلا تكفر} في سورة [البقرة: 102].
{وفتنتهم} هنا استثني منها {أن قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين}، فذلك القول إمّا أن يكون من نوع ما استثني هو منه المحذوف في تفريغ الاستثناء، فيكون المستثنى منه من الأقوال الموصوفة بأنّها فتنة.
فالتقدير: لم يكن لهم قول هو فتنة لهم إلاّ قولهم {والله ربّنا ما كنا مشركين}.
وإمّا أن يكون القول المستثنى دالاً على فتنتهم، أي على أنّهم في فتنة حين قالوه. وأيّاً ما كان فقولهم: {والله ربّنا ما كنّا مشركين} متضمّن أنّهم مفتونون حينئذٍ.
وعلى ذلك تحتمل الفتنة أن تكون بمعنى اضطراب الرأي والحيرة في الأمر، ويكون في الكلام إيجاز. والتقدير: فافتتنوا في ماذا يجيبون، فكان جوابهم أن قالوا: {والله ربّنا ما كنّا مشركين} فعدل عن المقدّر إلى هذا التركيب لأنّه قد علم أنّ جوابهم ذلك هو فتنتهم لأنّه أثرها ومظهرها.
ويحتمل أن يراد بالفتنة جوابهم الكاذب لأنّه يفضي إلى فتنة صاحبه، أي تجريب حالة نفسه.
ويحتمل أن تكون أطلقت على معناها الأصلي وهو الاختبار. والمراد به السؤال لأنّ السؤال اختبار عمّا عند المسؤول من العلم، أو من الصدق وضدّه، ويتعيّن حينئذٍ تقدير مضاف، أي لم يكن جواب فتنتهم، أي سؤالهم عن حال إشراكهم إلاّ أن قالوا: {والله ربّنا ما كنّا مشركين}.
وقرأ الجمهور {لم تكن} بتاء تأنيث حرف المضارعة. وقرأه حمزة، والكسائي، ويعقوب بياء المضارعة للغائبة باعتبار أنّ {قالوا} هو اسم (كان). وقرأ الجمهور {فتنتهم} بالنصب على أنّه خبر (كان)، فتكون (كان) ناقصة واسمها {إلاّ أن قالوا} وإنّما أخّر عن الخبر لأنّه محصور.
وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم بالرفع على أنّه اسم (كان) و{أنْ قالوا} خبر (كان)، فتجعل (كان) تامّة. والمعنى لم توجد فتنة لهم إلاّ قولهم: {والله ربّنا ما كنّا مشركين}، أي لم تقع فتنتهم إلاّ أن نفوْا أنّهم أشركوا.
ووجه اتّصال الفعل بعلامة مضارعة للمؤنّث على قراءة نصب {فتنتهم} هو أنّ فاعله مؤنَّث تقديراً، لأنّ القول المنسبك من (أن) وصلتها من جملة الفتنة على أحد التأويلين. قال أبو علي الفارسي: وذلك نظير التأنيث في اسم العدد في قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160]، لأنّ الأمثال لمّا كانت في معنى الحسنات أنّث اسم عددها.
وقرأ الجمهور {ربّنا} بالجرّ على الصفة لاسم الجلالة. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بالنصب على النداء بحذف حرفه.
وذكرُهم الربّ بالإضافة إلى ضميرهم مبالغة في التنصّل من الشرك، أي لا ربّ لنا غيره. وقد كذّبوا وحلفوا على الكذب جرياً على سننهم الذي كانوا عليه في الحياة، لأنّ المرء يحشر على ما عاش عليه، ولأنّ الحيرة والدهش الذي أصابهم خيّل إليهم أنّهم يموّهون على الله تعالى فيتخلّصون من العقاب. ولا مانع من صدور الكذب مع ظهور الحقيقة يومئذٍ، لأنّ الحقائق تظهر لهم وهم يحسبون أنّ غيرهم لا تظهر له، ولأنّ هذا إخبار منهم عن أمر غائب عن ذلك اليوم فإنّهم أخبروا عن أمورهم في الدنيا.
وفي «صحيح البخاري»: أنّ رجلاً قال لابن عباس: إنِّي أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، فذكر منها قوله: {ولا يكتمون الله حديثاً} [النساء: 42] وقوله: {والله ربّنا ما كنّا مشركين}. فقد كتموا في هذه الآية. فقال ابن عباس: إنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون تعالوا نقل: ما كنّا مشركين، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرفوا أنّ الله لا يُكتم حديثاً.
وقوله: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} جعل حالهم المتحدّث عنه بمنزلة المشاهد، لصدوره عمّن لا خلاف في أخباره، فلذلك أمر سامعه أو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يدلّ على النظر إليه كأنّه مشاهد حاضر.
والأظهر أنّ {كيف} لمجرّد الحال غير دالّ على الاستفهام. والنظر إلى الحالة هو النظر إلى أصحابها حين تكيّفهم بها. وقد تقدّمت له نظائر منها قوله تعالى: {انظر كيف يفترون على الله الكذب} في سورة [النساء: 50]. وجعل كثير من المفسّرين النظر هنا نظراً قلبياً فإنّه يجيء كما يجيء فعل الرؤية فيكون معلّقاً عن العمل بالاستفهام، أي تأمّل جواب قول القائل: كيف يفترون على الله الكذب تجده جواباً واضحاً بيّناً.
ولأجل هذا التحقّق من خبر حشرهم عبّر عن كذبهم الذي يحصل يوم الحشر بصيغة الماضي في قوله: كذبوا على أنفسهم}. وكذلك قوله {وضلّ عنهم ما كانوا يفترون}.
وفعل (كذب) يعدّى بحرف (على) إلى من يخبّر عنه الكاذب كذباً مثل تعديته في هذه الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم {من كذب عليّ معتمداً فليتبوّأ مقعده من النار}، وأمّا تعديته إلى من يخبره الكاذب خبراً كذباً فبنفسه، يقال: كذبك، إذا أخبرك بكذب.
وضلّ بمعنى غاب كقوله تعالى: {ضلَلْنا في الأرض} [السجدة: 10]، أي غيّبنا فيها بالدفن. و{ما} موصولة و{يفترون} صلتها، والعائد محذوف، أي يختلقونه وماصْدق ذلك هو شركاؤهم. والمراد: غيبة شفاعتهم ونصرهم لأنّ ذلك هو المأمول منهم فلمّا لم يظهر شيء من ذلك نُزّل حضورهم منزلة الغيبة، كما يقال: أُخِذتَ وغاب نصيرك، وهو حاضر.
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)}
عطف جملة ابتدائية على الجمل الابتدائية التي قبلها من قوله: {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} [الأنعام: 20].
والضمير المجرور ب {من} التبعيضية عائد إلى المشركين الذين الحديث معهم وعنهم ابتداء من قوله: {ثم الذين كفروا بربِّهم يعدلون} [الأنعام: 1]، أي ومن المشركين من يستمع إليك. وقد انتقل الكلام إلى أحواللِ خاصّة عقلائهم الذين يربأون بأنفسهم عن أن يقابلوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل ما يقابله به سفهاؤهم من الإعراض التامّ، وقولِهم: {قلوبنا في أكنّة ممّا تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} [فصلت: 5]. ولكن هؤلاء العقلاء يتظاهرون بالحلم والأناة والإنصاف ويخيّلون للدهماء أنّهم قادرون على مجادلة الرسول عليه الصلاة والسلام وإبطال حججه ثم ينهون الناس عن الإيمان. روى الواحدي عن ابن عبّاس أنّه سمّى من هؤلاء أبا سفيان بن حرب، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا جهل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأمية وأبيّا ابني خلف، اجتمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون القرآن فلمّا سمعوه قالوا للنضر: ما يقول محمد فقال: والذي جعلها بيته (يعني الكعبة) ما أدري ما يقول إلاّ أنِّي أرى تحرّك شفتيه فما يقول إلاّ أساطير الأولين مثل ما كنت أحدّثكم عن القرون الماضية. يعني أنّه قال ذلك مكابرة منه للحقّ وحسداً للرسول عليه الصلاة والسلام. وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى. وكان يحدّث قريشاً عن أقاصيص العجم، مثل قصة (رستم) و(إسفنديار) فيستملحون حديثه، وكان صاحب أسفار إلى بلاد الفرس، وكان النضر شديد البغضاء للرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي أهدر الرسول عليه الصلاة والسلام دمه فقتل يوم فتح مكّة. وروي أنّ أبا سفيان قال لهم: إنِّي لأراه حقّاً. فقال له أبو جهل: كلاّ. فوصف الله حالهم بهذه الآية. وقد نفع الله أبا سفيان بن حرب بكلمته هذه، فأسلم هو دونهم ليلة فتح مكّة وثبتت له فضيلة الصحبة وصهر النبي صلى الله عليه وسلم ولزوجه هند بنت عتبة بن ربيعة.
و {الأكنّة} جمع كنان بكسر الكاف و(أفعلة) يتعيّن في (فِعال) المكسور الفاء إذا كان عينه ولامه مثلين. والكنان: الغطاء، لأنّه يكنّ الشيء، أي يستره. وهي هنا تخييل لأنّه شبَّهت قلوبهم في عدم خلوص الحقّ إليها بأشياء محجوبة عن شيء. وأثبتت لها الأكنّة تخييلاً، وليس في قلب أحدهم شيء يشبه الكنان.
وأسند جعل تلك الحالة في قلوبهم إلى الله تعالى لأنّه خلقهم على هذه الخصلة الذميمة والتعقّل المنحرف، فهم لهم عقول وإدراك لأنّهم كسائر البشر، ولكن أهواءهم تخيّر لهم المنع من اتِّباع الحقّ، فلذلك كانوا مخاطبين بالإيمان مع أنّ الله يعلم أنّهم لا يؤمنون إذ كانوا على تلك الصفة، على أنّ خطاب التكليف عامّ لا تعيين فيه لأناس ولا استثناء فيه لأناس.
فالجعل بمعنى الخلق وليس للتحويل من حال إلى حال. وقد مات المسمّون كلّهم على الشرك عدا أبا سفيان فإنّه شهد حينئذٍ بأنّ ما سمعه حقّ، فدلّت شهادته على سلامة قلبه من الكنان.
والضمير المنصوب في {أن يفقهوه} عائد إلى القرآن المفهوم من قوله {يستمع إليك}. وحذف حرف الجرّ. والتقدير: من أن يفقهوه، ويتعلّق ب {أكنّة} لما فيه من معنى المنع، أي أكنّة تمنع من أن يفهموا القرآن.
والوَقر بفتح الواو الصمم الشديد وفعله كوعد ووجد يستعمل قاصراً، يقال: وقرت أذنه، ومتعدّياً يقال: وقر الله أذنه فوقرت. والوقر مصدر غير قياسي ل (وقرت) أذنه، لأنّ قياس مصدره تحريك القاف، وهو قياسي ل (وقر) المتعدّي، وهو مستعار لعدم فهم المسموعات. جعل عدم الفهم بمنزلة الصمم ولم يذكر للوقر متعلّق يدلّ على الممنوع بوقر آذانهم لظهور أنّه من أن يسمعوه، لأنّ الوقر مؤذن بذلك، ولأنّ المراد السمع المجازي وهو العلم بما تضمّنه المسموع.
وقوله: {على قلوبهم}، وقوله: {في آذانهم} يتعلّقان بِ {جعلنا}. وقدّم كلّ منهما على مفْعول {جعلنا} للتنبيه على تعلّقه به من أول الأمر.
فإن قلت: هل تكون هاته الآية حجّة للذين قالوا من علمائنا: إنّ إعجاز القرآن بالصَّرْفة، أي أعجز الله المشركين عن معارضته بأن صرفهم عن محاولة المعارضة لتقوم الحجّة عليهم، فتكون الصرفة من جملة الأكنّة التي جعل الله على قلوبهم.
قلت: لم يحتجّ بهذه الآية أصحاب تلك المقالة لأنّك قد علمت أنّ الأكنّة تخييل وأنّ الوقر استعارة وأنّ قول النضر (ما أدري ما أقول)، بُهتان ومكابرة، ولذلك قال الله تعالى: {وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها}.
وكلمة {كلّ} هنا مستعملة في الكثرة مجازاً لتعذّر الحقيقة سواء كان التعذّر عقلاً كما في هذه الآية، وقوله تعالى: {فلا تميلوا كلّ الميل} [النساء: 129]، وذلك أنّ الآيات تنحصر أفرادها لأنّها أفراد مقدّرة تظهر عند تكوينها إذ هي من جنس عامّ؛ أم كان التعذّر عادة كقول النابغة:
بها كلّ ذيّال وخنساء ترعوي *** إلى كلّ رَجّاف من الرّمل فارد
فإنّ العادة تحيل اجتماع جميع بقر الوحش في هذا الموضع.
فيتعذّر أن يرى القوم كلّ أفراد ما يصحّ أن يكون آية، فلذلك كان المراد ب {كلّ} معنى الكثرة الكثيرة، كما تقدّم في قوله تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكلّ آية} في سورة [البقرة: 145].
و {حتى} حرف موضوع لإفادة الغاية، أي أنّ ما بعدها غاية لما قبلها. وأصل {حتى} أن يكون حرف جرّ مثل (إلى) فيقع بعده اسم مفرد مدلوله غاية لما قبل (حتّى). وقد يعدل عن ذلك ويقع بعد (حتّى) جملة فتكون (حتّى) ابتدائية، أي تؤذن بابتداء كلام مضمونه غاية لكلام قبل (حتى).
ولذلك قال ابن الحاجب في «الكافية»: إنّها تفيد السببية، فليس المعنى أنّ استماعهم يمتدّ إلى وقت تجيئهم ولا أنّ جعل الأكنّة على قلوبهم والوقر في آذانهم يمتدّ إلى وقت مجيئهم، بل المعنى أن يتسبّب على استماعهم بدون فهم. وجعل الوقر على آذانهم والأكنّة على قلوبهم أنّهم إذا جاءوك جادلوك.
وسمّيت {حتى} ابتدائية لأنّ ما بعدها في حكم كلام مستأنف استئنافاً ابتدائياً. ويأتي قريب من هذا عند قوله: {قد خسر الذين كذّبوا بلقاء الله حتّى إذا جاءتهم الساعة بغتة} في هذه السورة [31]، وزيادة تحقيق لمعنى (حتّى) الابتدائية عند قوله تعالى: {فمن أظلم من افترى على الله كذباً إلى قوله حتى إذا جاءتهم رسلنا} الخ في سورة [الأعراف: 37].
{وإذا} شرطية ظرفية. و{جاءوك} شرطها، وهو العامل فيها. وجملة {يجادلونك} حال مقدّرة من ضمير {جاءوك} أي جاءوك مجادلين، أي مقدّرين المجادلة معك يظهرون لقومهم أنّهم أكفّاء لهذه المجادلة.
وجملة {يقول} جواب {إذا}، وعدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: {يقول الذين كفروا} لزيادة التسجيل عليهم بالكفر، وأنّهم ما جاءوا طالبين الحقّ كما يدّعون ولكنّهم قد دخلوا بالكفر وخرجوا به فيقولون {إن هذا إلاّ أساطير الأولين}، فهم قد عدلوا عن الجدل إلى المباهتة والمكابرة.
والأساطير جمع أسطورة بضم الهمزة وسكون السين وهي القصّة والخبر عن الماضين. والأظهر أنّ الأسطورة لفظ معرّب عن الرومية: أصله إسطوريَا بكسر الهمزة وهو القصّة. ويدلّ لذلك اختلاف العرب فيه، فقالوا: أسطورة وأسطيرة وأسطور وأسطير، كلّها بضم الهمزة وإسطارة وإسطار بكسر الهمزة. والاختلاف في حركات الكلمة الواحدة من جملة أمارات التعريب. ومن أقوالهم: «أعجميّ فالعب به ما شئْت». وأحسن الألفاظ لها أسطُورة لأنّها تصادف صيغة تفيد معنى المفعول، أي القصّة المسطورة. وتفيد الشهرة في مدلول مادّتها مثل الأعجوبة والأحدوثة والأكرومة. وقيل: الأساطير اسم جمع لا واحد له مثل أبابيل وعباديد وشَمَاطيط. وكان العرب يطلقونه على ما يتسامر الناس به من القصص والأخبار على اختلاف أحوالها من صدق وكذب. وقد كانوا لا يميِّزون بين التواريخ والقصص والخرافات فجميع ذلك مرمي بالكذب والمبالغة. فقولهم: {إن هذا إلاّ أساطير الأولين}. يحتمل أنّهم أرادوا نسبة أخبار القرآن إلى الكذب على ما تعارفوه من اعتقادهم في الأساطير. ويشتمل أنّهم أرادوا أنّ القرآن لا يخرج عن كونه مجموع قصص وأساطير، يعنون أنّه لا يستحقّ أن يكون من عند الله لأنّهم لقصور أفهامهم أو لتجاهلهم يعرضون عن الاعتبار المقصود من تلك القصص ويأخذونها بمنزلة الخرافات التي يتسامر الناس بها لتقصير الوقت. وسيأتي في سورة الأنفال أنّ من قال ذلك النضرلآالحارث، وأنّه كان يمثّل القرآن بأخبار (رستم) و(اسفنديار).
{وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)}
عطف على جملة {ومنهم من يستمع إليك}، والضميران المجروران عائدان إلى القرآن المشار إليه باسم الإشارة في قولهم: {إن هذا إلاّ أساطير الأولين} [الأنعام: 25]. ومعنى النهي عنه النهي عن استماعه. فهو من تعليق الحكم بالذات. والمراد حالة من أحوالها يعيّنها المقام. وكذلك الناي عنه معناه النأي عن استماعه، أي هم ينهون الناس عن استماعه ويتباعدون عن استماعه. قال النابغة:
لقد نَهَيتُ بني ذبيانَ عن أُقُر *** وعن تربّعهم في كلّ أصفار
يعني نهيتهم عن الرعي في ذي أقر، وهو حمى الملك النعمان بن الحارث الغسّاني.
وبين قوله: {ينهون وينأون} الجناس القريب من التمام.
والقصر في قوله: {وإنْ يهْلِكُون إلاّ أنْفسهم} قصر إضافي يفيد قلب اعتقادهم لأنّهم يظنّون بالنهي والنأي عن القرآن أنّهم يضرّون النبي صلى الله عليه وسلم لئلاّ يتّبعوه ولا يتّبعه الناس، وهم إنّما يُهلكون أنفسهم بدوامهم على الضلال وبتضليل الناس، فيحملون أوزارهم وأوزار الناس، وفي هذه الجملة تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وأنّ ما أرادوا به نكايته إنّما يضرّون به أنفسهم.
وأصل الهلاك الموت. ويطلق على المضرّة الشديدة لأنّ الشائع بين الناس أنّ الموت أشدّ الضرّ. فالمراد بالهلاك هنا ما يلقونه في الدنيا من القتل والمذلّة عند نصر الإسلام وفي الآخرة من العذاب.
والنأي: البعد. وهو قاصر لا يتعدّى إلى مفعول إلاّ بحرف جرّ، وما ورد متعدّياً بنفسه فذلك على طريق الحذف والإيصال في الضرورة.
وعقّب قوله: {وإن يهلكون إلاّ أنفسهم} بقوله: {وما يشعرون} زيادة في تحقيق الخطأ في اعتقادهم، وإظهاراً لضعف عقولهم مع أنّهم كانوا يعدّون أنفسهم قادة للناس، ولذلك فالوجه أن تكون الواو في قوله: {وما يشعرون} للعطف لا للحال ليفيد ذلك كون ما بعدها مقصوداً به الإخبار المستقلّ لأنّ الناس يعُدّونهم أعظم عقلائهم.
{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)}
الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام لأنّ في الخبر الواقع بعده تسلية له عمّا تضمّنه قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] فإنّه ابتدأ فعقّبه بقوله: {وإن يهلكون إلاّ أنفسهم} [الأنعام: 26] ثم أردفه بتمثيل حالهم يوم القيامة. ويشترك مع الرسول في هذا الخطاب كلّ من يسمع هذا الخبر.
و {لو} شرطية، أي لو ترى الآن، و{إذ} ظرفية، ومفعول {ترى} محذوف دلّ عليه ضمير {وقفوا}، أي لو تراهم، و{وقفوا} ماض لفظاً والمعنيّ به الاستقبال، أي إذ يوقفون. وجيء فيه بصيغة الماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه لصدوره عمّن لا خلاف في خبره.
ومعنى: {وقفوا على النار} أبلغوا إليها بعد سير إليها، وهو يتعدى ب {على}. والاستعلاء المستفاد ب {على} مجازي معناه قوّة الاتّصال بالمكان، فلا تدلّ (على) على أنّ وقوفهم على النار كان من أعلى النار. وقد قال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على ربّهم} [الأنعام: 30]، وأصله من قول العرب: وقفت راحلتي على زيد، أي بلغت إليه فحبسْت ناقتي عن السير. قال ذو الرمّة:
وقفتُ على ربع لميّة ناقتي *** فما زلتُ أبكي عنده وأخاطبه
فحذفوا مفعول (وقفت) لكثرة الاستعمال. ويقال: وقفه فوقف، ولا يقال: أوقفه بالهمزة.
وعطف عليه {فقالوا} بالفاء المفيدة للتعقيب، لأنّ ما شاهدوه من الهول قد علموا أنّه جزاء تكذيبهم بإلهام أوقعه الله في قلوبهم أو بإخبار ملائكة العذاب، فعجّلوا فتمنّوا أن يرجعوا.
وحرف النداء في قولهم: {يا ليتنا نردّ} مستعمل في التحسّر، لأنّ النداء يقتضي بُعد المنادى، فاستعمل في التحسّر لأنّ المتمنّى صار بعيداً عنهم، أي غير مفيد لهم، كقوله تعالى: {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله} [الزمر: 56].
ومعنى {نردّ} نرجع إلى الدنيا؛ وعطف عليه {ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين} برفع الفعلين بعد (لا) النافية في قراءة الجمهور عطفاً على {نُردّ}، فيكون من جملة ما تمنّوه، ولذلك لم ينصب في جواب التمنِّي إذ ليس المقصود الجزاء، ولأنّ اعتبار الجزاء مع الواو غير مشهور، بخلافه مع الفاء لأنّ الفاء متأصّلة في السببية. والردّ غير مقصود لذاته وإنّما تمنّوه لما يقع معه من الإيمان وترك التكذيب. وإنّما قدّم في الذكر ترك التكذيب على الإيمان لأنّه الأصل في تحصيل المتمنّى على اعتبار الواو للمعية واقعة موقع فاء السببية في جواب التمنّي.
وقرأه حمزة والكسائي {ولا نكذّب ونكونَ} بنصب الفعلين، على أنّهما منصوبان في جواب التمنِّي. وقرأ ابن عامر {ولا نكذّب} بالرفع كالجمهور، على معنى أنّ انتفاء التكذيب حاصل في حين كلامهم، فليس بمستقبل حتى يكون بتقدير (أن) المفيدة للاستقبال. وقرأ {ونكون} بالنصب على جواب التمنِّي، أي نكون من القوم الذين يعرفون بالمؤمنين.
والمعنى لا يختلف.
وقوله: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} إضراب عن قولهم {ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين}. والمعنى بل لأنّهم لم يبق لهم مطمع في الخلاص.
وبدا الشيء ظهر. ويقال: بدا له الشيء إذا ظهر له عياناً. وهو هنا مجاز في زوال الشكّ في الشيء، كقول زهير:
بدا ليَ أنّي لستُ مدرك ما مضى *** ولا سابققٍ شيئاً إذا كان جائياً
ولمّا قوبل {بدا لهم} في هذه الآية بقوله: {ما كانوا يخفون} علمنا أنّ البَداء هو ظهور أمر في أنفسهم كانوا يخفونه في الدنيا، أي خطر لهم حينئذٍ ذلك الخاطر الذي كانوا يخفونه، أي الذي كان يبدو لهم، أي يخطر ببالهم وقوعه فلا يُعلنون به فبدا لهم الآن فأعلنوا به وصرّحوا مُعترفين به. ففي الكلام احتباك، وتقديره: بل بدا لهم ما كان يبدو لهم في الدنيا فأظهروه الآن وكانوا يخفونه. وذلك أنّهم كانوا يخطر لهم الإيمان لما يرون من دلائله أو من نصر المؤمنين فيصدّهم عنه العناد والحرص على استبقاء السيادة والأنفة من الاعتراف بفضل الرسول وبسبق المؤمنين إلى الخيرات قبلهم، وفيهم ضعفاء القوم وعبيدهم، كما ذكرناه عند قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي} في هذه السورة [52]، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: {ربما يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين} في سورة [الحجر: 2]. وهذا التفسير يغني عن الاحتمالات التي تحيّر فيها المفسّرون وهي لا تلائم نظم الآية، فبعضها يساعده صدرُها وبعضها يساعدُه عجزها وليس فيها ما يساعده جميعها.
وقوله: ولو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه} ارتقاء في إبطال قولهم حتى يكون بمنزلة التسليم الجدلي في المناظرة، أي لو أجيبت أمنيتهم وردّوا إلى الدنيا لعادوا للأمر الذي كان النبي ينهاهم عنه، وهو التكذيب وإنكار البعث، وذلك لأنّ نفوسهم التي كذّبت فيما مضى تكذيب مكابرة بعد إتيان الآيات البيّنات، هي النفوس التي أرجعت إليهم يوم البعث فالعقل العقل والتفكير التفكير، وإنّما تمنّوا ما تمنّوا من شدّة الهول فتوهّموا التخلّص منه بهذا التمنِّي فلو تحقّق تمنّيهم وردّوا واستراحوا من ذلك الهول لغلبت أهواؤهم رشدَهم فنسوا ما حلّ بهم ورجعوا إلى ما ألفوا من التكذيب والمكابرة.
وفي هذا دليل على أنّ الخواطر الناشئة عن عوامل الحسّ دون النظر والدليل لا قرار لها في النفس ولا تسير على مقتضاها إلاّ ريثما يدوم ذلك الإحساس فإذا زال زال أثره، فالانفعال به يشبه انفعال العجماوات من الزّجر والسّوط ونحوهما. ويزول بزواله حتّى يعاوده مثلُه.
وقوله: {وإنّهم لكاذبون} تذييل لما قبله. جيء بالجملة الاسمية الدالّة على الدوام والثبات، أي أنّ الكذب سجيّة لهم قد تطبّعوا عليها من الدنيا فلا عجب أن يتمنّوا الرجوع ليؤمنوا فلو رجعوا لعادوا لما كانوا عليه فإنّ الكذب سجيّتهم. وقد تضمّن تمنِّيهم وعدا، فلذلك صحّ إدخاله في حكم كذبهم دخول الخاصّ في العامّ، لأنّ التذييل يؤذن بشمول ما ذيّل به وزيادة. فليس وصفهم بالكذب بعائد إلى التمنّي بل إلى ما تضمّنه من الوعد بالإيمان وعدم التكذيب بآيات الله.
{وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)}
يجوز أن يكون عطفاً على قوله {لعادوا لما نُهوا عنه} [الأنعام: 28] فيكون جواب {لوْ}، أي لو ردّوا لكذّبوا بالقرآن أيضاً، ولكذّبوا بالبعث كما كانوا مدّة الحياة الأولى. ويجوز أن تكون الجملة عطفت على جملة {يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأولين} [الأنعام: 25]، ويكون ما بين الجملتين اعتراضاً يتعلّق بالتكذيب للقرآن.
وقوله {إنْ هي} (إن) نافية للجنس، والضمير بعدها مبهم يفسّره ما بعد الاستثناء المفرّغ. قصد من إبهامه الإيجاز اعتماداً على مفسّره، والضمير لمّا كان مفسّراً بنكرة فهو في حكم النكرة، وليس هو ضمير قصّة وشأن، لأنّه لا يستقيم معه معنى الاستثناء، والمعنى إنْ الحياةُ لنا إلاّ حياتُنا الدنيا، أي انحصر جنس حياتنا في حياتنا الدنيا فلا حياة لنا غيرها فبطلت حياة بعد الموت، فالاسم الواقع بعد {إلاّ} في حكم البدل من الضمير.
وجملة: {وما نحن بمبعوثين} نفي للبعث، وهو يستلزم تأكيد نفي الحياة غير حياة الدنيا، لأنّ البعث لا يكون إلاّ مع حياة. وإنّما عطفت ولم تفصل فتكونَ موكّدة للجملة قبلها لأنّ قصدهم إبطال قول الرّسول صلى الله عليه وسلم أنّهم يحْيون حياة ثانية، وقولَه تارة أنّهم مبعوثون بعد الموت، فقصدوا إبطال كلّ باستقلاله.
{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)}
لمّا ذكر إنكارهم البعث أعقبه بوصف حالهم حين يحشرون إلى الله، وهن حال البعث الذي أنكروه.
والقول في الخطاب وفي معنى {وقفوا} وفي جواب {لو} تقدّم في نظريتها آنفاً. وتعليق {على ربّهم} بِ {وقفوا} تمثيل لحضورهم المحشر عند البعث. شبّهت حالهم في الحضور للحساب بحال عبد جنى فقُبض عليه فوُقف بين يدي ربّه. وبذلك تظهر مزية التعبير بلفظ {ربّهم} دون اسم الجلالة.
وجملة: {قال أليس هذا بالحقّ} استئناف بياني، لأنّ قوله: {ولو ترى إذ وقفوا} قد آذن بمشهد عظيم مهول فكان من حقّ السامع أن يسأل: ماذا لقوا من ربّهم، فيجاب: {قال أليس هذا بالحقّ} الآية.
والإشارة إلى البعث الذي عاينوه وشاهدوه. والاستفهام تقريري دخل على نفي الأمر المقرّر به لاختبار مقدار إقرار المسؤول، فلذلك يُسأل عن نفي ما هو واقع لأنّه إن كان له مطمع في الإنكار تذرّع إليه بالنفي الواقع في سؤال المقرِّر. والمقصود: أهذا حقّ، فإنّهم كانوا يزعمونه باطلاً. ولذلك أجابوا بالحرف الموضوع لإبطال ما قبله وهو {بَلَى} فهو يُبطل النفي فهو إقرار بوقوع المنى، أي بلى هو حقّ، وأكّدوا ذلك بالقسم تحقيقاً لاعترافهم للمعترف به لأنّه معلوم لله تعالى، أي نقِرّ ولا نشكّ فيه فلذلك نقسم عليه. وهذا من استعمال القسم لتأكيد لازم فائدة الخبر.
وفُصل {قال فذوقوا العذاب} على طريقة فصل المحاورات. والفاء للتفريع عن كلامهم، أو فاء فصيحة، أي إذ كان هذا الحقّ فذوقوا العذاب على كفركم، أي بالبعث. والباء سببية، و«ما» مصدرية، أي بسبب كفركم، أي بهذا. وذوْق العذاب استعارة لإحساسه، لأنّ الذوق أقوى الحواسّ المباشرة للجسم، فشبّه به إحساس الجلد.
{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)}
استئناف للتعجيب من حالهم حين يقعون يوم القيامة في العذاب على ما استداموه من الكفر الذي جرّأهم على استدامته اعتقادهم نفي البعث فذاقوا العذاب لذلك، فتلك حالة يستحقّون بها أن يقال فيهم: قد خسِروا وخابوا.
والخسران تقدّم القول فيه عند قوله تعالى: {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} في هذه السورة [12]. والخسارة هنا حرمان خيرات الآخرة لا الدنيا.
والذين كذّبوا بلقاء الله هم الذين حكي عنهم بقوله: {وقالوا إن هي إلاّ حياتنا الدنيا} فكان مقتضى الظاهر الإضمار تبعاً لقوله {ولو ترى إذ وقفوا على النار} [الأنعام: 27] وما بعده، بأن يقال: قد خسروا، لكن عُدل إلى الإظهار ليكون الكلام مستقلاً وليبنى عليه ما في الصلة من تفصيل بقوله: {حتّى إذا جاءتهم الساعة بغتة} الخ.
ولقاء الله هو ظهور آثار رضاه وغضبه دون تأخير ولا إمهال ولا وقاية بأسباب عادية من نظام الحياة الدنيا، فلمّا كان العالم الأخروي وهو ما بعد البعث عالم ظهور الحقائق بآثارها دون موانع، وتلك الحقائق هي مراد الله الأعلى الذي جعله عالم كمال الحقائق، جعل المصير إليه مماثلاً للقاء صاحب الحق بعد الغيبة والاستقلال عنه زماناً طويلاً، فلذلك سمّي البعث ملاقاة الله، ولقاء الله ومصيراً إلى الله، ومجيئاً إليه، في كثير من الآيات والألفاظ النبوية، وإلاّ فإنّ الناس في الدنيا هم في قبضة تصرّف الله لو شاء لقبضهم إليه ولعجّل إليهم جزاءهم. قال تعالى: {ولو يعجِّل الله للنّاس الشرّ استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11]. ولكنّه لمّا أمهلهم واستدرجهم في هذا العالم الدنيوي ورغّب ورهّب ووعَد وتوعّد كان حال الناس فيه كحال العبيد يأتيهم الأمر من مولاهم الغائب عنهم ويرغّبهم ويحذّرهم، فمنهم من يمتثل ومنهم من يعصي، وهم لا يلقون حينئذٍ جزاء عن طاعة ولا عقاباً عن معصية لأنّه يملي لهم ويؤخّرهم، فإذا طوي هذا العالم وجاءت الحياة الثانية صار الناس في نظام آخر، وهو نظام ظهور الآثار دون ريث، قال تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضراً} [الكهف: 49]، فكانوا كعبيد لقُوا ربّهم بعد أن غابوا وأمهلوا. فاللقاء استعارة تمثيلية: شبّهت حالة الخلق عند المصير إلى تنفيذ وعد الله ووعيده بحالة العبيد عند حضور سيِّدهم بعد غيبة ليجزيهم على ما فعلوا في مدّة المغيب. وشاع هذا التمثيل في القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال: «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه»، وفي القرآن {ليُنْذر يوْمَ التَّلاقِي} [غافر: 15].
وقوله: {حتّى إذا جاءتهم الساعة بغتة} (حتّى) ابتدائية، وهي لا تفيد الغاية وإنّما تفيد السببية، كما صرّح به ابن الحاجب، أي فإذا جاءتهم الساعة بغتة. ومن المفسّرين من جعل مجيء الساعة غاية للخسران، وهو فاسد لأنّ الخسران المقصود هنا هو خسرانهم يوم القيامة، فأمّا في الدنيا ففيهم مَن لم يخسر شيئاً.
وقد تقدّم كلام على (حتّى) الابتدائية عند قوله تعالى: {وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك} في هذه السورة [25]. وسيجيء لمعنى (حتى) زيادة بيان عند قوله تعالى: فمن أظلم ممّن افترى على الله كذباً أو كذّب بآياته إلى قوله {حتّى إذا جاءتهم رسلنا} في سورة [الأعراف: 37].
والساعة: علَم بالغلبة على ساعة البعث والحشر.
والبغتة فعلة من البَغْت، وهو مصدر بغتَه الأمر إذا نزل به فجأة من غير ترقّب ولا إعلام ولا ظهور شبح أو نحوه. ففي البغت معنى المجيء عن غير إشعار. وهو منتصب على الحال، فإنّ المصدر يجيء حالاً إذا كان ظاهراً تأويلُه باسم الفاعل، وهو يرجع إلى الإخبار بالمصدر لقصد المبالغة.
وقوله: قالوا} جواب (إذا). و{يا حسرتنا} نداء مقصود به التعجّب والتندّم، وهو في أصل الوضع نداء للحسرة بتنزيلها منزلة شخص يسمع ويُنادي ليحضُر كأنّه يقول: يا حسرة احضري فهذا أوان حضورك. ومنه قولهم: يا ليتني فعلت كذا، ويا أسفي أو يا أسفاً، كما تقدّم آنفاً.
وأضافوا الحسرة إلى أنفسهم ليكون تحسّرهم لأجل أنفسهم، فهم المتحسّرون والمتحسَّر عليهم، بخلاف قول القائل: يا حسرة، فإنّه في الغالب تحسّر لأجل غيره فهو يتحسّر لحال غيره. ولذلك تجيء معه (على) التي تدخل على الشيء المتحسّر من أجله داخلة على ما يدلّ على غير التحسّر، كقوله تعالى: {يا حسرة على العباد فأمّا مع (يا حسرتي، أو يا حسرتا) فإنّما تجيء (على) داخلة على الأمر الذي كان سبباً في التحسّر كما هنا على ما فرطنا فيها}. ومثل ذلك قولهم: يا ويلي ويا ويلتِي، قال تعالى: {ويقولون يا ويلتنا} [الكهف: 49]، فإذا أراد المتكلِّم أنّ الويل لغيره قال: ويْلك، قال تعالى: {ويلك آمنْ} [الأحقاف: 17] ويقولون: ويل لك.
والحسرة: الندم الشديد، وهو التلهّف، وهي فَعْلة من حِسر يحْسَر حَسْراً، من باب فرح، ويقال: تحسّر تحسّراً. والعرب يعاملون اسم المرّة معاملة مطلق المصدر غير ملاحظين فيه معنى المرّة، ولكنّهم يلاحظون المصدر في ضمن فرد، كمدلول لام الحقيقة، ولذلك يحسن هذا الاعتبار في مقام النداء لأنّ المصدر اسم للحاصل بالفعل بخلاف اسم المرّة فهو اسم لفرد من أفراد المصدر فيقوم مقام الماهية.
و {فَرّطنَا} أضعنا. يقال: فرّط في الأمر إذا تهاون بشيء ولم يحفظه، أو في اكتسابه حتى فاته وأفلت منه. وهو يتعدّى إلى المفعول بنفسه، كما دلّ عليه قوله تعالى: {ما فرّطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38]. والأكثر أن يتعدّى بحرف (في) فيقال فرّط في ماله، إذا أضاعه.
و {مَا} موصولة ماصْدَقُها الأعمال الصالحة. ومفعول {فرّطنا} محذوف يعود إلى {مَا}. تقديره: ما فرّطناه وهم عامّ مثل معاده، أي ندمنا على إضاعة كلّ ما من شأنه أن ينفعنا ففرّطناه، وضمير {فيها} عائد إلى الساعة.
و«في» تعليلية، أي ما فوّتناه من الأعمال النافعة لأجل نفع هذه الساعة، ويجوز أن يكون {في} للتعدية بتقدير مضاف إلى الضمير، أي في خيراتها. والمعنى على ما فرّطنا في الساعة، يَعْنُونَ ما شاهدوه من نجاة ونعيم أهل الفلاح. ويجوز أن يعود ضمير {فيها} على الحياة الدنيا، فيكون «في» للظرفية الحقيقية.
وجملة: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} في موضع الحال من ضمير {قالوا}، أي قالوا ذلك في حال أنّهم يحملون أوزارهم فهُم بين تلهّف على التفريط في الأعمال الصالحة والإيمان وبين مقاساة العذاب على الأوزار التي اقترفوها، أي لم يكونوا محرومين من خير ذلك اليوم فحسب بل كانوا مع ذلك متعبين مثقلين بالعذاب.
والأوزار جمع وِزر بكسر الواو، وهو الحمل الثقيل، وفعله وزَرَ يَزِرُ إذا حمل. ومنه قوله هنا {ألا ساء ما يزرون}. وقوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164]. وأطلق الوزر على الذنب والجناية لثقل عاقبتها على جانيها.
وقوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} تمثيل لهيئة عنتهم من جرّاء ذنوبهم بحال من يحمل حملاً ثقيلاً. وذكْر {على ظهورهم} هنا مبالغة في تمثيل الحالة، كقوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30]. فذكر الأيدي لأنّ الكسب يكون باليد، فهو يشبه تخييل الاستعارة ولكنّه لا يتأتّى التخييل في التمثيلية لأنّ ما يذكر فيها صالح لاعتباره من جملة الهيئة، فإنّ الحمل على الظهر مؤذن بنهاية ثقل المحمول على الحامل.
ومن لطائف التوجيه وضع لفظ الأوزار في هذا التمثيل؛ فإنّه مشترك بين الأحمال الثقيلة وبين الذنوب، وهم إنَّما وقعوا في هذه الشدّة من جرّاء ذنوبهم فكأنّهم يحملونها لأنّهم يعانون شدّة آلامها.
وجملة: {ألا ساء ما يزرون} تذييل. و(ألا) حرف استفتاح يفيد التنبيه للعناية بالخبر. و{ساء ما يزرون} إنشاء ذمّ. و{يزرون} بمعنى {يحملون}، أي ساء ما يمثّل من حالهم بالحمْل. و{ما يزرون} فاعل {ساء}. والمخصوص بالذمّ محذوف، تقديره: حَمْلُهم.
{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)}
لمّا جرى ذكر الساعة وما يلحق المشركين فيها من الحسرة على ما فرّطوا ناسب أن يذكّر الناس بأنّ الحياة الدنيا زائلة وأنّ عليهم أن يستعدّوا للحياة الآخرة. فيحتمل أن يكون جواباً لقول المشركين: {إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 29]. فتكون الواو للحال، أي تقولون إن هي إلاّ حياتنا الدنيا ولو نظرتم حقّ النظر لوجدتم الحياة الدنيا لعباً ولهواً وليس فيها شيء باق، فلعلمتم أنّ وراءها حياة أخرى فيها من الخيرات ما هو أعظم ممّا في الدنيا وإنّما يناله المتّقون، أي المؤمنون، فتكون الآية إعادة لدعوتهم إلى الإيمان والتقوى، ويكون الخطاب في قوله: {أفلا تعقلون} التفاتاً من الحديث عنهم بالغيبة إلى خطابهم بالدعوة.
ويحتمل أنَّه اعتراض بالتذييل لحكاية حالهم في الآخرة، فإنَّه لما حكى قولهم: {يا حسرتنا على ما فرّطنا فيها} [الأنعام: 31] علم السامع أنَّهم فرّطوا في الأمور النافعة لهم في الآخرة بسبب الانهماك في زخارف الدنيا، فذُيّل ذلك بخطاب المؤمينن تعريفاً بقيمة زخارف الدنيا وتبشيراً لهم بأنّ الآخرة هي دار الخير للمؤمنين، فتكون الواو عطفت جملة البشارة على حكاية النذارة. والمناسبة هي التضادّد. وأيضاً في هذا نداء على سخافة عقولهم إذ غرّتهم في الدنيا فسوّل لهم الاستخفاف بدعوة الله إلى الحق. فيجعل قوله: {أفلا تعقلون} خطاباً مستأنفاً للمؤمنين تحذيراً لهم من أن تغرّهم زخارف الدنيا فتلهيهم عن العمل للآخرة.
وهذا الحكم عامّ على جنس الحياة الدنيا، فالتعريف في الحياة تعريف الجنس، أي الحياة التي يحياها كلّ أحد المعروفة بالدنيا، أي الأولى والقريبة من الناس، وأطلقت الحياة الدنيا على أحوالها، أو على مدّتها.
واللعب: عمل أو قول في خفّة وسرعة وطيش ليست له غاية مفيدة بل غايته إراحة البال وتقصير الوقت واستجلاب العقول في حالة ضعفها كعقل الصغير وعقل المتعب، وأكثره أعمال الصبيان. قالوا ولذلك فهو مشتقّ من اللّعاب، وهو ريق الصبي السائل. وضدّ اللعب الجِدّ.
واللهو: ما يشتغل به الإنسان ممّا ترتاح إليه نفسه ولا يتعب في الاشتغال به عقله. فلا يطلق إلاّ على ما فيه استمتاع ولذّة وملائمة للشهوة.
وبين اللهو واللعب العموم والخصوص الوجهي. فهما يجتمعان في العمل الذي فيه ملاءمة ويقارنه شيء من الخفّة والطيش كالطرب واللهو بالنساء. وينفرد اللعب في لعب الصبيان. وينفرد اللهو في نحو الميسر والصيد.
وقد أفادت صيغة {وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو} قصَر الحياة على اللعب واللهو، وهو قصر موصوف على صفة. والمراد بالحياة الأعمال التي يحبّ الإنسان الحياة لأجلها، لأنّ الحياة مدّة وزمن لا يقبل الوصف بغير أوصاف الأزمان من طول أو قصر، وتحديد أو ضدّه، فتعيّن أنّ المراد بالحياة الأعمال المظروفة فيها.
واللعب واللهو في قوة الوصف، لأنّهما مصدران أريد بهما الوصف للمبالغة، كقول الخنساء:
فإنّما هي إقبال وإدبار ***
وهذا القصر ادّعائي يقصد به المبالغة، لأنّ الأعمال الحاصلة في الحياة كثيرة، منها اللهو واللعب، ومنها غيرهما، قال تعالى: {إنّما الحياة الدنيا لعب ولَهْو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد} [الحديد: 20]. فالحياة تشتمل على أحوال كثيرة منها الملائم كالأكل واللذات، ومنها المؤلم كالأمراض والأحزان، فأمّا المؤلمات فلا اعتداد بها هنا ولا التفات إليها لأنّها ليست ممّا يرغب فيه الراغبون، لأنّ المقصود من ذكر الحياة هنا ما يحصل فيها ممّا يحبّها الناس لأجله، وهو الملائمات.
وأمّا الملائمات فهي كثيرة، ومنها ما ليس بلعب ولهو، كالطعام والشراب والتدفّئ في الشتاء والتبرّد في الصيف وجمع المال عند المولع به وقرى الضيف ونكاية العدوّ وبذل الخير للمحتاج، إلاّ أنّ هذه لمّا كان معظمها يستدعي صرف همّة وعمل كانت مشتملة على شيء من التعب وهو منافر. فكان معظم ما يحبّ الناس الحياة لأجله هو اللهو واللعب، لأنّه الأغلب على أعمال الناس في أول العمر والغالبُ عليهم فيما بعد ذلك. فمن اللعب المزاح ومغازلة النساء، ومن اللهو الخمر والميسر والمغاني والأسمار وركوب الخيل والصيد.
فأمّا أعمالهم في القربات كالحجّ والعمرة والنذر والطواف بالأصنام والعتيرة ونحوها فلأنّها لمّا كانت لا اعتداد بها بدون الإيمان كانت ملحقة باللعب، كما قال تعالى: {وما كان صلاتُهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية} [الأنفال: 35]، وقال: {الذين اتّخذوا دينهم لَهَواً ولعباً وغرّتهم الحياة الدنيا} [الأعراف: 51].
فلا جرم كان الأغلب على المشركين والغالب على الناس اللعب واللهو إلاّ من آمن وعمل صالحاً. فلذلك وقع القصر الادّعائي في قوله: {وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو}.
وعقّب بقوله: {وللدّار الآخرة خير للذين يتَّقون}، فعلم منه أنّ أعمال المتَّقين في الدنيا هي ضدّ اللعب واللهو، لأنّهم جعلت لهم دار أخرى هي خير، وقد علم أنّ الفوز فيها لا يكون إلاّ بعمل في الدنيا فأنتج أنّ عملهم في الدنيا ليس اللهو واللعب وأنّ حياة غيرهم هي المقصورة على اللهو واللعب.
والدار محلّ إقامة الناس، وهي الأرض التي فيها بيوت الناس من بناء أو خيام أو قباب. والآخرة مؤنّثُ وصف الآخِر بكسر الخاء وهو ضدّ الأول، أي مقرّ الناس الأخير الذي لا تحوّل بعده.
وقرأ جمهور العشرة {وللدار} بلامين لام الابتداء ولام التعريف، وقرأوا {الآخرة} بالرفع. وقرأ ابن عامر {ولَدارُ الآخرة} بلام الابتداء فقط وبإضافة دار منكّرة إلى الآخرة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم: مسجد الجامع، أو هو على تقدير مضاف تكون {الآخرة} وصفاً له. والتقدير: دار الحياة الآخرة.
و {خَيْر} تفضيل على الدنيا باعتبار ما في الدنيا من نعيم عاجل زائل يلحق معظمة مؤاخذةٌ وعذاب.
وقوله {للذين يتّقون} تعريض بالمشركين بأنّهم صائرون إلى الآخرة لكنّها ليست لهم بخير ممّا كانوا في الدنيا. والمراد ب {الذين يتّقون} المؤمنون التابعون لما أمر الله به، كقوله تعالى: {هدى للمتّقين} [البقرة: 2]، فإنّ الآخرة لهؤلاء خير محض. وأمّا من تلحقهم مؤاخذة على أعمالهم السيئة من المؤمنين فلمّا كان مصيرهم بعدُ إلى الجنّة كانت الآخرة خيراً لهم من الدنيا.
وقوله: {أفلا تعقلون} عطف بالفاء على جملة: {وما الحياة الدنيا} إلى آخرها لأنّه يتفرّع عليه مضمون الجملة المعطوفة. والاستفهام عن عدم عقلهم مستعمل في التوبيخ إن كان خطاباً للمشركين، أو في التحذير إن كان خطاباً للمؤمنين. على أنَّه لمّا كان استعماله في أحد هذين على وجه الكناية صحّ أن يراد منه الأمران باعتبار كلا الفريقين، لأنّ المدلولات الكنائية تتعدّد ولا يلزم من تعدّدها الاشتراك، لأنّ دلالتها التزامية، على أنّنا نلتزم استعمال المشترك في معنييه.
وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص، وأبو جعفر، ويعقوب، {أفلا تعقلون} بتاء الخطاب على طريقة الإلتفات. وقرأه الباقون بياء تحتية، فهو على هذه القراءة عائد لما عاد إليه ضمائر الغيبة قبله، والاستفهام حينئذٍ للتعجيب من حالهم.
وفي قوله: {للذين يتّقون} تأييس للمشركين.
{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)}
استئناف ابتدائي قصدت به تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بالصبر، ووعده بالنصر، وتأييسه من إيمان المتغالين في الكفر، ووعده بإيمان فرق منهم بقوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى إلى قوله يسمعون}. وقد تهيّأ المقام لهذا الغرض بعد الفراغ من محاجّة المشركين في إبطال شركهم وإبطال إنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم والفراغ من وعيدهم وفضيحة مكابرتهم ابتداء من قوله: {وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم} [الأنعام: 4] إلى هنا.
و {قد} تحقيق للخبر الفعلي، فهو في تحقيق الجملة الفعلية بمنزلة (إنّ) في تحقيق الجملة الاسمية. فحرف {قد} مختصّ بالدخول على الأفعال المتصرّفة الخبرية المثبتة المجرّدة من ناصب وجازم وحرف تنفيس، ومعنى التحقيق ملازم له. والأصحّ أنّه كذلك سواء كان مدخولها ماضياً أو مضارعاً، ولا يختلف معنى {قد} بالنسبة للفعلين. وقد شاع عند كثير من النحويّين أنّ {قد} إذا دخل على المضارع أفاد تقليل حصول الفعل. وقال بعضهم: إنّه مأخوذ من كلام سيبويه، ومن ظاهر كلام «الكشاف» في هذه الآية. والتحقيق أنّ كلام سيبويه لا يدلّ إلاّ على أنّ {قد} يستعمل في الدلالة على التقليل لكن بالقرينة وليست بدلالة أصلية. وهذا هو الذي استخلصتُه من كلامهم وهو المعوّل عليه عندي. ولذلك فلا فرق بين دخول {قد} على فعل المضي ودخوله على الفعل المضارع في إفادة تحقيق الحصول، كما صرّح به الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {قد يعلم ما أنتم عليه} في سورة النور (64). فالتحقيق يعتبر في الزمن الماضي إن كان الفعل الذي بعد قد} فعلَ مُضيّ، وفي زمن الحال أو الاستقبال إن كان الفعل بعد (قد) فعلاً مضارعاً مع ما يضمّ إلى التحقيق من دلالة المقام، مثللِ تقريب زمن الماضي من الحال في نحو: قد قامت الصلاة. وهو كناية تنشأ عن التعرّض لتحقيق فعل ليس من شأنه أن يشكّ السامع في أنّه يقع، ومثللِ إفادة التكثير مع المضارع تبعاً لما يقتضيه المضارع من الدلالة على التجدّد، كالبيت الذي نسبه سيبويه للهذلي، وحقّق ابن بري أنّه لعبيد بن الأبرص، وهو:
قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّا أنَامِلُه *** كأنّ أثْوَابَه مُجَّتْ بِفِرْصَاد
وبيت زهير:
أخا ثقة لا تُهلك الخمرُ مالَه *** ولكنَّه قد يهلك المالَ نائلُه
وإفادة استحضار الصورة، كقول كعب:
لَقد أقُومُ مَقَاما لو يقوم به *** أرى وأسمعُ ما لو يسمَع الفِيلُ
لَظلّ يُرعَد إلاّ أن يكون له *** من الرسول بإذن الله تَنْويل
أراد تحقيق حضوره لدى الرسول صلى الله عليه وسلم مع استحضار تلك الحالة العجيبة من الوجل المشوب بالرجاء.
والتحقيق أنّ كلام سيبويه بريء ممّا حَمَّلوه، وما نشأ اضطراب كلام النحاة فيه إلاّ من فهم ابن مالك لكلام سيبويه. وقد ردّه عليه أبو حيّان ردّاً وجيهاً.
فمعنى الآية علمنا بأنّ الذي يقولونه يُحزنك محقّقاً فتصبّر. وقد تقدّم لي كلام في هذه المسألة عند قوله تعالى: {قد نرى تقلّب وجهك في السماء} في سورة البقرة (144)، فكان فيه إجمال وأحَلْت على تفسير آية سورة الأنعام، فهذا الذي استقرّ عليه رأيي.
وفعل نعلم} معلّق عن العمل في مفعولين بوجود اللام.
والمراد ب {الذي يقولون} أقوالهم الدّالة على عدم تصديقهم الرسول صلى الله عليه وسلم كما دلّ عليه قوله بعده {ولقد كُذّبَتْ رسل} [الأنعام: 34]، فعدل عن ذكر اسم التكذيب ونحوه إلى اسم الموصول وصلته تنزيهاً للرسول عليه الصلاة والسلام عن ذكر هذا اللفظ الشنيع في جانبه تلطّفاً معه.
وقرأ نافع، وأبو جعفر {لَيُحْزنك} بضم الياء وكسر الزاي. وقرأه الباقون بفتح الياء وضمّ الزاي يُقال: أحزنت الرجل بهمزة تعدية لفعل حَزن، ويقال: حَزَنْتُه أيضاً. وعن الخليل: أنّ حزنته، معناه جعلت فيه حُزناً كما يقال: دَهنته. وأمّا التعدية فليست إلاّ بالهمزة. قال أبو علي الفارسي: حَزَنْت الرجل، أكثر استعمالاً، وأحزنته، أقيس. و{الذي يقولون} هو قولهم ساحر، مجنون، كاذب، شاعر. فعدل عن تفصيل قولهم إلى إجماله إيجازاً أو تحاشياً عن التصريح به في جانب المنزّه عنه.
والضمير المجعول اسم (إنّ) ضمير الشأن، واللام لام القسم، وفعل {يحزنك} فعل القسم، و{الذي يقولون} فاعله، واللام في {ليحزنك} لام الابتداء، وجملة {يحزنك} خبر إنّ، وضمائر الغيبة راجعة إلى {الذين كفروا} في قوله «ثم الذين كفروا بربِّهم يعدلون».
والفاء في قوله: {فإنّهم} يجوز أن تكون للتعليل، والمعلّل محذوف دلّ عليه قوله: {قد نعلم}، أي فلا تحزنْ فإنّهم لا يُكذبونك، أي لأنّهم لا يكذبونك. ويجوز كونها للفصيحة، والتقدير: فإن كان يحزنك ذلك لأجل التكذيب فإنّهم لا يكذبونك، فالله قد سلّى رسوله عليه الصلاة والسلام بأن أخبره بأنّ المشركين لا يكذبونه ولكنّهم أهل جحود ومكابرة. وكفى بذلك تسلية. ويجوز أن تكون للتفريع على {قد نعلم}، أي فعلمنا بذلك يتفرّع عليه أنّا نثبّت فؤادك ونشرح صدرك بإعلامك أنّهم لا يكذبونك، وإن نذكِّرك بسنة الرسل من قبلك، ونذكّرك بأنّ العاقبة هي نصرك كما سبق في علم الله.
وقرأ نافع، والكسائي، وأبو جعفر {لا يكْذبونك}، بسكون الكاف وتخفيف الذال. وقرأه الجمهور بفتح الكاف وتشديد الذال. وقد قال بعض أئمة اللغة إنّ أكذب وكذّب بمعنى واحد، أي نسبه إلى الكذب. وقال بعضهم: أكذبه، وجده كاذباً، كما يقال: أحمدَه، وجده محموداً. وأمّا كذّب بالتشديد فهو لنسبة المفعول إلى الكذب. وعن الكسائي: أنّ أكذبه هو بمعنى كَذّب ما جاء به ولم ينْسُب المفعول إلى الكذب، وأنّ كذّبه هو نسبه إلى الكذب. وهو معنى ما نقل عن الزجّاج معنى كذبتهُ، قلت له: كذبتَ، ومعنى أكذبتُه، أريتُه أنّ ما أتى به كَذب.
وقوله: {ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون} استدراك لدفع أن يتوهّم من قوله: {لا يكذبونك} على قراءة نافع ومن وافقه أنّهم صدّقوا وآمنوا، وعلى قراءة البقية {لا يكذّبونك} أنّهم لم يصدر منهم أصل التكذيب مع أنّ الواقع خلاف ذلك، فاستدرك عليه بأنّهم يجحدون بآيات الله فيظهر حالهم كحال من ينسب الآتيَ بالآيات إلى الكذب وما هم بمكذّبين في نفوسهم.
والجحد والجحود، الإنكار للأمر المعروف، أي الإنكار مع العلم بوقوع ما ينكر، فهو نفي ما يَعلم النافي ثبوته، فهو إنكار مكابرة.
وعُدل عن الإضمار إلى قوله {ولكنّ الظّالمين} ذمّاً لهم وإعلاماً بأنّ شأن الظالم الجحد بالحجّة، وتسجيلاً عليهم بأنّ الظلم سجيّتهم.
وعدّي {يجحدون} بالباء كما عدّي في قوله: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} [النحل: 14] لتأكيد تعلّق الجحد بالمجحود، كالباء في قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6]، وفي قوله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلاّ أن كذّب بها الأولون} [الإسراء: 59]، وقول النابغة:
لك الخير إن وارتْ بك الأرض واحداً *** وأصبح جَدّ الناس يظلع عاثراً
ثم إنّ الجحد بآيات الله أريد به الجحد بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الآيات. وجحْدها إنكار أنّها من آيات الله، أي تكذيب الآتي بها في قوله: إنّها من عند الله، فآل ذلك إلى أنّهم يكذّبون الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يجمع هذا مع قوله {فإنّهم لا يكذّبونك} على قراءة الجمهور. والذي يستخلص من سياق الآية أنّ المراد فإنّهم لا يعتقدون أنّك كاذب لأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام معروف عندهم بالصدق وكان يلقّب بينهم بالأمين. وقد قال النضر بن الحارث لمّا تشاورت قريش في شأن الرسول: «يا معشر قريش قد كان محمد فيكم غلاماً أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً حتّى إذا رأيتم الشيب في صدغيه قلتم ساحر وقلتم كاهن وقلتم شاعر وقلتم مجنون ووالله ما هُو بأولئكم». ولأنّ الآيات التي جاء بها لا يمتري أحد في أنّها من عند الله، ولأنّ دلائل صدقه بيِّنة واضحة ولكنّكم ظالمون.
والظالم هو الذي يجري على خلاف الحقّ بدون شبهة. فهم ينكرون الحق مع علمهم بأنّه الحق، وذلك هو الجحود. وقد أخبر الله عنهم بذلك وهو أعلم بسرائرهم. ونظيرها قوله تعالى حكاية عن قوم فرعون {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلُوّاً} [النمل: 14] فيكون في الآية احتباك. والتقدير: فإنّهم لا يكذّبونك ولا يكذّبون الآيات ولكنّهم يجحدون بالآيات ويجحدون بصدقك، فحذف من كلَ لدلالة الآخر.
وأخرج الترمذي عن ناجية بن كعب التابعي أنّ أبا جهل قال للنبيء صلى الله عليه وسلم لا نكذّبك ولكن نكذّب ما جئت به. فأنزل الله {فإنّهم لا يكذّبونك ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون}. ولا أحسب هذا هو سبب نزول الآية. لأنّ أبا جهل إن كان قد قال ذلك فقد أراد الاستهزاء، كما قال ابن العربي في «العارضة»: ذلك أنّه التكذيب بما جاء به تكذيب له لا محالة، فقوله: لا نكذّبك، استهزاء بإطماع التصديق.
{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)}
عطف على جملة {فإنّهم لا يكذّبونك} [الأنعام: 33] أو على جملة {ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33]. ويجوز أن تكون الواو واو الحال من الكلام المحذوف قبل الفاء، أي فلا تحزن، أو إن أحزنك ذلك فإنّهم لا يكذّبونك والحال قد كذّبت رسل من قبلك. والكلام على كلّ تقدير تسلية وتهوين وتكريم بأنّ إساءة أهل الشرك لمحمد عليه الصلاة والسلام هي دون ما أساء الأقوام إلى الرسل من قبله؛ فإنّهم كذّبوا بالقول والاعتقاد وأمّا قومه فكذّبوا بالقول فقط. وفي الكلام أيضاً تأسَ للرسول بمن قبله من الرسل.
ولام القسم لتأكيد الخبر بتنزيل الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة من ذهل طويلاً عن تكذيب الرسل لأنّه لمّا أحزنه قول قومه فيه كان كمن بعُد علمه بذلك. و{من قبلك} وصف كاشف لِ {رُسل} جيء به لتقرير معنى التأسّي بأنّ ذلك سنّة الرسل.
وفي موقع هذه الآية بعد التي قبلها إيماء لرجاحة عقول العرب على عقول من سبقهم من الأمم، فإنّ الأمم كذّبت رسلها باعتقاد ونطق ألسنتها، والعرب كذّبوا باللسان وأيقنوا بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام بعقولهم التي لا يروج عندها الزيف.
و (ما) مصدرية، أي صبروا على التكذيب، فيجوز أن يكون قوله {وأوذوا} عطفاً على {كذّبوا} وتكون جملة {فصبروا} معترضة. والتقدير: ولقد كذّبت وأوذيَت رسل فصبروا. فلا يعتبر الوقف عند قوله {على ما كذّبوا} بل يوصل الكلام إلى قوله {نَصْرُنَا}، وأن يكون عطفاً على {كُذّبت رسل}، أي كذّبت وأوذوا. ويفهم الصبر على الأذى من الصبر على التكذيب لأنّ التكذيب أذى فيحسن الوقف عند قوله: {على ما كذّبوا}.
وقرن فعل {كذّبت} بعلامة التأنيث لأنّ فاعل الفعل إذا كان جمع تكسير يرجّح اتِّصال الفعل بعلامة التأنيث على التأويل بالجماعة. ومن ثمّ جاء فعلا {فصبروا} و{كذّبوا} مقترنين بواو الجمع، لأنّ فاعليهما ضميران مستتران فرجح اعتبار التذكير.
وعطف {وأوذوا} على {كذّبت} عطف الأعمّ على الأخصّ، والأذى أعمّ من التكذيب، لأنّ الأذى هو ما يسوء ولو إساءة مّا، قال تعالى: {لن يضرّوكم إلاّ أذى} [آل عمران: 111] ويطلق على الشديد منه. فالأذى اسم اشتقّ منه آذى إذا جعل له أذى وألحقه به. فالهمزة به للجعل أو للتصيير. ومصادر هذا الفعل أذى وأذَاة وأذيَّة. وكلّها أسماء مصادر وليست مصادر. وقياس مصدره الإيذاء لكنّه لم يسمع في كلام العرب. فلذلك قال صاحب «القاموس»: لا يقال: إيذاء. وقال الراغب: يقال: إيذاء. ولعلّ الخلاف مبني على الخلاف في أنّ القياسي يصحّ إطلاقه ولو لم يسمع في كلامهم أو يتوقّف إطلاقه على سماع نوعه من مادّته. ومن أنكر على صاحب «القاموس» فقد ظلمه. وأيّاً ما كان فالإيذاء لفظ غير فصيح لغرابته.
ولقد يعدّ على صاحب «الكشاف» استعماله هنا وهو ما هو في علم البلاغة.
و {حتَّى} ابتدائية أفادت غاية ما قبلها، وهو التكذيب والأذى والصبر عليهما، فإنّ النصر كان بإهلاك المكذّبين المؤذين، فكان غاية للتكذيب والأذى، وكان غاية للصبر الخاصّ، وهو الصبر على التكذيب والأذى، وبقي صبر الرسل على أشياء ممّا أمر بالصبر عليه.
والإتيان في قوله: {أتاهم نصرنا} مجاز في وقوع النصر بعد انتظاره، فشبِّه وقوعه بالمجيء من مكان بعيد كما يجيء المنادى المنتظر. وتقدّم بيان هذا عند قوله تعالى: {وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين} في هذه السورة [4].
وجملة {ولا مبدّل} عطف على جملة: {أتاهم نصرنا}.
وكلمات الله وحيه للرسل الدّالّ على وعده إيّاهم بالنصر، كما دلّت عليه إضافة النصر إلى ضمير الجلالة. فالمراد كلمات من نوع خاصّ، فلا يرد أنّ بعض كلمات الله في التشريع قد تبدّل بالنسخ؛ على أنّ التبديل المنفي مجاز في النقض، كما تقدّم في قوله تعالى: {فمَن بدّله بعدما سَمعَه} في سورة [البقرة: 181]. وسيأتي تحقيق لهذا المعنى عند قوله تعالى: وتمّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً لا مبدّل لكلماته في هذه السورة [115].
وهذا تطمين للنبيء بأنّ الله ينصره كما نصر من قبله من الرسل، ويجوز أن تكون كلمات الله ما كتبه في أزله وقدره من سننه في الأمم، أي أنّ إهلاك المكذّبين يقع كما وقع إهلاك من قبلهم.
ونفي المُبدّل كناية عن نفي التبذيل، أي لا تبديل، لأنّ التبديل لا يكون إلاّ من مبدّل. ومعناه: أنّ غير الله عاجز عن أن يبدّل مراد الله، وأن الله أراد أن لا يبدّل كلماته في هذا الشأن.
وقوله: ولقد جاءك من نبإ المرسلين} عطف على جملة: {ولا مبدّل لكلمات الله}، وهو كلام جامع لتفاصيل ما حلّ بالمكذّبين، وبكيف كان نصر الله رسله. وذلك في تضاعيف ما نزل من القرآن في ذلك.
والقول في {جاءك} كالقول في {أتاهم نصرُنا}، فهو مجاز في بلوغ ذلك وإعلام النبي صلى الله عليه وسلم به.
و (مِنْ) في قوله: {مِنْ نبأ} إمّا اسم بمعنى (بعض) فتكون فاعلاً مضافة إلى النبأ، وهو ناظر إلى قوله تعالى: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} [غافر: 78]. والأحسن أن تجعل صفة لموصوف محذوف تقديره: لقد جاءك نَبَأ من نَبَأ المرسلين. والنبأ الخبر عن أمر عظيم، قال تعالى: {عمّ يتساءلون عن النّبأ العظيم} [النبأ: 1، 2]، وقال: {قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون} [ص: 67، 68]، وقال في هذه السورة [67] {لكلّ نبإ مُسْتَقرّ وسوف تعلمون.}
{وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)}
عطف على جملة: {قد نعلم إنّه لَيُحْزنك الذي يقولون} [الأنعام: 33]، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحزنه ما يقولونه فيه من التكذيب به وبالقرآن حَزَناً على جهل قومه بقدر النصيحة وإنكارهم فضيلة صاحبها، وحزناً من جرّاء الأسف عليهم من دوام ضلالهم شفقة عليهم، وقد سلاّه الله تعالى عن الحزن الأول بقوله {فإنّهم لا يكذبونك} [الأنعام: 33] وسلاّه عن الثاني بقوله: {وإن كانَ كَبُر عليك إعراضهم} الآية.
و {كبُر} ككرم، كِبراً كعنب: عظمت جثّته. ومعنى {كَبُر} هنا شقّ عليك. وأصله عظم الجثّة، ثم استعمل مجازاً في الأمور العظيمة الثقيلة لأنّ عظم الجثّة يستلزم الثقل، ثم استعمل مجازاً في معنى (شقّ) لأنّ الثقيل يشق جمله. فهو مجاز مرسل بلزومين.
وجيء في هذا الشرط بحرف (إنْ) الذي يكثر وروده في الشرط الذي لا يظنّ حصوله للإشارة إلى أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بمظنّة ذلك ولكنّه على سبيل الفرض.
وزيدت (كان) بعد (إنْ) الشرطية بينها وبين ما هو فعل الشرط في المعنى ليبقى فعل الشرط على معنى المضي فلا تُخلّصه (إن) الشرطيّةُ إلى الاستقبال، كما هو شأن أفعال الشروط بعد (إن)، فإنّ (كان) لقوّة دلالته على المضي لا تقلبه أداة الشرط إلى الاستقبال.
والإعراض المعرّف بالإضافة هو الذي مضى ذكره في قوله تعالى: {وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين} [الأنعام: 4]. وهو حالة أخرى غير حالة التكذيب، وكلتاهما من أسباب استمرار كفرهم.
وقوله: {فإن استطعت} جوابُ {إن كان كبر}، وهو شرط ثان وقع جواباً للشرط الأول. والاستطاعة: القدرة. والسين والتاء فيها للمبالغة في طاع، أي انقاد.
والابتغاء: الطلب. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أفغير دين الله تبغون} في سورة [آل عمران: 83]، أي أن تَطْلُبَ نَفَقاً أو سُلّماً لتبلغ إلى خبايا الأرض وعجائبها وإلى خبايا السماء. ومعنى الطلب هنا: البحث.
وانتصب نفقاً} و{سُلّما} على المفعولين ل {تبتغي}.
والنفق: سرب في الأرض عميق.
والسّلَّم بضمّ ففتح مع تشديد اللاّم آلة للارتقاء تتّخذ من حبلين غليظين متوازيين تصل بينهما أعواد أو حبال أخرى متفرّقة في عرض الفضاء الذي بين الحبلين من مساحة ما بين كلّ من تلك الأعواد بمقدار ما يرفع المرتقي إحدَى رجليه إلى العود الذي فوق ذلك، وتسمّى تلك الأعواد دَرَجَات. ويجعلُ طول الحبلين بمقدار الارتفاع الذي يراد الارتقاء إليه. ويسمَّى السلّم مِرْقاة ومِدْرَجة. وقد سمّوا الغرز الذي يرتقي به الراكب على رحل ناقته سُلّما. وكانوا يرتقون بالسلّم إلى النخيل للجذاذ. وربما كانت السلاليم في الدور تتّخذ من العود فتسمّى المرقاة. فأمّا الدرج المبنيّة في العَلالي فإنّها تُسَمَّى سُلّماً وتسمّى الدّرَجة كما ورد في حديث مقتل أبي رافع قول عبد الله بن عتيك في إحدى الروايات
«حتّى انتهيت إلى دَرَجة له»، وفي رواية «حتّى أتيت السلّم أريد أن أنزل فأسْقُطُ منه»
وقوله {في الأرض} صفة {نفقاً} أي متغلغلاً، أي عميقاً. فذكر هذا المجرور لإفادة المبالغة في العمق مع استحضار الحالة وتصوير حالة الاستطاعة إذ من المعلوم أنّ النفق لا يكون إلاّ في الأرض.
وأمّا قوله: {في السماء} فوصف به {سُلّما}، أي كائناً في السماء، أي واصلاً إلى السماء. والمعنى تبلغ به إلى السماء. كقول الأعشى
ورُقّيتَ أسبَاب السّمَاء بسُلّم *** والمعنى: فإن استطعت أن تطلب آية من جميع الجهات للكائنات. ولعلّ اختيار الابتغاء في الأرض والسماء أنّ المشركين سألوا الرسول عليه والصلاة والسلام آيات من جنس ما في الأرض، كقولهم {حتّى تُفجّر لنا من الأرض ينبوعاً} [الإسراء: 90]، ومن جنس ما في السماء، كقولهم: {أو ترقى في السماء} [الإسراء: 93].
وقوله: {بآية} أي بآية يسلّمون بها، فهنالك وصف محذوف دلّ عليه قوله: {إعراضهم}، أي عن الآيات التي جئتهم بها.
وجواب الشرط محذوف دلّ عليه فعل الشرط، وهو {استطعت}. والشرط وجوابه مستعملان مجازاً في التأييس من إيمانهم وإقناعهم، لأنّ الله جعل على قلوبهم أكنّة وفي آذانهم وقراً وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها.
ويتعيّن تقدير جواب الشرط ممّا دلّ عليه الكلام السابق، أي فأتهم بآية فإنّهم لا يؤمنون بها، كما يقول القائل للراغب في إرضاء مُلحّ. إن استطعت أن تجلب ما في بيتك، أي فهو لا يرضى بما تقصر عنه الاستطاعة بلْهَ ما في الاستطاعة. وهو استعمال شائع، وليس فيه شيء من اللوم ولا من التوبيخ، كما توهّمه كثير من المفسّرين.
وقوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} شرط امتناعي دلّ على أنّ الله لم يشأ ذلك، أي لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم عليه؛ فمفعول المشيئة محذوف لقصد البيان بعد الإبهام على الطريقة المسلوكة في فعل المشيئة إذا كان تعلّقه بمفعوله غير غريب وكان شرطاً لإحدى أدوات الشرط كما هنا، وكقوله: {إن يشأ يُذهبكم} [النساء: 133].
ومعنى: {لجمعهم على الهدى} لهداهم أجمعين. فوقع تفنّن في أسلوب التعبير فصار تركيباً خاصِّيّاً عدل به على التركيب المشهور في نحو قوله تعالى: {فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149] للإشارة إلى تمييز الذين آمنوا من أهل مكّة على من بقي فيها من المشركين، أي لو شاء لجمعهم مع المؤمنين على ما هدى إليه المؤمنين من قومهم.
والمعنى: لو شاء الله أن يخلقهم بعقول قابلة للحقّ لخلقهم بها فلَقَبلُوا الهدى، ولكنّه خلقهم على ما وصف في قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً} [الأنعام: 25] الآية، كما تقدّم بيانه. وقد قال تعالى: {ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة}
[هود: 118]، وبذلك تعلم أنّ هذه مشيئة كليّة تكوينيّة، فلا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى في آخر هذه السورة [148] {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} الآية. فهذا من المشيئة المتعلّقة بالخلق والتكوين لا من المشيئة المتعلّقة بالأمر والتشريع. وبينهما بَوْن، سقط في مهواته من لم يقدّر له صون.
وقوله: فلا تكونّن من الجاهلين} تذييل مفرّع على ما سبق.
والمراد ب {الجاهلين} يجوز أن يكون من الجهل الذي هو ضدّ العلم، كما في قوله تعالى خطاباً لنوح {إنّي أعظُك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46]، وهو ما حمل عليه المفسّرون هنا. ويجوز أن يكون من الجهل ضدّ الحلم، أي لا تضق صدراً بإعراضهم. وهو أنسب بقوله: {وإن كان كبر عليك إعراضهم}. وإرادة كلا المعنيين ينتظم مع مفاد الجملتين: جملة: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} وجملة {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}. ومع كون هذه الجملة تذييلاً للكلام السابق فالمعنى: فلا يَكْبُرْ عليك إعراضهم ولا تضق به صدراً، وأيضاً فكن عالماً بأنّ الله لو شاء لجمعهم على الهدى. وهذا إنباء من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأمر من علم الحقيقة يختصّ بحالة خاصّة فلا يطّرد في غير ذلك من مواقف التشريع.
وإنّما عدل على الأمر بالعلم لأنّ النّهي عن الجهل يتضمّنه فيتقرّر في الذهن مرتين، ولأنّ في النهي عن الجهل بذلك تحريضاً على استحضار العلم به، كما يقال للمتعلّم: لا تنسى هذه المسألة. وليس في الكلام نهي عن شيء تلبّس به الرسول صلى الله عليه وسلم كما توهّمه جمع من المفسّرين، وذهبوا فيه مذاهب لا تستبين.
{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)}
تعليل لما أفاده قوله: {وإنْ كان كَبُر عليك إعراضهم إلى قوله فلا تكوننّ من الجاهلين} [الأنعام: 35] من تأييس من ولوج الدعوة إلى أنفسهم، أي لا يستجيب الذين يسمعون دون هؤلاء الذين حرمهم فائدة السمع وفهم المسموع.
ومفهوم الحصر مؤذن بإعمال منطوقه الذي يؤمئ إلى إرجاء بعد تأييس بأنّ الله جعل لقوم آخرين قلوباً يفقهون بها وآذاناً يسمعون بها فأولئك يستجيبون.
وقوله: {يستجيب} بمعنى يجيب، فالسين والتاء زائدان للتأكيد؛ وقد تقدّم الكلام على هذا الفعل عند قوله تعالى: {فاستجاب لهم ربّهم} في سورة [آل عمران: 195]. وحذف متعلّق يستجيب} لظهوره من المقام لأنّ المقام مقام الدعوة إلى التوحيد وتصديق الرسول.
ومعنى {يسمعون}، أنّهم يفقهون ما يلقى إليهم من الإرشاد لأنّ الضالّين كمن لا يسمع. فالمقصود سمع خاصّ وهو سمع الاعتبار.
أمّا قوله: {والموتى يبعثهم الله} فالوجه أنّه مقابل لِ {الذين يسمعون}. ولذلك حسن عطف هذه الجملة على جملة: {إنما يستجيب الذين يسمعون}. فمعنى الكلام: وأمّا المعرضون عنك فهم مثل الموتى فلا يستجيبون، كقوله: {إنّك لا تسمع الموتى} [النمل: 80]. فحذف من الكلام ما دلّ عليه السياق، فإنّ الذي لا يسمع قد يكون فقدان سمعه من علّة كالصمم، وقد يكون من عدم الحياة، كما قال عبد الرحمان بن الحكم الثقفي:
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً *** ولكن لا حياة لمنْ تنادي
فتضمّن عطف {والموتى يبعثهم الله} تعريضاً بأنّ هؤلاء كالأموات لا ترجى منهم استجابة. وتخلّص إلى وعيدهم بأنّه يبعثهم بعد موتهم، أي لا يرجى منهم رجوع إلى الحقّ إلى أن يبعثوا، وحينئذٍ يلاقون جزاء كفرهم. {والموتى} استعارة لمن لا ينتفعون بعقولهم ومواهبهم في أهمّ الأشياء، وهو ما يُرضي الله تعالى. و{يبعثهم} على هذا حقيقة، وهو ترشيح للاستعارة، لأنّ البعث من ملائمات المشبّه به في العرف وإن كان الحي يخبر عنه بأنه يبعث، أي بعد موته، ولكن العرف لا يذكر البعث إلاّ باعتبار وصف المبعوث بأنّه ميّت.
ويجوز أن يكون البعث استعارة أيضاً للهداية بعد الضلال تبعاً لاستعارة الموت لعدم قبول الهدى على الوجهين المعروفين في الترشيح في فن البيان من كونه تارة يبقى على حقيقته لا يقصد منه إلاّ تقوية الاستعارة، وتارة يستعار من ملائم المشبّه به إلى شبهه من ملائم المشبّه، كقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً} [آل عمران: 103]. فيكون على هذا الوجه في الكلام وعد للرسول صلى الله عليه وسلم بأنّ بعض هؤلاء الضالّين المكذّبين سيهديهم الله تعالى إلى الإسلام، وهم من لم يسبق في علمه حرمانهم من الإيمان.
فعلى الوجه الأول يكون قوله {ثم إليه يُرْجعون} زيادة في التهديد والوعيد. وعلى الوجه الثاني يكون تحريضاً لهم على الإيمان ليلقوا جزاءه حين يُرجعون إلى الله. ويجوز أن يكون الوقف عند قوله تعالى: {يبعثهم الله}. وتمّ التمثيل هنالك. ويكون قوله: {ثم إليه يرجعون} استطراداً تُخلّص به إلى قرع أسماعهم بإثبات الحشر الذي يقع بعد البعث الحقيقي، فيكون البعث في قوله: {يبعثهم الله} مستعملاً في حقيقته ومجازه. وقريب منه في التخلّص قوله تعالى: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى} في سورة [البقرة: 73].
{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)}
عطف على جملة: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} [الأنعام: 35] الآيات، وهذا عود إلى ما جاء في أول السورة [4] من ذكر إعراضهم عن آيات الله بقوله {وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين} ثم ذكر ما تفنّنوا به من المعاذير من قولهم: {لولا أنزل عليه ملك} [الأنعام: 8] وقوله: {وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها} [الأنعام: 25] أي وقالوا: لولا أنزل عليه آية، أي على وفق مقترحهم، وقد اقترحوا آيات مختلفة في مجادلات عديدة. ولذلك أجملها الله تعالى هنا اعتماداً على علمها عند الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقال: {وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه}.
فجملة: {وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربِّه} وقع عطفها معترضاً بين جملة {والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} [الأنعام: 36] وجملة {وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} [الأنعام: 38] الخ. وفي الإتيان بفعل النزول ما يدلّ على أنّ الآية المسؤولة من قبيل ما يأتي من السماء، مثل قولهم {لولا أنزل عليه ملك} [الأنعام: 8] وقولهم: {ولن نُؤمن لِرُقيّك حتى تنزّل علينا كتاباً نقرؤه} [الإسراء: 93] وشبه ذلك.
وجرّد {نزّل} من علامة التأنيث لأنّ المؤنّث الذي تأنيثه لفظي بحت يجوز تجريد فعله من علامة التأنيث؛ فإذا وقع بين الفعل ومرفوعه فاصل اجتمع مسوّغان لتجريد الفعل من علامة التأنيث، فإنّ الفصل بوحده مسوّغ لتجريد الفعل من العلامة. وقد صرّح في «الكشاف» بأنّ تجريد الفعل عن علامة التأنيث حينئذٍ حسن.
و {لولا} حرف تحضيض بمعنى (هلاّ). والتحضيض هنا لقطع الخصم وتعجيزه، كما تقدّم في قوله تعالى آنفاً {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} [الأنعام: 8].
وتقدّم الكلام على اشتقاق {آية} عند قوله تعالى: {والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا} في سورة [البقرة: 39].
وفصل فعل {قل} فلم يعطف لأنَّه وقع موقع المحاورة فجاء على طريقة الفصل التي بيّنّاها في مواضع كثيرة، أولها: قوله تعالى: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} في سورة [البقرة: 30].
وأمَر الله رسوله أن يجيبهم بما يُعلم منه أنّ الله لو شاء لأنزل آية على وفق مقترحهم تقوم عليهم بها الحجّة في تصديق الرسول، ولكنّ الله لم يرد ذلك لحكمة يعلمها؛ فعبّر عن هذا المعنى بقوله: إنّ الله قادر على أنّ ينزّل آية} وهم لا ينكرون أنّ الله قادر، ولذلك سألوا الآية، ولكنّهم يزعمون أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام لا يَثبُت صدقه إلاّ إذا أيّده الله بآية على وفق مقترحهم. فقوله: {إنّ الله قادر على أن ينزّل آية} مستعمل في معناه الكنائي، وهو انتفاء أن يريد الله تعالى إجابة مقترحهم، لأنَّه لمّا أرسل رسوله بآيات بيّنات حصل المقصود من إقامة الحجّة على الذين كفروا، فلو شاء لزادهم من الآيات لأنّه قادر.
ففي هذه الطريقة من الجواب إثبات للردّ بالدليل، وبهذا يظهر موقع الاستدراك في قوله: {ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} فإنّه راجع إلى المدلول الالتزامي، أي ولكن أكثر المعاندين لا يعلمون أنّ ذلك لو شاء الله لفعله، ويحسبون أنّ عدم الإجابة إلى مقترحهم يدلّ على عدم صدق الرسول عليه الصلاة والسلام وذلك من ظلمة عقولهم، فلقد جاءهم من الآيات ما فيه مزدجر.
فيكون المعنى الذي أفاده هذا الردّ غير المعنى الذي أفاده قوله {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون} [الأنعام: 8] فإنّ ذلك نبّهوا فيه على أنّ عدم إجابتهم فيه فائدة لهم وهو استبقاؤهم، وهذا نبّهوا فيه على سوء نظرهم في استدلالهم.
وبيان ذلك أنّ الله تعالى نصب الآيات دلائل مناسبة للغرض المستدلّ عليه كما يقول المنطقيّون: إنّ المقدّمات والنتيجة تدلّ عقلاً على المطلوب المستدلّ عليه، وإنّ النتيجة هي عين المطلوب في الواقع وإن كانت غيره في الاعتبار؛ فلذلك نجد القرآن يذكر الحجج على عظيم قدرة الله على خلق الأمور العظيمة، كإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في سياق الاستدلال على وقوع البعث والحشر. ويسمّى تلك الحجج آيات كقوله {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقَرّ ومستودع قد فصّلنا الآيات لقوم يفقهون} [الأنعام: 98]، وكما سيجيء في أول سورة [الرعد: 2] {الله الذي رفع السماوات بغير عمد قرونها} وذكر في خلال ذلك تفصيل الآيات إلى قوله: {وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنّا تراباً إنّا لفي خلق جديد} [الرعد: 5]. وكذلك ذكر الدلائل على وحدانية الله باستقلاله بالخلق، كقوله: {وخلق كلّ شيء وهو بكلّ شيء عليم ذلكم الله ربّكم لا إله إلاّ هو خالق كلّ شيء فاعبدوه إلى قوله وكذلك نفصّل الآيات وليقولوا دَرَست} [الأنعام: 101 105] الخ، وكقوله في الاستدلال على انفراده بأنواع الهداية {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر قد فصّلنا الآيات لقوم يعلمون}. ولمّا كان نزول القرآن على الرسول عليه الصلاة والسلام حجّة على صدقه في إخباره أنّه مُنزل من عند الله لمَا اشتمل عليه من العلوم وتفاصيل المواعظ وأحوال الأنبياء والأمم وشرع الأحكام مع كون الذي جاء به معلوم الأمية بينهم قد قضى شبابه بين ظهرانيهم، جعَله آية على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فيما أخبر به عن الله تعالى، فسمّاه آيات في قوله: {وإذا تتلى عليهم آياتنا، بيّنات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا} [الحج: 72] فلم يشأ الله أن يجعل الدلائل على الأشياء من غير ما يناسبها.
أمّا الجهلة والضّالون فهم يرومون آيات من عجائب التصاريف الخارقة لنظام العالم، يريدون أن تكون علامة بينهم وبين الله على حسب اقتراحهم بأن يحييهم إليها إشارة منه إلى أنّه صدّق الرسول فيما بلّغ عنه، فهذا ليس من قبيل الاستدلال ولكنَّه من قبيل المخاطرة ليزعموا أنّ عدم إجابتهم لما اقترحوه علامة على أنّ الله لم يصدّق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة.
ومن أين لهم أنّ الله يرضى بالنزول معهم إلى هذا المجال، ولذلك قال تعالى: {قل إنّ الله قادر على أن ينزّل آية ولكنّ أكثرهم لا يعلمون}، أي لا يعلمون ما وجه الارتباط بين دلالة الآية ومدلولها. ولذلك قال في الردّ عليهم في سورة [الرعد: 7] {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربّه إنّما أنت منذر فهم جعلوا إيمانهم موقوفاً على أن تنزّل آية من السماء. وهم يعنون أنّ تنزيل آية من السماء جملة واحدة. فقد قالوا: لولا نُزّل عليه القرآن جملة واحدة} [الفرقان: 32] وقالوا: {ولن نؤمن لرقّيك حتّى تُنَزّل علينا كتاباً نقرؤه} [الإسراء: 93]. فردّ الله عليهم بقوله: {إنّما أنت منذر} [الرعد: 7]، أي لا علاقة بين الإنذار وبين اشتراط كون الإنذار في كتاب ينزّل من السماء، لأنّ الإنذار حاصل بكونه إنذاراً مفصّلاً بليغاً دالاّ على أنّ المنذِر به ما اخترعه من تلقاء نفسه، ولذلك ردّ عليهم بما يبيّن هذا في قوله: {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذَنْ لارْتَابَ المُبطلون إلى قوله وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه قل إنَّما الآيات عند الله وإنّما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم} [العنكبوت: 48 51]، أي فما فائدة كونه ينزل في قرطاس من السماء مع أنّ المضمون واحد.
وقال في ردّ قولهم: {حتّى تنزّل علينا كتاباً نقرؤه} [الإسراء: 93] {قل سبحان ربِّي هل كنت إلاّ بشراً رسولا} [الإسراء: 93]. نعم إنّ الله قد يقيم آيات من هذا القبيل من تلقاء اختياره بدون اقتراح عليه، وهو ما يسمّى بالمعجزة مثل ما سمّى بعض ذلك بالآيات في قوله: {في تسع آيات إلى فرعون وقومه} [النمل: 12]، فذلك أمر أنف من عند الله لم يقترحه عليه أحد. وقد أعطى نبيّنا محمداً صلى الله عليه وسلم من ذلك كثيراً في غير مقام اقتراححٍ من المعرضين، مثل انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام القليل، ونبع الماء من الأرض بسهم رشقه في الأرض. هذا هو البيان الذي وعدتُ به عند قوله تعالى: {وقالوا لولا أنزل عليه ملَك} في هذه السورة [8].
ومن المفسِّرين من جعل معنى قوله ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} أنّهم لا يعلمون أنّ إنزال الآية على وفق مقترحهم يعقبها الاستئصال إن لم يؤمنوا، وهم لعنادهم لا يؤمنون. إلاّ أنّ ما فسّرتها به أولى لئلاّ يكون معناها إعادة لمعنى الآية التي سبقتها، وبه يندفع التوقّف في وجه مطابقة الجواب لمقتضى السؤال حسبما توقّف فيه التفتزاني في تقرير كلام «الكشاف».
وقوله: {ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} تنبيه على أنّ فيهم من يعلم ذلك ولكنّه يكابر ويُظهر أنّه لا يتمّ عنده الاستدلال إلاّ على نحو ما اقترحوه.
وإعادة لفظ {آية} بالتنكير في قوله {أن يُنزّل آية} من إعادة النكرة نكرة وهي عين الأولى. وهذا يبطل القاعدة المتداولة بين المعربين من أنّ اللفظ المنكّر إذا أعيد في الكلام منكّراً كان الثاني غير الأول. وقد ذكرها ابن هشام في «مغني اللبيب» في الباب السادس ونقضها. وممّا مثّل به لإعادة النكرة نكرة وهي عين الأولى لا غيرها قوله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة} [الروم: 54]. وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: {فلا جناح عليهما أن يصّالحا بينهما صلحاً والصلح خير} في سورة [النساء: 128].
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)}
معنى هذه الآية غامض بدءاً. ونهايتها أشدّ غموضاً، وموقعها في هذا السياق خفي المناسبة. فاعلَم أنّ معنى قوله: {وما من دابّة في الأرض إلى قوله إلاّ أمم أمثالكم} أنّ لها خصائص لكلّ جنس ونوع منها كما لأمم البشر خصائصها، أي جعل الله لكلّ نوع ما به قوامه وألهمه اتِّباع نظامه وأنّ لها حياة مؤجّلة لا محالة.
فمعنى {أمثالكم} المماثلة في الحياة الحيوانية وفي اختصاصها بنظامها.
وأمّا معنى قوله: {ثم إلى ربّهم يحشرون} أنّها صائرة إلى الموت. ويعضّده ما روي عن ابن عباس: حشر البهائم موتها، أي فالحشر مستعمل في مجاز قريب إلى حقيقته اللغوية التي في نحو قوله تعالى: {وحشر لسليمان جنوده} [النمل: 17]. فموقع هذه الآية عند بعض المفسّرين أنّها بمنزلة الدليل على مضمون قوله تعالى: {قل إنّ الله قادر على أن ينزّل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنعام: 37]، فيجوز أن تكون معطوفة على جملة {إنّ الله قادر على أن ينزّل آية} [الأنعام: 37] على أنّها من جملة ما أمر النبي بأن يقوله لهم؛ ويجوز أن تكون معطوفة على جملة: {قُل إنّ الله قادر} [الأنعام: 37] على أنّها من خطاب الله لهم. أي أنّ الذي خلق أنواع الأحياء كلِّها وجعلها كالأمم ذات خصائص جامعة لأفراد كلّ نوع منها فكان خلقها آية على عظيم قدرته لا يعجزه أن يأتي بآية حسب مقترحكم ولكنّكم لا تعلمون الحكمة في عدم إجابتكم لما سألتم. ويكون تعقيبه بقوله تعالى: {والّذين كذّبوا بآياتنا صمّ وبُكْم} [الأنعام: 39] الآية واضح المناسبة، أي لا يهتدون إلى ما في عوالم الدواب والطير من الدلائل على وحدانية الله.
وأمّا قوله: {ثمّ إلى ربّهم يحشرون} فإن نظرنا إليه مستقلاً بنصّه غير ملتفتين إلى ما نيط به من آثار مروية في تفسيره؛ فأول ما يبدو للناظر أنّ ضميري {ربّهم} و{يحشرون} عائدان إلى {دابّة} و{طائر} باعتبار دلالتهما على جماعات الدّواب والطير لوقوعهما في حيّز حرف (مِنْ) المفيدة للعموم في سياق النفي، فيتساءل الناظر عن ذلك وهما ضميران موضوعان للعقلاء. وقد تأولوا لوقوع الضميرين على غير العقلاء بوجهين: أحدهما أنّه بناءٌ على التغليب إذ جاء بعده {إلاّ أمم أمثالكم}. الوجه الثاني أنّهما عائدان إلى {أمم أمثالكم}، أي أنّ الأمم كلّها محشورة إلى الله تعالى.
وأحسن من ذلك تأويلاً أن يكون الضميران عائديْن إلى ما عادت إليه ضمائر الغيبة في هذه الآيات التي آخرها ضمير {وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه}، فيكون موقع جملة {ثم إلى ربّهم يحشرون} موقع الإدماج والاستطراد مجابهة للمشركين بأنَّهم محشورون إلى الله لا محالة وإن أنكروا ذلك.
فإذا وقع الإلتفات إلى ما روي من الآثار المتعلّقة بالآية كان الأمر مُشكلاً.
فقد روى مسلم عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لتُؤَدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتّى يقاد للشّاة الجلحاء (التي لا قرن لها، وفي رواية غيره: الجَماء) من الشاة القرناء " وروى أحمد بن حنبل وأبو داوود الطيالسي في «مسنديهما» عن أبي ذرّ قال: انتطحت شاتان أو عنزان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا، قلت: لا، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة. فهذا مقتض إثبات حشر الدوابّ ليوم الحساب، فكان معناه خفي الحكمة إذ من المحقّق انتفاء تكليف الدوابّ والطير تبعاً لانتفاء العقل عنها. وكان موقعها جلي المناسبة بما قاله الفخر نقلاً عن عبد الجبّار بأنّه لمّا قدّم الله أنّ الكفّار يُرجعون إليه ويحشرون بيّن بعده أنّ الدوابّ والطير أمم أمثالهم في أنّهم يحشرون. والمقصود بيان أنّ الحشر والبعث كما هو حاصل في الناس حاصل في البهائم. وهذا ظاهر قوله: {يحشرون} لأنّ غالب إطلاق الحشر في القرآن على الحشر للحساب، فيناسب أن تكون جملة: {وما من دابّة في الأرض} الآية عطفاً على جملة: {والموتى يبعثهم الله}، فإنّ المشركين ينكرون البعث ويجعلون إخبار الرسول عليه الصلاة والسلام به من أسباب تهمته فيما جاء به، فلمّا توعّدهم الله بالآية السابقة بأنّهم إليه يرجعون زاد أن سجّل عليهم جهلهم فأخبرهم بما هو أعجب ممّا أنكروه، وهو إعلامهم بأنّ الحشر ليس يختصّ بالبشر بل يعمّ كلّ ما فيه حياة من الدّوابّ والطير. فالمقصود من هذا الخبر هو قوله: {ثم إلى ربّهم يحشرون}. وأمّا ما قبله فهو بمنزلة المقدمة له والاستدلال عليه، أي فالدّوابّ والطير تبعث مثل البشر وتحضر أفرادها كلّها يوم الحشر، وذلك يقتضي لا محالة أن يقتصّ لها، فقد تكون حكمة حشرها تابعة لإلقاء الأرض وما فيها وإعادة أجزاء الحيوان.
وإذا كان المراد من هذين الحديثين ظاهرهما فإنّ هذا مظهر من مظاهر الحق يوم القيامة لإصلاح ما فرط في عالم الفناء من رواج الباطل وحكم القوة على العدالة، ويكون القصاص بتمكين المظلوم من الدوابّ من ردّ فعل ظالمه كيلا يستقرّ بالباطل. فهو من قبيل ترتّب المسبّبات على أسبابها شبيه بخطاب الوضع، وليس في ذلك ثواب ولا عقاب لانتفاء التكليف ثم تصير الدواب يومئذٍ تراباً، كما ورد في رواية عن أبي هريرة في قوله تعالى: {ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً} [النبأ: 40]. قال المازري في المُعَلِم: واضطرب العلماء في بعث البهائم. وأقوى ما تعلّق به من يقول ببعثها قوله تعالى: {وإذا الوحوش حشرت}. وقد قيل: إنّ هذا كلّه تمثيل للعدل. ونسبه المازري إلى بعض شيوخه قال: هو ضرب مَثل إعلاماً للخلق بأن لا يبقى حقّ عند أحد.
والدابّة مشتقّة من دبّ إذا مشى على الأرض، وهي اسم لكلّ ما يدبّ على الأرض. وقوله: {في الأرض} صفة قصد منها إفادة التعميم والشمول بذكر اسم المكان الذي يحوي جميع الدوابّ وهو الأرض، وكذلك وصف {طائر} بقوله {يطير بجناحيه} قصد به الشمول والإحاطة، لأنّه وصف آيل إلى معنى التوكيد، لأنّ مفاد {يطير بجناحيه} أنَّه طائر، كأنَّه قيل: ولا طائر ولا طائر. والتوكيد هنا يؤكّد معنى الشمول الذي دلّت عليه (من) الزائدة في سياق النفي؛ فحصل من هذين الوصفين تقرير معنى الشمول الحاصل من نفي اسمي الجنسين. ونكتة التوكيد أنّ الخبر لغرابته عندهم وكونه مظنّة إنكارهم أنَّه حقيق بأن يؤكّد.
ووقع في «المفتاح» في بحث إتباع المسند إليه بالبيان أنّ هذين الوصفين في هذه الآية للدلالة على أنّ القصد من اللفظين الجنس لا بعض الأفراد وهو غير ما في «الكشاف»، وكيف يتوهَّم أنّ المقصود بعض الأفراد ووجود (مِن) في النفي نصّ على نفي الجنس دون الوحدة.
وبهذا تعلم أن ليس وصف {يطير بجناحيه} وارداً لرفع احتمال المجاز في {طائر} كما جنح إليه كثير من المفسِّرين وإن كان رفع احتمال المجاز من جملة نكت التوكيد اللفظي إلاّ أنّه غير مطّرد، ولأنّ اعتبار تأكيد العموم أولى، بخلاف نحو قولهم:
نظرته بعيني وسمعته بأذني. وقول صخْر:
شر واتّخذت من شَعَر صدارها ***
إذ من المعلوم أنّ الصّدار لا يكون إلاّ من شَعَر.
و {أمم} جمع أمّة. والأمّة أصلها الجماعة من الناس المتماثلة في صفات ذاتية من نسب أو لغة أو عادة أو جنس أو نوع. قيل: سمّيت أمة لأنّ أفرادها تؤمّ أمَماً واحداً وهو ما يجمع مقوّماتها.
وأحسب أنّ لفظ أمَّة خاصّ بالجماعة العظيمة من البشر، فلا يقال في اللغة أمّة الملائكة ولا أمّة السباع. فأمّا إطلاق الأمم على الدّوابّ والطير في هذه الآية فهو مجاز، أي مثل الأمم لأنّ كلّ نوع منها تجتمع أفراده في صفات متّحدة بينها أمماً واحدة، وهو ما يجمعها وأحسب أنّها خاصّة بالبشر.
و {دابّة} و{طائر} في سياق النفي يُراد بهما جميع أفراد النوعين كما هو شأن الاستغراق، فالإخبار عنهما بلفظ {أمم} وهو جمع على تأويله بجماعاتها، أي إلاّ جماعاتها أمم، أو إلاّ أفراد أمم.
وتشمل الأرض البحر لأنَّه من الأرض ولأنّ مخلوقاته يطلق عليها لفظ الدابَّة، كما ورد في حديث سرية سِيف البحر قول جابر بن عبد الله: فألقى لنا البحر دابّة يقال لها العنبر.
والمماثلة في قوله: {أمثالكم} التشابه في فصول الحقائق والخاصّات التي تميّز كلّ نوع من غيره، وهي النظم الفطرية التي فطر الله عليها أنواع المخلوقات. فالدّواب والطير تُماثل الأناسي في أنّها خلقت على طبيعة تشترك فيها أفراد أنواعها وأنّها مخلوقة لله معطاة حياة مقدّرة مع تقدير أرزاقها وولادتها وشبابها وهرمها، ولها نظم لا تستطيع تبديلها.
وليست المماثلة براجعة إلى جميع الصفات فإنّها لا تماثل الإنسان في التفكير والحضارة المكتسبة من الفكر الذي اختصّ به الإنسان. ولذلك لا يصحّ أن يكون لغير الإنسان نظام دولة ولا شرائع ولا رسل ترسل إليهن لانعدام عقل التكليف فيهنّ، وكذلك لا يصحّ أن توصف بمعرفة الله تعالى. وأما قوله تعالى: {وإنْ من شيء إلاّ يُسبّح بحمده} [الإسراء: 44] فذلك بلسان الحال في العجماوات حين نراها بَهِجَة عند حصول ما يلائمها فنراها مرحة فرحة. وإنّما ذلك بما ساق الله إليها من النعمة وهي لا تفقه أصلها ولكنّها تحسّ بأثرها فتبتهج، ولأنّ في كل نوع منها خصائص لها دلالة على عظيم قدرة الله وعلمه تختلف عن بقية الأنواع من جنسه والمقصد من هذا صرف الأفهام إلى الاعتبار بنظام الخلق الذي أودعه الله في كلّ نوع، والخطاب في قوله: {أمثالكم} موجّه إلى المشركين.
وجملة: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} معترضة لبيان سعة علم الله تعالى وعظيم قدرته. فالكتاب هنا بمعنى المكتوب، وهو المكنّى عنه بالقلم المراد به ما سبق في علم الله وإرادته الجارية على، وفْقِه كما تقدّم في قوله تعالى: {كتب على نفسه الرحمة} [الأنعام: 12].
وقيل الكتاب القرآن. وهذا بعيد إذ لا مناسبة بالغرض على هذا التفسير، فقد أورد كيف يشتمل القرآن على كلّ شيء. وقد بسط فخر الدين بيان ذلك لاختيار هذا القول وكذلك أبو إسحاق الشاطبي في «الموافقات».
والتفريط: الترك والإهمال، وتقدّم بيانه آنفاً عند قوله تعالى: {قالوا يا حسرتنا على ما فرّطنا فيها} [الأنعام: 31].
والشيء هو الموجود. والمراد به هنا أحوال المخلوقات كما يدلّ عليه السياق فشمل أحوال الدّواب والطير فإنّها معلومة لله تعالى مقدّرة عنده بما أودع فيها من حكمة خلقه تعالى.
وقوله {ثم إلى ربِّهم يحشرون} تقدّم تفسيره آنفاً في أوّل تفسير هذه الآية. وفي الآية تنبيه للمسلمين على الرفق بالحيوان فإنّ الإخبار بأنّها أمم أمثالنا تنبيه على المشاركة في المخلوقية وصفات الحيوانية كلّها. وفي قوله: {ثم إلى ربِّهم يحشرون} إلقاء للحذر من الاعتداء عليها بما نهى الشرع عنه من تعذيبها وإذا كان يقتصّ لبعضها من بعض وهي غير مكلّفة، فالاقتصاص من الإنسان لها أولى بالعدل. وقد ثبت في الحديث الصحيح: أنّ الله شكر للذي سقى الكلب العطشان، وأنّ الله أدخل امرأة النار في هرّة حبستها فماتت جوعاً.
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)}
يجوز أن تكون الواو للعطف، والمعطوف عليه جملة: {إنّما يستجيب الذين يسمعون}. والمعنى: والذين كذّبوا بآياتنا ولم يستمعوا لها، أي لا يستجيبون بمنزلة صمّ وبكم في ظلمات لا يهتدون.
ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والواو استئنافية، أي عاطفة كلاماً مبتدأ ليس مرتبطاً بجملة معيّنة من الكلام السابق ولكنّه ناشيء عن جميع الكلام المتقدّم. فإنّ الله لمّا ذكر من مخلوقاته وآثار قدرته ما شأنه أن يعرّف الناس بوحدانيته ويدلّهم على آياته وصدق رسوله أعقبه ببيان أنّ المكذّبين في ضلال مبين عن الاهتداء لذلك، وعن التأمّل والتفكير فيه، وعلى الوجهين فمناسبة وقوع هذه الجملة عقب جملة: {وما من دابة في الأرض} [الأنعام: 38] الآية قد تعرّضنا إليها آنفاً.
والمراد بالذين كذّبوا المشركون الذين مضى الكلام على أحوالهم عموماً وخصوصاً.
وقوله: {صمّ وبكم في الظلمات} تمثيل لحالهم في ضلال عقائدهم والابتعاد عن الاهتداء بحال قوم صمّ وبُكم في ظلام. فالصّمم يمنعهم من تلقِّي هدى من يهديهم، والبكَم يمنعهم من الاسترشاد ممّن يمرّ بهم، والظلام يمنعهم من التبصّر في الطريق أو المنفذ المخرج لهم من مأزقهم.
وإنَّما قيل في {الظلمات} ولم يوصفوا بأنَّهم عُمّي كما في قوله: {عُميا وبُكما وصمّا} [الإسراء: 97] ليكون لبعض أجزاء الهيئة المشبَّهة بها ما يصلح لشبه بعض أجزاء الهيئة المشبَّهة، فإنّ الكفر الذي هم فيه والذي أصارهم إلى استمرار الضلال يشبه الظلمات في الحيلولة بين الداخل فيه وبين الاهتداء إلى طريق النجاة. وفي الحديث: «الظلم ظلمات يوم القيامة» فهذا التمثيل جاء على أتمّ شروط التمثيل. وهو قبوله لتفكيك أجزاء الهيئتين إلى تشبيهات مفردة، كقول بشّار:
كأنّ مُثَار النّقع فوقَ رؤوسنا *** وأسيافنا ليل تَهادَى كواكبُه
وجمع الظلمات جار على الفصيح من عدم استعمال الظلمة مفرداً. وقد تقدّم في صدر السورة، وقيل: للإشارة إلى ظلمة الكفر، وظلمة الجهل، وظلمة العناد.
وقوله: {صمّ وبكم} خبر ومعطوف عليه. وقوله: {في الظلمات} خبر ثالث لأنّه يجوز في الأخبار المتعددة ما يجوز في النعوت المتعدّدة من العطف وتركه.
وقوله: {من يشأ الله يضلله} استئناف بياني لأنّ حالهم العجيبة تثير سؤالاً وهو أن يقول قائل ما بالهم لا يهتدون مع وضوح هذه الدلائل البيّنات، فأجيب بأنّ الله أضلّهم فلا يهتدون، وأنّ الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، فدلّ قوله: {من يشأ الله يضلله} على أنّ هؤلاء المكذّبين الضالّين هم ممَّن شاء الله إضلالهم على طريقة الإيجاز بالحذف لظهور المحذوف، وهذا مرتبط بما تقدّم من قوله تعالى: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} [الأنعام: 35].
ومعنى إضلال الله تقديره الضلال؛ بأن يخلق الضّالّ بعقل قابل للضلال مُصرّ على ضلاله عنيد عليه فإذا أخذ في مبادئ الضلال كما يعرض لكثير من الناس فوعظه واعظ أو خطر له في نفسه خاطر أنَّه على ضلال منعه إصراره من الإقلاع عنه فلا يزال يهوي به في مهاوي الضلالة حتَّى يبلغ به إلى غاية التخلّق بالضلال فلا ينكفّ عنه.
وهذا ممّا أشار إليه قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين} [التين: 4، 5]، ودلّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم «إنّ الرجل ليَصْدُق حتَّى يكون صدّيقاً وإنّ الرجل ليكذب حتَّى يُكتب عند الله كذّاباً» وكلّ هذا من تصرّف الله تعالى بالتكوين والخلق وهو تصرّف القدر. وله اتِّصال بناموس التسلسل في تطوّر أحوال البشر في تصرّفات بعقولهم وعوائدهم، وهي سلسلة بعيدة المدى اقتضتها حكمة الله تعالى في تدبير نظام هذا العالم، ولا يعلم كنهها إلاّ الله تعالى، وليس هذا الإضلال بالأمر بالضلال فإنّ الله لا يأمر بالفحشاء ولا بتلقينه والحثّ عليه وتسهيله فإنّ ذلك من فعل الشيطان، كما أنّ الله قد حرم من أراد إضلاله من انتشاله واللطف به لأنّ ذلك فضل مَن هو أعلم بأهله. ومفعول {يشأ} محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، كما هو الشائع في مفعول فعل المشيئة الواقع شرطاً.
والصراط هو الطريق البيّن. ومعنى المستقيم أنّه لا اعوجاج فيه، لأنّ السّير في الطريق المستقيم أيسر على السائر وأقرب وصولاً إلى المقصود.
ومعنى (على) الاستعلاء، وهو استعلاء السائر على الطريق. فالكلام تمثيل لحال الذي خلقه الله فمَنّ عليه بعقل يرعوي من غيّه ويُصغي إلى النصيحة فلا يقع في الفساد فاتّبع الدين الحقّ، بحال السائر في طريق واضحة لا يتحيَّر ولا يخطئ القصد، ومستقيمة لا تطوح به في طول السير. وهذا التمثيل أيضاً صالح لتشبيه كلّ جزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبّه بها، كما تقدّم في نظيره. وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6]. فالدين يشبه الصراط الموصّل بغير عناء، والهدي إليه شبيه الجعل على الصراط.
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)}
استئناف ابتدائي يتضمّن تهديداً بالوعيد طرداً للأغراض السابقة، وتخلّله تعريض بالحثّ على خلع الشرك إذ ليس لشركائهم نفع بأيديهم، فذُكِّروا بأحوال قد تعرض لهم يلجأون فيها إلى الله. وألقي عليهم سأل أيستمرون على الإشراك بالله في تلك الحالة وهل يستمرّون من الآن على الشرك إلى أن يأتيهم العذاب أو تأتيهم القيامة حين يلجأون إلى الإيمان بوحدانيته، ولات حينَ إيمان.
وافتتح هذا التهديد بالأمر بالقول اهتماماً به وإلاّ فإنّ معظم ما في القرآن مأمور الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم. وقد تتابع الأمر بالقول في الآيات بعد هذه إلى قوله: {لكلّ نبأ مستقرّ} [الأنعام: 67] اثنتي عشرة مرّة. وورد نظيره في سورة يونس.
وقوله: {أرأيتكم} تركيب شهير الاستعمال، يفتتح بمثله الكلام الذي يراد تحقيقه والاهتمام به. وهمزة الاستفهام فيه للاستفهام التقريري.
و (رأى) فيه بمعنى الظنّ. يسند إلى تاء خطاب تلازم حالة واحدة ملازمة حركة واحدة، وهي الفتحة لا تختلف باختلاف عدد المخاطب وصنفه سواء كان مفرداً أو غيره، مذكّراً أو غيره، ويجعل المفعول الأول في هذا التركيب غالباً ضمير خطاب عائداً إلى فاعل الرؤية القلبية ومستغنى به لبيان المراد بتاء الخطاب. والمعنى أنّ المخاطب يعلم نفسه على الحالة المذكورة بعد ضمير الخطاب، فالمخاطب فاعل ومفعول باختلاف الاعتبار، فإنّ من خصائص أفعال باب الظنّ أنّه يجوز أن يكون فاعلها ومفعولها واحداً (وألحق بأفعال العلم فعلان: فقَد، وعَدِم في الدعاء نحو فقدتُني)، وتقع بعد الضمير المنصوب جملة في موضع مفعوله الثاني، وقد يجيء في تلك الجملة ما يعلق فعل الرؤية عن العمل.
هذا هو الوجه في تحليل هذا التركيب. وبعض النحاة يجعل تلك الجملة سادّة مسدّ المفعولين تفصّياً من جعل ضمائر الخطاب مفاعيل إذ يجعلونها مجرّد علامات خطاب لا محلّ لها من الإعراب، وذلك حفاظاً على متعارف قواعد النحو في الاستعمال الأصلي المتعارف مع أنّ لغرائب الاستعمال أحوالاً خاصّة لا ينبغي غضّ النظر عنها إلاّ إذا قصد بيان أصل الكلام أو عدم التشويش على المتعلّمين. ولا يخفى أنّ ما ذهبوا إليه هو أشدّ غرابة وهو الجمع بين علامتي خطاب مختلفتين في الصورة ومرجعهما متَّحد. وعلى الوجه الذي اخترناه فالمفعول الثاني في هذا التركيب هو جملة: {أغير الله تدعون}.
وإنّما تركت التاء على حالة واحدة لأنّه لمَّا جعلتْ ذاتُ الفاعل ذات المفعول إعراباً وراموا أن يجعلوا هذا التركيب جارياً مجرى المثل في كونه قليل الألفاظ وافر المعنى تجنّبوا ما يحدثه الجمع بين ضميري خطاب مرفوع ومنصوب من الثقل في نحو أرأيتما كُما، وأرأيتُمْكُم وأريْتُنُّكُنّ، ونحو ذلك، سلكوا هذه الطريقة الغريبة فاستغنوا بالاختلاف حالة الضمير الثاني عن اختلاف حالة الضمير الأول اختصاراً وتخفيفاً، وبذلك تأتَّى أن يكون هذا التركيب جارياً مجرى المثل لما فيه من الإيجاز تسهيلاً لشيوع استعماله استعمالاً خاصّاً لا يغيّر عنه، فلذلك لا تكسر تلك التاء في خطاب المؤنّث ولا تضمّ في خطاب المثنّى والمجموع.
وعن الأخفش: أخرجت العرب هذا اللفظ من معناه بالكلية فألزمته الخطاب، وأخرجته عن موضوعه إلى معنى (أمّا) بفتح الهمزة، فجعلت الفاء بعده في بعض استعمالاته كقوله تعالى: {أرأيتَ إذْ أويْنَا إلى الصخرة فإنّي نسيت الحوت} [الكهف: 63] فما دخلت الفاء إلاّ وقد أخرجت (أرأيت) لمعنى (أمّا)؛ وأخرجته أيضاً إلى معنى (أخبرني) فلا بد بعده من اسم المستخبر عنه؛ وتلزم الجملة بعد الاستفهام، وقد يخرج لهذا المعنى وبعده الشرط وظرففِ الزمان. اه.
في «الكشاف»: متعلِّق الاستخبار محذوف، تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون، ثم بكتهم بقوله {أغير الله تدعون}، أي أتخصّون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها بل إيَّاه تدعون اه. وجملة: {أغير الله تدعون} هي المفعول الثاني لفعل {أرأيتكم}.
واعلم أنّ هذا استعمال خاصّ بهذا التركيب الخاصّ الجاري مجرى المثل، فأمّا إذا أريد جريان فعل الرؤية العلمية على أصل بابه فإنَّه يجري على المتعارف في تعدية الفعل إلى فاعله ومفعوليه. فمن قال لك: رأيتُني عالماً بفلان. فأردت التحقّق فيه تقول: أرأيتَك عالماً بفلان. وتقول للمثنّى: أرأيتماكما عالمين بفلان، وللجمع أرأيتُموكُم وللمؤنثة أرأيتِك بكسر التاء.
وقرأه نافع في المشهور بتسهيل الهمزة ألفاً؛ وعنه رواية بجعلها بين الهمزة والألف. وقرأه الكسائي بإسقاط الهمزة التي هي عين الكلمة، فيقول: {أرَيْت} وهي لغة. وقرأه الباقون بتحقيق الهمزة.
وجملة: {إن أتاكم عذاب الله} الخ معترضة بني مفعولي فعل الرؤية، وهي جملة شرطية حذف جوابها لدلالة جملة المفعول الثاني عليه.
وإتيان العذاب: حلوله وحصوله، فهو مجاز لأن حقيقة الإتيان المجيء، وهو الانتقال من موضع بعيد إلى الموضع الذي استقر فيه مفعول الإتيان، فيطلق مجازاً على حصول شيء لم يكن حاصلاً. وكذلك القول في إتيان الساعة سواء.
ووجه إعادة فعل {أتتكم الساعة} مع كون حرف العطف مغنياً عن إعادة العامل بأن يقال: إن أتاكم عذاب الله أو الساعة، هو ما يوجَّه به الإظهار في مقام الإضمار من إرادة الاهتمام بالمُظْهَر بحيث يعاد لفظه الصريح لأنّه أقوى استقراراً في ذهن السامع.
والاهتمام هنا دعا إليه التهويل وإدخال الروع في ضمير السامع بأن يصرّح بإسناد هذا الإتيان لاسم المسند إليه الدّالّ على أمر مهول ليدلّ تعلّق هذا الفعل بالمفعول على تهويله وإراعته.
وقد استشعر الاحتياجَ إلى توجيه إعادة الفعل هنا الشيخ محمد بن عَرفة في درس تفسيره، ولكنَّه وجّهه بأنَّه إذا كان العاملان متفاوتين في المعنى لكون أحدهما أشدّ يعاد العامل بعد حرف العطف إشعاراً بالتفاوت، فإنّ إتيان العذاب أشدّ من إتيان الساعة (أي بناء على أنّ المراد بعذاب الله عذاب الآخرة) أو كان العاملان متباعدين، فإن أريد بالساعة القيامة وبعذاب الله المحْقُ والرزايا في الدنيا فيعقبه بعد مهلة تامَّة.
وإن أريد بالساعة المدّة فالمحق الدنيوي كثير، منه متقدّم ومنه متأخِّر إلى الموت، فالتقدّم ظاهر اه. وفي توجيهه نظر إذ لا يشهد له الاستعمال.
وإضافة العذاب إلى اسم الجلالة لتهويله لصدوره من أقدر القادرين. والمراد عذاب يحصل في الدنيا يضرعون إلى الله لرفعه عنهم بدليل قوله {أغير الله تدعون}، فإنّ الدعاء لا يكون بطلب رفع عذاب الجزاء. وهذا تهديد وإنذار.
والساعة: علَم بالغلبة على ساعة انقراض الدنيا، أي إن أدركتْكم الساعة.
وتقديم {أغير الله} على عامله وهو {تدعون} لتكون الجملة المستفهم عنها جملة قصر، أي أتعرضون عن دعاء الله فتدعون غيره دونه كما هو دأبكم الآن، فالقصر لحكاية حالهم لا لقصد الردّ على الغير. وقد دلّ الكلام على التعجّب، أي تستمرّون على هذه الحال. والكلام زيادة في الإنذار.
وجمل: ة {إن كنتم صادقين} مستأنفة، وجوابها محذوف دلّ عليه قوله: {أرأيتكم} الذي هو بمعنى التقرير. فتقدير الجواب: إن كنتم صادقين فأنتم مقرّون بأنَّكم لا تدعون غير الله. ذَكّرهم في هذه الآية وألجأهم إلى النظر ليعلموا أنّه إذا أراد الله عذابهم لا تستطيع آلهتهم دفعه عنهم، فهم إن توخّوا الصدق في الخبر عن هذا المستقبل أعادوا التأمّل فلا يسعهم إلاّ الاعتراف بأنّ الله إذا شاء شيئاً لا يدفعه غيرُه إلاّ بمشيئته، لأنّهم يعترفون بأنّ الأصنام إنَّما تقرّبهم إلى الله زلفى، فإذا صدقوا وقالوا: أندعوا الله، فقد قامت الحجّة عليهم من الآن لأنّ من لا يغني في بعض الشدائد لا ينبغي الاعتماد عليه في بعض آخر.
ولذلك كان موقع {بَل إيّاه تدعون} عقب هذا الاستفهام موقع النتيجة للاستدلال. فحرف (بل) لإبطال دعوة غير الله. أي فأنا أجيب عنكم بأنّكم لا تدعون إلاّ الله. ووجه تولّي الجواب عنهم من السائل نفسِه أنّ هذا الجواب لمّا كان لا يسع المسؤول إلاّ إقرارُه صحّ أن يتولّى السائل الجوابَ عنه، كما تقدّم في قوله تعالى: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} في هذه السورة [12].
وتقديم المفعول على تَدْعون} للقصر وهو قصر إفراد للردّ على المشركين في زعمهم أنّهم يدعون الله ويدعون أصنامهم، وهم وإن كانوا لم يزعموا ذلك في حاللِ ما إذا أتاهم عذاب الله أو أتتهم الساعة إلاّ أنّهم لمّا ادّعوه في غير تلك الحالة نزّلوا منزلة من يستصحب هذا الزعم في تلك الحالة أيضاً.
وقوله: {فيكشف} عطف على {تدعون}، وهذا إطماع في رحمة الله لعلّهم يتذكّرون. ولأجل التعجيل به قدّم {وتنسوْن ما تشركون} وكان حقّه التأخير.
فهو شبيه بتعجيل المسرّة. ومفعول: {تدعون} محذوف وهو ضمير اسم الجلالة، أي ما تدعونه. والضمير المجرور بِ (إلى) عائد على {ما} من قوله {ما تدعون} أي يكشف الذي تدعونه إلى كشفه. وإنّما قيّد كشف الضرّ عنهم بالمشيئة لأنَّه إطماع لا وعد.
وعديّ فعل {تدعون} بحرف (إلى) لأنّ أصل الدعاء نداء فكأنّ المدعو مطلوب بالحضور إلى مكان اليأس.
ومفعول {شاء} محذوف على طريقة حذف مفعول فعل المشيئة الواقع شرطاً، كما تقدّم آنفاً.
وفي قوله: {إن شاء} إشارة إلى مقابله، وهو إن لم يشأ لم يكشف، وذلك في عذاب الدنيا. وأما إتيان الساعة فلا يُكشف إلاّ أن يراد بإتيانها ما يحصل معها من القوارع والمصائب من خسف وشبهه فيجوز كشفه عن بعض الناس. وممَّا كشفه الله عنهم من عذاب الدنيا عذابُ الجوع الذي في قوله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم إلى قوله إنّا كاشفوا العذاب قليلاً إنّكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون} [الدخان: 10 16] فُسّرت البطشة بيوم بدر.
وجملة: {فيكشف} الخ معترضة بين المعطوفين. وقوله: {وتنسون ما تشركون} عطف على {إيّاه تدعون}، أي فإنّكم في ذلك الوقت تنسون ما تشركون مع الله، وهو الأصنام.
وقوله: {وتنسون ما تُشركون} يجوز أن يكون النسيان على حقيقته، أي تذهلون عن الأصنام لِمَا ترون من هول العذاب وما يقع في نفوسهم من أنّه مرسل عليهم من الله فتنشغل أذهانهم بالذي أرسل العذاب وينسون الأصنام التي اعتادوا أن يستشفعوا بها.
ويجوز أن يكون مجازاً في الترك والإعراض، أي وتعرضون عن الأصنام، إذ لعلَّهم يلهمون أن يستدلّون في تلك الساعة على أنّ غير الله لا يكشف عنهم من ذلك العذاب شيئاً، وإطلاق النسيان على الترك شائع في كلام العرب، كما في قوله تعالى: {فاليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} [الجاثية: 34]، أي نهملكم كما أنكرتم لقاء الله هذا اليوم. ومن قبيله قوله تعالى: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} [الماعون: 5].
وفي قوله: {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} دليل على أنّ الله تعالى قد يجيب دعوة الكافر في الدنيا تبعاً لإجراء نعم الله على الكفّار. والخلاف في ذلك بين الأشعري والماتريدي آئل إلى الاختلاف اللفظي.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)}
لمّا أنذرهم بتوقّع العذاب أعقبه بالاستشهاد على وقوع العذاب بأمم من قبل، ليَعلَم هؤلاء أنّ تلك سنة الله في الذين ظلموا بالشرك.
وهذا الخبر مستعمل في إنذار السامعين من المشركين على طريقة التعريض، وهم المخاطبون بالقول المأمور به في الجملة التي قبلها.
فجملة: {ولقد أرسلنا} عطف على جملة: {قل أرأيتكم} [الأنعام: 40]، والواو لعطف الجمل، فتكون استئنافية إذ كانت المعطوف عليها استئنافاً. وافتتحت هذه الجملة بلام القسم و(قد) لتوكيد مضمون الجملة، وهو المفرّع بالفاء في قوله: {فأخذناهم بالبأساء والضرّاء}. نزّل السامعون المعرّض بإنذارهم منزلة من ينكرون أن يكون ما أصاب الأمم الذين من قبلهم عقاباً من الله تعالى على إعراضهم.
وقوله: {فأخذناهم} عطف على {أرسلنا} باعتبار ما يؤذن به وصف {مِنْ قبلك} من معاملة أممهم إيّاهم بمثل ما عاملك به قومك، فيدلّ العطف على محذوف تقديره: فكذّبوهم.
ولمّا كان أخذهم بالبأساء والضرّاء مقارناً لزمن وجود رسلهم بين ظهرانيهم كان الموقع لفاء العطف للإشارة إلى أنّ ذلك كان بمرأى رسلهم وقبل انقراضهم ليكون إشارة إلى أنّ الله أيّد رسله ونصرهم في حياتهم؛ لأنّ أخذ الأمم بالعقاب فيه حكمتان: إحداهما: زجرهم عن التكذيب، والثانية: إكرام الرسل بالتأييد بمرأى من المكذّبين. وفيه تكرمة للنبيء صلى الله عليه وسلم بإيذانه بأنّ الله ناصره على مكذّبيه.
ومعنى {أخذناهم} أصبناهم إصابة تمكّن. وتقدّم تفسير الأخذ عند قوله تعالى: {أخذتْه العزّة بالإثم} في سورة [البقرة: 206].
وقد ذكر متعلّق الأخذ هنا لأنّه أخْذ بشيء خاصّ بخلاف الآتي بُعيد هذا.
والبأساء والضرّاء تقدّماً عند قوله تعالى: {والصابرين في البأساء والضرّاء} في سورة [البقرة: 177]. وقد فسّر البأساء بالجوع والضرّاء بالمرض، وهو تخصيص لا وجه له، لأنّ ما أصاب الأمم من العذاب كان أصنافاً كثيرة. ولعلّ من فسَّره بذلك اعتبر ما أصاب قريشاً بدعوة النبي.
و (لَعلّ) للترّجي. جُعل علّة لابتداء أخذهم بالبأساء والضرّاء قبل الاستئصال.
ومعنى يتضرّعون} يتذلّلون لأنّ الضراعة التذلّل والتخشّع، وهو هنا كناية عن الاعتراف بالذنب والتوبة منه، وهي الإيمان بالرسل.
والمراد: أنّ الله قدّم لهم عذاباً هيّناً قبل العذاب الأكبر، كما قال: {ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلّهم يرجعون} [السجدة: 21] وهذا من فرط رحمته الممازجة لمقتضى حكمته؛ وفيه إنذار لقريش بأنّهم سيصيبهم البأساء والضرّاء قبل الاستئصال، وهو استئصال السيف. وإنّما اختار الله أن يكون استئصالهم بالسيف إظهاراً لكون نصر الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم كان بيده ويد المصدّقين به. وذلك أوقع على العرب، ولذلك روعي حال المقصودين بالإنذار وهم حاضرون. فنزّل جميع الأمم منزلتهم، فقال: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا}، فإنّ (لولا) هنا حرف توبيخ لدخولها على جملة فعلية ماضوية واحدة، فليست (لولا) حرفَ امتناع لوجود.
والتوبيخ إنّما يليق بالحاضرين دون المنقرضين لفوات المقصود. ففي هذا التنزيل إيماء إلى مساواة الحالين وتوبيخ للحاضرين بالمهمّ من العبرة لبقاء زمن التدارك قطعاً لمعذرهم.
ويجوز أن تجعل (لولا) هنا للتّمنّي على طريقة المجاز المرسل، ويكون التّمنّي كناية عن الإخبار بمحبّة الله الأمر المتمنّى فيكون من بناء المجاز على المجاز، فتكون هذه المحبّة هي ما عبّر عنه بالفرح في الحديث «الله أفرح بتوبة عبده» الحديث. وتقديم الظرف المضاف مع جملته على عامله في قوله {إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا} للاهتمام بمضمون جملته، وأنّه زمن يحقّ أن يكون باعثاً على الإسراع بالتضرّع ممّا حصل فيه من البأس.
والبأس تقدّم عند قوله تعالى: {وحين البأس} في سورة [البقرة: 177]. والمراد به هنا الشدّة على العدوّ وغلبته. ومجيء البأس: مجيء أثره، فإنّ ما أصابهم من البأساء والضرّاء أثر من آثار قوّة قدرة الله تعالى وغلبه عليهم. والمجيء مستعار للحدوث والحصول بعد أن لم يكن تشبيهاً لحدوث الشيء بوصول القادم من مكان آخر بتنقّل الخطوات.
ولمّا دلّ التوبيخ أو التمنّي على انتفاء وقوع الشيء عطف عليه ب (لَكِنْ) عطفاً على معنى الكلام، لأنّ التضرّع ينشأ عن لين القلب فكان نفيه المفاد بحرف التوبيخ ناشئاً عن ضدّ اللين وهو القساوة، فعطف بلكن}.
والمعنى: ولكن اعتراهم ما في خلقتهم من المكابرة وعدم الرجوع عن الباطل كأنّ قلوبهم لا تتأثّر فشبّهت بالشيء القاسي. والقسوة: الصلابة.
وقد وجد الشيطان من طباعهم عوناً على نفث مراده فيهم فحسّن لهم تلك القساوة وأغراهم بالاستمرار على آثامهم وأعمالهم. ومن هنا يظهر أنّ الضلال ينشأ عن استعداد الله في خلقة النفس.
والتزيين: جعل الشيء زَيْنا. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {زيّن للناس حبّ الشهوات} في سورة [آل عمران: 14].
وقوله: فلمّا نسوا ما ذُكِّروا به} عطف على جملة {قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان}. والنسيان هنا بمعنى الإعراض، كما تقدّم آنفاً في قوله: {وتَنسون ما تشركون} [الأنعام: 41]. وظاهرٌ تفرّع الترك عن قسوة القلوب وتزيين الشيطان لهم أعمالهم. و(ما) موصولة ماصْدَقُها البأساء والضرّاء، أي لمّا انصرفوا عن الفطنة بذلك ولم يهتدوا إلى تدارك أمرهم. ومعنى {ذُكِّروا به} أنّ الله ذكّرهم عقابه العظيم بما قدّم إليهم من البأساء والضرّاء. و(لمَّا) حرف شرط يدلّ على اقتران وجود جوابه بوجود شرطه، وليس فيه معنى السببية مثل بقية أدوات الشرط.
وقوله: {فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء} جواب {لمّا} والفتح ضدّ الغلق، فالغلق: سد الفرجة التي يمكن الاجتياز منها إلى ما وراءها بباب ونحوه، بخلاف إقامة الحائط فلا تسمّى غلقاً.
والفتح: جعْل الشيء الحاجز غيرَ حاجز وقابلاً للحجز، كالباب حين يفتح. ولكون معنى الفتح والغلق نسبيين بعضهما من الآخر قيل للآلة التي يمسك بها الحاجز ويفتح بها مِفتاحاً ومِغْلاقاً، وإنّما يعقل الفتح بعد تعقّل الغلق، ولذلك كان قوله تعالى: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} مقتضياً أنّ الأبواب المراد ها هنا كانت مغلقة وقت أن أخذوا بالبأساء والضرّاء، فعلم أنّها أبواب الخير لأنّها التي لا تجتمع مع البأساء والضرّاء.
فالفتح هنا استعارة لإزالة ما يؤلم ويغمّ كقوله: {ولو أنّ أهل القُرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} [الأعراف: 96]. ومنه تسمية النصر فتحنا لأنّه إزالة غمّ القهر.
وقد جُعل الإعراض عمَّا ذُكّروا به وقتاً لفتح أبواب الخير، لأنّ المعنى أنّهم لمّا أعرضوا عن الاتِّعاظ بنُذر العذاب رفعنا عنهم العذاب وفتحنا عليهم أبواب الخير، كما صُرّح به في قوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نبّيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء لعلّهم يضرّعون ثمّ بدّلنا مكان السيّئة الحسنة حتّى عفوا وقالوا قد مسّ آباءنا الضرّاء والسرّاء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} [الأعراف: 94، 95].
وقرأ الجمهور {فتحنا} بتخفيف المثنّاة الفوقية. وقرأه ابن عامر، وأبو جعفر ورُويس عن يعقوب بتشديدها للمبالغة في الفتح بكثرته كما أفاده قوله {أبوابَ كلّ شيء}.
ولفظ (كلّ) هنا مستعمل في معنى الكثرة، كما في قول النابغة:
بها كلّ ذيَّال وخنساء ترعوي *** إلى كلّ رجّاف من الرمل فارد
أو استعمل في معناه الحقيقي؛ على أنَّه عامّ مخصوص، أي أبواب كل شيء يبتغونه، وقد علم أنّ المراد بكلّ شيء جميع الأشياء من الخير خاصّة بقرينة قوله: {حتى إذا فرحوا} وبقرينة مقابلة هذا بقوله: {أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء} [الأعراف: 79]، فهنالك وصف مقدّر، أي كلّ شيء صالح، كقوله تعالى: {يأخذ كلّ سفينة غصبا} [الكهف: 79] أي صالحة.
و {حتّى} في قوله: {حتَّى إذا فرحوا} ابتدائية. ومعنى الفرح هنا هو الازدهاء والبطر بالنعمة ونسيان المنعم، كما في قوله تعالى: {إذ قال له قومه لا تفرح إنّ الله لا يحبّ الفرحين} [القصص: 76]. قال الراغب: ولم يرخّص في الفرح إلاّ في قوله تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} [يونس: 58]. و(إذا) ظرف زمان للماضي.
ومراد الله تعالى من هذا هو الإمهال لهم لعلّهم يتذكّرون الله ويوحّدونه فتطهر نفوسهم، فابتلاهم الله بالضرّ والخير ليستقصي لهم سببي التذكّر والخوف، لأنّ من النفوس نفوساً تقودها الشدّة ونفوساً يقودها اللين.
ومعنى الأخذ هنا الإهلاك. ولذلك لم يذكر له متعلِّق كما ذكر في قوله آنفاً {فأخذناهم بالبأساء والضرّاء} للدلالة على أنَّه أخذ لا هوادة فيه.
والبغتة فعلة من البغْت وهو الفُجأة، أي حصول الشيء على غير ترقّب عند من حصل له وهي تستلزم الخفاء. فلذلك قوبلت بالجهرة في الآية الآتية. وهنا يصحّ أن يكون مؤوّلاً باسم الفاعل منصوباً على الحال من الضمير المرفوع، أي مباغتين لهم، أو مؤوّلاً باسم المفعول على أنَّه حال من الضمير المنصوب، أي مبغوتين، {وكذلك أخذ ربّك إذا أخذ القرى وهي ظالمة}
[هود: 102].
وقوله: {فإذا هم مبلسون} (إذا] فجائية. وهي ظرف مكان عند سيبويه، وحرف عند نحاة الكوفة.
والمبلسون اليائسون من الخير المتحيّرون، وهو من الإبلاس، وهو الوجوم والسكوت عند طلب العفو يأساً من الاستجابة.
وجملة {فقطع دابر القوم} معطوفة على جملة {أخذناهم}، أي فأخذناهم أخذ الاستئصال. فلم يُبق فيهم أحداً.
والدابر اسم فاعل من دَبَره من باب كَتَب، إذا مشى من ورائه. والمصدر الدبور بضم الدال، ودابر الناس آخرهم، وذلك مشتقّ من الدُبُر، وهو الوراء، قال تعالى: {واتَّبِع أدبارهم} [الحجر: 65]. وقطع الدابر كناية عن ذهاب الجميع لأنّ المستأصل يبدأ بما يليه ويذهب يستأصل إلى أن يبلغ آخره وهو دَابره، وهذا ممّا جرى مجرى المثل، وقد تكرّر في القرآن، كقوله: {أنّ دابر هؤلاء مَقطوع مصبحين} [الحجر: 66].
والمراد بالذين ظلموا المشركون، فإنّ الشرك أعظم الظلم، لأنَّه اعتداء على حقّ الله تعالى على عباده في أن يعترفوا له بالربوبية وحده، وأنّ الشرك يستتبع مظالم عدّة لأنّ أصحاب الشرك لا يؤمنون بشرع يزع الناس عن الظلم.
وجملة: {والحمد لله ربّ العالمين} يجوز أن تكون معطوفة على جملة: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} بما اتَّصل بها. عطف غرض على غرض. ويجوز أن تكون اعتراضاً تذييلياً فتكون الواو اعتراضية. وأيَّاً ما كان موقعها ففي المراد منها اعتبارات ثلاثة:
أحدها: أن تكون تلقيناً للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يحمدوا الله على نصره رسلَه وأولياءهم وإهلاك الظالمين، لأنّ ذلك النصر نعمة بإزالة فساد كان في الأرض، ولأنّ في تذكير الله الناس به إيماء إلى ترقّب الإسوة بما حصل لمن قبلهم أن يترقَّبوا نصر الله كما نصر المؤمنين من قبلهم؛ فيكون {الحمد لله} مصدراً بدلاً من فعله، عُدل عن نصبه وتنكيره إلى رفعه وتعريفه للدلالة على معنى الدوام والثبات، كما تقدّم في قوله تعالى: {الحمد لله} في سورة [الفاتحة: 2].
{ثانيها}: أن يكون {الحمد لله} كناية عن كون ما ذكر قبله نعمة من نعم الله تعالى لأنّ من لوازم الحمد أن يكون على نعمة، فكأنّه قيل: فقطع دابر القوم الذين ظلموا. وتلك نعمة من نعم الله تقتضي حمده.
ثالثها: أن يكون إنشاءَ حمد لله تعالى من قِبَل جلاله مستعملاً في التعجيب من معاملة الله تعالى إيّاهم وتدريجهم في درجات الإمهال إلى أن حقّ عليهم العذاب.
ويجوز أن يكون إنشاءَ الله تعالى ثناء على نفسه، تعريضاً بالامتنان على الرسول والمسلمين.
واللام في {الحمد} للجنس، أي وجنس الحمد كلّه الذي منه الحمد على نعمة إهلاك الظالمين.
وفي ذلك كلّه تنبيه على أنَّه يحقّ الحمد لله عند هلاك الظلمة، لأنّ هلاكهم صلاح للناس، والصلاح أعظم النعم، وشكر النعمة واجب. وهذا الحمد شكر لأنّه مقابل نعمة. وإنّما كان هلاكهم صلاحاً لأنّ الظلم تغيير للحقوق وإبطال للعمل بالشريعة، فإذا تغير الحقّ والصلاح جاء الدمار والفوضى وافتتن الناس في حياتهم فإذا هلك الظالمون عاد العدل، وهو ميزان قوام العالم.
أخرج أحمد بن حنبل عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحبّ فإنّما هو استدراح ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {فلمّا نسُوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين}.
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)}
استئناف ابتدائي عاد به إلى الجدال معهم في إشراكهم بالله تعالى بعد أن انصرف الكلام عنه بخصوصه من قوله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة} [الأنعام: 19] وما تفنَّن عقب ذلك من إثبات البعث وإثبات صدق الرسول وذكر القوارع والوعيد إلى قوله: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة} [الأنعام: 40] الآيات. وتكرير الأمر بالقول للوجه الذي تقدّم آنفاً عند قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله} [الأنعام: 40] الآية.
والرؤية قلبية متعدّية إلى مفعولين، وليس هذا من قبيل الاستعمال المتقدّم آنفاً في قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة} [الأنعام: 40] الآية.
واختلاف القرّاء في {أرأيتم} كاختلافهم في مثله من قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله} [الأنعام: 40] الآية.
والأخذ: انتزاع الشيء وتناوله من مقرّه، وهو هنا مجاز في السلب والإعدام، لأنّ السلب من لوازم الأخذ بالنسبة إلى المأخوذ منه فهو مجاز مرسل. ولك أن تجعله تمثيلاً لأنّ الله هو معطي السمع والبصر فإذا أزالها كانت تلك الإزالة كحالة أخذ ما كان أعطاه، فشبّهت هيئة إعدام الخالق بعض مواهب مخلوقه بهيئة انتزاع الآخذ شيئاً من مقرّه. فالهيئة المشبّه هنا عقلية غير محسوسة والهيئة المشبّهة بها محسوسة. والختم على القلوب تقدّم بيانه في سورة [البقرة: 7] عند قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم} والمراد بالقلوب العقول التي بها إدراك المعقولات.
والسمع مصدر دالّ على الجنس فكان في قوة الجمع، فعمّ بإضافته إلى ضمير المخاطبين ولا حاجة إلى جمعه.
والأبصار جمع بصر، وهو في اللغة العين على التحقيق. وقيل: يطلق البصر على حاسّة الإبصار ولذلك جمع ليعمّ بالإضافة جميع أبصار المخاطبين، ولعلّ إفراد السمع وجمْع الأبصار جرى على ما يقتضيه تمام الفصاحة من خفَّة أحد اللفظين مُفْرداً والآخر مجموعاً عند اقترانهما، فإنّ في انتظام الحروف والحركات والسكنات في تنقُّل اللسان سِرّاً عجيباً من فصاحة كلام القرآن المعبّر عنها بالنَّظم. وكذلك نرى مواقعها في القرآن قال تعالى: {وجعلنا لهم سمعاً وإبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} [الأنعام: 26.]
والقلوب مراد بها العقول في كلام العرب لأنّ القلب سبب إمداد العقل بقوّة الإدراك.
وقوله: {مَنْ إله} معلِّق لفعل الرؤية لأنّه استفهام، أي أعلِمتم جوابَ هذا الاستفهام أم أنتم في شكّ. وهو استفهام مستعمل في التقرير يقصد منه إلجاء السامعين إلى النظر في جوابه فيوقنوا أنّه لا إله غير الله يأتيهم بذلك لأنّه الخالق للسمع والأبصار والعقول فإنّهم لا ينكرون أنّ الأصنام لا تخلق، ولذلك قال لهم القرآن: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تَذّكَّرون} [النحل: 17].
و {مَنْ} في موضع رفع على الابتداء، و{إله} خَبَر {مَنْ}، و{غيرُ الله} صفة {إله}، و{يأتيكم} جملة في محلّ الصفة أيضاً، والمستفهم عنه هو إله، أي ليس إله غير الله يأتي بذلك، فدلّ على الوحدانية.
ومعنى {يأتيكم به} يُرجعه، فإنّ أصل أتى به، جاء به. ولمّا كان الشيء المسلوب إذا استنقذه منقذ يأتي به إلى مقرّه أطلق الإتيان بالشيء على إرجاعه مجازاً أو كناية.
والضمير المجرور بالباء عائد إلى السمع والأبصار والقلوب، على تأويلها بالمذكور فلذلك لم يقل بها. وهذا استعمال قليل في الضمير، ولكنَّه فصيح. وقد تقدّم في تفسير قوله تعالى: {إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به} في سورة [المائدة: 36]، وعند قوله: {وآتوا النساء صدقاتهنّ نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً} في سورة [النساء: 4]، وإيثاره هنا على أن يقال: يأتيكم بها، لدفع توهّم عود الضمير إلى خصوص القلوب.
والكلام جار مجرى التهديد والتخويف، اختير فيه التهديد بانتزاع سمعهم وأبصارهم وسلْب الإدراك من قلوبهم لأنَّهم لم يشكروا نعمة هذه المواهب بل عدموا الانتفاع بها، كما أشار إليه قوله آنفاً {وجعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها} [الأنعام: 25]. فكان ذلك تنبيهاً لهم على عدم إجداء هذه المواهب عليهم مع صلاحيتها للانتفاع، وناسب هنا أن يهدّدوا بزوالها بالكليّة إن داموا على تعطيل الانتفاع بها فيما أمر به خالقها.
وقوله {انْظُرْ} تنزيل للأمر المعقول منزلة المشاهد، وهو تصريف الآيات مع الإعراض عنها حتّى أنّ النّاظر يستطيع أن يراها، فأمّا الأمر فهو مستعمل في التعجيب من حال إعراضهم.
والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً تتنزّل منزلة التذييل للآيات السابقة، فإنّه لمَّا غمرهم بالأدلّة على الوحدانية وصدْق الرسول، وأبطل شبههم عقّب ذلك كلّه بالتعجيب من قوّة الأدلّة مع استمرار الإعراض والمكابرة، وقد تقدّم قريب منه عند قوله تعالى: {انظر كيف يفترون على الله الكذب} في سورة [النساء: 50]. وهذا تذكير لهم بأنّ الله هو خالق أسماعهم وأبصارهم وألبابهم فما كان غيره جديراً بأن يعبدون.
وتصريف الآيات اختلاف أنواعها بأن تأتي مرة بحجج من مشاهدات في السماوات والأرض، وأخرى بحجج من دلائل في نفوس الناس، ومرّة بحجج من أحوال الأمم الخالية التي أنشأها الله، فالآيات هنا هي دلائل الوحدانية، فهي متَّحدة في الغاية مختلفة الأساليب متفاوتة في الاقتراب من تناول الأفهام عامّها وخاصّها، وهي أيضاً مختلفة في تركيب دلائلها من جهتي المقدّمات العقلية وغيرها، ومن جهتي الترغيب والترهيب ومن التنبيه والتذكير، بحيث تستوعب الإحاطة بالأفهام على اختلاف مدارك العقول.
والتعريف في الآيات} للعهد، وهي المعهودة في هذه السورة ابتداء من قوله: {الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1].
و {ثم} للترتيب الرتبي لأنّها عطفت جملة على جملة، فهي تؤذن بأنّ الجملة المعطوفة أدخل في الغرض المسوق له الكلام، وهو هنا التعجيب من قوة الأدلّة وأنّ استمرار الإعراض والمكابرة مع ذلك أجدر بالتعجيب به.
وجيء بالمسند في جملة {هم يصدفون} فعلاً مضارعاً للدلالة على تجدّد الإعراض منهم. وتقديم المسند إليه على الخبر الفِعْلِيّ لتَقَوّي الحُكم.
و {يصدفون} يعرضون إعراضاً شديداً. يقال: صَدَف صَدْفاً وصُدوفاً، إذا مال إلى جانب وأعرض عن الشيء. وأكثر ما يستعمل أن يكون قاصراً فيتعدّى إلى مفعوله ب (عن). وقد يستعمل متعدّياً كما صرّح به في «القاموس». وقلّ التعرّض لذلك في كتب اللغة ولكن الزمخشري في تفسير قوله تعالى في أواخر هذه السورة {فمن أظلم ممّن كذّب بآيات الله وصدف عنها} [الأنعام: 157] قدّر: وصدف الناسَ عنها، مع أنّه لم يتعرّض لذلك في الأساس ولا علّق على تقديره شارحوه. ولمّا تقدّم ذكر الآيات حُذف متعلِّق {يصدفون} لظهوره، أي صدف عن الآيات.
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)}
استئناف للتهديد والتوعّد وإعذار لهم بأنّ إعراضهم لا يرجع بالسوء إلاّ عليهم ولا يضرّ بغيرهم، كقوله: {وهم يَنْهَوْن عنه ويَنْأوْن عنه وإنْ يُهْلِكُون إلاّ أنفسهم وما يشعرون} [الأنعام: 26].
والقول في {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة} الآية كالقول في نظيريْه المتقدّمين.
وجيء في هذا وفي نظيره المتقدّم بكاف الخطاب مع ضمير الخطاب دون قوله: {قل أرأيتم إنْ أخذَ الله سمْعكم وأبْصارَكم} [الأنعام: 46] الآية لأنّ هذا ونظيره أبلغ في التوبيخ لأنّهما أظهر في الاستدلال على كون المشركين في مكنة قدرة الله، فإنّ إتيان العذاب أمكن وقوعاً من سلب الأبصار والأسماع والعقول لندرة حصول ذلك، فكان التوبيخ على إهمال الحذر من إتيان عذاب الله، أقوى من التوبيخ على الاطمئنان من أخذ أسماعهم وأبصارهم، فاجتلب كاف الخطاب المقصود منه التنبيه دون أعيان المخاطبين. والبغتة تقدّمت آنفاً.
والجهرة: الجَهْر، ضدّ الخفية، وضدّ السرّ. وقد تقدّم عنه قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} في سورة [البقرة: 55]
وقد أوقع الجهرة هنا في مقابلة البغتة وكان الظاهر أن تقابل البغتة بالنّظرة أو أن تقابل الجهرة بالخفية، إلاّ أنّ البغتة لمّا كانت وقوع الشيء من غير شعور به كان حصولها خفيّاً فحسن مقابلته بالجهرة، فالعذاب الذي يجيء بغتة هو الذي لا تسبقه علامة ولا إعلام به. والذي يجيء جهرة هو الذي تسبقه علامة مثل الكِسْف المحكي في قوله تعالى: {فلمّا رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض مُمطرنا} [الأحقاف: 24] أو يسبقه إعلام به كما في قوله تعالى: {فعَقروها فقال تمتّعوا في داركم ثلاثة أيام} [هود: 65]. فإطلاق الجهرة على سبق ما يشعر بحصول الشيء إطلاق مجازي. وليس المراد من البغتة الحاصل ليلاً ومن الجهرة الحاصل نهاراً.
والاستفهام في قوله: {هل يُهلَك} مستعمل في الإنكار فلذلك جاء بعده الاستثناء. والمعنى لا يهلك بذلك العذاب إلاّ الكافرون.
والمراد بالقوم الظالمين المخاطبون أنفُسهم فأظهر في مقام الإضمار ليتأتّى وصفهم أنّهم ظالمون، أي مشركون، لأنَّهم ظالمون أنفسهم وظالمون الرسول والمؤمنين.
وهذا يتضمَّن وعْداً من الله تعالى بأنه منجي المؤمنين، ولذلك أذنَ رسوله بالهجرة من مكة مع المؤمنين لئلاّ يحلّ عليهم العذاب تكرمة لهم كما أكرم لُوطاً وأهله، وكما أكرم نوحاً ومن آمن معه، كما أشار إليه قوله تعالى: {وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] ثم قوله: {وما لهم أن لا يعذّبهم الله} [الأنفال: 34].
{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)}
عطف على جملة {انظر كيف نصرّف الآيات ثم هم يصدفون} [الأنعام: 46]. والمناسبة أنّ صدوفهم وإعراضهم كانوا يتعلّلون له بأنَّهم يَرُومون آيات على وفق مقترحهم وأنَّهم لا يقنعون بآيات الوحدانية، ألا ترى إلى قولهم: {لن نؤمن لك حتّى تفجِّر لنا من الأرض ينبوعاً} [الإسراء: 90] إلى آخر ما حكي عنهم في تلك الآية، فأنبأهم الله بأنّ إرسال الرسل للتبليغ والتبشير والنذارة لا للتّلهّي بهم باقتراح الآيات.
وعُبِّر ب {نُرسل} دون {أرسلنا} للدلالة على تجدّد الإرسال مقارناً لهذين الحالين، أي ما أرسلنا وما نرسل، فقوله: {مُبشّرين ومنذرين} حالان مقدّرتان باعتبار المستقبل ومحقّقتان باعتبار الماضي.
والاستثناء من أحوال محذوفة، أي ما أرسلناهم إلاّ في حالة كونهم مبشّرين ومنذرين.
والقصرُ إضافي للردّ على من زعموا أنّه إنْ لم يأتهم بآية كما اقترحوا فليس برسول من عند الله، فهو قصر قلب، أي لم نرسل الرسول للإعجاب بإظهار خوارق العادات. وكنّى بالتبشير والإنذار عن التبليغ لأنّ التبليغ يستلزم الأمرين وهما الترغيب والترهيب، فحصل بهذه الكناية إيجاز إذ استغنى بذكر اللازم عن الجمع بينه وبين الملزوم.
والفاء في قوله: {فمن آمن} للتفريع، أي فمن آمن من المرسل إليهم فلا خوف الخ. و{مَنْ} الأظهر أنَّها موصولة كما يرجّحه عطف {والذين كذّبوا} عليه. ويجوز أن تكون شرطية لا سيما وهي في معنى التفصيل لقوله: {مبشِّرين ومنذرين}. فإن كانت شرطية فاقتران {فلا خوف} بالفاء بيِّن، وإن جعلت موصولة فالفاء لمعاملة الموصول معاملة الشرط، والاستعمالات متقاربان.
ومعنى {أصْلح} فَعَلَ الصلاح، وهو الطاعة لله فيما أمر ونهى، لأنّ الله ما أراد بشرعه إلاّ إصلاح الناس كما حكَى عن شعيب {إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت} [هود: 88].
والمسُّ حقيقته مباشرة الجسم باليد وهو مرادف اللمس والجسّ، ويستعار لإصابة جسم جسماً آخر كما في هذه الآية.
وقد تقدّم في قوله تعالى: {ليَمَسَّنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم} في سورة [المائدة: 73]. ويستعار أيضاً للتَّكيّف بالأحوال كما يقال: به مسّ من الجنون. قال تعالى: {إنّ الذين اتَّقوا ءا مسَّهم طائف من الشيطان تذكَّروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201].
وجمع الضمائر العائدة إلى (مَنْ) مراعاة لمعناها، وأمَّا إفراد فعل {آمن} و{أصلح} فلرعي لفظها.
والباء للسببية، و(ما) مصدرية، أي بسبب فسقهم. والفسق حقيقته الخروج عن حدّ الخير. وشاع استعماله في القرآن في معنى الكفر وتجاوز حدود الله تعالى. وتقدّم تفصيله عند قوله تعالى: {وما يضلّ به إلاّ الفاسقين} في سورة [البقرة: 26].
وجيء بخبر (كان) جملة مضارعية للإشارة إلى أنّ فسقهم كان متجدّداً متكرّراً، على أنّ الإتيان ب (كان) أيضاً للدلالة على الاستمرار لأنّ (كان) إذا لم يقصد بها انقضاء خبرها فيما مضى دلَّت على استمرار الخبر بالقرينة، كقوله تعالى: {وكان الله غفوراً رحيما} [النساء: 96].
{قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)}
لمّا تقضّت المجادلة مع المشركين في إبطال شركهم ودحْض تعاليل إنكارهم نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم بأنَّهم لا يؤمنون بنبوءته إلاّ إذا جاء بآية على وفق هواهم، وأبطلت شبهتهم بقوله: {وما نرسل المرسلين إلاّ مبشِّرين ومنذرين} [الأنعام: 48] وكان محمد صلى الله عليه وسلم ممَّن شمله لفظ المرسلين، نقل الكلام إلى إبطال معاذيرهم فأعلمهم الله حقيقة الرسالة واقترانها بالآيات فبيّن لهم أنّ الرسول هو الذي يتحدّى الأمّة لأنّه خليفة عن الله في تبليغ مراده من خلقه، وليست الأمّة هي التي تتحدّى الرسول، فآية صدق الرسول تجيء على وفق دعواه الرسالة، فلو أدّعى أنّه مَلك أو أنّه بُعث لإنقاذ الناس من أرزاء الدنيا ولإدناء خيراتها إليهم لكان من عذرهم أن يسألوه آيات تؤيِّد ذلك، فأمّا والرسول مبعوث للهدى فآيته أن يكون ما جاء به هو الهدى وأن تكون معجزته هو ما قارن دعوته ممّا يعجز البشر عن الإتيان بمثله في زمنهم.
فقوله {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من غرض إلى غرض. وافتتاح الكلام بالأمر بالقول للاهتمام بإبلاغه، كما تقدّم عند قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة} [الأنعام: 40].
وقد تكرّر الأمر بالقول من هنا إلى قوله {لكلّ نبأ مستقرّ} [الأنعام: 67] اثنتي عشرة مرة.
والاقتصار على نفي ادّعاء هذه الثلاثة المذكورة في الآية ناظر إلى ما تقدّم ذكره من الآيات التي سألوها من قوله تعالى: {وقالوا لولا أنز ل عليه ملَك} [الأنعام: 8] وقوله: {ولو نَزّلنا عليك كتاباً في قرطاس} [الأنعام: 7] وقوله: {فإن استطعتَ أن تَبْتَغِي نَفَقاً في الأرض} [الأنعام: 35] الآية.
وافتتح الكلام بنفي القول ليدلّ على أنّ هذا القول لم يقترن بدعوى الرسالة فلا وجه لاقتراح تلك الأمور المنفي قولها على الرسول لأنّ المعجزة من شأنها أن تجيء على وفق دعوى الرسالة.
واللام في {لكم} لام التبليغ، وهي مفيدة تقوية فعل القول عندما لا تكون حاجة لذكر المواجَه بالقول كما هنا لظهور أنّ المواجَه بالقول هم المكذّبون، ولذلك ورد قوله تعالى: {ولا أقول إنِّي ملَك} [هود: 31] مجرّداً عن لام التبليغ. فإذا كان الغرض ذكر المواجَه بالقول فاللام حينئذٍ تسمَّى لام تعدَّية فعل القول فالذي اقتضى اجتلابَ هذه اللام هنا هو هذا القول بحيث لو قاله قائل لكان جديراً بلام التبليغ.
والخزائن جمع خِزانة بكسر الخاء وهي البيت أو الصندوق الذي يحتوي ما تتوق إليه النفوس وما ينفع عند الشدّة والحاجة. والمعنى أنّى ليس لي تصرّف مع الله ولا أدّعي أني خازن معلومات الله وأرزاقه.
و {خزائن الله} مستعارة لتعلّق قدرة الله بالإنعام وإعطاء الخيرات النافعة للناس في الدنيا.
شبّهت تلك التعلّقات الصّلُوحية والتنجيزية في حَجْبها عن عيون الناس وتناولهم مع نفعها إيّاهم، بخزائن أهل اليسار والثروة التي تجمع الأموال والأحبية والخلع والطعام، كما أطلق عليها ذلك في قوله تعالى: {ولله خزائن السماوات والأرض} [المنافقون: 7]، أي ما هو مودع في العوالم العليا والسفلى ممّا ينفع الناس، وكذلك قوله: {وإنْ من شيء إلاّ عندنا خَزائنه} [الحجر: 21].
وتقديم المسند وهو قوله {عندي} للاهتمام به لما فيه من الغرابة والبشارة للمخبرين به لو كان يقوله.
وقوله: {ولا أعلم الغيب} عطف على {عندي خزائن الله} فهو في حيَّز القول المنفي. وأعيد حرف النفي على طريقة عطف المنفيات بعضها على بعض فإنّ الغالب أن يعاد معها حرف النفي للتنصيص على أنّ تلك المتعاطفات جميعها مقصودة بالنفي بآحادها لئلاّ يتوهّم أنّ المنفي مجموع الأمرين. والمعنى لا أقول أعلم الغيب، أي علماً مستمراً ملازماً لصفة الرسالة. فأمّا إخباره عن بعض المغيّبات فذلك عند إرادة الله إطلاعه عليه بوحي خاصّ، كما قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول} [الجن: 26، 27] وهو داخل تحت قوله {إنْ أتّبع إلاّ ما يوحي إلي}.
وعطف: {ولا أقول لكم إنِّي ملك} على {لا أقول لكم عندي خزائن الله} بإظهار فعل القول فيه، خلافاً لقوله: {ولا أعلم الغيب} لعلَّه لدفع ثقل التقاء حرفين: (لا) وحرف (إنّ) الذي اقتضاه مقام التأكيد، لأنّ إدّعاء مثله من شأنه أن يؤكّد، أي لم أدّع أنِّي من الملائكة فتقولوا: {لولا أنزل عليه ملك} [الأنعام: 8]، فنفي كونه ملكاً جواب عن مقترحهم أن ينزَل عليهم ملك أو أن يكون معه ملك نذيراً. والمقصود نفي أن يكون الرسول من جنس الملائكة حتى يكون مقارناً لمَلك آخر مقارنة تلازم كشأن أفراد الجنس الواحد. وكانوا يتوهَّمون أنّ الرسالة تقتضي أن يكون الرسول من غير جنس البشر فلذلك قالوا: {ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} [الفرقان: 7]. فالمعنى نفي ماهية المَلَكية عنه لأنّ لجنس الملك خصائص أخرى مغايرة لخصائص البشر. وهذا كما يقول القائل لمن يكلِّفه عنتاً: إنِّي لست من حديد.
ومن تلفيق الاستدلال أن يستدلّ الجُبائي بهذه الآية على تأييد قول أصحابه المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء مع بُعد ذلك عن مهيع الآية. وقد تابعه الزمخشري، وكذلك دأبه كثيراً ما يُرْغِم معاني القرآن على مسايرة مذهبه فتنزو عصبيته وتَنْزوي عبقريته، وهذه مسألة سنتكلَّم عليها في مظنَّتها.
وجملة {إنْ أتَّبع إلاّ ما يُوحي إليّ} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّه لمَّا نفي أن يقول هذه المقالات كان المقامُ مثيراً سؤال سائل يقول: فماذا تدّعي بالرسالة وما هو حاصلها لأنّ الجهلة يتوهَّمون أنّ معنى النبوءة هو تلك الأشياء المتبرّأ منها في قوله: {قل لا أقول لكم عندي خزائن} الخ، فيجاب بقوله: {إن أتَّبع إلاّ ما يوحي إليّ}، أي ليست الرسالة إلاّ التبليغ عن الله تعالى بواسطة الوحي.
فمعنى {أتَّبع} مجاز مرسل في الاقتصار على الشيء وملازمته دون غيره. لأنّ ذلك من لوازم معنى الاتِّباع الحقيقي وهو المشي خلف المتّبَع بفتح الموحّدة، أي لا أحيد عن تبليغ ما يوحى إليّ إلى إجابة المقترحات من إظهار الخوارق أو لإضافة الأرزاق أوْ إخبار بالغيب، فالتَّلقِّي والتبليغ هو معنى الاتِّباع، وهو كنه الرسالة عن الله تعالى. فالقصر المستفاد هنا إضافي، أي دون الاشتغال بإظهار ما تقترحونه من الخوارق للعادة. والغرض من القصر قلب اعتقادهم أنّ الرسول لا يكون رسولاً حتَّى يأتيهم بالعجائب المسؤولة. وقد حصل بذلك بيان حقيقة الرسالة تلك الحقيقة التي ضلّ عن إدراكها المعاندون. وهذا معنى قوله تعالى: {وما نرسل المرسلين إلاّ مبشِّرين ومنذرين} [الأنعام: 48].
وإذ قد كان القصر إضافياً كان لا محالة ناظراً إلى قلب اعتقادهم بالنسبة لمطالبهم باتِّباع مقترحاتهم، أي لا أتَّبع في التبليغ إليكم إلاّ ما يوحى إليّ. فليس في هذا الكلام ما يقتضي قصر تصرّف الرسول عليه الصلاة والسلام على العمل بالوحي حتَّى يحتجّ بها من ينفي من علمائنا جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم في أمور الدين لأنّ تلك مسألة مستقلّة لها أدلَّة للجانبين، ولا مساس لها بهذا القصر. ومن توهّمه فقد أساء التأويل.
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ}.
هذا ختام للمجادلة معهم وتذييل للكلام المفتتح بقوله {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله}، أي قل لهم هذا التذييل عقب ذلك الاستدلال.
وشبّهت حالة من لا يفقه الأدلّة ولا يفكِّك بين المعاني المتشابهة بحالة الأعمى الذي لا يعرف أين يقصد ولا أين يضع قدمه. وشبِّهت حالة من يُميِّز الحقائق ولا يلتبس عليه بعضها ببعض بحالة القويّ البصر حيث لا تختلط عليه الأشباح. وهذا تمثيل لحال المشركين في فساد الوضع لأدلَّتهم وعُقم أقيستهم، ولحال المؤمنين الذين اهتدوا ووضعوا الأشياء مواضعها، أو تمثيل لحال المشركين التي هم متلبّسون بها والحال المطلوبة منهم التي نفروا منها ليعلموا أيّ الحالين أولى بالتخلّق.
وقوله {أفلا تتفكّرون} استفهام إنكار. وهو معطوف بالفاء على الاستفهام الأول، لأنّه مترتِّب عليه لأنّ عدم استواء الأعمى والبصير بديهي لا يسعهم إلاّ الاعتراف بعدم استوائهما فلا جرم أن يتفرّع عليه إنكار عدم تفكّرهم في أنَّهم بأيّهما أشبه. والكلام على الأمر بالقول مثل ما تقدّم عند قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة} [الأنعام: 40].
والتفكّر: جولان العقل في طريق استفادة علم صحيح.
{وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)}
الأظهر أنَّه عطف على قوله: {قل هل يستوي الأعمى والبصير} [الأنعام: 50] لأنّ ذلك مقدّمة لذكر مَن مثّلت حالهم بحال البصير وهم المؤمنون.
وضمير {به} عائد إلى {ما يوحى إليّ} [الأنعام: 50] وهو القرآن وما يُوحى به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم غير مراد به الإعجاز.
و {والذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} هم المؤمنون الممثّلون بحال البصير. وعُرّفوا بالموصول لما تدلّ عليه الصلة من المدح، ومن التعليل بتوجيه إنذاره إليهم دون غيرهم، لأنّ الإنذار للذين يخافون أن يحشروا إنذار نافع، خلافاً لحال الذين ينكرون الحشر، فلا يخافونه فضلاً عن الاحتياج إلى شفعاء.
و {أن يحشروا} مفعول {يخافون}، أي يخافون الحشر إلى ربِّهم فهم يقدّمون الأعمال الصالحة وينتهون عمَّا نهاهم خيفة أن يَلقَوا الله وهو غير راض عنهم. وخوفُ الحشر يقتضي الإيمان بوقوعه. ففي الكلام تعريض بأنّ المشركين لا ينجع فيهم الإنذار لأنَّهم لا يؤمنون بالحشر فكيف يخافونه.. ولذلك قال فيهم {إنّ الذين كفروا سواء عليهم ءَأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6].
وجملة: {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} حال من ضمير {أن يحشروا}، أي يحشروا في هذه الحالة، فهذه الحال داخلة في حيّز الخوف. فمضمون الحال معتقد لهم، أي ليسوا ممَّن يزعمون أنّ لهم شفعاء عند الله لا تردّ شفاعتهم، فهم بخلاف المشركين الذين زعموا أصنامهم شفعاء لهم عند الله.
وقوله {من دونه} حال من {ولي} و{شفيع}، والعامل في الحال فعل {يخافون}، أي ليس لهم ولي دون الله ولا شفيع دون الله ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا. وهو تعريض بالمشركين الذين اتَّخذوا شفعاء وأولياء غير الله.
وفي الآية دليل على ثبوت الشفاعة بإذن الله كما قال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه} [البقرة: 255]. ولصاحب «الكشاف» هنا تكلّفات في معنى {يخافون أن يحشروا} وفي جعل الحال من ضمير {يحشروا} حالاً لازمة، ولعلّه يرمي بذلك إلى أصل مذهبه في إنكار الشفاعة.
وقوله: {لعلّلهم يتَّقون} رجاء مسوق مساق التعليل للأمر بإنذار المؤمنين لأنَّهم يرجى تقواهم، بخلاف من لا يؤمنون بالبعث.
{وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)}
عطف على قوله: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم} [الأنعام: 51] لأنّه في معنى أنذرهم ولازمهم وإن كره ذلك متكبّرو المشركين. فقد أجريت عليهم هنا صلة أخرى هي أنسب بهذا الحكم من الصلة التي قبلها، كما أنّ تلك أنسبُ بالحكم الذي اقترنت معه منها بهذا، فلذلك لم يُسلك طريق الإضمار، فيقال: ولا تَطْردْهُم، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاء داعياً إلى الله فأولى الناس بملازمته الذين هجيّراهم دعاء الله تعالى بإخلاص فكيف يطردهم فإنّهم أولى بذلك المجلس، كما قال تعالى: {إنّ أولى الناس بإبراهيم للّذين اتَّبعوه} [آل عمران: 68].
روى مسلم عن سعد بن أبي وقَّاص قال: كنَّا مع النَّبيء ستة نفر، فقال المشركون للنبيء: أطرد هؤلاء لا يَجْتَرئُون علينا. قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هُذيل، وبلال، ورجلان، لست أسمِّيهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه فأنزل الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} اه. وسمّى الواحدي بقيّة الستَّة: وهم صهيب، وعمّار بن ياسر، والمقدادُ بن الأسود، وخبّاب بن الأرتّ. وفي قول ابن مسعود «فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله» إجمال بيِّنه ما رواه البيهقي أنّ رؤساء قريش قالوا لرسول الله: لو طردت هؤلاء الأعْبُدَ وأرواحَ جِبَابِهم (جمع جُبّة) جَلَسْنا إليك وحادثناك. فقال: ما أنا بطارد المؤمنين. فقالوا: فأقمهم عنّا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: نعم، طَعماً في إيمانهم. فأنزل الله هذه الآية. ووقع في «سنن» ابن ماجة عن خبَّاب أنّ قائل ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم الأقْرعُ بن حابس وعُبَيْنَةُ بن حِصْن، وأنّ ذلك سبب نزول الآية، وقال ابن عطية: هو بعيد لأنّ الآية مكية. وعيينة والأقرع إنَّما وفَدا مع وفد بني تميم بالمدينة سنة الوفود. اه. قلت: ولعلّ ذلك وقع منهما فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية التي نزلت في نظير اقتراحهما.
وفي سنده أسباط بن نصر أو نضر، ولم يكن بالقوي، وفيه السديّ ضعيف. وروي مثله في بعض التفاسير عن سلمان الفارسي، ولا يعرف سنده. وسمّى ابنُ إسحاق أنَّهم المستضعفون من المؤمنين وهم: خبَّاب، وعمَّار، وأبُو فُكيهة، يسار مَولى صفوان بن أمية بن مُحرّث، وصهيب وأشباههم، وأنّ قريشاً قالوا: {أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا} [الأنعام: 53] وذكر الواحدي في «أسباب النزول»: أنّ هذه الآية نزلت في حياة أبي طالب. فعن عكرمة قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومُطعِم بن عدي، والحارثُ بن نوفل، في أشراف بني عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أنّ ابن أخيك محمداً يَطرد عنه موالينا وعبيدنا وعتقاءنا كان أعظم من صدورنا وأطمع له عندنا وأرجى لاتِّبَاعِنا إيَّاه وتصديقنا له.
فأتى أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدّثه بالذي كلَّموه، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتَّى ننظر ما الذي يريدون وإلامَ يصيرون من قولهم، فأنزل الله هذه الآية. فلمّا نزلت أقبل عمر يعتذر.
والمعنى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرصه على إيمان عظماء قريش ليكونوا قدوة لقومهم ولعلمه بأنّ أصحابه يحرصون حرصه ولا يوحشهم أن يقاموا من المجلس إذا حضره عظماء قريش لأنّهم آمنوا يريدون وجه الله لا للرياء والسمعة ولكن الله نهاه عن ذلك. وسمَّاه طرداً تأكيداً لمعنى النهي، وذلك لحكمة: وهي كانت أرجح من الطمع في إيمان أولئك، لأنّ الله اطّلع على سرائرهم فعلم أنّهم لا يؤمنون، وأراد الله أن يظهر استغناء دينه ورسوله عن الاعتزاز بأولئك الطغاة القساة، وليظهر لهم أنّ أولئك الضعفاء خير منهم، وأنّ الحرص على قربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من الحرص على قرب المشركين، وأنّ الدين يرغب الناس فيه وليس هو يرغب في الناس كما قال تعالى: {يمنّون عليك أنْ أسلموا قُل لا تَمنُوا عليّ إسلامكم بلْ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17].
ومعنى {يدعون ربّهم} يعلنون إيمانهم به دون الأصنام إعلاناً بالقول، وهو يستلزم اعتقاد القائل بما يقوله، إذ لم يكن يومئذٍ نفاق وإنَّما ظهر المنافقون بالمدينة.
والغداة: أوّل النهار. والعشيّ من الزوال إلى الصباح. والباء للظرفية. والتعريف فيهما تعريف الجنس. والمعنى أنّهم يدعون الله اليوم كلّه. فالغداة والعشي قصد بهما استيعاب الزمان والأيام كما يقصد بالمشرق والمغرب استيعاب الأمكنة. وكما يقال: الحمد لله بكرة وأصيلاً، وقيل: أريد بالدعاء الصلاة. وبالغداة والعشي عموم أوقات الصلوات الخمس. فالمعنى ولا تطرد المصلّين، أي المؤمنين.
وقرأ الجمهور {بالغَداة} بفتح الغين وبألف بعد الدال. وقرأه ابن عامر بضمّ الغين وسكون الدال وبواو ساكنة بعد الدال وهي لغة في الغَدَاة.
وجملة {يريدون وجهه} حال من الضمير المرفوع في {يدعون}، أي يدعون مخلصين يريدون وجه الله، أي لا يريدون حظاً دنيوياً.
والوجه حقيقة الجزء من الرأس الذي فيه العينان والأنف والفم. ويطلق الوجه على الذات كلّها مجازاً مرسلاً.
والوجه هنا مستعار للذات على اعتبار مضاف، أي يريدون رضى الله، أي لا يريدون إرضاء غيره. ومنه قوله تعالى: {إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً} [الإنسان: 9]، وقوله: {فأينما تولّوا فثمّ وجهُ الله}، وتقدّم في سورة [البقرة: 115]. فمعنى {يريدون وجهه} أنَّهم آمنوا ودعوا الله لا يريدون بذلك عرضاً من الدنيا. وقد قيل: إنّ قريشاً طعنوا في إيمان الضعفاء ونسبوهم إلى النفاق، إلاّ أنّ هذا لم يرد به أثر صحيح، فالأظهر أنّ قوله {يريدون وجهه} ثناء عليهم بكمال إيمانهم، وشهادة لهم بأنَّهم مجرّدون عن الغايات الدنيوية كلّها، وليس المقصود به الرّدّ على المشركين.
وجملة {ما عليك من حسابهم من شيء} تعليل للنهي عن طردهم، أو إبطال لعلّة الهَمّ بطردهم، أو لعلَّة طلب طردهم. فإنّ إبطال علَّة فعل المنهي عنه يؤول إلى كونه تعليلاً للنهي، ولذا فصلت هذه الجملة.
والحسابُ: عَدّ أفراد الشيء ذي الأفراد ويطلق على إعمال النظر في تمييز بعض الأحوال عن بعض إذا اشتبهت على طريقة الاستعارة بتشبيه تتبّع الأحوال بعَدّ الأفراد. ومنه جاء معنى الحِسْبةَ بكسر الحاء، وهي النظر في تمييز أحوال أهل السوق من استقامة وضدّها. ويقال: حاسبَ فلاناً على أعماله إذا استقراها وتتبّعها. قال النابغة:
يُحاسِبُ نفسه بِكَمْ اشتراها ***
فالحساب هنا مصدر حاسب. والمراد به تتبّع الأعمال والأحوال والنظر فيما تقابل به من جزاء.
وضمير الجمع في قوله: {من حسابهم} وقوله {وما من حسابك عليهم} يجوز أن يكونا عائدين إلى {الذين يَدْعون ربّهم} وهو مَعَاد مَذْكور، وهو المناسب لتناسق الضمائر مع قوله {فتطردهم}. فالمعنى أنَّهم أهل الحقّ في مجلسك لأنَّهم مؤمنون فلا يطردون عنه وما عليك أن تحسب ما عدا ذلك من الأمور العارضة لهم بزعم المشركين، وأنّ حضور أولئك في مجلسك يصدّ كبراء المشركين عن الإيمان، أي أنّ ذلك مدحوض تجاه حقّ المؤمنين في مجلس رسولهم وسماع هديه.
وقيل معنى: {ما عليك من حسابهم} أنّ المشركين طعنوا في إخلاص هؤلاء النفر، قالوا: يا محمد إنّ هؤلاء إنّما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنَّهم يجدون مأكولاً وملبوساً عندك، فقال الله تعالى: ما يلزمك إلاّ اعتبار ظاهرهم وإن كان لهم باطن يخالفه فحسابهم على الله، أي إحصاء أحوالهم ومناقشتهم عليها على نحو قول نوح {إنْ حسابُهم إلاّ على ربِّي لو تَشعرون} [الشعراء: 113]. فمعنى حسابهم على هذا الوجه تمحيص نياتهم وبواطنهم. والقصد من هذا تبكيتُ المشركين على طريقة إرخاء العنان، وليس المراد استضعاف يقين المؤمنين. و{حسابهم} على هذا الوجه من إضافة المصدر إلى مفعوله.
ويجوز أن يكون الضميران عائدين إلى غير مذكور في الكلام ولكنّه معلوم من السياق الذي أشار إليه سبب النزول، فيعود الضميران إلى المشركين الذين سألوا طَرد ضعفاء المؤمنين من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ضمير {فتطردهم} عائداً إلى المؤمنين. ويختلف معاد الضميرين اعتماداً على ما يعيِّنه سياق الكلام، كقوله تعالى: {وعَمَرُوها أكثر ممَّا عمروها} [الروم: 9]، وقول عباس بن مرداس في وقعة حنين:
عُدْنَا ولولا نَحْنُ أحْدَقَ جَمعُهم *** بالمسلمين وأَحرَزُوا ما جَمَّعُوا
أي أحرز المشركون ما جمعه المسلمون من الغنائم.
والمعنى: ما عليك من حساب المشركين على الإيمان بِك أو على عدم الإيمان شيء، فإنّ ذلك موكول إليّ فلا تظلم المؤمنين بحرمانهم حقّاً لأجل تحصيل إيمان المشركين، فيكون من باب قوله تعالى:
{إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أوْلَى بهما فلا تتَّبعوا الهوى أن تعدلوا} [النساء: 135].
وعلى هذا الوجه يجوز كون إضافة {حسابهم} من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي محاسبتك إيّاهم. ويجوز كونها من إضافته إلى فاعله، أي من حساب المشركين على هؤلاء المؤمنين فقرَهم وضعفهم.
و {عليك} خبر مقدّم. و(على) فيه دالّة على معنى اللزوم والوجوب لأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام همّ أو كان بحيث يهمّ بإجابة صناديد قريش لما سألوه، فيكون تنبيهاً على أنّ تلك المصلحة مدحوضة.
و (منْ) في قوله: {من شيء} زائدة لتوكيد النفي للتنصيص على الشمول في سياق النفي، وهو الحرف الذي بتقديره بُني اسم (لا) على الفتح للدلالة على إرادة نفي الجنس.
وتقديم المسنَدَين على المسند إليهما في قوله {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} تقديم غير واجب لأنّ للابتداء بالنكرتين هنا مسوّغاً، وهو وقوعهما في سياق النفي، فكان تقديم المجرورين هنا اختيارياً فلا بدّ له من غرض. والغرض يحتمل مجرّدَ الاهتمام ويحتمل الاختصاص. وحيث تأتّى معنى الاختصاص هنا فاعتباره أليق بأبلغ كلام، ولذلك جرى عليه كلام «الكشاف». وعليه فمعنى الكلام قصر نفي حسابهم على النبي صلى الله عليه وسلم ليفيد أنّ حسابهم على غيره وهو الله تعالى. وذلك هو مفاد القصر الحاصل بالتقديم إذا وقع في سياق النفي، وهو مفاد خِفي على كثير لقلّة وقوع القصر بواسطة التقديم في سياق النفي. ومثالُه المشهور قوله تعالى: {لا فيها غوْل} [الصافات: 47] فإنَّهم فسّروه بأنّ عدم الغول مقصور على الاتِّصاف بفِي خمور الجنَّة، فالقصر قصر قلب.
وقد اجتمع في هذا الكلام خمسة مؤكِّدات. وهي (مِنْ) البيانية، و(مِنْ) الزّائدة، وتقديم المعمول، وصيغة الحصر في قوله: {ما عليك من حسابهم من شيء}، والتأكيدُ بالتَّتميم بنفي المقابل في قوله: {وما من حسابك عليهم من شيء}، فإنَّه شبيه بالتوكيد اللفظي. وكلّ ذلك للتنصيص على منتهى التبرئة من محاولة إجابتهم لاقتراحهم.
ويُفيد هذا الكلام التعريضَ برؤساء قريش الذين سألوا إبعاد الفقراء عن مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام حين ما يحضرون وأوهموا أنّ ذلك هو الحائل لهم دون حضور مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام والإيمان به والكون من أصحابه، فخاطب الله رسوله بهذا الكلام إذ كان الرسول هو المسؤول أن يقضي أصحابَه عن مجلسه ليعلم السائلون أنّهم سألوه ما لا يقع ويعلموا أنّ الله أطْلَع رسوله صلى الله عليه وسلم على كذبهم، وأنّهم لو كانوا راغبين في الإيمان لما كان عليهم حساب أحوال الناس ولاشتغلوا بإصلاح خُوَيْصتِهم، فيكون الخطاب على نحو قوله تعالى: {لئن أشركتَ ليحبطنّ عَمَلُك} [الزمر: 65]. وقد صرّح بذلك في قوله بعدُ
{ولتستبين سبيل المجرمين} [الأنعام: 55]. وإذ كان القصر ينحلّ على نسبتي إثبات ونفي فالنسبة المقدّرة مع القصر وهي نسبة الإثبات ظاهرة من الجمع بين ضمير المخاطب وضمير الغائبين، أي عدم حسابهم مقصور عليك، فحسابهم على أنفسهم إذ كلّ نفس بما كسبت رهينة.
وقد دلّ على هذا أيضاً قوله بعده {ومَا من حسابك عليهم من شيء} فإنّه ذُكر لاستكمال التعليل، ولذلك عطف على العلّة، لأنّ مجموع مدلول الجملتين هو العلّة، أي حسابهم ليس عليك كما أنّ حسابك ليس عليهم بل على نفسك، إذ كلّ نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزْر أخرى. فكما أنّك لا تنظُر إلاّ إلى أنَّهم مؤمنون، فهم كذلك لا يطلب منهم التفريط في حق من حقوق المؤمنين لتسديد رغبة منك في شيء لا يتعلّق بهم أو لتحصيل رغبة غيرهم في إيمانه. وتقديم المسند على المسند إليه هنا كتقديمه في نظيره السابق.
وفي قوله: {وما من حسابك عليهم من شيء} تعريض بالمشركين بأنَّهم أظهروا أنّهم أرادوا بطرد ضعفاء المؤمنين عن مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم النصح له ليكتسب إقبال المشركين عليه والإطماع بأنَّهم يؤمنون به فيكثر متَّبعوه.
ثم بهذا يظهر أن ليس المعنى: بل حسابهم على الله وحسابك على الله، لأنّ هذا غير مناسب لسياق الآية، ولأنَّه يصير به قوله: {وما من حسابك عليهم من شيء} مستدركاً في هذا المقام، ولذلك لم يتكرّر نظير هذه الجملة الثانية مع نظير الجملة الأولى فيما حكى الله عن نوح {إن حسابهم إلاّ على ربِّي} في سورة [الشعراء: 113] لأنّ ذلك حكي به ما صدر من نوح وما هنا حكي به كلام الله تعالى لرسوله، فتنبّهْ.
ويجوز أن يكون تقديم المسند في الموضعين من الآية لمجرّد الاهتمام بنفي اللزوم والوجوب الذي دلّ عليه حرف (على) في الموضعين لا سيما واعتبار معنى القصر في قوله وَمَا مِن حسابك عليهم من شيء} غيرُ واضح، لأنَّنا إذا سلَّمنا أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام شِبْه اعتقاد لزوممِ تتَّبع أحوالهم فقُلب ذلك الاعتقاد بالقصر، لا نجد ذلك بالنسبة إلى {الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشي} إذ لا اعتقاد لهم في هذا الشأن.
وقدّم البيان على المبيَّن في قوله: {وما من حسابك عليهم من شيء} لأنّ الأهمّ في المقامين هو ما يختصّ بالمخاطب المعرِّضُ فيه بالذين سألوه الطرد لأنَّه المقصود بالذات، وإنَّما جيء بالجملة الثانية لاستكمال التعليل كما تقدّم.
وقوله: {فتطردهم} منصوب في جواب النهي الذي في قوله: {ولا تطرُد الذين يدعون ربَّهم}. وإعادة فعل الطرد دون الاقتصار على قوله: {فتكونَ من الظالمين}، لإفادة تأكيد ذلك النهي وليبنى عليه قوله {فتكون من الظالمين} لوقوع طول الفصل بين التفريع والفرّع عليه. فحصل بإعادة فعل {فتطردهم} غرضان لفظي ومعنوي.
على أنَّه يجوز أن يجعل {فتطردهم} منصوباً في جواب النفي من قوله: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء}، أي لا تطردهم إجابة لرغبة أعدائهم.
وقوله: {فتكون من الظالمين} عطف على {فتطردهم} متفرّع عليه، أي فتكون من الظالمين بطردهم، أي فكونه من الظالمين منتف تبعاً لانتفاء سببه وهو الطرد.
وإنَّما جُعل طردهم ظلماً لأنَّه لما انتفى تكليفه بأن يحاسبهم صار طردهم لأجل إرضاء غيرهم ظلماً لهم. وفيه تعريض بالذين سألوا طردهم لإرضاء كبريائهم بأنَّهم ظالمون مفطرون على الظلم؛ ويجوز أن يجعل قوله: {فتكون من الظالمين} منصوباً في جواب النهي، ويجعل قوله {فتطردهم} جيء به على هذا الأسلوب لتجديد ربط الكلام لطول الفصل بين النهي وجوابه بالظرف والحال والتعليل؛ فكان قوله {فتطردهم} كالمقدّمة لقوله {فتكون من الظالمين} وليس مقصودٌ بالذات للجوابية؛ فالتقدير: فتكون من الظالمين بطردهم.
{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)}
الواو استئنافية كما هي في نظائره. والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّ السامع لمَّا شعر بقصّة أومأ إليها قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم} [الأنعام: 52] الآية يأخذه العجب من كبرياء عظماء أهل الشرك وكيف يرضَوْن البقاء في ضلالة تكبّراً عن غشيَان مجلس فيه ضعفاء الناس من الصالحين، فأجيب بأنّ هذا الخلق العجيب فتنة لهم خلقها الله في نفوسهم بسوء خلُقهم.
وقعت هذه الجملة اعتراضاً بين الجملتين المتعاطفتين تعجيلاً للبيان، وقرنت بالواو للتنبيه على الاعتراض، وهي الواو الاعتراضية، وتسمَّى الاستئنافية؛ فبيَّن الله أنّ داعيهم إلى طلب طردهم هو احتقار في حسد؛ والحسد يكون أعظم ما يكون إذا كان الحاسد يرى نفسه أولى بالنعمة المحسود عليها، فكان ذلك الداعي فتنة عظيمة في نفوس المشركين إذ جمعتْ كبراً وعُجباً وغروراً بما ليس فيهم إلى احتقار للأفاضل وحسد لهم، وظلم لأصحاب الحق، وإذ حالت بينهم وبين الإيمان والانتفاع بالقرب من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم
والتشبيه مقصود منه التعجيب من المشبّه بأنَّه بلغ الغاية في العجب.
واسم الإشارة عائد إلى الفتون المأخوذ من «فتنّا» كما يعود الضمير على المصدر في نحو {اعدلوا هو أقرب للتقوى}، أي فتنّا بعضهم ببعض فتوناً يرغب السامع في تشبيهه وتمثيله لتقريب كنهه فإذا رام المتكلّم أن يقرّبه له بطريقة التشبيه لم يجد له شبيهاً في غرائبه وفظاعته إلاّ أن يشبّهه بنفسه إذ لا أعجب منه، على حدّ قولهم: والسفاعة كاسمها.
وليس ثمّة إشارة إلى شيء متقدّم مغاير للمشبّه. وجيء باسم إشارة البعيد للدلالة على عظم المشار إليه. وقد تقدّم تفصيل مثل هذا التشبيه عند قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً} في سورة [البقرة: 143].
والمراد بالبعض المنصوب المشركون فهم المفتونون، وبالبعض المجرور بالباء المؤمنون، أي فتنَّا عظماءَ المشركين في استمرار شركهم وشِرْك مقلِّديهم بحال الفقراء من المؤمنين الخالصين كما دلّ عليه قوله: {لِيَقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا} [الأنعام: 53] فإنّ ذلك لا يقوله غير المشركين، وكما يؤيِّده قوله تعالى في تذييله {أليس الله بأعلمَ بالشاكرين}.
والقول يحتمل أن يكون قولاً منهم في أنفسهم أو كلاماً قالوه في مَلئهم. وأيّاً ما كان فهم لا يقولونه إلاّ وقد اعتقدوا مضمونه، فالقائلون {أهؤلاء مَنّ الله عليهم} هم المشركون.
واللام في قوله: {ليقولوا} لام التعليل، ومدخولها هو أثرُ العلّة دالّ عليها بعد طيِّها على طريقة الإيجاز. والتقدير: فتنَّاهم ليَرَوْا لأنفسهم شفوفاً واستحقاقاً للتقدّم في الفضائل اغتراراً بحال الترفّه فيعجبوا كيف يُدعى أنّ الله يمنّ بالهدى والفضل على ناس يرونهم أحطّ منهم، وكيف يُعَدّونهم دونَهم عند الله، وهذا من الغرور والعُجب الكاذب. ونظيره في طيّ العلَّة والاقتصار على ذكر أثرها قول إياس بن قبيصة الطائي:
وأقدمتُ والخَطِّيُّ يَخطِرُ بَيْنَنَا *** لأعْلَمَ مَنْ جَبَانُهَا من شُجاعها
أي ليظهر الجَبَان والشجاع فأعلَمَهُمَا.
والاستفهام مستعمل في التعجّب والإنكار، كما هو في قوله {أألقي الذكرُ عليه من بيننا} [القمر: 25]. والإشارة مستعملة في التحقير أو التعجيب كما هي في قوله تعالى حكاية عن قول المشركين {أهذا الذي يذكر آلهتكم} في سورة [الأنبياء: 36].
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لقصد تقوية الخبر.
وقولهم: مَنّ الله عليهم} قالوه على سبيل التهكّم ومجاراة الخصم، أي حيث اعتقد المؤمنون أنّ الله منّ عليهم بمعرفة الحق وحَرم صناديد قريش، فلذلك تعجَّب أولئك من هذا الاعتقاد، أي كيف يُظنّ أنّ الله يمنّ على فقراء وعبيد ويترك سادة أهل الوادي. وهذا كما حكى الله عنهم {وقالوا لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31]. وهذه شنشنة معروفة من المستكبرين والطغاة. وقد حدث بالمدينة مثل هذا. روى البخاري أنّ الأقرع بن حابس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّما بايعَك سُرّاقُ الحجيج مِنْ أسْلَمَ وغِفار ومُزَيْنَة وجُهَيْنَة فقال له رسول الله: أرأيْتَ إنْ كانت أسْلَمُ وغِفَارُ ومزينةُ وجهينةُ خيراً من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفانُ أخابوا وخسروا (أي أخاب بنو تميم ومن عُطف عليهم) فقال: نعم قال: فَوالذي نفسي بيده إنّهم لَخير منهم.
وفي الآية معنى آخر، وهو أن يكون القول مضمراً في النفس، وضميرُ {ليقولوا} عائداً إلى المؤمنين الفقراء، فيكونوا هم البعض المفتونين، ويكون البعض المجرور بالباء صادقاً على أهل النعمة من المشركين، وتكون إشارة {هؤلاء} راجعة إلى عظماء المشركين ويكون المراد بالمَنّ إعطاء المال وحُسْن حال العيش، ويكون الاستفهام مستعملاً في التحيّر على سبيل الكناية، والإشارةُ إلى المشركين معتبر فيها ما عرفوا به من الإشراك وسوء الاعتقاد في الله. والمعنى: وكذلك الفتوننِ الواقع لِعظماء المشركين، وهو فتون الإعجاب والكبرياء حين ترفّعوا عن الدخول فيما دخل فيه الضعفاء والعبيد من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته استكباراً عن مساواتهم، كذلك كان فتون بعض آخر وهم بعض المؤمنين حين يشاهدون طيب عيش عظماء المشركين في الدنيا مع إشراكهم بربِّهم فيعجبون كيف منّ الله بالرزق الواسع على من يكفرون به ولم يمُنّ بذلك على أوليائه وهم أولى بنعمة ربِّهم. وقد أعرض القرآن عن التصريح بفساد هذا الخاطر النفساني اكتفاء بأنَّه سمَّاه فتنة، فعلم أنّه خاطر غير حقّ، وبأنّ قوله: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} مشير إلى إبطال هذه الشبهة. ذلك بأنَّها شبهة خلطت أمر شيئين متفارقين في الأسباب، فاشتبه عليهم الجزاء على الإيمان وما أعدّ الله لأهله من النعيم الخالد في الآخرة، المترتِّب عليه ترتّب المسبّب على السبب المجعول عن حكمة الله تعالى، بالرزق في الدنيا المترتِّب على أسباب دنيوية كالتجارة والغزو والإرث والهبات.
فالرزق الدنيوي لا تسبّب بينه وبين الأحوال القلبية ولكنّه من مسبّبات الأحوال الماديَّة فالله أعلم بشكر الشاكرين، وقد أعدّ لهم جزاء شكرهم، وأعلمُ بأسباب رزق المرزوقين المحْظوظين. فالتخليط بين المقامين من ضعف الفكر العارض للخواطر البشرية والناشئ عن سوء النظر وترك التأمّل في الحقائق وفي العلل ومعلولاتها. وكثيراً ما عرضت للمسلمين وغيرهم شُبه وأغلاط في هذا المعنى صرفتهم عن تطلّب الأشياء من مظانّها وقعدت بهم عن رفْو أخْلالهم في الحياة الدنيا أو غرّتْهُم بالتفريط فيما يجب الاستعداد له كل ذلك للتخليط بين الأحوال الدينية الأخروية وبين السنن الكونية الدنيوية، كما عرض لابن الراوندي من حيرة الجهل في قوله:
كَمْ عالممٍ عَالم أعْيَتْ مذاهبُه *** وجَاهللٍ جاهللٍ تلقّاه مرزوقاً
هَذا الذي ترك الأوْهَامَ حائِرَةً *** وصَيَّرَ العالم النِّحْرير زنديقاً
ولا شكّ أنّ الذين استمعوا القرآن ممّن أنزل عليه صلى الله عليه وسلم قد اهتدوا واستفاقوا، فمن أجل ذلك تأهَّلوا لامتلاك العالم ولاَقُوا.
و {مِنْ} في قوله {مِنْ بيننا} ابتدائية. و(بين) ظرف يدلّ على التوسّط، أي مَنّ الله عليهم مختاراً لهم من وسطنا، أي منّ عليهم وتركنا، فيؤول إلى معنى من دوننا.
وقوله: {أليس الله بأعلمَ بالشاكرين} تذييل للجملة كلّها، فهو من كلام الله تعالى وليس من مقول القول، ولذلك فصل. والاستفهام تقريري. وعديّ {أعلَمَ} بالباء لأنَّه بصيغة التفضيل صار قاصراً. والمعنى أنّ الله أعلم بالشاكرين من عباده فلذلك منّ على الذين أشاروا إليه بقولهم: {أهؤلاء مَنّ الله عليهم} بمنَّة الإيمان والتوفيق.
ومعنى علمه تعالى بالشاكرين أنَّه أعلم بالذين جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مستجيبين لدعوته بقريحة طالبين النجاة من الكفر راغبين في حسن العاقبة، فهو يلطف بهم ويسهِّل لهم الإيمان ويحبِّبه إليهم ويزيّنه في قلوبهم ويزيدهم يوماً فيوماً تمكّناً منه وتوفيقاً وصلاحاً، فهو أعلم بقلوبهم وصدقهم من الناس الذين يحسبون أنّ رثاثة حال بعض المؤمنين تطابق حالة قلوبهم في الإيمان فيأخذون الناس ببزّاتهم دون نيَّاتهم. فهذا التذييل ناظر إلى قوله: {إنّما يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36].
وقد عُلم من قوله: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} أنَّه أيضاً أعلم بأضدادهم. ضدّ الشكر هو الكفر، كما قال تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنَّكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد} [إبراهيم: 7] فهو أعلم بالذين يأتون الرسول عليه الصلاة والسلام مستهزئين متكبِّرين لا هَمّ لهم إلاّ تحقير الإسلام والمسلمين، وقد استفرغوا وسعهم ولبّهم في مجادلة الرسول صلى الله عليه وسلم وتضليل الدهماء في حقيقة الدين. ففي الكلام تعريض بالمشركين.
{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)}
عطف على قوله {ولا تطرد الذين يدعون ربّهم} [الأنعام: 52] وهو ارتقاء في إكرام الذين يدْعون ربَّهم بالغداة والعشي. فهم المراد بقوله: {الذين يؤمنون بآياتنا}.
ومعنى {يؤمنون بآياتنا} أنَّهم يوقنون بأنّ الله قادر على أن ينزّل آيات جمَّة. فهم يؤمنون بما نزّل من الآيات وبخاصّة آيات القرآن وهو من الآيات، قال تعالى: {أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} [العنكبوت: 51].
وقوله: {فقل سلام عليكم} قيل: معناه حَيِّهم بتحيَّة الإسلام، وهي كلمة (سلام عليكم)، وقيل: أبلغهم السلام من الله تعالى تكرمة لهم لمضادّة طلب المشركين طردَهم.
وقد أكرمهم الله كرامتين الأولى أن يبدأهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام حين دخولهم عليه وهي مزيَّة لهم، لأنّ شأن السلام أن يبتدئه الداخل، ثم يحتمل أنّ هذا حكم مستمرّ معهم كلّما أدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنّه للمرّة التي يبلّغهم فيها هذه البشارة، فنزّل هو منزلة القادم عليهم لأنَّه زفّ إليهم هذه البشرى.
والكرامةُ الثانية هي بشارتهم برضى الله عنهم بأنّ غفر لهم ما يعملون من سوء إذا تابوا من بعده وأصلحوا. وهذا الخبر وإن كان يعمّ المسلمين كلّهم فلعلّه لم يكن معلوماً، فكانت البشارة به في وجوه المؤمنين يومئذٍ تكرمة لهم ليكونوا ميموني النقيبة على بقية إخوانهم والذين يجيئون من بعدهم.
والسلام: الأمان، كلمة قالتها العرب عند لقاء المرء بغيره دلالة على أنَّه مسالم لا مُحارب لأنّ العرب كانت بينهم دماء وتِرات وكانوا يثأرون لأنفسهم ولو بغير المعتدي من قبيلته، فكان الرجل إذا لقي من لا يعرفه لا يأمن أن يكون بينه وبين قبيلته إحَن وحفائظ فيؤمِّن أحدهما الآخر بقوله: السلام عليكم، أو سلام، أو نحو ذلك. وقد حكاها الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ثم شاع هذا اللفظ فصار مستعملاً في التكرمة. ومصدر سلَّم التسليم. والسلام اسم مصدر، وهو يأتي في الاستعمال منكّراً مرفوعاً ومنصوباً؛ ومعرّفاً باللام مرفوعاً لا غير. فأمَّا تنكيره مع الرفع كما في هذه الآية، فهو على اعتباره اسماً بمعنى الأمان، وساغ الابتداء به لأنّ المقصود النوعية لا فرد معيّن. وإنّما لم يقدّم الخبر لاهتمام القادم بإدخال الطمأنينة في نفس المقدوم عليه، أنَّه طارق خير لا طارق شرّ. فهو من التقديم لضرب من التفاؤل. وأمَّا تعريفه مع الرفع فلدخول لام تعريف الجنس عليه.
وكلمة (على) في الحالتين للدلالة على تمكّن التلبّس بالأمان، أي الأمان مستقرّ منكم متلبِّس بكم، أي لا تخف.
وأمّا إن نصبوا مع التنكير فعلى اعتباره كمصدر سلم، فهو مفعول مطلق أتى بدلاً من فعله. تقديره: سلّمت سلاماً، فلذلك لا يؤتى معه ب (على).
ثم إنَّهم يرفعونه أيضاً على هذا الاعتبار فلا يأتون معه ب (على) لقصد الدلالة على الدوام والثبات بالجملة الاسمية بالرفع، لأنَّه يقطع عنه اعتبار البدلية عن الفعل ولذلك يتعيّن تقدير مبتدأ، أي أمرُكم سلام، على حدّ {فصبر جميل} [يوسف: 18]. والرفع أقوى، ولذلك قيل: إنّ إبراهيم ردّ تحيَّة أحسن من تحية الملائكة، كما حكي بقوله تعالى: {قالوا سلاماً قال سلام} [هود: 69]. وقد ورد في ردّ السلام أن يكون بمثل كلمة السلام الأولى، كقوله تعالى: {إلاّ قيلاً سلاماً سلاماً} [الواقعة: 26] وورد بالتعريف والتنكير فينبغي جعل الردّ أحسن دلالة. فأمَّا التعريف والتنكير فهما سواء لأنّ التعريف تعريف الجنس. ولذلك جاء في القرآن ذكر عيسى {وسلام عليه يوم ولد} [مريم: 15] وجاء أنَّه قال: {والسلامُ عليَّ يوم وُلدت} [مريم: 33].
وجملة {كتب ربّكم على نفسه الرحمة} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وهي أول المقصود من المقول، وأمَّا السلام فمقدّمة للكلام. وجوّز بعضهم أن تكون كلاماً ثانياً. وتقدّم تفسير نظيره في قوله تعالى: {كتب على نفسه الرحمة ليجمعنَّكم إلى يوم القيامة} في هذه السورة [12]. فقوله هنا كتب ربُّكم على نفسه الرحمة} تمهيد لقوله: {أنَّه مَنْ عَمِلَ منكم سوءاً بجهالة} الخ.
وقوله: {أنَّه من عمل منكم سوءاً بجهالة} قرأه نافع، وابن عامر، وعاصم، ويعقوب بفتح الهمزة على أنَّه بدل من {الرحمة} بدلُ اشتمال، لأنّ الرحمة العامَّة تشتمل على غفران ذنب من عمل ذنباً ثم تاب وأصلح. وقرأه الباقون بكسر الهمزة على أن يكون استئنافاً بيانياً لجواب سؤال متوقّع عن مَبلغ الرحمة. (ومَنْ) شرطية، وهي أدلّ على التعميم من الموصولة. والباء في قوله: {بجهالة} للملابسة، أي ملتبساً بجهالة. والمجرور في موضع الحال من ضمير {عَمل}.
والجهالة تطلق على انتفاء العلم بشيء مَّا. وتطلق على ما يقابل الحلم، وقد تقدّم في قوله تعالى: {إنَّما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة} في سورة [النساء: 17]. والمناسب هنا هو المعنى الثاني، أي من عمل سوءاً عن حماقة من نفسه وسفاهة، لأنّ المؤمن لا يأتي السيّئات إلاّ عن غلبة هواه رُشدَه ونُهاه. وهذا الوجه هو المناسب لتحقيق معنى الرحمة. وأمَّا حمل الجهالة على معنى عدم العلم بناء على أنّ الجاهل بالذنب غير مؤاخذ، فلا قوة لتفريع قوله: ثم تاب من بعده وأصلح} عليه، إلاّ إذا أريد ثم تفطَّن إلى أنّه عمل سوءاً.
والضمير في قوله: {مِنْ بعده} عائد إلى {سوءاً} أي بعد السوء، أي بعد عمله. ولك أن تجعله عائداً إلى المصدر المضمون في (عَمِلَ) مثل {اعْدلُوا هُو أقرب للتقوى} [المائدة: 8].
ومعنى {أصلح} صيّر نفسه صالحة، أو أصلح عمله بعد أن أساء. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله يتوب عليه} في سورة [المائدة: 39]. وعند قوله: {إلاّ الذين تابوا وأصلحوا وبيَّنُوا} في سورة [البقرة: 160].
وجملة: فإنَّه غفور رحيم} دليل جواب الشرط، أي هو شديد المغفرة والرحمة. وهذا كناية عن المغفرة لهذا التائب المصلح.
وقرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف بكسر همزة {فإنَّه غفور رحيم} على أنّ الجملة موكَّدة ب {إنّ} فيعلم أنّ المراد أنّ الله قد غفر لمن تاب لأنَّه كثير المغفرة والرحمة. وقرأه ابن عامر، وعاصم، ويعقوب {فأنّه} بفتح الهمزة على أنَّها (أنّ) المفتوحة أخت (إنّ)، فيكون ما بعدها مؤوّلاً بمصدر. والتقدير: فغفرانه ورحمته. وهذا جزء جملة يلزمه تقدير خبر، أي له، أي ثابت لمن عمل سوءاً ثم تاب.
{وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)}
الواو استئنافية كما تقدّم في قوله: {وكذلك فتنَّا بعضهم ببعض} [الأنعام: 53]. والجملة تذييل للكلام الذي مضى مبتدئاً بقوله تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم} [الأنعام: 51].
والتفصيل: التبيين والتوضيح، مشتقّ من الفصل، وهو تفرّق الشيء عن الشيء. ولمّا كانت الأشياء المختلطة إذا فُصلت يتبيّن بعضها من بعض أطلق التفصيل على التبيين بعلاقة اللزوم، وشاع ذلك حتَّى صار حقيقة، ومن هذا القبيل أيضاً تسمية الإيضاح تبييناً وإبانة، فإنّ أصل الإبانة القطع. والمراد بالتفصيل الإيضاح، أي الإتيان بالآيات الواضحة الدلالة على المقصود منها.
والآيات: آيات القرآن. والمعنى نفصّل الآيات ونبيِّنها تفصيلاً مثل هذا التفصيل الذي لا فوقه تفصيل، وهو تفصيل يحصل به علم المراد منها بَيّنا.
وقوله: {ولتستبين} عطف على علَّة مقدّرة دلّ عليها قوله: {وكذلك نفصّل الآيات} لأنّ المشار إليه التفصيل البالغ غاية البيان، فيُعلم من الإشارة إليه أنّ الغرض منه اتِّضاح العلم للرسول. فلمَّا كان ذلك التفصيل بهذه المثابة علم منه أنَّه علَّة لشيء يناسبه وهو تبيّن الرسول ذلك التفصيل، فصحّ أن تعطف عليه علّة أخرى من علم الرسول صلى الله عليه وسلم وهي استبانته سبيل المجرمين. فالتقدير مثلاً: وكذلك التفصيل نفصّل الآيات لتعلم بتفصيلها كنهها، ولتستبين سبيل المجرمين، ففي الكلام إيجاز الحذف.
وهكذا كلّما كان استعمال (كذلك) نفعل بعد ذكر أفعال عظيمة صالحاً الفعل المذكور بعد الإشارة لأن يكون علَّة لأمر من شأنه أن يعلّل بمثله صحّ أن تعطف عليه علَّة أخرى كما هنا، وكما في قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75] بخلاف ما لا يصلح، ولذلك فإنَّه إذا أريد ذكر علَّة بعده ذكرت بدون عطف، نحو قوله: {وكذلك جعلناكم أمَّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143].
و {سبيل المجرمين} طريقهم وسيرتهم في الظلم والحسد والكبر واحتقار الناس والتصلّب في الكفر.
والمجرمون هم المشركون. وضع الظاهر موضع المضمر للتنصيص على أنَّهم المراد ولإجراء وصف الإجرام عليهم. وخصّ المجرمين لأنَّهم المقصود من هذه الآيات كلِّها لإيضاح خفيّ أحوالهم للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وأبُو جعفر، ويعقوب بتاء مثنّاة فوقية في أول الفعل على أنَّها تاء خطاب. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم
وقرأه حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف بياء الغائب، ثم إنّ نافعاً، وأبا جعفر قرآ {سبيل} بفتح اللام على أنَّه مفعول {تستبين} فالسين والتاء للطلب. وقرأه البقية برفع اللام على أنَّه فاعل «يستبينَ» أو «تستبينَ». فالسين والتاء ليسا للطلب بل للمبالغة مثل استجاب.
وقرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو عَمرو، وحفص، على عاصم برفع {سبيل} على أنّ تاء المضارعة تاء المؤنَّثة. لأنّ السبيل مؤنَّثة في لغة عرب الحجاز، وعلى أنَّه من استبان القاصر بمعنى بَانَ ف {سبيل} فاعل {تستبين}، أي لتتّضح سبيلهم لك وللمؤمنين.
{قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)}
استئناف ابتدائي عاد به الكلام إلى إبطال الشرك بالتبرّئ من عبادة أصنامهم فإنَّه بعد أن أبطل إلهية الأصنام بطريق الاستدلال من قوله {قل أغير الله أتّخذ وليّاً} [الأنعام: 14] الآية. وقوله: {قُلْ أرَأيْتكُم إنْ أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة} [الأنعام: 40] الآية وقوله: {قل أرأيتُم إنْ أخَذَ الله سمعكم وأبصاركم} [الأنعام: 46] الآية. جاء في هذه الآية بطريقة أخرى لإبطال عبادة الأصنام وهي أنّ الله نهى رسوله عليه الصلاة والسلام عن عبادتها وعن اتّباع أهواء عبدتها.
وبُني {نُهيت} على صيغة المجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل لظهور المراد، أي نهاني الله. وهو يتعدّى بحرف (عن) فحذف الحرف حذفاً مطّرداً مع (أنْ).
وأجري على الأصنام اسم الموصول الموضوع للعقلاء لأنَّهم عاملوهم معاملة العقلاء فأتى لهم بما يحكي اعتقادهم، أو لأنَّهم عبدوا الجنّ وبعض البشر فغُلِّب العُقلاء من معبوداتهم.
ومعنى {تدعون} تعبدون وتَلْجئُون إليهم في المهمّات، أي تدعونهم. و{مِن دون الله} حال من المفعول المحذوف، فعامِلُه {تدعون}. وهو حكاية لما غلب على المشركين من الاشتغال بعبادة الأصنام ودعائهم عن عبادة الله ودعائه، حتَّى كأنَّهم عبدوهم دون الله، وإن كانواإنّما أشركوهم بالعبادة مع الله ولو في بعض الأوقات. وفيه نداء عليهم باضطراب عقيدتهم إذْ أشركوا مع الله في العبادة من لا يستحقّونها مع أنَّهم قائلون بأنّ الله هو مالك الأصنام وجاعلها شفعاء لكن ذلك كالعدم لأنّ كلّ عبادة توجَّهُوا بها إلى الأصنام قد اعتدوا بها على حقّ الله في أن يَصْرفوها إليه.
وجملة {قل لا أتَّبع أهواءكم} استئناف آخر ابتدائي، وقد عدل عن العطف إلى الاستئناف ليكون غرضاً مستقلاً. وأعيد الأمر بالقول زيادة في الاهتمام بالاستئناف واستقلاله ليكون هذا النفي شاملاً للاتِّباع في عبادة الأصنام وفي غيرها من ضلالتهم كطلب طرد المؤمنين عن مجلسه.
والأهواء جمع هَوى، وهو المحبَّة المفرطة. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {ولئن اتَّبعتَ أهواءهم} في سورة [البقرة: 120]. وإنَّما قال: لا أتَّبع أهواءكم} دون لا أتَّبعكم للإشارة إلى أنَّهم في دينهم تابعون للهوى نابذون لدليل العقل. وفي هذا تجهيل لهم في إقامة دينهم على غير أصل متين.
وجملة {قد ضللت إذا} جواب لشرط مقدّر، أي إنْ اتَّبعتُ أهواءكم إذَنْ قد ضللتُ. وكذلك موقع (إذَنْ) حين تدخل على فعل غير مستقبل فإنَّها تكون حينئذٍ جواباً لشرط مقدّر مشروط ب (إنْ) أوْ (لوْ) مُصرّح به تارة، كقول كُثَيِّر:
لَئنْ عاد لي عبد العزيز بمثلها *** وأمكنني منها إذَنْ لا أقيلها
ومقدّرٍ أخرى كهذه الآية، وكقوله تعالى: {وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق} [المؤمنون: 91].
وتقديم جواب (إذن) على (إذَنْ) في هذه الآية للاهتمام بالجواب. ولذلك الاهتمام أكّد ب {قد} مع كونه مفروضاً وليس بواقع، للإشارة إلى أنّ وقوعه محقّق لو تحقّق الشرط المقدّر الذي دلّت عليه (إذَنْ).
وقوله: {وما أنا من المهتدين} عطف على {قد ضَلَلْتُ}، عطف عليه للدلالة على أنَّه جزاء آخر للشرط المقدّر، فيدلّ على أنَّه إن فعل ذلك يخرج عن حاله التي هو عليها الآن من كونه في عداد المهتدين إلى الكون في حالة الضلال، وأفاد مع ذلك تأكيد مضمون جملة {قد ضللت} لأنَّه نفَى عن نفسه ضدّ الضلال فتقرّرت حقيقة الضلال على الفرض والتقدير.
وتأكيد الشيء بنفي ضدّه طريقة عربية قد اهتديتُ إليها ونبَّهت عليها عند قوله تعالى: {قد ضلّوا وما كانوا مُهتدين} في هذه السورة [140]. ونظيره قوله تعالى: وأضلّ فرعون قومه وما هدى} [طه: 79].
وقد أتي بالخبر بالجار والمجرور فقيل: {من المهتدين} ولم يقل: وما أنا مهتد، لأنّ المقصود نفي الجملة التي خبرها {من المهتدين}، فإنّ التعريف في {المهتدين} تعريف الجنس، فإخبار المتكلم عن نفسه بأنّه من المهتدين يفيد أنَّه واحد من الفئة التي تُعرف عند الناس بفئة المهتدين، فيفيد أنَّه مهتد إفادة بطريقة تشبه طريقة الاستدلال. فهو من قبيل الكناية التي هي إثبات الشيء بإثبات ملزومه. وهي أبلغ من التصريح. قال في «الكشاف» في قوله تعالى: {قال إنِّي لِعَمَلِكُمْ من القَالين} [الشعراء: 168]: قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك: فلان عالم، لأنَّك تشهد له بكونه معدوداً في زمرتهم ومعروفة مساهمته لهم في العلم. وقال عند قوله تعالى: {قالوا سواء علينا أوعَظت أم لم تكن من الواعظين} في سورة [الشعراء: 136]. فإن قلت لوقيل: أوعظت أو لم تعظ، كان أخصر، والمعنى واحد. قلت: ليس المعنى بواحد وبينهما فرق لأنّ المراد سواء علينا أفعلتَ هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلاً من أهله ومباشرته، فهو أبلغ في قلَّة الاعتداد بوعظه من قوله: أم لم تعظ. وقال الخفاجي إنّ أصل هذا لابن جنّي.
ولهذا كان نفي هذا الخبر مفيداً نفي هذه النسبة الكنائية فكانت أبلغيَّتُه في النفي كأبلغيَّته في الإثبات، لأنّ المفاد الكنائي هُو هُو. ولذلك فسّره في الكشاف} بقوله: «وما أنا من الهدى في شيء». ولم يتفطَّن لهذه النكتة بعض الناظرين نقله عنه الطيبي فقال: إنَّه لمَّا كان قولك: هو من المهتدين، مفيداً في الإثبات أنّ للمخبر عنه حظوظاً عظيمة في الهدى فهو في النفي يُوجِب أن تنفى عنه الحظوظ الكثيرة، وذلك يصدق بأن يبقى له حظّ قليل. وهذا سفسطة خفيت عن قائلها لأنَّه إنَّما تصحّ إفادة النفي ذلك لو كانت دلالة المثبَت بواسطة القيود اللفظية، فأمَّا وهي بطريق التكنية فهي ملازمة للفظ إثباتاً ونفياً لأنَّها دلالة عقلية لا لفظية. ولذا قال التفتزاني: «هو من قبيل تأكيد النفي لا نفي التأكيد» فهو يفيد أنّه قد انسلخ عن هذه الزمرة التي كان معدوداً منها وهو أشدّ من مطلق الاتّصاف بعدم الهدى لأنّ مفارقة المرء فئته بعد أن كان منها أشدّ عليه من اتِّصافه بما يخالف صفاتهم قبل الاتِّصال بهم.
وقد تقدّم قوله تعالى: {قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} في سورة [البقرة: 67]، وأحلنا بسطه على هذا الموضع.
{قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)}
استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من إبطال الشرك بدليل الوحي الإلهي المؤيِّد للأدلَّة السابقة إلى إثبات صدق الرسالة بدليل من الله مؤيِّد للأدلّة السابقة أيضاً، لييأسوا من محاولة إرجاع الرسول عليه الصلاة والسلام عن دعوته إلى الإسلام وتشكيكه في وحيه بقولهم: ساحر، مجنون، شاعر، أساطيرُ الأولين، ولييأسوا أيضاً من إدخال الشكّ عليه في صدق إيمان أصحابه، وإلقاء الوحشة بينه وبينهم بما حاولوا من طرده أصحابَه عن مجلسه حين حضور خصومه، فأمره الله أن يقول لهم إنَّه على يقين من أمر رَبِّه لا يتزعزعُ. وعطف على ذلك جواب عن شبهة استدلالهم على تكذيب الوعيد بما حلّ بالأمم من قبلهم بأنَّه لو كان صدقاً لعجّل لهم العذاب، فقد كانوا يقولون: {اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتِنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] ويقولون: {ربَّنا عجِّل لنا قطّنا قبل يوم الحساب} [ص: 16]، فقال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم {قُل لو أنّ عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم} [الأنعام: 58]، وأكَّد الجملة بحرف التأكيد لأنَّهم ينكرون أن يكون على بيِّنه من ربِّه.
وإعادة الأمر بالقول لتكرير الاهتمام الذي تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة} [الأنعام: 40].
والبيِّنة في الأصل وصف مُؤنّثُ بَيِّن، أي الواضحة، فهي صفة جرت على موصوف محذوف للعلم به في الكلام، أي دلالة بيِّنة أو حجّة بيِّنة. ثم شاع إطلاق هذا الوصف فصار اسماً للحجّة المثبِتة للحقّ التي لا يعتريها شك، وللدلالة الواضحة، وللمعجزة أيضاً، فهي هنا يجوز أن تكون بمعنى الدلالة البيِّنة، أي اليقين. وهو أنسب ب {على} الدالة على التمكّن، كقولهم: فلان على بصيرة، أي أنّي متمكِّن من اليقين في أمر الوحي.
ويجوز أن يكون المراد بالبيِّنة القرآن، وتكون (على) مستعملة في الملازمة مجازاً مرسلاً لأنّ الاستعلاء يستلزم الملازمة، أي أنِّي لا أخالف ما جاء به القرآن.
و {مِن ربِّي} صفة ل {بيّنة} يفيد تعظيمها وكمالها. و(مِنْ) ابتدائية، أي بيّنة جائية إليّ من ربّي، وهي الأدلَّة التي أوحاها الله إليه وجاء بها القرآن وغيرُه. ويجوز أن تكون (مِنْ) اتّصالية، أي على يقين متّصل بربِّي، أي بمعرفته توحيده، أي فلا أتردّد في ذلك فلا تطمعوا في صرفي عن ذلك، أي أنِّي آمنتُ بإله واحد دلَّت على وجوده ووحدانيته دلائل خلقه وقدرته، فأنا موقن بما آمنت به لا يتطرّقني شك. وهذا حينئذٍ مسوق مساق التعريض بالمشركين في أنَّهم على اضطراب من أمر آلهتهم وعلى غير بصيرة.
وجملة {وكذّبتم به} في موضع الحال من {بيّنة}. وهي تفيد التعجّب منهم أنْ كذّبوا بما دلَّت عليه البيّنة.
ويجوز أن تكون معطوفة على جملة {إنِّي على بيِّنة من ربِّي}، أي أنا على بيِّنة وأنتم كذّبتم بما دلَّت عليه البيِّنات فشتَّان بيني وبينكم.
والضمير في قوله: {به} يعود إلى البيِّنة باعتبار تأويلها بالبيان أو باعتبار أن ماصْدَقَها اليقين أو القرآن على وجه جَعْل (مِنْ) ابتدائية، أي وكذّبتم باليقين مكابرة وعناداً، ويعود إلى ربِّي على وجه جعل (مِنْ) اتِّصالية، أي كنت أنا على يقين في شأن ربّي وكذّبتم به مع أنّ دلائل توحيده بيِّنة واضحة. ويعود إلى غير مذكور في الكلام، وهو القرآن لشهرة التداول بينهم في شأنه فإذا أطلق ضمير الغائب انصرف إليه بالقرينة.
والباء التي عدّي بها فعل {كذّبتم} هي لتأكيد لصوق معنى الفعل بمفعوله، كما في قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6]. فلذلك يدلّ فعل التكذيب إذا عدّي بالباء على معنى الإنكار، أي التكذيب القويّ. ولعلّ الاستعمال أنّهم لا يُعدّون فعل التكذيب بالباء إلاّ إذا أريد تكذيب حجّة أو برهان ممّا يحسب سببَ تصديق، فلا يقال: كذّبتُ بفلان، بل يقال: كذّبت فلاناً قال تعالى: {لَمَّا كذبوا الرسل} [الفرقان: 37] وقال: {كذّبت ثمودُ بالنُذُر} [القمر: 23].
والمعنى التعريضيّ بهم في شأن اعتقادهم في آلهتهم باق على ما بيَّنّاه.
وقوله: {ما عندي ما تستعجلون به} استئناف بياني لأنّ حالهم في الإصرار على التكذيب ممّا يزيدهم عناداً عند سماع تسفيه أحلامهم وتنقّص عقائدهم فكانوا يقولون: لو كان قولك حقّاً فأين الوعيد الذي تَوعّدتنا. فإنّهم قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] وقالوا: {أو تُسْقِط السماء علينا كما زعمت كِسَفا} [الإسراء: 92] فأمر بأن يجيب أن يقول {ما عندي ما تستعجلون به}.
والاستعجال طلب التعجيل بشيء، فهو يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو المطلوب منه تعجيل شيء. فإذا أريد ذكر الأمر المعجّل عدّي إليه بالباء. والباء فيه للتعدية. والمفعول هنا محذوف دلّ عليه قوله: {ما عندي}. والتقدير: تستعجلونني به. وأمّا قوله تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} [النحل: 1] فالأظهرُ أنّ ضمير الغائب عائد لاسم الجلالة، وسيأتي في أوّل سورة النحل.
ومعنى {ما عندي} أنّه ليس في مقدرتي، كما يقال: ما بيدي كذا. فالعندية مجاز عن التصرّف بالعلم والمقدرة. والمعنى: أنِّي لست العليم القدير، أي لست إلهاً ولكنّني عبد مرسل أقف عند ما أرسلتُ به.
وحقيقة (عندَ) أنَّها ظرف المكان القريب. وتستعمل مجازاً في استقرار الشيء لشيء وملكه إيَّاه، كقوله: {وعنده مفاتح الغيب} [الأنعام: 59]. وتستعمل مجازاً في الاحتفاظ بالشيء، كقوله: {وعنده علم الساعة} [الزخرف: 85] {وعند الله مَكْرُهم} [إبراهيم: 46] ولا يحسن في غير ذلك.
والمراد ب {ما تستعجلون به} العذاب المتوعَّد به. عبَّر بطريق الموصولية لما تنبئ به الصلة من كونه مؤخّراً مدّخراً لهم وأنّهم يستعجلونه وأنّه واقع بهم لا محالة، لأنّ التعجيل والتأخير حالان للأمر الواقع؛ فكان قوله: {تستعجلون} في نفسه وعيداً.
وقد دلّ على أنَّه بيد الله وأنّ الله هو الذي يقدّر وقته الذي ينزل بهم فيه، لأنّ تقديم المسند الظرف أفاد قصر القلب، لأنّهم توهّموا من توعّد النبي صلى الله عليه وسلم إيَّاهم أنّه توعّدهم بعقاب في مقدرته. فجعلوا تأخّره إخلافاً لتوعّده، فردّ عليهم بأنّ الوعيد بيد الله، كما سيصرّح به في قوله: {إننِ الحكم إلاّ لله}. فقوله: {إن الحكم إلاّ لله} تصريح بمفهوم القصر، وتأكيد له. وعلى وجه كون ضمير {به} للقرآن، فالمعنى كذّبتهم بالقرآن وهو بيِّنة عظيمة، وسألتم تعجيل العذاب تعجيزاً لي وذلك ليس بيدي.
وجملة {يقصّ الحقّ} حال من اسم الجلالة أو استئناف، أي هو أعلم بالحكمة في التأخير أو التعجيل.
وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وأبو جعفر {يقُصّ} بضمّ القاف وبالصاد المهملة فهو من الاقتصاص، وهو اتِّباع الأثر، أي يجري قدره على أثر الحقّ، أي على وفقه؛ أو هو من القصص، وهو الحكاية أي يحكي بالحق، أي أنّ وعده واقع لا محالة فهو لا يخبر إلاّ بالحق. و{الحقّ} منصوب على المفعولية به على الاحتمالين.
وقرأ الباقيون {يَقْض} بسكون القاف وبضاد معجمة مكسورة على أنَّه مضارع (قضى)، وهو في المصحف بغير ياء. فاعتُذر عن ذلك بأنّ الياء حُذفت في الخطّ تبعاً لحذفها في اللفظ في حال الوصل، إذ هو غير محلّ وقف، وذلك ممّا أجري فيه الرسم على اعتبار الوصل على النادر كما كتب {سندعُ الزبانيةُ} [العلق: 18]. قال مكِّي قراءة الصّاد (أي المهملة) أحبّ إليّ لاتّفاق الحرمييْن (أي نافع وابن كثير) عليها ولأنَّه لو كان من القضاء للزمت الباء الموحَّدة فيه، يعني أن يقال: يقص بالحق. وتأويله بأنّه نصب على نزع الخافض نادر. وأجاب الزّجاج بأنّ {الحقّ} منصوب على المفعولية المطلقة، أي القضاء الحقّ، وعلى هذه القراءة ينبغي أن لا يوقف عليه لئلاّ يضطرّ الواقف إلى إظهار الياء فيخالف الرسم المصحفي.
وجملة: {وهو خير الفاصلين} أي يقصّ ويخبر بالحقّ، وهو خير من يفصل بين الناس، أو يقضي بالحقّ، وهو خير من يفصل القضاء.
والفصْل يطلق بمعنى القضاء. قال عُمر في كتابه إلى أبي موسى «فإنّ فصْل القضاء يورث الضغائن». ويطلق بمعنى الكلام الفاصل بين الحقّ والباطل، والصواب والخطأ، ومنه قوله تعالى: {وآتيناه الحكمة وفصْلَ الخطاب} [ص: 20] وقوله: {إنَّه لَقَوْل فصْل} [الطارق: 13]. فمعنى {خير الفاصلين} يشمل القول الحقّ والقضاء العدل.
{قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)}
استئناف بياني لأنّ قوله: {ما عندي ما تستعجلون به} [الأنعام: 57] يثير سؤالاً في نفس السامع أن يقول: فلو كان بيدك إنزال العذاب بهم ماذا تصنع، فأجيب بقوله: {لَو أنّ عندي ما تستعجلون به} الآية. وإذ قد كان قوله: {لو أنّ عندي} الخ استئنافاً بيانياً فالأمر بأن يقوله في قوة الاستئناف البياني لأنّ الكلام لمَّا بني كلّه على تلقين الرسول ما يقوله لهم فالسائل يتطلّب من الملقّن ماذا سيلقّن به رسوله إليهم. ومعنى {عندي ما تستعجلون به} تقدّم آنفاً، أي لو كان في علمي حكمته وفي قدرتي فعله. وهذا كناية عن معنى لَسْتُ إلهاً ولكنَّني عبد أتَّبع ما يوحى إليَّ.
وقوله: {لقُضي الأمر بيني وبينكم} جواب {لو}. فمعنى {قضي} تمّ وانتهى. والأمر مراد به النزاع والخلاف. فالتعريف فيه للعهد، وبُني {قضي الأمر} للمجهول لظهور أنّ قاضيَه هو مَن بيده ما يستعجلون به.
وتركيب (قضي الأمر) شاع فجرى مجرى المثل، فحُذف الفاعل ليصلح التمثّل به في كلّ مقام، ومنه قوله: {قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] وقوله: {ولولا كلمة الفصل لقُضيَ بينهم} [الشورى: 21] وقوله: {وأنذرهم يومَ الحسرة إذ قُضي الأمر} [مريم: 39]؛ ولذلك إذا جاء في غير طريقة المثل يصرّح بفاعله كقوله تعالى: {وقَضيْنا إليه ذلك الأمر} [الحجر: 66].
وذلك القضاء يحتمل أموراً: منها أن يأتيهم بالآية المقتَرَحَة فيؤمنوا، أوْ أن يغضَب فيهلكهم، أو أن يصرف قلوبهم عن طلب ما لا يجيبهم إليه فيتوبوا ويرجعوا.
وجملة: {والله أعلم بالظالمين} تذييل، أي الله أعلم منِّي ومن كلّ أحد بحكمة تأخير العذاب وبوقت نزوله، لأنَّه العليم الخبير الذي عنده ما تستعجلون به. والتعبير {بالظالمين} إظهار في مقام ضمير الخطاب لإشعارهم بأنَّهم ظالمون في شركهم إذ اعتدوا على حقّ الله، وظالمون في تكذيبهم إذ اعتدوا على حقّ الله ورسوله، وظالمون في معاملتهم الرسول صلى الله عليه وسلم
{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)}
عُطف على جملة: {والله أعلم بالظالمين} [الأنعام: 58] على طريقة التخلّص. والمناسبة في هذا التخلّص هي الإخبار بأنّ الله أعلم بحالة الظالمين، فإنّها غائبة عن عيان الناس، فالله أعلم بما يناسب حالهم من تعجيل الوعيد أو تأخيره، وهذا انتقال لبيان اختصاصه تعالى بعلم الغيب وسعة علمه ثم سعة قدرته وأنّ الخلق في قبضة قدرته. وتقديم الظرف لإفادة الاختصاص، أي عنده لا عند غيره. والعندية عندية علم واستئثار وليست عندية مكان.
والمفاتح جمع مِفْتَح بكسر الميم وهو الآلة التي يفتح بها المغلق، وتسمّى المِفتاح. وقد قيل: إنّ مفتح أفصح من مفتاح، قال تعالى: {وآتيناه من الكنوز ما إنّ مَفَاتِحَه لتنوء بالعُصْبَة أولي القوة} [القصص: 76].
والغيب ما غاب على علم الناس بحيث لا سبيل لهم إلى علمه، وذلك يشمل الأعيان لمغيَّبة كالملائكة والجنّ، والأعراض الخفيَّة، ومواقيت الأشياء.
و {مفاتح الغيب} هنا استعارة تخييلية تنبني على مكنية بأن شُبِّهت الأمور المغيّبة عن الناس بالمتاع النفيس الذي يُدّخر بالمخازن والخزائن المستوثق عليها بأقفال بحيث لا يعلم ما فيها إلاّ الذي بيده مفاتحها. وأثبتت لها المفاتِح على سبيل التخييلية. والقرينة هي إضافة المفاتح إلى الغيب، فقوله: {وعنده مفاتح الغيب} بمنزلة أن يقول: عنده علم الغيب الذي لا يعلمه غيرُه.
ومفاتح الغيب جَمْع مضاف يعمّ كلّ المغيّبات، لأنّ علمها كلّها خاصّ به تعالى، وأمّا الأمور التي لها أمارات مثل أمارات الأنواء وعلامات الأمراض عند الطبيب فتلك ليْست من الغيب بل من أمور الشهادة الغامضة. وغمُوضُها متفاوت والناس في التوصّل إليْها متفاوتون ومعرفتهم بها من قبيل الظنّ لا من قبيل اليقين فلا تسمّى عِلماً، وقيل: المفاتح جمع مَفْتَح بفتح الميم وهو البيت أو المخزن الذي من شأنه أن يُغلق على ما فيه ثم يُفْتح عند الحاجة إلى ما فيه، ونقل هذا عن السدّي، فيكون استعارة مصرّحة والمشبَّه هو العلم بالغيب شبّه في إحاطته وحَجبه المغيِّبات ببيت الخزم تشبيه معقول بمحسوس.
وجملة {لا يعلمها إلاّ هو} مُبيَّنة لمعنى {عندَه}، فهي بيان للجملة التي قبلها ومفيدة تأكيداً للجملة الأولى أيضاً لرفع احتمال أن يكون تقديم الظرف لمجرّد الاهتمام فأعيد ما فيه طريق مُتَعيِّن كونُه للقصر. وضمير {يعلمها} عائد إلى {مفاتح الغيب} على حذف مضاف من دلالة الاقتضاء. تقديره: لا يعلم مكانَها إلاّ هو، لأنّ العلم لا يتعلّق بذوات المفاتح، وهو ترشيح لاستعارة مفاتح الغيب للعلم بالمغيّبات، ونفيُ علم غيره لها كناية عن نفي العلم بما تغلق عليه المفاتح من علم المغيّبات.
ومعنى: {لا يعلمها إلاّ هو} أي علماً مستقلاً به، فأمَّا ما أطْلع عليه بعضَ أصفيائه، كما قال تعالى: {عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً إلاّ مَن ارتضى مِن رسول}
[الجن: 26] فذلك علم يحصل لمن أطلعه بإخبار منه فكان راجعاً إلى علمه هو. والعلم معرفة الأشياء بكيفية اليقين.
وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر أنّ رسول يالله صلى الله عليه وسلم قال: {مفاتح الغيب خمس: إنّ الله عندَه علمُ الساعة، ويُنزّل الغيث، ويعلَم ما في الأرحام، وما تدري نفس مَاذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت إنّ الله عليم خبير}.
وجملة: {ويعلم ما في البرّ والبحر} عطف على جملة {لا يعلمها إلاّ هو}، أو على جملة {وعنده مفاتح الغيب}، لأنّ كلتيهما اشتملت على إثبات علم لله ونفي علم عن غيره، فعُطفت عليهما هذه الجملة التي دلَّت على إثبات علم لله تعالى، دون نفي علم غيره وذلك علم الأمور الظاهرة التي قد يتوصّل الناس إلى علم بعضها، فعطفُ هذه الجملة على جملة {وعنده مفاتح الغيب} لإفادة تعميم علمه تعالى بالأشياء الظاهرة المتفاوتة في الظهور بعد إفادة علمه بما لا يظهر للناس.
وظهور ما في البرّ للناس على الجملة أقوى من ظهور ما في البحر. وذكر البرّ والبحر لقصد الإحاطة بجميع ما حوته هذه الكرة، لأنّ البرّ هو سطح الأرض الذي يمشي فيه الحيوان غير سابح، والبحر هو الماء الكثير الذي يغمر جزءاً من الأرض سواء كان الماء ملحاً أم عذباً. والعرب تسمِّي النهر بحراً كالفرات ودجلة. والموصول للعموم فيشمل الذوات والمعاني كلّها.
وجملة: {وما تسقط من ورقة} عطف على جملة: {ويعلم ما في البرّ والبحر} لقصد زيادة التعميم في الجزئيات الدقيقة. فإحاطة العلم بالخفايا مع كونها من أضعف الجزئيات مؤذن بإحاطة العلم بما هو أعظم أولى به. وهذه من معجزات القرآن فإنّ الله علِمَ ما يعتقده الفلاسفة وعلم أنْ سيقول بقولهم من لا رسوخ له في الدين من أتباع الإسلام فلم يترك للتأويل في حقيقة علمه مجالاً، إذ قال: {وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها ولا حبَّة في ظُلمات الأرض} كما سنبيّن الاختيار في وجه إعرابه.
والمراد بالورقة ورقة من الشّجر. وحرف (مِنْ) زائد لتأكيد النفي ليفيد العموم نصّاً. وجملة {يعلمها} في موضع الحال من {ورقة} الواقعة في حيِّز النفي المستغنية بالعموم عن الصفة. وذلك لأنّ الاستثناء مفرّغ من أحوال، وهذه الحال حال لازمة بعد النفي حصل بها مع الفعل المنفي الفائدة الاستثناء من عموم الأحوال، أي ما تسقط من ورقة في حالة إلاّ حالة يعلمها.
والأظهر في نظم قوله: {وما تسقط من ورقة} أن يكون {ورقة} في محلّ المبتدأ مجرور بِ {منْ} الزّائدة، وجملة {تسْقط} صفة ل {ورقة} مقدّمة عليها فتُعرب حالاً، وجملة {إلاّ يعلمها} خبر مفرّغ له حرفُ الاستثناء. {ولا حبّة} عطف على المبتدأ بإعادة حرف النفي، و{في ظلمات الأرض} صفة ل {حبّة}، أي ولا حبّة من بذور النبت مظروفة في طبقات الأرض إلى أبعد عمق يمكن، فلا يكون {حبَّة} معمولاً لفعل {تسقط} لأنّ الحبَّة التي تسقط لا تبلغ بسقوطها إلى ظلمات الأرض.
{ولا رطببٍ ولا يابس} معطوفان على المبتدأ المجرور ب {من}. والخبر عن هذه المبتدآت الثلاثة هو قوله: {إلاّ في كتاب مبين} لوروده بعد الثلاثة، وذلك ظاهر وقُوع الإخبار به عن الثلاثة، وأنّ الخبر الأول راجع إلى قوله: {من ورقة}.
والمراد بالكتاب المبين العلم الثابت الذي لا يتغيّر، وما عسى أن يكون عند الله من آثار العلم من كتابة أو غيرها لم يطلعنا على كنهها.
وقيل: جرّ {حبَّة} عطف على {ورقة} مع إعادة حرف النفي، و{في ظلمات الأرض} وصف ل {حبّة}. وكذلك قوله: {ولا رطب ولا يابس} بالجرّ عطفاً على {حبَّة} و{ورقة}، فيقتضي أنَّها معمولة لفعل {تسقط}، أي ما يَسقط رطب ولا يابس، ومقيَّدة بالحال في وقوله: {إلاّ يعلمها}.
وقوله: {إلاّ في كتاب مبين} تأكيد لقوله: {إلاُّ يعلمها} لأنّ المراد بالكتاب المبين علم الله تعالى سواء كان الكتاب حقيقة أم مجازاً عن الضبط وعدم التبديل. وحسَّن هذا التأكيد تجديد المعنى لبعد الأول بالمعطوفات وصفاتها، وأعيد بعبارة أخرى تفنّناً.
وقد تقدّم القول في وجه جمع {ظلمات} عند قوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} في هذه السورة [1]. ومبين إمّا من أبان المتعدّي، أي مبين لبعض مخلوقاته ما يريده كالملائكة، أو من أبَانَ القاصر الذي هو بمعنى بان، أي بيّن، أي فصل بما لا احتمال فيه ولا تردّد.
وقد علم من هاته الآيات عموم علمه تعالى بالكلِّيّات والجزئيّات. وهذا متَّفق عليه عند أهل الأديان دون تصريح به في الكتب السابقة وما أعلنه إلاّ القرآن في نحو قوله: {وهو بكلّ شيء عليم} [البقرة: 29]. وفيه إبطال لقول جمهور الفلاسفة أنّ الله يعلم الكلِّيّات خاصّة ولا يعلم الجزئيّات، زعماً منهم بأنَّهم ينزّهون العلم الأعلى عن التجزّي؛ فهم أثبتوا صفة العلم لله تعالى وأنكروا تعلّق علمه بجزئيات الموجودات. وهذا هو المأثور عنهم عند العلماء. وقد تأوّله عنهم ابن رشد الحفيدُ ونصير الدين الطُوسي. وقال الإمام الرازي في «المباحث المشرقية»: ولا بدّ من تفصيل مذهب الفلاسفة فإنّ اللائق بأصولهم أن يقال: الأمور أربعة أقسام؛ فإنَّها إمَّا أن لا تكون متشكِّلة ولا متغيِّرة، وإمَّا أن تكون متشكّلة غير متغيِّرة، وإمَّا أن تكون متغيِّرة غير متشكّلة؛ وإمَّا أن تكون متشكّلة ومتغيّرة معاً. فأمَّا ما لا تكون متشكِّلة ولا متغيِّرة فإنَّه تعالى عالم به سواء كان كليّاً أو جزئياً. وكيف يمكن القول بأنَّه تعالى لا يعلم الجزئيّات منها مع اتِّفاق الأكثر منهم على علمه تعالى بذاته المخصوصة وبالعقول.
وأمّا المتشكِّلة غير المتغيِّرة وهي الأجرام العلوية فهي غير معلومة له تعالى بأشخاصها عندهم، لأنّ إدراك الجسمانيات لا يكون إلاّ بالآت جسمانية.
وأمّا المتغيِّرة غير المتشكّلة فذلك مثل الصور والأعراض الحادثة والنفوس الناطقة، فإنَّها غير معلومة له لأنّ تعلّقها يحوج إلى آلة جسمانية بل لأنَّها لمّا كانت متغيّرة يلزم من تغيّرها العلم.
وأمّا ما يكون متشكِّلاً ومتغيِّراً فهو الأجسام الكائنة الفاسدة. وهي يمتنع أن تكون مُدْركة له تعالى للوجهين (أي المذكورين في القسمين الثاني والثالث) اه.
وقد عُدّ إنكار الفلاسفة أنّ الله يعلم الجزئيَّات من أصول ثلاثة لهم خالفت المعلوم بالضرورة من دين الإسلام. وهي: إنكار علم الله بالجزئيَّات؛ وإنكار حشر الأجساد، والقول بقدم العالم. ذكر ذلك الغزالي في «تهافت الفلاسفة» فمن يوافقهم في ذلك من المسلمين يعتبر قوله كفراً، لكنَّه من قبيل الكفر باللازم فلا يعتبر قائله مرتدّاً إلاّ بعد أن يوقف على ما يفضي إليه قولُه ويأبى أن يرجع عنه فحينئذٍ يستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلاّ حكم بردّته.
{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)}
عطف جملة {وهو الذي يتوفَّاكم} على جملة {وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها} [الأنعام: 59] انتقالاً من بيان سعة علمه إلى بيان عظيم قدرته لأنّ ذلك كلَّه من دلائل الإلهية تعليماً لأوليائه ونعياً على المشركين أعدائه. وقد جرت عادة القرآن بذكر دلائل الوحدانية في أنفس الناس عقب ذكر دلائلها في الآفاق فجمع ذلك هنا على وجه بديع مؤذن بتعليم صفاته في ضمن دليل وحدانيته. وفي هذا تقريب للبعث بعد الموت.
فقوله: {وهو الذي يتوفَّاكم} صيغة قصر لتعريف جزأي الجملة، أي هو الذي يتوفَّى الأنفس دون الأصنام فإنَّها لا تملك موتاً ولا حياة.
والخطاب موجه إلى المشركين كما يقتضيه السياق السابق من قوله: {لَقُضي الأمر بيني وبينكم} [الأنعام: 58] واللاحق من قوله {ثم أنتم تشركون} [الأنعام: 64] ويقتضيه طريق القصر. ولمَّا كان هذا الحال غير خاصّ بالمشركين علم منه أنّ الناس فيه سواء.
والتوفّي حقيقته الإماتة، لأنَّه حقيقة في قبض الشيء مستوفى. وإطلاقه على النوم مجاز لشبه النوم بالموت في انقضاع الإدراك والعمل. ألا ترى قوله تعالى: {الله يتوفَّى الأنفسَ حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمَّى} [الزمر: 42]. وقد تقدّم تفصيله عند قوله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى إنِّي متوفِّيك} في سورة [آل عمران: 55].
والمراد بقوله: يتوفَّاكم} ينيمكم بقرينة قوله: {ثم يبعثكم فيه}، أي في النهار، فأراد بالوفاة هنا النوم على التشبيه. وفائدته أنّه تقريب لكيفية البعث يوم القيامة، ولذا استعير البعث للإفاقة من النوم ليتمّ التقريب في قوله: {ثم يبعثكم فيه}.
ومعنى {جرحتم} كسبتم، وأصل الجرح تمزيق جلد الحيّ بشيء محدّد مثل السكين والسيف والظُفُر والناب. وتقدّم في قوله: {والجروح قصاص} في سورة [العقود: 45]. وأطلق على كلاب الصيد وبزاته ونحوها اسمُ الجوارح لأنَّها تجرح الصيد ليُمسكه الصائد. قال تعالى: {وما عَلَّمتم من الجوارح مكلِّبين} وتقدّم في سورة [العقود: 4]. كما سمَّوها كواسب، كقول لبيد:
غُضْفا كَواسبَ ما يُمَنّ طَعَامُها *** فصار لفظ الجوارح مرادفاً للكواسب؛ وشاع ذلك فأطلق على الكسب اسم الجرح، وهو المراد هنا. وقال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيّئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الجاثية: 21].
وجملة: {ويعلم ما جرحتم بالنهار} معترضة لقصد الامتنان بنعمة الإمهال، أي ولولا فضله لما بعثكم في النهار مع علمه بأنَّكم تكتسبون في النهار عبادة غيره ويكتسب بعضكم بعض ما نهاهم عنه كالمؤمنين.
ووقع الاقتصار على الإخبار بعلمه تعالى ما يكسب الناس في النهار دون الليل رعياً للغالب، لأنّ النهار هو وقت أكثر العمل والاكتساب، ففي الإخبار أنّه يعلم ما يقع فيه تحذير من اكتساب ما لا يرضَى الله باكتسابه بالنسبة للمؤمنين، وتهديد للمشركين.
وجملة: {ثم يبعثكم فيه} معطوفة على {يتوفَّاكم بالليل} فتكون (ثُمّ) للمهلة الحقيقية، وهو الأظهر. ولك أن تجعل (ثم) للترتيب الرتبي فتعطف على جملة {ويعلم ما جرحتم}؛ أي وهو يعلم ما تكتسبون من المناهي ثم يردّكم ويمهلكم. وهذا بفريق المشركين أنسب.
و (في) للظرفية. والضمير للنهار. والبعثُ مستعار للإفاقة من النوم لأنّ البعث شاع في إحياء الميّت وخاصّة في اصطلاح القرآن {قالوا أئذا متنا وكنَّا تراباً وعظاماً أإنَّا لمبعوثون} [المؤمنون: 82] وحسَّن هذه الاستعارة كونها مبنية على استعارة التوفِّي للنوم تقريباً لكيفية البعث التي حارت فيها عقولهم، فكلّ من الاستعارتين مرشِّح للأخرى.
واللاّم في {ليقضى أجل مُسمّى} لام التعليل لأنّ من الحكم والعلل التي جعل الله لها نظام اليقظة والنوم أن يكون ذلك تجزئة لعُمُر الحي، وهو أجله الذي أجِّلت إليه حياته يومَ خلقه، كما جاء في الحديث «يؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله» فالأجل معدود باللأيام والليالي، وهي زمان النوم واليقظة. والعلَّةُ التي بمعنى الحكمة لا يلزم اتِّحادها فقد يكون لِفعل الله حِكَم عديدة. فلا إشكال في جَعل اللاّم للتعليل.
وقضاء الأجل انتهاؤه. ومعنى كونه مُسمَّى أنَّه معيَّن محدّد. والمرجع مصدر ميمي، فيجوز أن يكون المراد الرجوع بالموت، لأنّ الأرواح تصير في قبضة الله ويبطل ما كان لها من التصرّف بإرادتها. ويجوز أن يكون المراد بالرجوع الحشر يوم القيامة، وهذا أظهر.
وقوله: {ثُم يُنَبّئكم بما كنتم تعملون} أي يحاسبكم على أعمالكم بعد الموت، فالمهلة في (ثم) ظاهرة، أو بعد الحشر، فالمهلةُ لأنّ بين الحشر وبين ابتداء الحساب زمناً، كما ورد في حديث الشفاعة.
{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)}
عطف على جملة {وهو الذي يتوفَّاكم} [الأنعام: 60]، وتقدّم تفسير نظيره آنفاً. والمناسبة هنا أنّ النوم والموت خلقهما الله فغلبا شِدّة الإنسان كيفما بلغت فبيَّن عقب ذكرهما أنّ الله هو القادر الغالب دون الأصنام. فالنوم قهر، لأنّ الإنسان قد يريد أن لا ينام فيغلبه النوم، والموت قهر وهو أظهر، ومن الكلم الحق: سبحان من قهر العباد بالموت.
{وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}.
{ويرسل} عطف على {القاهر}، فيعتبر المسند إليه مقدّماً على الخبر الفعلي، فيدلّ على التخصيص أيضاً بقرينة المقام، أي هو الذي يرسل عليكم حفظة دون غيره. والقصر هنا حقيقي، فلا يستدعي ردّ اعتقاد مُخالف. والمقصود الإعلام بهذا الخبر الحقّ ليحذر السامعون من ارتكاب المعاصي.
ومعنى (على) في قوله {عليكم} الاستعلاء المجازي، أي إرسال قهر وإلزام، كقوله: {بعثنا عليكم عباداً لنا} [الإسراء: 5]، لأنّ سياق الكلام خطاب للمشركين كما علمتَ، ومثله قوله تعالى: {كلاّ بل تكذّبون بالدِّين وإنّ عليكم لحافظين} [الإنفطار: 9، 10].
و {عليكم} متعلِّق بِ {يرسل} فعلم، أنّ المراد بحفظ الحفظة الإحصاء والضبط من قولهم: حفظتُ عليه فعله كذا. وهو ضدّ نسيَ. ومنه قوله تعالى: {وعندنا كتاب حفيظ} [ق: 4]. وليس هو من حفظ الرعاية والتعهّد مثل قوله تعالى: {حافظات للغيب بما حفظ الله} [النساء: 34].
فالحفظة ملائكة وظيفتهم إحصاء أعمال العباد من خير وشرّ. وورد في الحديث الصحيح: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» الحديث.
وقوله: {إذا جاء أحدَكم الموت} غاية لما دلّ عليه اسم الحفظة من معنى الإحصاء، أي فينتهي الإحصاء بالموت، فإذا جاء الوقت الذي ينتهي إليه أجل الحياة توفَّاه الملائكة المرسلون لقبض الأرواح.
فقوله: {رسلُنا} في قوّة النكرة لأنّ المضاف مشتقّ فهو بمعنى اسم المفعول فلا تفيده الإضافة تعريفاً، ولذلك فالمراد من الرسل التي تتوفَّى رسلٌ غيرُ الحفظة المرسلين على العباد، بناء على الغالب في مجيء نكرة عقب نكرة أنّ الثانية غيرُ الأولى. وظاهر قوله: {توفّته رُسُلنا} أنّ عدداً من الملائكة يتولّى توفّي الواحد من الناس. وفي الآية الأخرى {قل يَتوفَّاكم مَلَك الموت الذي وُكِّل بكم} [السجدة: 11]، وسمِّي في الآثار عزرائيلَ، ونقل عن ابن عباس: أنّ لِملك الموت أعواناً. فالجمع بين الآيتين ظاهر.
وعُلِّق فعل التوفِّي بضمير {أحدكم} الذي هو في معنى الذات. والمقصود تعليق الفعل بحال من أحوال أحدكم المناسب للتَّوفي، وهو الحياة، أي توفَّت حياتَه وختمتْها، وذلك بقبض روحه.
وقرأ الجمهور {توفَّته} بمثناة فوقية بعد الفاء. وقرأ حمزة وحده {توفّاه رسلنا} وهي في المصحف مرسومة بنتْأة بعد الفاء فتصلح لأن تكون مثناة فوقية وأن تكون مثناة تحتية على لغة الإمالة. وهي التي يرسم بها الألفات المنقلبة عن الياءات.
والوجهان جائزان في إسناد الفعل إلى جمع التكسير.
وجملة: {وهم لا يفرّطون} حال. والتفريط: التقصير في العمل والإضاعة في الذوات. والمعنى أنَّهم لا يتركون أحداً قد تمّ أجله ولا يؤخّرون توفّيَه.
والضمير في قوله: {رُدّوا} عائد إلى {أحد} باعتبار تنكيره الصادق بكلّ أحد، أي ثمّ يُردّ المتوفَّوْن إلى الله. والمراد رجوع الناس إلى أمر الله يوم القيامة، أي ردّوا إلى حكمه من نعيم وعذاب، فليس في الضمير التفات.
والمولى هنا بمعنى السيد، وهو اسم مشترك يطلق على السيد وعلى العبد.
و {الحقّ} بالجرّ صفة ل {مولاهم}، لما في {مولاهم} من معنى مالكهم، أي مالكهم الحقّ الذي لا يشوب مِلكه باطلٌ يُوهن ملكه. وأصل الحقّ أنَّه الأمر الثابت فإن كلّ ملك غير ملك الخالقية فهو مشوب باستقلال مملوكه عنه استقلالاً تفاوتاً، وذلك يُوهن المِلك ويضعف حقّيّته.
وجملة: {ألا لَهُ الحكمُ وهو أسرع الحاسبين} تذييل ولذلك ابتدئ بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر. والعرب يجعلون التذييلات مشتملة على اهتمام أو عموم أو كلام جامع.
وقدّم المجرور في قوله {له الحكم} للاختصاص، أي له لا لغيره، فإن كان المراد من الحكم جنس الحكم فقصره على الله إمَّا حقيقي للمبالغة لعدم الاعتداد بحكم غيره، وإمَّا إضافي للردّ على المشركين، أي ليس لأصنامكم حكم معه، وإن كان المراد من الحكم الحساب، أي الحكم المعهود يوم القيامة، فالقصر حقيقي. وربَّما ترجَّح هذا الاحتمال بقوله عقبه: {وهو أسرع الحاسبين} أي ألاَ له الحساب، وهو أسرع من يحاسب فلا يتأخَّر جزاؤه.
وهذا يتضمَّن وعداً ووعيداً لأنَّه لمَّا أتي بحرف المهلة في الجمل المتقدّمة وكان المخاطبون فريقين: فريق صالح وفريق كافر، وذكر أنَّهم إليه يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة؛ فالصالحون لا يحبّون المهلة والكافرون بعكس حالهم، فعُجِّلت المسرّة للصالحين والمساءة للمشركين بقوله: {وهو أسرع الحاسبين}.
{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)}
استئناف ابتدائي. ولمَّا كان هذا الكلام تهديداً وافتتح بالاستفهام التقريري تعيَّن أنّ المقصود بضمائر الخطاب المشركون دون المسلمين. وأصرح من ذلك قوله: {ثم أنتم تشركون}.
وإعادة الأمر بالقول للاهتمام، كما تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {قل أرأيتِكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة} [الأنعام: 40] الآية. والاستفهام مستعمل في التقرير والإلجاء، لكون ذلك لا ينازعون فيه بحسب عقائد الشرك.
والظلمات قيل على حقيقتها، فيتعيَّن تقدير مضاف، أي من إضرار ظلمات البرّ والبحر، فظلمات البرّ ظلمة الليل التي يلتبس فيها الطريق للسائر والتي يخشى فيها العدوّ للسائر وللقاطن، أي ما يحصل في ظلمات البرّ من الآفات. وظلمات البحر يخشى فيها الغرق والضلال والعدوّ. وقيل: أطلقت الظلمات مجازاً على المخاوف الحاصلة في البرّ والبحر، كما يقال: يوم مُظلم إذا حصلت فيه شدائد. ومن أمثال العرب (رأى الكواكب مُظْهِراً)، أي أظلم عليه يومه إظلاماً في عينيه لما لاقاه من الشدائد حتَّى صار كأنَّه ليل يرى فيه الكواكب. والجمع على الوجهين روعي فيه تعدّد أنواع ما يعرض من الظلمات، على أنَّنا قدّمنا في أوّل السورة أنّ الجمع في لفظ الظلمات جَرى على قانون الفصاحة. وجملة: {تدعونه} حال من الضمير المنصوب في {يُنَجِّكُمْ}.
وقرئ {من ينجِّيكم} بالتشديد لنافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبي جعفر، وخلف. وقرأه يعقوب بالتخفيف.
والتضرّع: التذلّل، كما تقدّم في قوله: {لعلَّهم يتضرّعون} في هذه السورة [42]. وهو منصوب على الحال مؤوّلاً باسم الفاعل. والخفية بضم الخاء وكسرها ضد الجهر. وقرأه الجمهور بضم الخاء. وقرأه أبو بكر عن عاصم بكسر الخاء وهو لغة مثل أسوة وإسوة. وعطف خفية} على {تضرّعاً} إمَّا عطف الحال على الحال كما تعطف الأوصاف فيكون مصدراً مؤوّلاً باسم الفاعل، وإما أن يكون عطف المفعول المطلق على الحال على أنَّه مبيّن لنوع الدعاء، أي تدعونه في الظلمات مخفين أصواتكم خشية انتباه العدوّ من النّاس أو الوحوش.
وجملة {لئِن أنجيتنا} في محلّ نصب بقول محذوف، أي قائلين. وحذف القول كثير في القرآن إذا دلَّت عليه قرينة الكلام. واللام في {لئن} الموّطئة للقسم، واللام في {لَنكوننّ} لام جواب القسم. وجيء بضمير الجمع إمَّا لأنّ المقصود حكاية اجتماعهم على الدعاء بحيث يدعو كلّ واحد عن نفسه وعن رفاقه. وإمَّا أريد التعبير عن الجمع باعتبار التوزيع مثل: ركِبَ القوم خَيْلَهم، وإنَّما ركب كلّ واحد فَرَساً.
وقرأ الجمهور {أنجيتنا} بمثناة تحتية بعد الجيم ومثناة فوقية بعد التحتية. وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي وخلف {أنجانا} بألف بعد الجيم والضمير عائد إلى {مَنْ} في قوله: {قل من ينجيّكم}.
والإشارة ب {هذه} إلى الظلمة المشاهدة للمتكلِّم باعتبار ما ينشأ عنها، أو باعتبار المعنى المجازي وهو الشدّة، أو إلى حالة يعبّر عنها بلفظ مؤنّث مثل الشدّة أو الورطة أو الربْقة.
والشاكر هو الذي يراعي نعمة المنعم فيحسن معاملته كلّما وجد لذلك سبيلاً. وقد كان العرب يرون الشكر حقَّاً عظيماً ويعيّرون من يكفر النعمة.
وقولهم: {من الشاكرين} أبلغ من أن يقال: لنكوننَّ شاكرين، كما تقدّم عند قوله تعالى: {لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين} [لأنعام: 56].
وجملة: {قل الله ينجيكم منها} تلقين لجواب الاستفهام من قوله: {مَنْ يُنجّيكم} أن يُجيب عن المسؤولين، ولذلك فصلت جملة {قل} لأنَّها جارية مجرى القول في المحاورة، كما تقدّم في هذه السورة. وتولَّى الجواب عنهم لأنّ هذا الجواب لا يسعهم إلاّ الاعتراف به.
وقدّم المسند إليه على الخبر الفعلي لإفادة الاختصاص، أي الله ينجيكم لا غيره، ولأجل ذلك صرّح بالفعل المستفهم عنه. ولولا هذا لاقتصر على {قل الله}. والضمير في {منها} للظلمات أو للحادثة. وزاد {مِنْ كلّ كرب} لإفادة التعميم، وأنّ الاقتصار على ظلمات البرّ والبحر بالمعنيين لمجرّد المثال.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وهشام عن ابن عامر، ويعقوب {يُنجيكم} بسكون النون وتخفيف الجيم على أنَّه من أنجاه، فتكون الآية جمعت بين الاستعمالين. وهذا من التفنّن لتجنّب الإعادة. ونظيره {فمهِّل الكافرين أمْهِلْهُم} [الطارق: 17]. وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر، وخلف، وعاصم، وحمزة، والكسائي {يُنجِّيكم} بالتشديد مثل الأولى.
و {ثم} من قوله: {ثم أنتم تشركون} للترتيب الرتبي لأنّ المقصود أنّ إشراكهم مع اعترافهم بأنَّهم لا يلجأون إلاّ إلى الله في الشدائد أمر عجيب، فليس المقصود المهلة.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لمجرّد الاهتمام بخبر إسناد الشرك إليهم، أي أنتم الذين تتضرّعون إلى الله باعترافكم تُشركون به من قَبل ومن بعد، من باب {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} [البقرة: 85]، ومن باب: لو غيرُك قالها، ولو ذاتُ سِوار لَطَمَتْنِي.
وجيء بالمسند فعلاً مضارعاً لإفادة تجدّد شركهم وأنّ ذلك التجدّد والدوامَ عليه أعجب.
والمعنى أنّ الله أنجاكم فوعدتم أن تكونوا من الشاكرين فإذا أنتم تشركون. وبيْن {الشاكرين} و{تشركون} الجناس المحرّف.
{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)}
قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}.
استئناف ابتدائي عُقّب به ذكرُ النعمة التي في قوله: {قل من يُنجّيكم} بذكر القدرة على الانتقام، تخويفاً للمشركين. وإعادة فعل الأمر بالقول مثل إعادته في نظائره للاهتمام المبيَّن عند قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة} [الأنعام: 40]. والمعنى قل للمشركين، فالمخاطب بضمائر الخطاب هم المشركون. والمقصود من الكلام ليس الإعلام بقدرة الله تعالى فإنَّها معلومة، ولكن المقصود التهديد بتذكيرهم بأنّ القادر من شأنه أن يُخاف بأسُه فالخبر مستعمل في التعريض مجازاً مرسلاً مركّباً، أو كناية تركيبية. وهذا تهديد لهم، لقولهم {لولا أنزل عليه آية من ربِّه} [يونس: 20].
وتعريف المسند والمسند إليه أفاد القصر، فأفاد اختصاصه تعالى بالقدرة على بعث العذاب عليهم وأنّ غيره لا يقدر على ذلك فلا ينبغي لهم أن يخشوا الأصنام، ولو أرادوا الخير لأنفسهم لخافوا الله تعالى وأفردوه بالعبادة لمرضاته، فالقصر المستفاد إضافي. والتعريف في {القادر} تعريف الجنس، إذ لا يقدر غيره تعالى على مثل هذا العذاب.
والعذاب الذي من فوق مثل الصواعق والريح، والذي من تحت الأرجل مثل الزلازل والخسف والطوفان.
و {يلبسكم} مُضارع لَبَسَه بالتحريك أي خلطه، وتعدية فعل {يلبسكم} إلى ضمير الأشخاص بتقدير اختلاط أمرهم واضطرابه ومَرجه، أي اضطراب شؤونهم، فإنّ استقامة الأمور تشبه انتظام السلك ولذلك سمَّيت استقامة أمور الناس نظاماً. وبعكس ذلك اختلال الأمور والفوضى تشبه اختلاط الأشياء، ولذلك سمّي مَرَجاً ولَبْساً. وذلك بزوال الأمن ودخول الفساد في أمور الأمّة، ولذلك يقرن الهَرْج وهو القتل بالمَرْج، وهو الخلط فيقال: هم في هَرْج ومَرْج، فسكون الراء في الثاني للمزاوجة.
وانتصب {شِيَعاً} على الحال من الضمير المنصوب في {يَلْبِسَكم}. والشيَع جمع شيعة بكسر الشين وهي الجماعة المتَّحدة في غرض أو عقيدة أو هوى فهم متّفقون عليه، قال تعالى: {إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيَاً لست منهم في شيء} [الأنعام: 159]. وشيعة الرجل أتباعه والمقتدون به قال تعالى: {وإنّ من شيعته لإبراهيم} [الصافات: 83] أي من شيعة نوح.
وتشتّت الشيع وتعدّد الآراء أشدّ في اللبس والخلط، لأنّ اللبس الواقع كذلك لبس لا يرجى بعده انتظام.
وعطف عليه {ويذيق بعضَكم بأس بعض} لأنّ من عواقب ذلك اللبس التقاتل. فالبأس هو القتل والشرّ، قال تعالى: {وسرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: 81]. والإذاقة استعارة للألم.
وهذا تهديد للمشركين كما قلنا بطريق المجاز أو الكناية. وقد وقع منه الأخير فإنّ المشركين ذاقوا بأس المسلمين يومَ بدر وفي غزوات كثيرة.
في «صحيح البخاري» عن جابر بن عبد الله قال: " لما نزلتْ {قُلْ هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال رسول صلى الله عليه وسلم أعوذُ بوجهك. قال: {أوْ من تحت أرجلكم} قال: أعوذ بوجهك قال: {أو يلبِسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} قال رسول الله: هذا أهون، أو هذا أيسر "
اه. واستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك خشية أن يعمّ العذاب إذا نزل على الكافرين مَن هو بجوارهم من المسلمين لقوله تعالى: {واتَّقُوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة} [الأنفال: 25] وفي الحديث قالوا: «يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث» وفي الحديث الآخر «ثم يُحْشَرُون على نيّاتهم» ومعنى قوله: هذه أهون، أنّ القتل إذا حلّ بالمشركين فهو بيد المسلمين فيلحق المسلمين منه أذى عظيم لكنَّه أهون لأنَّه ليس فيه استئصال وانقطاع كلمة الدين، فهو عذاب للمشركين وشهادة وتأييد للمسلمين. وفي الحديث: «لا تتمنَّوا لقاء العدوّ واسألوا الله العافية» وبعض العلماء فسّر الحديث بأنَّه استعاذ أن يقع مثل ذلك بين المسلمين. ويتَّجه عليه أن يقال: لماذا لم يستعذ الرسول صلى الله عليه وسلم من وقوع ذلك بين المسلمين، فلعلّه لأنه أوحي إليه أنّ ذلك يقع في المسلمين، ولكن الله وعده أن لا يسلِّط عليهم عدوّاً من غير أنفسهم. وليست استعاذته بدالة على أنّ الآية مراد بها خطاب المسلمين كما ذهب إليه بعض المفسّرين، ولا أنَّها تهديد للمشركين والمؤمنين، كما ذهب إليه بعض السلف؛ إلاّ على معنى أنّ مفادها غيرَ الصريح صالح للفريقين لأنّ قدرة الله على ذلك صالحة للفريقين، ولكن المعنى التهديدي غير مناسب للمسلمين هنا. وهذا الوجه يناسب أن يكون الخبر مستعملاً في أصل الإخبار وفي لازمه فيكون صريحاً وكناية ولا يناسب المجاز المركّب المتقدّم بيانه.
{انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الايات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}.
استئناف وردَ بعد الاستفهامين السابقين. وفي الأمر بالنظر تنزيل للمعقول منزلة المحسوس لقصد التعجيب منه، وقد مضى في تفسير قوله تعالى: {انظر كيف يفترون على الله الكذب} في سورة [النساء: 50]
وتصريف الآيات تنويعها بالترغيب تارة والترهيب أخرى. فالمراد بالآيات آيات القرآن. وتقدّم معنى التصريف عند قوله تعالى: {انظر كيف نصرّف الآيات ثم هم يصدفون} في هذه السورة [46].
{ولعلّهم يفقهون} استئناف بياني جواب لسؤال سائل عن فائدة تصريف الآيات، وذلك رجاء حصول فهمهم لأنَّهم لعنادهم كانوا في حاجة إلى إحاطة البيان بأفهامهم لعلَّها تتذكَّر وترعوي.
وتقدّم القول في معنى (لعلّ) عند قوله تعالى: {لعلّكم تتّقون} في سورة [البقرة: 21].
وتقدّم معنى الفقه عند قوله تعالى: {فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً} في سورة [النساء: 78].
{وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)}
عطف على {انظر كيف نُصَرّفُ الآيات} [الأنعام: 65]، أي لعلَّهم يفقهون فلم يفقهوا وكذّبوا. وضمير {به} عائد إلى العذاب في قوله {على أن يبعث عليكم عَذَاباً} [الأنعام: 65]، وتكذيبهم به معناه تكذيبهم بأنّ الله يعذّبهم لأجل إعراضهم.
والتعبير عنهم ب {قومك} تسجيل عليهم بسوء معاملتهم لمن هو من أنفسهم، كقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُرْبى} [الشورى: 23]، وقال طرفة:
وظُلْمُ ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً *** على المرْء من وقْع الحُسام المهنّدِ
وتقدّم وجه تعدية فعل (كذّب) بالباء عند قوله تعالى: {وكذّبتم به} في هذه السورة [57].
وجملة {وهو الحقّ} معترضة لقصد تحقيق القدرة على أن يبعث عليهم عذاباً الخ.
وقد تحقّق بعض ذلك بعذاببٍ من فوقهم وهو عذاب القحط، وبإذاقتهم بأس المسلمين يوم بدر.
ويجوز أن يكون ضمير به عائداً إلى القرآن، فيكون قوله: {وكذّب به} رجوعاً بالكلام إلى قوله {قل إنِّي على بيِّنة من ربِّي وكذّبتم به} [الأنعام: 57]، أي كذّبتم بالقرآن، على وجه جعل (مِنْ) في قوله: {من ربِّي} [الأنعام: 57] ابتدائية كما تقدّم، أي كذّبتم بآية القرآن وسألتم نزولَ العذاب تصديقاً لرسالتي وذلك ليس بيدي. ثم اعتُرض بجمل كثيرة. أولاها: {وعنده مفاتح الغيب} [الأنعام: 59]، ثم ما بعده من التعريض بالوعيد، ثم بنى عليه قوله: {وكذّب به قومك وهو الحقّ} فكأنّه قيل: قل إنّي على بيّنة من ربّي وكذّبتم به وهو الحقّ قُل لست عليكم بوكيل.
وقوله: {قل لست عليكم بوكيل} إرغام لهم لأنَّهم يُرُونَه أنَّهم لمَّا كذّبوه وأعرضوا عن دعوته قد أغاظوه، فأعلمهم الله أنَّه لا يغيظه ذلك وأنّ عليه الدعوة فإذا كانوا يُغيظون فلا يغيظون إلاّ أنفسهم.
والوكيل هنا بمعنى المدافع الناصر، وهو الحفيظ. وتقدّم عند قوله تعالى: {وقالوا حسبُنا الله ونعم الوكيل} في سورة [آل عمران: 173].
وتعديته ب (على) لتضمنّه معنى الغلبة والسلطة، أي لست بقيِّم عليكم يمنعكم من التكذيب، كقوله تعالى: {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلاّ البلاغ} [الشورى: 48]. وجملة {لكلّ نبأ مستقرّ} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنّ قوله {وهو الحق} يثير سؤالهم أن يقولوا: فمتى ينزل العذاب. فأجيبوا بقوله: {لكلّ نبأ مستقرّ}.
والنبأ: الخبر المهم، وتقدّم في هذه السورة. فيجوز أن يكون على حقيقته، أي لكلّ خبر من أخبار القرآن، ويجوز أن يكون أطلق المصدر على اسم المفعول، أي لكلّ مخبَر به، أي ما أخبِروا به من قوله: {أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} [الأنعام: 65] الآية.
والمستقرّ وقت الاستقرار، فهو اسم زمانِه، ولذلك صيغ بوزن اسم المفعول، كما هو قياس صوغ اسم الزمان المشتقّ من غير الثلاثي. والاستقرار بمعنى الحصول، أي لكلّ موعود به وقت يحصل فيه. وهذا تحقيق للوعيد وتفويض زمانه إلى علم الله تعالى. وقد يكون المستقرّ هنا مستعملاً في الانتهاء والغاية مجازاً، كقوله تعالى: {والشمس تجري لمستقرّ لها} [يس: 38]، وهو شامل لوعيد الآخرة ووعيد الدنيا ولكلَ مستقرّ. وعن السّدّي: استقرّ يوم بدر ما كان يَعِدهم به من العذاب.
وعطف {سوف تعلمون} على جملة {لكلّ نبأ مستقرّ} أي تعلمونه، أي هو الآن غير معلوم وتعلمونه في المستقبل عند حلوله بكم. وهذا أظهر في وعيد العذاب في الدنيا.
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)}
عطف على جملة {وكذّب به قومك} [الأنعام: 66]. والعدول عن الإتيان بالضمير إلى الإتيان بالاسم الظاهر وهو اسم الموصول، فلم يقل: وإذا رأيتهم فأعرض عنهم، يدلّ على أنّ الذي يخوضون في الآيات فريق خاص من القوم الذين كذّبوا بالقرآن أو بالعذاب. فعُمُوم القوم أنكروا وكذّبوا دون خَوض في آيات القرآن، فأولئك قسم، والذين يخوضون في الآيات قسم كان أبذَى وأقذَع، وأشدّ كفراً وأشنع، وهم المتصدّون للطعن في القرآن. وهؤلاء أُمِر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن مجادلتهم وترك مجالسهم حتَّى يرعُووا عن ذلك. ولو أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالإعراض عن جميع المكذّبين لتعطَّلت الدّعوة والتبليغ.
ومعنى {إذا رأيتَ الذين يخوضون} إذا رأيتهم في حال خوضهم. وجاء تعريف هؤلاء بالموصولية دون أن يقال الخائضين أو قوماً خائضين لأنّ الموصول فيه إيماء إلى وجه الأمر بالإعراض لأنَّه أمر غريب، إذ شأن الرسول عليه الصلاة والسلام أن يمارس الناس لعرض دعوة الدين، فأمرُ الله إيَّاه بالإعراض عن فريق منهم يحتاج إلى توجيه واستئناس. وذلك بالتعليل الذي أفاده الموصول وصلته، أي فأعرض عنهم لأنَّهم يخوضون في آياتنا.
وهذه الآية أحسن ما يمثّل به، لمجيء الموصول للإيماء إلى إفادة تعليل ما بني عليه من خبر أو إنشاء، ألا ترى أنّ الأمر بالإعراض حُدّد بغاية حصول ضدّ الصلة. وهي أيضاً أعدل شاهد لصحة ما فسّر به القطب الشيرازي في «شرح المفتاح» قولَ السكاكي (أو أن توميء بذلك إلى وجه بناء الخبر) بأنّ وجه بناء الخبر هو علَّته وسببه، وإن أبى التفتزاني ذلك التفسير.
والخوض حقيقته الدخول في الماء مشياً بالرّجْلين دون سباحة ثم استعير للتصرّف الذي فيه كلفة أو عنت، كما استعير التعسّف وهو المشي في الرمل لذلك. واستعير الخوض أيضاً للكلام الذي فيه تكلَّف الكذب والباطل لأنَّه يتكلَّف له قائله، قال الراغب: وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يُذمّ الشروع فيه، قال تعالى: {يخوضون في آياتنا}، {نخوض ونلعب} [التوبة: 65]، {وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69]، {ذرهم في خوضهم يلعبون} [الأنعام: 91]. فمعنى {يخوضون في آياتنا} يتكلَّمون فيها بالباطل والاستهزاء.
والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة وحكم بقية المسلمين كحكمه، كما قال في ذكر المنافقين في سورة النساء (140) {فلا تقعدوا معهم حتَّى يخوضوا في حديث غيره.} والإعراض تقدّم تفسيره عند قوله تعالى: {فأعرض عنهم وعِظهم} في سورة النساء (63). والإعراض عنهم هنا هو ترك الجلوس إلى مجالسهم، وهو مجاز قريب من الحقيقة لأنَّه يلزمه الإعراض الحقيقي غالباً، فإن هم غشُوا مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام فالإعراض عنهم أن يقوم عنهم وعن ابن جريج: فجَعَل إذَا استهزأوا قام فحذِروا وقالوا لا تستهزءوا فيقومَ.
وفائدة هذا الإعراض زجرهم وقطع الجدال معهم لعلَّهم يرجعون عن عنادهم.
وحتَّى} غاية للإعراض لأنَّه إعراض فيه توقيف دعوتهم زماناً أوجبه رعي مصلحة أخرى هي من قبيل الدعوة فلا يضرّ توقيف الدعوة زماناً، فإذا زال موجب ذلك عادت محاولة هديهم إلى أصلهم لأنَّها تمحَّضت للمصلحة.
وإنَّما عبّر عن انتقالهم إلى حديث آخر بالخوض لأنَّهم لا يتحدّثون إلاّ فيما لا جدوى له من أحوال الشرك وأمور الجاهلية.
و {غيرِه} صفة لِ {حديث}. والضمير المضاف إليه عائد إلى الخوض باعتبار كونه حديثاً حسبما اقتضاه وصف {حديث} بأنَّه غيره.
وقوله {وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} عطف حالة النّسيان زيادة في تأكيد الأمر بالإعراض. وأسند الإنساء إلى الشيطان فدلّنا على أنّ النسيان من آثار الخلقة التي جعل الله فيها حظّاً العلم الشيطان. كما ورد أنّ التثاؤب من الشيطان، وليس هذا من وَسْوسة الشيطان في أعمال الإنسان لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من وسوسة الشيطا في ذلك، فالنسيان من الأعراض البشرية الجائزة على الأنبياء في غير تبليغ ما أمروا بتبليغه، عند جمهور علماء السنّة من الأشاعرة وغيرهم. قال ابن العربي في «الأحكام»: إنّ كبار الرافضة هم الذين ذهبوا إلى تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم من النسيان اه. وهو قول لبعض الأشعرية وعزي إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفِرائيني فيما حكاه نور الدين الشيرازي في «شرح للقصيدة النونية» لشيخه تاج الدين السبكي. ويتعيّن أنّ مراده بذلك فيما طريقه البلاغ كما يظهر ممّا حكاه عنه القرطبي: وقد نَسي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّم من ركعتين في الصلاة الرباعية، ونسي آيات من بعض السور تذّكرها لمّا سمع قراءة رجل في صلاة الليل، كما في الصحيح. وفي الحديث الصحيح: «إنّما أنا بَشَر أنسَى كما تنسَوْن فإذا نسيتُ فذكّروني» فذلك نسيان استحضارها بعد أن بلَّغها. وليس نظرنا في جواز ذلك وإنَّما نظرنا في إسناد ذلك إلى الشيطان فإنَّه يقتضي أنّ للشيطان حظّاً له أثر في نفس الرسول، فيجوز أن تكون بعض الأعراض البشرية التي يجوز طروّها على الأنبياء قد جعلها الله في أصل الخلقة من عمل الشياطين، كما جعل بعض الأعراض موكولة للملائكة، ويكون النسيان من جملة الأعراض الموكولة إلى الشياطين كما تكرّر إسناده إلى الشيطان في آيات كثيرة منها. وهذا مثل كون التثاؤب من الشيطان، وكوْن ذات الجَنْب من الشيطان. وقد قال أيّوب {أنِّي مسَّني الشيطان بنُصب وعَذَاب} [ص: 41]، وحينئذٍ فالوجه أنّ الأعراض البشرية الجائزة على الأنبياء التي لا تخلّ بتبليغ ولا تُوقعُ في المعصية قد يكون بعضها من أثر عمل الشيطان وأنّ الله عصمهم من الشيطان فيما عدا ذلك.
ويجوز أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد خصّ من بين الأنبياء بأن لا سلطة لعمل شيطاني عليه ولو كان ذلك من الأعراض الجائزة على مقام الرسالة، فإنَّما يتعلَّق به من تلك الأعراض ما لا أثر للشيطان فيه.
وقد يدلّ لهذا ما ورد في حديث شقّ الصدر: أنّ جبريل لمَّا استخرج العلقة قال: هذا حظّ الشيطان منك، يعني مركز تصرّفاته، فيكون الشيطان لا يتوصّل إلى شيء يقع في نفس نبيّنا صلى الله عليه وسلم إلاّ بواسطة تدبير شيء يشغل النبي حتَّى ينسى مثل ما ورد في حديث «الموطأ» حين نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووكَّل بلالاً بأن يكلأ لهم الفجر، فنام بلال حتَّى طلعت الشمس، فإنّ النبي قال: " إنّ الشيطَان أتى بلالاً فلم يزل يُهَدّئُه كما يُهَدّأ الصبيّ حتّى نام " فأمّا نوم النبي والمسلمين عدا بلالاً فكان نوماً معتاداً ليس من عمل الشيطان. وإلى هذا الوجه أشار عياض في «الشفاء». وقريب منه ما ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ليلة القدر، فخرج ليُعلم الناس فتَلاحَى رجلان فرُفعت. فإنّ التلاحي من عمل الشيطان، ولم يكن يستطيع رفع ليلة القدر بنفسه فوسوس بالتلاحي.
والحاصل أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الوسوسة، وأمّا ما دونها مثل الإنساء والنزْغ فلا يلزم أن يعصم منه. وقد يفرّق بين الأمرين: أنّ الوسوسة آثارها وجودية والإنساء والنزغ آثارهما عدمية، وهي الذهول والشغل ونحو ذلك.:
فالمعنى إن أنساك الشيطان الإعراض عنهم فإن تذكّرتَ فلا تقعد معهم، فهذا النسيان ينتقل به الرسول صلى الله عليه وسلم من عبادة إلى عبادة، ومن أسلوب في الدّعوة إلى أسلوب آخر، فليس إنساء الشيطان إيَّاه إيقاعاً في معصية إذ لا مفسدة في ارتكاب ذلك ولا يحصل به غرض من كيد الشيطان في الضلال، وقد رفع الله المؤاخذة بالنسيان، ولذلك قال: {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}، أي بعد أن تتذكَّر الأمر بالإعراض. فالذكرى اسم للتذكّر وهو ضدّ النّسيان، فهي اسم مصدر، أي إذا أغفلت بَعد هذا فقعدت إليهم فإذا تذكَّرت فلا تقعد، وهو ضدّ فأعرض، وذلك أنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه.
وقرأ الجمهور: {يُنْسِيَنّك} بسكون النون وتخفيف السين. وقرأه ابن عامر بفتح النون وتشديد السين من التنسية، وهي مبالغة في أنساه. ومن العلماء من تأوّل هذه الآية بأنَّها مما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمَّته، كقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطنّ عملك} [الزمر: 65] قال أبو بكر بن العربي إذا عذرنا أصحابنا في قولهم ذلك في {لئن أشركت ليحبطنّ عملك لاستحالة الشرك عليه فلا عذر لهم في هذه الآية لجواز النسيان عليه.
والقوم الظالمون هم الذين يخوضون في آيات الله، فهذا من الإظهار في مقام الإضمار لزيادة فائدة وصفهم بالظلم، فيعلم أنّ خوضهم في آيات الله ظلم، فيعلم أنَّه خوض إنكار للحقّ ومكابرة للمشاهدة.
{وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)}
لمَّا كان الإعراض عن مجالس الذين يخوضون بالطعن في الآيات قد لا يحول دون بلوغ أقوالهم في ذلك إلى أسماع المؤمنين من غير قصد أتْبع الله النهي السابق بالعفو عمَّا تتلقَّفه أسماع المؤمنين من ذلك عَفْواً، فتكون الآية عذراً لما يطرق أسماعَ المؤمنين من غير قعودهم مع الطاعنين.
والمراد ب {الَّذين يتَّقون} المؤمنون، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أوّل المتَّقين، فالموصول كتعريف الجنس فيكون شاملاً لجميع المسلمين كما كان قوله {فأعرض عنهم} [الأنعام: 68] حكمه شاملاً لبقية المسلمين بحكم التبع. وقال جمع من المفسّرين: كانت آية {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} [الأنعام: 68] خاصّة بالنبي صلى الله عليه وسلم وجاء قوله تعالى: {وما على الذين يتَّقون من حسابهم من شيء} رخصة لغير النبي من المسلمين في الحضور في تلك المجالس لأنّ المشركين كان يغضبهم قيام النبي من مجالسهم. ونسب هذا إلى ابن عبَّاس، والسديّ، وابن جبير، فيكون عموم الموصول في قوله: {الذين يتَّقون} مخصوصاً بما اقتضته الآية التي قبلها.
وروى البغوي عن ابن عبَّاس قال: لمَّا نزلت {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} [الأنعام: 68] قال المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبداً. فأنزل الله عزّ وجلّ {وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء} يعني إذا قمتم عنهم فما عليكم تبعةُ ما يقولون في حال مجانبتكم إيَّاهم إذ ليس عليكم جرى ذلك وما عليهم أن يمنعوهم.
وقوله: {وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء} تقدّم تفسير نظيره آنفاً، وهو قوله: {ما عليك من حسابهم من شيء} [الأنعام: 68].
ثمّ الحساب هنا مصدر مضاف إلى ضمير الذين يخوضون في الآيات. فهذا المصدر بمنزلة الفعل المبني للمجهول فيحتمل أن يكون فاعله {الذين يتَّقون} على وزان ما تقدّم في قوله: {ما عليك من حسابهم من شيء} [الأنعام: 52]، أي ما على الذين يتَّقون أن يحاسِبُوا الخائضين، أي أن يمنعوهم من الخوض إذ لم يكلّفهم الله بذلك لأنَّهم لا يستطيعون زجر المشركين، ويحتمل أن يكون فاعله الله تعالى كقوله: {ثمّ إنّ علينا حسابهم} [الغاشية: 26] أي ما على الذين يتَّقون تبعة حساب المشركين، أي ما عليهم نصيب من إثم ذلك الخوض إذا سمعوه.
وقوله: {ولكن ذكرى} عطفت الواو الاستدراكَ على النفي، أي ما عليهم شيء من حسابهم ولكن عليهم الذكرى. والذكرى اسم مصدر ذكَّر بالتشديد بمعنى وعظ، كقوله تعالى: {تبصرة وذكرى لكلّ عبد منيب} [ق: 8]، أي عليهم إن سمعُوهم يستهزئون أن يعظُوهم ويُخوّفوهم غضب الله فيجوز أن يكون {ذكرى} منصوباً على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله. والتقدير: ولكن يُذكّرونهم ذكرى. ويجوز أن يكون ذكرى مرفوعاً على الابتداء، والتقدير: ولكن عليهم ذكرى.
وضمير {لعلَّهم يتَّقون} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {حسابهم} أي لعلّ الذين يخوضون في الآيات يتَّقون، أي يتركون الخوض. وعلى هذا فالتقوى مستعملة في معناها اللغوي دون الشرعي. ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى {الذين يتَّقون}، أي ولكن عليهم الذكرى لعلَّهم يتَّقون بتحصيل واجب النهي عن المنكر أو لعلَّهم يستمرّون على تقواهم.
وعن الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى، أي قوله: {وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} [الأنعام: 68] تذكرة لك وليست مؤاخذة بالنسيان، إذ ليس على المتَّقين تبعة سماع استهزاء المستهزئين ولكنّا ذكَّرناهم بالإعراض عنهم لعلَّهم يتَّقون سماعهم.
والجمهور على أنّ هذه الآية ليست بمنسوخة. وعن ابن عبَّاس والسدّي أنَّها منسوخة بقوله تعالى في سورة [النساء: 140] {وقد نزّل عليكم في الكتاب أنْ إذا سمعتم آيات الله يُكْفَرُ بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتَّى يخُوضُوا في حديث غيره إنَّكم إذن مثلهم بناء على رأيهم أنّ قوله: وما على الذين يتَّقون من حسابهم من شيء} أباح للمؤمنين القعود ولم يمنعه إلاّ على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} [الأنعام: 68] كما تقدّم آنفاً.
{وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)}
عطف على جملة: {فأعرض عنهم} [الأنعام: 68] أو على جملة: {وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء} [الأنعام: 69]. وهذا حكم آخر غير حكم الإعراض عن الخائضين في آيات الله ولذلك عطف عليه. وأتي بموصول وصلة أخرى فليس ذلك إظهاراً في مقام الإضمار.
و {ذرْ} فعل أمر. قيل: لم يرد له ماض ولا مصدر ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول. فتصاريفه هذه مماتة في الاستعمال استغناء عنها بأمثالها من مادّة ترك تجنّباً للثقل واستعملوا مضارعه والأمر منه. وجعله علماء التصريف مثالاً واوياً لأنَّهم وجدوه محذوف أحد الأصول، ووجدوه جارياً على نحو يَعِد ويَرث فجزموا بأنّ المحذوف منه الفاء وأنَّها واو. وإنَّما حذفت في نحو ذَرْ ودَعْ مع أنَّها مفتوحة العين اتِّباعاً للاستعمال، وهو حذف تخفيف لا حذف دفع ثقل، بخلاف حذف يَعِد ويَرث.
ومعنى: (ذَر) اترك، أي لا تخالط. وهو هنا مجاز في عدم الاهتمام بهم وقلَّة الاكتراث باستهزائهم كقوله تعالى: {ذَرْني ومن خلقتُ وحيداً} [المدثر: 11]، وقوله: {فذرني ومن يكذّب بهذا الحديث}، وقول طرفة:
فذَرْنِي وخُلْقي إنَّنِي لَك شاكر *** ولو حلّ بيتِي نَائِياً عند ضَرْغد
أي لا تبال بهم ولا تهتمّ بضلالهم المستمرّ ولا تشغل قلبك بهم فالتذكير بالقرآن شامل لهم، أو لا تعبأ بهم وذكّرهم به، أي لا يصدّك سوء استجابتهم عن إعادة تذكيرهم.
والدّين في قوله: اتَّخذوا دينهم} يجوز أن يكون بمعنى الملَّة، أي مايتديَّنون به وينتحلونه ويتقرّبون به إلى الله، كقول النابغة:
مجلّتهم ذات الإله ودينُهم *** قَويم فما يرجُون غيرَ العَوَاقِب
أي اتَّخذُوه لعباً ولهواً، أي جعلوا الدين مجموع أمور هي من اللعب واللهو، أي العبث واللهو عند الأصنام في مواسمها، والمكاء والتصدية عند الكعبة على أحد التفسيرين في قوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية} [الأنفال: 35].
وإنَّما لم يقل اتَّخذوا اللهو واللعب ديناً لمكان قوله: {اتَّخذوا} فإنَّهم لم يجعلوا كلّ ما هو من اللهو واللعب ديناً لهم بل عمدوا إلى أن ينتحلوا ديناً فجمعوا له أشياء من اللعب واللهو وسمّوها ديناً.
ويجوز أن يكون المراد من الدّين العادة، كقول المُثقّب العبدي:
تَقول وقد دَرَأتُ لها وَظِينِي *** أهَذَا دينُه أبَداً ودينِي
أي الذين دأبهم اللعب واللهو المعرضون عن الحقّ، وذلك في معاملتهم الرسول صلى الله عليه وسلم
واللعب واللهو تقدّم تفسيرهما في قوله تعالى: {وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو} في هذه السورة [32].
والذين اتَّخذوا دينهم لعباً ولهواً فريق عُرفوا بحال هذه الصلة واختصّت بهم، فهم غير المراد من الذين يخوضون في الآيات بل بينهم وبين الذين يخوضون في الآيات؛ فيجوز أن يكون المراد بهم المشركين كلَّهم بناء على تفسير الدين بالملَّة والنِّحلة فهم أعمّ من الذين يخوضون فبينهم العموم والخصوص المطلق.
وهذا يناسب تفسير ذَرْ} بمعنى عدم الاكتراث بهم وبدينهم لقصد عدم اليأس من إيمانهم أو لزيادة التسجيل عليهم، أي وذكِّرْهم بالقرآن، ويجوز أن يكون المراد بهم فريقاً من المشركين سفهاء اتَّخذوا دأبهم اللعب واللهو، بناء على تفسير الدين بمعنى العادة فبينهم وبين الذين يخوضون العموم والخصوص الوجهي.
{وغَرّتْهم} أي خدعتهم الحياة الدنيا وظنّوا أنّها لا حياة بعدها وأنّ نعيمها دائم لهم بطراً منهم. وتقدّم تفسير الغرور عند قوله تعالى: {لا يغرّنّك تقلّب الذين كفروا في البلاد} في سورة [آل عمران: 196].
وذكر الحياة هنا له موقع عظيم وهو أنّ همّهم من هذه الدنيا هو الحياة فيها لا ما يتكسب فيها من الخيرات التي تكون بها سعادة الحياة في الآخرة، أي غرّتهم الحياة الدنيا فأوهمتهم أن لا حياة بعدها وقالوا: {إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 29].
والضمير المجرور في {وذكِّر به} عائد إلى القرآن لأنّ التذكير هو التذكير بالله وبالبعث وبالنعيم والعذاب. وذلك إنَّما يكون بالقرآن فيعلم السامع أنّ ضمير الغيبة يرجع إلى ما في ذهن المخاطب من المقام، ويدل عليه قوله تعالى: {فذكِّر بالقرآن من يخاف وعيد} [ق: 45]. وحذف مفعول {ذكّر} لدلالة قوله: {وذرِ الذين اتَّخذُوا دينهم لعباً ولهواً} أي وذكِّرْهم به.
وقوله: {أنْ تُبْسَل نفس} يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً لِ {ذكّرْ} وهو الأظهر، أي ذكِّرْهم به إبسال نفس بما كسبت، فإنّ التذكير يتعدّى إلى مفعولين من باب أعطى لأنّ أصل فعله المجرّد يتعدّى إلى مفعول فهو بالتضعيف يتعدّى إلى مفعولين هما «هم» و{أن تبسل نفس}. وخُصّ هذا المصدر من بين الأحداث المذكّر بها لما فيه من التهويل. ويجوز أن يكون {أن تُبْسل} على تقدير لام الجرّ تعليلاً للتذكير، فهو كالمفعول لأجله فيتعيّن تقدير لا النافية بعد لام التعليل المحذوفة. والتقدير: لِئلاّ تبسل نفس، كقوله تعالى: {يبيّن الله لكم أن تضلّوا}، وقد تقدّم في آخر سورة [النساء: 176]. وجوّز فيه غير ذلك ولم أكن منه على ثلج.
ووقع لفظ (نفس) وهو نكرة في سياق الإثبات وقصد به العموم بقرينة مقام الموعظة، كقوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْس ما قدّمَتْ وأخَّرَتْ} [الأنفطار: 5] أي كلّ نفس علمت نفس ما أحْضَرَتْ، أي كلّ نفس.
والإبسال: الإسلام إلى العذاب، وقيل: السجنُ والارتهان، وقد ورد في كلامهم بالمعنيين وهما صالحان هنا. وأصله من البَسْل وهو المنع والحرام. قال ضمرة النهشلي:
بَكَرَتْ تَلُومُكَ بعد وَهْن في النَّدى *** بَسْل عليككِ مَلاَمَتِي وعِتَابِي
وأمَّا الإبسال بمعنى الإسلام فقد جاء فيه قول عوف بن الأحوص الكلابي:
وإبْسَالِي بَنِيّ بغير جُرْم *** بَعَوْنَاهُ ولا بِدَم مُرَاق
ومعنى: {بما كسبت} بما جنت. فهو كسب الشرّ بقرينة {تبسل}.
وجملة: {ليس لها من دون الله} الخ في موضع الحال من {نفس} لعموم {نفس}، أو في موضع الصفة نظراً لكون لفظه مفرداً.
والوليّ: الناصر. والشفيع: الطالب للعفو عن الجاني لمكانة له عند من بيده العقاب. وقد تقدّم الولي عند قوله تعالى: {قُلْ أغير الله أتَّخِذُ ولِيّاً} في هذه السورة [14]، والشفاعة عند قوله تعالى: {ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل} في سورة [البقرة: 48].
وجملة: وإنْ تعدل كلّ عدل لا يؤخذ منها} عطف على جملة {ليس لها من دون الله وليّ ولا شفيع}. و{تَعْدلْ} مضارع عَدَل إذا فدى شيئاً بشيء وقدّره به. فالفداء يسمَّى العدل كما تقدّم في قوله تعالى: {ولا يؤخذ منها عدل} في سورة [البقرة: 48].
وجيء في الشرط بإنْ} المفيدة عدم تحقّق حصول الشرط لأنّ هذا الشرط مفروض كما يفرض المحال.
والعدْل في قوله: {كلّ عدْل} مصدر عدل المتقدّم. وهو مصدره القياسي فيكون {كلّ} منصوباً على المفعولية المطلقة كما في «الكشَّاف»، أي وإن تُعط كلّ عطاء للفداء لا يقبل عطاؤها، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به ل {تعدل} لأنّ فعل (عَدل) يتعدّى للعوض بالباء وإنَّما يتعدّى بنفسه للمعوّض وليس هو المقصود هنا. فلذلك منع في «الكشَّاف» أن يكون {كلّ عدل} مفعولاً به، وهو تدقيق. و{كُلّ} هنا مجاز في الكثرة إذ ليس للعدل، أي للفداء حصر حتّى يحاط به كلّه. وقد تقدّم استعمال (كلّ) بمعنى الكثرة وهو مجاز شائع عند قوله تعالى: {ولئِن أتَيتَ الذين أوتوا الكتاب بكلّ آية} في سورة [البقرة: 145].
وقوله: لا يؤخذ منها} أي لا يؤخذ منها ما تعدل به. فقوله: {منها} هو نائب الفاعل ل {يؤخذ}. وليس في {يؤخذ} ضمير العدل لأنَّك قد علمت أنّ العدل هنا بمعنى المصدر، فلا يسند إليه الأخذ كما في «الكشاف»، فقد نزّل فعل الأخذ منزلة اللازم ولم يقدّر له مفعول كأنَّه قيل: لا يؤخذ منها أخْذ. والمعنى لا يؤخذ منها شيء. وقد جمعت الآية جميع ما تعارف الناس التخلّص به من القهر والغلب، وهو الناصر والشفيع والفدية. فهي كقوله تعالى: {ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون} في سورة [البقرة: 48]
وجملة: {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّ الكلام يثير سؤال سائل يقول: فما حال الذين اتّخذوا دينهم لعباً ولهواً من حال النفوس التي تُبْسَل بما كسبت، فأجيب بأنّ أولئك هم الذين أبسلوا بما كسبوا، فتكون الإشارة إلى الموصول بما له من الصلة، والتعريف للجزأين أفادَ القصر، أي أولئك هم المبسَلُون لا غيرهم. وهو قصر مبالغة لأنّ إبسالهم هو أشدّ إبسال يقع فيه الناس فجُعل ما عداه كالمعدوم.
ويجوز أن تكون الإشارة إلى النفس في قوله: {أن تُبسل نفس} باعتبار دلالة النكرة على العموم، أي أنّ أولئك المبسَلون العادمون وليّاً وشفيعاً وقبولَ فديتهم هم الذين إبسلوا بما كسبوا، أي ذلك هو الإبسال الحقّ لا ما تعرفونه في جَرَائركم وحروبكم من الإبسال، كإبسال أبناء عوف بن الأحوص المتقدّم آنفاً في شعره، فهذا كقوله تعالى:
{ذلك يوم التغابن} [التغابن: 9].
وجملة {لهم شراب من حميم} بيان لمعنى الإبسال أو بدَل اشتمال من معنى الإبسال، فلذلك فصلت.
والحميم: الماء الشديد الحرارة، ومنه الحَمة بفتح الحاء العينُ الجارية بالماء الحارّ الذي يستشفى به من أوجاع الأعضاء والدمل. وفي الحديث: «مَثَل العالم مثل الحَمَّة يأتيها البعداء ويتركها القرباء». وخصّ الشراب من الحميم من بين بقية أنواع العذاب المذكور من بعد للإشارة إلى أنَّهم يعطشون فلا يشربون إلاّ ماء يزيدهم حرارة على حرارة العطش.
والباء في {بما كانوا يكفرون} للسببية، و(ما) مصدرية.
وزيد فعل (كان) ليدلّ على تمكّن الكفر منهم واستمرارهم عليه لأنّ فعل مادّة الكَوْن تدلّ على الوجود، فالإخبار به عن شيء مخبَر عنه بِغيره أو موصوف بغيره لا يفيد فائدة الأوصاف سوى أنَّه أفاد الوجود في الزمن الماضي، وذلك مستعمل في التمكّن.
{قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)}
استئناف ابتدائي لتأييس المشركين من ارتداد بعض المسلمين عن الدين، فقد كان المشركون يحاولون ارتداد بعض قرابتهم أو من لهم به صلة. كما ورد في خبر سعيد بن زيد وما لَقي من عُمر بن الخطاب. وقد روي أنّ عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق دعا أباه إلى عبادة الأصنام، وأنّ الآية نزلت في ذلك، ومعنى ذلك أنّ الآية نزلت مشيرة إلى ذلك وغيره وإلاّ فإنّ سورة الأنعام نزلت جملة واحدة. وحاول المشركون صرف النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعوة إلى الإسلام وهم يُرْضُونه بما أحبّ كما ورد في خبر أبي طالب.
والاستفهام إنكار وتأييس، وجيء بنون المتكلّم ومعه غيره لأنّ الكلام من الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن المسلمين كلّهم. و{من دون الله} متعلّق ب {ندعوا}. والمراد بما لا ينفع ولا يضرّ الأصنامُ، فإنَّها حجارة مشاهد عدمُ نفعها وعجزُها عن الضرّ، ولو كانت تستطيع الضرّ لأضرّت بالمسلمين لأنَّهم خلعوا عبادتها وسفَّهوا أتباعها وأعلنوا حقارتها، فلمَّا جعلوا عدَم النفع ولا الضرّ علَّة لنفي عبادة الأصنام فقد كنّوا بذلك عن عبادتهم النافع الضارّ وهو الله سبحانه.
وقوله: {ونُردّ على أعقابنا} عطف على {ندعوا} فهو داخل في حيّز الإنكار. والردّ: الإرجاع إلى المكان الذي يؤتى منه، كقوله تعالى: {رُدّوها عليّ} [ص: 33].
والأعقاب جمع عَقِب وهي مؤخّر القدم. وعقب كلّ شيء طَرفه وآخره ويقال: رجع على عَقِبه وعلى عَقِبَيْه ونكص على عقبيه بمعنى رجع إلى المكان الذي جاء منه لأنَّه كان جاعلاً إيَّاه وراءه فرَجَع.
وحرف (على) فيه للاستعلاء، أي رجع على طريق جهة عقبه، كما يقال: رجع وراءه، ثم استعمل تمثيلاً شائعاً في التَّلبّس بحالة ذميمة كان فارقها صاحبُها ثم عاد إليها وتلبّس بها، وذلك أنّ الخارج إلى سفر أو حاجة فإنَّما يمشي إلى غرض يريده فهو يمشي القُدُمية فإذا رجع قبل الوصول إلى غرضه فقد أضاع مشيَه؛ فيمثّل حاله بحال من رجع على عقبيه. وفي الحديث: «اللهمّ أمْض لأصحابي هِجْرتهم ولا تَرُدّهم على أعقابهم» فكذلك في الآية هو تمثيل لحال المرتدّ إلى الشرك بعد أن أسلَم بحال من خرج في مهمّ فرجع على عقبيه ولم يقض ما خرج له. وهذا أبلغ في تمثيل سوء الحالة من أن يُقال: ونرجعُ إلى الكفر بعد الإيمان.
وقد أضيف (بعد) إلى {إذْ هدانا} وكلاهما اسم زمان، فإنّ (بعد) يدلّ على الزمان المتأخِّر عن شيء كقوله: {ومن بعد صلاة العشاء} [النور: 58] و(إذا) يدلّ على زمان معرّف بشيء، ف (إذا) اسم زمن متصرّف مراد به الزمان وليس مفعولاً فيه. والمعنى بعدَ الزمن الذي هدانا الله فيه، ونظيره
{ربّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} في سورة [آل عمران: 8].
ارتقى في تمثيل حالهم لو فُرض رجوعهم على أعقابهم بتمثيل آخر أدقّ، بقوله: {كالذي استهوته الشياطين في الأرض}، وهو تمثيل بهيئة متخيّلة مبنيّة على اعتقاد المخاطبين في أحوال الممسُوسينَ. فالكاف في موضع الحال من الضمير في {نُردّ على أعقابنا}، أي حال كوننا مشْبهينَ للذي استهوته الشياطين فهذه الحال مؤكّدة لما في {نردّ على أعقابنا} من معنى التَمثيل بالمرتدّ على أعقابه.
والاستهواء استفعال، أي طلب هَوى المرء ومحبّتِه، أي استجلاب هَوى المرء إلى شيء يحاوله المستجلِب. وقرّبه أبو علي الفارسي بمعنى همزة التعدية. فقال: استهواه بمعنى أهواه مثل استزلّ بمعنى أزلّ. ووقع في «الكشَّاف» أنَّه استفعال من هَوَى في الأرض إذا ذهب فيها، ولا يعرف هذا المعنى من كلام أئمَّة اللغة ولِم يذكره هو في «الأساس» مع كونه ذكر {كالذي استهوته الشياطين} ولم ينبِّه على هذا مَن جاء بعده.
والعرب يقولون: استهوته الشياطين، إذا اختطفت الجنّ عقله فسيَّرتْه كما تريد. وذلك قريب من قولهم: سَحَرتْه، وهم يعتقدون أنّ الغيلان هي سحرة الجنْ، وتسمَّى السعالي أيضاً، واحدتُها سَعْلاة، ويقولون أيضاً: استهامته الجنّ إذا طلبت هُيامه بطاعتها.
وقوله: {في الأرض} متعلّق ب {استهوته}، لأنَّه يتضمَّن معنى ذهبت به وضلّ في الأرض. وذلك لأنّ الحالة التي تتوهَّمها العرب استهواء الجنّ يصاحبها التوحّش وذهاب المجنون على وجهه في الأرض راكباً رأسه لا ينتصح لأحد، كما وقع لكثير من مجانينهم ومَن يزعمون أنّ الجنّ اختطفتهم. ومن أشهرهم عَمْرو بن عَدي الأيادي اللخمي ابن أخت جُذيمة بن مالك ملك الحيرة. وجوّز بعضهم أن يكون {في الأرض} متعلِّقاً ب {حَيْران}، وهو بعيد لعدم وجود مقتض لتقديم المعمول.
و {حَيْرانَ} حال من {الذي استهوتْه}، وهو وصف من الحَيْرة، وهي عدم الاهتداء إلى السبيل. يقال: حارَ يحَار إذ تاهَ في الأرض فلم يعلم الطريق. وتطلق مجازاً على التردّد في الأمر بحيث لا يعلم مخرجه، وانتصب {حيران} على الحال من {الذي}.
وجملة: {له أصحاب} حال ثانية، أي له رفقة معه حين أصابه استهواء الجنّ. فجملة {يدعونه} صفة ل {أصحاب}.
والدعاء: القول الدالّ على طلب عمل من المخاطب. والهدى: ضدّ الضلال. أي يدعونه إلى ما فيه هدَاه. وإيثارُ لفظ {الهُدى} هنا لما فيه من المناسبة للحالة المشبَّهة. ففي هذا اللفظ تجريد للتمثيلية كقوله تعالى: {فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم} في سورة [البقرة: 17]. ولذلك كان لتعقيبه بقوله: قل إنّ هدى الله هو الهدى} وقع بديع. وجوّز في «الكشاف» أن يكون الهدى مستعاراً للطريق المستقيم.
وجملة: {ائتنا} بيان ل {يدعونه إلى الهدى} لأنّ الدعاء فيه معنى القول. فصحّ أن يبيّن بما يقولونه إذا دعَوه، ولكونها بياناً فُصلت عن التي قبلها، وإنَّما احتاج إلى بيان الدعاء إلى الهدى لتمكِين التمثيل من ذهن السامع، لأنّ المجنون لا يخاطب بصريح المقصد فلا يدعى إلى الهدى بما يَفهم منه أنَّه ضالّ لأنّ من خُلق المجانين العناد والمكابرة، فلذلك يدعونه بما يفهم منه رغبتُهم في صحبته ومحبتُهم إيَّاه، فيقولون: ايتنا، حتَّى إذا تمكَّنوا منه أوثقوه وعادوا به إلى بيته.
وقد شبّهت بهذا التمثيل العجيب حالة من فُرض ارتدادُه إلى ضلالة الشرك بعد هدى الإسلام لدعوة المشركين إيَّاه وتركه أصحابه المسلمين الذين يصدّونه عنه، بحَال الذي فسد عقله باستهواء من الشياطين والجنّ، فتاه في الأرض بعد أن كان عاقلاً عارفاً بمسالكها، وترك رفقته العقلاء يدعونه إلى موافقتهم، وهذا التركيب البديع صالح للتفكيك بأن يشبّه كل جزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بها، بأن يشبه الارتداد بعد الإيمان بذهاب عقل المجنون، ويشبّه الكفر بالهُيام في الأرض، ويشبّه المشركون الذين دعَوْهم إلى الارتداد بالشياطين وتُشَبّه دعوة الله الناس للإيمان ونزولُ الملائكة بوحيه بالأصحاب الذين يدعون إلى الهدى. وعلى هذا التفسير يكون {الذي} صادقاً على غير معيّن، فهو بمنزلة المعرّف بلام الجنس. وروي عن ابن عباس أنّ الآية نزلت في عبد الرحمان بن أبي بكر الصدّيق حين كان كافراً وكان أبوه وأمّه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى، وقد أسلم في صلح الحديبية وحسن إسلامه.
{وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)}
جملة: {قل إنّ هدى الله هو الهدى} مستأنفة استئنافَ تكرير لِما أمِر أن يقوله للمشركين حين يدعون المسلمين إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وقد روي أنَّهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم اعْبُد آلهتنا زمناً ونعبُدُ إلهك زمناً. وكانوا في خلال ذلك يزعمون أنّ دينهم هدى فلذلك خوطبوا بصيغة القصر. وهي {إنّ هدى الله هو الهدى} فجيء بتعريف الجزأيْن، وضمير الفصل، وحرف التوكيد، فاجتمع في الجملة أربعة مؤكّدات، لأنّ القصر بمنزلة مؤكِّدَيْن إذ ليس القصر إلاّ تأكيداً على تأكيد، وضمير الفصل تأكيد، و(إنّ) تأكيد، فكانت مقتضَى حال المشركين المنكرين أنّ الإسلام هدى.
وتعريف المسند إليه بالإضافة للدلالة على الهدى الوارد من عند الله تعالى، وهو الدين المُوصى به، وهو هنا الإسلام، بقرينة قوله {بعد إذْ هدانا الله}. وقد وصف الإسلام بأنَّه {هُدى الله} في قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتَّى تتّبع ملَّتهم قل إنّ هدى الله هو الهدى} في سورة [البقرة: 120]، أي القرآن هو الهدى لا كُتُبُهم.
وتعريف المسند بلام الجنس للدلالة على قصر جنس الهدى على دين الإسلام، كما هو الغالب في تعريف المسند بلام الجنس، وهو قصر إضافي لأنّ السياق لردّ دعوة المشركين إيَّاهم الرجوع إلى دينهم المتضمِّنة اعتقادهم أنَّه هدى، فالقصر للقلب إذ ليسوا على شيء من الهدى، فلا يكون قصر الهدى على هدى القرآن بمعنى الهدى الكامل، بخلاف ما في سورة البقرة.
وجملة: وأمِرْنا لِنُسْلِم} عطف على المقول. وهذا مقابل قوله {قل إنِّي نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} [الأنعام: 56]، وقوله {قل أندعو من دون الله} الآية.
واللام في {لِنُسْلِم} أصلها للتعليل وتنوسي منها معنى التعليل فصارت لمجرّد التأكيد. وهي اللام التي يكثر ورودها بعد مادّة الأمر ومادّة الإرادة. وسمَّاها بعضهم لام أنْ بفتح الهمزة وسكون النون قال الزجَّاج: العرب تقول: أمَرْتُك بأنْ تفعل وأمرتُك أن تفعل وأمرتك لِتَفعل. فالباء للإلصاق، وإذا حذفوها فهي مقدّرة مع (أنْ). وأمَّا أمرتك لتفعل، فاللام للتعليل، فقد أخبر بالعلَّة التي لها وقَع الأمر. يعني وأغنت العلَّة عن ذكر المعلّل. وقيل: اللام بمعنى الباء، وقيل: زائدة، وعلى كلّ تقدير ف (أنْ) مضرة بعدها، أي لأجل أن نُسْلِمَ. والمعنى: وأمرنا بالإسلام، أي أمرنا أن أسلموا. وتقدّم الكلام على هذه اللام عند قوله تعالى: {يريد الله ليُبيّن لكم} في سورة [النساء: 26].
واللام في قوله: لربّ العالمين} متعلِّقة ب {نسلم} لأنَّه معنى تخلّص له، قال: {فقل أسلمت وجهي لله}. وقد تقدّم القول في معنى الإسلام عند قوله تعالى: {إذ قال له ربّه أسْلِم قال أسلمت لربّ العالمين} في سورة [البقرة: 131].
وفي ذكر اسم الله تعالى بوصف الربوبية لجميع الخلق دون اسمه العَلَم إشارة إلى تعليل الأمر وأحقِّيّته.
وقوله: وأن أقيموا الصلاة} إنْ جُعلت (أنْ) فيه مصدرية على قول سيبويه، إذ يسوّغ دخول (أنْ) المصدرية على فِعل الأمر فتفيد الأمر والمصدرية معاً لأنّ صيغة الأمر لم يؤت بها عبثاً، فقول المعربين: إنَّه يتجرّد عن الأمرية، مرادهم به أنَّه تجرّد عن معنى فعل الأمر إلى معنى المصدرية فهو من عطف المفردات. وهو إمّا عطف على {لنسلم} بتقدير حرف جرّ محذوف قبل (أنْ) وهو الباء. وتقدير الحرف المحذوف يدلّ عليه معنى الكلام، وإمّا عطف على معنى {لنسلم} لأنَّه وقع في موقع بأن نسلم، كما تقدّم عن الزجّاج. فالتقدير: أمرنا بأن نسلم، ثم عطف عليه {وأن أقيموا} أي وأمرنا بأن أقيموا، والعطف على معنى اللفظ وموقِعه استعمال عربي، كقوله تعالى: {لولا أخَّرْتَنِي إلى أجل قريب فأصّدّقَ وأكُنْ} [المنافقون: 10] إذ المعنى إنْ تُؤخّرني أصّدّقْ وأكُنْ.
وإن جُعلت (أنْ) فيه تفسيرية فهو من عطف الجمل. فيقدّر قوله: {أمرنا لنسلم} بأمِرْنا أن أسلموا لنُسلم {وأن أقيموا الصلاة}، أي لنقيم فيكون في الكلام احتباك.
وأظهر من هذا أن تكون (أنْ) تفسيرية. وهي تفسير لما دلَّت عليه واوُ العطف من تقدير العامل المعطوف عليه، وهو {وأمرنا}، فإنّ {أمرنا} فيه معنى القول دون حروفه فناسب موقع (أنْ) التفسيرية.
وتقدّم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة (3).
و {اتَّقوه} عطف على {أقيموا} ويجري فيه ما قُرّر في قوله {وأن أقيموا}. والضمير المنصوب عائد إلى {ربّ العالمين} وهو من الكلام الذي أمروا بمقتضاه بأن قال الله للمؤمنين: أسلموا لربّ العالمين وأقيموا الصلاة واتَّقُوه. ويجوز أن يكون محكياً بالمعنى بأن قال الله: اتَّقون، فحُكي بما يوافق كلام النبي المأمور بأن يقوله بقوله تعالى: {قل إنّ هدى الله هو الهدى}، كما في حكاية قول عيسى: {ما قلتُ لهم إلاّ مَا أمَرتني به أن اعبدوا الله ربِّي وربّكم} [المائدة: 117].
وجَمع قوله: {واتَّقوه} جميعَ أمور الدين، وتخصيصُ إقامة الصلاة بالذكر للاهتمام.
وجملة: {وهو الذي إليه تُحشرون} إمّا عطف على جملة {اتَّقُوه} عطف الخبر على الإنشاء فتكون من جملة المقول المأمور به بقوله: {قل إنّ هدى الله}، أي وقل لهم وهو الذي إليه تحشرون، أو عطف على {قل} فيكون من غير المقول. وفي هذا إثبات للحشر على منكريه وتذكير به للمؤمنين به تحريضاً على إقامة الصلاة والتقوى.
واشتملت جملة {وهو الذي إليه تحشرون} على عدّة مؤكّدات وهي: صيغة الحصر بتعريف الجزأين، وتقديم معمول {تحشرون} المفيد للتقوّي لأنّ المقصود تحقيق وقوع الحشر على من أنكره من المشركين وتحقيق الوعد والوعيد للمؤمنين، والحصر هنا حقيقي إذ هم لم ينكروا كون الحشر إلى الله وإنَّما أنكروا وقوع الحشر، فسلك في إثباته طريق الكناية بقصره على الله تعالى المستلزم وقوعه وأنَّه لا يكون إلاّ إلى الله، تعريضاً بأنّ آلهتهم لا تغني عنهم شيئاً.
وجملة: {وهو الذي خلق السماوات} عطف على {وهو الذي إليه تحشرون}، والقصر حقيقي إذ ليس ثم ردّ اعتقاد لأنّ المشركين يعترفون بأنّ الله هو الخالق للأشياء التي في السماء والأرض كما قدّمناه في أول السورة. فالمقصود الاستدلال بالقصر على أنَّه هو المستحقّ للعبادة لأنّ الخلائق عبيده كقوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكّرون} [النحل: 17].
والباء من قوله: {بالحقّ} للملابسة، والمجرور متعلّق ب {خلَق} أو في موضع الحال من الضمير.
والحقّ في الأصل مصدر (حقّ) إذا ثبت، ثم صار اسماً للأمر الثاتب الذي لا يُنكر من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل مثل فلان عَدْل. والحقّ ضدّ الباطل. فالباطل اسم لضدّ ما يسمَّى به الحقّ فيطلق الحقّ إطلاقاً شائعاً على الفعل أو القول الذي هو عَدل وإعطاء المستحقّ ما يستحقّه، وهو حينئذٍ مرادف العدل ويقابله الباطل فيرادفُ الجَور والظلم، ويطلق الحق على الفعل أو القول السديد الصالح البالغ حدّ الإتقان والصواب، ويرادف الحكمة والحقيقة، ويقابله الباطل فيرادف العبث واللعبَ. والحقّ في هذه الآية بالمعنى الثاني، كما في قوله تعالى: {ما خلقناهما إلاّ بالحقّ} [الدخان: 39] بعد قوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين} [الدخان: 38] وكقوله: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاً} [آل عمران: 191]. فالله تعالى أخرج السماوات والأرض وما فيهنّ من العَدم إلى الوجود لِحكم عظيمة وأودع في جميع المخلوقات قُوى وخصائص تصدر بسببها الآثار المخلوقة هي لها ورتَّبها على نُظم عجيبة تحفظ أنواعها وتُبرز ما خُلقت لأجله، وأعظمها خَلق الإنسان وخَلْق العقل فيه والعلم، وفي هذا تمهيد لإثبات الجزاء إذ لو أهملت أعمال المكلّفين لكان ذلك نقصاناً من الحقّ الذي خُلقت السماوات والأرض ملابِسة له، فعُقّب بقوله: {ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ}.
وجملة: {ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ} معطوفة على التي قبلها لمناسبة ملابسة الحقّ لأفعاله تعالى فبُينت ملابسة الحقّ لأمره تعالى الدّال عليه {يقول}. والمراد ب {يومَ يقول كن} يوم البعث، لقوله بعده: {يوم يُنفخ في الصور}.
وقد أشكل نظم قوله: {ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ}، وذهب فيه المفسّرون طرائق. والوجه أنّ قوله {ويوم يقول كن فيكون} ظرف وقع خبره مقدّماً للاهتمام به، والمبتدأ هو {قوله} ويكون {الحق} صفة للمتبدأ. وأصل التركيب: وقوله الحقّ يومَ يقول: كن فيكون. ونكتة الاهتمام بتقديم الظرف الردّ على المشركين المنكرين وقوع هذا التكوين بعد العدم.
ووصف القول بأنَّه الحقّ للردّ على المشركين أيضاً. وهذا القول هو عين المقول لِفعل {يقول كن}، وحُذف المقول له {كن} لظهوره من المقام، أي يقول لغير الموجود الكائن: كُن. وقوله: {فيكون} اعتراض، أي يقول لمّا أراد تكوينه (كن) فيوجد المقولُ له {كُن} عقِب أمر التكوين.
والمعنى أنَّه أنشأ خلق السماوات والأرض بالحقّ، وأنّه يعيد الخلق الذي بدأه بقول حقّ، فلا يخلو شيء من تكوينه الأول ولا من تكوينه الثاني عن الحقّ. ويتضمَّن أنّه قول مستقبل، وهو الخلق الثاني المقابل للخلق الأول، ولذلك أتي بكلمة {يوم} للإشارة إلى أنَّه تكوين خاصّ مقدّر له يوم معيّن.
وفي قوله: {قولُه الحقّ} صيغة قصر للمبالغة، أي هو الحقّ الكامل لأنّ أقوال غيره وإن كان فيها كثير من الحقّ فهي معرّضة للخطأ وما كان فيها غيرَ معرض للخطأ فهو من وحي الله أو من نعمته بالعقل والإصابة، فذلك اعتداد بأنَّه راجع إلى فضل الله. ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «قولك الحقّ ووعدك الحقّ». والمراد بالقول كلّ ما يدلّ على مراد الله تعالى وقضائه في يوم الحشر، وهو يوم يقول كن، من أمرِ تكوين، أو أمر ثواب، أو عقاب، أو خبر بما اكتسبه الناس من صالح الأعمال وأضدادها، فكلّ ذلك من قول الله في ذلك اليوم وهو حقّ. وخصّ من بين الأقوال أمرُ التكوين لما اقتضاه التقديم من تخصيصه بالذكر كما علمت.
وللمفسّرين في إعراب هذه الآية وإقامة المعنى من ذلك مسالك أخرى غير جارية على السبل الواضحة.
وقوله {وله الملك يوم ينفخ في الصور} جملة مستقلّة وانتظامها كانتظام جملة {ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ} إلاّ أنّ في تقديم المسند إليه على المسند قصر المسند إليه على المسند، أي المُلك مقصور على الكَون له لا لغيْره لردّ ما عسى أن يطمع فيه المشركون من مشاركة أصنامهم يومئذٍ في التصرفّ والقضاء. والمقصود من هذا الظرف تهويل ذلك اليوم.
والنفخ في الصور مَثَل ضُرب للأمر التكويني بحياة الأموات الذي يعُمّ سائر الأموات، فيحيون به ويحضرون للحشر كما يحضر الجيش بنفخ الأبواق ودَقّ الطبول.
والصّور: البُوق. وورد في الحديث: «أن المَلَك الموكَّل بنفخ الصور هو إسرافيل، ولا يَعلم كنه هذا النفخ إلاّ الله تعالى» ويومُ النَّفخ في الصّور هو يومَ يقُول: كن فيكون، ولكنَّه عبَّر عنه هنا ب {يوم ينفخ في الصور} لإفادة هذا الحال العجيب، ولأنّ اليوم لمّا جعل ظرفاً للقول عُرّفَ بالإضافة إلى جملة {يقول كن فيكون}. ولمَّا جعل اليوم ظرفاً للمُلك ناسب أن يعرّف اليوم بما هو من شعار المُلك والجند.
وقد انتصب {يوم ينفخ} على الظرفية، والعامل فيه للاستقرار الذي في قوله {وله الملك}. ويجوز أن يجعل بدلاً من {يومَ يقول كُن فيكون}. ويجعل {وله الملك} عطفاً على {قوله الحقّ} على أنّ الجميع جملة واحدة.
وعن ابن عبّاس: الصور هنا جمع صُورة، أي ينفخ في صُوَر الموجودات.
ولما انتهى المقصود من الإخبار عن شؤون من شأن الله تعالى أتبع بصفات تشير إلى المحاسبة على كلّ جليل ودقيق ظاهر وباطن بقوله: {عالم الغيب والشهادة}.
وجاء أسلوب الكلام على طريقة حذف المخبَر عنه في مقام تَقَدُّم صفاته. فحذْف المسند إليه في مثله تبع لطريقة الاستعمال في تعقيب الأخبار بخبر أعظم منها يجعل فيه المخبر عنه مسنداً إليه ويلتزم حذفه. وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {مقامُ إبراهيم} في سورة [آل عمران: 97]، فلذلك قال هنا عالم الغيب} فحذف المسند إليه ثم لم يحذف المسند إليه في قوله: {وهو الحَكِيم الخبير}.
والغيب: ما هو غائب. وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} في سورة [البقرة: 3]، وعند قوله {وعنده مفاتح الغيب} في هذه السورة [59].
والشهادة: ضدّ الغيب، وهي الأمور التي يشاهدها الناس ويتوصّلون إلى علمها يقال: شَهِد، بمعنى حضر، وضدّه غَاب، ولا تخرج الموجودات عن الاتّصاف بهذين الوصفين، فكأنَّه قيل: العالم بأحوال جميع الموجودات. والتعريف في الغيب والشهادة} للاستغراق، أي عالم كلّ غيب وكلّ شهادة.
وقوله: {وهو الحكيم الخبير} عطف على قوله: {عالم الغيب}. وصفة {الحكيم} تجمع إتقان الصنع فتدلّ على عظم القدرة مع تعلّق العلم بالمصنوعات. وصفة {الخبير} تجمع العلم بالمعلومات ظاهرها وخفيّها. فكانت الصفتان كالفذلكة لقوله: {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحقّ} ولقوله {عالم الغيب والشهادة}.
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74)}
عطف على الجمل السابقة التي أولاها {وكذّب به قومك وهو الحقّ} [الأنعام: 66] المشتملة على الحجج والمجادلة في شأن إثبات التوحيد وإبطال الشرك، فعُقّبت تلك الحجج بشاهد من أحوال الأنبياء بذكر مجادلة أول رسول أعلَن التوحيد وناظر في إبطال الشرك بالحجّة الدامغة والمناظرة الساطعة، ولأنَّها أعدل حجَّة في تاريخ الدين إذ كانت مجادلة رسول لأبيه ولقومه، وكانت أكبر حجّة على المشركين من العرب بأنّ أباهم لم يكن مشركاً ولا مُقِرّاً للشرك في قومه، وأعظم حجَّة للرسول صلى الله عليه وسلم إذ جاءهم بالإقلاع عن الشرك.
والكلام في افتتاح القصّة ب {إذْ} بتقدير اذْكُر تقدّم عند قوله تعالى: {وإذ قال ربّك للملائكة إنٌّي جاعل في الأرض خليفة} في سورة [البقرة: 30].
وآزر} ظاهر الآية أنَّه أبو إبراهيم. ولا شكّ أنّه عُرف عند العرب أنّ أبا إبراهيم اسمُه آزر فإنّ العرب كانوا معتنين بذكر إبراهيم عليه السلام ونسبِه وأبنائه. وليس من عادة القرآن التعرّض لذكر أسماء غير الأنبياء فما ذكر اسمه في هذه الآية إلاّ لقصد سنذكره. ولم يُذكر هذا الاسم في غير هذه الآية. والذي في كتب الإسرائيليّين أنّ اسم أبي إبراهيم (تارح) بمثناة فوقية فألف فراء مفتوحة فحاء مهملة. قال الزجاج: لا خلاف بين النسّابين في أنّ اسم أبي إبراهيم تارح. وتبعه محمد بن الحسن الجويني الشافعي في «تفسير النكت». وفي كلامهما نظر لأنّ الاختلاف المنفي إنَّما هو في أنّ آزر اسم لأبي إبراهيم ولا يقتضي ذلك أنه ليس له اسم آخر بين قومه أو غيرهم أو في لغة أخرى غير لغة قومه. ومثل ذلك كثير. وقد قيل: إنّ (آزر) وصف. قال الفخر: قيل معناه الهرم بلغة خوارزم، وهي الفارسية الأصلية. وقال ابن عطية عن الضحّاك: (آزر) الشيخ. وعن الضحَّاك: أنّ اسم أبي إبراهيم بلغة الفرس (آزر). وقال ابن إسحاق ومقاتل والكلبي والضحَّاك: اسم أبي إبراهيم تارح وآزر لقب له مثل يعقوب الملقب إسرائيل، وقال مجاهد: (آزر) اسم الصنم الذي كان يعبده أبو إبراهيم فلقّب به. وأظهر منه أن يقال: أنَّه الصنم الذي كان أبو إبراهيم سادن بيته.
وعن سليمان التيْمي والفرّاء: (آزر) كلمةُ سبّ في لغتهم بمعنى المعْوَجّ، أي عن طريق الخير. وهذا وهم لأنَّه يقتضي وقوع لفظ غير عربي ليس بعلم ولا بمعرّب في القرآن. فإنّ المعرّب شرطه أن يكون لفظاً غير علم نقله العرب إلى لغتهم. وفي «تفسير الفخر»: أنّ من الوجوه أن يكون (آزر) عمّ إبراهيم وأطلق عليه اسم الأب لأنّ العمّ قد يقال له: أب. ونسب هذا إلى محمد بن كعب القرظي. وهذا بعيد لا ينبغي المصير إليه فقد تكرّر في القرآن ذكر هذه المجادلة مع أبيه، فيبعد أن يكون المراد أنَّه عمّه في تلك الآيات كلِّها.
قال الفخر: وقالت الشيعة: لا يكون أحد من آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجداده كافراً. وأنكروا أنّ (آزر) أب لإبراهيم وإنَّما كان عمّه. وأمَّا أصحابنا فلم يلتزموا ذلك. قلت: هو كما قال الفخر من عدم التزام هذا وقد بيّنتُ في «رسالة» لي في طهارة نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ الكفر لا ينافي خلوص النسب النبوي خلوصاً جبليّاً لأنّ الخلوص المبحوث عنه هو الخلوص ممَّا يتعيّر به في العادة.
والذي يظهر لي أنَّه: أنّ (تارح) لُقِّب في بلد غربة بلقب (آزر) باسم البلد الذي جاء منه، ففي «معجم ياقوت» آزر بفتح الزاي وبالراء ناحية بين سوق الأهواز ورامهرمز. وفي الفصل الحادي عشر من سفر التكوين من التوراة أنّ بلد تارح أبي إبراهيم هو (أور الكَلْدَانيين). وفي «معجم ياقوت» (أور) بضم الهمزة وسكون الواو من أصقاع رامهرمز من خوزستان». ولعلّه هو أور الكلدانيين أو جزء منه أضيف إلى سكّانه. وفي سفر التكوين أنّ (تارح) خرج هو وابنه إبراهيم من بلده أور الكلدانيين قاصديْن أرض كنعان وأنهما مرّا في طريقهما ببلد (حَاران) وأقاما هناك ومات تارح في حَاران. فلعلّ أهل حاران دعَوه آزر لأنَّه جاء من صقع آزر. وفي الفصل الثاني عشر من سفر التكوين ما يدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام نُبِّئ في حاران في حياة أبيه.
ولم يرد في التوراة ذكر للمحاورة بين إبراهيم وأبيه ولا بينه وبين قومه.
ولذا فالأظهر أن يكون {آزر} في الآية منادى وأنَّه مبني على الفتح. ويؤيد ذلك قراءة يعقوب {آزر} مضموماً. ويؤيّده أيضاً ما روي: أنّ ابن عباس قرأه أإزر بهمزتين أولاهما مفتوحة والثانية مكسورة، وروي: عنه أنَّه قرأه بفتح الهمزتين وبهذا يكون ذكر اسمه حكاية لخطاب إبراهيم إيّاه خطاب غلظة، فذلك مقتضى ذكر اسمه العلم.
وقرأ الجمهور {آزر} بفتح الراء وقرأه يعقوب بضمّها. واقتصر المفسّرون على جعله في قراءة فتح الراء بياناً من {أبيه}، وقد علمت أنَّه لا مقتضي له.
والاستفهام في {أتتَّخذ أصناماً آلهة} استفهام إنكار وتوبيخ.
والظاهر أنّ المحكي في هذه الآية موقف من مواقف إبراهيم مع أبيه، وهو موقف غلظة، فيتعيَّن أنَّه كان عندما أظهر أبوه تصلّباً في الشّرك. وهو ما كان بعد أن قال له أبوه {لئن لم تنته لأرجمنَّك} [مريم: 46] وهو غير الموقف الذي خاطبه فيه بقوله: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر} الآيات في سورة [مريم: 42].
و {تتّخذ} مضارع اتّخذ، وهو افتعال من الأخذ، فصيغة الافتعال فيه دالَّة على التكلّف للمبالغة في تحصيل الفعل.
قال أهل اللغة: قلبت الهمزة الأصلية تاء لقصد الإدغام تخفيفاً وليَّنوا الهمزة ثم اعتبروا التاء كالأصلية فربما قالوا: تخذ بمعنى اتّخذ، وقد قرئ بالوجهين قوله تعالى: {لو شئت لاتَّخذت عليه أجراً} [الكهف: 77] و{لتَخَذْت عليه أجراً فأصل فعل اتّخذ أن يتعدّى إلى مفعول واحد وكان أصل المفعول الثاني حالاً، وقد وعدنا عند قوله تعالى: {قالوا أتتَّخذنا هزؤاً} في سورة [البقرة: 67] بأن نبيِّن استعمال (اتَّخذ) وتعديته في هذه السورة. ومعنى تتّخذ هنا تصطفي وتختار؛ فالمراد أتعبد أصناماً. وفي فعل تتّخذ} إشعار بأنّ ذلك شيء مصطنع مفتعل وأنّ الأصنام ليست أهلاً للإلهية. وفي ذلك تعريض بسخافة عقله أن يجعل إلهه شيئاً هو صنعه.
والأصنام جمع صنم، والصنم الصورة التي تمثّل شكل إنسان أو حيوان، والظاهر أنّ اعتبار كونه معبوداً داخل في مفهوم اسم صنم كما تظافرت عليه كلمات أهل اللغة فلا يطلق على كلّ صورة، وفي «شفاء الغليل»: أنّ صنم مُعرّب عن (شَمَن)، وهو الوثن، أي مع قلب في بعض حروفه، ولم يذكر اللغة المعرّب منها، وعلى اعتبار كون العبادة داخلة في مفهوم الاسم يكون قوله {أصناماً} مفعول {تتَّخذ} على أن تتّخذ متعدّ إلى مفعول واحد على أصل استعماله ومحلّ الإنكار هو المفعول، أي {أصناماً}، ويكون قوله {آلهة} حالاً من {أصناماً} مؤكّدة لمعنى صاحب الحال، أو بدلاً من {أصناماً}. وهذا الذي يناسب تنكير {أصناماً} لأنَّه لو كان مفعولاً أوّل ل {تتّخذ} لكان معرّفاً لأنّ أصله المبتدأ. وعلى احتمال أنّ الصنم اسم للصورة سواء عبدت أم لم تعبد يكون قوله {آلهة} مفعولاً ثانياً ل {تتّخذ} على أنّ {تتّخذ} مضمّن معنى تجعل وتصيِّر، أي أتجعل صوراً آلهة لك كقوله {أتعبدون ما تنحتون} [الصافات: 95].
وقد تضمَّن ما حكي من كلام إبراهيم لأبيه أنَّه أنكر عليه شيئين: أحدهما جعله الصور آلهة مع أنَّها ظاهرة الانحطاط عن صفة الإلهية، وثانيهما تعدّد الآلهة ولذلك جُعل مفعولا {تتّخذ} جَمْعَيْن، ولم يُقل: أتتّخذ الصنم إلهاً.
وجملة: {إنِّي أراك وقومك في ضلال} مبيِّنَة للإنكار في جملة: {أتتَّخذ أصناماً آلهة}. وأكّد الإخبار بحرف التأكيد لما يتضمَّنه ذلك الإخبار من كون ضلالهم بيّناً، وذلك ممَّا ينكره المخاطب؛ ولأنّ المخاطب لَمَّا لم يكن قد سمع الإنكارَ عليه في اعتقاده قبْل ذلك يحسب نفسه على هدى ولا يحسب أنّ أحداً ينكر عليه ما هو فيه، ويظن أنّ إنكار ابنه عليه لا يبلغ به إلى حدّ أن يراه وقومه في ضلال مبين. فقد يتأوّله بأنَّه رام منه ما هو أولَى.
والرؤية يجوز أن تكون بصرية قصد منها في كلام إبراهيم أنّ ضلال أبيه وقومه صار كالشيء المشاهَد لوضوحه في أحوال تقرّباتهم للأصنام من الحجارة فهي حالة مشاهد ما فيها من الضلال.
وعليه فقوله: {في ضلال مبين} في موضع الحال. ويجوز كون الرؤية علمية، وقوله: {في ضلال مبين} في موضع المفعول الثاني.
وفائدة عطف {وقومك} على ضمير المخاطب مع العلم بأنّ رؤيته أباه في ضلال يقتضي أن يرى مماثليه في ضلال أيضاً لأنّ المقام مقام صراحة لا يكتفي فيه بدلالة الالتزام ولينبئه من أول وهلة على أنّ موافقة جمع عظيم إياه على ضلاله لا تعصّد دينه ولا تشكّك من ينكر عليه ما هو فيه. و{مبين} اسم فاعل من أبان بمعنى بان، أي ظاهر. ووصف الضلال ب {مبين} نداء على قوة فساد عقولهم حيث لم يتفطّنوا لضلالهم مع أنَّه كالمشاهد المرئي.
ومباشرتُه إيَّاه بهذا القول الغليظ كانت في بعض مجادلاته لأبيه بعد أن تقدّم له بالدعوة بالرفق، كما حكى الله عنه في موضع آخر {يا أبَت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يُبصر ولا يغني عنك شيئاً يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتَّبعني أهْدك صراطاً سويّاً إلى قوله سلام عليك سأستغفر لك ربِّي إنَّه كان بي حفيّاً} [مريم: 42 47]. فلما رأى تصميمه على الكفر سلك معه الغلظة استقصاء لأساليب الموعظة لعلّ بعضها أن يكون أنجع في نفس أبيه من بعض فإنّ للنفوس مسالك ولمجال أنظارها ميادين متفاوتة، ولذلك قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {ادْعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125]، وقال له في موضع آخر {واغلُظْ عليهم} [التوبة: 73]. فحكى الله تعالى عن إبراهيم في هذه الآية بعض مواقفه مع أبيه وليس في ذلك ما تنافي البُرور به لأنّ المجاهرة بالحقّ دون سبّ ولا اعتداء لا ينافي البرور. ولم يزل العلماء يخطّئون أساتذتهم وأئمّتهم وآباءهم في المسائل العلمية بدون تنقيص. وقد قال أرسطاليس في اعتراض على أفلاطون: أفلاطون صديق والحقّ صديق لكن الحقّ أصدق. على أنّ مراتب برّ الوالدين متفاوتة في الشرائع. وقد قال أبناء يعقوب {تالله إنَّك لفي ضلالك القديم} [يوسف: 95].
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)}
عطف على جملة: {قال إبراهيم لأبيه آزرَ أتتّخذ أصناماً آلهة} [الأنعام: 74]. فالمعنى وإذ نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراءة لا إراءة أوضح منها في جنسها والإشارة بقوله: {وكذلك} إلى الإراء المأخوذ من قوله {نُري إبراهيم} أي مثل ذلك الإراء العجيب نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض. وهذا على طريقة قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمَّة وسطاً} [البقرة: 143]. وقد تقدّم بيانه في سورة البقرة، فاسم الإشارة في مثل هذا الاستعمال يلازم الإفراد والتذكير لأنَّه جرى مجرى المثل.
وقوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} إشارة إلى حجّة مستنبطة من دلالة أحوال الموجودات على وجود صانعها.
والرؤية هنا مستعملة للانكشاف والمعرفة، فالإراءة بمعنى الكشف والتعريف، فتشمل المبصرات والمعقولات المستدلّ بجميعها على الحق وهي إراءة إلهام وتوفيق، كما في قوله تعالى: {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} [الأعراف: 185]، فإبراهيم عليه السلام ابتُدئ في أوّل أمره بالإلهام إلى الحقّ كما ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤية الصادقة. ويجوز أن يكون المراد بالإراءة العلم بطريق الوحي. وقد حصلت هذه الإراءة في الماضي فحكاها القرآن بصيغة المضارع لاستحضار تلك الإراءة العجيبة كما في قوله تعالى: {الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا} [فاطر: 9].
والملكوت اتَّفق أئمَّة اللغة على أنَّه مصدر كالرَغَبُوت والرّحَمُوت والرّهَبُوت والجَبَرُوت. وقالوا: إنّ الواو والتاء فيه للمبالغة. وظاهره أنّ معناه المِلك بكسر الميم لأنّ مصدر مَلك المِلك بكسر الميم ولمَّا كان فيه زيادة تفيد المبالغة كان معناه المِلك القوي الشديد. ولذلك فسَّره الزمخشري بالربوبية والإلهية. وفي «اللسان»: مُلْك الله وملكوته سلطانُه ولفلان ملكوت العراق، أي سلطانه ومُلكه. وهذا يقتضي أنَّه مرادف للمُلك بضمّ الميم وفي طبعة «اللسان» في بولاق رُقمت على ميم مُلكه ضمّة.
وفي «الإتقان» عن عكرمة وابن عبَّاس: أنّ الملكوت كلمة نَبَطِيَّة. فيظهر أنّ صيغة (فعلوت) في جميع الموارد التي وردت فيها أنَّها من الصيغ الدخيلة في اللغة العربية، وأنَّها في النبطيّة دالَّة على المبالغة، فنقلها العرب إلى لغتهم لِما فيها من خصوصية القوّة. ويستخلص من هذا أنّ الملكوت يطلق مصدراً للمبالغة في المِلك، وأنّ المُلك (بالضمّ) لما كان مِلكاً (بالكسر) عظيماً يطلق عليه أيضاً المَلَكُوت. فأمَّا في هذه الآية فهو مجاز على كلا الإطلاقين لأنَّه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، وهو المملوك، كالخَلق على المخلوق، إمَّا من المِلك بكسر الميم أو من المُلك بضمِّها.
وإضافة ملكوت السماوات والأرض على معنى (في). والمعنى ما يشمله المُلك أو الملك، والمُراد مُلك الله. والمعنى نكشف لإبراهيم دلائل مخلوقاتنا أو عظمة سلطاننا كشفاً يطلعه على حقائقها ومعرفة أن لا خالق ولا متصرّف فيما كشفنا له سوانا.
وعُطِف قوله: {وليَكون من الموقنين} على قوله: {وكذلك} لأنّ {وكذلك} أفاد كون المشبَّه به تعليماً فائقاً. ففهم منه أنّ المشبَّه به علّة لأمر مهمّ هو من جنس المشبَّه به. فالتقدير: وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراء تبصير وفهم ليَعْلم علماً على وفق لذلك التفهيم، وهو العلم الكامل وليكون من الموقنين. وقد تقدّم بيان هذا عند تفسير قوله تعالى: {وكذلك نفصِّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} في هذه السورة [56].
والموقن هو العالم علماً لا يقبل الشكّ، وهو الإيقان. والمراد الإيقان في معرفة الله تعالى وصفاته. وقوله: وليكون من الموقنين} أبلغ من أن يقال: وليكون موقناً كما تقدّم عند قوله تعالى: {قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين} في هذه السورة [56].
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)}
{فلمَّا جنّ} تفريع على قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} [الأنعام: 75] بقرينة قوله: {رأى كوكباً} فإنّ الكوكب من ملكوت السماوات، وقولِه في المعطوف عليه {نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} [الأنعام: 75]. فهذه الرؤية الخاصّة التي اهتدى بها إلى طريق عجيب فيه إبكات لقومه مُلجئ إيّاهم للاعتراف بفساد معتقدهم، هي فرع من تلك الإراءة التي عمَّت ملكوت السماوات والأرض، لأنّ العطف بالفاء يستدعي مزيد الاتِّصال بين المعطوف والمعطوف عليه لما في معنى الفاء من التفريع والتسبّب، ولذلك نعُدّ جعل الزمخشري {فلما جنّ} عطفاً على {قال إبراهيم لأبيه} [الأنعام: 74]، وجعْله ما بينهما اعتراضاً، غيرَ رشيق.
وقوله: {جَنّ عليه الليل} أي أظلم الليل إظلاماً على إبراهيم، أي كان إبراهيم محوطاً بظلمة الليل، وهو يقتضي أنَّه كان تحت السَّماء ولم يكن في بيت.
ويؤخذ من قوله بعده {قال يا قوم إنِّي بريء مِمَّا تشركون} أنَّه كان سائراً مع فريق من قومه يشاهدون الكواكب، وقد كان قوم إبراهيم صابئين يعبدون الكواكب ويصوّرون لها أصناماً. وتلك ديانة الكلدانيين قوم إبراهيم.
يقال: جَنَّة الليل، أي أخفاه، وجَنان الليل بفتح الجيم، وجنُّه: ستره الأشياء المرئية بظلامه الشديد. يقال: جنَّة الليل، وهو الأصل. ويقال: جَنّ عليه الليل، وهذا يقصد به المبالغة في الستر بالظلمة حتَّى صارت كأنَّها غطاء، ومع ذلك لم يسمع في كلامهم جنّ اللَّيل قاصراً بمعنى أظلم.
وظاهر قوله: {رأى كوكباً} أنَّه حصلت له رؤية الكواكب عَرَضاً من غير قصد للتأمّل وإلاّ فإنّ الأفق في الليل مملوء كواكبَ، وأنّ الكواكب كان حين رآه واضحاً في السماء مشرقاً بنوره، وذلك أنور ما يكون في وسط السماء. فالظاهر أنَّه رأى كوكباً من بينها شديد الضوء. فعن زيد بن علي أنّ الكوكب هو الزهرة. وعن السدّي أنَّه المشتري. ويجوز أن يكون نَظَر الكواكب فرأى كوكباً فيكون في الكلام إيجاز حذف مثل {أننِ اضربْ بعصاك البحر فانفلق} [الشعراء: 63]، أي فضرب فانفلق. وجملة {رأى كوكباً} جواب {لمَّا}. والكوكب: النجم.
وجملة: {قال هذا ربِّي} مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال ينشأ عن مضمون جملة {رأى كوكباً} وهو أن يسأل سائل: فماذا كان عندما رآه، فيكون قوله: {قال هذا ربِّي} جوباً لذلك.
واسم الإشارة هنا لقصد تمييز الكوكب من بين الكواكب ولكنْ إجراؤه على نظيريه في قوله حين رأى القمر وحين رأى الشمس {هذا ربِّي هذا ربِّي} يعيّن أنّ يكون القصد الأصلي منه هو الكناية بالإشارة عن كون المشار إليه أمراً مطلوباً مبحوثاً عنه فإذا عُثر عليه أشير إليه، وذلك كالإشارة في قوله تعالى: {لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث} [الروم: 56]، وقوله: {قالت فذلكنّ الذي لمتنّني فيه}
[يوسف: 32] ولم يقل فهو الذي لمتنني. ولعلّ منه قوله: {هذه بضاعتُنا رُدّت إلينا} [يوسف: 65] إذ لم يقتصروا على «بضاعتُنا ردّت إلينا». وفي «صحيح البخاري» قال الأحنف بن قيس: «ذَهَبْتُ لأنْصُر هذا الرجل» (يعني عليّ بن أبي طالب) ولم يتقدّم له ذكر، لأنّ عليّاً وشأنه هو الجاري في خواطر الناس أيام صفّين، وسيأتي قوله تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89] يعني كفَّار قريش، وفي حديث سؤال القبر: " فيقال له ما علمك بهذا الرجل " (يعني الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من الأغراض الداعية للتعريف باسم الإشارة التي أهملها علماء البلاغة فيصحّ هنا أن يجعل مستعملاً في معنييه الصريح والكناية.
وتعريف الجزأين مفيد للقصر لأنَّه لم يقل: هذا ربّ. فدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام أراد استدراج قومه فابتدأ بإظهار أنَّه لا يَرى تعدّد الآلهة ليصل بهم إلى التوحد واستبقى واحداً من معبوداتهم ففرض استحقاقه الإلهية كيلا ينفروا من الإصغاء إلى استدلاله.
وظاهر قوله {قال} إنَّه خاطب بذلك غيره، لأنّ القول حقيقته الكلام، وإنَّما يساق الكلام إلى مخاطب. ولذلك كانت حقيقة القول هي ظاهر الآية من لفظها ومن ترتيب نظمها إذْ رُتِّب قوله {فلما جنّ} على قوله: {وكذلك نري إبْراهيم ملكوت السماوات والأرض} [الأنعام: 75] وقوله: {وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75] ورتّب ذلك كلّه على قوله: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتَّخذ أصناماً آلهة} [الأنعام: 74] الآية، ولقوله تعالى: {قال هذا ربِّي} وإنَّما يقوله لمخاطب، ولقوله عقب ذلك {يا قوم إنِّي بريء ممَّا تشركون}، ولأنَّه اقتصر على إبطال كون الكواكب آلهة واستدلّ به على براءته ممَّا يشركون مع أنَّه لا يلزم من بطلان إلهية الكواكب بطلان إلهية أجرام أخرى لولا أنّ ذلك هو مدّعى قومه؛ فدلّ ذلك كلّه على أنّ إبراهيم عليه السلام قال ذلك على سبيل المجادلة لقومه وإرخاء العنان لهم ليصلوا إلى تلقّي الحجّة ولا ينفِروا من أول وهلة فيكون قد جمع جمعاً من قومه وأراد الاستدلال عليهم.
وقوله: {هذا ربِّي} أي خالقي ومدبِّري فهو مستحقّ عبادتي. قاله على سبيل الفرض جرياً على معتقد قومه ليصل بهم إلى نقض اعتقادهم فأظهر أنَّه موافق لهم ليهشّوا إلى ذلك ثم يكُرّ عليهم بالإبطال إظهاراً للإنصاف وطلب الحقّ. ولا يريبك في هذا أنّ صدور ما ظاهره كُفر على لسانه عليه السلام لأنَّه لمّا رأى أنّه ذلك طريق إلى إرشاد قومه وإنقاذهم من الكفر، واجتهد فرآه أرجى للقبول عندهم ساغ له التصريح به لقصد الوصول إلى الحقّ وهو لا يعتقده، ولا يزيد قولُه هذا قومَه كفراً، كالذي يُكره على أن يقول كلمة الكفر وقلبُه مطمئنّ بالإيمان فإنَّه إذا جاز ذلك لحفظ نفس واحدة وإنقاذها من الهلاك كان جوازه لإنقاذ فريق من النَّاس من الهلاك في الدنيا والآخرة أولى.
وقد يكون فعل ذلك بإذن من الله تعالى بالوحي.
وعلى هذا فالآية تقتضي أنّ قومه يعبدون الكواكب وأنَّهم على دين الصابئة وقد كان ذلك الدين شائعاً في بلدان الكلدان التي نشأ فيها إبراهيم عليه السلام وأنّ الأصنام التي كانوا يعبدونها أرادوا بها أنّها صور للكواكب وتماثيلُ لها على حسب تخيّلاتهم وأساطيرهم مثلما كان عليه اليونان القدماء، ويحتمل أنَّهم عبدوا الكواكب وعبدوا صوراً أخرى على أنَّها دون الكواكب كما كان اليونان يقسمون المعبودات إلى آلهة وأنصاف آلهة. على أنّ الصابئة يعتقدون أنّ للكواكب روحانيات تخدمها.
وأفل النجم أفولاً: غاب، والأفول خاصّ بغياب النيِّرات السماوية، يقال: أفلّ النجم وأفَلَتْ الشمس، وهو المغيب الذي يكون بغروب الكوكب ورَاء الأفق بسبب الدورة اليومية للكرة الأرضية، فلا يقال: أفَلَتْ الشمس أو أفَل النجم إذا احتجب بسحاب.
وقوله: {لا أحبّ} الحبّ فيه بمعنى الرضى والإرادة، أي لا أرضى بالآفِل إلهاً، أو لا أريد الآفل إلَهاً. وقد علم أنّ متعلَّق المحبَّة هو إرادته إلَهاً له بقوله: {هذا ربِّي}. وإطلاق المحبَّة على الإرادة شائع في الكلام، كقوله تعالى: {فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا} [التوبة: 108]. وقدّره في «الكشَّاف» بحذف مضاف، أي لا أحبّ عبادة الآفلين.
وجاء ب {الآفلين} بصيغة جمع الذكور العقلاء المختصّ بالعقلاء بناء على اعتقاد قومه أنّ الكواكب عاقلة متصرّفة في الأكوان، ولا يكون الموجود معبوداً إلاّ وهو عالم.
ووجه الاستدلال بالأفوال على عدم استحقاق الإلهية أنّ الأفول مغيب وابتعاد عن الناس، وشأن الإله أن يكون دائم المراقبة لتدبير عباده فلمَّا أفلّ النجم كان في حالة أفوله محجوباً عن الاطِّلاع على النَّاس، وقد بنَى هذا الاستدلال على ما هو شائع عند القوم من كون أفول النجم مغيباً عن هذا العالم، يعني أنّ ما يغيب لا يستحقّ أنْ يُتَّخذ إلهاً لأنَّه لا يغني عن عباده فيما يحتاجونه حين مغيبه. وليس الاستدلال منظوراً فيه إلى التغيّر لأنّ قومه لم يكونوا يعلمون الملازمة بين التغيّر وانتفاء صفة الإلهية، ولأنّ الأفول ليس بتغيّر في ذات الكوكب بل هو عَرَض للأبصار المشاهِدة له، أمَّا الكوكب فهو باق في فلكه ونظامه يغيب ويعود إلى الظهور وقوم إبراهيم يعلمون ذلك فلا يكون ذلك مقنعاً لهم.
ولأجل هذا احتجّ بحالة الأفول دون حالة البزوغ فإنّ البزوغ وإن كان طرأ بعد أفول لكنْ الأفول السابقُ غيرُ مشاهد لهم فكان الأفول أخصر في الاحتجاج من أن يقول: إنّ هذا البازغ كان من قَبلُ آفِلاً.
وقوله: {فلمّا رأى القمر بازغاً} الخ عطف على جملة محذوفة دلّ عليها الكلام. والتقدير: فطلع القمر فلَّما رآه بازغاً، فحذفت الجملة للإيجاز وهو يقتضي أنّ القمر طلع بعد أفول الكوكب، ولعلّه اختار لمحاجّة قومه الوقت الذي يغرب فيه الكوكب ويطلع القمر بقرب ذلك، وأنَّه كان آخر اللَّيل ليعقبهما طلوع الشمس.
وأظْهِر اسمُ {القمر} لأنَّه حذف معاد الضمير. والبازغ: الشارق في ابتداء شروقه، والبُزُوغ ابتداء الشروق.
وقوله {هذا ربِّي} أفاد بتعريف الجزأين أنَّه أكثر ضوءاً من الكوكب فإذا كان استحقاق الإلهية بسبب النّور فالذي هو أشدّ نوراً أولى بها من الأضعف. واسم الإشارة مستعمل في معناه الكنائي خاصّة وهو كون المشار إليه مطلوباً مبحوثاً عنه كما تقدّم آنفاً.
وقوله: {فلَّما أفل قال لَئن لم يهدني ربِّي لأكونَنّ من القوم الضالِّين} قصد به تنبيه قومه للنظر في معرفة الربّ الحقّ وأنَّه واحد، وأنّ الكوكب والقمر كليهما لا يستحقَّان ذلك مع أنَّه عَرّض في كلامه بأنّ له ربّا يهديه وهم لا ينكرون عليه ذلك لأنَّهم قائلون بعدّة أرباب. وفي هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأنّ له ربّاً غير الكواكب. ثم عَرّض بقومه أنَّهم ضالّون وهيّأهم قبل المصارحة للعلم بأنَّهم ضالّون، لأنّ قوله: {لأكونَنّ من القوم الضالّين} يُدخِل على نفوسهم الشكّ في معتقدهم أن يكون ضلالاً، ولأجل هذا التعريض لم يقل: لأكوننّ ضالاّ، وقال {لأكوننّ من القوم الضالّين} ليشير إلى أنّ في النَّاس قوماً ضالّين، يعني قومه.
وإنَّما تريَّث إلى أفول القمر فاستدلّ به على انتفاء إلهيته ولم ينفها عنه بمجرّد رؤيته بازغاً مع أنّ أفوله محقّق بحسب المعتاد لأنَّه أراد أن يقيم الاستدلال على أساس المشاهدة على ما هو المعروف في العقول لأنّ المشاهدة أقوى.
وقوله: {فلمَّا رأى الشمس بازغة} أي في الصباح بعد أن أفل القمر، وذلك في إحدى الليالي التي يغرب فيها القمر قبيل طلوع الشمس لأنّ الظاهر أنّ هذا الاستدلال كلّه وقع في مجلس واحد.
وقوله للشمس {هذا ربِّي} باسم إشارة المذكّر مع أنّ الشمس تجري مجرى المؤنّث لأنّه اعتبرها ربّاً، فروعي في الإشارة معنى الخبر، فكأنَّه قال: هذا الجرْم الذي تدعونه الشمس تبيّن أنَّه هو ربِّي. وجملة {هذا ربي} جارية مجرى العلَّة لجملة {هذا ربِّي} المقتضية نقض ربوبية الكوكب والقمر وحصر الرّبوبيّة في الشمس ونفيها عن الكوكب والقمر، ولذلك حذف المُفضّل عليه لظهوره، أي هو أكبر منهما، يعني أن الأكبر الأكثر إضاءة أولى باستحقاق الإلهية.
وقوله: {قال يا قوم إنِّي بريء ممَّا تشركون}، إقناع لهم بأنْ لا يحاولوا موافقته إيَّاهم على ضلالهم لأنَّه لما انتفى استحقاق الإلهية عن أعظم الكواكب التي عبدوها فقد انتفى عمَّا دونها بالأحرى.
والبريء فعيل بمعنى فَاعِل من بَرئ بكسر الرّاء لا غير يَبرَأ بفتح الرّاء لا غير بمعنى تفصّى وتنزّه ونفَى المخالطة بينه وبين المجرور ب (مِن). ومنه {أن الله بريء من المشركين} [التوبة: 3]، {فبرّأهُ الله ممَّا قالُوا} [الأحزاب: 69]، {وما أبرّئ نفسي} [يوسف: 53]. فمعنى قوله {بريء} هنا أنَّه لا صلة بينه وبين ما يشركون.
والصلة في هذا المقام هي العبادة إن كان ما يشركون مراداً به الأصنام، أو هي التلبّس والاتِّباع إن كان ما يشركون بمعنى الشرك.
والأظهر أنّ (ما) في قوله {ما تشركون} موصولة وأنّ العائد محذوف لأجل الفاصلة، أي ما تشركون به، كما سيأتي في قوله: {ولا أخاف ما تشركون به} [الأنعام: 80] لأنّ الغالب في فعل البراءة أن يتعلَّق بالذوات، ولئلاّ يتكرّر مع قوله بعده {وما أنا من المشركين}. ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، أي من إشراككم، أي لا أتقلَّده.
وتسميته عبادتهم الأصنام إشراكاً لأنّ قومه كانوا يعترفون بالله ويشركون معه في الإلهية غيره كما كان إشراك العرب وهو ظاهر أي القرآن حيث ورد فيها الاحتجاج عليهم بخالق السماوات والأرض، وهو المناسب لضرب المثل لمشركي العرب بشأن إبراهيم وقومه، ولقوله الآتي {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82].
وجملة {إنّي وجَّهْت وَجْهِي} بمنزلة بدل الاشتمال من جملة {إنِّي بريء ممّا تشركون}، لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله، وهو إفراده بالعبادة. والوجه في قوله: {وجهي}. و{وجّهت} مشتقّ من الجهة والوجهة، أي صرفته إلى جهة، أي جعلت كذا جهة له يقصدها. يقال: وجَّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه. ويقال للمكان المقصود وجهة بكسر الواو، وكأنَّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوَجه لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء لأنّ قاصد المكان بوجهه تَحْصُل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديقُ النظر. فمعنى {وجَّهت وجهي} صرفتُه وأدرته. وهذا تمثيل: شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئاً وقصده وانصرف عن غيره.
وأتي بالموصول في قوله: {للذي فطر السماوات والأرض} ليومئ إلى علّة توجّهه إلى عبادته، لأنّ الكواكب من موجودات السماء، والأصنامَ من موجودات الأرض فهي مفطورة لله تعالى.
وفعل (وجَّه) يتعدّى إلى المكان المقصود بإلى، وقد يتعدّى باللام إذا أريد أنَّه انصرف لأجل ذلك الشيء، فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه وطاعته كما تقول: توجّهت للحبيب، ولذلك اختير تعدّيه هنا باللام، لأنّ في هذا التوجّه إرضاء وطاعة.
وفَطَر: خلَق، وأصل الفَطْر الشقّ. يقال فطر فطوراً إذا شقّ قال تعالى {فارجع البصر هل تَرى من فُطُور} [الملك: 3] أي اختلال، شُبّه الخلْق بصناعة الجلد ونحوه، فإنّ الصانع يشقّ الشيء قبل أن يصنعه، وهذا كما يقال: الفَتق والفَلْق، فأطلق الفَطر على إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة تؤهّل للفعل.
و {حنيفاً} حال من ضمير المتكلّم في {وجهتُ}. وتقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى: {قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً} في سورة [البقرة: 135].
وجملة: وما أنا من المشركين} عطف على الحال، نفَى عن نفسه أن يكون متَّصلاً بالمشركين وفي عدادهم.
فلما تبرّأ من أصنامهم تبرّأ من القوم، وقد جمعهما أيضاً في سورة [الممتحنة: 4] إذ قال {إنّا بُرَآء منكم وممّا تعبدون من دون الله}
وأفادت جملة {وما أنا من المشركين} تأكيداً لجملة {إنِّي وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً}، وإنَّما عطفت لأنَّها قصد منها التبرّئ من أن يكون من المشركين.
وهذا قد جرينا فيه على أنّ قول إبراهيم لمّا رأى النيّرات {هذا ربِّي} هو مناظرة لقومه واستدراج لهم، وأنّه كان موقناً بنفي إلهيتها، وهو المناسب لصفة النبوءة أن يكون أوحى إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتجّ بها على قومه. ومن المفسّرين من قال: إنّ كلامه ذلك كان نظراً واستدلالاً في نفسه لقوله: {لئن لم يهدني ربِّي}، فإنَّه يُشعر بأنّه في ضلال لأنَّه طلب هداية بصيغة الاستقبال أي لأجل أداة الشرط، وليس هذا بمتعيّن لأنَّه قد يقوله لتنبيه قومه إلى أنّ لهم ربَّا بيده الهداية، كما بيّنّاه في موضعه، فيكون كلامه مستعملاً في التعريض. على أنَّه قد يكون أيضاً مراداً به الدوام على الهداية والزيادة فيها، على أنَّه قد يكون أراد الهداية إلى إقامة الحجّة حتَّى لا يتغلّب عليه قومه.
فإذا بنينا على أنّ ذلك كان استدلالاً في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإنّ ذلك كان بإلهام من الله تعالى، فيكون قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} [الأنعام: 75] معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نُوحي إليه، ويكون قوله: {رأى كوكباً} بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل، ويكون قوله: {قال هذا ربِّي} قولاً في نفسه على نحو ما يتحدّث به المفكِّر في نفسه، وهو حديث النفس، كقول النابغة في كلب صيد:
قالتْ له النفس إنِّي لا أرى طمعاً *** وإنّ مولاك لم يسلَمْ ولم يَصد
وقول العَجّاج في ثور وحشي:
ثم انثنى وقال في التفكير *** إنّ الحياة اليوم في الكُرور
وقوله: {هذا ربِّي} وقوله: {لا أحبّ الآفلين،} وقوله: {لئِن لم يهدني ربِّي} كلّ ذلك مستعمل في حقائقه من الاعتقاد الحقيقي. وقوله: {قال يا قوم} هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحقّ له فأعلن بمخالفته قومه حينئذٍ.
{وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)}
لمّا أعلن إبراهيم عليه السلام معتَقَده لقومه أخذوا في محاجّته، فجملة {وحاجَّة} عطف على جملة {إنِّي وجَّهْتُ وجهِي للذي فطر السماوات والأرض} [الأنعام: 79]. وعطفت الجملة بالواو دون الفاء لتكون مستقلَّة بالإخبار بمضمونها مع أنّ تفرّع مضمونها على ما قبلها معلوم من سياق الكلام.
والمحاجَّة مفاعلة متصرّفة من الحُجَّة، وهي الدّليل المؤيّد للدعوى. ولا يعرف لهذه المفاعلة فعْل مجرّد بمعنى استدلّ بحجّة، وإنَّما المعروف فِعْل حَجّ إذا غَلب في الحُجَّة، فإن كانت احتجاجاً من الجانبين فهي حقيقة وهو الأصل، وإن كانت من جانب واحد باعتبار أنّ محاول الغَلَب في الحجَّة لا بدّ أن يتلقَّى من خصمه ما يرُدّ احتجاجه فتحصل المحاولة من الجانبين، فبذلك الاعتبار أطلق على الاحتجاج محاجَّة، أو المفاعلة فيه للمبالغة. والأوْلى حملها هنا على الحقيقة بأن يكون المعنى حصول محاجَّة بينهم وبين إبراهيم.
وذكر الشيخ ابن عرفة في درس تفسيره: أنّ صيغة المفاعلة تقتضي أنّ المجعول فيها فاعلاً هو البادئ بالمحاجَّة، وأنّ بعض العلماء استشكل قوله تعالى في سورة [البقرة: 258] {ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيمَ في ربِّه} حيث قال: {إذ قال إبراهيم ربّي الذي يحيي ويميت} [البقرة: 258]. فبدأ بكلام إبراهيم وهو مفعول الفعل وأجاب بأنّ إبراهيم بدأ بالمقاولة ونمروذ بدأ المحاجَّة. ولم يذكر أئمَّة اللّغة هذا القيد في استعمال صيغة المفاعلة. ويجوز أن يكون المراد هنا أنَّهم سلكوا معه طريق الحجَّة على صحَّة دينهم أو على إبطال معتقده وهو يسمع، فجعل سماعه كلامهم بمنزلة جواب منه فأطلق على ذلك كلمة المحاجَّة. وأبهم احتجاجهم هنا إذ لا يتعلَّق به غرض لأنّ الغرض هو الاعتبار بثبات إبراهيم على الحقّ. وحذف متعلّق {حاجّة} لدلالة المقام، ودلالة ما بعده عليه من قوله: {أتحاجّوني في الله} الآيات.
وقد ذكرت حججهم في مواضع في القرآن، منها قوله في سورة [الأنبياء: 52 56] {إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين إلى قوله وأنا على ذلكم من الشاهدين}، وقوله في سورة [الشعراء: 72، 73] {قال هل يَسْمعونكم إذْ تدعون أو ينفعونكم أو يضُرّون الآيات} وفي سورة [الصافات: 85 98] {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون إلى قوله فجعلناهم الأسفلين} وكلّها محاجَّة حقيقيّة، ويدخل في المحاجّة ما ليس بحجَّة ولكنَّه ممّا يرونه حججاً بأن خوّفُوه غضب آلهتهم، كما يدلّ عليه قوله: ولا أخاف ما تشركون به} الآية. والتقدير: وحاجّه قومه فقالوا: كيت وكيت.
وجملة {قال أتحاجّوني في الله} جوابُ محاجَّتهم، ولذلك فصلت، على طريقة المحاورات كما قدّمناه في قوله تعالى: {وإذ قال ربّك للملائكة إنِّي جاعل في الأرض خليفة} في سورة [البقرة: 30]، فإن كانت المحاجَّة على حقيقة المفاعلة فقوله أتحاجّوني} غلق لباب المجادلة وخَتْم لها، وإن كانت المحاجّة مستعملة في الاحتجاج فقوله: {أتحاجّوني} جواب لمحاجّتهم، فيكون كقوله تعالى:
{فإن حاجّوك فقل أسلمتُ وجهي لله} [آل عمران: 20]. والاستفهام إنكار عليهم وتأييس من رجوعه إلى معتقدهم.
و {في} للظرفية المجازية متعلّقة ب {تحاجّوني} ودخولها على اسم الجلالة على تقدير مضاف، لأنّ المحاجَّة لا تكون في الذّوات، فتعيّن تقدير ما يصلح له المقام وهو صفات الله الدّالَّة على أنَّه واحد، أي في توحيد الله وهذا كقوله تعالى: {يُجَادلُنا في قوم لُوط} [هود: 74] أي في استئصالهم.
وجملة {وقد هدانِ} حال مؤكَّدة للإنكار، أي لا جدوى لمحاجَّتكم إيّاي بعد أن هداني الله إلى الحقّ، وشأن الحال المؤكّدة للإنكار أن يكون اتّصاف صاحبها بها معروفاً عند المخاطب. فالظاهر أنّ إبراهيم نزّلهم في خطابه منزلةَ من يعلم أنّ الله هَداه كناية على ظهور دلائل الهداية.
وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر {أتحاجّوني} بنون واحدة خفيفة وأصله أتحاجّونني بنونين فحذفت إحداهما للتخفيف، والمحذوفة هي الثانية التي هي نون الوقاية على مختار أبي علي الفارسي. قال: لأنّ الأولى نون الإعراب وأمّا الثّانية فهي موطّئة لياء المتكلّم فيجوز حذفها تخفيفاً، كما قالوا: ليْتِي في لَيْتَنِي. وذهب سيبويه أنّ المحذوفة هي الأولى لأنّ الثانية جلبت لتحْمِل الكسرة المناسبة للياء ونون الرفع لا تكون مكسورة، وأيَّاً ما كان فهذا الحذف مستعمل لقصد التخفيف. وعن أبي عمرو بن العلاء: أنّ هذه القراءة لحن، فإن صحّ ذلك عنه فهو مخطئ في زعمه، أو أخْطَأ من عزاه إليه. وقرأه البقية بتشديد النّون لإدغام نون الرفع في نون الوقاية لقصد التخفيف أيضاً، ولذلك تمدّ الواو لتكون المدّة فاصلة بين التقاء الساكنين، لأنّ المدّة خفّة وهذا الالتقاءُ هو الذي يدعونه التقاء الساكنين على حَدّه.
وحذفت ياء المتكلّم في قوله {وقد هدانِ} للتخفيف وصلاً ووقفاً في قراءة نافع من رواية قالون، وفي الوقف فقط في قراءة بعض العشرة. وقد تقدّم في قوله تعالى: {أجيب دعوة الداعي إذا دَعَانِ} [البقرة: 186].
وقوله: {ولا أخاف ما تشركون به} معطوف على {أتحاجّوني} فتكون إخباراً، أو على جملة {وقد هَدَانِ} فتكون تأكيداً للإنكار. وتأكيدُ الإنكار بها أظهر منه لقوله {وقد هدانِ} لأنّ عدم خوفه من آلهتهم قد ظهرت دلائله عليه. فقومُه إمَّا عالمون به أو منزّلون منزلة العالم، كما تقدّم في قوله: {وقد هدَانِ} وهو يؤذن بأنَّهم حاجّوه في التّوحيد وخوّفوه بطش آلهتهم ومسَّهم إيَّاه بسوء، إذ لا مناسبة بين إنكار محاجَّتهم إيَّاه وبين نفي خوفه من آلهتهم، ولا بين هدى الله إيّاه وبين نفي خوفه آلهتهم، فتعيَّن أنّهم خوّفوه مكر آلهتهم. ونظير ذلك ما حكاه الله عن قوم هود {إنْ نقول إلاّ اعتراك بعضُ آلهتنا بسوء}
[هود: 54].
و (ما] من قوله: {ما تشركون به} موصولة ماصْدقها آلهتهم التي جعلوها شركاء لله في الإلهيّة. والضمير في قوله {به} يجوز أن يكون عائداً على اسم الجلالة فتكون الباء لتعدية فعل {تشركون}، وأن يكون عائداً إلى (ما) الموصولة فتكون الباء سببية، أي الأصنام التي بسببها أشركتم.
وقوله: {إلاّ أن يشاء ربِّي شيئاً} استثناء ممّا قبله وقد جعله ابن عطية استثناء منقطعاً بمعنى لكنْ. وهو ظاهر كلام الطبري، وهو الأظهر فإنَّه لمّا نفى أن يكون يخاف إضرار آلهتهم وكان ذلك قد يتوهَّم منه السّامعون أنَّه لا يخاف شيئاً استدرك عليه بما دلّ عليه الاستثناءُ المنقطع، أي لكن أخاف مشيئة ربِّي شيئاً ممَّا أخافه، فذلك أخافُه. وفي هذا الاستدراك زيادة نكاية لقومه إذ كان لا يخاف آلهتهم في حين أنَّه يخشى ربَّه المستحقّ للخشية إن كان قومه لا يعترفون بربّ غير آلهتهم على أحد الاحتمالين المتقدّمين.
وجعل الزمخشري ومتابعوه الاستثناء متّصلاً مفرّغاً عن مستثنى منه محذوف دلّ عليه الكلام، فقدّره الزمخشري من أوقات، أي لا أخاف ما تشركون به أبداً، لأنّ الفعل المضارع المنفي يتعلّق بالمستقبل على وجه عموم الأزمنة لأنَّه كالنَّكرة المنفية، أي إلاّ وقت مشيئة ربِّي شيئاً أخافه من شركائكم، أي بأنْ يسَلّط ربِّي بعضها عليّ فذلك من قدرة ربِّي بواسطتها لا من قدرتها عليّ. وجوّز أبو البقاء أن يكون المستثنى منه أحوالاً عامّة، أي إلاّ حالَ مشيئة ربِّي شيئاً أخافه منها.
وجملة: {وسع ربِّي كلّ شيء علما} استئناف بياني لأنَّه قد يختلج في نفوسهم: كيف يشاء ربّك شيئاً تخافه وأنت تزعم أنَّك قائم بمرضاته ومؤيد لدينه فما هذا إلاّ شكّ في أمرك، فلذلك فُصلت، أي إنَّما لم آمن إرادة الله بي ضُرّا وإن كنت عبده وناصر دينه لأنَّه أعلم بحكمة إلحاق الضرّ. أو النفع بمن يشاء من عباده. وهذا مقام أدب مع الله تعالى {فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون} [الأعراف: 99].
وجملة {أفلا تتذكَّرون} معطوفة على جملة {أتحاجّوني في الله وقد هَدانِ}. وقُدّمت همزة الاستفهام على فاء العطف.
والاستفهام إنكار لعدم تذّكرهم مع وضوح دلائل التذكّر. والمراد التذكّر في صفات آلهتهم المنافية لمقام الإلهية، وفي صفات الإله الحقّ التي دلَّت عليها مصنوعاته.
{وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)}
عُطفت جملة {وكيف أخاف} على جملة: {ولا أخاف ما تشركون به} [الأنعام: 80] ليبيّن لهم أنّ عدم خوفه من آلهتهم أقلّ عجباً من عدم خوفهم من الله تعالى، وهذا يؤذن بأنّ قومه كانوا يعرفون الله وأنَّهم أشركوا معه في الإلهية غيره فلذلك احتجّ عليهم بأنّهم أشركوا بربّهم المعتَرف به دون أن يُنَزّل عليهم سلطاناً بذلك.
و {كيف} استفهام إنكاري، لأنَّهم دعَوه إلى أن يخاف بأس الآلهة فأنكر هو عليهم ذلك وقلب عليهم الحجَّة، فأنكر عليهم أنَّهم لم يخافوا الله حين أشركوا به غيره بدون دليل نصبه لهم فجَمَعَت (كيف) الإنكارَ على الأمرين.
قالوا وفي قوله: {ولا تخافون أنَّكم أشركتم} يجوز أن تكون عاطفة على جملة: {أخاف ما أشركتم} فيدخل كلتاهما في حكم الإنكار، فخوفُه من آلهتهم مُنكر، وعدم خوفهم من الله منكر.
ويجوز أن تكون الواو للحال فيكون محلّ الإنكار هو دعوتَهم إيّاه إلى الخوف من آلهتهم في حال إعراضهم عن الخوف ممَّن هو أعظم سلطاناً وأشدّ بطشاً، فتفيد (كيف) مع الإنكار معنى التعجيب على نحو قوله تعالى: {أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44]. ولا يقتضي ذلك أنّ تخويفهم إيَّاه من أصنامهم لا ينكَر عليهم إلاّ في حال إعراضهم عن الخوف من الله لأنّ المقصود على هذا إنكار تحميق ومقابلة حال بحال، لا بيان ما هو منكر وما ليس بمنكر، بقرينة قوله في آخره {فأي الفريقين أحقّ بالأمن}. وهذا الوجه أبلغ.
و {ومَا أشركتُم} موصولة والعائد محذوف، أي ما أشركتُم به. حذف لدلالة قوله: {ولا أخاف ما تشركون به} [الأنعام:] عليه، والموصول في محلّ المفعول (به)، ل {ما أشركتم}.
وفي قوله: {أنَّكم أشركتم} حُذفت (من) المتعلِّقة ب {تخافون} لاطِّراد حذف الجارّ مع (أنّ)، أي من إشراككم، ولم يقل: ولا تخافون الله، لأنّ القوم كانوا يعرفون الله ويخافونه ولكنَّهم لم يخافوا الإشراك به. {وما لم ينزّل به عليكم سلطاناً} موصول مع صلته مفعول {أنَّكم أشركتم}.
ومعنى {لم يُنزّل به عليكم} لم يخبركم بإلهية الأصنام التي عبدتموها ولم يأمركم بعبادتها خبَراً تعلمون أنَّه من عنده فلذلك استعار لذلك الخبر التنزيل تشبيهاً لعظم قدره بالرفعة، ولبلوغه إلى من هم دون المخبِر، بنزول الشيء العالي إلى أسفلَ منه.
والسلطان: الحجّة لأنَّها تتسلَّط على نفس المخاصم، أي لم يأتكم خبر منه تجعلونه حجَّة على صحَّة عبادتكم الأصنام.
والفاء في قوله: {فأي الفريقين} تفريع على الإنكار، والتعجيب فَرع عليهما استفهاماً ملجئاً إلى الاعتراف بأنَّهم أوْلى بالخوف من الله من إبراهيم من آلهتهم. والاستفهام ب {أيّ} للتقرير بأنّ فريقه هو وحده أحقّ بالأمن.
والفريق: الطائفة الكثيرة من النّاس المتميِّزة عن غيرها بشيء يجمعها من نسب أو مكان أو غيرهما، مشتقّ من فَرَق إذا ميّز. والفِرْقَة أقلّ من الفريق، وأراد بالفريقين هنا قومه ونفسه، فأطلق على نفسه الفريق تغليباً، أو أراد نفسه ومن تبعه إن كان له أتباع ساعتئذٍ، قال تعالى: {فآمن له لوط} [العنكبوت: 26]، أو أراد من سيوجد من أتباع ملَّته، كما يناسب قوله {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82].
والتعريف في {الأمن} للجنس، وهو ضدّ الخوف، وجملة {إن كنتم تعلمون} مستأنفة ابتدائية، وجواب شرطها محذوف دلّ عليه الاستفهام، تقديره: فأجيبوني، وفيه استحثاث على الجواب.
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)}
هذه الجملة من حكاية كلام إبراهيم على ما ذهب إليه جمهور المفسِّرين فيكون جواباً منه عن قوله: {فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن} [الأنعام: 81]. تولّى جوابَ استفهامه بنفسه ولم ينتظر جوابهم لكون الجواب ممَّا لا يسع المسؤول إلاّ أن يجيب بمثله، وهو تبكيت لهم. قال ابن عبَّاس: كما يسأل العالم ويُجيبُ نفسه بنفسه، أي بقوله: «فإن قلتَ قلتُ». وقد تقدّمت نظائره في هذه السورة.
وقيل: ليس ذلك من حكاية كلام إبراهيم، وقد انتهى قول إبراهيم عند قوله {إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 81] بل هو كلام مستأنف من الله تعالى لابتداء حكم، فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً تصديقاً لقول إبراهيم.
وقيل: هو حكاية لكلام صدر من قوم إبراهيم جواباً عن سؤال إبراهيم {فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن} [الأنعام: 81]. ولا يصحّ لأنّ الشأن في ذلك أن يقال: قال الذين آمنوا الخ، ولأنَّه لو كان من قول قومه لما استمرّ بهم الضلال والمكابرة إلى حدّ أن ألقَوا إبراهيم في النّار.
وحذف متعلّق فعل {آمنوا} لظهوره من الكلام السابق. والتقدير: الذين آمنوا بالله.
وحقيقة {يلبسوا} يخلطوا، وهو هنا مجاز في العمل بشيئين متشابهين في وقت واحد. شبّه بخلط الأجسام كما في قوله: {ولا تلبسوا الحقّ بالباطل} [البقرة: 42].
والظّلم: الاعتداء على حقّ صاحب حقّ، والمراد به هنا إشراك غير الله مع الله في اعتقاد الإلهية وفي العبادة، قال تعالى: {إنّ الشِّرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] لأنَّه أكبر الاعتداء، إذ هو اعتداء على المستحقّ المطلق العظيم، لأنّ من حقّه أن يفرد بالعبادة اعتقاداً وعملاً وقولاً لأنّ ذلك حقّه على مخلوقاته. ففي الحديث " حقّ العباد على الله أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً " وقد ورد تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك. في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود " لمّا نزلت {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} شَقّ ذلك على المسلمين وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه " فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس كما تَظُنّون إنَّما هو كما قال لقمان لابنه: {إنّ الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] اه. " وذلك أنّ الشرك جمع بين الاعتراف لله بالإلهية والاعتراف لغيره بالربوبيّة أيضاً. ولمَّا كان الاعتراف لغيره ظلماً كان إيمانهم بالله مخلوطاً بظلم وهو إيمانهم بغيره، وحَمله على هذا المعنى هو الملائم لاستعارة اسم الخَلط لهذا المعنى لأنّ الإيمان بالله وإشراكَ غيره في ذلك كلاهما من جنس واحد وهو اعتقاد الربوبيّة فهما متماثلان، وذلك أظهر في وجه الشبه، لأنّ شأن الأجسام المتماثلة أن يكون اختلاطها أشدّ فإنّ التَّشابُه أقوى أحوال التّشبيه عند أهل البيان. والمعنى الذين آمنوا بالله ولم يشركوا به غيره في العبادة.
وحَمَل الزمخشري الظلم على ما يشمل المعاصي، لأنّ المعصية ظلم للنَّفس كما في قوله تعالى: {فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم} [التوبة: 36] تأويلاً للآية على أصول الاعتزال لأنّ العاصي غير آمن من الخلود في النّار فهو مساو للكافر في ذلك عندهم، مع أنَّه جَعَل قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا} إلى آخره من كلام إبراهيم، وهو إن كان محكيّاً من كلام إبراهيم لا يصحّ تفسير الظلم منه بالمعصية إذ لم يكن إبراهيم حينئذٍ داعياً إلاّ للتَّوحيد ولم تكن له بعدُ شريعة، وإن كان غير محكي من كلامه فلا يناسب تفسيره فيه بالمعصية، لأنّ تعقيب كلام إبراهيم به مقصود منه تأييد قوله وتبيينُه، فالحقّ أنّ الآية غير محتاجة للتّأويل على أصولهم نظراً لهذا الذي ذكرناه.
والإشارة بقوله: {أولئك لهم الأمن} للتنبيه على أنّ المسند إليه جدير بالمسند من أجل ما تقدّم من أوصاف المسند إليه وهذا كقوله {أولئك على هدى من ربّهم} [البقرة: 5]. وقوله {لهم الأمْن} أشارت اللاّم إلى أنّ الأمن مختصّ بهم وثابت، وهو أبلغ من أن يُقال: آمنون. والمراد الأمن من عذاب الدنيا بالاستئصال ونحوه وما عُذّبت به الأمم الجاحدة، ومِن عذاب الآخرة إذ لم يكن مطلوباً منهم حينئذٍ إلاّ التوّحيد. والتّعريف في {الأمن} تعريف الجنس، وهو الأمن المتقدّم ذكره، لأنَّه جنس واحد، وليس التّعريف تعريف العهد حتَّى يجيء فيه قولهم: إنّ المعرفة إذا أعيدت معرفة فالثّانية عين الأولى إذ لا يحتمل هنا غير ذلك.
وقوله: {وهم مهتدون} معطوف على قوله: {لهم الأمن} عطفَ جزء جملة على الجملة التي هي في حكم المفرد، فيكون {مهتدون} خبراً ثانياً عن اسم الإشارة عُطف عليه بالواو على إحدى الطريقتين في الأخبار المتكرّرة.
والضمير للفصل ليفيد قصر المسند على المسند إليه، أي الاهتداء مقصور على الذين آمنوا ولم يلبِسوا إيمانهم بظلم دون غيرهم، أي أنّ غيرهم ليسوا بمهتدين، على طريقة قوله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 55] وقوله: {ألم يعلموا أنّ الله هو يقبل التّوبة عن عباده} [التوبة: 104]. وفيه إشارة إلى أنّ المخبَر عنهم لمَّا نَبذوا الشِّرك فقد اهتدوا.
ويجوز أن يكون قوله: {وهم مهتدون} جملة، بأنْ يكونَ ضمير الجمع مبتدأ و{مهتدون} خبره، والجملة معطوفة على جملة {أولئك لهم الأمن}، فيكون خبراً ثانياً عن اسم الموصول، ويكون ذكر ضمير الجمع لأجل حُسن العطف لأنَّه لمّا كان المعطوف عليه جملة اسميّة لم يحسن أن يعطف عليه مفرد في معنى الفعل، إذ لا يحسن أن يقال: أولئك لهم الأمن ومهتدون؛ فصيغ المعطوف في صورة الجملة. وحينئذٍ فالضمير لا يفيد اختصاصاً إذ لم يؤت به للفصل، وهذا النظم نظير قوله تعالى: {له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير} [التغابن: 1] وقوله: تعالى: {له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير} [الحديد: 2] على اعتبار {وهو على كلّ شيء قدير} عطفاً على {له مُلك السماوات والأرض} وما بينهما حال، وهذا من محسِّنات الوصل كما عُرف في البلاغة، وهو من بدائع نظم الكلام العربي.
{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)}
عطف على جملة {وحاجّه قومه} [الأنعام: 80]. و{تلك} إشارة إلى جميع ما تكلّم به إبراهيم في محاجَّة قومه، وأتي باسم إشارة المؤنّث لأنّ المشار إليه حجّة فأخبر عنه بحجّة فلمَّا لم يكن ثمَّة مشار إليه محسوس تعيّن أن يعتبر في الإشارة لفظ الخبر لا غير، كقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} [البقرة: 253]. وإضافة الحجّة إلى اسم الجلالة للتّنويه بشأنها وصحَّتها.
و {آتيناها} في موضع الحال من اسم الإشارة أو من الخبر. وحقيقة الإيتاء الإعطاء، فحقَّه أن يتعدّى إلى الذّوات، ويكون بمناولة اليد إلى اليد. قال تعالى: {وآتى المال على حبّه ذوي القربى} [البقرة: 177]، ولذلك يقال: اليدُ العليا هي المعطية واليد السّفلى هي المعطاة. ويستعمل مجازاً شائعاً في تعليم العلوم وإفادة الآداب الصالحة وتخويلها وتعيينها لأحد دون مناولة يد سواء كانت الأمور الممنوحة ذواتاً أم معانيَ. يقال: آتاه الله مالاً، ويقال: آتاه الخليفة إمارة و{آتاه الله المُلك} [البقرة: 258]، {وآتيناه الحكمة} [ص: 20]. فإيتاء الحجّة إلهامُه إيّاها وإلقاءُ ما يعبِّر عنها في نفسه. وهو فضل من الله على إبراهيم إذ نصره على مناظريه.
و {على} للاستعلاء المجازي، وهو تشبيه الغالب بالمستعلي المتمكّن من المغلوب، وهي متعلّقة {بحجّتنا} خلافاً لمن منعه. يقال: هذا حجّة عليك وشاهد عليك، أي تلك حجّتنا على قومه أقحمناهم بها بواسطة إبراهيم، ويجوز أن يتعلَّق ب {آتيناها} لمّا يتضمّنه الإيتاء من معنى النصر.
وجملة: {نرفع درجات من نشاء} حال من ضمير الرفع في {آتيناها} أو مستأنفة لبيان أنّ مثل هذا الإيتاء تفضيل للمؤتَى وتكرمة له. ورفع الدّرجات تمثيل لتفضيل الشأن، شبّهت حالة المفضّل على غيره بحال المرتقي في سُلَّم إذا ارتفع من درجة إلى درجة، وفي جميعها رفع، وكلّ أجزاء هذا التمثيل صالح لاعتبار تفريق التّشبيه، فالتّفضيل يُشبه الرّفع، والفضائل المتفاوتة تشبه الدّرجات، ووجه الشّبه عِزّة حصول ذلك لغالب النّاس.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، بإضافة {درجات} إلى {مَنْ}. فإضافة الدرجات إلى اسم الموصول باعتبار ملابسة المرتقي في الدرجة لها لأنّها إنّما تضاف إليه إذا كان مرتقياً عليها، والإتيان بصيغة الجمع في {درجات} باعتبار صلاحيّة {من نشاء} لأفراد كثيرين متفاوتين في الرفعة، ودلّ فعل المشيئة على أنّ التفاضل بينهم بكثرة موجبات التّفضيل، أو الجمعُ باعتبار أنّ المفضّل الواحد يتفاوت حاله في تزايد موجبات فضله. وقرأه البقية بتنوين {درجات}، فيكون تمييزاً لنسبة الرفع باعتبار كون الرفع مجازاً في التفضيل. والدرجات مجازاً في الفضائل المتفاوتة.
ودلّ قوله {مَن نشاء} على أنّ هذا التّكريم لا يكون لكلّ أحد لأنّه لو كان حاصلاً لكلّ النّاس لم يحصل الرفع ولا التفضيل.
وجملة: {إنّ ربّك حكيم عليم} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنّ قوله: {نرفع درجات من نشاء} يثير سؤالاً، يقول: لماذا يرفع بعض النّاس دون بعض، فأجيب بأنّ الله يعلم مستحقّ ذلك ومقدار استحقاقه ويخلق ذلك على حسب تعلّق علمه. فحكيم بمعنى محكم، أي متّقن للخلق والتّقدير. وقدم {حكيم} على {عليم} لأنّ هذا التّفضيل مَظهر للحكمة ثمّ عقّب ب {عليم} ليشير إلى أنّ ذلك الإحكام جار على وفق العلم.
{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)}
جملة {ووهبنا} عطف على جملة {آتيناها} [الأنعام: 83] لأنّ مضمونها تكرمة وتفضيل. وموقع هذه الجملة وإن كانت معطوفة هو موقع التذييل للجمل المقصود منها إبطال الشرك وإقامةُ الحجج على فساده وعلى أنّ الصالحين كلّهم كانوا على خلافه.
والوَهْب والهِبة: إعطاء شيء بلا عوض، وهو هنا مجاز في التّفضّل والتّيسير. ومعنى هبة يعقوب لإبراهيم أنّه وُلد لابنه إسحاق في حياة إبراهيم وكبر وتزوّج في حياته فكان قرّة عين لإبراهيم.
وقد مضت ترجمة إبراهيم عليه السلام عند قوله تعالى: {وإذْ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات} [البقرة: 124]. وترجمةُ إسحاق، ويعقوب، عند قوله تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} [البقرة: 132] وقوله: {وإله آبائك إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاق} [البقرة: 133] كلّ ذلك في سورة البقرة.
وقوله: {كلاّ هدينا} اعتراض، أي كلّ هؤلاء هديناهم يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فحذف المضاف إليه لظهوره وعوض عنه التّنوين في «كلّ» تنوينَ عوض عن المضاف إليه كما هو المختار.
وفائدة ذكر هديهما التّنويه بإسحاق ويعقوب، وأنّهما نبيئان نالا هدى الله كهَدْيه إبراهيم، وفيه أيضاً إبطال للشرك، ودمغ، لقريش ومشركي العرب، وتسفيه لهم بإثبات أنّ الصالحين المشهورين كانوا على ضدّ معتقدهم كما سيصرّح به في قوله: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} (الأعراف: 88. (
وجملة: {ونوحاً هدينا من قبل} عطف على الاعتراض، أي وهدينا نوحاً من قبلهم. وهذا استطراد بذكر بعض من أنعم الله عليهم بالهدى، وإشارة إلى أنّ الهدى هو الأصل، ومن أعظم الهدى التّوحيد كما علمت. وانتصب {نوحاً} على أنّه مفعول مقدّم على {هدينا} للاهتمام، و{من قبل} حال من {نوحا}. وفائدة ذكر هذا الحال التّنبيه على أنّ الهداية متأصّلة في أصول إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وبُني {قبل} على الضمّ، على ما هو المعروف في (قبلُ) وأخواتتِ غيرٍ من حذف ما يضاف إليه قبلُ وينوى معناه دون لفظه. وتقدمت ترجمة نوح عند قوله تعالى: {إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً} في سورة آل عمران (33.
(وقوله: {من ذرّيته} حال من داوود، و{داود} مفعول (هدينا) محذوفاً. وفائدة هذا الحال التّنويه بهؤلاء المعدودين بشرف أصلهم وبأصل فضلهم، والتّنويه بإبراهيم أو بنوح بفضائل ذرّيّته. والضمير المضاف إليه عائد إلى نوح لا إلى إبراهيم لأنّ نوحاً أقرب مذكور، ولأنّ لوطاً من ذرّية نوح، وليس من ذرية إبراهيم حسبما جاء في كتاب التّوراة. ويجوز أن يكون لوط عومل معاملة ذرّيّة إبراهيم لشدّة اتّصاله به. كما يجوز أن يجعل ذكر اسمه بعد انتهاء أسماء من هم من ذرّيّة إبراهيم منصوباً على المدح بتقدير فعللٍ لا على العَطف.
وداود تقدّم شيء من ترجمته عند قوله تعالى: {وقَتل داودُ جالوتَ} في سورة البقرة (251).
ونكمّلها هنا بأنّه داود بن يِسيِّ من سبط يهوذا من بني إسرائيل. ولد بقرية بيت لحم سنة1085 قبل المسيح، وتوفّي في أورشليم سنة 1015. وكان في شبابه راعياً لغنم أبيه. وله معرفة النغَم والعزف والرمي بالمقلاع. فأوحى الله إلى (شمويل) نبيء بني إسرائيل أنْ يبارك داودَ بن يسيّ، ويمسحه بالزيت المقدّس ليكون ملكاً على بني إسرائيل، على حسب تقاليد بني إسرائيل إنباء بأنّه سيصير ملكاً على إسرائيل بعد موت (شاول) الذي غضب الله عليه. فلمّا مسحه (شمويل) في قرية بيت لحم دُون أن يعلم أحد خطر لشاول، وكان مريضاً، أن يتّخذ من يضرب له بالعود عندما يعتاده المرض، فصادف أن اختاروا له داود فألحقه بأهل مجلسه ليسمع أنغامه. ولما حارب جنُدُ (شاول) الكنعانيين كما تقدّم في سورة البقرة، كان النصر للإسرائيليين بسبب داود إذ رمى البطل الفلسطيني (جالوت) بمقلاعه بين عينيه فصرعه وقطع رأسه، فلذلك صاهره (شاولُ) بابنته (ميكال)، ثم أن (شاول) تغيّر على داود، فخرج داود إلى بلاد الفلسطينيين وجمع جماعة تحت قيادته، ولما قُتل (شاول) سنة1055 بايعت طائفة من الجند الإسرائيلي في فلسطين داودَ ملكاً عليهم. وجعل مقرّ ملكه (حَبْرُون)، وبعد سبع سنين قُتل ملك إسرائيل الذي خلف شاولَ فبايعت الإسرائيليون كلّهم داود ملكاً عليهم، ورجع إلى أورشليم، وآتاه الله النّبوءة وأمره بكتابة الزبور المسمّى عند اليهود بالمزامير.
وسليمان تقدّمت ترجمته عند قوله تعالى: {واتّبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} في سورة البقرة (102.
(وأيّوب نبيء أثبت القرآنُ نبوءته. وله قصّة مفصّلة في الكتاب المعروف بكتاب أيّوب، من جملة كتب اليهود. ويظُنّ بعض المؤرّخين أنّ أيّوب من ذرّيّة (ناحور) أخي إبراهيم. وبعضهم ظنّ أنّه ابن حفيد عيسو بننِ إسحاق بننِ إبراهيم، وفي كتابه أنّ أيّوب كان ساكناً بأرض عُوص (وهي أرض حَوران بالشّام، وهي منازل بني عوص بن إرَم بن سام بن نوح، وهم أصول عاد) وكانت مجاورة لحدود بلاد الكلدان، وقد ورد ذكر الكلدان في كتاب أيّوب وبعض المحقّقين يظنّ أنّه من صنف عَربي وأنّه من عُوص، كما يدلّ عليه عدم التّعرض لنسبته في كتابه، والاقتصار على أنّه كان بأرض عوص (الذين هم من العرب العاربة). وزعموا أنّ كلامه المسطور في كتابه كان بلغة عربيّة، وأنّ موسى عليه السلام نقله إلى العبرانيّة. وبعضهم يظنّ أنّ الكلام المنسوب إليه كان شِعراً ترجمه موسى في كتابه وأنّه أوّل شعر عرف باللّغة العربيّة الأصليّة. وبعضهم يقول: هو أوّل شعر عرفه التّاريخ، ذلك لأنّ كلامه وكلام أصحابه الثّلاثة الّذين عَزّوه على مصائبه جَارٍ على طريقة شعريّة لا محالة.
ويوسف هو ابن يعقوب ويأتي تفصيل ترجمته في سورة يوسف.
وموسى وهارون وزكرياء تقدّمت تراجمهم في سورة البقرة.
وترجمة عيسى تقدّمت في سورة البقرة وفي سورة آل عمران.
ويحيى تقدّمت ترجمته في آل عمران.
وقوله: وكذلك نجزي المحسنين} اعتراض بين المتعاطفات، والواو للحال، أي وكذلك الوهْب الّذي وهبنا لإبراهيم والهدي الّذي هدينا ذرّيّته نجزي المحسنين مثله، أو وكذلك الهدي الّذي هدينا ذرّيّة نوح نجزي المحسنين مثل نوح، فعلم أنّ نوحاً أو إبراهيم من المحسنين بطريق الكناية، فأمّا إحسان نوح فيكون مستفاداً من هذا الاعتراض، وأمّا إحسان إبراهيم فهو مستفاد ممّا أخبر الله به عنه من دعوته قومه وبذله كلّ الوسع لإقلاعهم عن ضلالهم.
ويجوز أن تكون الإشارة هنا إلى الهدي المأخوذ من قوله: {هدينا} الأول والثّاني، أي وكذلك الهدي العظيم نجزي المحسنين، أي بمثله، فيكون المراد بالمحسنين أولئك المهديّين من ذرّيّة نوح أو من ذرّيّة إبراهيم. فالمعنى أنّهم أحسنوا فكان جزاء إحسانهم أن جعلناهم أنبياء.
وأمّا إلياس فهو المعروف في كتب الإسرائيليّين باسم إيليا، ويسمّى في بلاد العرب باسم إلياس أو (مَار إلياس) وهو إلياس التشبي. وذكر المفسّرون أنّه إلياس بن فنحاص بن إلعاز، أو ابن هارون أخي موسى فيكون من سبط لاوي. كان موجوداً في زمن الملك (آخاب) ملك إسرائيل في حدود سنة ثمان عشرة وتسعمائة قبل المسيح. وهو إسرائيلي من سكان (جِلْعاد) بكسر الجيم وسكون اللاّم صقع جبلي في شرق الأرْدُن ومنه بَعْلبك. وكان إلياس من سبط روبين أو من سبط جَاد. وهذان السّبطان هما سكّان صقع جِلْعاد، ويقال لإلياس في كتب اليهود التشبي، وقد أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل لمّا عبدوا الأوثان في زمن الملك (آخاب) وعبدوا (بَعْل) صنم الكنعانيّين. وقد وعظهم إلياس وله أخبار معهم. أمره الله أن يجعل اليسع خليفة له في النّبوءة، ثمّ رفع الله إلياس في عاصفة إلى السّماء فلم يُر له أثر بعدُ، وخلفه اليسع في النّبوءة في زمن الملك (تهورام) بن (آخاب) ملك إسرائيل.
وقوله: {كلّ من الصّالحين} اعتراض. والتّنوين في كلّ عوض عن المضاف إليه، أي كلّ هؤلاء المعدودين وهو يشمل جميع المذكورين إسحَاقَ ومن بعده.
وأمّا إسماعيل فقد تقدّمت ترجمته في سورة البقرة.
واليسع اسمه بالعبرانيّة إليشع بهمزة قطع مكسورة ولام بعدها تحتيّة ثمّ شين معجمة وعين وتعريبه في العربيّة اليسع بهزة وصل ولام ساكنة في أوّله بعدها تحتيّة مفتوحة في قراءة الجمهور.
وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف «اللَّيْسَع» بهمزة وصل وفتح اللاّم مشدّدة بعدها تحتيّة ساكنة بوزن ضَيْغَم، فهما لغتان فيه. وهو ابن (شافاط) من أهل (آبل محولة). كان فلاّحاً فاصطفاه الله للنّبوءة على يد الرّسول إلياس في مدّة (آخاب) وصحب إلياسَ. ولمّا رفع إلياس لازم سيرة إلياس وظهرت له معجزات لبني إسرائيل في (أريحا) وغيرها. وتوفّي في مدّة الملك (يُوءَاش) ملك إسرائيل وكانت وفاته سنة أربعين وثمانمائة840 قبل المسيح ودفن بالسّامرة.
والألف واللاّم في اليسع من أصل الكلمة، ولكن الهمزة عوملت معاملة همزة الوصل للتّخفيف فأشبه الاسم الّذي تدخل عليه اللاّم الّتي للمْححِ الأصللِ مثل العبّاس، وما هي منها.
وأمّا يونس فهو ابن متَّى، واسمه في العبرانيّة (يونان بن أمِتَّاي)، وهو من سبط (زَبولُون). ويجوز في نونه في العربيّة الضمّ والفتح والكسر. ولد في بلدة (غاث ايفر) من فلسطين، أرسله الله إلى أهْل (نَيْنوَى) من بلاد أشور. وكان أهلها يومئذٍ خليطاً من الأشوريين واليهود الّذين في أسر الأشوريّين، ولمّا دعاهم إلى الإيمان فأبوا توعّدهم بعذاب فتأخّر العذاب فخرج مغاضِباً وذهب إلى (يافا) فركب سفينة للفنيقيّين لتذهب به إلى ترشيش (مدينة غربي فلسطين إلى غربي صور وهي على البحر ولعلّها من مراسي الوجه البحري من مصر أو من مراسي برقة لأنّه وصف في كتب اليهود أنّ سليمان كان يجلب إليه الذهب والفضّة والقرود والطواويس من ترشيش، فتعيّن أن تكون لترشيش تجارة مع الحبشة أو السّودان، ومنها تصدر هذه المحصولات. وقيل هي طرطوشة من مراسي الأندلس. وقيل (قرطاجنّة) مرسى إفريقيّة قرب تونس. وقد قيل في تواريخنا أنّ تونس كان اسمها قبل الفتح الإسلامي ترشيش. وهذا قريب لأنّ تجارتها مع السّودان قد تكون أقرب) فهال البحر على السّفينة وثقلت وخيف غرقها، فاقترعوا فكان يونس ممّن خاب في القرعة فرُمي في البحر والتقمه حوت عظيم فنادى في جوفه: {لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين} [الأنبياء: 87]، فاستجاب الله له، وقذفه الحوت على الشاطئ. وأرسله الله ثانياً إلى أهل نينوى وآمنوا وكانوا يزيدون على مائة ألف. وكانت مدّته في أوّل القرن الثامن قبل الميلاد. ولم نقف على ضبط وفاته. وذكر ابن العربي في «الأحكام» في سورة الصافات أنّ قبره بقرية جلجون بين القدس وبلد الخليل، وأنّه وقف عليه في رحلته. وستأتي أخبار يونس في سورة يونس وسورة الأنبياء وسورة الصافات.
وأمّا لوط فهو ابن هَارَان بن تارح، فهو ابن أخي إبراهيم. ولد في (أور الكلدانيين). ومات أبوه قبل تارح، فاتّخذ تارحُ لوطاً في كفالته. ولمّا مات تارح كان لوط مع إبراهيم ساكنيْن في أرض حاران (حوران) بعد أن خرج تارحُ أبُو إبراهيم من أور الكلدانيّين قاصدين أرض كنعان. وهاجر إبراهيم مع لوط إلى مصر لقحط أصاب بلاد كنعان، ثمّ رجعا إلى بلاد كنعان، وافترق إبراهيم ولوط بسبب خصام وقع بين رُعاتهما، فارتحل لوط إلى (سَدُوم)، وهي من شَرق الأرْدُن إلى أن أوحي إليه بالخروج منها حين قدّر الله خسفها عقاباً لأهلها فخرج إلى (صوغر) مع ابنته ونسله هناك، وهم (المؤابيون) و(بنو عمون).
وقوله: {وكلاّ فضّلنا على العالمين} جملة معترضة، والواو اعتراضيّة، والتّنوين عوض عن المضاف إليه، أي كلّ أولئك المذكورين من إسحاق إلى هنا.
و (كلّ) يقتضي استغراق ما أضيف إليه. وحكم الاستغراق أن يثبت الحكم لكلّ فرد فرد لا للمجموع. والمراد تفضيل كلّ واحد منهم على العالمين من أهل عصره عدا من كان أفضلَ منه أو مساوياً له، فاللاّم في {العالمين} للاستغراق العرفي، فقد كان لوط في عصر إبراهيم وإبراهيم أفضلُ منه. وكان من غيرهما من كانوا في عصر واحد ولا يعرف فضل أحدهم على الآخر. وقال عبد الجبّار: يمكن أن يقال: المراد وكلّ من الأنبياء يُفضّلون على كلّ مَن سواهم من العالمين. ثمّ الكلام بعد ذلك في أنّ أي الأنبياء أفضل من الآخر كلام في غرض آخر لا تعلّق له بالأوّل اه. ولا يستقيم لأنّ مقتضى حكم الاستغراق الحكم على كلّ فردٍ فردٍ.
وتتعلّق بهذه الآية مسألة مهمّة من مسائِل أصول الدّين. وهي ثبوت نبوءة الّذين جرى ذكر أسمائهم فيها، وما يترتّب على ثبوت ذلك من أحكام في الإيمان وحقّ النّبوءة. وقد أعرض عن ذكرها المفسّرون وكان ينبغي التّعرّض لها لأنَّها تتفرّع إلى مسائل تهمّ طالب العلوم الإسلاميّة مَعرفتُها، وأحقّ مظِنّة بذكرها هو هذه الآية وما هو بمعنى بعضها. فأمّا ثبوت نبوءة الّذين ذُكرت أسماؤهم فيها فلأنّ الله تعالى قال بعد أن عدّ أسماءهم {أولئك الّذين آتيناهم الكِتاب والحُكم والنّبوءة}. فثبوت النّبوءة لهم أمر متقرّر لأنّ اسم إشارة {أولئك} قريب من النصّ في عوده إلى جميع المسمَّيْنَ قبله مع ما يعضّده ويكمّله من النصّ بنبوءة بعضهم في آيات تماثِل هذه الآية، مثل آية سورة النّساء (163) {إنَّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح} الآيات، ومثل الآيات من سورة مريم (41) واذكر في الكتاب إبراهيم الآيات.
وللنّبوءة أحكام كثيرة تتعلّق بموصوفها وبمعاملة المسلمين لمن يتّصف بها. منها معنى النّبيء والرّسوللِ، ومعنى المعجزة الّتي هي دليلُ تحقّق النّبوءة أو الرّسالة لمن أتى بها، وما يترتّب على ذلك من وجوب الإيمان بما يبلّغه عن الله تعالى من شرع وآداب، ومَسائلُ كثيرة من ذلك مبسوطة في علم الكلام فليرجع إليها. إنّما الّذي يهمّنا من ذلك في هذا التّفسير هو ما أومأ به قوله تعالى في آخرها {فإنْ يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89]. فمن علم هذه الآيات في هذه السّورة وكان عالماً بمعناها وجب عليه الإيمان بنبوءة من جَرت أسماؤهم فيها.
وقد ذكر علماؤنا أنّ الإيمان بأنّ الله أرْسَلَ رسلاً وَنَبَّأ أنبياء لإرشاد النّاس واجب على الجملة، أيْ إيماناً بإرسال أفرادٍ غير معيّنين، أو بنبوءة أفراد غير معيّنين دون تعيين شخص معيَّن باسمه ولا غير ذلك ممّا يميّزه عن غيره إلاّ محمّداً صلى الله عليه وسلم قال الشيخ أبو محمّد بن أبي زيد في «الرسالة» «الباعثثِ (صفة لله تعالى) الرسللِ إليهم لإقامة الحجّة عليهم».
فإرسال الرسل جائز في حقّ الله غير واجب، وهو واقع على الإجمال دون تعيين شخص معيّن. وقد ذكر صاحب»المقاصد» أنّ إرسال الرّسل محتاج إليه، وهو لطف من الله بخلقه وليس واجباً عليه. وقالت المعتزلة وجمع من المتكلمين (أي من أهل السنّة) ممّا وراء النّهر بوجوب إرسال الرّسل عليه تعالى.
ولم يذكر أحد من أيمّتنا وجوب الإيمان بنبيء معيّن غير محمدّ صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى الخلق كافّة. قال أبو محمّد بن أبي زيد: «ثُمّ ختَم أي اللّهُ الرّسالةَ والنِّذارةَ والنّبوءةَ بمحمّد نبيئه صلى الله عليه وسلم إلخ»، لأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الّذي رواه عمر بن الخطّاب من سؤال جبريلَ النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: " أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " إلخ. فلم يعيّن رسلاً مخصوصين. وقال في جواب سؤاله عن الإسلام «الإسلام أن تشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله».
فمن علم هذه الآيات وفهم معناها وجب عليه الاعتقاد بنبوءة المذكورين فيها. ولعلّ كثيراً لا يقرأونها وكثيراً ممّن يقرأونها لا يفهمون مدلولاتها حقّ الفهم فلا يطالبون بتطلّب فهمها واعتقاد ما دلّت عليه إذ ليس ذلك من أصول الإيمان والإسلام ولكنّه من التّفقّه في الدّين.
قال القاضي عياض في فصللٍ (سابعٍ) من فصول الباب الثّالث من القسم الرّابع من كتاب «الشّفاء» «وهذا كلّه (أي ما ذكره من إلزام الكفر أو الجُرم الموجببِ للعقوبة لمن جاء في حقّهم بما ينافي ما يجب لهم) فيمن تكلّم فيهم (أي الأنبياء أو الملائكة) بما قلناه على جملة الملائكة والنّبيئين (أي على مجموعهم لا على جميعهم قاله الخفاجي يريد بالجميع كلّ فرد فرد) مِمّن حقّقنا كونَه منهم ممّن نصّ الله عليه في كتابه أو حقّقنا عِلمه بالخبر المتواتر والإجماع القاطع والخبرِ المشتهر المتّفق عليه (الواو في هذا التّقسيم بمعنى أو). فأمّا من لم يثبت الإخبار بتعيينه ولا وقَع الإجماع على كونه من الأنبياء كالخِضِر، ولقمانَ، وذي القرنين، ومريم، وآسية (امرأة فرعون) وخالدٍ بن سنان المذكورِ أنّه نبيء أهل الرسّ، فليس الحكم في سابّهم والكافر بهم كالحكم فيما قدّمناه» اه.
فإذا علمت هذا علمت أنّ ما وقع في أبيات ثلاثةٍ نظمها البعض، (ذكرها الشّيخ إبراهيم البيجوري في مبحث الإيمان من شرحه على «جوهرة التَّوحيد»:
حَتم على كلّ ذي التكليف معرفة *** بأنبياءٍ على التفصيل قد علموا
في «تلك حُجّتنا» منهم ثمانية *** من بعد عَشر ويبقَى سبعة وهمُ
إدريس. هود. شعيب، صالح وكذا *** ذو الكِفّل، آدم، بالمختار قد ختموا
لا يستقيم إلاّ بتكلّف، لأنّ كون معرفة ذلك حتماً يقتضي ظاهره الاصطلاحيّ أنّه واجب، وهذا لا قائل به فإنْ أراد بالحتم الأمرَ الّذي لا ينبغي إهماله كان مُتأكّداً لقوله: على كلّ ذي التّكليف.
فلو عوّضه بكلّ ذي التّعليم. ولعلّه أراد بالحتم أنّه يتحتّم على من علم ذلك عدمُ إنكار كوننِ هؤلاء أنبياءَ بالتّعيين، ولكن شاء بين وجوب معرفة شيء وبين منع إنكاره بعد أن يُعرف.
فأمّا رسالة هود وصالح وشعيب فقد تكرّر ذكرها في آيات كثيرة.
وأمّا معرفة نبوءة ذي الكفل ففيها نظر إذ لم يصرّح في سورة الأنبياء بأكثر من كونه من الصّابرين والصّالحين. واختلف المفسّرون في عدّه من الأنبياء، ونسب إلى الجمهور القول بأنّه نبيء. وعن أبي موسى الأشعري ومجاهد: أنّ ذا الكفل لم يكن نبيئاً. وسيأتي ذكر ذلك في سورة الأنبياء.
وأمّا آدم فإنّه نبيء منذ كونه في الجنّة فقد كلّمه الله غيرَ مرّة. وقال {ثمّ اجتباه ربّه فتاب عليه وهدى} [طه: 122] فهو قد أهبط إلى الأرض مشرّفاً بصفة النّبوءة. وقصّة ابني آدم في سورة المائدة دالّة على أنّ آدم بلّغ لأبنائه شَرعاً لقوله تعالى فيها {إذ قرّبا قرباناً فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر قال لأقتلنّك قال إنّما يتقبّل الله من المتّقين لئن بسطتّ إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنّي أخاف الله ربّ العالمين إنّي أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النّار وذلك جزاء الظّالمين} (المائدة: 27 29.
(فالّذي نعتمده أنّ الّذي ينكر نبوءة معيَّن ممّن سمّي في القرآن في عداد الأنبياء في سورة النّساء وسورة هود وسورة الأنعام وسورة مريم، وكان المنكر محقّقاً علمُه بالآية الّتي وصف فيها بأنّه نبيء ووقف على دليل صحّة ما أنكره وروجع فصمّم على إنكاره، إنّ ذلك الإنكار يكون كفراً لأنّه أنكر معلوماً بالضّرورة بعد التّنبيه عليه لئلاّ يعتذر بجهللٍ أو تأويللٍ مقبول.
واعلَمْ أنّي تطلّبت كشف القناع عن وجه الاقتصار على تسمية هؤلاء الأنبياء من بين سائر الأنبياء من ذرّيّة إبراهيم أو ذرّيّة نوح، (على الوجهين في معاد ضمير {ذرّيّته}). فلم يتّضح لي وتطلّبت وجه ترتيب أسمائهم هذا التّرتيبَ، وموالاة بعض هذه الأسماء لبعض في العطف فلم يَبْدُ لي، وغالب ظنّي أنّ من هذه الوجوه كون هؤلاء معروفون لأهل الكتاب وللمشركين الّذين يقتبسون معرفة الأنبياء من أهل الكتاب، وأنّ المناسبة في ترتيبهم لا تخلو من أن تكون ناشئة عن الابتداء بذكر أنّ إسحاق ويعقوب موهبة لإبراهيم وهما أب وابنه، فنشأ الانتقال من واحد إلى آخر بمناسبة للانتقال، وأنّ توزيع أسمائهم على فواصل ثلاث لا يخلو عن مناسبة تجمع بين أصحاب تلك الأسماء في الفاصلة الشّاملة لأسمائهم. ويجوز أنّ خفّة أسماء هؤلاء في تعريبها إلى العربيّة حُروفاً ووزناً لها أثر في إيثارها بالذّكر دون غيرها من الأسماء نحو (شَمعون وشمويل وحزقيال ونحميا)، وأنّ المعدودين في هذه الآيات الثّلاث توزّعوا الفضائل إذ منهم الرّسل والأنبياء والملوك وأهل الأخلاق الجليلة العزيزة من الصّبر وجهاد النّفس والجهاد في سبيل الله والمصابرة لتبليغ التّوحيد والشّريعة ومكارم الأخلاق، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى في آخر الآيات
{أولئك الّذين آتيناهم الكتاب والحكم والنّبوءة} [الأعراف: 89] ومن بينهم أصلاً الأمّتين العربيّة والإسرائيليّة.
فلمّا ذكر إسحاق ويعقوب أردف ذكرُهما بذكر نبيئيْن من ذرّيّة إسحاق ويعقوب، وهما أب وابنه من الأنبياء هما داوود وسليمان مبتدءاً بهما على بقيّة ذرّيّة إسحاق ويعقوب، لأنّهما نالا مَجْدَين عظيمين مجدِ الآخرة بِالنّبوءة ومجد الدنيا بالملك. ثمّ أردف بذكر نبيئين تماثلاً في أنّ الضرّ أصاب كليهما وأنّ انفراج الكرب عنهما بصبرهما. وهما أيّوب ويوسف. ثمّ بذكر رسولين أخوين هما موسى وهارون، وقد أصاب موسى مثلُ ما أصاب يوسفَ من الكيد له لقتله ومن نجاته من ذلك وكفالته في بيت المُلك، فهؤلاء الستّة شملتهم الفاصلة الأولى المنتهية بقوله تعالى: {وكذلك نجزي المحسنين}.
ثمّ بذكر نبيئين أب وابنه وهما زكرياء ويحيى. فناسبَ أن يذكر بعدهما رسولان لا ذرّيّة لهما، وهما عيسى وإلياس، وهما متماثلان في أنّهما رفعا إلى السّماء. فأمّا عيسى فرفْعه مذكور في القرآن، وأمّا إلياس فرفعه مذكور في كتب الإسرائليين ولم يذكره المفسّرون من السلف. وقد قيل: إنّ إلياس هو إدريس وعليه فرفعه مذكور في قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إدريس إنّه كان صديقاً نبيئاً ورفعناه مكاناً علياً} في سورة مريم (56، 57). وابتدئ بعيسى عطفاً على يحيى لأنّهما قريبان ابنا خالة، ولأنّ عيسى رسول وإلياس نبيء غير رسول. وهؤلاء الأربعة تضمّنتهم الفاصلة الثّانية المنتهية بقوله تعالى: كلّ من الصّالحين}. وعُطف اليسع لأنّه خليفة إلياس وتلميذه، وأدمج بينه وبين إلياس إسماعيل تنهية بذكر النّبيء الّذي إليه ينتهي نسب العرب من ذرّيّة إبراهيم. وخُتوا بيونس ولوط لأنّ كلاً منهما أرسل إلى أمّة صغيرة. وهؤلاء الأربعة تضمّنتهم الفاصلة الثّالثة المنتهية بقوله: {وكلاً فضّلنا على العالمين}.
وقوله: {ومن آبائهم} عطف على قوله: {كُلاً}. فالتَّقدير: وهدينا من آبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم. وجعل صاحب «الكشاف» (مِن) اسما بمعنى بعض، أي وهدينا بعض آبائهم على طريقته في قوله تعالى: {من الَّذين هادوا يحرّفون} [النساء: 46]. وقدّر ابنُ عطيّة ومن تبعه المعطوف محذوفاً تقديره: ومن آبائهم جمعاً كثيراً أو مهديين كثيرين، فتكون (مِن) تبعيضية متعلّقة ب {هدينا}.
والذرّيَّات جمع ذرّيَّة، وهي مَن تناسل من الآدمي من أبناء أدْنَيْن وأبنائهم فيشمل أولاد البنين وأولاد البنات. ووجه جمعه إرادة أنّ الهدى تعلّق بذرّيّة كلّ من له ذرّيّة من المذكورين للتنبيه على أنّ في هدي بعض الذرّية كرامة للجدّ، فكلّ واحد من هؤلاء مراد وقوعُ الهدي في ذرّيَّته. وإنْ كانت ذرّياتهم راجعين إلى جدّ واحد وهو نوح عليه السّلام. ثمّ إن كان المراد بالهدى المقدّر الهُدَى المماثل للهُدى المصرّح به، وهو هُدى النّبوءة، فالآباء يشمل مثل آدم وإدريس عليهم السلام فإنّهم آباء نوح.
{ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)}
استئناف بياني، أي لا تعجبوا من هديهم وضلال غيرهم. والإشارة إلى الهُدى الّذي هو مصدر مأخوذ من أفعال الهداية الثلاثة المذكورة في الآية قبلها، وخصوصاً المذكور آخراً بقوله {وهديناهم إلى صراط مستقيم} [الأنعام: 87]. وقد زاد اسمُ الإشارة اهتماماً بشأن الهدي إذ جعل كالشيء المشاهد فزيد باسم الإشارة كمالُ تمييز، وأخبِر عن الهدي بأنّه هدى الله لتشريف أمره وبيان عصمته من الخطأ والضلال، وفيه تعريض بما عليه المشركون ممّا يزعمونه هدى ويتلقّونه عن كبرائهم، أمثاللِ عَمْرو بن لُحَيّ الذي وضع لهم عبادة الأصنام، ومثللِ الكهّان وأضرابهم. وقد جاء هذا الكلام على طريقة الفذلكة لأحوال الهداية الّتي تكرّر ذكرها كأبيات حاتم الطائي:
وللّهِ صُعلوك يُساوِر هَمَّهُ *** ويمضي على الأحداث والدهرِ مُقدماً
إلى أن قال بعد أبيات سبعة في محامد ذلك الصّعلوك:
فذَلك إنْ يهلِكْ فحسنى ثَناؤه *** وإن عاش لم يقْعد ضعيفاً مذمَّماً
وقوله تعالى: {يهدي به من يشاء من عباده} جملة في موضع الحال من {هُدى الله}. والمراد ب {من يشاء} الّذين اصطفاهم الله واجتباهم وهو أعلم بهم وباستعدادهم لهديه ونبذهم المكابرة وإقبالهم على طلب الخير وتطلّعهم إليه وتدرّجهم فيه إلى أن يبلغوا مرتبة إفاضة الله عليهم الوحيَ أو التّوفيق والإلهام الصادق. ففي قوله: {من يشاء} من الإبهام ما يبعث النّفوس على تطلّب هُدى الله تعالى والتّعرّض لنفحاته، وفيه تعريض بالمشركين الّذين أنكروا نبوءة محمّد صلى الله عليه وسلم حسداً، ولذلك أعقبه بقوله {ولو أشركوا لحَبِط عنهم ما كانوا يعملون} تفظيعاً لأمر الشرك وأنّه لا يغتفر لأحد ولو بلغ من فضائل الأعمال مبلغاً عظيماً مثل هؤلاء المعدودين المنوّه بهم. والواو للحال. و«حبط» معناه تلف، أي بطل ثوابه. وقد تقدّم في قوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} في سورة [البقرة: 217].
{أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)}
استئناف ابتدائي للتّنويه بهم، فهي فذلكة ثانية، لأنّ الفذلكة الأولى راجعة إلى ما في الجمل السابقة من الهدى وهذه راجعة إلى ما فيها من المهديّين.
واسم الإشارة لزيادة الاعتناء بتمييزهم وإخطار سيرتهم في الأذهان. والمشار إليهم هم المعيَّنون بأسمائهم والمذكورون إجمالاً في قوله: {ومن آبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم} [الأنعام: 87]. و{الّذين آتيناهم الكتاب} خبر عن اسم الإشارة.
والمراد بالكتاب الجنس: أي الكتب. وإيتاء الكتاب يكون بإنزال ما يكتب، كما أنزل على الرسل وبعضضِ الأنبياء، وما أنزل عليهم يعتبر كتاباً، لأنّ شأنه أن يكتب سواء كتب أم لم يكتب. وقد نصّ القرآن على أنّ إبراهيم كانت له صُحُف بقوله: {صحف إبراهيم وموسى} [الأعلى: 19] وكان لعيسى كلامه الذي كتب في الإنجيل. ولداوود الكلام الصادر منه تبليغاً عن الله تعالى، وكان نبيئاً ولم يكن رسولاً، ولسليمان الأمثال، والجامعة، والنشيد المنسوب في ثلاثتها أحكامٌ أمر الله بها. ويقال: إنّ إدريس كتب الحكمة في صحف وهو الّذي يُسمّيه الإسرائليون (أخنوخ) ويدعوه القبط (توت) ويدعوه الحكماء (هُرْمس). ويكون إيتاء الكتاب بإيتاء الّنبيء فهْم ونبيِينَ الكتب المنزّلة قبله، كما أوتي أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى أمثال يحيى فقد قال تعالى له {يا يحيى خذ الكتاب بقوّة} [مريم: 12].
والحُكم هو الحكمة، أي العلم بطرق الخير ودفع الشرّ. قال تعالى في شأن يحيى {وآتيناه الحكم صبياً} [مريم: 12]، ولم يكن يحيى حاكماً أي قاضياً، وقد يفسّر الحكم بالقضاء بالحقّ كما في قوله تعالى في شأن داوود وسليمان {وكلاً آتينا حُكماً وعلماً} [الأنبياء: 79].
وإيتاء هذه الثلاث على التّوزيع، فمنهم من أوتي جميعها وهم الرسل منهم والأنبياء الّذين حكموا بين النّاس مثل داوود وسليمان، ومنهم من أوتي بعضَها وهم الأنبياء غير الرّسل والصّالحون منهم غير الأنبياء، وهذا باعتبار شمول اسم الإشارة لآبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم.
والفاء في قوله: {فإن يكفر} عاطفة جملة الشّرط على جملة {أولئك الّذين آتيناهم الكتاب} عقّبت بجملة الشّرط وفرّعت عليها لأنّ الغرض من الجمل السابقة من قوله {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} [الأنعام: 74] هو تشويه أمر الشرك بالاستدلال على فساده بنبذ أهل الفضل والخير إيّاه، فكان للفاء العاطفة عقب ذلك موقع بديع من أحكام نظم الكلام.
وضمير {بها} عائد إلى المذكورات: الكتاب والحكم والنّبوءة. والإشارة في قوله: {هؤلاء} إلى المشركين من أهل مكّة، وهي إشارة إلى حاضر في أذهان السّامعين، كما ورد في حديث سؤال القبر " فيقال له ما علمك بهذا الرجل " (يعني النّبيء صلى الله عليه وسلم. وفي «البخاري» قال الأحنف بن قيس: ذهبتُ لأنصر هذا الرجل (يعني عليّ بن أبي طالب).
وقد تقصيت مواقع آي القرآن فوجدته يعبّر عن مشركي قريش كثيراً بكلمة (هؤلاء)، كقوله
{بل متّعت هؤلاء وآباءهم} [الزخرف: 29] ولم أر من نبّه عليه من قبل.
وكُفر المشركين بنبوءة أولئك الأنبياء تابع لكفرهم بمحمّد صلى الله عليه وسلم ولذلك حكى الله عنهم بعْدُ أنّهم {قالوا ما أنزل الله على بشر مِن شيء} [الأنعام: 91].
ومعنى: {وكَّلْنا بها} وفّقْنا للإيمان بها ومراعاتها والقياممِ بحقّها. فالتّوكيل هنا استعارة، لأنّ حقيقة التّوكيل إسناد صاحب الشيء تدبيرَ شيئه إلى من يتولّى تدبيره ويكفيه كلفةَ حفظه ورعاية ما به بقاؤُه وصلاحُه ونماؤُه. يقال: وكَّلته على الشيء ووكَّلته بالشيء فيتعدّى بعلى وبالباء. وقد استعير في هذه الآية للتّوفيق إلى الإيمان بالنّبوءة والكتاب والحكم والنّظر في ما تدعو إليه ورعايته تشبيهاً لتلك الرّعاية برعاية الوكيل، وتشبيهاً للتّوفيق إليها بإسناد النّظر إلى الوكيل، لأنّ الوكالة تقتضي وُجود الشيء الموكّل بيد الوكيل مع حفظه ورعايته، فكانت استعارةُ {وكَّلنا} لهذا المعنى إيجازاً بديعاً يقابل ما يتضمّنه معنى الكفر بها من إنكارها الّذي فيه إضاعة حدودها.
والقوم هم المؤمنون الّذين آمنوا برسالة محمّد صلى الله عليه وسلم والقرآن وبمَن قبله من الرّسل وما جاءهم من الكتب والحكم والنّبوءة. والمقصود الأوّل منهم المؤمنون الّذين كانوا بمكّة ومن آمن من الأنصار بالمدينة إذ كانت هذه السّورة قد نزلت قُبيل الهجرة. وقد فسّر في «الكشاف» القوم بالأنبياء المتقدّم ذكرُهم وادّعى أنّ نظم الآية حمله عليه، وهو تكلّف لا حامل إليه.
ووصفُ القوم بأنّهم {ليسوا بها بكافرين} للدّلالة على أنّهم سارعوا إلى الإيمان بها بمجرّد دعوتهم إلى ذلك فلذلك جيء في وصفهم بالجملة الإسميّة المؤلّفة من اسم (ليس) وخبرها لأنّ ليس بمنزلة حرف نفي إذ هي فعل غير متصرّف فجملتها تدلّ على دوام نفي الكفر عنهم، وأدخلت الباء في خبر (ليس) لتأكيد ذلك النّفي فصار دوامَ نفي مؤكّداً.
والمعنى إنْ يكفر المشركون بنبوءتك ونبوءةِ مَن قبلك فلا يضرّك كفرهم لأنَّا قد وفّقنا قوماً مؤمنين للإيمان بك وبهم، فهذا تسلية للرّسول صلى الله عليه وسلم على إعراض بعض قومه عن دعوته.
وتقديم المجرور على عامله في قوله {ليسوا بها بكافرين} لرعاية الفاصلة مع الاهتمام بمعاد الضمير: الكتاب والحكم والنّبوءة.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)}
جملة ابتدائية قصد من استئنافها استقلالها للاهتمام بمضمونها، ولأنّها وقعت موقع التّكرير لمضمون الجملتين اللّتين قبلها: جملة {وهديناهم إلى صراط مستقيم} [الأنعام: 87] وجملة {أولئك الذّين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوءة} [الأنعام: 89]. وحقّ التكرير أن يكون مفصولاً، وليبنى عليها التّفريع في قوله: {فبهداهم اقتده}. والمشار إليهم باسم الإشارة هم المشار إليهم بقوله {أولئك الّذين آتيناهم الكتاب والحكم والنّبوءة} [الأنعام: 89] فإنّهم الّذين أمر نبيّنا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم. وتكرير اسم الإشارة لتأكيد تمييز المشار إليه ولما يقتضيه التكرير من الاهتمام بالخبر.
وأفاد تعريف المسند والمسند إليه قصر جنس الّذين هداهم الله على المذكورين تفصيلاً وإجمالاً، لأنّ المهديين من البشر لا يعدون أن يكونوا أولئك المسمّين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، فإنّ من آبائهم آدم وهو الأب الجامع للبشر كلّهم، فأريد بالهدى هدى البشر، أي الصرف عن الضلالة، فالقصر حقيقي. ولا نظر لصلاح الملائكة لأنّه صلاح جبليّ. وعدل عن ضمير المتكلّم إلى اسم الجلالة الظاهر لقَرْن هذا الخبر بالمهابة والجلالة.
وقوله: {فبهداهم اقتده} تفريع على كمال ذلك الهُدَى، وتخلُّص إلى ذكر حظّ محمدّ صلى الله عليه وسلم من هُدى الله بعد أن قُدّم قبله مُسْهَبُ ذكر الأنبياء وهديهم إشارة إلى علوّ منزلة محمّد صلى الله عليه وسلم وأنّها منزلة جديدة بالتّخصيص بالذكر حيث لم يذكر مع الأنبياء المتقدّمين، وأنّه جمَعَ هُدى الأوّلين، وأكملت له الفضائل، وجُمع له ما تفرّق من الخصائص والمزايا العظيمة. وفي إفراده بالذكر وترك عدّه مع الأوّلين رمز بديع إلى فذاذته وتفرّد مقداره، ورَعْي بديع لحال مجيء رسالته بعد مرور تلك العصور المتباعدة أو المتجاورة، ولذلك قُدّم المجرور وهو {بهداهم} على عامله، للاهتمام بذلك الهدى لأنّه هو منزلتك الجامعة للفضائل والمزايا، فلا يليق به الاقتداء بهُدى هو دون هُداهم. ولأجل هذا لم يسبق للنّبيء صلى الله عليه وسلم اقتداء بأحد ممّن تحنّفوا في الجاهليّة أو تنصَّروا أو تهوّدوا. فقد لقي النّبيء صلى الله عليه وسلم زيدَ بن عَمْرو بن نُفَيْللٍ قبل النّبوءة في بَلْدَح وعَرض عليه أن يأكل معه من سُفْرته، فقال زيد «{إنِّي لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم توهّماً منه أنّ النبي يدين بدين الجاهليّة، وألهم الله محمّداً السكوت عن إجابته إلهاماً لحفظ السِرّ المدَّخر فلم يقل له إنّي لا أذبح على نُصُب. ولقي ورقةَ بن نوفل غير مرّة بمكّة. ولَقِي بَحيرا الرّاهبَ. ولم يقتد بأحد من أولئك وبقي على الفطرة إلى أن جاءته الرّسالة.
والاقتداء افتعال من القُدوةَ بضمّ القاف وكسرها وقياسه على الإسوة يقتضي أنّ الكسر فيه أشهر. وقال في المصباح}: الضمّ أكثر. ووقع في «المقامات» للحريري «وقدوة الشحَّاذين» فضُبط بالضمّ.
وذكره الواسطي في إشرح ألفاظ المقامات» في القاف المضمومة، وروى فيه فتح القاف أيضاً، وهو نادر. والقدوة هو الّذي يَعمل غيرُه مثل عمله، ولا يعرف له في اللّغة فعل مجرّد فلم يسمع إلاّ اقتدى. وكأنّهم اعتبروا القدوة اسماً جامداً واشتقّوا منه الافتعال للدّلالة على التّكلّف كما اشتقّوا من اسم الخريف اخترف، ومن الأسوة ائْتسى، وكما اشتقّوا من اسم النمر تَنَمَّر، ومن الحجَر تحجَّر. وقد تستعمل القدوة اسم مصدر لاقتدى. يقال: لي في فلان قُدوة كما في قوله تعالى: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة} [الممتحنة: 6].
وفي قوله: {فبهداهم اقتده} تعريض للمشركين بأنّ محمّداً صلى الله عليه وسلم ما جاء إلاّ على سنّة الرّسل كلّهم وأنّه ما كان بدعاً من الرّسل.
وأمْرُ النّبيء صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهُداهم يؤذن بأنّ الله زوى إليه كلّ فضيلة من فضائلهم الّتي اختصّ كلّ واحد بها سواء ما اتّفق منه واتّحد، أو اختلف وافترق، فإنّما يقتدي بما أطلعه الله عليه من فضائل الرّسل وسيرهم، وهو الخُلُق الموصوف بالعظيم في قوله تعالى: {وإنّك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4].
ويشمل هداهم ما كان منه راجعاً إلى أصول الشّرائع، وما كان منه راجعاً إلى زكاء النّفس وحسن الخُلق. وأمّا مَا كان منه تفاريع عن ذلك وأحكاماً جزئيّة من كلّ ما أبلغه الله إيّاه بالوحي ولم يأمره باتّباعه في الإسلام ولا بيّن له نسخه، فقد اختلف علماؤنا في أنّ الشّرائع الإلهيّة السّابقة هل تعتبر أحكامها من شريعة الإسلام إذا أبلغها الله إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم ولم يجعل في شريعته ما ينسخها.
وأرى أنّ أصل الاستدلال لهذا أنّ الله تعالى إذا ذكر في كتابه أو أوحى إلى رسوله عليه الصلاة والسلام حكاية حكم من الشرائع السابقة في مقام التّنويه بذلك والامتنان ولم يقارنه ما يدلّ على أنّه شُرِع للتّشديد على أصحابه عقوبة لهم، ولا ما يدلّ على عدم العمل به، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ الله تعالى يريد من المسلمين العمل بمثله إذا لم يكن من أحكام الإسلام ما يخالفه ولا من أصوله ما يأباه، مثل أصل التّيسير ولا يقتضي القياسُ على حكم إسلامي ما يناقض حكماً من شرائع مَن قَبلنا. ولا حجّة في الآيات الّتي فيها أمرُ النّبيء صلى الله عليه وسلم باتّباع مَن قبله مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: {ثمّ أوحينا إليك أن اتّبِعْ ملّة إبراهيم حنيفاً} [النحل: 123] ومثل قوله تعالى: {شَرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى} [الشورى: 13]، لأنّ المقصود من ذلك أصول الدّيانة وأسس التّشريع الّتي لا تختلف فيها الشّرائع، فمن استدلّ بقوله تعالى: {فبهداهم اقتده} فاستدلاله ضعيف. قال الغزالي في «المستصفى» «أراد بالهُدى التّوحيد ودلالةَ الأدلّة العقليّة على الوحدانيّة والصّفات لأنّه تعالى أمره بالاقتداء بهداهم فلو كان المراد بالهدى شرائعهم لكان أمراً بشرائع مختلفة وناسخة ومنسوخة فدلّ أنّه أراد الهدى المشترك بين جميعهم» اه.
ومعنى هذا أنّ الآية لا تقوم حجّة على المخالف فلا مانع من أن يكون فيها استئناس لمن رأى حجّيّة شرع من قبلنا على الصّفات الّتي ذكرتُها آنفاً. وفي «صحيح البخاري» في تفسير سورة (ص) عن العَوّام قال: سألت مجاهداً عن سجدة ص فقال: سألت ابن عبّاس من أين سجدتَ (أي من أيّ دليل أخذت أن تسجد في هذه الآية، يريد أنّها حكاية عن سجود داوود وليس فيها صيغة أمر بالسجود) فقال: «أوَمَا تقرأ {أولئك الّذين هدى الله فبهداهم اقتده} فكان داوود ممّن أمر نبيئُكم أن يقتدِي به فسجدها داوود فسجدها رسول الله».
والمذاهب في هذه المسألة أربعة: المذهب الأوّل: مذهب مالك فيما حكاه ابن بكير وعبدُ الوهّاب والقرافي ونسبوه إلى أكثر أصحاب مالك: أنّ شرائع من قبلنا تكون أحكاماً لنا، لأنّ الله أبلغها إلينا. والحجّة على ذلك ما ثبت في الصحاح من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية الرُّبَيْععِ بنتتِ النضر حين كسَرَتْ ثنيّة جاريةٍ عمداً أنْ تُكْسر ثنيّتها فراجعتْه أمّها وقالت: واللّهِ لا تُكْسَر ثنيّةُ الرّبيع فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " كتابُ الله القصاص "، وليس في كتاب الله حكم القصاص في السنّ إلاّ ما حكاه عن شرع التّوراة بقوله {وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس إلى قوله والسنّ بالسنّ} [المائدة: 45]. وما في «الموطأ» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نسي الصلاة فليصلّها إذا ذكرها فإنّ الله تعالى يقول في كتابه: {أقِمْ الصّلاة لذِكْري} [طه: 14] وإنّما قاله الله حكاية عن خِطابه لموسى عليه السلام، وبظاهر هذه الآية لأنّ الهدى مصدر مضاف فظاهره العموم، ولا يُسلّم كونُ السياق مخصّصاً له كما ذهب إليه الغزالي. ونقل علماء المالكية عن أصحاب أبي حنيفة مثلَ هذا. وكذلك نقل عنهم ابنُ حزم في كتابه «الإعراب في الحيرَة والالتباس الواقعين في مذاهب أهل الرأي والقياس». وفي «توضيح» صدر الشريعة حكايتُه عن جماعة من أصحابهم ولم يُعيّنه. ونقله القرطبي عن كثير من أصحاب الشافعي. وهو منقول في كتب الحنفيّة عن عامّة أصحاب الشّافعي.
المذهب الثّاني: ذهب أكثر الشّافعيّة والظاهرية: أنّ شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا. واحتجّوا بقوله تعالى: {لكُللٍ جعلنا منكم شِرْعَةً ومنهاجاً} [المائدة: 48]. ونسب القرطبي هذا القول للكثير من أصحاب مالك وأصحاب الشّافعي. وفي «توضيح» صدر الشّريعة نسبة مثل هذا القول لجماعة من أصحابهم.
الثالث: إنّما يلزم الاقتداء بشرع إبراهيم عليه السلام لقوله تعالى: {ثمّ أوحينا إليك أن اتَّبِعْ ملّة إبراهيم حَنيفاً} [النحل: 123]. ولم أقف على تعيين من نسب إليه هذا القول.
الرّابع: لا يلزم إلاّ اتّباع شريعة عيسى لأنّها آخر الشّرائع نَسخت ما قبلها. ولم أقف على تعيين صاحب هذا القول. قال ابن رشد في «المقدّمات»: وهذا أضعف الأقوال.
والهاء في قوله: {اقتده} ساكنة عند جمهور القرّاء، فهي هاء السكت الّتي تُجلب عند الوقف على الفعل المعتلّ اللاّم إذا حذفت لامَه للجازم، وهي تثبت في الوقف وتحذف في الوصل، وقد ثبتت في المصحف لأنّهم كانوا يكتبون أواخر الكلم على مراعاة حال الوقف. وقد أثبتها جمهور القرّاء في الوصل، وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف وهو وارد في الكلام الفصيح. والأحسن للقارئ أن يقف عليها جرياً على الأفصح، فجمهور القرّاء أثبتوها ساكنة ما عدا رواية هشام عن ابن عامر فقد حرّكها بالكسر، ووجَّه أبو عليّ الفارسي هذه القراءة بأنّها تجعل الهاء ضمير مصدر «اقْتد»، أي اقتد الاقتداء، وليست هاء السكت، فهي كالهاء في قوله تعالى: {عذاباً لا أعذّبُه أحداً من العالمين} [المائدة: 115] أي لا أعذّب ذلك العذاب أحداً. وقرأ حمزة، والكسائي، وخَلف، بحذف الهاء في حالة الوصل على القياس الغالب.
{قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذكرى للعالمين}.
استئناف عُقّب به ذلك البيانُ العظيم الجامع لأحوال كثير من الأمم. والإيماءُ إلى نبوءة جمع من الأنبياء والصّالحين، وبيان طريقة الجدل في تأييد الدّين، وأنّه ما جاء إلاّ كما جاءت مِلل تلك الرّسل، فلذلك ذيَّله الله بأمر رسوله أن يُذكِّر قومه بأنّه يذكِّرُهم. كما ذكَّرتْ الرّسلُ أقوامهم، وأنّه ما جاء إلاّ بالنّصح لهم كما جاءت الرّسل. وافتتح الكلام بفعل {قل} للتّنبيه على أهميّته كما تقدّم في هذه السّورة غير مرّة. وقُدّم ذلك بقوله: {لا أسألكم عليه أجراً} أي لست طالبَ نفع لنفسي على إبلاغ القرآن، ليكون ذلك تنبيهاً للاستدلال على صدقه لأنّه لو كان يريد لنفسه نفعاً لصانعهم ووافقهم. قال في «الكشاف» في سورة هود (51) عند قوله تعالى حكاية من هود {يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إنْ أجريَ إلاّ على الّذي فطَرنيَ أفَلا تعقلون} ما من رسول إلاّ واجه قومه بهذا القول لأنّ شأنهم النّصيحة والنّصيحة لا يمحّصها ولا يمحِّضُها إلاّ حَسم المطامع وما دام يتوهّم شيء منها لم تنفع ولم تنجع اه.
قلت: وحكى الله عن نوح مثل هذا في قوله في سورة [هود: 29] {ويَا قوم لا أسألكم عليه مَالاً إنْ أجريَ إلاّ على الله} وقال لرسوله أيضاً في سورة [الشّورى: 23] {قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى. فليس المقصود من قوله: لا أسألكم عليه أجراً} ردّ اعتقاد معتقد أو نفي تهمة قيلت ولكن المقصود به الاعتبار ولفت النّظر إلى محض نصح الرّسول صلى الله عليه وسلم في رسالته وأنّها لنفع النّاس لا يجرّ منها نفعاً إلى نفسه.
والضمير في قوله: {عليه} وقوله: {إن هو} راجع إلى معروف في الأذهان؛ فإنّ معرفة المقصود من الضمير مغنية عن ذكر المعاد مثل قوله تعالى: {حتّى توارتْ بالحجاب} [ص: 32]، وكما في حديث عُمر في خبر إيلاء النّبيء صلى الله عليه وسلم «فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فضرب بأبي ضرباً شديداً فقال: أثمّ هو» ألخ. والتّقدير: لا أسألكم على التّبليغ أو الدّعاء أجراً وما دعائي وتبليغي إلاّ ذِكْرى بالقرآن وغيره من الأقوال.
والذّكرى اسم مصدر الذِكر بالكسر، وهو ضدّ النّسيان، وتقدّم آنفاً. والمُراد بها هنا ذكر التّوحيد والبعث والثّواب والعقاب.
وجَعَل الدّعوة ذكرى للعالمين، لأنّ دعوته صلى الله عليه وسلم عامّة لسائر النّاس. وقد أشعر هذا بأنّ انتفاء سؤال الأجر عليه لسببين: أحدهما: أنّه ذِكرى لهم ونصح لنفعهم فليس محتاجاً لِجَزاءٍ منهم، ثانيهما: أنّه ذكرى لغيرهم من النّاس وليس خاصّاً بهم.
{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)}
وجود واو العطف في صدر هذه الجملة ينادي على أنّها نزلت متناسقة مع الجمل الّتي قبلها، وأنّها وإيّاها واردتان في غرض واحد هو إبطال مزاعم المشركين، فهذا عطف على جملة {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89]، وأنّها ليست ابتدائيّة في غرض آخر. فواو الضّمير في قوله {قدروا} عائد على ما عاد إليه اسم الإشارة في قوله: {هؤلاء} [الأنعام: 89] كما علمت آنفاً. ذلك أنّ المشركين لمّا استشعروا نهوض الحجّة عليهم في نزول القرآن بأنّه ليس بِدعاً ممّا نزل على الرّسل، ودحضَ قولهم: {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً} [الفرقان: 7] توغّلوا في المكابرة والجحود فقالوا {ما أنزل الله على بشر من شيء} وتجاهلوا ما كانوا يقولونه عن إبراهيم عليه السّلام وما يعلمونه من رسالة موسى عليه السلام وكتابه. فروى الطبري عن ابن عبّاس ومجاهد: أنّ قائل ذلك هم المشركون من قريش.
وقد جاءت هذه الآية في هذا الموقع كالنتيجة لما قبلها من ذكر الأنبياء وما جاءوا به من الهدى والشّرائع والكتب، فلا جرم أنّ الّذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، قد جاءوا إفكاً وزوراً وأنكروا ما هو معلوم في أجيال البشر بالتّواتر. وهذه الجملة مثل ما حكاه الله عنهم في قوله: {وقال الّذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالّذي بين يديه} [سبأ: 31]. ومن أئمّة التّفسير من جعل هذا حكاية لقول بعض اليهود، واختلفوا في أنّه معيّن أو غير معيّن، فعن ابن عبّاس أيضاً، وسعيد بن جبير، والحسن، والسديّ: أنّ قائل {ما أنزل الله على بشر من شيء} بعض اليهود وروي عن سعيد بن جبير وعكرمة أنّ قائل ذلك مالك بن الصيف القُرظي وكان من أحبار اليهود بالمدينة، وكان سميناً وأنّه جاء يخاصم النّبيء صلى الله عليه وسلم فقال له النّبيء «أنشدك بالّذي أنزل التّوراة على موسى أمَا تجد في التّوراة أنّ الله يبغض الحَبر السمين» فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. وعن السُدّي: أنّ قائله فِنْحاص اليهودي. ومحمل ذلك كلّه على أنّ قائل ذلك منهم قاله جهلاً بما في كتبهم فهو من عامّتهم، أو قاله لجاجاً وعِناداً. وأحسب أنّ هذه الرّوايات هي الّتي ألجأت رواتها إلى ادّعاء أنّ هذه الآيات نزلت بالمدينة، كما تقدّم في الكلام على أوّل هذه السورة.
وعليه يكون وقع هذه الآيات في هذا الموقع لمناسبة قوله: {أولئك الّذين آتيناهم الكتاب} [الأنعام: 89] الآية، وتكون الجملة كالمعترضة في خلال إبطال حجاج المشركين. وحقيقة {قدروا} عيَّنوا القَدْر وضَبطوه أي، عَلّموه عِلماً عن تحقّق.
والقَدْر بفتح فسكون مقياسُ الشيء وضابطه، ويستعمل مجازاً في عِلم الأمر بكُنهه وفي تدبير الأمر.
يقال: قَدَر القومُ أمرهم يقدُرونه بضمّ الدّالّ في المضارع، أي ضبطوه ودبَّروه. وفي الحديث قول عائشة: «فاقدُروا قدْرَ الجاريةِ الحديثة السنّ» وهو هنا مجاز في العلم الصّحيح، أي ما عرفوا الله حقّ معرفته وما علموا شأنه وتصرّفاته حقّ العلم بها، فانتصب {حقّ} على النّيابة عن المفعول المطلق لإضافته إلى المصدر وهو {قَدْرِه}، والإضافة هنا من إضافة الصّفة إلى الموصوف. والأصل: ما قدروا الله قَدْرَه الحَقّ.
و {إذ قالوا} ظرف، أي ما قدروه حين قالوا {ما أنزل الله} لأنّهم لمّا نفوا شأناً عظيماً من شؤون الله، وهو شأن هديه النّاس وإبلاغهم مرادَه بواسطة الرّسل، قد جهلوا ما يفضي إلى الجهل بصفة من صفات الله تعالى الّتي هي صفة الكلام، وجهلوا رحمته للنّاس ولطفه بهم.
ومقالهم هذا يعمّ جميعَ البشر لوقوع النكرة في سياق النّفي لِنفي الجنس، ويَعمّ جميعَ ما أنزل باقترانه ب {منْ} في حيز النّفي للدّلالة على استغراق الجنس أيضاً، ويعمّ إنزالَ الله تعالى الوحيَ على البشر بنفي المتعلِّق بهذين العمومين.
والمراد ب {شيء} هنا شيء من الوحي، ولذلك أمر الله نبيّه بأن يُفْحمهم باستفهاممِ تقريرٍ وإلجاءٍ بقوله: {مَن أنزل الكتاب الّذي جاء به موسى} فذكَّرهم بأمر لا يستطيعون جحده لتواتره في بلاد العرب، وهو رسالة موسى ومجيئه بالتّوراة وهي تدرس بين اليهود في البلد المجاور مكّة، واليهودُ يتردّدون على مكّة في التّجارة وغيرها، وأهل مكّة يتردّدون على يثرب وما حولها وفيها اليهود وأحبارهم، وبهذا لم يذكِّرهم الله برسالة إبراهيم عليه السّلام لأنّهم كانوا يجهلون أنّ الله أنزل عليه صُحفاً فكان قد يتطرّقه اختلاف في كيفية رسالته ونبوءته. وإذا كان ذلك لا يسع إنكاره كما اقتضاه الجواب آخِرَ الآية بقوله: {قل الله} فقد ثبت أنّ الله أنزل على أحدٍ من البشر كتاباً فانتقض قولهم: {ما أنزل الله على بشر من شيء} على حسب قاعدة نقض السالبة الكليّة بموجبة جزئيّة. وافتتح بالأمر بالقول للاهتمام بهذا الإفحام، وإلاّ فإنّ القرآن كلّه مأمور النّبيء صلى الله عليه وسلم بأن يقوله.
والنّور: استعارة للوضوح والحقّ، فإنّ الحقّ يشبّه بالنّور، كما يشبّه الباطل بالظلمة. قال أبو القاسم عليّ التنّوخي:
وكأنّ النّجومَ بين دُجاها *** سُنَن لاَحَ بينهنّ ابتِدَاعُ
ولذلك عطف عليه {هدى}. ونظيره قوله في سورة المائدة (44) {إنّا أنزلنا التّوراة فيها هُدَى ونور. ولو أطلق النّور على سبب الهدى لصحّ لولا هذا العطف، كما قال تعالى عن القرآن ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52]. وقد انتصب {نوراً} على الحال.
والمراد بالنّاس اليهود، أي ليهديهم، فالتّعريف فيه للاستغراق، إلاّ أنّه استغراق عرفي، أي النّاس الّذين هم قومه بنو إسرائيل.
وقوله: {تجعلونه قراطيس} يجوز أن يكون صفة سببيّة للكتاب، ويجوز أن يكون مُعترضاً بين المتعاطفات.
قرأ {تجعلونه وتبدون وتخفون} بتاء الخطاب مَن عدا ابنَ كثير، وأبَا عمرو، ويعقوب، من العشرة، فإمّا أن يكون الخطاب لغير المشركين إذ الظاهر أن ليس لهم عمل في الكتاب الذي أنزل على موسى ولا باشروا إبداء بعضه وإخفاء بعضه فتعيّن أن يكون خطاباً لليهود على طريقة الإدماج (أي الخروج من خطاب إلى غيره) تعريضاً باليهود وإسماعاً لهم وإن لم يكونوا حاضرين من باب إياكَ أعنِي واسمَعي يا جارة، أو هو التفات من طريق الغيبة الّذي هو مقتضى المقام إلى طريق الخطاب. وحقّه أن يقال يجعلونه بياء المضارع للغائب كما قرأ غير هؤلاء الثّلاثة القرّاء. وإمّا أن يكون خطاباً للمشركين. ومعنى كونهم يجعلون كتابَ موسى قراطيس يبدون بعضها ويخفون بعضها أنّهم سألوا اليهود عن نبوءة محمّد صلى الله عليه وسلم فقرأوا لهم ما في التّوراة من التمسّك بالسبتتِ، أي دين اليهود، وكتموا ذكر الرّسول صلى الله عليه وسلم الّذي يأتي من بعدُ، فأسند الإخفاء والإبداءُ إلى المشركين مجازاً لأنّهم كانوا مظهراً من مظاهر ذلك الإخفاء والإبداء. ولعلّ ذلك صدر من اليهود بعد أن دخل الإسلام المدينة وأسلم مَن أسلم من الأوس والخزرج، فعلم اليهود وبال عاقبة ذلك عليهم فأغروا المشركين بما يزيدهم تصميماً على المعارضة. وقد قدّمتُ ما يرجّح أنّ سورة الأنعام نزلت في آخر مدّة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة، وذلك يوجب ظننّا بأنّ هذه المدّة كانت مبدأ مداخلة اليهود لقريش في مقاومة الدّعوة الإسلاميّة بمكّة حين بلغت إلى المدينة.
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب {يجعلونه، ويُبدونها، ويخفون} بالتحتيّة فتكون ضمائرُ الغيبة عائدة إلى معروف عند المتكلّم، وهم يهود الزّمان الّذين عُرفوا بذلك.
والقراطيس جمع قرطاس. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {ولو نزّلنا عليك كتاباً في قرطاس} في هذه السّورة [7]. وهو الصحيفة من أي شيء كانت من رَقّ أو كَاغِد أو خرقة. أي تجعلون الكتاب الّذي أنزل على موسى أوراقاً متفرّقة قصداً لإظهار بعضها وإخفاء بعض آخر.
وقوله: تبدونها وتخفون كثيراً} صفة لقراطيس، أي تبدون بعضها وتخفون كثيراً منها، ففهم أنّ المعنى تجعلونه قراطيس لغرض إبداء بعض وإخفاء بعض.
وهذه الصّفة في محلّ الذمّ فإنّ الله أنزل كتبه للهُدى، والهدى بها متوقّف على إظهارها وإعلانها، فمن فرّقها ليظهر بعضاً ويخفي بعضاً فقد خالف مراد الله منها. فأمّا لو جعلوه قراطيس لغير هذا المقصد لما كان فعلهم مذموماً، كما كتب المسلمون القرآن في أجزاء منفصلة لقصد الاستعانة على القراءة، وكذلك كتابة الألواح في الكتاتيب لمصلحة.
وفي «جامع العُتبية» في سماع ابن القاسم عن مالك {سُئل مالك رحمه الله عن القرآن يُكتب أسداساً وأسباعاً في المصاحف، فكره ذلك كراهيةً شديدة وعابها وقال لا يفرّق القرآن وقد جمعه الله وهؤلاء يفرّقونه ولا أرى ذلك اه.
قال ابن رشد في البيان والتّحصيل}: القرآن أنزل إلى النّبيء صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد شيء حتّى كَمُل واجتمع جملة واحدة فوجب أن يحافظ على كونه مجموعاً، فهذا وجه كراهيّة مالك لتفريقه اه.
قلْت: ولعلّه إنّما كره ذلك خشية أن يكون ذلك ذريعة إلى تفرّق أجزاء المصحف الواحد فيقع بعضها في يد بعض المسلمين فيظنّ أنّ ذلك الجزء هو القرآن كلّه، ومعنى قول مالك: وقد جمعه الله، أنّ الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بجمعه بعد أن نزل منجّماً، فدلّ ذلك على أنّ الله أراد جمعه فلا يفرّق أجزاء. وقد أجاز فقهاء المذهب تجْزئة القرآن للتعلّم ومسّ جزئه على غير وضوء، ومنه كتابته في الألواح.
وقوله: {وعُلّمتم ما لم تعلموا} في موضع الحال من كلام مقدّر دلّ عليه قوّة الاستفهام لأنّه في قوّة أخبروني، فإنّ الاستفهام يتضمّن معنى الفعل.
ووقوع الاستفهام بالاسم الدّال على طلب تعيين فاعل الإنزالَ يقوّي معنى الفعل في الاستفهام إذ تضمّن اسم الاستفهام فعلاً وفاعلاً مستفهماً عنهما، أي أخبروني عن ذلك وقَد علّمكم الله بالقرآن الّذي أنكرتم كونه من عند الله، احتججتم على إنكار ذلك بنفي أن ينزل الله على بشر شيئاً، ولو أنصفتم لوجدتم وإمارة نزوله من عند الله ثابتة فيه غير محتاج معها للاستدلال عليه. وهذا الخطاب أشدّ انطباقاً على المشركين لأنّهم لم يكونوا عالمين بأخبار الأنبياء وأحوال التّشريع ونظامه فلمّا جاءهم محمّد عليه الصّلاة والسّلام عَلم ذلك من آمَن علماً راسخاً، وعلم ذلك من بقي على كفره بما يحصل لهم من سماع القرآن عند الدّعوة ومن مخالطيهم من المسلمين، وقد وصفهم الله بمثل هذا في آيات أخرى، كقوله تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحِيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} [هود: 49].
ويجوز أن تكون جملة: {وعُلّمتم} عطفاً على جملة: {أنْزَل الكتاب} على اعتبار المعنى كأنّه قيل: وعلّمكم ما لم تعلموا. ووجه بناء فعل {عُلّمتم} للمجهول ظهور الفاعل، ولأنّه سيقول {قُل الله}.
فإذا تأوّلنا الآية بما روي من قصّة مالك بن الصّيف المتقدّمة فالاستفهام بقوله {مَن أنزل الكتاب} تقريري، إمّا لإبطال ظاهر كلامهم من جحد تنزيل كتاب على بشر، على طريقة إفحام المناظر بإبداء ما في كلامه من لوازم الفساد، مثل فساد اطّراد التّعريف أو انعكاسه، وإمّا لإبطال مقصودهم من إنكار رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم بطريقة الإلزام لأنّهم أظهروا أنّ رسالة محمّد عليه الصلاة والسلام كالشيء المحال فقيل لهم على سبيل التّقرير {من أنزل الكتاب الّذي جاء به موسى} ولا يسعهم إلاّ أن يقولوا: الله، فإذا اعترفوا بذلك فالّذي أنزل على موسى كتاباً لم لا ينزل على محمّد مِثله، كما قال تعالى:
{أم يحسدون النّاس على ما آتاهم الله من فضله} [النساء: 54] الآية.
ثمّ على هذا القول تكون قراءة: {تجعلونه قراطيس} بالفوقيّة جارية على الظاهر، وقراءتُه بالتّحتيّة من قبيل الالتفات. ونكتته أنّهم لمّا أخبر عنهم بهذا الفعل الشّنيع جُعلوا كالغائبين عن مقام الخطاب.
والمخاطب بقوله: {وعُلّمتم} على هذا الوجه هم اليهود، فتكون الجملة حالاً من ضمير {تجعلونه}، أي تجعلونه قراطيس تخفون بعضها في حال أنّ الله علّمكم على لسان محمّد ما لم تكونوا تعلمون، ويكون ذلك من تمام الكلام المعترض به.
ويجيء على قراءة {يجعلونه قراطيس} بالتّحتيّة أن يكون الرّجوع إلى الخطاب بعد الغيبة التفاتاً أيضاً. وحسّنه أنّه لمّا أخبر عنهم بشيء حَسن عَادَ إلى مقام الخطاب، أو لأنّ مقام الخطاب أنسب بالامتنان.
واعلم أنّ نظم الآية صالح للردّ على كلا الفريقين مراعاة لمقتضى الروايتين. فعلى الرّواية الأولى فواو الجماعة في «قدروا وقالوا» عائدة إلى ما عاد إليه إشارة هؤلاء، وعلى الرّواية الثّانية فالواو واو الجماعة مستعملة في واحد معيّن على طريقة التّعريض بشخص من باب " مَا بالُ أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله "، وذلك من قبيل عود الضّمير على غير مذكور اعتماداً على أنّه مستحضر في ذهن السامع.
وقوله: {قل الله} جواب الاستفهام التّقريري. وقد تولّى السائل الجواب لنفسه بنفسه لأنّ المسؤول لا يسعه إلاّ أن يجيب بذلك لأنّه لا يقدر أن يكابر، على ما قرّرتُه في تفسير قوله تعالى: {قل لمن ما في السّماوات والأرض قل لله} في هذه السّورة [12].
والمعنى قل الله أنزل الكتاب على موسى. وإذا كان وعُلّمتم ما لم تعلموا} معطوفاً على جملة {أنزل} كان الجواب شاملاً له، أي الله علّمكم ما لم تعلموا فيكون جواباً عن الفعل المسند إلى المجهول بفعل مسند إلى المعلوم على حدّ قول ضرار بن نهشل أو الحارث النهشلي يرثي أخاه يزيد:
ليُبْكَ يزيد ضارع لخصومة *** ومختبط ممّا تُطيح الطَّوائح
كأنّه سئل من يَبكيه فقال: ضارع.
وعطف {ثمّ ذرّهم في خوضهم يلعبون} بثمّ للدّلالة على التّرتيب الرتبي، أي أنّهم لا تنجع فيهم الحجج والأدلّة فَتَرْكُهم وخَوْضهم بعد التّبليغ هو الأولى ولكن الاحتجاج عليهم لتبكيتهم وقطع معاذيرهم.
وقوله: {في خوضهم} متعلّق ب {ذرهم}. وجملة {يلعبون} حال من ضمير الجمع. وتقدّم القول في «ذر» في قوله تعالى: {وذر الّذين اتّخذوا دينهم} [الأنعام: 70].
والخوض تقدّم في قوله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} [الأنعام: 68]. واللّعب تقدّم في {وذر الّذين اتّخذوا دينهم لعباً} في هذه السّورة [70].
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire