samedi 5 juillet 2014

كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***

سورة الذاريات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏
‏{‏وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ‏(‏1‏)‏ فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ‏(‏2‏)‏ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ‏(‏3‏)‏ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ‏(‏4‏)‏ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ‏(‏5‏)‏ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ‏(‏6‏)‏‏}‏
القَسَم المفتتح به مراد منه تحقيق المقسم عليه وتأكيد وقوعه وقد أقسم الله بعظيم من مخلوقاته وهو في المعنى قسم بقدرته وحكمته ومتضمن تشريف تلك المخلوقات بما في أحوالها من نعم ودلالةٍ على الهدى والصلاح، وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله فيما أوجد فيها‏.‏
والمُقْسَم بها الصفات تقتضي موصفاتها، فآل إلى القَسَم بالموصوفات لأجل تلك الصفات العظيمة‏.‏ وفي ذلك إيجاز دقيق، على أن في طي ذكر الموصوفات توفيراً لما تؤذن به الصفات من موصوفات صالحة بها لتذهب أفهام السامعين في تقديرها كل مذهب ممكن‏.‏
وعطف تلك الصفات بالفاء يقتضي تناسبها وتجانسها، فيجوز أن تكون صفات لجنس واحد وهو الغالب في عطف الصفات بالفاء، كقول ابن زيَّابة‏:‏
يا لهف زَيابَةَ للحارث الصَابح فالغانم فالآيب *** ويجوز أن تكون مختلفة الموصوفات إلا أن موصوفاتها متقاربة متجانسة كقول امرئ القيس‏:‏
بسِقط اللِوى بين الدَّخول فَحَوْمَل فتوضح فالمقراة‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** وقول لبيد‏:‏
بمشارق الجبلين أو بمُحجر فتَضَّمنتْها فَردة فرُخَامها فصَوائق إن أيمنت‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** البيت ويكثر ذلك في عطف البقاع المتجاورة، وقد تقدم ذلك في سورة الصافات‏.‏
واختلف أيمة السلف في محمل هذه الأوصاف وموصوفاتها‏.‏ وأشهر ما رُوي عنهم في ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد أن ‏{‏الذاريات‏}‏ الرياح لأنها تذرو التراب، و‏{‏الحاملات وِقْراً‏}‏‏:‏ السحاب، و‏{‏الجاريات‏}‏‏:‏ السفن، و‏{‏المُقسِّمات أمراً‏}‏ الملائكة، وهو يقتضي اختلاف الأجناس المقسم بها‏.‏
وتأويله أن كل معطوففٍ عليه يُسبب ذكر المعطوف لالتقائهما في الجامع الخيالي، فالرياح تذكِّر بالسحاب، وحمل السحاب وِقْرَ الماء يذكر بحمل السفن، والكل يذكر بالملائكة‏.‏ ومن المفسرين من جعل هذه الصفات الأربع وصفاً للرياح قاله في «الكشاف» ونقل بعضه عن الحسن واستحسنه الفخر، وهو الأنسب لعطف الصفات بالفاء‏.‏
فالأحسن أن يُحمل الذرو على نشر قطع السحاب نَشراً يشبه الذرو‏.‏ وحقيقة الذرو رَمي أشياء مجتمعة تُرمى في الهواء لتقع على الأرض مثل الحَب عند الزرع ومثل الصوف وأصله ذرو الرياح التراب فشبه به دفع الريح قطع السحاب حتى تجتمع فتصير سحاباً كاملاً فالذاريات تنشر السحاب ابتداء كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 48‏]‏‏.‏ والذرو وإن كان من صفة الرياح فإنّ كون المذرو سحاباً يؤول إلى أنه من أحوال السحاب وقيل ذروها التراب وذلك قبل نَشرها السحب وهو مقدمة لنشر السحاب‏.‏
ونُصب ‏{‏ذَرْواً‏}‏ على المفعول المطلق لإرادة تفخيمه بالتنوين، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى المفعول، أي المَذْرو، ويكون نصبه على المفعول به‏.‏
و ‏{‏الحاملات وقراً‏}‏ هي الرياح حين تجمع السحاب وقد ثَقُل بالماء، شبه جمعها إياه بالحَمل لأن شأن الشيء الثقيل أن يحمله الحامل، وهذا في معنى قوله تعالى‏:‏
‏{‏ويَجْعَلُه كِسَفاً فترى الودقَ يخرج من خلاله‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 48‏]‏ الآية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وينشئ السحاب الثِّقال‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 12‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ألم تر أن الله يُزْجي سحاباً ثم يُؤَلّف بينه ثم يجعله رُكاماً فترى الودق يخرج من خلاله‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 43‏]‏‏.‏
والوِقر بكسر الواو‏:‏ الشيء الثقيل‏.‏
ويجوز أن تكون الحاملات الأسحبة التي ملئت ببخار الماء الذي يصير مطراً، عطفت بالفاء على الذاريات بمعنى الرياح لأنها ناشئة عنها فكأنها هي‏.‏
و ‏{‏الجاريات يُسْراً‏}‏‏:‏ الرياح تجري بالسحاب بعد تراكمه وقد صار ثقيلاً بماء المطر، فالتقدير‏:‏ فالجاري بذلك الوقر يُسراً‏.‏
ومعنى اليسر‏:‏ اللِين والهُون، أي الجاريات جرياً ليّناً هيّناً شأن السير بالثقل، كما قال الأعشى‏:‏
كأنّ مِشيتها من بيت جارتها مَشيُ السحابة لا رَيثٌ ولا عَجَل *** ف ‏{‏يُسراً‏}‏ وصف لمصدر محذوف نصب على النيابة عن المفعول المطلق‏.‏
و ‏{‏المقسمات أمراً‏}‏ الرياح التي تنتهي بالسحاب إلى الموضع الذي يبلغ عنده نزول ما في السحاب من الماء أو هي السحب التي تُنزل ما فيها من المطر على مواضع مختلفة‏.‏
وإسناد التقسيم إليها على المعنيين مجاز بالمشابهة‏.‏ وروي عن الحسن ‏{‏المقسمات‏}‏ السحب بقَسم الله بها أرزاق العباد» اه‏.‏ يريد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنزلنا من السماء ماء مباركاً‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏رِزقاً للعباد‏}‏ في سورة ق ‏(‏9 11‏)‏‏.‏
ومن رشاقة هذا التفسير أن فيه مناسبة بين المُقْسَم به والمقسم عليه وهو قوله‏:‏ إنما توعدون لصادِق وإن الدين لواقع‏}‏ فإن أحوال الرياح المذكورة هنا مبدؤها‏:‏ نفخ، فتكوين، فإحياء، وكذلك البعث مبدؤه‏:‏ نفخ في الصور، فالتئام أجساد الناس التي كانت معدومة أو متفرقة، فبثُّ الأرواح فيها فإذا هم قيام ينظرون‏.‏ وقد يكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أمراً‏}‏ إشارة إلى ما يقابله في المثال من أسباب الحياة وهو الروح لقوله‏:‏ ‏{‏قل الروح من أمر ربي‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 85‏]‏‏.‏
و ‏(‏مَا‏)‏ من قوله‏:‏ ‏{‏إنما توعدون‏}‏ موصولة، أي إن الذي توعدونه لصادق‏.‏ والخطاب في ‏{‏تُوعدون‏}‏ للمشركين كما هو مقتضى التأكيد بالقسم وكما يقتضيه تعقيبه بقوله‏:‏ ‏{‏إنكم لفي قول مختلف‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 8‏]‏‏.‏
فيتعين أن يكون ‏{‏توعدون‏}‏ مشتقاً من الوعيد الذي ماضيه ‏(‏أوعد‏)‏، وهو يبنى للمجهول فأصل ‏{‏توعدون‏}‏ تُؤَوْعَدون بهمزة مفتوحة بعد تاء المضارعة وواوٍ بعد الهمزة هي عين فعل ‏(‏أوعد‏)‏ وبفتح العين لأجل البناء المجهول فحذفت الهمزة على ما هو المطّرد من حذف همزة أفْعَل في المضارع مثل تُكرمون، وسكنت الواو سكوناً مَيتاً لأجل وقوع الضمة قبلها بعد أن كان سكونها حَيّاً فصار ‏{‏تُوعَدون‏}‏ ووزنه تافعلون‏.‏
والذي أوُعِدوه عذاب الآخرة وعذاب الدنيا مثل الجوع في سني القحط السبع الذي هو دَعوة النبيء صلى الله عليه وسلم عليهم بقوله‏:‏ ‏"‏ اللهمّ اجعلها عليهم سنيناً كسنيننِ يوسف ‏"‏ وهو الذي أشار إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم‏}‏ الآية في سورة الدخان ‏(‏10، 11‏)‏‏.‏ ومثل عذاب السيف والأسر يوم بدر الذي توعدهم الله به في قوله‏:‏ ‏{‏يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون‏}‏
‏[‏الدخان‏:‏ 16‏]‏‏.‏ ويجوز أن يكون توعدون من الوعد، أي الإخبار بشيء يقع في المستقبل مثل قوله‏:‏ ‏{‏إن وعد الله حق‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 33‏]‏ فوزنه تُفْعَلُون‏.‏ والمراد بالوعد الوعد بالبعث‏.‏
ووصف ‏{‏لصادق‏}‏ مجاز عقلي إذ الصادق هو المُوعد به على نحو ‏{‏فهو في عيشة راضية‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 21‏]‏‏.‏
والدين‏:‏ الجزاء‏.‏ والمراد إثبات البعث الذي أنكروه‏.‏
ومعنى ‏{‏لواقع‏}‏ واقع في المستقبل بقرينة جعله مرتباً في الذكر على ما يوعدون وإنما يكون حصول الموعود به في الزمن المستقبل وفي ذكر الجزاء زيادة على الكناية به عن إثبات البعث تعريض بالوعيد على إنكار البعث‏.‏
وكتب في المصاحف ‏{‏إنما‏}‏ متصلةً وهو على غير قياس الرسم المصطلح عليه من بعد لأنهما كلمتان لم تَصيرا كلمة واحدة، بخلاف ‏{‏إنما‏}‏ التي هي للقصر‏.‏ ولم يكن الرسم في زمن كتابة المصاحف في أيام الخليفة عثمان قد بلغ تمام ضبطه‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 9‏]‏
‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ‏(‏7‏)‏ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ‏(‏8‏)‏ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ‏(‏9‏)‏‏}‏
هذا قَسَم أيضاً لتحقيق اضطراب أقوالهم في الطعن في الدين وهو كالتذييل للذي قبله، لأن ما قبله خاص بإثبات الجزاء‏.‏ وهذا يعم إبطال أقوالهم الضالّة فالقسم لتأكيد المقسم عليه لأنهم غير شاعرين بحالهم المقسممِ على وقوعه، ومُتَهالكون على الاستزادة منه، فهم منكرون لما في أقوالهم من اختلاف واضطراب جاهلون به جهلاً مركَّبا والجهل المركب إنكار للعلم الصحيح‏.‏ والقول في القسم ب ‏{‏السماء‏}‏ كالقول في القسم ب ‏{‏الذاريات‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 1‏]‏‏.‏
ومناسبة هذا القسم للمقسم عليه في وصف السماء بأنها ذات حُبُك، أي طرائق لأن المقسم عليه‏:‏ إن قولهم مختلف طرائق قِدداً ولذلك وصف المقسم به ليكون إيماء إلى نوع جواب القسم‏.‏
والحُبك‏:‏ بضمتين جمع حِباك ككِتاب وكُتب ومِثال ومُثُل، أو جمع حبيكة مثل طَريقة وطُرق، وهي مشتقة من الحَبْك بفتح فسكون وهو إجادة النسج وإتقانُ الصنع‏.‏ فيجوز أن يكون المراد بحُبك السماء نُجوْمُها لأنها تشبه الطرائق الموشاة في الثوب المحبوك المتقن‏.‏ وروي عن الحسن وسعيد بن جبير وقيل الحبك‏:‏ طرائق المجرّة التي تبدو ليلاً في قبة الجو‏.‏
وقيل‏:‏ طرائق السحاب‏.‏ وفسر الحبك بإتقان الخلق‏.‏ روي عن ابن عباس وعكرمة وقتادة‏.‏ وهذا يقتضي أنهم جعلوا الحبك مصدراً أو اسم مصدر، ولعله من النادر‏.‏ وإجراء هذا الوصف على السماء إدماج أدمج به الاستدلال على قدرة الله تعالى مع الامتنان بحسن المرأى‏.‏
واعلم أن رواية رويت عن الحسن البصري أنه قرأ ‏{‏الحِبُك‏}‏ بكسر الحاء وضم الباء وهي غير جارية على لغة من لغات العرب‏.‏ وجعل بعض أيمة اللغة الحِبُك شاذاً فالظن أن راويها أخطأ لأن وزن فِعُل بكسر الفاء وضم العين وزن مهمل في لغة العرب كلّهم لشدة ثقل الانتقال من الكسر إلى الضم مما سلمت منه اللغة العربية‏.‏ ووجهت هذه القراءة بأنها من تداخل اللغات وهو توجيه ضعيف لأن إعمال تداخل اللغتين إنما يقبل إذا لم يفض إلى زنة مهجورة لأنها إذا هجرت بالأصالة فهجرها في التداخل أجدر ووجهها أبو حيان باتباع حركة الحاء لحركة تاء ‏{‏ذاتِ‏}‏ وهو أضعف من توجيه تداخل اللغتين فلا جدوى في التكلف‏.‏
والقول المختلف‏:‏ المتناقض الذي يخالف بعضه بعضاً فيقتضي بعضه إبطال بعض الذي هم فيه هو جميع أقوالهم والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك أقوالهم في دين الإشراك فإنها مختلفة مضطربة متناقضة فقالوا القرآنُ‏:‏ سِحْرٌ وشعر، وقالوا ‏{‏أساطير الأولين اكتتبها‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 5‏]‏، وقالوا ‏{‏إنْ هذا إلا اختلاق‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 7‏]‏، وقالوا ‏{‏لو نشاء لقلنا مثل هذا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 31‏]‏ وقالوا‏:‏ مرة ‏{‏في آذاننا وَقْر ومن بيننا وبينك حجاب‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 5‏]‏ وغير ذلك، وقالوا‏:‏ وحي الشياطين‏.‏
وقالوا في الرسول صلى الله عليه وسلم أقوالاً‏:‏ شاعر، ساحر، مجنون، كاهن، يعلمه بشر، بعد أن كانوا يلقبونه الأمين‏.‏
وقالوا في أصول شركهم بتعدد الآلهة مع اعترافهم بأن الله خالق كل شيء وقالوا‏:‏ ‏{‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏، ‏{‏وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 28‏]‏‏.‏
و ‏(‏في‏)‏ للظرفية المجازية وهي شدة الملابسة الشبيهة بملابسة الظرف للمظروف مثل ‏{‏ويُمدهم في طغيانهم يعمهون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏‏.‏
والمقصود بقوله‏:‏ ‏{‏إنكم لفي قول مختلف‏}‏ الكناية عن لازم الاختلاف وهو التردد في الاعتقاد، ويلزمُه بطلان قولهم وذلك مصبّ التأكيد بالقسم وحرف ‏(‏إن‏)‏ واللام‏.‏
و ‏{‏يؤفك‏}‏‏:‏ يصرف‏.‏ والأفك بفتح الهمزة وسكون الفاء‏:‏ الصرف‏.‏ وأكثر ما يستعمل في الصرف عن أمر حسن، قاله مجاهد كما في «اللسان»، وهو ظاهر كلام أيمة اللغة والفراء وشمّر وذلك مدلوله في مواقعه من القرآن‏.‏
وجملة ‏{‏يؤفك عنه من أفك‏}‏ يجوز أن تكون في محل صفة ثانية ل ‏{‏قوللٍ مختلف‏}‏، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله‏:‏ ‏{‏وإن الدين لواقع‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 6‏]‏، فتكون جملة ‏{‏والسماء ذاتتِ الحبك إنكم لفي قول مختلف‏}‏ معترضة بين الجملة البيانية والجملة المبيَّن عنها‏.‏ ثم إن لفظ ‏{‏قول‏}‏ يقتضي شيئاً مقولاً في شأنه فإذ لم يذكر بعد ‏{‏قول‏}‏ ما يدل على مقول صلَح لجميع أقوالهم التي اختلقوها في شأنه للقرآن ودعوة الإسلام كما تقدم‏.‏
فلما جاء ضميرُ غيبة بعد لفظ ‏{‏قول‏}‏ احتمل أن يعود الضمير إلى ‏{‏قولٍ‏}‏ لأنه مذكور، وأن يعود إلى أحوال المقول في شأنه فقيل ضمير ‏{‏عنه‏}‏ عائد إلى ‏{‏قول مختلف‏}‏ وأن معنى ‏{‏يؤفك عنه‏}‏ يصرف بسببه، أي يصرف المصروفون عن الإيمان فتكون ‏(‏عن‏)‏ للتعليل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 53‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة وعدها إياه‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 114‏]‏، وقيل ضمير ‏{‏عنه‏}‏ عائد إلى ‏{‏ما توعدون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 22‏]‏ أو عائد إلى ‏{‏الدين‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 6‏]‏، أي الجزاء أن يؤفك عن الإيمان بالبعث والجزاء من أفك‏.‏ وعن الحسن وقتادة‏:‏ أنه عائد إلى القرآن أو إلى الدين، أي لأنهما مما جرى القول في شأنهما، وحرف ‏(‏عن‏)‏ للمجاوزة‏.‏
وعلى كل فالمراد بقوله ‏{‏من أفك‏}‏ المشركون المصروفون عن التصديق‏.‏ والمراد بالذي فعل الأفك المجهول المشركون الصارفون لقومهم عن الإيمان، وهما الفريقان اللذان تضمنهما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والْغَوْا فيه لعلكم تغلِبُون‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 26‏]‏‏.‏
وإنما حذف فاعل ‏{‏يؤفك‏}‏ وأبهم مفعوله بالموصولية للاستيعاب مع الإيجاز‏.‏
وقد حمَّلهم الله بهاتين الجملتين تبعةَ أنفسهم وتبعة المغرورين بأقوالهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 13‏]‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 11‏]‏
‏{‏قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏
دعاء بالهلاك على أصحاب ذلك القول المختلف لأن المقصود بقتلهم أن الله يهلكهم، ولذلك يكثر أن يقال‏:‏ قاتله الله، ثم أجري مجرى اللعن والتحقير والتعجيب من سوء أحوال المدعو عليه بمثل هذا‏.‏
وجملة الدعاء لا تعطف لأنها شديدة الاتصال بما قبلها مما أوجب ذلك الوصف لدخولهم في هذا الدعاء، كما كان تعقيب الجمل التي قبلها بها إيماء إلى أن ما قبلها سبب للدعاء عليهم، وهذا من بديع الإيجاز‏.‏
والخرص‏:‏ الظن الذي لا حجة لصاحبه على ظنه، فهو معرَّض للخطأ في ظنه، وذلك كناية عن الضلال عمداً أو تساهلاً، فالخرّاصون هم أصحاب القول المختلف، فأفاد أن قولهم المختلف ناشئ عن خواطر لا دليل عليها‏.‏ وقد تقدم في الأنعام ‏(‏116‏)‏ ‏{‏إن يتّبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون‏}‏ فالمراد هنا الخرص بالقول في ذات الله وصفاته‏.‏
واعلم أن الخرص في أصول الاعتقاد مذموم لأنها لا تبنى إلا على اليقين لخطر أمرها وهو أصل محل الذم في هذه الآية‏.‏ وأما الخرص في المعاملات بين الناس فلا يذم هذا الذّمَّ وبعضه مذموم إذا أدى إلى المخاطرة والمقامرة‏.‏ وقد أذن في بعض الخرص للحاجة‏.‏ ففي الموطأ‏}‏ عن زيد بن ثابت وأبي هريرة «أن النبيء صلى الله عليه وسلم رخّص في بيع العرايا بخرصها» يعني في بيع ثمرة النخلات المعطاة على وجهة العَريَّة وهي هبة مالك النخل ثمر بعض نخله لشخص لسنة معينة فإن الأصل أن يقبِض ثمرتها عند جذاذ النخل فإذا بَدَا لصاحب الحائط شراءُ تلك الثمرة قبل طيبها رخص أن يبيعها المُعْرَى ‏(‏بالفتح‏)‏ للمُعْرِي بالكسر إذا أراد المعري ذلك فيخرص ما تحمِله النخلات من الثمر على أن يعطيه عند الجذاذِ ما يساوي ذلك المخروص إذا لم يكن كثيراً وحُدد بخمسة أوسق فأقل ليدفع صاحب النخل عن نفسه تطرق غيره لحائطه، وذلك لأن أصلها عطية فلم يدخل إضرار على المُعرِي من ذلك‏.‏
والغمرة‏:‏ المرة من الغمر، وهو الإحاة ويفسرها ما تضاف إليه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 93‏]‏ فإذا لم تقيد بإضافة فإن تعيينها بحسب المقام كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فذرهم في غمرتهم حتى حين‏}‏ في سورة المؤمنين ‏(‏54‏)‏‏.‏ والمراد‏:‏ في شغل، أي مَا يشغلهم من معاداة الإسلام شغلاً لا يستطيعون معه أن يتدبروا في دعوة النبيء‏.‏
والسهو‏:‏ الغفلة‏.‏ والمراد أنهم معرِضون إعراضاً كإعراض الغافل وما هم بغافلين فإن دعوة القرآن تقرع أسماعهم كل حين واستعمال مادة السهو في هذا المعنى نظير استعمالها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين هم عن صلاتهم ساهون‏}‏ ‏[‏الماعون‏:‏ 5‏]‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 14‏]‏
‏{‏يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏12‏)‏ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ‏(‏13‏)‏ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏
هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير ‏{‏الخراصون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 10‏]‏ وأن تكون استئنافاً بيانياً ناشئاً عن جملة ‏{‏قتل الخراصون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 10‏]‏ لأن جملة ‏{‏قتل الخراصون‏}‏ أفادت تعجيباً من سوء عقولهم وأحْوالهم فهو مثار سؤال في نفس السامع يتطلب البيان، فأجيب بأنهم يسألون عن يوم الدين سؤال متهكمين، يعنون أنه لا وقوع ليوم الدين كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عمّ يتساءلون * عن النبأ العظيم * الذي هم فيه مختلفون‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 1 3‏]‏‏.‏
و ‏{‏أيّان يوم الدين‏}‏ مقول قول محذوف دلّ عليه ‏{‏يسألون‏}‏ لأن في فعل السؤال معنى القول‏.‏ فتقدير الكلام‏:‏ يقولون‏:‏ أيان يوم الدين‏.‏ ولك أن تجعل جملة ‏{‏أيان يوم الدين‏}‏ بدلاً من جملة ‏{‏يسألون‏}‏ لتفصيل إجماله وهو من نوع البدل المطابق‏.‏ و‏{‏أيّان‏}‏ اسم استفهام عن زمان فعل وهو في محل نصب مبنيّ على الفتح، أي متى يوم الدين، ويوم الدين زمان فالسؤال عن زمانه آيل إلى السؤال باعتبار وقوعه، فالتقدير‏:‏ أيان وقوع يوم الدين، أو حلوله، كما تقول‏:‏ متى يوم رمَضان أي متى ثبوته لأن أسماء الزمان حقها أن تقع ظروفاً للأحداث لا للأزمنة‏.‏
وجملة ‏{‏يوم هم على النار يفتنون‏}‏ جواب لسؤالهم جرى على الأسلوب الحكيم من تلقي السائل بغير ما يتطلب إذ هم حين قالوا‏:‏ أيّان يوم الدين، أرادوا التهكم والإحالة فتُلقِّي كلامُهم بغير مرادهم لأن في الجواب ما يشفي وقع تهكمهم على طريقة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيتُ للناس والحج‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 189‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ يوم الدين يقع يوم تُصْلَوْن النار ويقال لكم‏:‏ ذوقوا فتنتكم‏.‏
وانتصب ‏{‏يوم هم على النار يفتنون‏}‏ على الظرفية وهو خبر عن مبتدأ محذوف دل عليه السؤال عنه بقولهم‏:‏ أيام يوم الدين‏.‏ والتقدير‏:‏ يومُ الدين يومَ هم على النار يفتنون‏.‏
والفَتْن‏:‏ التعذيب والتحريق، أي يوم هم يعذبون على نار جهنم وأصل الفَتْن الاختيار‏.‏ وشاع إطلاقه على معان منها إذابة الذهب على النار في البُوتَقة لاختيار ما فيه من معدن غيرِ ذهب، ولا يذاب إلا بحرارة نار شديدة فهو هنا كناية عن الإحراق الشديد‏.‏
وجملة ‏{‏ذوقوا فتنتكم‏}‏ مقول قول محذوف دل عليه الخطاب، أي يقال لهم حينئذٍ، أو مقولاً لهم ذوقوا فتنتكم، أي عذابكم‏.‏ والأمر في قوله‏:‏ ‏{‏ذوقوا‏}‏ مستعمل في التنكيل‏.‏
والذوق‏:‏ مستعار للإحساس القوي لأن اللسان أشد الأعضاء إحساساً‏.‏
وإضافة فتنة إلى ضمير المخاطبين يومئذ من إضافة المصدر إلى مفعوله‏.‏ وفي الإضافة دلالة على اختصاصها لهم لأنهم استحقوها بكفرهم، ويجوز أن تكون الإضافة من إضافة المصدر إلى فاعله‏.‏ والمعنى‏:‏ ذوقوا جزاء فتنتكم‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ أي تكذيبكم‏.‏ ويقوم من هذا الوجه أن يجعل الكلام موجَّهاً بتذكير المخاطبين في ذلك اليوم ما كانوا يفتنون به المؤمنين من التعذيب مثل ما فتنوا بلالاً وخَبَّاباً وعَماراً وشميسة وغيرهم، أي هذا جزاء فتنتكم‏.‏
وجعل المذوق فتنتهم إظهاراً لكونه جزاء عن فتنتهم المؤمنين ليزدادوا ندامة قال تعالى موعداً إياهم ‏{‏إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 10‏]‏‏.‏
وإطلاق اسم العمل على جزائه وارد في القرآن كثيراً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتجعلون رزقكم أنكم تُكذّبون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 82‏]‏ أي تجعلون جزاء رزق الله إياكم أنكم تُكذّبون وحدانيته‏.‏
والإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏هذا الذي كنتم به تستعجلون‏}‏ إلى الشيء الحاضر نصب أعينهم، وهكذا الشأن في مثله تذكير اسم الإشارة كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنها بقرة لا فارض ولا بِكْر عَوَانٌ بين ذلك‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏68‏)‏‏.‏
ومعنى ‏{‏كنتم به تستعجلون‏}‏ كنتم تطلبون تعجيله فالسين والتاء للطلب، أي كنتم في الدنيا تسألون تعجيله وهو طلب يريدون به أن ذلك محال غير واقع‏.‏ وأقوالهم في هذا كثيرة حكاها القرآن كقوله‏:‏ ‏{‏ويقولون متى هذ الوعد إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 25‏]‏‏.‏
والجملة استئناف في مقام التوبيخ وتعديد المجارم، كما يقال للمجرم‏:‏ فعلت كذا، وهي من مقول القول‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 19‏]‏
‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ‏(‏15‏)‏ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ‏(‏16‏)‏ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ‏(‏17‏)‏ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ‏(‏18‏)‏ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ‏(‏19‏)‏‏}‏
اعتراض قَابل به حال المؤمنين في يوم الدين جرى على عادة القرآن في اتباع النِّذارة بالبشارة، والترهيب بالترغيب‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إن المتقين في جنات وعيون‏}‏ نظير قوله في سورة الدخان ‏(‏51، 52‏)‏ ‏{‏إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون‏}‏ وجمع ‏{‏جنات‏}‏ باعتبار جمع المتقين وهي جنات كثيرة مختلفة وفي الحديث‏:‏ «إنها لِجِنان كثيرة، وإنه لفي الفردوس» وتنكير ‏{‏جنات‏}‏ للتعظيم‏.‏
ومعنى ‏{‏آخذين ما آتاهم ربهم‏}‏‏:‏ أنهم قابلون ما أعطاهم، أي راضون به فالأخذ مستعمل في صريحه وكنايته كناية رمزية عن كون ما يؤتَوْنه أكمل في جنسه لأن مدارك الجماعات تختلف في الاستجادة حتى تبلغ نهاية الجودة فيستوي الناس في استجادته، وهي كناية تلويحية‏.‏ وأيضاً فالأخذ مستعمل في حقيقته ومجازه لأن ما يؤتيهم الله بعضهم مما يُتناول باليد كالفواكه والشراب والرياحين، وبعضه لا يتناول باليد كالمناظِر الجميلة والأصوات الرقيقة والكرامة والرضوان وذلك أكثر من الأول‏.‏
فإطلاق الأخذ على ذلك استعارة بتشبيه المعقول بالمحسوس كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُذوا ما آتيناكم بقوة‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏63‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وأمرْ قَومَك يأخذوا بأحسنها‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏145‏)‏‏.‏
فاجتمع في لفظ ‏{‏آخذين‏}‏ كنايتان ومجاز‏.‏ روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله تعالى يقول‏:‏ يا أهل الجنة‏.‏ فيقولون‏:‏ لبيك ربنا وسعديك والخيرُ في يديك‏.‏ فيقول‏:‏ هل رضيتم‏؟‏ فيقولون‏:‏ وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول‏:‏ ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك فيقولون‏:‏ وأي شيء أفضل من ذلك‏؟‏ فيقول‏:‏ أحُلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً»‏.‏ وفي إيثار التعبير عن الجلالة بوصف ‏(‏ربّ‏)‏ مضاففٍ إلى ضمير المتقين معنى من اختصاصهم بالكرامة والإيماء إلى أن سبب ما آتاهم هو إيمانهم بربوبيته المختصة بهم وهي المطابقة لصفات الله تعالى في نفس الأمر‏.‏
وجملة ‏{‏إنهم كانوا قبل ذلك محسنين‏}‏ تعليل لجملة ‏{‏إن المتقين في جنات وعيون‏}‏، أي كان ذلك جزاء لهم عن إحسانهم كما قيل للمشركين ‏{‏ذوقوا فتنتكم‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 14‏]‏‏.‏ والمحسنون‏:‏ فاعلو الحسنات وهي الطاعات‏.‏
وفائدة الظرف في قوله‏:‏ ‏{‏قبلَ ذلك‏}‏ أن يؤتى بالإشارة إلى ما ذكر من الجنات والعيون وما آتاهم ربهم مما لا عين رأتْ ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيحصل بسبب تلك الإشارة تعظيم شأن المشار إليه، ثم يفاد بقوله ‏{‏قبل ذلك‏}‏، أي قبل التنعم به أنهم كانوا محسنين، أي عاملين الحسنات كما فسره قوله‏:‏ ‏{‏كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون‏}‏ الآية‏.‏ فالمعنى‏:‏ أنهم كانوا في الدنيا مطيعين لله تعالى واثقين بوعده ولم يروه‏.‏
وجملة ‏{‏كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون‏}‏ بدل من جملة ‏{‏كانوا قبل ذلك محسنين‏}‏ بدل بعض من كل لأن هذه الخصال الثلاث هي بعض من الإحسان في العمل‏.‏
وهذا كالمثال لأعظم إحسانهم فإن ما ذكر من أعمالهم دال على شدة طاعتهم لله ابتغاء مرضاته ببذل أشد ما يبذل على النفس وهو شيئان
أولهما‏:‏ راحة النفس في وقت اشتداد حاجتها إلى الراحة وهو الليل كله وخاصة آخره، إذ يكون فيه قائم الليل قد تعب واشتد طلبه للراحة‏.‏
وثانيهما‏:‏ المال الذي تشحّ به النفوس غالباً، وقد تضمنت هذه الأعمال الأربعة أصلَي إصلاح النفس وإصلاح الناس‏.‏ وذلك جماع ما يرمي إليه التكليف من الأعمال فإن صلاح النفس تزكية الباطن والظاهر ففي قيام الليل إشارة إلى تزكية النفس باستجلاب رضى الله تعالى‏.‏ وفي الاستغفار تزكية الظاهر بالأقوال الطيبة الجالبة لمرضاة الله عز وجل‏.‏
وفي جعلهم الحق في أموالهم للسائلين نفع ظاهر للمحتاج المظهر لحاجته‏.‏ وفي جعلهم الحق للمَحروم نفع المحتاج المتعفّف عن إظهار حاجته الصابر على شدة الاحتياج‏.‏
وحرف ‏{‏ما‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏قليلاً من الليل ما يهجعون‏}‏ مزيد للتأكيد‏.‏ وشاعت زيادة ‏{‏ما‏}‏ بعد اسم ‏(‏قليل‏)‏ و‏(‏كثير‏)‏ وبعد فعل ‏(‏قل‏)‏ و‏(‏كثر‏)‏ و‏(‏طال‏)‏‏.‏
والمعنى‏:‏ كانوا يهجعون قليلاً من الليل‏.‏ وليست ‏{‏ما‏}‏ نافية‏.‏
والهجوع‏:‏ النوم الخفيف وهو الغِرار‏.‏
ودلت الآية على أنهم كانوا يهجعون قليلاً من الليل وذلك اقتداء بأمر الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏{‏قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 2 4‏]‏ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بذلك كما في حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص «أن رسول الله قال له‏:‏ لم أُخْبَر أنك تقوم الليل وتصوم النهار قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ لا تفعل إنك إن فعلت ذلك نفِهت النفس وهَجمت العين‏.‏ وقال له‏:‏ قم ونَم، فإن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً»‏.‏ وقد اشتملت هذه الجملة على خصائص من البلاغة‏:‏
أولاها‏:‏ فعل الكون في قوله‏:‏ ‏{‏كانوا‏}‏ الدال على أن خبرها سُنَّة متقررة‏.‏
الثاني‏:‏ العدول عن أن يقال‏:‏ كانوا يقيمون الليل، أو كانوا يُصَلُّون في جوف الليل، إلى قوله‏:‏ ‏{‏قليلاً من الليل ما يهجعون‏}‏ لأن في ذكر الهجوع تذكيراً بالحالة التي تميل إليها النفوس فتغلبها وتصرفها عن ذكر الله تعالى وهو من قبيل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تتجافى جنوبهم عن المضاجع‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 16‏]‏، فكان في الآية إطناب اقتضاه تصوير تلك الحالة، والبليغ قد يورد في كلامه ما لا تتوقف عليه استفادة المعنى إذا كان يرمي بذلك إلى تحصيل صور الألفاظ المزيدة‏.‏
الثالث‏:‏ التصريح بقوله‏:‏ ‏{‏من الليل‏}‏ للتذكير بأنهم تركوا النوم في الوقت الذي من شأنه استدعاء النفوس للنوم فيه زيادةً في تصوير جلال قيامهم الليل وإلا فإن قوله‏:‏ ‏{‏كانوا قليلاً ما يهجعون‏}‏ يفيد أنه من الليل‏.‏
الرابع‏:‏ تقييد الهجوع بالقليل للإشارة إلى أنهم لا يستكملون منتهى حقيقة الهجوع بل يأخذون منه قليلاً‏.‏
وهذه الخصوصية فاتت أبا قيس بن الأسلت في قوله‏:‏
قد حَصت البيضة راسِي فمَا *** أطعَم نوماً غير تَهْجاع
الخامس‏:‏ المبالغة في تقليل هجوعهم لإفادة أنه أقل ما يُهجَهُه الهاجع‏.‏
وانتصب ‏{‏قليلاً‏}‏ على الظرف لأنه وُصف بالزمان بقوله‏:‏ ‏{‏من الليل‏}‏‏.‏ والتقدير‏:‏ زمناً قليلاً من الليل، والعامل في الظرف ‏{‏يَهجعون‏}‏‏.‏ و‏{‏من الليل‏}‏ تبعيض‏.‏
ثم أتبع ذلك بأنهم يستغفرون في السحر، أي فإذا آذن الليل بالانصرام سألوا الله أن يغفر لهم بعد أن قدّموا من التهجد ما يرجون أن يزلفهم إلى رضى الله تعالى‏.‏ وهذا دل على أن هجوعهم الذي يكون في خلال الليل قبل السحر‏.‏ فأما في السحر فهم يتهجدون، ولذلك فسر ابن عمر ومجاهد الاستغفار بالصلاة في السحر‏.‏ وهذا نظير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمستغفرين بالأسحار‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 17‏]‏، وليس المقصود طلب الغفران بمجرد اللسان ولو كان المستغفر في مضجعه إذ لا تظهر حينئذٍ مزية لتقييد الاستغفار بالكون في الأسحار‏.‏
والأسحار‏:‏ جمع سحر وهو آخر الليل‏.‏ وخص هذا الوقت لكونه يكثر فيه أن يغلب النوم على الإنسان فيه فصلاتهم واستغفارهم فيه أعجب من صلاتهم في أجزاء الليل الأخرى‏.‏ وجَمْع الأسحار باعتبار تكرر قيامهم في كل سحر‏.‏
وتقديم ‏{‏بالأسحار‏}‏ على ‏{‏يستغفرون‏}‏ للاهتمام به كما علمت‏.‏
وصيغ استغفارهم بأسلوب إظهار اسم المسند إليه دُون ضميره لقصد إظهار الاعتناء بهم وليقع الإخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي فيفيد تقوّي الخبر لأنه من الندّرة بحيث يقتضي التقوية لأن الاستغفار في السحر يشقّ على من يقوم الليل لأن ذلك وقت إعيائه‏.‏ فهذا الإسناد على طريقة قولهم‏:‏ هو يعطي الجزيل‏.‏
وحق السائل والمحروم‏:‏ هو النصيب الذي يعطُونه إياهما، أطلق عليه لفظ الحق، إمّا لأن الله أوجب على المسلمين الصدقة بما تيسَّر قبل أن يفرض عليهم الزكاة فإن الزكاة فرضت بعد الهجرة فصارت الصدقة حقا للسائل والمحروم، أو لأنهم ألزموا ذلك أنفسهم حتى صار كالحق للسائل والمحروم‏.‏ وبذلك يتأوَّل قول من قال‏:‏ إن هذا الحق هو الزكاة‏.‏
والسائل‏:‏ الفقير المظهر فقره فهو يسأل الناس، والمحروم‏:‏ الفقير الذي لا يُعطَى الصدقة لظن الناس أنه غير محتاج من تعففه عن إظهار الفقر، وهو الصنف الذي قال الله تعالى في شأنهم ‏{‏يحسبهم الجاهلُ أغنياء من التعفّف‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 273‏]‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيي ولا يسأل الناس إلحافاً»‏.‏ وإطلاق اسم المحروم ليس حقيقة لأنه لم يَسأل الناس ويحرموه ولكن لما كان مآل أمره إلى ما يؤول إليه أمر المحروم أطلق عليه لفظ المحروم تشبيهاً به في أنه لا تصل إليه ممكنات الرزق بعد قربها منه فكأنه ناله حرمان‏.‏
والمقصود من هذه الاستعارة ترقيق النفوس عليه وحثّ الناس على البحث عنه ليضعوا صدقاتهم في موضع يحب الله وضعها فيه ونظيرها في سورة المعارج‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ واختلف الناس في ‏{‏المحروم‏}‏ اختلافاً هو عندي تخليط من المتأخرين إذ المعنى واحد عبر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات فجعلها المتأخرون أقوالاً‏.‏ قلت ذكر القرطبي أحد عشر قولاً كلها أمثلة لمعنى الحرمان، وهي متفاوتة في القرب من سياق الآية فما صلح منها لأن يكون مثالاً للغرض قُبل وما لم يصلح فهو مردود، مثل تفسير من فسر المحروم بالكلب‏.‏ وفي «تفسير ابن عطية» عن الشعبي‏:‏ أعياني أن أعلم ما المحروم‏.‏ وزاد القرطبي في رواية عن الشعبي قال‏:‏ لي اليوم سبعون سنة منذ احتملت أسأل عن المحروم فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذٍ‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏
‏{‏وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ‏(‏20‏)‏‏}‏
هذا متصل بالقَسَم وجوابه من قوله‏:‏ ‏{‏والذاريات‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 1‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإن الدين لواقع‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏والسماء ذات الحبك‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 6، 7‏]‏ فبعد أن حقق وقوع البعث بتأكيده بالقسم انتقل إلى تقريبه بالدليل لإبطال إحالتهم إياه، فيكون هذا الاستدلال كقوله‏:‏ ‏{‏ومن آياته أنك تَرى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربَتْ إن الذي أحياها لمُحيي الموتى‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 39‏]‏‏.‏ وما بين هاتين الجملتين اعتراض، فجملة ‏{‏وفي الأرض آيات للموقنين‏}‏ يجوز أن تكون معطوفة على جملة جواب القسم وهي ‏{‏إن ما تُوعدون لصادق‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 5‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ وفي ما يشاهد من أحوال الأرض آيات للموقنين وهي الأحوال الدالة على إيجاد موجودات بعد إعدام أمثالها وأصولها مثل إنبات الزرع الجديد بعد أن بَاد الذي قبله وصار هشيماً‏.‏ وهذه دلائل واضحة متكررة لا تحتاج إلى غوص الفكر فلذلك لم تقرن هذه الآيات بما يدعو إلى التفكر كما قرن قوله‏:‏ ‏{‏وفي أنفسكم أفلا تبصرون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 21‏]‏‏.‏
واعلم أن الآيات المرموقة من أحوال الأرض صالحة للدلالة أيضاً على تفرده تعالى بالإلهية في كيفية خلقها ودحْوها للحيوان والإنسان، وكيف قسمت إلى سهل وجبال وبحر، ونظام إنباتها الزرع والشجر، وما يخرج من ذلك من منافع للناس، ولهذا حذف تقييد آيات بمتعلِّق ليعمّ كل ما تصلح الآيات التي في الأرض أن تدل عليه‏.‏ وتقديم الخبر في قوله‏:‏ ‏{‏وفي الأرض‏}‏ للاهتمام والتشويق إلى ذكر المبتدأ‏.‏
واللام في ‏{‏للموقنين‏}‏ معلق ب ‏{‏آيات‏}‏‏.‏ وخصت الآيات ب ‏{‏الموقنين‏}‏ لأنهم الذين انتفعوا بدلالتها فأكسبتهم الإيقان بوقوع البعث‏.‏ وأوثر وصف الموقنين هنا دون الذين أيقنوا لإفادة أنهم عرفوا بالإيقان‏.‏ وهذا الوصف يقتضي مدحهم بثقوب الفهم لأن الإيقان لا يكون إلا عن دليل ودلائل هذا الأمر نظرية‏.‏ ومَدْحَهم أيضاً بالإنصاف وترك المكابرة لأن أكثر المنكرين للحق تحملهم المكابرة أو الحسد على إنكار حق من يتوجّسون منه أن يقضي على منافعهم‏.‏ وتقديم ‏{‏في الأرض‏}‏ على المبتدأ للاهتمام بالأرض باعتبارها آيات كثيرة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏
‏{‏وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏
عطف على ‏{‏في الأرض‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 20‏]‏‏.‏ فالتقدير‏:‏ وفي أنفسكم آيات أفلا تبصرون‏.‏ تفريعاً على هذه الجملة المعطوفة فيقدر الوقف على ‏{‏أنفسكم‏}‏‏.‏ وليس المجرور متعلقاً ب ‏{‏تبصرون‏}‏ متقدماً عليه لأن وجود الفاء مانع من ذلك إذ يصير الكلام معطوفاً بحرفين‏.‏ والخطاب موجه إلى المشركين‏.‏ والاستفهام إنكاري، أنكر عليهم عدم الإبصار للآيات‏.‏ والإبصار مستِعار للتدبر والتفكر، أي كيف تتركون النظر في آيات كائنة في أنفسكم‏.‏
وتقديم ‏{‏في أنفسكم‏}‏ على متعلقه للاهتمام بالنظر في خلق أنفسهم وللرعاية على الفاصلة‏.‏
والمعنى‏:‏ ألا تتفكرون في خلق أنفسكم‏:‏ كيف أنشأكم الله من ماء وكيف خلقكم أطواراً، أليس كل طور هو إيجادَ خلق لم يكن موجوداً قبل‏.‏ فالموجود في الصبي لم يكن موجوداً فيه حين كان جنيناً‏.‏ والموجود في الكهل لم يكن فيه حين كان غلاماً وما هي عند التأمل إلا مخلوقات مستجدة كانت معدومة فكذلك إنهاء الخلق بعد الموت‏.‏
وهذا التكوين العجيب كما يدل على إمكان الإيجاد بعد الموت يدل على تفرّد مكونة تعالى بالإلهية إذ لا يقدر على إيجادِ مثللِ الإنسان غيرُ الله تعالى فإن بَواطن أحوال الإنسان وظواهرها عجائِب من الانتظام والتناسب وأعجبها خلق العقل وحركاته واستخراج المعاني وخلق النطق والإهام إلى اللغة وخلق الحواس وحركة الدورة الدموية وانتساق الأعضاء الرئيسة وتفاعلها وتسوية المفاصل والعضلات والأعصاب والشرايين وحالها بين الارتخاء واليبس فإنه إذا غلب عليها التيبس جاء العجز وإذا غلب الارتخاء جاء الموت‏.‏ والخطاب للذين خوطبوا بقوله أول السورة ‏{‏إن ما تُوعَدُون لصادق‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 5‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏
‏{‏وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏
بعد أن ذكر دلائل الأرض ودلائل الأنفس التي هم من علائِق الأرض عُطف ذكر السماء للمناسبة، وتمهيداً للقَسم الذي بعده بقوله‏:‏ ‏{‏فوربِّ السماء والأرض إنه لحق‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 23‏]‏‏.‏ ولما في السماء من آية المطر الذي به تنبت الأرض بعد الجفاف، فالمعنى‏:‏ وفي السماء آية المطر، فعدل عن ذكر المطر إلى الرزق إدماجاً للامتنان في الاستدلال فإن الدليل في كونه مطراً يحيي الأرض بعد موتها‏.‏ وهذا قياس تمثيل للنبت، أي في السماء المطر الذي ترزقون بسببه‏.‏
فالرزق‏:‏ هو المطر الذي تحمله السحب والسماء هنا‏:‏ طبقات الجو‏.‏ وتقديم المجرور على متعلقه للتشويق وللاهتمام بالمكان وللردّ على الفاصلة‏.‏
وعَطف ‏{‏وما توعدون‏}‏ إدماج بين أدلة إثبات البعث لقصد الموعظة الشاملة للوعيد على الإشراك والوعد على الإيمان إن آمنوا تعجيلاً بالموعظة عند سنوح فرصتها‏.‏
وفي إيثار صيغة ‏{‏تُوعَدون‏}‏ خصوصية من خصائص إعجاز القرآن، فإن هذه الصيغة صالحة لأن تكون مصوغة من الوعد فيكون وزن ‏{‏توعدون‏}‏ تفعلون مضارع وعَد مبنياً للنائب‏.‏ وأصله قبل البناء للنائب تَعدون وأصله تَوْعَدُون، فلما بني للنائب ضُمّ حرف المضارعة فصارت الواو الساكنة مَدة مجانسة للضمة فصار‏:‏ تُوعدون‏.‏ وصالحة لأن تكون من الإيعاد ووَزنه تأفْعَلُون مثل تصريف أكرم يكرم وبذلك صار ‏{‏توعدون‏}‏ مثل تُكرمَون، فاحتملت للبشارة والإنذار‏.‏
وكون ذلك في السماء يجوز أن يكون معناه أنه محقق في علم أهل السماء، أي الملائكة الموكلين بتصريفه‏.‏ ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ أن مَكان حصوله في السماء، من جنة أو جهنم بناء على أن الجنة وجهنم موجودتان من قبل يوم القيامة، وفي ذلك اختلاف لا حاجة إلى ذكره‏.‏ وفيه إيماء إلى أن ما أوعدوه يأتيهم من قِبَل السماء كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 10، 11‏]‏‏.‏ فإن ذلك الدخان كان في طبقات الجو كما تقدم في سورة الدخان‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏
‏{‏فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏
بعد أن أكد الكلام بالقسم ب ‏{‏الذاريات‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 1‏]‏ وما عطف عليها فرع على ذلك زيادة تأكيد بالقسم بخالق السماء والأرض على أن ما يوعدون حق فهو عطف على الكلام السابق ومناسبته قوله‏:‏ ‏{‏وما توعدون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 22‏]‏‏.‏
وإظهار اسم السماء والأرض دون ذكر ضميرهما لإدخال المهابة في نفوس السامعين بعظمة الربّ سبحانه‏.‏
وضمير ‏{‏إنه لحقّ‏}‏ عائد إلى ‏{‏ما توعدون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 22‏]‏‏.‏ وهذا من ردّ العجز على المصدر لأنه رد على قوله أول السورة ‏{‏إن ما توعدون لصادق‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 5‏]‏ وانتهى الغرض‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏مثل ما أنكم تنطقون‏}‏ زيادة تقرير لوقوع ما أوعدوه بأن شبه بشيء معلوم كالضرورة لا امتراء في وقوعه وهو كون المخاطبين ينطقون‏.‏ وهذا نظير قولهم‏:‏ كما أن قبلَ اليوم أمس، أو كما أن بعد اليوم غداً‏.‏ وهو من التمثيل بالأمور المحسوسة، ومنه تمثيل سرعة الوصول لقرب المكان في قول زهير‏:‏
فهن ووادِي الرسّ كاليد للفم *** وقولهم‏:‏ مثل ما أنك ها هنا، وقولهم‏:‏ كما أنك ترى وتسمع‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏مثلَ‏}‏ بالنصب على أنه صفة حال محذوف قصد منه التأكيد‏.‏ والتقدير‏:‏ إنه لحق حقاً مثل ما أنكم تنطقون‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف مرفوعاً على الصفة ‏{‏لحق‏}‏ صفة أريد بها التشبيه‏.‏
و ‏{‏ما‏}‏ الواقعة بعد ‏{‏مثل‏}‏ زائدة للتوكيد‏.‏ وأردفت ب ‏(‏أنَّ‏)‏ المفيدة للتأكيد تقوية لتحقيق حقية ما يوعدون‏.‏
واجتلب المضارع في ‏{‏تنطقون‏}‏ دون أن يقال‏:‏ نطقكم، يفيد التشبيه بنطقهم المتجدد وهو أقوى في الوقوع لأنه محسوس‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 30‏]‏
‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ‏(‏24‏)‏ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ‏(‏25‏)‏ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ‏(‏26‏)‏ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ‏(‏27‏)‏ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ‏(‏28‏)‏ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ‏(‏29‏)‏ قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ‏(‏30‏)‏‏}‏
انتقال من الإنذار والموعظة والاستدلال إلى الاعتبار بأحوال الأمم الماضية المماثلة للمخاطبين المشركين في الكفر وتكذيب الرسل‏.‏ والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وغيّر أسلوب الكلام من خطاب المنذرين مواجهة إلى أسلوب التعريض تفنناً بذكر قصة إبراهيم لتكون توطئة للمقصود من ذكر ما حلّ بقوم لوط حين كذبوا رسولهم، فالمقصود هو ما بعد قوله ‏{‏قال فما خطبكم أيها المرسلون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 57‏]‏‏.‏
وكان في الابتداء بذكر قوم لوط في هذه الآية على خلاف الترتيب الذي جرى عليه اصطلاح القرآن في ترتيب قصص الأمم المكذبة بابتدائها بقوم نوح ثم عاد ثم ثمود ثم قوم لوط أن المناسبة للانتقال من وعيد المشركين إلى العبرة بالأمم الماضية أن المشركين وصفوا آنفاً بأنهم في غمرة ساهون فكانوا في تلك الغمرة أشبه بقوم لوط إذ قال الله فيهم ‏{‏لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 72‏]‏، ولأن العذاب الذي عذب به قوم لوط كان حجارة أنزلت عليهم من السماء مشبهة بالمطر‏.‏ وقد سميت مطراً في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطرَ السوء‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 40‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 82‏]‏ ولأن في قصة حضور الملائكة عند إبراهيم وزوجه عبرة بإمكان البعث فقد تضمنت بشارتها بمولود يولد لها بعد اليأس من الولادة وذلك مثل البعث بالحياة بعد الممات‏.‏
ولمّا وجه الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏{‏هل أتاك‏}‏ عُرف أن المقصود الأصلي تسليته على ما لقيه من تكذيب قومه‏.‏ ويتبع ذلك تعريض بالسامعين حين يُقرأ عليهم القرآن أو يبلغهم بأنهم صائرون إلى مثِل ذلك العذاب لاتحاد الأسباب‏.‏
وتقدم القول في نظير ‏{‏هل أتاك حديث‏}‏ عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهل أتاك نبؤا الخصم‏}‏ في سورة ص ‏(‏21‏)‏، وأنه يفتتح به الأخبار الفخمة المهمة‏.‏
والضيف‏:‏ اسم يقال للواحد وللجمع لأن أصله مصدر ضَاف، إذا مال فأطلق على الذي يميل إلى بيت أحد لينزل عنده‏.‏ ثم صار اسماً فإذا لوحظ أصله أطلق على الواحد وغيره ولم يؤنثوه ولا يجمعونه وإذا لوحظ الاسم جمعوه للجماعة وأنثوه للأنثى فقالوا أضيافٌ وضيوف وامرأة ضيفة وهو هنا اسم جمع ولذلك وصف بالمكْرمين‏}‏، وتقدم في سورة الحجر ‏(‏68‏)‏ ‏{‏قال إن هؤلاء ضيفي‏}‏ والمعنيّ به الملائكة الذي أظهرهم الله لإبراهيم عليه السلام فأخبروه بأنهم مرسلون من الله لتنفيذ العذاب لقوم لوط وسماهم الله ضيفاً نظراً لصورة مجيئهم في هيئة الضيف كما سمى الملكين الذين جاءا داود خصماً في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهل أتاك نبؤا الخصم‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 21‏]‏، وذلك من الاستعارة الصورية‏.‏
وفي سفر التكوين من التوراة‏:‏ أنهم كانوا ثلاثة‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ أنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل‏.‏ وعن عطاء‏:‏ جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر‏.‏
ولعل سبب إرسال ثلاثة ليقع تشكُّلهم في شكل الرجال لما تعارفه الناس في أسفارهم أن لا يقلّ ركب المسافرين عن ثلاثة رفاققٍ‏.‏
وذلك أصل جريان المخاطبة بصيغة المثنى في نحو‏:‏ «قفا نبك»‏.‏ وفي الحديث ‏"‏ الواحدُ شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب ‏"‏‏.‏ رواه الحاكم في «المستدرك» وذكر أن سنده صحيح‏.‏ وقد يكون سبب إرسالهم ثلاثةً أن عذاب قوم لو كان بأصناف مختلفة لكل صنف منها ملكَهُ الموكَّل به‏.‏
ووصفهم بالمكْرَمين كلام موجه لأنه يوهم أن ذلك لإكرام إبراهيم إياهم كما جرت عادته مع الضيف وهو الذي سنّ القِرى، والمقصودُ‏:‏ أن الله أكرمهم برفع الدرجة لأن الملائكة مقربون عند الله تعالى كما قال‏:‏ ‏{‏بل عباد مكرمون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 26‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏كِراماً كاتبين‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 11‏]‏‏.‏
وظرفُ ‏{‏إذ دخلوا عليه‏}‏ يتعلق ب ‏{‏حديثُ‏}‏ لما فيه من معنى الفعل، أي خَبرهم حين دخلوا عليه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فقالوا سلاماً قال سلام‏}‏ تقدم نظيره في سورة هود‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏قال سلام‏}‏‏.‏ وقرأه حمزة والكسائي ‏{‏قال سِلْم‏}‏ بكسر السين وسكون اللام‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏قوم منكرون‏}‏ من كلام إبراهيم‏.‏ والظاهر أنه قاله خَفْتا إذ ليس من الإكرام أن يجاهرَ الزائر بذلك، فالتقدير‏:‏ هُم قوم منكرون‏.‏
والمنكر‏:‏ الذي ينكره غيره، أي لا يعرفه‏.‏ وأطلق هنا على من ينكّر حاله ويظن أنه حال غيرُ معتاد، أي يخشى أنه مضمِر سوء، كما قال في سورة هود ‏(‏70‏)‏ ‏{‏فلما رأى أيديهم لا تصِلُ إليه نَكرهم وأوجس منهم خِيفة‏}‏ ومنه قول الأعشى‏:‏
وأنكرتني وما كان الذي نَكِرَتْ *** من الحوادث إلا الشيبَ والصَّلَعا
أي كرهت ذاتي‏.‏
وقصة ضيف إبراهيم تقدمت في سورة هود‏.‏
وراغ‏}‏ مال في المشي إلى جانب، ومنه‏:‏ رَوغان الثعْلب‏.‏ والمعنى‏:‏ أن إبراهيم حاد عن المكان الذي نزل فيه الضُيوف إلى أهله، أي إلى بيته الذي فيه أهله‏.‏
وفي التوراة‏:‏ أنه كان جالساً أمامَ باب خيمته تحت شجرة وأنه أنزل الضيوف تحت الشجرة‏.‏ وقال أبو عبيد القَاسم بن سلام‏:‏ إن الروغان ميل في المشي عن الاستواء إلى الجانب مع إخفاء إرادته ذلك وتبعه على هذا التقييد الراغب والزمخشري وابن عطيّة فانتزع منه الزمخشري أن إخفاء إبراهيم ميله إلى أهله من حسن الضيافة كيلا يوهم الضيف أنه يريد أن يحضر لهم شيئاً فلعلّ الضيف أن يكُفّه عن ذلك ويعذره وهذا منزع لطيف‏.‏
وكان منزل إبراهيم الذي جرت عنده هذه القصة بموضع يسمّى ‏(‏بلوطات مَمْرا‏)‏ من أرض جبرون‏.‏
ووصُف العجل هنا ب ‏{‏سَمين‏}‏، ووصف في سورة هود بحنيذ، أي مشوي فهو عجل سمين شواه وقرّبه إليهم، وكان الشِوا أسرع طبخ أهل البادية وقام امرؤ القيس يذكر الصيد‏:‏
فظل طهاةُ اللحم ما بين مُنضِج *** صَفيف شِواء أو قَدِيرٍ مُعَجَّل
فقيد ‏(‏قدير‏)‏ ب ‏(‏مُعَجّل‏)‏ ولم يقيد ‏(‏صفيف شواء‏)‏ لأنه معلوم‏.‏
ومعنى ‏{‏قربه‏}‏ وضعه قريباً منهم، أي لم ينقلهم من مجلسهم إلى موضع آخر بل جعل الطعام بين أيديهم‏.‏
وهذا من تمام الإكرام للضيف بخلاف ما يُطعمه العافي والسائِل فإنه يدعى إلى مكان الطعام كما قال الفرزدق‏:‏
فقلتُ إلى الطعام فقال مِنهم *** فريقٌ يحسد الأنس الطعاما
ومجيء الفاء لعطف أفعال ‏{‏فراغ‏}‏ ‏{‏فجاء‏}‏ ‏{‏فقرّبه‏}‏ للدلالة على أن هذه الأفعال وقعت في سرعة، والإسراع بالقِرى من تمام الكرم، وقد قيل‏:‏ خير البر عاجله‏.‏
وجملة ‏{‏قال ألا تأكلون‏}‏ بدل اشتمال من جملة ‏{‏قربه إليهم‏}‏‏.‏
و ‏{‏ألا‏}‏ كلمة واحدة، وهي حرف عَرْض، أي رغبةٍ في حصول الفعل الذي تدخل عليه‏.‏ وهي هنا متعينة للعَرض لوقوع فعل القول بدلاً من فعل ‏{‏قرَّبه إليهم‏}‏، ولا يحسن جعلها كلمتين من همزة استفهام للإنكار مع ‏(‏لا‏)‏ النافية‏.‏
والعرض على الضيف عقب وضع الطعام بين يديه زيادة في الإكرام بإظهار الحرص على ما ينفع الضيف وإن كان وضع الطعام بين يديه كافياً في تمكينه منه‏.‏ وقد اعتبر ذلك إذناً عند الفقهاء في الدعوة إلى الولائم بخلاف مجرد وجود مائدة طعام أو سُفرة، إذ يجوز أن تكون قد أعدت لغير المدعوّ‏.‏
والفاء في ‏{‏فأوجس منهم خيفة‏}‏ فصيحة لإفصاحها عن جملة مقدرة يقتضيها ربط المعنى، أي فلم يأكلوا فأوجس منهم خيفة، كقوله‏:‏ ‏{‏أن اضرب بعصاك البحر فانفلق‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 63‏]‏، وقد صرح بذلك في سورة هود ‏{‏فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ‏(‏أي إلى العجل‏)‏ نِكرهم وأوجس منهم خيفة‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 70‏]‏‏.‏
و ‏{‏أوجس‏}‏ أحس في نفسه ولم يُظهر، وتقدم نظيره في سورة هود‏.‏ وقولهم له ‏{‏لا تخف‏}‏ لأنهم علموا ما في نفسه مما ظهر على ملامحه من الخوف، وتقدم نظيره في سورة هود‏.‏
والغلام الذي بَشروه به هو إسحاق لأنه هو ابن سارة، وهو الذي وقعت البشارة به في هذه القصة في التوراة، ووصف هنا ب ‏{‏عليم‏}‏، وأما الذي ذُكرت البشارة به في سورة الصافات ‏(‏101‏)‏ فهو إسماعيل ووُصف ب ‏{‏حليم‏}‏ ولذلك فامرأة إبراهيم الحادث عنها هنا هي سارة، وهي التي ولدت بعد أن أيست، أما هاجر فقد كانت فتاةً ولَدت في مقتبل عمرها‏.‏ وأقبلت امرأته حين سمعت البشارة لها بغلام، أي أقبلت على مجلس إبراهيم مع ضيفه، قال تعالى في سورة هود ‏(‏71‏)‏ ‏{‏وامرأتُه قائمة‏}‏ وكان النساء يحضرن مجالس الرجال في بيوتَهن مع أزواجهن ويواكلنهم‏.‏ وفي الموطأ‏}‏‏:‏ قال مَالك‏:‏ لا بأس أن تحضر المرأة مع زوجها وضيفِه وتأكل معهم‏.‏
والصَّرة‏:‏ الصياح، ومنه اشتق الصرير‏.‏ و‏{‏في‏}‏ للظرفية المجازية وهي الملابسة‏.‏
والصك‏:‏ اللطم، وصَكّ الوجه عند التعجب عادة النساء أيامئذٍ، ونظيره وضع اليد على الفم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فردُّوا أيديهم في أفواههم‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 9‏]‏‏.‏
وقولُها ‏{‏عجوز عقيم‏}‏ خبر محذوف، أي أنا عجوز عقيم‏.‏
والعجوز‏:‏ فعول بمعنى فاعل وهو يستوي في المذكر والمؤنث مشتق من العجز ويطلق على كبر السنّ لملازمة العجز له غالباً‏.‏
والعقيم‏:‏ فعيل بمعنى مفعول، وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا جرى على موصوف مؤنث، مشتق من عَقمها الله، إذا خلقها لا تحمل بجنين، وكانت سارة لم تحمل قط‏.‏
وقول الملائكة ‏{‏كذلِك قال ربكِ‏}‏ الإشارة إلى الحادث وهو التبشير بغلام‏.‏ والكاف للتشبيه، أي مثل قولنا‏:‏ قال ربك فنحن بلّغنا ما أمرنا بتبليغه‏.‏
وجملة ‏{‏إنه هو الحكيم العليم‏}‏ تعليل لِجملة ‏{‏كذلك قال ربك‏}‏ المتقضية أن الملائكة ما أخبروا إبراهيم إلا تبليغاً من الله وأن الله صادق وعده وأنه لا موقع لتعجب امرأة إبراهيم لأن الله حكيم يدبر تكوين ما يريده، وعليم لا يخفى عليه حالها من العجز والعقم‏.‏
وهذه المحاورة بين الملائكة وسارة امرأة إبراهيم وقعَ مثلها بينهم وبين إبراهيم كما قُصّ في سورة الحجر، فحُكي هنا ما دار بينهم وبين سارة، وحكي هناك ما دار بينهم وبين إبراهيم والمَقام واحد، والحالة واحدة كما بُيّن في سورة هود ‏(‏72‏)‏ ‏{‏قالت يا ويلتى ءالِدُ وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيء عجيب‏.‏‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 34‏]‏
‏{‏قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ‏(‏31‏)‏ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ‏(‏32‏)‏ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ ‏(‏33‏)‏ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ‏(‏34‏)‏‏}‏
علم إبراهيم من محاورتهم فيما ذكر في هذه الآية وما ورد ذكره في آيات أخرى أنهم ملائكة مرسلون من عند الله فسألهم عن الشأن الذي أرسلوا لأجله‏.‏ وإنما سألهم بعد أن قَراهم جرياً على سنة الضيافة أن لا يُسأل الضيف عن الغرض الذي أَورده ذلك المنزلَ إلا بعد استعداده للرحيل كيلا يتوهم سآمة مُضيِّفة من نزوله به، وليعينه على أمره إن كان مستطيعاً، وهم وإن كانوا قد بشروه بأمر عظيم إلا أنه لم يعلم هل ذلك هو قصارى ما جاءوا لأجله‏؟‏
وحكي فعل القول بدون عاطف لأنه في مقاوله محاورة بينه وبين ضيفه‏.‏
والفاء فيما حُكي من كلام إبراهيم فصيحة مؤذنة بكلام محذوف ناشئ عن المحاورَة الواقعة بينه وبين ضيفه وهو من عطف كلام على كلام متكلم آخر ويقع كثيراً في العطف بالواو نحو قوله تعالى حكاية عن إبراهيم‏:‏ ‏{‏قال ومن ذريتي‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 124‏]‏ بعد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال إني جاعلك للناس إماماً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 124‏]‏ وقوله حكاية عن نوح‏:‏ ‏{‏قال وما علمي بما كانوا يعملون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 112‏]‏‏.‏ فإبراهيم خاطب الملائكة بلغته ما يؤدي مثله بفصيح الكلام العربي بعبارة ‏{‏فما خطبكم أيها المرسلون‏}‏‏.‏ وتقدير المحذوف‏:‏ إذ كنتم مرسلين من جانب الله تعالَى فما خطبكم الذي أُرسلتم لأجله‏.‏ وقد علم إبراهيم أن نزول الملائكة بتلك الصورة لا تكون لمجرد بشارته بابن يولد له ولزوجه إذ كانت البشارة تحصل له بالوحي، فكان من عِلم النبوءة أن إرسال الملائكة إلى الأرض بتلك الصورة لا يكون إلا لخطب قال تعالى‏:‏ ‏{‏ما تنزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذن منظرين‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 8‏]‏ والخطب‏:‏ الحدث العظيم والشأن المهمّ، وإضافته إلى ضميرهم لأدنى ملابسة‏.‏
والمعنى‏:‏ ما الخطب الذي أُرسلتم لأجله إذ لا تَنزل الملائكة إلا بالحق‏.‏ وخاطبهم بقوله‏:‏ ‏{‏أيها المرسلون‏}‏ لأنه لا يعرف ما يسميهم به إلا وصف أنهم المرسلون، والمرسلون من صفات الملائكة كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمرسلات عرفاً‏}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 1‏]‏ عن أحد تفسيرين‏.‏
والمراد بالقوم المجرمين أهل سَدوم وعَمُورية، وهم قوم لوط، وقد تقدمت قصتهم في سورة الأعراف وسورة هود‏.‏
والإِرسال الذي في قوله‏:‏ ‏{‏لنرسل عليهم حجارة من طين‏}‏ مستعمل في الرمي مجازاً كما يقال‏:‏ أرسل سهمه على الصيد، وهذا الإِرسال يكون بعد أن أصعدوا الحجارة إلى الجوّ وأرسلتها عليهم، ولذلك سميت مطراً في بعض الآيات‏.‏
وحصل بين ‏{‏أرسلنا‏}‏ وبين ‏{‏لنرسل‏}‏ جناس لاختلاف معنى اللفظين‏.‏
والحجارة‏:‏ اسم جمع للحجر، ومعنى كون الحجارة من طين‏:‏ أن أصلها طين تحجَّر بصهر النار، وهي حجارة بركانية من كبريت قذفتها الأرض من الجهة التي صارت بحيرة تدعى اليوم بحيرة لوط، وأصعدها ناموس إلهِي بضغط جعله الله يرفع الخارج من البركان إلى الجو فنزلت على قرى قوم لوط فأهلكتهم، وذلك بأمر التكوين بواسطة القوى الملكية‏.‏
والمُسَوّمة‏:‏ التي عليها السُّومة أي العلامة، أي عليها علامات من ألوان تدل على أنها ليست من الحجارة المتعارفة‏.‏
ومعنى ‏{‏عند ربك‏}‏ أن علاماتها بخلق الله وتكوينه‏.‏
والمسرفون‏:‏ المفرطون في العصيان، وذلك بكفرهم وشيوع الفاحشة فيهم، فالمسرفون‏:‏ القوم المجرمون، عدل عن ضميرهم إلى الوصف الظاهر، لتسجيل إفراطهم في الإِجرام‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 37‏]‏
‏{‏فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏35‏)‏ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏36‏)‏ وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ‏(‏37‏)‏‏}‏
هذه الجملة ليست من حكاية كلام الملائكة بل هي تذييل لقصة محاورة الملائكة مع إبراهيم، والفاء في ‏{‏فأخرجنا‏}‏ فصيحة لأنها تفصح عن كلام مقدر هو ما ذُكر في سورة هود من مجيء الملائكة إلى لوط وما حدث بينه وبين قومه، فالتقدير‏:‏ فحَلُّوا بقرية لوط فأمرناهم بإخراج من كان فيها من المؤمنين فأخرجوهم‏.‏ وضمير «أخرجنا» ضمير عظمة الجلالة‏.‏
وإسناد الإِخراج إلى الله لأنه أمر به الملائكة أن يبلغوه لوطاً، ولأن الله يسّر إخراج المؤمنين ونجاتهم إذْ أخّر نزول الحجارة إلى أن خرج المؤمنون وهم لوط وأهله إلا امرأته‏.‏
وعبر عنهم ب ‏{‏المؤمنين‏}‏ للإِشارة إلى أن إيمانهم هو سبب نجاتهم، أي إيمانهم بلوط‏.‏ والتعبير عنه ب ‏{‏المسلمين‏}‏ لأنهم آل نبيء وإيمان الأنبياء إِسلام قال تعالى‏:‏ ‏{‏ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيّ إن اللَّه اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 132‏]‏‏.‏
وضمير ‏{‏فيها‏}‏ عائد إلى القرية ولم يتقدم لها ذكر لكونها معلومة من آيات أخرى كقوله‏:‏ ‏{‏ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 40‏]‏‏.‏
وتفريع ‏{‏فما وجدنا‏}‏ تفريع خبر على خبر، وفعل ‏{‏وجدنا‏}‏ معنى علمنا لأن ‏(‏وجد‏)‏ من أخوات ‏(‏ظن‏)‏ فمفعوله الأول قوله‏:‏ ‏{‏من المسلمين‏}‏ و‏(‏من‏)‏ مزيدة لتأكيد النفي وقوله‏:‏ ‏{‏فيها‏}‏ في محل المفعول الثاني‏.‏
وإنما قال‏:‏ ‏{‏فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين‏}‏ دون أن يقول‏:‏ فأخرجنا لوطاً وأهل بيته قصداً للتنويه بشأن الإِيمان والإِسلام، أي أن الله نجّاهم من العذاب لأجل إيمانهم بما جاء به رسولهم لا لأجل أنهم أهل لوط، وأن كونهم أهل بيت لوط لأنهم انحصر فيهم وصف ‏{‏المؤمنين‏}‏ في تلك القرية، فكان كالكلي الذي انحصر في فرد معين‏.‏
والمؤمن‏:‏ هو المصدق بما يجب التصديق به‏.‏ والمسلم المنقاد إلى مقتضى الإِيمان ولا نجاة إلا بمجموع الأمرين، فحصل في الكلام مع التفنن في الألفاظ الإِشارة إلى التنويه بكليهما وإلى أن النجاة باجتماعهما‏.‏
والآية تشير إلى أن امرأة لوط كانت تظهر الانقياد لزوجها وتضمر الكفر وممالأة أهل القرية على فسادهم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ضرب اللَّه مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 10‏]‏ الآية، فبيت لوط كان كله من المسلمين ولم يكن كله من المؤمنين فلذلك لم ينج منهم إلا الذين اتصفوا بالإِيمان والإِسلام معاً‏.‏
والوجدان في قوله‏:‏ ‏{‏فما وجدنا‏}‏ مراد به تعلّق علم الله تعالى بالمعلوم بعد وقوعه وهو تعلق تنجيزي، ووجدان الشيء إدراكه وتحصيله‏.‏
ومعنى ‏{‏وتركنا فيها آية‏}‏‏:‏ أن القرية بقيت خراباً لم تعمر، فكان ما فيها من آثار الخراب آية للذين يخافون عذاب الله، قال تعالى في سورة الحجر ‏(‏76‏)‏
‏{‏وإنها لبسبيل مقيم‏}‏ أو يعود الضمير إلى ما يؤخذ من مجموع قوله‏:‏ ‏{‏قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 32‏]‏ على تأويل الكلام بالقصة، أي تركنا في قصتهم‏.‏
والترك حقيقته‏:‏ مفارقة شخص شيئاً حصل معه في مكان ففارق ذلك المكان وأبقى منه ما كان معه، كقول عنترة‏:‏
فتركتُه جَزر السباع ينُشْنَه ***
ويطلق على التسبب في إيجاد حالة تطول، كقول النابغة‏:‏
فلا تتركَنّي بالوعيد كأنني *** إلى الناس مطليُّ به القارُ أجرب
بتشبيه إبقاء تلك الحالة فيه بالشيء المتروك في مكان‏.‏ ووجه الشبه عدم التغير‏.‏
والترك في الآية‏:‏ كناية عن إبقاء الشيء في موضع دون مفارقة التارك، أو هو مجاز مرسل في ذلك فيكون نظير ما في بيت النابغة‏.‏
و ‏{‏الذين يخافون العذاب‏}‏ هم المؤمنون بالبعث والجزاء من أهل الإِسلام وأهل الكتاب دون المشركين فإنهم لما لم ينتفعوا بدلالة مواقع الاستئصال على أسباب ذلك الاستئصال نُزلت دلالة آيتِه بالنسبة إليهم منزلةَ ما ليس بآية كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فذكر بالقرآن من يخاف وعيد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 45‏]‏‏.‏
والمعنى‏:‏ أن الذين يخافون اتعظوا بآية قوم لوط فاجتنبوا مثلَ أسباب إهلاكهم، وأن الذين أشركوا لا يتعظون فيوشك أن ينزل عليهم عذاب أليم‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 40‏]‏
‏{‏وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏38‏)‏ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ‏(‏39‏)‏ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ‏(‏40‏)‏‏}‏
قوله‏:‏ ‏{‏وفي موسى‏}‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏فيها آية‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 37‏]‏‏.‏
والتقدير‏:‏ وتركنا في موسى آية، فهذا العطف من عطف جملة على جملة لتقديرِ فعل‏:‏ تَركْنا، بعد واوِ العطف، والكلام على حذف مضاف أي في قصة موسى حين أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى الخ، فيكون الترك المقدر في حرف العطف مراداً به جعل الدلالة باقية فكأنها متروكة في الموضع لا تنقل منه كما تقدم آنفاً في بيت عنترة‏.‏
وأعقب قصة قوم لوط بقصة موسى وفرعون لشهرة أمر موسى وشريعته، فالترك المقدر مستعمل في مجازيه المرسل والاستعارة‏.‏ وفي الواو استخدام مثل استخدام الضمير في قول معاوية بن مالك الملقب معوِّد الحكماء ‏(‏لقبوه به لقوله في ذكر قصيدته‏)‏‏:‏
أعَوِّد مثلها الحكماء بعدي *** إذا ما ألحق في الحدثان نابا
إذا نزل السماء بأرض قوم *** رعيناه وإن كانوا غضابا
والمعنى‏:‏ أن قصة موسى آية دائمة‏.‏ وعقبت قصة قوم لوط بقصة موسى وفرعون لما بينهما من تناسب في أن العذاب الذي عذب به الأُمّتان عذاب أرضي إذ عذب قوم لوط بالحجارة التي هي من طين، وعذب قوم فرعون بالغرق في البحر، ثم ذكر عاد وثمود وكان عذابهما سماوياً إذ عذبت عاد بالريح وثمود بالصاعقة‏.‏
والسلطان المبين‏:‏ الحجة الواضحة وهي المعجزات التي أظهرها لفرعون من انقلاب العصا حية، وما تلاها من الآيات الثمان‏.‏
والتولي حقيقته‏:‏ الانصراف عن المكان‏.‏ والركن حقيقته‏:‏ ما يعتمد عليه من بناء ونحوه، ويسمى الجسدُ ركناً لأنه عماد عمل الإِنسان‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فتولى بركنه‏}‏ تمثيل لهيئة رفضه دعوة موسى بهيئة المنصرف عن شخص‏.‏ وبإيرادِ قوله‏:‏ ‏{‏بركنه‏}‏ تَمَّ التمثيل ولولاه لكان قوله‏:‏ ‏{‏تولى‏}‏ مجرد استعارة‏.‏
والباء للملابسة، أي ملابساً ركنه كما في قوله‏:‏ ‏{‏أعرض ونأى بجانبه‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 83‏]‏‏.‏
والمليم‏:‏ الذي يجعل غيره لائماً عليه، أي وهو مذنب ذنباً يلومه الله عليه، أي يؤاخذه به‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه مستوجب العقاب كما قال‏:‏ ‏{‏فلا تلوموني ولوموا أنفسكم‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 22‏]‏‏.‏
والمعنى‏:‏ أن في قصة موسى وفرعون آيةً للذين يخافون العذاب الأليم فيجتنبون مثل أسباب ما حل بفرعون وقومه من العذاب وهي الأسباب التي ظهرت في مكابرة فرعون عن تصديق الرسول الذي أرسل إليه، وأن الذين لا يخافون العذاب لا يؤمنون بالبعث والجزاء لا يتعظون بذلك لأنهم لا يصدقون بالنواميس الإِلهية ولا يتدبرون في دعوة أهل الحق فهم لا يزالون مُعرضين ساخرين عن دعوة رسولهم متكبرين عليه، مُكابرين في دلائل صدقه، فيوشك أن يحل بهم من مثل ما حلّ بفرعون وقومه، لأن ما جاز على المثل يجوز على المماثل، وقد كان المسلمون يقولون‏:‏ إن أبا جهل فِرعون هذه الأمة‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 42‏]‏
‏{‏وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ‏(‏41‏)‏ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ‏(‏42‏)‏‏}‏
نظم هذه الآية مثل نظم قوله‏:‏ ‏{‏وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 38‏]‏ انتقل إلى العبرة بأمة من الأمم العربية وهم عاد وهم أشهر العرب البائدة‏.‏
و ‏{‏الريح العقيم‏}‏ هي‏:‏ الخليّة من المنافع التي تُرجى لها الرياح من إثارة السحاب وسوقه، ومن إلقاح الأشجار بنقل غبرة الذكر من ثمار إلى الإِناث من أشجارها، أي الريح التي لا نفع فيها، أي هي ضارّة‏.‏ وهذا الوصف لما كان مشتقاً مما هو من خصائص الإِناث كان مستغنياً عن لحاق هاء التأنيث لأنها يُؤتى بها للفرق بين الصنفين‏.‏ والعرب يكرهون العقم في مواشيهم، أي ريح كالناقة العقيم لا تثمر نسلاً ولا دَرًّا، فوصف الريح بالعقيم تشبيه بليغ في الشؤم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أو يأتيهم عذاب يوم عقيم‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 55‏]‏‏.‏
وجملة ‏{‏ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم‏}‏ صفة ثانية، أو حال، فهو ارتقاء في مضرة هذا الريح فإنه لا ينفع وأنه يضر أضراراً عظيمة‏.‏
وصيغ ‏{‏تذر‏}‏‏:‏ بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة‏.‏ و‏{‏شيء‏}‏ في معنى المفعول ل ‏{‏تذر‏}‏ فإن ‏(‏مِن‏)‏ لتأكيد النفي والنكرة المجرورة ب ‏(‏من‏)‏ هذه نص في نفي الجنس ولذلك كانت عامة، إلا أن هذا العموم مخصص بدليل العقل لأن الريح إنما تُبلي الأشياء التي تمر عليها إذا كان شأنها أن يتطرق إليها البِلى، فإن الريح لا تُبلي الجبال ولا البحار ولا الأودية وهي تمر عليها وإنما تُبلي الديار والأشجار والناس والبهائم، ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تدمر كل شيء بأمر ربها‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 25‏]‏‏.‏
وجملة ‏{‏جعلته كالرميم‏}‏ في موضع الحال من ضمير ‏{‏الريح‏}‏ مستثناة من عموم أحوال ‏{‏شيء‏}‏ يبين المعرف، أي ما تذر من شيء أتت عليه في حال من أحوال تدميرها إلا في حال قد جعلته كالرميم‏.‏
والرميم‏:‏ العظم الذي بلِي‏.‏ يقال‏:‏ رَمَّ العظم، إذ بَلى، أي جعلتْه مفتتاً‏.‏
والمعنى‏:‏ وفي عاد آية للذين يخافون العذاب الأليم إذ أرسل الله عليهم الريح‏.‏ والمراد‏:‏ أن الآية كائنة في أسباب إرسال الريح عليهم وهي أسباب تكذيبهم هوداً وإشراكهم بالله وقالوا‏:‏ ‏{‏من أشد منا قوة‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 15‏]‏، فيحذر من مثل ما حلّ بهم أهل الإِيمان‏.‏ وأما الذين لا يخافون العذاب الأليم من أهل الشرك فهم مصرّون على كفرهم كما أصرت عاد فيوشك أن يحلّ بهم من جنس ما حلّ بعاد‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 45‏]‏
‏{‏وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ‏(‏43‏)‏ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ‏(‏44‏)‏ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ ‏(‏45‏)‏‏}‏
أتبعت قصة عاد بقصة ثمود لتقارنهما غالباً في القرآن من أجل أن ثمود عاصرت عاداً وخَلفتها في عظمة الأمم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عَاد‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 74‏]‏ ولاشتهارهما بين العرب‏.‏
و ‏{‏في ثمود‏}‏ عطف على ‏{‏في عاد‏}‏ أو على ‏{‏تركنا فيها آية‏}‏‏.‏
والمعنى‏:‏ وتركنا آية للمؤمنين في ثمود في حال قد أخذتهم الصاعقة، أي في دلالة أخذ الصاعقة إياهم، على أن سببه هو إشراكهم وتكذيبهم وعتوّهم عن أمر ربهم، فالمؤمنون اعتبروا بتلك فسلكوا مسلك النجاة من عواقبها، وأما المشركون فإصرارهم على كفرهم سيوقعهم في عذاب من جنس ما وقعت فيه ثمود‏.‏
وهذا القول الذي ذكر هنا هو كلام جامع لما أنذرهم به صالح رسولهم وذكّرهم به من نحو قوله‏:‏ ‏{‏وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 74‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أتتركون فيما ها هنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 146 148‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 61‏]‏‏.‏ ونحو ذلك مما يدل على أنهم أعطوا ما هو متاع، أي نفع في الدنيا فإن منافع الدنيا زائلة، فكانت الأقوال التي قالها رسولهم تذكيراً بنعمة الله عليهم يجمعها ‏{‏تمتعوا حتى حين‏}‏، على أنه يجوز أن يكون رسولهم قال لهم هذه الكلمة الجامعة ولم تُحك في القرآن إلا في هذا الموضع، فقد علمتَ من المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير أن أخبار الأمم تأتي مُوزعة على قصصهم في القرآن‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏تمتعوا‏}‏ أمر مستعمل في إباحة المتاع‏.‏ وقد جعل المتاع بمعنى النعمة في مواضع كثيرة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 26‏]‏ قوله‏:‏ ‏{‏إن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 111‏]‏‏.‏
والمراد ب ‏{‏حين‏}‏ زمن مبهم، جعل نهاية لما مُتّعوا به من النعم فإن نعم الدنيا زائلة، وذلك الأجل‏:‏ إما أن يراد به أجل كل واحد منهم الذي تنتهي إليه حياته، وإمّا أن يراد به أجل الأمة الذي ينتهي إليه بقاؤها‏.‏ وهذا نحو قوله‏:‏ ‏{‏يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 3‏]‏ فكما قاله الله للناس على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لعله قاله لثمود على لسان صالح عليه السلام‏.‏
وليس قوله‏:‏ ‏{‏إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين‏}‏ بمشير إلى قوله في الآية الأخرى ‏{‏فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 65‏]‏ ونحوه لأن ذلك الأمر مستعمل في الإِنذار والتأييس من النجاة بعد ثلاثة أيام فلا يكون لقوله بعده‏:‏ ‏{‏فعتوا عن أمر ربهم‏}‏ مناسبة لتعقيبه به بالفاء لأن الترْتيب الذي تفيده الفاء يقتضي أن ما بعدها مرتب في الوجود على ما قبلها‏.‏
والعتوّ‏:‏ الكِبر والشدة‏.‏ وضمن «عَتَوْا» معنى‏:‏ أَعرضوا، فعدي ب ‏(‏عن‏)‏، أي فأعرضوا عما أمرهم الله على لسان رسوله صالح عليه السلام‏.‏
وأخذ الصاعقة إياهم إصابتها إياهم إصابة تشبه أخذ العدوّ عدوه‏.‏
وجملة ‏{‏وهم ينظرون‏}‏ حال من ضمير النصْب في ‏{‏أخذتهم‏}‏، أي أخذتهم في حال نظرهم إلى نزولها، لأنهم لما رأوا بوارقها الشديدة علموا أنها غير معتادة فاستشرفوا ينظرون إلى السحاب فنزلت عليهم الصاعقة وهم ينظرون، وذلك هول عظيم زيادة في العذاب فإن النظر إلى النقمة يزيد صاحبها ألماً كما أن النظر إلى النعمة يزيد المنعم مسرّة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 50‏]‏‏.‏
وقرأ الكسائي ‏{‏الصعقة‏}‏ بدون ألف‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فما استطاعوا من قيام‏}‏ تفريع على ‏{‏وهم ينظرون‏}‏، أي فما استطاعوا أن يدفعوا ذلك حين رؤيتِهم بوادرَه‏.‏ فالقيام مجاز للدفاع كما يقال‏:‏ هذا أمر لا يقوم له أحد، أي لا يدفعه أحد‏.‏ وفي الحديث «غَضِب غضباً لا يقوم له أحد» أي فما استطاعوا أيّ دفاع لذلك‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وما كانوا منتصرين‏}‏ أي لم ينصرهم ناصر حتى يكونوا منتصرين لأن انتصر مطاوع نصر، أي ما نصرهم أحد فانتصروا‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏
‏{‏وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ‏(‏46‏)‏‏}‏
قرأ الجمهور ‏{‏وقوم‏}‏ بالنصب بتقدير ‏(‏اذكر‏)‏، أو بفعل محذوف يدلّ عليه ما ذكر من القصص قبله، تقديره‏:‏ وأهلكنا قوم نوح، وهذا من عطف الجُمل وليس من عطف المفردات‏.‏
وقرأه أبُو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلَف بالجر عطفاً على ‏{‏ثمود‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 43‏]‏ على تقدير‏:‏ وفي قوم نوح‏.‏
ومعنى ‏{‏من قبل‏}‏ أنهم أهلكوا قبل أولئك فهم أول الأمم المكذبين رسولهم أهلكوا‏.‏
وجملة ‏{‏إنهم كانوا قوماً فاسقين‏}‏ تعليل لما تضمّنه قوله‏:‏ ‏{‏وقوم نوح من قبل‏}‏‏.‏ وتقدير كونهم آية للذين يخافون العذاب‏:‏ من كونهم عوقبوا وأن عقابهم لأنهم كانوا قوماً فاسقين‏.‏
وأخر الكلام على قوم نوح لما عرض من تجاذب المناسبات فيما أورد من آيات العذاب للأمم المذكورة آنفاً بما علمته سابقاً‏.‏ ولذلك كان قوله‏:‏ ‏{‏من قبل‏}‏ تنبيهاً على وجه مخالفة عادة القرآن في ترتيب حكاية أحوال الأمم على حسب ترتيبهم في الوجود‏.‏ وقد أومأَ قوله‏:‏ ‏{‏من قبل‏}‏ إلى هذا ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنه أهلك عاداً الأولى وثمودا فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 50 52‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏
‏{‏وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ‏(‏47‏)‏‏}‏
لما كانت شبهة نفاة البعث قائمة على توهم استحالة إعادة الأجسام بعد فنائها أعقب تهديدهم بما يقوض توهمهم فوُجه إليه الخطاب يُذكرهم بأن الله خلق أعظم المخلوقات ولم تكن شيئاً فلا تعدّ إعادة الأشياء الفانية بالنسبة إليها إلاّ شيئاً يسيراً كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 57‏]‏‏.‏
وهذه الجملة والجمل المعطوفة عليها إلى قوله‏:‏ ‏{‏إني لكم منه نذير مبين‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 51‏]‏ معترضة بين جملة ‏{‏وقوم نوح من قبل‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 46‏]‏ الخ وجملة ‏{‏كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 52‏]‏ الآية‏.‏
وابتدئ بخلق السماء لأن السماء أعظم مخلوق يشاهده الناس، وعطف عليه خلق الأرض عطفَ الشيء على مخالفه لاقتران المتخالفين في الجامع الخيالي‏.‏ وعطف عليها خلق أجناس الحيوان لأنها قريبة للأنظار لا يكلف النظرُ فيها والتدبر في أحوالها ما يرهق الأذهان‏.‏
واستعير لخلق السماء فعل البناء لأنه منظر السماء فيما يبدو للأنظار شبيه بالقبة ونصب القبة يُدعى بناءً‏.‏
وهذا استدلال بأثر الخلق الذي عاينوا أثره ولم يشهدوا كيفيته، لأن أثره ينبئ عن عظيم كيفيته، وأنها أعظم مما يتصور في كيفية إعادة الأجسام البالية‏.‏
والأَيْد‏:‏ القوة‏.‏ وأصله جَمع يد، ثم كثر إطلاقه حتى صار اسماً للقوة، وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واذكر عبدنا داود ذا الأيد‏}‏ في سورة ص ‏(‏17‏)‏‏.‏
والمعنى‏:‏ بنيناها بقدرة لا يقدر أحد مثلها‏.‏
وتقديم ‏{‏السماء‏}‏ على عامله للاهتمام به، ثم بسلوك طريقة الاشتغال زاده تقوية ليتعلق المفعول بفعله مرتين‏:‏ مرة بنفسه، ومرة بضميره، فإن الاشتغال في قوة تكرر الجملة‏.‏ وزيد تأكيده بالتذييل بقوله‏:‏ ‏{‏وإنا لموسعون‏}‏‏.‏ والواو اعتراضية‏.‏
والمُوسِع‏:‏ اسم فاعل من أوسع، إذا كان ذا وُسع، أي قدرة‏.‏ وتصاريفه جائية من السَّعة، وهي امتداد مساحة المكان ضد الضيق، واستعير معناها للوفرة في أشياء مثل الأفراد مثل عمومها في ‏{‏ورحمتي وسعت كل شيء‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 156‏]‏، ووفرة المال مثل ‏{‏لينفق ذو سعة من سعته‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 7‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏على الموسع قدره‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 236‏]‏، وجاء في أسمائه تعالى الواسع ‏{‏إن اللَّه واسع عليم‏}‏‏.‏ وهو عند إجرائه على الذات يفيد كمال صفاته الذاتية‏:‏ الوجودِ، والحياة، والعلم، والقدرة، والحكمة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن اللَّه واسع عليم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 115‏]‏ ومنه قوله هنا‏:‏ ‏{‏وإنا لموسعون‏}‏‏.‏
وأكد الخبر بحرف ‏(‏إنّ‏)‏ لتنزيل المخاطبين منزلة من ينكر سعة قدرة الله تعالى، إذ أحالوا إعادة المخلوقات بعد بِلاها‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏
‏{‏وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ‏(‏48‏)‏‏}‏
القول في تقديم ‏{‏الأرض‏}‏ على عامله، وفي مجيء طريقة الاشتغال كالقول في ‏{‏والسماء بنيناها‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 47‏]‏‏.‏ وكذلك القول في الاستدلال بذلك على إمكان البعث‏.‏
من دقائق فخر الدين‏:‏ أن ذكر الأمم الأربع للإِشارة إلى أن الله عذّبهم بما هو من أسباب وجودهم، وهو التراب والماء والهواء والنار، وهي عناصر الوجود، فأهلك قوم لوط بالحجارة وهي من طين، وأهلك قوم فرعون بالماء، وأهلك عاداً بالريح وهو هواء، وأهلك ثموداً بالنار‏.‏
واستغنى هنا عن إعادة ‏{‏بأييد‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 47‏]‏ لدلالة ما قبله عليه‏.‏
والفرش‏:‏ بسط الثوب ونحوه للجلوس والاضطجاع، وفي ‏{‏فرشناها‏}‏ استعارة تبعية، شبه تكوين الله الأرضَ على حالة البسط بفرش البساط ونحوه‏.‏
وفي هذا الفرش دلالة على قدرة الله وحكمته إذ جعل الأرض مبسوطة لمَّا أراد أن يجعل على سطحها أنواع الحيوان يمشي عليها ويتوسدُها ويضطجع عليها ولو لم تكن كذلك لكانت مُحدودبة تؤلم الماشي بَلْهَ المتوسد والمضطجع‏.‏
ولما كان في فرشها إرادة جعلها مَهداً لمن عليها من الإِنسان أتبع ‏{‏فرشناها‏}‏ بتفريع ثناء الله على نفسه على إجادة تمهيدها تذكيراً بعظمته ونعمته، أي فنعم الماهدون نحن‏.‏
وصيغة الجمع في قوله‏:‏ ‏{‏الماهدون‏}‏ للتعظيم مثل ضمير الجمع في ‏(‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏، وروعي في وصف خلق الأرض ما يبدو للناس من سطحها لأنه الذي يهم الناس في الاستدلال على قدرة الله وفي الامتنان عليهم بما فيه لطفهم والرفق بهم، دون تعرض إلى تكويرها إذ لا يبلغون إلى إدراكه، كما روعي في ذكر السماء ما يبدو من قبة أجوائها دون بحث عن ترامي أطرافها وتعدد عوالمها لمثل ذلك‏.‏ ولذلك أتبع الاعتراض بالتذييل بقوله‏:‏ ‏{‏فنعم الماهدون‏}‏ المراد منه تلقين الناس الثناء على الله فيما صنع لهم فيها من مِنَّةٍ ليشكروه بذلك الثناء كما في قوله‏:‏ ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 2‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏
‏{‏وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏
لما أشعر قوله‏:‏ ‏{‏فرشناها فنعم الماهدون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 48‏]‏ بأن في ذلك نعمة على الموجودات التي على الأرض، أُتبع ذلك بصفة خلق تلك الموجودات لما فيه من دلالة على تفرد الله تعالى بالخلق المستلزم لتفرده بالإِلهية فقال‏:‏ ‏{‏ومن كل شيء خلقنا زوجين‏}‏ والزوج‏:‏ الذكر والأنثى‏.‏ والمراد بالشيء‏:‏ النوع من جنس الحيوان‏.‏ وتثنية زوج هنا لأنه أريد به ما يُزوج من ذكر وأنثى‏.‏
وهذا الاستدلال عليهم بخلق يشاهدون كيفياته وأطواره كلما لفتوا أبصارهم، وقَدحوا أفكارهم، وهو خلق الذكر والأنثى ليكون منهما إنشاء خلق جديد يخلف ما سلفه وذلك أقرب تمثيل لإِنشاء الخلق بعد الفناء‏.‏ وهو البعث الذي أنكروه لأن الأشياء تقرّب بما هو واضح من أحوال أمثالها‏.‏
ولذلك أتبعه بقوله‏:‏ ‏{‏لعلكم تذكرون‏}‏، أي تتفكرون في الفروق بين الممكنات والمستحيلات، وتتفكرون في مراتب الإِمكان فلا يختلط عليكم الاستبعاد وقلة الاعتياد بالاستحالة فتتوهموا الغريب محالاً‏.‏
فالتذكر مستعمل في إعادة التفكر في الأشياء ومراجعة أنفسهم فيما أحالوه ليعلموا بعد إعادة النظر أن ما أحالوه ممكن ولكنهم لم يألفوه فاشتبه عليهم الغريب بالمحال فأحالوه فلما كان تجديد التفكر المغفول عنه شبيهاً بتذكر الشيء المنسي أطلق عليه ‏{‏لعلكم تذكرون‏}‏‏.‏ وهذا في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 60 62‏]‏ فقد ذُيل هنالك بالحث على التذكر، كما ذيل هنا برجاء التذكر، فأفاد أن خلق الذكر والأنثى من نطفة هو النشأة الأولى وأنها الدالة على النشأة الآخرة‏.‏
وجملة ‏{‏لعلكم تذكرون‏}‏ تعليل لجملة ‏{‏خلقنا زوجين‏}‏ أي رجاء أن يكون في الزوجين تذكر لكم، أي دلالة مغفول عنها‏.‏ والقول في صدور الرجاء من الله مبين عنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏52‏)‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 51‏]‏
‏{‏فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏50‏)‏ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏51‏)‏‏}‏
بعد أن بين ضلال هؤلاء في تكذيبهم بالبعث بياناً بالبرهان الساطع، ومثَّل حالهم بحال الأمم الذين سلفوهم في التكذيب بالرسل وما جاءوا به جمعاً بين الموعظة للضالين وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وكانت فيما مضى من الاستدلال دلالة على أن الله متفرد بخلق العالم وفي ذلك إبطال إشراكهم مع الله آلهة أخرى أقبل على تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم ما يستخلصه لهم عقب ذلك بأن يدعوهم إلى الرجوع إلى الحق بقوله‏:‏ ‏{‏ففروا إلى الله‏}‏ فالجملة المفرعة بالفاء مقول قول محذوف والتقدير‏:‏ فقل فرّوا، دل عليه قوله‏:‏ ‏{‏إني لكم منه نذير مبين‏}‏ فإنه كلام لا يصدر إلا من قائل ولا يستقيم أن يكون كلام مبلغ‏.‏ وحذف القول كثير الورود في القرآن وهو من ضُروب إيجازه، فالفاء من الكلام الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم ومفادها التفريع على ما تقرر مما تقدم‏.‏ وليست مُفرِّعة فعل الأمر المحذوف لأن المفرع بالفاء هو ما يذكر بعدها‏.‏
وقد غُير أسلوب الموعظة إلى توجيه الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم هذه الموعظة لأن لتعدد الواعظين تأثيراً على نفوس المخاطبين بالموعظة‏.‏
والأنسب بالسياق أن الفرار إلى الله مستعار للإِقلاع عن ما هم فيه من الإِشْراك وجحود البعث استعارة تمثيلية بتشبيه حال تورطهم في الضلالة بحال من هو في مكان مخوف يدعو حاله أن يفرّ منه إلى من يجيره، وتشبيه حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال نذير قوم بأن ديارهم عرضة لغزو العدوّ فاستعمل المركَّب وهو ‏{‏فروا إلى الله‏}‏ في هذا التمثيل‏.‏
فالمواجه ب ‏{‏فرّوا إلى الله‏}‏ المشركون لأن المؤمنين قد فرّوا إلى الله من الشرك‏.‏
والفرار‏:‏ الهروب، أي سرعة مفارقة المكان تجنباً لأذىً يلحقه فيه فيعدي ب ‏(‏من‏)‏ الابتدائية للمكان الذي به الأذى يقال‏:‏ فَرَّ من بلد الوباء ومن الموت، والشيء الذي يؤذي، يقال‏:‏ فر من الأسد وفر من العدوّ‏.‏
وجملة ‏{‏إني لكم منه نذير مبين‏}‏ تعليل للأمر ب ‏{‏فروا إلى الله‏}‏ باعتبار أن الغاية من الإِنذار قصد السلامة من العقاب فصار الإِنذار بهذا الاعتبار تعليلاً للأمر بالفرار إلى الله، أي التوجه إليه وحده‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏منه‏}‏ صفة ل ‏{‏نذير‏}‏ قدمت على الموصوف فصارت حالاً‏.‏
وحرف ‏(‏مِن‏)‏ للابتداء المجازي، أي مأمور له بأن أبلغكم‏.‏
وعطف ‏{‏ولا تجعلوا مع الله إلها آخر‏}‏ على ‏{‏ففروا إلى الله‏}‏ نهي عن نسبة الإِلهية إلى أحد غير الله‏.‏ فجمع بين الأمر والنهي مبالغة في التأكيد بنفي الضد لإِثبات ضده كقوله‏:‏ ‏{‏وأضل فرعون قومه وما هدى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 79‏]‏‏.‏
ومن لطائف فخر الدين أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إني لكم منه نذير‏}‏ جَمع الرسولَ والمرسلَ إليهم والمرسِل‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏52‏]‏
‏{‏كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ‏(‏52‏)‏‏}‏
كلمة ‏{‏كذلك‏}‏ فصل خطاب تدل على انتهاء حديث والشروع في غيره، أو الرجوع إلى حديث قبله أتى عليه الحديث الأخير‏.‏ والتقدير‏:‏ الأمر كذلك‏.‏ والإِشارة إلى ما مضى من الحديث، ثم يورد بعده حديث آخر والسامع يردّ كُلاً إلى ما يناسبه، فيكون ما بعد اسم الإِشارة متصلاً بأخبار الأمم التي تقدم ذكرها من قوم لوط ومن عطف عليهم‏.‏
أُعقب تهديد المشركين بأن يحل بهم ما حلّ بالأمم المكذبين لرسل الله من قبلهم بتنظيرهم بهم في مقالهم، وقد تقدم ورود ‏{‏كذلك‏}‏ فصلاً للخطاب عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً‏}‏ في سورة الكهف ‏(‏91‏)‏، فقوله‏:‏ ‏{‏كذلك‏}‏ فصل وجملة ‏{‏ما أتى الذين من قبلهم من رسول‏}‏ الآية مستأنفة استئنافاً ابتدائياً‏.‏
ولك أن تجعل قوله‏:‏ ‏{‏كذلك ما أتى الذين من قبلهم‏}‏ إلخ مبدأ استئناف عوداً إلى الإِنحاء على المشركين في قولهم المختلف بأنواع التكذيب في التوحيد والبعث وما يتفرع على ذلك‏.‏
واسم الإِشارة راجع إلى قوله‏:‏ ‏{‏إنكم لفي قول مختلف‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 8‏]‏ الآية كما علمت هنالك، أي مثل قولهم المختلف قال الذين من قبلهم لما جاءتهم الرسل، فيكون قوله ‏{‏كذلك‏}‏ في محل حال وصاحب الحال ‏{‏الذين من قبلهم‏}‏‏.‏
وعلى كلا الوجهين فالمعنى‏:‏ إن حال هؤلاء كحال الذين سبقوهم ممن كانوا مشركين أن يصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر، أو مجنون فكذلك سيجيب هؤلاء عن قولك‏:‏ «فروا إلى الله ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر» بمثل جواب من قبلهم فلا مطمع في ارعوائهم عن عنادهم‏.‏
والمراد ب ‏{‏الذين من قبلهم‏}‏ الأمم المذكورة في الآيات السابقة وغيرهم، وضمير ‏{‏قبلهم‏}‏ عائد إلى مشركي العرب الحاضرين‏.‏
وزيادة ‏{‏مِن‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏من رسول‏}‏ للتنصيص على إرادة العموم، أي أن كل رسول قال فيه فريق من قومه‏:‏ هو ساحر، أو مجنون، أي قال بعضهم‏:‏ ساحر، وقال بعضهم‏:‏ مجنون، مثل قوم نوح دون السحر إذ لم يكن السحر معروفاً في زمانهم قالوا‏:‏ ‏{‏إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 25‏]‏‏.‏ وقد يجمعون القولين مثل قول فرعون في موسى‏.‏
وهذا العموم يفيد أنه لم يخْل قوم من الأقوام المذكورين إلا قالوا لرسولهم أَحَدَ القولين، وما حكي ذلك عن بعضهم في آيات أخرى بلفظه أو بمرادفه كقول قوم هود ‏{‏إن نقول إلا اعْتراك بعض آلهتنا بسوء‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 54‏]‏‏.‏
وأول الرسل هو نوح كما هو صريح الحديث الصحيح في الشفاعة‏.‏ فلا يرد أن آدم لم يكذبه أهله، وأن أنبياء بني إسرائيل مثل يوشع وأشعيا، لم يكذبهم قومهم، لأن الله قال‏:‏ ‏{‏من رسول‏}‏، والرسول أخص من النبي‏.‏
والاستثناء في ‏{‏إلا قالوا ساحر‏}‏ استثناء من أحوال محذوفة‏.‏
والمعنى‏:‏ ما أتى الذين من قبلهم من رسول في حال من أحوال أقوالهم إلا في حال قولهم‏:‏ ساحر أو مجنون‏.‏
والقصر المستفاد من الاستثناء قصر ادعائي لأن للأمم أقوالاً غير ذلك وأحوالاً أخرى، وإنما قُصروا على هذا اهتماماً بذكر هذه الحالة العجيبة من البهتان، إذ يرمون أعقل الناس بالجنون وأقومهم بالسحر‏.‏
وإسناد القول إلى ضمير الذين من قبل مشركي العرب الحَاضرين إسناد باعتبار أنه قول أكثرهم فإن الأمور التي تنسب إلى الأقوام والقبائل تجري على اعتبار الغالب‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏53‏]‏
‏{‏أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ‏(‏53‏)‏‏}‏
الاستفهام مستعمل في التعجيب من تواطئهم على هذا القول على طريقة التشبيه البليغ، أي كأنهم أوصى بعضهم بعضاً بأن يقولوه‏.‏ فالاستفهام هنا كناية عن لاَزمه وهو التعجيب لأن شأن الأمر العجيب أن يسأل عنه‏.‏
والجملة استئناف بياني لأن تماثل هؤلاء الأمم في مقالة التكذيب يثير سؤال سائل عن مَنْشَإِ هذا التشابه‏.‏
وضمير ‏{‏تواصوا‏}‏ عائد إلى ما سبق من الموصول ومن الضمير الذي أضيف إليه قبلهم، أي أوصى بعضهم بعضاً حتى بلغت الوصية إلى القوم الحاضرين‏.‏ «
وضمير ‏{‏به‏}‏ عائد على المصدر المأخوذ من فعل ‏{‏إلا قالوا ساحر أو مجنون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 52‏]‏، أي أتواصوا بهذا القول‏.‏
وفعل الوصية يتعدى إلى الموصَى عليه بالباء كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر‏}‏ ‏[‏العصر‏:‏ 3‏]‏‏.‏
و ‏{‏بل‏}‏ إضراب عن مُفاد الاستفهام من التشبيه أو عن التواصي به، ببيان سبب التواطُؤ على هذا القول فإنه إذا ظهر السبب بطل العجب‏.‏ أي ما هو بتواصصٍ ولكنه تماثل في منشإ ذلك القول، أي سبب تماثل المقالة تماثل التفكير والدواعي للمقالة، إذ جميعُهم قوم طاغون، وأن طغيانهم وكبرياءهم يصدهم عن اتباع رسول يحسبون أنفسهم أعظم منه، وإذ لا يجدون وصمة يصمونه بها اختلقوا لتنقيصه عِلَلاً لا تدخل تحت الضبط وهي ادعاء أنه مجنون أو أنه ساحر، فاستووا في ذلك بعلة استوائهم في أسبابه ومعاذيره‏.‏
فضمير ‏{‏هم قوم طاعون‏}‏ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ‏{‏أتواصوا‏}‏‏.‏
وفي إقحام كلمة ‏{‏قوم‏}‏ إيذان بأن الطغيان راسخ في نفوسهم بحيث يكون من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لآيات لقوم يعقلون‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏164‏)‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 55‏]‏
‏{‏فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ‏(‏54‏)‏ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏55‏)‏‏}‏
تفريع على قوله‏:‏ ‏{‏كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلى قوله‏:‏ بل هم قوم طاغون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 52، 53‏]‏ لمشعر بأنهم بُعَدَاء عن أن تقنعهم الآياتُ والنذر فتوَلَّ عنهم، أي أعرض عن الإِلحاح في جدالهم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمانهم ويغتمّ من أجل عنادهم في كفرهم فكان الله يعاود تسليته الفيْنة بعد الفَيْنَة كما قال‏:‏ ‏{‏لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 3‏]‏ ‏{‏فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 6‏]‏ ‏{‏ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 127‏]‏، فالتولي مراد به هذا المعنى، وإلا فإن القرآن جاء بعد أمثال هذه الآية بدعوتهم وجِدالهم غير مرة قال تعالى‏:‏ ‏{‏فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون‏}‏ في سورة الصافات ‏(‏174 175‏)‏‏.‏
وفرع على أمره بالتولي عنهم إخباره بأنه لا لوم عليه في إعراضهم عنه وصيغ الكلام في صيغة الجملة الاسمية دون‏:‏ لا نلومك، للدلالة على ثبات مضمون الجملة في النفي‏.‏
وجيء بضمير المخاطب مسنداً إليه فقال‏:‏ فما أنت بملوم‏}‏ دون أن يقول‏:‏ فلا ملام عليك، أو نحوه للاهتمام بالتنويه بشأن المخاطب وتعظيمه‏.‏
وزيدت الباء في الخبر المنفي لتوكيد نفي أن يكون ملوماً‏.‏
وعطف ‏{‏وذكر‏}‏ على ‏{‏فتول عنهم‏}‏ احتراس كي لا يتوهم أحد أن الإِعراض إبطال للتذكير بل التذكير باققٍ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكَّر الناس بعد أمثال هذه الآيات فآمن بعض من لم يكن آمن من قبل، وليكون الاستمرار على التذكير زيادة في إقامة الحجة على المعرضين، ولئلا يزدادوا طغياناً فيقولوا‏:‏ ها نحن أولاء قد أفحمناه فكُفّ عما يقوله‏.‏
والأمر في ‏{‏وذكر‏}‏ مراد به الدوام على التذكير وتجديدُه‏.‏
واقتصر في تعليل الأمر بالتذكير على علة واحدة وهي انتفاع المؤمنين بالتذكير لأن فائدة ذلك محققة، ولإِظهار العناية بالمؤمنين في المقام الذي أُظهرت فيه قلة الاكتراث بالكافرين قال تعالى‏:‏ ‏{‏فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 9 11‏]‏‏.‏
ولذلك فوصف المؤمنين يراد به المتصفون بالإِيمان في الحال كما هو شأن اسم الفاعل، وأما من سيُؤمِنْ فِعلته مطوية كما علمت آنفاً‏.‏
والنفع الحاصل من الذكرى هو رسوخ العلم بإعادة التذكير لما سمعوه واستفادة علم جديد فيما لم يسمعوه أو غفلوا عنه، ولظهور حجة المؤمنين على الكافرين يوماً فيوماً ويتكرر عجز المشركين عن المعارضة ووفرة الكلام المعجز‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 57‏]‏
‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ‏(‏56‏)‏ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ‏(‏57‏)‏‏}‏
الأظهر أن هذا معطوف على جملة ‏{‏كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 52‏]‏ الآية التي هي ناشئة عن قوله‏:‏ ‏{‏ففروا إلى الله إلى ولا تجعلوا مع الله إلها آخر‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 50، 51‏]‏ عَطْفَ الغرض على الغرض لوجود المناسبة‏.‏
فبعد أن نظَّر حالهم بحال الأمم التي صممت على التكذيب من قبلهم أَعقبه بذكر شنيع حالهم من الانحراف عما خلقوا لأجله وغُرز فيهم‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏}‏ خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خُلقوا عليها فخالفوا سنتها اتباعاً لتضليل المضلين‏.‏
والجن‏:‏ جنس من المخلوقات مستتر عن أعين الناس وهو جنس شامل للشياطين قال تعالى عن إبليس‏:‏ ‏{‏كان من الجن‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 50‏]‏‏.‏
والإِنس‏:‏ اسم جمععٍ واحدُه إنسي بياء النسبة إلى اسم جمعِه‏.‏
والمقصود من هذا الإِخبارِ هو الإِنس وإنما ذُكر الجن إدماجاً وستعرف وجه ذلك‏.‏
والاستثناء مفرغ من علل محذوفة عامة على طريقة الاستثناء المفرغ‏.‏
واللام في ‏{‏ليعبدون‏}‏ لام العلة، أي ما خلقتهم لعلة إلا علة عبادتهم إياي‏.‏ والتقدير‏:‏ لإِرادتي أن يعبدون، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة البيان‏:‏ ‏{‏ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون‏.‏
وهذا التقدير يلاحظ في كل لاممٍ ترد في القرآن تعليلاً لفعللِ الله تعالى، أي ما أرضَى لوجودهم إلا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإِلهية‏.‏
فمعنى الإِرادة هنا‏:‏ الرضى والمحبة، وليس معناها الصفةَ الإِلهية التي تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم، التي اشتق منها اسمُه تعالى‏:‏ المريد لأن إطلاق الإِرادة على ذلك إطلاق آخر، فليس المراد هنا تعليل تصرفات الخلق الناشئة عن اكتسابهم على اصطلاح الأشاعرة، أو عن قُدرتهم على اصطلاح المعتزلة على تقارب ما بين الاصطلاحين لظهور أن تصرفات الخلق قد تكون مناقضة لإِرادة الله منهم بِمعنى الإِرادة الصفةِ، فالله تعالى خلق الناس على تركيب يقتضي النظر في وجود الإِله ويسوق إلى توحيده ولكن كسب الناس يجرّف أعمالهم عن المهيع الذي خلقوا لأجله، وأسبابُ تمكُّنِهم من الانحراف كثيرة راجعة إلى تشابك الدواعي والتصرفات والآلات والموانع‏.‏
وهذا يغني عن احتمالات في تأويل التعليل من قوله‏:‏ ليعبدون‏}‏ من جعل عموم الجن والإِنس مخصوصاً بالمؤمنين منهم، أو تقديرِ محذوف في الكلام، أي إلا لآمُرهم بعبادتي، أو حَمل العبادة بمعنى التذلل والتضرع الذي لا يخلو منه الجميع في أحوال الحاجة إلى التذلل والتضرع كالمرض والقحط وقد ذكرهَا ابن عطية‏.‏
ويرد على جميع تلك الاحتمالات أن كثيراً من الإِنس غير عابدٍ بدليل المشاهدة، وأن الله حكى عن بعض الجن أنهم غير عابدين‏.‏
ونقول‏:‏ إن الله خلق مخلوقات كثيرة وجعل فيها نظماً ونواميس فاندفع كلُّ مخلوق يعمل بما تدفعه إليه نواميس جبلته، فقد تعُود بعض المخلوقات على بعض بنقض ما هُيِّءُ هُوَ لَه ويعود بعضها على غيره بنقض ما يسعى إليه، فتشابكت أحوال المخلوقات ونواميسها، فربما تعاضدت وتظاهرت وربما تناقضت وتنافرت فحدثت من ذلك أحوال لا تُحصى ولا يحاط بها ولا بطرائقها ولا بعواقبها، فكثيراً ما تسفر عن خلاف ما أُعدّ له المخلوق في أصل الفطرة فلذلك حاطها الله بالشرائع، أي فحصل تناقض بين الأمر التكويني والأمر التشريعي‏.‏
ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوثثِ المصطلحات الشرعية دقيق الدلالة، وكلمات أئمة اللغة فيه خفية والذي يُستخلص منها أنها إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضُرّه مِلكاً ذاتياً مستمراً، فالمعبود إله للعابد كما حكى الله قول فرعون ‏{‏وقومهما لنا عابدون‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 47‏]‏‏.‏
فالحصر المستفاد من قوله‏:‏ ‏{‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏}‏ قصرُ علةِ خلق الله الإِنسَ والجنَّ على إرادته أن يعبدوه، والظاهر أنه قصر إضافي وأنه من قبيل قصر الموصوف على الصفة، وأنه قصر قلب باعتبار مفعول ‏{‏يعبدون‏}‏، أي إلا ليعبدوني وحدي، أي لا ليشركوا غيري في العبادة، فهو ردّ للإِشراك، وليس هو قصراً حقيقياً فإنا وإن لم نطلع على مقادير حِكَم الله تعالى من خَلق الخلائق، لكنَّا نعلم أن الحكمة من خلقهم ليست مُجردَ أن يعبدوه، لأن حِكَم الله تعالى من أفعاله كثيرة لا نُحيط بها، وذكر بعضها كما هنا لما يقتضي عدم وجود حكمة أخرى، ألاَ ترى أن الله ذكر حِكماً للخلق غير هذه كقوله‏:‏ ‏{‏ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 118، 119‏]‏ بَلْهَ ما ذكره من حكمة خلق بعض الإِنس والجن كقوله في خلق عيسى ‏{‏ولنجعله آية للناس ورحمة منا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 21‏]‏‏.‏
ثم إن اعتراف الخلققِ بوحدانية الله يَقْشَع تكذيبهم بالرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم ما كذَّبوه إلا لأنه دعاهم إلى نبذ الشرك الذي يزعمون أنه لا يسع أحداً نبذُه، فإذا انقشع تكذيبهم استتبع انقشاعُه امتثالَ الشرائع التي يأتي بها الرسول صلى الله عليه وسلم إذا آمنوا بالله وحده أطاعوا ما بلَّغهم الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، فهذا معنى تقتضيه عبادةُ الله بدلالة الالتزام، وذلك هو ما سُمي بالعبادة بالإطلاق المصطلح عليه في السُنَّة في نحو قوله‏:‏ «أن تعبد اللَّه كأنك تراه» وليس يليق أن يكون مراداً في هذه الآية لأنه لا يطرد أن يكون علةً لخلق الإنسان فإن التكاليف الشرعية تظهر في بعض الأمم وفي بعض العصور وتتخلف في عصور الفترات بين الرسل إلى أن جاء الإِسلام، وأحسب أن إطلاق العبادة على هذا المعنى اصطلاح شرعي وإنْ لم يرد به القرآن لكنه ورد في السنة كثيراً وأصبح متعارفاً بين الأمة من عهد ظهور الإِسلام‏.‏
وأن تكاليف الله للعباد على ألسنة الرسل ما أراد بها إلا صلاحَهم العاجل والآجل وحصولَ الكمال النفساني بذلك الصلاح، فلا جَرم أَنَّ الله أراد من الشرائع كمال الإِنسان وضبطَ نظامه الاجتماعي في مختِلف عصوره‏.‏
وتلك حكمة إنشائه، فاستتبع قولُه‏:‏ ‏{‏إلا ليعبدون‏}‏ أنه ما خلقهم إلا لينتظم أمرهم بوقوفهم عند حدود التكاليف التشريعية من الأوامر والنواهي، فعبادة الإِنسان ربَّه لا تخرج عن كونها محقِّقة للمقصد من خَلقه وعلَّةً لحصوله عادةً‏.‏
وعن مجاهد وزيد بن أسلم تفسير قوله‏:‏ ‏{‏إلا ليعبدون‏}‏ بمعنى‏:‏ إلاّ لآمرهم وأنهاهم‏.‏ وتَبع أبو إسحاق الشاطبي هذا التأويل في النوع الرابع من كتاب المقاصد من كتابه عنوان التعريف «الموافقات» وفي محمل الآية عليه نظر قد علمتَه فحققْهُ‏.‏
وما ذكر الله الجن هنا إلا لتنبيه المشركين بأن الجن غير خارجين عن العبودية لله تعالى‏.‏ وقد حكى الله عن الجن في سورة الجن قول قائلهم‏:‏ ‏{‏وأنه كان يقول سفيهنا على اللَّه شططاً‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 4‏]‏‏.‏
وتقديم الجن في الذكر في قوله‏:‏ ‏{‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏}‏ للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين الذين كانوا يعبدون الجن، ليعلموا أن الجن عباد لله تعالى، فهو نظير قوله‏:‏ ‏{‏وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 26‏]‏‏.‏
وجملة ‏{‏ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون‏}‏ تقرير لمعنى ‏{‏إلا ليعبدون‏}‏ بإبطال بعض العلل والغايات التي يقصدها الصانعون شيئاً يصنعونه أو يتخذونه، فإن المعروف في العرف أن من يتخذ شيئاً إنما يتخذه لنفع نفسه، وليست الجملة لإِفادة الجانب المقصور دُونَه بصيغة القصر لأن صيغة القصر لا تحتاج إلى ذكر الضد‏.‏ ولا يَحسن ذكر الضد في الكلام البليغ‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون‏}‏ كناية عن عدم الاحتياج إليهم لأن أشد الحاجات في العرف حاجة الناس إلى الطعام واللباس والسكن وإنما تحصل بالرزق وهو المال، فلذلك ابتدئ به ثم عطف عليه الإِطعام، أي إعطاء الطعام لأنه أشد ما يحتاج إليه البشر، وقد لا يَجده صاحب المال إذا قحط الناس فيحتاج إلى من يسلفه الطعامَ أو يُطعمه إياه، وفي هذا تعريض بأهل الشرك إذ يُهدون إلى الأصنام الأموال والطعام تتلقاه منهم سدنة الأصنام‏.‏
والرزق هنا‏:‏ المال كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فابتغوا عند الله الرزق‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 17‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 26‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 7‏]‏، ويطلق الرزق على الطعام كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 62‏]‏ ويمنع من إرادته هنا عطف ‏{‏وما أريد أن يطعمون‏}‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏
‏{‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ‏(‏58‏)‏‏}‏
تعليل لجملتي ‏{‏ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 57‏]‏ و‏{‏الرزق‏}‏ هنا بمعنى ما يعمّ المال والإِطعام‏.‏
والرزاق‏:‏ الكثير الإِرزاق، والقوةُ‏:‏ القدرة‏.‏
وذو القوة‏:‏ صاحب القدرة‏.‏ ومن خصائص ‏(‏ذو‏)‏ أن تضاف إلى أمر مهم، فعلم أن القوة هنا قوة خلية من النقائص‏.‏
والمتين‏:‏ الشديد، وهو هنا وصف لذي القوة، أي الشديد القوة، وقد عدّ ‏{‏المتين‏}‏ في أسمائه تعالى‏.‏ قال الغزالي‏:‏ وذلك يرجع إلى معاني القدرة‏.‏ وفي «معارج النور» شرح الأسماء «المتينُ‏:‏ كمال في قوته بحيث لا يعارض ولا يُدانَى»‏.‏
فالمعنى أنه المستغني غنىً مطلقاً فلا يحتاج إلى شيء فلا يكون خلقه الخلق لتحصيل نفع له ولكن لعمران الكون وإجراء نظام العمران باتباع الشريعة التي يجمعها معنى العبادة في قوله‏:‏ ‏{‏إلا ليعبدون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56‏]‏‏.‏
وإظهار اسم الجلالة في ‏{‏إن الله هو الرزاق‏}‏ إخراج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر لأن مقتضاه‏:‏ إني أَنا الرزاق، فعدل عن الإِضمار إلى الاسم الظاهر لتكون هذه الجملة مستقلة بالدلالة لأنها سُيرت مسِير الكلام الجامع والأمثال‏.‏
وحذفت ياء المتكلم من ‏{‏يعبدون‏}‏ و‏{‏يطعمون‏}‏ للتخفيف، ونظائره كثيرة في القرآن‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين‏}‏ طريق قصر لوجود ضمير الفصل، أي‏:‏ لا رَزَّاق، ولا ذا قوة، ولا متين إلا الله وهو قصر إضافي، أي دون الأصنام التي يعبدونها‏.‏
فالقصر قصر إفراد بتنزيل المشركين في إشراكهم أصنامهم بالله منزلة من يدعي أن الأصنام شركاء لله في صفاته التي منها‏:‏ الإِرزاق، والقوة، والشدة، فأبطل ذلك بهذا القصر، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين تعبدون من دون اللَّه لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند اللَّه الرزق واعبدوه‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 17‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إن الذين تدعون من دون اللَّه لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 73‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏
‏{‏فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ ‏(‏59‏)‏‏}‏
تفريع على جملة ‏{‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56‏]‏ باعتبار أن المقصود من سياقه إبطال عبادتهم غير الله، أي فإذا لم يفردني المشركون بالعبادة فإن لهم ذَنوباً مثل ذَنوب أصحابهم، وهو يلمح إلى ما تقدم من ذكر ما عوقبت به الأمم السالفة من قوله‏:‏ ‏{‏قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إنهم كانوا قوماً فاسقين‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 32 46‏]‏‏.‏
والمعنى‏:‏ فإذ ماثلهم الذين ظلموا فإن لهم نصيباً عظيماً من العذاب مثل نصيب أولئك‏.‏
والذين ظلموا‏:‏ الذين أشركوا من العرب، والظلم‏:‏ الشرك بالله‏.‏
والذنوب بفتح الذال‏:‏ الدلو العظيمة يستقي بها السُّقاة على القليب كما ورد في حديث الرؤيا ‏"‏ ثم أخذها أبو بكر ففزع ذنوباً أو ذنوبين ‏"‏ ولا تسمى ذنوباً إلا إذا كانت ملأى‏.‏
والكلام تمثيل لهيئة تساوي حظ الذين ظلموا من العرب بحُظوظ الذين ظلموا من الأمم السالفة بهيئة الذين يستقون من قليب واحد إذ يتساوون في أنصبائهم من الماء، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس، وأطلق على الأمم الماضية اسم وصف أصحاب الذين ظلموا باعتبار الهيئة المشبه بها إذ هي هيئة جماعات الوِرد يكونون متصاحبين‏.‏
وهذا التمثيل قابل للتوزيع بأنه يشبّه المشركون بجماعة وردت على الماء، وتُشبه الأمم الماضية بجماعة سبقتهم للماء، ويُشبه نصيب كل جماعة بالدلو التي يأخذونها من الماء‏.‏
قال علقمة بن عَبْدة يمدح الملكَ الحارثَ بن أبي شَمِر، ويشفع عنده لأخيه شأسٍ بن عبدة وكان قد وقع في أسره مع بني تميم يوم عَين أباغ‏:‏
وفي كل حي قد خَبَطْتَ بَنعمة *** فحُقَّ لشَأْسسٍ من نَداك ذَنوب
فلما سمعه الملك قال‏:‏ «نعم وأَذنبة» وأطلق له أخاه شأس بن عبدة ومن معه من أسرى تميم، وهذا تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود‏:‏ أن يسمعه المشركون فهو تعريض، وبهذا الاعتبار أكد الخبر ب ‏(‏إنَّ‏)‏ لأنهم كانوا مكذبين بالوعيد، ولذلك فرع على التأكيد قوله‏:‏ ‏{‏فلا يستعجلون‏}‏ لأنهم كانوا يستعجلون بالعذاب استهزاء وإشعاراً بأنه وعد مكذوب فهم في الواقع يستعجلون الله تعالى بوعيده‏.‏
وعدّي الاستعجال إلى ضمير الجلالة وهم إنما استعجلوه النبي صلى الله عليه وسلم لإِظهار أن النبي صلى الله عليه وسلم مخبر عن الله تعالى توبيخاً لهم وإنذاراً بالوعيد‏.‏ وحذفت ياء المتكلم للتخفيف‏.‏
والنهي مستعمل في التهكم إظهاراً لغضب الله عليهم‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏
‏{‏فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ‏(‏60‏)‏‏}‏
فرع على وعيدهم إنذار آخر بالويل، أو إنشاءُ زَجر‏.‏
والويل‏:‏ الشر وسوء الحال، وتقدم في قوله‏:‏ ‏{‏فويل لهم مما كتبت أيديهم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏79‏)‏، وتنكيره للتعظيم‏.‏
والكلام يحتمل الإِخبار بحصول ويل، أي عذاب وسوء حال لهم يوم أوعدوا به، ويحتمل إنشاء الزجر والتعجيب من سوء حالهم في يَوم أُوعدوه‏.‏
و ‏(‏مِن‏)‏ للابتداء المجازي، أي سوء حال بترقبهم عذاباً آتياً من اليوم الذي أوعدوه‏.‏
والذين كفروا‏:‏ هم الذين ظلموا، عدل عن ضميرهم إلى الاسم الظاهر لما فيه من تأكيد الاسم السابق تأكيداً بالمرادف، مع ما في صفة الكفر من الإِيماء إلى أنهم لم يشكروا نعمة خالقهم‏.‏
واليوم الذي أوعدوه هو زمن حلول العذاب فيحتمل أن يراد يوم القيامة ويحتمل حلول العذاب في الدنيا، وأيًّا مَّا كان فمضمون هذه الجملة مغاير لمضمون التي قبلها‏.‏
وإضافة ‏(‏يوم‏)‏ إلى ضميرهم للدلالة على اختصاصه بهم، أي هو معيّن لجزائهم كما أضيف يوم إلى ضمير المؤمنين في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 103‏]‏‏.‏ واليوم‏:‏ يصدق بيوم القيامة، ويصدق بيوم بدر الذي استأصل الله فيه شوكتهم‏.‏
ولما كان المضاف إليه ضمير الكفار المعينين وهم كفار مكة ترجح أن يكون المراد من هذا اليوم يوماً خاصاً بهم وإنما هو يوم بدر لأن يوم القيامة لا يختص بهم بل هو عام لكفار الأمم كلهم بخلاف اليوم الذي في قوله في سورة الأنبياء ‏(‏103‏)‏‏:‏ ‏{‏وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون‏}‏ لأن ضمير الخطاب فيها عائد إلى ‏{‏الذين سبقت لهم منا الحسنى‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 101‏]‏ كلهم‏.‏
وفي الآية من اللطائف تمثيل ما سيصيب الذين كفروا بالذنوب، والذنوب يناسب القليب وقد كان مثواهم يوم بدر قليبَ بدر الذي رُميت فيه أشلاء سادتهم وهو اليوم القائل فيه شداد بن الأسود الليثي المكنَّى أبا بكر يرثي قتلاهم‏:‏
وماذا بالقليببِ قليببِ بدر *** من الشيزى تُزيَّن بالسَّنَام
تحيّى بالسلامة أمّ بكر *** وهل لي بعد قومي من سَلام
ولعلّ هذا مما يشمل قول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف على القليب يوم بدر ‏{‏قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 44‏]‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏من يومهم الذي يوعدون‏}‏ مع قوله في أول السورة ‏{‏إن ما توعدون لصادق‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 5‏]‏ ردّ العجز على الصدر، ففيه إيذان بانتهاء السورة وذلك من براعة المقطع‏.‏
سورة الطور
تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏
‏{‏وَالطُّورِ ‏(‏1‏)‏ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ‏(‏2‏)‏ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ‏(‏3‏)‏ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ‏(‏4‏)‏ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ‏(‏5‏)‏ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ‏(‏6‏)‏ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ‏(‏7‏)‏ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ‏(‏8‏)‏‏}‏
القَسَم للتأكيد وتحقيق الوعيد‏.‏ ومناسبة الأمور المقسم بها للمقسم عليه أن هذه الأشياء المقسم بها من شؤون بعثه موسى عليه السلام إلى فرعون وكان هلاك فرعون ومن معه من جراء تكذيبهم موسى عليه السلام‏.‏
و ‏{‏الطور‏}‏‏:‏ الجبل باللغة السريانيّة قاله مجاهد‏.‏ وأدخل في العربية وهو من الألفاظ المعربة الواقعة في القرآن‏.‏
وغلب علَماً على طور سينا الذي ناجى فيه موسى عليه السلام، وأنزل عليه فيه الألواح المشتملة على أصول شريعة التوراة‏.‏
فالقسم به باعتبار شرفه بنزول كلام الله فيه ونزول الألواح على موسى وفي ذكر الطور إشارة إلى تلك الألواح لأنها اشتهرت بذلك الجبل فسميت طور المعرّب بتوراة‏.‏
وأما الجبل الذي خوطب فيه موسى من جانب الله فهو جبل حُوريب واسمه في العربية ‏(‏الزّبير‏)‏ ولعله بجانب الطور كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏آنس من جانب الطور ناراً‏}‏ وتقدم بيانه في سورة القصص ‏(‏29‏)‏، وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ورفعنا فوقكم الطور‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏63‏)‏‏.‏
والقَسَم بالطور توطئة للقسم بالتوراة التي أنزل أولها على موسى في جبل الطور‏.‏
والمراد ‏{‏بكتاب مسطور في رَقّ منشور‏}‏ التوراةُ كلها التي كتبها موسى عليه السلام بعد نزول الألواح، وضمَّنها كل ما أوحَى الله إليه مما أمر بتبليغه في مدة حياته إلى ساعات قليلة قبل وفاته‏.‏ وهي الأسفار الأربعة المعروفة عند اليهود‏:‏ سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر العَدد، وسفر التثنية، وهي التي قال الله تعالى في شأنها‏:‏ ‏{‏ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏154‏)‏‏.‏
وتنكير كتاب‏}‏ للتعظيم‏.‏ وإجراء الوصفين عليه لتمييزه بأنه كتاب مشرف مراد بقاؤه مأمور بقراءته إذ المسطور هو المكتوب‏.‏ والسطر‏:‏ الكتابة الطويلة لأنها تجعل سطوراً، أي صفوفاً من الكتاب قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما يسطرون‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 1‏]‏، أي يكتبون‏.‏
والرَّق ‏(‏بفتح الراء بعدها قاف مشددة‏)‏ الصحيفة تُتّخذ من جلد مرقق أبيض ليكتب عليه‏.‏ وقد جمعها المتلمِس في قوله‏:‏
فكأنما هِي مِن تقادُممِ عهدها *** رَقّ أُتيح كتابُها مسطور
والمنشور‏:‏ المبسوط غير المطوي قال يزيد بن الطثرية‏:‏
صحائف عندي للعتاب طويتُها *** ستنشر يوماً مَا والعتاب يطول
أي‏:‏ أقسم بحال نشره لقراءته وهي أشرف أحواله لأنها حالة حصول الاهتداء به للقارئ والسامع‏.‏
وكان اليهود يكتبون التوراة في رقوق ملصق بعضها ببعض أو مخيط بعضها ببعض، فتصير قطعة واحدة ويطوونها طيّاً اسطوانياً لتحفظ فإذا أرادوا قراءتها نشروا مطويها، ومنه ما في حديث الرجم «فنشروا التوراة»‏.‏ وليس المراد بكتاب مسطور القرآن لأن القرآن لم يكن يومئذٍ مكتوباً سطوراً ولا هو مكتوباً في رَق‏.‏
ومناسبة القسم بالتوراة أنها الكتاب الموجود الذي فيه ذكر الجزاء وإبطال الشرك وللإِشارة إلى أن القرآن الذي أنكروا أنه من عند الله ليس بدعاً فقد نزلت قبله التوراة وذلك لأن المقْسَم عليه وقوع العذاب بهم وإنما هو جزاء على تكذيبهم القرآن ومن جاء به بدليل قوله بعد ذكر العذاب
‏{‏فويل يومئذٍ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 11، 12‏]‏‏.‏
والقسم بالتوراة يقتضي أن التوراة يومئذٍ لم يكن فيها تبديل لما كتبه موسى‏:‏ فإمّا أن يكون تأويل ذلك على قول ابن عباس في تفسير معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يحرفون الكلم عن مواضعه‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 13‏]‏ أنه تحريف بسوء فهم وليس تبديلاً لألفاظ التوراة، وإمّا أن يكون تأويله أن التحريف وقع بعد نزول هذه السورة حين ظهرت الدعوة المحمدية وجَبَهت اليهودَ دلالةُ مواضع من التوراة على صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو يكون تأويله بأن القسم بما فيه من الوحي الصحيح‏.‏
والبيت المعمور‏:‏ عن الحسن أنه الكعبة وهذا الأنسب بعطفه على الطور، ووصفه ب ‏{‏المعمور‏}‏ لأنه لا يخلو من طائف به، وعمران الكعبة هو عمرانها بالطائفين قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنما يعمر مساجد اللَّه من آمن باللَّه واليوم الآخر‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 18‏]‏ الآية‏.‏
ومُناسبة القسم سبق القسم بكتاب التوراة فعقب ذلك بالقسم بمواطن نزول القرآن فإن ما نزل به من القرآن أنزل بمكة وما حولها مثل جبل حِراء‏.‏ وكان نزوله شريعة ناسخة لشريعة التوراة، على أن الوحي كان ينزل حَول الكعبة‏.‏ وفي حديث الإِسراء ‏"‏ بينا أنا نائم عند المسجد الحرام إذ جاءني الملكان ‏"‏ الخ، فيكون توسيط القسم بالكعبة في أثناء ما أقسم به من شؤون شريعة موسى عليه السلام إدماجاً‏.‏
وفي «الطبري»‏:‏ أن علياً سئل‏:‏ ما البيت المعمور‏؟‏ فقال‏:‏ «بيت في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبداً، يقال‏:‏ له الضُراح» ‏(‏بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء وحاء مهملة‏)‏، وأن مجاهداً والضحاك وابن زيد قالُوا مثل ذلك‏.‏ وعن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ هل تدرون ما البيت المعمور‏؟‏ قال‏:‏ فإنه مسجد في السماء تحته الكعبة ‏"‏ إلى آخر الخبر‏.‏ وثمة أخبار كثيرة متفاوتة في أن في السماء موضعاً يقال له‏:‏ البيت المعمور، لكن الروايات في كونه المرادَ من هذه الآية ليست صريحة‏.‏
وأما السقف المرفوع‏:‏ ففسروه بالسماء لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 32‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏والسماء رفعها‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 7‏]‏ فالرفع حقيقي ومناسبة القسَم بها أنها مصدر الوحي كله التوراة والقرآن‏.‏ وتسمية السماء على طريقة التشبيه البليغ‏.‏
والبحر‏:‏ يجوز أن يراد به البحر المحيط بالكرة الأرضية‏.‏ وعندي‏:‏ أن المراد بحر القلزم، وهو البحر الأحمر ومناسبة القَسَم به أنه به أُهلك فرعون وقومه حين دخله موسى وبنو إسرائيل فلحق بهم فرعون‏.‏
و ‏{‏المَسجور‏}‏‏:‏ قيل المملوءُ، مشتقاً من السَّجر، وهم الملء والإِمداد‏.‏ فهو صفة كاشفة قصد منها التذكير بحال خلق الله إياه مملوءاً ماء دون أن تملأه أودية أو سيول، أو هي للاحتراز عن إرادة الوادي إذ الوادي ينقص فلا يبقى على ملئه وذلك دال على عظم القدرة‏.‏
والظاهر عندي‏:‏ أن وصفه بالمسجور للإِيماء إلى الحالة التي كان بها هلاك فرعون بعد أن فَرق الله البحر لموسى وبني إسرائيل ثم أسجره، أي أفاضه على فرعون وملئه‏.‏
وعذاب الله المُقْسَم على وقوعه هو عذاب الآخرة لقوله‏:‏ ‏{‏يوم تمور السماء موراً إلى قوله‏:‏ تكذبون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 9 14‏]‏‏.‏ وأما عذاب المكذبين في الدنيا فسيجيء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 47‏]‏‏.‏ وتحقيق وقوع عذاب الله يوم القيامة إثبات للبعث بطريق الكناية القريبة، وتهديد للمشركين بطريق الكناية التعريضية‏.‏
والواوات التي في هذه الآية كلها واوات قسم لأن شأن القسم أن يعاد ويكرر، ولذلك كثيراً ما يُعيدون المقسم به نحو قول النابغة‏:‏
والله والله لنعم الفتى ***
وإنما يعطفون بالفاء إذا أرادُوا صفات المقسم به‏.‏
ويجوز صرف الواو الأولى للقسم واللاتي بعدها عاطفات على القسم، والمعطوف على القسم قسم‏.‏
والوقوع‏:‏ أصله النزول من علوّ واستعمل مجازاً للتحقق وشاع ذلك، فالمعنى‏:‏ أن عذاب ربك لمتحقق‏.‏
وحذف متعلق ‏{‏لواقع‏}‏، وتقديره‏:‏ على المكذبين، أو بالمكذبين، كما دل عليه قوله بعدُ ‏{‏فويل يومئذ للمكذبين‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 11‏]‏، أي المكذبين بك بقرينة إضافة رب إلى ضمير المخاطب المشعر بأنه معذبهم لأنه ربك وهم كذّبُوك فقد كذبوا رسالة الرب‏.‏ وتضمن قوله‏:‏ ‏{‏إن عذاب ربك لواقع‏}‏ إثبات البعث بعد كون الكلام وعيداً لهم على إنكار البعث وإنكارهم أن يكونوا معذبين‏.‏
وأتبع قوله‏:‏ ‏{‏لواقع‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏ما له من دافع‏}‏، وهو خبر ثان عن ‏{‏عذاب‏}‏ أو حال منه، أي‏:‏ ما للعذاب دافع يدفعه عنهم‏.‏
والدفع‏:‏ إبعاد الشيء عن شيء باليد وأطلق هنا على الوقاية مجازاً بعلاقة الإِطلاق ألا يقيهم من عذاب الله أحد بشفاعة أو معارضة‏.‏
وزيدت ‏{‏من‏}‏ في النفي لتحقيق عموم النفي وشموله، أي نفي جنس الدافع‏.‏
روى أحمد بن حنبل عن جبير بن مطعم قال‏:‏ «قدمت المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُكلمه في أُسارى بدر فدُفعت إليه وهو يصلِّي بأصحابه صلاة المغرب فسمعته يقرأ ‏{‏والطور‏}‏ إلى ‏{‏إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع‏}‏ فكأنما صُدع قلبي»، وفي رواية «فأسلمت خوفاً من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب»‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 12‏]‏
‏{‏يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ‏(‏9‏)‏ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ‏(‏10‏)‏ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏11‏)‏ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏
يجوز أن يتعلق ‏{‏يوم تمور السماء‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏لواقع‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 7‏]‏ على أنه ظرف له فيكون قوله‏:‏ ‏{‏فويل يومئذٍ للمكذبين‏}‏ تفريعاً على الجملة كلها ويكون العذاب عذاب الآخرة‏.‏
ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله‏:‏ ‏{‏إن عذاب ربك لواقع‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 7‏]‏، فيكون ‏{‏يوم‏}‏ متعلقاً بالكون الذي بين المبتدأ والخبر في قوله‏:‏ ‏{‏فويل يومئذٍ للمكذبين‏}‏ وقدم الظرف على عامله للاهتمام، فلما قدم الظرف اكتسب معنى الشرطية وهو استعمال متبع في الظروف والمجرورات التي تُقدم على عواملها فلذلك قرنت الجملة بعده بالفاء على تقدير‏:‏ إن حَلَّ ذلك اليوم فويل للمكذبين‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏يومئذٍ‏}‏ على هذا الوجه أريد به التأكيد للظرف فحصل تحقيق الخبر بطريقين طريق المجازاة، وطريق التأكيد في قوله‏:‏ ‏{‏يوم تمور السماء موراً‏}‏ الآية، تصريح بيوم البعث بعد أن أشير إليه تضمناً بقوله‏:‏ ‏{‏إن عذاب ربك لواقع‏}‏ فحصل بذلك تأكيده أيضاً‏.‏
والمور بفتح الميم وسكون الواو‏:‏ التحرك باضطراب، ومور السماء هو اضطراب أجسامها من الكواكب واختلال نظامها وذلك عند انقراض عالم الحياة الدنيا‏.‏
وسيْر الجبال‏:‏ انتقالها من مواضعها بالزلازل التي تحدث عند انقراض عالم الدنيا، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إذا زلزلت الأرض زلزالها‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:‏ 1 6‏]‏‏.‏
وتأكيد فعلي ‏{‏تمور‏}‏ و‏{‏تسير‏}‏ بمصدري ‏{‏مَوْراً‏}‏ و‏{‏سَيْراً‏}‏ لرفع احتمال المجاز، أي هو مور حقيقي وتنقل حقيقي‏.‏
والويل‏:‏ سوء الحال البالغ منتهى السوء، وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏79‏)‏ وتقدم قريباً في آخر الذاريات‏.‏
والمعنى‏:‏ فويل يومئذٍ للذين يكذبون الآن‏.‏ وحذف متعلق للمكذبين لعلمه من المقام، أي الذين يكذبون بما جاءهم به الرسول من توحيد الله والبعث والجزاء والقرآن فاسم الفاعل في زمن الحال‏.‏
والخوض‏:‏ الاندفاع في الكلام الباطل والكذب‏.‏ والمراد خوضهم في تكذيبهم بالقرآن مثل ما حكى الله عنهم‏:‏ ‏{‏وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 26‏]‏ وهو المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 68‏]‏‏.‏
و ‏{‏في‏}‏ للظرفية المجازية وهي الملابسة الشديدة كملابسة الظرف للمظروف، أي الذين تمكن منهم الخوض حتى كأنه أحاط بهم‏.‏
و ‏{‏يلعبون‏}‏ حاليّة‏.‏ واللعب‏:‏ الاستهزاء، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أباللَّه وآياته ورسوله كنتم تستهزئون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 65‏]‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 16‏]‏
‏{‏يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ‏(‏13‏)‏ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ‏(‏14‏)‏ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ‏(‏15‏)‏ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏
‏{‏يوم يدعون‏}‏ بدل من ‏{‏يوم تمور السماء موراً‏}‏ وهو بدل اشتمال‏.‏
والدعّ‏:‏ الدفع العنيف، وذلك إهانة لهم وغلظة عليهم، أي يوم يساقون إلى نار جهنم سَوقاً بدفع، وفيه تمثيل حالهم بأنهم خائفون متقهقرون فتدفعهم الملائكة الموكلون بإزجائهم إلى النار‏.‏
وتأكيد ‏{‏يدعون‏}‏ ب ‏{‏دعّاً‏}‏ لتوصل إلى إفادة تعظيمه بتنكيره‏.‏
وجملة ‏{‏هذه النار‏}‏ إلى آخرها مقول قول محذوف دل عليه السياق‏.‏ والقول المحذوف يقدر بما هو حال من ضمير ‏{‏يدعون‏}‏‏.‏ وتقديره‏:‏ يقال لهم، أو مقولاً لهم، والقائل هم الملائكة الموكلون بإيصالهم إلى جهنم‏.‏ والإِشارة بكلمة ‏{‏هذه‏}‏ الذي هو للمشار إليه القريب المؤنث تومئ إلى أنهم بلغوها وهم على شفاها، والمقصود بالإِشارة التوطئة لمَا سيرد بعدها من قوله‏:‏ ‏{‏التي كنتم بها تكذبون‏}‏ إلى ‏{‏لا تبصرون‏}‏‏.‏
والموصول وصلته في قوله‏:‏ ‏{‏التي كنتم بها تكذبون‏}‏ لتنبيه المخاطبين على فساد رأيهم إذ كذبوا بالحشر والعقاب فرأوا ذلك عياناً‏.‏
وفرع على هذا التنبيه تنبيه آخر على ضلالهم في الدنيا بقوله‏:‏ ‏{‏أفسحر هذا‏}‏ إذ كانوا حين يسمعون الإِنذار يوم البعث والجزاء يقولون‏:‏ هذا سحر، وإذا عرض عليهم القرآن قالوا‏:‏ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب، فللمناسبة بين ما في صلة الموصول من معنى التوقيف على خطئهم وبين التهكّم عليهم بما كانوا يقولونه دخلت فاء التفريع وهو من جملة ما يقال لهم المحكي بالقول المقدر‏.‏
و ‏{‏أم‏}‏ منقطعة، والاستفهام الذي تقتضيه ‏{‏أم‏}‏ بعدها مستعمل في التوبيخ والتهكم‏.‏ والتقدير‏:‏ بل أأنتم لا تبصرون‏.‏
ومعنى ‏{‏لا تبصرون‏}‏‏:‏ لا تبصرون المرئيات كما هي في الواقع فلعلكم تزعمون أنكم لا ترون ناراً كما كنتم في الدنيا تقولون‏:‏ ‏{‏بيننا وبينك حجاب‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 5‏]‏ أي فلا نراك، وتقولون ‏{‏إنما سكرت أبصارنا‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 15‏]‏‏.‏
وجيء بالمسند إليه مخبراً عنه بخبر فعلي منفي لإِفادة تقوّي الحكم، فلذلك لم يقل‏:‏ أم لا تبصرون، لأنه لا يفيد تقوياً، ولا‏:‏ أم لا تبصرون أنتم، لأن مجيء الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل يفيد تقرير المسند إليه المحكوم عليه بخلاف تقديم المسند إليه فإنه يفيد تأكيد الحكم وتقويته وهو أشد توكيداً، وكل ذلك في طريقة التهكم‏.‏
وجملة ‏{‏اصلوها‏}‏ مستأنفة هي بمنزلة النتيجة المترقبة من التوبيخ والتغليظ السابقين، أي ادخلوها فاصطلوا بنارها يقال‏:‏ صلي النار يصلاها، إذا قاسى حرها‏.‏
والأمر في ‏{‏اصلوها‏}‏ إمّا مكنًّى به عن الدخول لأن الدخول لها يستلزم الاحتراق بنارها، وإما مستعمل مجازاً في التنكيل‏.‏ وفرع على ‏{‏اصلوها‏}‏ أمر للتسوية بين صبرهم على حرّها وبين عدم الصبر وهو الجزع لأن كليهما لا يخففان عنهم شيئاً من العذاب، ألا ترى أنهم يقولون‏:‏ ‏{‏سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيض‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 21‏]‏ لأن جُرمَهم عظيم لا مطمع في تخفيف جزائه‏.‏
و ‏{‏سواء عليكم‏}‏ خبر مبتدأ محذوف، تقديره‏:‏ ذلك سواء عليكم‏.‏
وجملة ‏{‏سواء عليكم‏}‏ مؤكدة لجملة ‏{‏فاصبروا أو لا تصبروا‏}‏ فلذلك فصلت عنها ولم تعطف‏.‏
وجملة ‏{‏إنما تجزون ما كنتم تعملون‏}‏ تعليل لجملة ‏{‏اصلوها‏}‏ إذ كلمة ‏{‏إنما‏}‏ مركبة من ‏(‏إنّ‏)‏ و‏(‏ما‏)‏ الكافة، فكما يصح التعليل ب ‏(‏إنّ‏)‏ وحدها كذلك يصح التعليل بها مع ‏(‏ما‏)‏ الكافة، وعليه فجملتا ‏{‏فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم‏}‏ معترضتان بين جملة ‏{‏اصلوها‏}‏ والجملة الواقعة تعليلاً لها‏.‏
والحصر المستفاد من كلمة ‏{‏إنما‏}‏ قصر قلب بتنزيل المخاطبين منزلة من يعتقد أن ما لقوه من العذاب ظلم لم يستوجبوا مثل ذلك من شدة ما ظهر عليهم من الفزع‏.‏
وعدي ‏{‏تجزون‏}‏ إلى ‏{‏ما كنتم تعملون‏}‏ بدون الباء خلافاً لقوله بعده ‏{‏كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 19‏]‏ ليشمل القصر مفعول الفعل المقصور، أي تجزون مثل عملكم لا أكثر منه فينتفي الظلم عن مقدار الجزاء كما انتفى الظلم عن أصله، ولهذه الخصوصية لم يعلق معمول الفعل بالباء إذ جعل الجزاء بمنزلة نفس الفعل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 19‏]‏
‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ‏(‏17‏)‏ فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ‏(‏18‏)‏ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏
استئناف بياني بعد أن ذكر حال المكذبين وما يقال لهم، فمن شأن السامع أن يتساءل عن حال أضدادهم وهم الفريق الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به القرآن وخاصة إذ كان السامعون المؤمنين وعادة القرآن تعقيب الإِنذار بالتبشير وعكسه، والجملة معترضة بين ما قبلها وجملة ‏{‏أم يقولون شاعر‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏‏.‏
وتأكيد الخبر ب ‏(‏إن‏)‏ للاهتمام به وتنكير ‏{‏جنات ونعيم‏}‏ لتعظيم، أي في أيَّة جنات وأيّ نعيم‏.‏
وجمع ‏{‏جنات‏}‏ تقدم في سورة الذاريات‏.‏
والفاكه‏:‏ وصف من فكِه كفرح، إذا طابت نفسه وسرّ‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏فاكهين‏}‏ بصيغة اسم الفاعل، وقرأه أبو جعفر ‏{‏فكهين‏}‏ بدون ألف‏.‏
والباء في ‏{‏بما آتاهم ربهم‏}‏ للسببية، والمعنى‏:‏ أن ربهم أرضاهم بما يحبون‏.‏
واستحضار الجلالة بوصف ‏{‏ربهم‏}‏ للإِشارة إلى عظيم ما آتاهم إذ العطاء يناسب حال المعطي، وفي إضافة ‏(‏رب‏)‏ إلى ضميرهم تقريب لهم وتعظيم وجملة ‏{‏ووقاهم ربهم عذاب الجحيم‏}‏ في موضع الحال، والواو حالية، أو عاطفة على ‏{‏فاكهين‏}‏ الذي هو حال، والتقدير‏:‏ وقد وقاهم ربهم عذاب الجحيم، وهو حال من المتقين‏.‏ والمقصود من ذكر هذه الحالة‏:‏ إظهار التباين بين حال المتقين وحال المكذبين زيادة في الامتنان فإن النعمة تزداد حسن وقع في النفس عند ملاحظة ضدها‏.‏
وفيه أيضاً أن وقايتهم عذاب الجحيم عدل، لأنهم لم يقترفوا ما يوجب العقاب‏.‏ وأما ما أعطوه من النعيم فذلك فضل من الله وإكرام منه لهم‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏ربهم‏}‏ ما تقدم قُبَيْله‏.‏
وجملة ‏{‏كلوا واشربوا‏}‏ إلى آخرها مقول قول محذوف في موضع الحال أيضاً، تقديره‏:‏ يقال لهم، أو مقولاً لهم‏.‏ وهذا القول مقابل ما يقال للمكذبين ‏{‏اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 16‏]‏‏.‏
وحذف مفعول ‏{‏كلوا واشربوا‏}‏ لإِفادة النعيم، أي كلوا كل ما يؤكل واشربوا كلّ ما يشرب، وهو عموم عرفي، أي مما تشتهون‏.‏
و ‏{‏هنيئاً‏}‏ اسم على وزن فعيل بمعنى مفعول وقع وصفاً لمصدرين لفعلي ‏{‏كلوا واشربوا‏}‏، أكلاً وشرباً، فلذلك لم يؤنث الوصف لأن فعيلاً إذا كان بمعنى مفعول يلزم الإِفراد والتذكير‏.‏ وتقدم في سورة النساء لأنه سالم مما يكدر الطعام والشراب‏.‏
و ‏(‏ما‏)‏ موصولة، والباء سببية، أي بسبب العمل الذي كنتم تعملونه وهو العمل الصالح الذي يومئ إليه قوله‏:‏ ‏{‏المتقين‏}‏ وفي هذا القول زيادة كرامة لهم بإظهار أن ما أوتوه من الكرامة عوض عن أعمالهم كما آذنت به باء السببية وهو نحو قول من يسدي نعمة إلى المنعم عليه‏:‏ لا فضل لي عليك وإنما هو مالك، أو نحو ذلك‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏
‏{‏مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ‏(‏20‏)‏‏}‏
حال من ضمير ‏{‏كلوا واشربوا‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 19‏]‏، أي يقال لهم كلوا واشربوا حال كونهم متكئين، أي وهم في حال إكلة أهل الترف المعهود في الدنيا، فقد كان أهل الرفاهية يأكلون متكئين وقد وصف القرآن ذلك في سورة يوسف ‏(‏31‏)‏ بقوله‏:‏ ‏{‏أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئاً وءاتت كل واحدة منهن سكيناً‏}‏ أي لَحز الطعام والثمار‏.‏ وفي الحديث «أمَّا أنا فلا آكل متكئاً» وكان الأكاسرة ومرازبة الفُرس يأكلون متكئين وكذلك كان أَباطرة الرومان وكذلك شأنهم في شُرب الخمر، قال الأعشى‏:‏
نَازَعْتهُم قُضب الريحان متكئاً *** وخمرةً مُزة رَاوُوقها خضل
والسَّرر‏:‏ جمع سرير، وهو ما يُضطجع عليه‏.‏
والمصفوفة‏:‏ المتقابلة، والمعنى‏:‏ أنهم يأكلون متكئين مجتمعين للتأنس كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏على سرر متقابلين‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 44‏]‏‏.‏
وجملة ‏{‏وزوجناهم‏}‏ عطف على ‏{‏متكئين‏}‏ فهي في موضع الحال‏.‏
ومعنى ‏{‏زوجناهم‏}‏‏:‏ جعلنا كل فرد منهم زوجاً، أي غير مفرد، أي قرنَّاهم بنساء حُور عيننٍ‏.‏ والباء للمصاحبة، أي جعلنا حُوراً عِيناً معهم، ولم يُعد فعل ‏{‏زوجناهم‏}‏ إلى ‏{‏حور‏}‏ بنفسه على المفعولية كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏زوجناكها‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 37‏]‏، لأن ‏(‏زوجنا‏)‏ في هذه الآية ليس بمعنى‏:‏ أنكحناهم، إذ ليس المراد عقد النكاح لنُبوّ المراد عن هذا المعنى، فالتزويج هنا وارد بمعناه الحقيقي في اللغة وهو جعل الشيء المفرد زوجاً وَليس وارداً بمعناه المنقول عنه في العرف والشرع، وليس الباء لتعدية فعل ‏{‏زوجناهم‏}‏ بتضمينه معنى‏:‏ قرنَّا، ولا هو على لغة أزد شنوة فإنه لم يسمع في فصيح الكلام‏:‏ تزوج بامرأة‏.‏
وحور‏:‏ صفة لنساء المؤمنين في الجنة، وهنّ النساء اللاتي كنّ أزواجاً لهم في الدنيا إن كنّ مؤمنات ومن يخلقهن الله في الجنة لنعمة الجنة وحكم نساء المؤمنين اللاتي هن مؤمنات ولم يكن في العمل الصالح مثل أزواجهن في لحاقهن بأزواجهن في الدرجات في الجنة تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون‏}‏ في سورة الزخرف ‏(‏70‏)‏ وما يقال فيهن يقال في الرجال من أزواج النساء الصالحات‏.‏
وعين‏}‏ صفة ثانية، وحقها أن تعطف ولكن كثر ترك العطف‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏
‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ‏(‏21‏)‏‏}‏
‏{‏والذين ءَامَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بإيمان أَلْحَقْنَا بِهِمْ‏}‏‏.‏
اعتراض بين ذِكر كرامات المؤمنين، والواو اعتراضية‏.‏
والتعبير بالموصول إظهار في مقام الإِضمار لتكون الصلة إيماء إلى أن وجه بناء الخبر الوارد بعدها، أي أن سبب إلحاق ذرياتهم بهم في نعيم الجنة هو إيمانهم وكونُ الذريات آمنوا بسبب إيمان آبائهم لأن الآباء المؤمنين يلقِّنون أبناءهم الإِيمان‏.‏
والمعنى‏:‏ والمؤمنون الذين لهم ذرياتٌ مؤمنون ألحقنا بهم ذرياتهم‏.‏
وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 6‏]‏، وهل يستطيع أحد أن يقي النار غيره إلا بالإِرشاد‏.‏ ولعل ما في الآية من إلحاق ذرياتهم من شفاعة المؤمن الصالح لأهله وذريته‏.‏
والتنكير في قوله‏:‏ ‏{‏بإيمان‏}‏ يحتمل أن يكون للتعظيم، أي بإيمان عظيم، وعظمتُه بكثرة الأعمال الصالحة، فيكون ذلك شرطاً في إلحاقهم بآبائهم وتكون النعمة في جعلهم في مكان واحد‏.‏
ويحتمل أن يكون للنوعية، أي بما يصدق عليه حقيقة الإِيمان‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏واتبعتهم‏}‏ بهمزة وصل وبتشديد التاء الأولى وبتاء بعد العين هي تاء تأنيث ضمير الفعل‏.‏ وقرأه أبو عمرو وحده ‏{‏وأتبعناهم‏}‏ بهمزة قطع وسكون التاء‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ذريتهم‏}‏ الأول قرأه الجمهور بصيغة الإِفراد‏.‏ وقرأه أبو عمرو ‏{‏ذرياتهم‏}‏ بصيغة جمع ذرية فهو مفعول ‏{‏أتبعناهم‏}‏‏.‏ وقرأه ابن عامر ويعقوب بصيغة الجمع أيضاً لكن مرفوعاً على أنه فاعل ‏{‏أتبعتهم‏}‏، فيكون الإِنعام على آبائهم بإلحاق ذرياتهم بهم وإن لم يعملوا مثل عملهم‏.‏
وقد روى جماعة منهم الطبري والبزار وابن عديّ وأبو نعيم وابن مردويه حديثاً مسنداً إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه ‏(‏أي في العمل كما صرح به في رواية القرطبي‏)‏ لتقرّ بهم عينُه ثم قرأ‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏من شيء‏}‏ ‏"‏‏.‏ وعلى الاحتمالين هو نعمة جمع الله بها للمؤمنين أنواع المسرّة بسعادتهم بمزاوجة الحور وبمؤانسة الإِخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم، وذلك أن في طبع الإنسان التأنس بأولاده وحبه اتصالهم به‏.‏
وقد وصف ذلك محمد بن عبد الرفيع الجعفري المُرسي الأندلسي نزيل تونس سنة 1013 ثلاث عشرة وألف في كتاب له سمّاه «الأنوار النبوية في آباء خير البرية» قال في خاتمة الكتاب «قد أطلعني الله تعالى على دين الإِسلام بواسطة والدي وأنا ابن ستة أعوام مع أني كنت إذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم ثم أرجعُ إلى بيتي فيعلمني والدِي دينَ الإِسلام فكنت أتعلم فيهما ‏(‏كذا‏)‏ معاً وسني حين حُملت إلى مكتَبهم أربعة أعوام فأخذ والدي لوحاً من عود الجوز كأني انظر الآن إليه مملّساً من غير طَفَل ‏(‏اسم لطين يابس وهو طين لزج وليست بعربية وعربيتُه طُفَال كغراب‏)‏، فكتب لي فيه حروف الهجاء وهو يسألني عن حروف النصارى حرفاً حرفاً تدريباً وتقريباً فإذا سميتُ له حرفاً أعجمياً يكتب لي حرفاً عربياً حتى استوفى جميع حروف الهجاء وأوصاني أن أكتم ذلك حتى عن والدتي وعَمِّي وأخي مع أنه رحمه الله قد ألقى نفسه للهلاك لإِمكان أن أخبر بذلك عنه فيُحْرَق لا محالة وقد كان يُلقِّنني ما أقوله عند رؤيتي الأصنام، فلما تحقق والدي أني أكتم أمور دين الإِسلام أمرني أن أتكلم بإفشائه لوالدتي وبعض الأصدقاء من أصحابه وسافرت الأسفار من جِيَّان لأجتمع بالمسلمين الأخيار إلى غرناطة وإشبيلية وطليطلة وغيرها من مدن الجزيرة الخضراء، فتخلص لي من معرفتهم أني ميزت منهم سبعة رجال كانوا يحدثونني بأحوال غرناطة وما كان بها في الإِسلام وقد مروا كلهم على شيخ من مشائخ غرناطة يقال له الفقيه الأوطوري‏.‏
‏.‏‏.‏» الخ‏.‏
وإيثار فعل ‏{‏ألحقنا‏}‏ دون أن يقال‏:‏ أدخلنا معهم، أو جعلنا معهم لعله لما في معنى الإِلحاق من الصلاحية للفَور والتأخير، فقد يكون ذلك الإِلحاق بعد إجراء عقاب على بعض الذرية استحقوه بسيئاتهم على ما في الأعمال من تفاوت في استحقاق العقاب والله أعلم بمراده من عباده‏.‏ وفعل الإِلحاق يقتضي أن الذريات صاروا في درجات آبائهم‏.‏ وفي المخالفة بين الصيغتين تفنن لدفع إعادة اللفظ‏.‏
و ‏{‏ألتناهم‏}‏ نقصناهم، يقال‏:‏ آلته حقه، إذا نقصه إياه، وهو من باب ضرب ومن باب علم‏.‏
فقرأه الجمهور بفتح لام ‏{‏ألتناهم‏}‏‏.‏ وقرأه ابن كثير بكسر لام ‏{‏ألِتناهم‏}‏، وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يلتكم من أعمالكم شيئاً‏}‏ في سورة الحجرات ‏(‏14‏)‏‏.‏ والواو للحال وضمير الغيبة عائد إلى ‏{‏الذين آمنوا‏}‏‏.‏
والمعنى‏:‏ أن الله ألحق بهم ذرياتهم في الدرجة في الجنة فضلاً منه على الذين آمنوا دون عوض احتراساً من أن يحسبوا أن إلحاق ذرياتهم بهم بعد عطاء نصيب من حسناتهم لذرياتهم ليدخلوا به الجنة على ما هو متعارف عندهم في فك الأسير، وحَمالة الديات، وخلاص الغارمين، وعلى ما هو معروف في الانتصاف من المظلوم للظالم بالأخذ من حسناته وإعطائها للمظلوم، وهو كناية عن عدم انتقاص حظوظهم من الجزاء على الأعمال الصالحة‏.‏
و ‏{‏من عملهم‏}‏ متعلق ب ‏{‏ما ألتناهم‏}‏ و‏(‏من‏)‏ للتبعيض، و‏(‏من‏)‏ التي في قوله‏:‏ ‏{‏من شيء‏}‏ لتوكيد النفي وإفادة الإِحاطة والشمول للنكرة‏.‏
‏{‏كُلُّ امرئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ‏}‏‏.‏
جملة معترضة بين جملة ‏{‏وما ألتناهم من عملهم‏}‏ وبين جملة ‏{‏وأمددناهم بفاكهة‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 22‏]‏، قصد منها تعليل الجملة التي قبلها وهي بما فيها من العموم صالحة للتذييل مع التعليل، و‏{‏كل امرئ‏}‏ يعمّ أهل الآخرة كلهم‏.‏ وليس المراد كل امرئ من المتقين خاصة‏.‏
والمعنى‏:‏ انتفى إنقاصُنا إياهم شيئاً من عملهم لأن كل أحد مقرون بما كسب ومرتهَن عنده والمتقون لمّا كَسَبوا العمل الصالح كان لازماً لهم مقترناً بهم لا يُسلبون منه شيئاً، والمراد بما كسبوا‏:‏ جزاء ما كسبوا لأنه الذي يقترن بصاحب العمل وأما نفس العمل نفسه فقد انقضى في إبانه‏.‏
وفي هذا التعليل كنايتان‏:‏ إحداهما‏:‏ أن أهل الكفر مقرونون بجزاء أعمالهم، وثانيتهما‏:‏ أن ذريات المؤمنين الذين ألحقوا بآبائهم في النعيم ألحقوا بالجنة كرامة لآبائهم ولولا تلك الكرامة لكانت معاملتهم على حسب أعمالهم‏.‏ وبهذا كان لهذه الجملة هنا وقع أشد حسناً مما سواه مع أنها صارت من حسن التتميم‏.‏
والكسب‏:‏ يطلق على ما يحصله المرء بعمله لإِرادة نفع نفسه‏.‏
ورهين‏:‏ فعيل بمعنى مفعول من الرهن وهو الحبس‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 23‏]‏
‏{‏وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ‏(‏22‏)‏ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ ‏(‏23‏)‏‏}‏
عطف على ‏{‏في جنات ونعيم‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 17‏]‏ الخ‏.‏
والإِمداد‏:‏ إعطاء المَدَد وهو الزيادة من نوع نافع فيما زيد فيه، أي زدناهم على ما ذكر من النعيم والأكل والشرب الهنيء فاكهةً ولحماً مما يشتهون من الفواكه واللحوم التي يشتهونها، أي ليوتي لهم بشيء لا يرغبون فيه فلكل منهم ما اشتهى‏.‏
وخص الفاكهة واللحم تمهيداً لقوله‏:‏ ‏{‏يتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم‏}‏ منحهم الله في الآخرة لذة نشوة الخمر والمنادمة على شربها لأنها من أحسن اللذات فيما ألفتْهُ نفوسهم، وكان أهل الترف في الدنيا إذا شربوا الخمر كَسروا سورة حدتها في البطن بالشِواء من اللحم قال النابغة يصف قرن الثور‏:‏
سفُّود شَرْب نَسُوه عند مُفْتَأد ***
ويدفعون لذغ الخمر عن أفواههم بأكل الفواكه ويسمونها النُّقْل بضم النون وفتحها ويكون من ثمار ومقاث‏.‏
ولذلك جيء بقوله‏:‏ ‏{‏يتنازعون‏}‏ حالاً من ضمير الغائب في ‏{‏أمددناهم بفاكهة‏}‏ الخ‏.‏ والتنازع أطلق على التداول والتعاطي‏.‏ وأصله تفاعل من نزع الدلو من البئر عند الاستقاء فإن الناس كانوا إذا وردوا للاستقاء نزع أحدهم دلواً من الماء ثم ناول الدلو لمن حوله وربما كان الرجل القوي الشديد ينزع من البئر للمستقين كلهم يكفيهم تعب النزع، ويسمى الماتح بمثناة فوقية‏.‏
وقد ذكر الله تعالى نزع موسى عليه السلام لابنتي شعيب لما رأى انقباضهما عن الاندماج في الرعاء‏.‏ وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياه نَزْعَه على القليب ثم نَزْعَ أبي بكر رضي الله عنه ثم نزع عمر رضي الله عنه‏.‏ ثم استعير أو جعل مجازاً عن المداولة والمعاورة في مناولة أكؤس الشراب، قال الأعشى‏:‏
نازعتهم قُضب الريحان متكئاً *** وخمرةً مُزَّة راووقها خَضل
والمعنى‏:‏ أن بعضهم يصبّ لبعضضٍ الخمرَ ويناوله إيثاراً وكرامة‏.‏
وقيل‏:‏ تنازعهم الكأس مجاذبة بعضهم كأس بعض إلى نفسه للمداعبة كما قال امرؤ القيس في المداعبة على الطعام‏:‏
فظل العذارى يرتَمينَ بلَحْمِها *** وشحم كهُدَّاب الدمقس المفتَّل
والكأس‏:‏ إناء تشربَ فيه الخمر لا عروة له ولا خرطوم، وهو مؤنث، فيجوز أن يكون هنا مراداً به الإِناء المعروف ومراداً به الجنس، وتقدم قوله في سورة الصافات ‏(‏45‏)‏ ‏{‏يطاف عليهم بكأس من معين‏}‏ وليس المراد أنهم يشربون في كأس واحدة بأخذ أحدهم من آخر كأسه‏.‏ ويجوز أن يراد بالكأس الخمر، وهو من إطلاق اسم المحل على الحالّ مثل قولهم‏:‏ سَال الوادي وكما قال الأعشى‏:‏
نازعتُهم قضُب الريحان متكئاً‏.‏ ***
وجملة ‏{‏لا لغو فيها ولا تأثيم‏}‏ يجوز أن تكون صفة ل«كأس» وضمير ‏{‏لا لغو فيها‏}‏ عائداً إلى «كأس» ووصف الكأس ب ‏{‏لا لغو فيها ولا تأثيم‏}‏‏.‏ إن فُهم الكأس بمعنى الإِناء المعروف فهو على تقدير‏:‏ لا لغو ولا تأثيم يصاحبها، فإن ‏(‏في‏)‏ للظرفية المجازية التي تؤوّل بالملابسة، كقوله تعالى‏:‏
‏{‏وجاهدوا في اللَّه حق جهاده‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 78‏]‏ وقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ففيهما أي والديك فجاهد ‏"‏ أي جاهد ببرهما، أو تُأوَّل ‏(‏في‏)‏ بمعنى التعليل كقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً ‏"‏‏.‏ وإن فهم الكأس مراداً به الخمر كانت ‏(‏في‏)‏ مستعارة للسببية، أي لا لغو يقع بسبب شربها‏.‏ والمعنى على كلا الوجهين أنها لا يخالط شاربيها اللغوُ والإِثم بالسباب والضرب ونحوه، أي أن الخمر التي استعملت الكأس لها ليست كخمور الدنيا، ويجوز أن تكون جملة ‏{‏لا لغو فيها ولا تأثيم‏}‏ مستأنفة ناشئة عن جملة ‏{‏يتنازعون فيها كأساً‏}‏، ويكون ضمير ‏{‏فيها‏}‏ عائداً إلى ‏{‏جنات‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏إن المتقين في جنات‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 17‏]‏ مثل ضمير ‏{‏فيها كأساً‏}‏، فتكون في الجملة معنى التذييل لأنه إذا انتفى اللغو والتأثيم عن أن يكونا في الجنة انتفى أن يكونا في كأس شُرب أهل الجنة‏.‏
ومثل هذين الوجهين يأتي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً‏}‏ في سورة النبأ ‏(‏31 35‏)‏‏.‏
واللغو‏:‏ سِقْط الكلام والهذيان الذي يصدر عن خلل العقل‏.‏
والتأثيم‏:‏ ما يؤثَّم به فاعله شَرعاً أو عادة من فعل أو قول مثل الضرب والشتم وتمزيق الثياب وما يشبه أفعال المجانين من آثار العربدة مما لا يخلو عنه الندامى غالباً، فأهل الجنة منزهون عن ذلك كله لأنهم من عالم الحقائق والكمالات فهم حكماء علماء، وقد تمدَّحَ أصحاب الأحلام من أهل الجاهلية بالتنزه عن مثل ذلك، ومنهم من اتقى ما يعرض من الفلتات فحرَّم على نفسه الخمر مثل قيس بن عاصم‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏لا لغو فيها ولا تأثيم‏}‏ برفعهما على أن ‏(‏لا‏)‏ مشبهَّة ب ‏(‏ليس‏)‏‏.‏ وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتحهما على أن ‏(‏لا‏)‏ مشبهة ب ‏(‏إنَّ‏)‏ وهما وجهان في نفي النكرة إذا كانت إرادة الواحد غيرَ محتمَلة ومثله قولها في حديث أم زرع‏:‏ «زوجي كَلَيلِ تهامة لا حَرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة» رُويت النكرات الأربع بالرفع وبالنصب‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏
‏{‏وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ‏(‏24‏)‏‏}‏
عطف على جملة ‏{‏يتنازعون فيها كأساً‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 23‏]‏ فهو من تمامه وواقع موقع الحال مثله، وجيء به في صيغة المضارع للدلالة على التجدد والتكرر، أي ذلك لا ينقطع بخلاف لذات الدنيا فإنها لا بد لها من الانقطاع بنِهايات تنتهي إليها فتُكرَّه لأصحابها الزيادةُ منها مثللِ الغَوْل، والإِطباق، ووجع الأمعاء في شرب الخمر ومثل الشبع في تناول الطعام وغير ذلك من كل ما يورث العجز عن الازدياد عن اللذة ويجعل الازدياد ألماً‏.‏
ولم يستثن من ذلك إلا لذات المعارف ولذات المناظر الحسنة والجمال‏.‏
ولما أشعر فعل ‏{‏يطوف‏}‏ بأن الغلمان يناولونهم ما فيه لذاتهم كان مشعراً بتجدد المناولة وتجدد الطواف وقد صار كل ذلك لذة لا سآمة منها‏.‏
والطواف‏:‏ مشي متكرر ذهاباً ورجوعاً وأكثر ما يكون على استدارة، ومنه طواف الكعبة، وأهل الجاهلية بالأصنام ولأجله سمي الصنم دواراً لأنهم يدورون به‏.‏ وسمي مشي الغلماء بينهم طوافاً لأن شأن مجالس الأحبة والأصدقاء أن تكون حلقاً ودوائر ليستووا في مرآهم كما أشار إليه قوله تعالى في سورة الصافات ‏(‏44‏)‏ ‏{‏على سرر متقابلين‏}‏ ومنه جعلت مجالس الدروس حلقاً وكانت مجالس النبي صلى الله عليه وسلم حلقاً‏.‏ وقد أطلق على مناولة الخمر إدارة فقيل‏:‏ أدارت الحارثة الخمر، وهذا الذي يناول الخمر المدير‏.‏
وترك ذكر متعلق ‏{‏يطوف‏}‏ لظهوره من قوله‏:‏ ‏{‏يتنازعون فيها كأساً‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأمددناهم بفاكهة‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 22‏]‏ ودل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 71‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 45، 46‏]‏ فلما تقدم ذكر ما شأنه أن يطاف به هنا ترك ذكره بعد فعل ‏{‏يطاف‏}‏ بخلاف ما في الآيتين الأخريين‏.‏
والغلمان‏:‏ جمع غلام، وحقيقته من كان في سنّ يقارب البلوغ أو يبلغه، ويطلق على الخادم لأنهم كانوا أكثر ما يتخذون خَدمهم من الصغار لعدم الكلفة في حركاتهم وعدم استثقال تكليفهم، وأكثر ما يكونون من العبيد ومثله إطلاق الوليدة على الأمة الفتية كأنها قريبة عهد بولادة أمها‏.‏
فمعنى قوله‏:‏ ‏{‏غلمان لهم‏}‏‏:‏ خدمة لهم‏.‏ وعبر عنهم بالتنكير وتعليق لام الملك بضمير ‏{‏الذين آمنوا‏}‏ دون الإِضافة التي هي على تقدير اللام لما في الإِضافة من معنى تعريف المضاف بالانتساب إلى المضاف إليه عند السامع من قَبل‏.‏ وليس هؤلاء الغلمان بمملوكين للمؤمنين ولكنهم مخلوقون لخدمتهم خلقهم الله لأجلهم في الجنة قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويطوف عليهم ولدان مخلدون‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 19‏]‏ وهذا على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 5‏]‏ أي صنف من عبادنا غير معروفين للناس‏.‏
وشبهوا باللؤلؤ المكنون في حسن المرأى‏.‏ واللؤلؤ‏:‏ الدُرّ‏.‏ والمكنون‏:‏ المخزون لنفاسته على أربابه فلا يتحلى به إلا في المحافل والمواكب فلذلك يبقى على لمعانه وبياضه‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 28‏]‏
‏{‏وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏25‏)‏ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ‏(‏26‏)‏ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ‏(‏27‏)‏ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ‏(‏28‏)‏‏}‏
عطف على جملة ‏{‏يتنازعون فيها كأساً‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 23‏]‏‏.‏ والتقدير‏:‏ وقد أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي هم في تلك الأحوال قد أقبل بعضهم على بعض يتساءلون‏.‏
ولما كان إلحاق ذرياتهم بهم مقتضياً مشاركتهم إياهم في النعيم كما تقدم آنفاً عند قوله‏:‏ ‏{‏ألحقنا بهم ذريتهم‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 21‏]‏ كان هذا التساؤل جارياً بين الجميع من الأصول والذريات سائلين ومسؤولين‏.‏
وضمير ‏{‏بعضهم‏}‏ عائد إلى ‏{‏المتقين‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 17‏]‏ وعلى ‏{‏ذريتهم‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 21‏]‏‏.‏
وجملة ‏{‏قالوا‏}‏ بيان لجملة ‏{‏يتساءلون‏}‏ على حد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 120‏]‏ ضمير ‏{‏قالوا‏}‏ عائد إلى البعضين، أي يقول كل فريق من المتسائلين للفريق الآخر هذه المقالة‏.‏
والإِشفاق‏:‏ توقع المكروه وهو ضد الرجاء، وهذا التوقع متفاوت عند المتسائلين بحسب تفاوت ما يوجبه من التقصير في أداء حق التكليف، أو من العصيان‏.‏ ولذلك فهو أقوى في جانب ذريات المؤمنين الذين أُلحقوا بأصولهم بدون استحقاق‏.‏ ولعله في جانب الذريات أظهر في معنى الشكر لأن أصولهم من أهلهم فهم يعلمون أن ذرياتهم كانوا مشفقين من عقاب الله تعالى أو بمنزلة من يعلم ذلك من مشاهدة سَيرهم في الوفاء بحقوق التكليف، وكذلك أصولهم بالنسبة إلى من يعلم حالهم من أصحابهم أو يسمع منهم إشفاقهم واستغفارهم‏.‏ وحذف متعلق ‏{‏مشفقين‏}‏ لأنه دل عليه ‏{‏ووقانا عذاب السموم‏}‏‏.‏
وعلى هذا الوجه يكون معنى ‏(‏في‏)‏ الظرفية‏.‏ ويتعلق ‏{‏في أهلنا‏}‏ ب ‏{‏كنا‏}‏، أي حين كنا في ناسنا في الدنيا‏.‏ ف ‏{‏أهلنا‏}‏ هنا بمعنى آلنَا‏.‏
ويجوز أن تكون المقالة صادرة من الذين آمنوا يخاطبون ذرياتهم الذين ألحقوا بهم ولم يكونوا يحسبون أنهم سيلحقون بهم‏:‏ فالمعنى‏:‏ إنا كنا قبل مشفقين عليكم، فتكون ‏(‏في‏)‏ للظرفية المجازية المفيدة للتعليل، أي مشفقين لأجلكم‏.‏
ومعنى ‏{‏فمن الله علينا‏}‏ من علينا بالعفو عنكم فأذهب عنا الحزن ووقانا أن يعذبكم بالنار‏.‏ فلما كان عذاب الذريات يحزن آباءهم جعلت وقاية الذريات منه بمنزلة وقاية آبائهم فقالوا‏:‏ ‏{‏ووقانا عذاب السموم‏}‏ إغراقاً في الشكر عنهم وعن ذرياتهم، أي فمنّ علينا جميعاً ووقانا جميعاً عذاب السموم‏.‏
والسَموم بفتح السين، أصله اسم الريح التي تهبّ من جهة حارّة جداً فتكون جافّة شديدة الحرارة وهي معروفة في بلاد العرب تهلك من يتنشقها‏.‏ وأطلق هنا على ريح جهنم على سبيل التقريب بالأمر المعروف، كما أطلقت على العنصر الناري في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والجان خلقناه من قبل من نار السموم‏}‏ في سورة الحجر ‏(‏27‏)‏ وكل ذلك تقريب بالمألوف‏.‏
وجملة إنا كنا من قبل ندعوه‏}‏ تعليل لمنة الله عليهم وثناء على الله بأنه استجاب لهم، أي كنا من قبل اليوم ندعوه، أي في الدنيا‏.‏
وحذف متعلق ‏{‏ندعوه‏}‏ للتعميم، أي كنا نبتهل إليه في أمورنا، وسبب العموم داخل ابتداء، وهو الدعاء لأنفسهم ولذرياتهم بالنجاة من النار وبنوال نعيم الجنة‏.‏
ولما كان هذا الكلام في دار الحقيقة لا يصدر إلا عن إلهام ومعرفة كان دليلاً على أن دعاء الصالحين لأبنائهم وذرياتهم مرجو الإِجابة، كما دل على إجابة دعاء الصالحين من الأبناء لآبائهم على ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» فذكر «وولد صالح يدعو له بخير»‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إنه هو البر الرحيم‏}‏ قرأه نافع والكسائي وأبو جعفر بفتح همزة ‏(‏أنه‏)‏ على تقدير حرف الجر محذوفاً حذفاً مطّرداً مع ‏(‏أَنَّ‏)‏ وهو هنا اللام تعليلاً ل ‏{‏ندعوه‏}‏، وقرأه الجمهور بكسر همزة ‏(‏إن‏)‏ وموقع جملتها التعليل‏.‏
والبَر‏:‏ المُحسن في رفق‏.‏
والرحيم‏:‏ الشديد الرحمة وتقدم في تفسير سورة الفاتحة‏.‏
وضمير الفصل لإِفادة الحصر وهو لقصر صفتي ‏{‏البر‏}‏ و‏{‏الرحيم‏}‏ على الله تعالى وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد ببرور غيره ورحمة غيره بالنسبة إلى برور الله ورحمته باعتبار القوة فإن غير الله لا يبلغ بالمبرة والرحمة مبلغ ما لله وباعتبار عموم المتعلق، وباعتبار الدوام لأن الله بر في الدنيا والآخرة، وغير الله برّ في بعض أوقات الدنيا ولا يملك في الآخرة شيئاً‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏
‏{‏فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ ‏(‏29‏)‏‏}‏
تفريع على ما تقدم كله من قوله‏:‏ ‏{‏إن عذاب ربك لواقع‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 7‏]‏ لأنه تضمن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المكذبين والافتراء عليه، وعقب بهذا لأن من الناس مؤمنين به متيقنين أن الله أرسله مع ما أعد لكلا الفريقين فكان ما تضمنه ذلك يقتضي أن في استمرار التذكير حكمة أرادها الله، وهي ارعواء بعض المكذبين عن تكذيبهم وازدياد المصدقين توغلاً في إيمانهم، ففرع على ذلك أن أمر الله رسول صلى الله عليه وسلم بالدوام على التذكير‏.‏
فالأمر مستعمل في طلب الدوام مثل ‏{‏يا أيها الذين آمنوا آمنوا باللَّه ورسوله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 136‏]‏‏.‏ ولما كان أثر التذكير أَهمَّ بالنسبة إلى فريق المكذبين ليهتدي من شرح قلبه للإِيمان رُوعي ما يَزيد النبي صلى الله عليه وسلم ثباتاً على التذكير من تبرئته مما يواجهونه من قولهم له‏:‏ هو كاهن أو هو مجنون، فربط الله جَأش رسوله صلى الله عليه وسلم وأعلمه بأن براءته من ذلك نعمة أنعم بها عليه ربه تعالى ففرع هذا الخبر على الأمر بالتذكير بقوله‏:‏ ‏{‏فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون‏}‏‏.‏ والباء في ‏{‏بنعمت ربك‏}‏ للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير ‏{‏أنت‏}‏‏.‏
ونفي هاذين الوصفين عنه في خطاب أمثاله ممن يستحق الوصف بصفات الكمال يدل على أن المراد من النفي غرض آخر وهو هنا إبطال نسبة من نسبه إلى ذلك كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما صاحبكم بمجنون‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 22‏]‏، ولذلك حسن تعقيبه بقوله‏:‏ ‏{‏أم يقولون شاعر‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏ مصرحاً فيه ببعض أقوالهم، فعلم أن المنفي عنه فيما قبله مقالة من مقالهم‏.‏
وقد اشتملت هاته الكلمة الطيبة على خصائص تناسب تعظيم من وجهت إليه وهي أنها صيغت في نظم الجملة الاسمية فقيل فيها «ما أنت بكاهن» دون‏:‏ فلست بكاهن، لتدل على ثبات مضمون هذا الخبر‏.‏
وقدم فيها المسند إليه مع أن مقتضى الظاهر أن يقدم المسند وهو ‏{‏كاهن‏}‏ أو ‏{‏مجنون‏}‏ لأن المقام يقتضي الاهتمام بالمسند ولكن الاهتمام بالضمير المسند إليه كان أرجح هنا لما فيه من استحضار معاده المشعر بأنه شيء عظيم وأفاد مع ذلك أن المقصود أنه متصف بالخبر لا نفس الإِخبار عنه بالخبر كقولنا‏:‏ الرسول يأكل الطعام ويتزوج النساء‏.‏ وأفاد أيضاً قصراً إضافياً بقرينة المقام لقلب ما يقولونه أو يعتقدونه من قولهم‏:‏ هو كاهن أو مجنون، على طريقة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أنت علينا بعزيز‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 91‏]‏‏.‏
وقرن الخبر المنفي بالباء الزائدة لتحقيق النفي فحصل في الكلام تقويتان، وجيء بالحال قبل الخبر، أو بالجملة المعترضة بين المبتدأ والخبر، لتعجيل المسرة وإظهار أن الله أنعم عليه بالبراءة من هذين الوصفين‏.‏
وعدل عن استحضار الجلالة بالاسم العلم إلى تعريفه بالإِضافة وبوصفه الرب لإِفادة لطفه تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم لأنه ربه فهو يربُّه ويدبر نفعه، ولتفيد الإضافة تشريف المضاف إليه‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون‏}‏ ردّ على مقالة شَيبة بن ربيعة قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كاهن، وعلى عقبة بن أبي معيط إذ قال‏:‏ هو مجنون، ويدل لكونه رداً على مقالة سبقت أنه أتبعه بقوله‏:‏ ‏{‏أم يقولون شاعر‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏ ما سيكون وما خفي مما هو كائن‏.‏
والكاهن‏:‏ الذي ينتحل معرفة ما سيحدث من الأمور وما خفي مما هو كائن ويخبر به بكلام ذي أسْجاع قصيرة‏.‏ وكان أصل الكلمة موضوعة لهذا المعنى غير مشتقة، ونظيرها في العبرية ‏(‏الكوهين‏)‏ وهو حافظ الشريعة والمفتي بها، وهو من بني ‏(‏لاوي‏)‏، وتقدم ذكر الكهانة عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما تنزلت به الشياطين‏}‏ في سورة الشعراء ‏(‏210‏)‏‏.‏
وقد اكتُفي في إبطال كونه كاهناً أو مجنوناً بمجرد النفي دون استدلال عليه، لأن مجرد التأمل في حال النبي صلى الله عليه وسلم كاففٍ في تحقق انتفاء ذينك الوصفين عنه فلا يحتاج في إبطال اتصافه بهما إلى أكثر من الإِخبار بنفيهما لأن دليله المشاهدة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏
‏{‏أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ‏(‏30‏)‏‏}‏
إن كانت ‏{‏أم‏}‏ مجردة عن عمل العطف فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، وإلا فهي عطف على جملة ‏{‏فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 29‏]‏‏.‏
وعن الخليل كل ما في سورة الطور من ‏(‏أم‏)‏ فاستفهام وليس بعطف، يعني أن المعنى على الاستفهام لا على عطف المفردات‏.‏ وهذا ضابط ظاهر‏.‏ ومراده‏:‏ أن الاستفهام مقدر بعد ‏(‏أم‏)‏ وهي منقطعة وهي للإِضراب عن مقالتهم المردودة بقوله‏:‏ ‏{‏فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 29‏]‏ للانتقال إلى مقالة أخرى وهي قولهم‏:‏ «هو شاعر نتربص به ريب المنون»‏.‏ وعدل عن الإِتيان بحرف ‏(‏بل‏)‏ مع أنه أشهر في الإِضراب الانتقالي، لقصد تضمن ‏{‏أم‏}‏ للاستفهام‏.‏ والمعنى‏:‏ بل أيقولون شاعر الخ‏.‏ والاستفهام المقرّر إنكاري‏.‏
ومناسبة هذا الانتقال أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدوام على التذكير يُشير إلى مقالاتهم التي يردون بها دعوته فلما أشير إلى بعضها بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 29‏]‏ انتقل إلى إبطال صفة أخرى يثلثون بها الصفتين المذكورتين قبلها وهي صفة شاعر‏.‏
روى الطبري عن قتادة قال قائلون من الناس‏:‏ تربصوا بمحمد صلى الله عليه وسلم الموت يكفيكموه كما كفاكم شاعرَ بني فلان وشاعر بني فلان، ولم يعينوا اسم الشاعر ولا أنه كان يهجو كفار قريش‏.‏
وعن الضحاك ومجاهد‏:‏ أن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة فكثرت آراؤهم في محمد صلى الله عليه وسلم فقال بنو عبد الدار‏:‏ هو شاعر تربصوا به ريب المنون، فسيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى، فافترقوا على هذه المقالة، فنزلت هذه الآية فحكت مقالتهم كما قالوها، أي فليس في الكلام خصوص ارتباط بين دعوى أنه شاعر، وبين تربص الموت به لأن ريب المنون يصيب الشاعر والكاهن والمجنون‏.‏ وجاء ‏{‏يقولون‏}‏ مضارعاً للدّلالة على تجدد ذلك القول منهم‏.‏ والتربص مبالغة في‏:‏ الرَّبْص، وهو الانتظار‏.‏
والريب هنا‏:‏ الحدثان، وفسر بصرف الدهر، وعن ابن عباس‏:‏ ريب في القرآن شك إلا مكاناً واحداً في الطور ‏{‏ريب المنون‏}‏‏.‏
والباء في ‏{‏به‏}‏ يجوز أن تكون للسبب، أي بسببه، أي نتربص لأجله فتكون الباء متعلقة ب ‏{‏نتربص‏}‏ ويجوز أن تكون للملابسة وتتعلق ب ‏{‏ريب المنون‏}‏ حالاً منه مقدمة على صاحبها، أي حلول ريب المنون به‏.‏
والمنون‏:‏ من أسماء الموت ومن أسماء الدهر، ويذكّر‏.‏ وقد فُسر بكلا المعنيين، فإذا فسر بالموت فإضافة ‏{‏ريب‏}‏ إليه بيانية، أي الحدثان الذي هو الموت وإذا فسر المنون بالدهر فالإِضافة على أصلها، أي أحداث الدهر من مثل موت أو خروج من البلد أو رجوع عن دعوته، فريب المنون جنس وقد ذكروا في مقالتهم قولهم‏:‏ فسيهلك، فاحتملت أن يكونوا أرادوه بيانَ ريب الموت أو إن أرادوه مثالاً لريب الدهر، وكلا الاحتمالين جار في الآية لأنها حكت مقالتهم‏.‏
وقد ورد ‏{‏ريب المنون‏}‏ في كلام العرب بالمعنيين؛ فمن وروده في معنى الموت قول أبي ذؤيب‏:‏
أمن المنون وريبها تتوجع *** والدهر ليس بمعتب من يجزع
ومن وروده بمعنى حدثنان الدهر قول الأعشى‏:‏
أإن رأت رجلاً أعشى أضرَّ بِهِ *** ريبُ المنوننِ ودهرٌ مُتبِل خَبِلُ
أراد أضرّ بذاته حدَثان الدهر، ولم يرد إصابة الموت كما أراد أبو ذؤيب‏.‏
ولما كان انتفاء كونه شاعراً أمراً واضحاً يكفي فيه مجردُ التأمل لم يتصد القرآن للاستدلال على إبطاله وإنما اشتملت مقالتهم على أنهم يتربصون أن يحلّ به ما حلّ بالشعراء الذين هم من جملة الناس‏.‏
فأمر الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم عن مقالتهم هذه بأن يقول‏:‏ ‏{‏تربصوا فإنى معكم من المتربصين‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 31‏]‏، وهو جواب منصف لأن تربص حلول حوادث الدهر بأحد الجانيين أو حلول المنية مشترك الإِلزام لا يدري أحدنا ماذا يحل بالآخر‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏
‏{‏قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ‏(‏31‏)‏‏}‏
وردت جملة ‏{‏قل تربصوا‏}‏ مفصولة بدون عطف لأنها وقعت في مقام المحاورة لسبقها بجملة ‏{‏يقولون شاعر‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏ الخ، فإن أمر أحد بأن يقول بمنزلة قوله فأُمر بقوله، ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 51‏]‏‏.‏
والأمر في ‏{‏تربصوا‏}‏ مستعمل في التسوية، أي سواء عندي تربصكم بي وعدمه‏.‏ وفرع عليه ‏{‏فإني معكم من المتربصين‏}‏ أي فإني متربص بكم مثل ما تتربصون بي إذ لا ندري أينا يصيبه ريب المنون قبل‏.‏
وتأكيد الخبر ب ‏(‏إن‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏فإني معكم من المتربصين‏}‏ لتنزيل المخاطبين منزلة من ينكر أنه يتربص بهم كما يتربصون به لأنهم لغرورهم اقتصروا على أنهم يتربصون به ليروا هلاكه، فهذا من تنزيل غير المنكر منزلة المنكر‏.‏
والمعية في قوله‏:‏ ‏{‏معكم‏}‏ ظاهرها أنها للمشاركة في وصف التربص‏.‏
ولمّا كان قوله‏:‏ ‏{‏من المتربصين‏}‏ مقدراً معه «بكم» لمقابلة قولهم‏:‏ ‏{‏نتربص به ريب المنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏ كان في الكلام توجيه بأنه يبقى معهم يتربص هلاكهم حين تبدو بوادره، إشارة إلى أن وقعة بدر إذْ أصابهم من الحدثان القتل والأسر، فتكون الآية مشيرة إلى صريح قوله تعالى في سورة براءة ‏(‏52‏)‏ ‏{‏قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم اللَّه بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون‏.‏ وإنما قال هنا‏:‏ من المتربصين‏}‏ ليشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم يتربص بهم ريب المنون في جملة المتربصين من المؤمنين، وذلك ما في آية سورة براءة على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين‏.‏
وقد صيغ نظم الكلام في هذه الآية على ما يناسب الانتقال من غرض إلى غرض وذلك بما نُهِّي به من شبه التذييل بقوله‏:‏ ‏{‏قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين‏}‏ إذ تمت به الفاصلة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏
‏{‏أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏
‏{‏أَمْ تَأْمُرُهُمْ أحلامهم بهاذآ‏}‏‏.‏
إضراب انتقال دعا إليه ما في الاستفهام الإِنكاري المقدّر بعد ‏{‏أم‏}‏ من معنى التعجيب من حالهم كيف يقولون مثل ذلك القول السابق ويستقر ذلك في إدراكهم وهم يدّعون أنهم أهل عقول لا تلتبس عليهم أحوال الناس فهم لا يجهلون أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بحال الكهان ولا المجانين ولا الشعراء وقد أبى عليهم الوليد بن المغيرة أن يقول مثل ذلك في قصة معروفة‏.‏
قال الزمخشري‏:‏ وكانت قريش يُدعون أهل الأحلام والنُهى والمعنى‏:‏ أم تأمرهم أحلامهم المزعومة بهذا القول‏.‏
والإِشارة في قوله‏:‏ ‏{‏بهذا‏}‏ إلى المذكور من القول المعرِّض به في قوله‏:‏ ‏{‏فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 29‏]‏، والمُصرح به في قوله‏:‏ ‏{‏أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏، وهذا كما يقول من يلوم عاقلاً على فعل فعله ليس من شأنه أن يجهل ما فيه من فساد‏:‏ أعَاقِلٌ أنت‏؟‏ أو هذا لا يفعله عاقل بنفسه، ومنه ما حكى الله عن قوم شعيب من قولهم له‏:‏ ‏{‏إنك لأنت الحليم الرشيد‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 87‏]‏‏.‏
والحلم‏:‏ العقل، قال الراغب‏:‏ المانعُ من هيجان الغضب‏.‏ وفي «القاموس» هو الأناة‏.‏ وفي «معارج النور»‏:‏ والحلم ملكة غريزية تُورث لصاحبها المعاملة بلطف ولين لمن أساء أو أزعج اعتدال الطبيعة‏.‏
ومعنى إنكار أن تأمرهم أحلامهم بهذا أن الأحلام الراجحة لا تأمر بمثله، وفيه تعريض بأنهم أضاعوا أحلامهم حين قالوا ذلك لأن الأحلام لا تأمر بمثله فهم كمن لا أحلام لهم وهذا تأويل ما روي أن الكافر لا عقل له‏.‏ قالوا وإنما للكافر الذهن والذهن يقبل العِلم جملة، والعقل يميز العلم ويقدر المقادير لِحدود الأمر والنهي‏.‏
والأمر في ‏{‏تأمرهم‏}‏ مستعار للباعث، أي تبعثهم أحلامهم على هذا القول‏.‏
‏{‏أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ‏}‏‏.‏
إضرابُ انتقالي أيضاً متصل بالذي قبله انتقل به إلى استفهام عن اتصافهم بالطغيان‏.‏ والاستفهام المقدر مستعمل‏:‏ إما في التشكيك ليكون التشكيك باعثاً على التأمل في حالهم فيؤمن بأنهم طاغون، وإمّا مستعمل في التقرير لكل سامع إذ يجدهم طاغين‏.‏
وإقحام كلمة ‏{‏قوم‏}‏ يمهّد لكون الطغيان من مقومات حقيقة القومية فيهم، كما قدمناه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لآيات لقوم يعقلون‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏164‏)‏، أي تأصل فيهم الطغيان وخالط نفوسهم فدفعهم إلى أمثال تلك الأقوال‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 34‏]‏
‏{‏أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏33‏)‏ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ‏(‏34‏)‏‏}‏
انتقال متصل بقوله‏:‏ ‏{‏أم يقولون شاعر‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏ الخ‏.‏ وهذا حكاية لإِنكارهم أن يكون القرآن وحياً من الله، فزعموا أنه تقوّله النبي صلى الله عليه وسلم على الله، فالاستفهام إنكار لقولهم، وهم قد أكثروا من الطعن وتمالؤوا عليه ولذلك جيء في حكايته عنهم بصيغة ‏{‏يقولون‏}‏ المفيدة للتجدد‏.‏
والتقول‏:‏ نسبة كلام إلى أحد لم يقله، ويتعدى إلى الكلام بنفسه ويتعدى إلى من يُنسب إليه بحرف ‏(‏على‏)‏، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 44، 45‏]‏ الآية‏.‏ وضمير النصب في ‏{‏تقوله‏}‏ عائد إلى القرآن المفهوم من المقام‏.‏
وابتدئ الرد عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏بل لا يؤمنون‏}‏ لتعجيل تكذيبهم قبل الإِدلاء بالحجة عليهم وليكون ورود الاستدلال مفرّعاً على قوله‏:‏ ‏{‏لا يؤمنون‏}‏ بمنزلة دليل ثان‏.‏ ومعنى ‏{‏لا يؤمنون‏}‏‏:‏ أن دلائل تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن تقوّل القرآن بيّنة لديهم ولكن الزاعمين ذلك يأبون الإِيمان فهم يبادرون إلى الطعن دون نظر ويلقون المعاذير ستراً لمكابرتهم‏.‏
ولما كانت مقالتهم هذه طعناً في القرآن وهو المعجزة القائمة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وكانت دعواهم أنه تقوّل على الله من تلقاء نفسه قد تروج على الدهماء تصدى القرآن لبيان إبطالها بأن تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن بقوله‏:‏ ‏{‏فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين‏}‏ أي صادقين في أن محمداً صلى الله عليه وسلم تقوله من تلقاء نفسه، أي فعجزهم عن أن يأتوا بمثله دليل على أنهم كاذبون‏.‏
ووجه الملازمة أن محمداً صلى الله عليه وسلم أحد العرب وهو ينطق بلسانهم‏.‏ فالمساواة بينه وبينهم في المقدرة على نظم الكلام ثابتة، فلو كان القرآن قد قاله محمد صلى الله عليه وسلم لكان بعض خاصة العرب البلغاء قادراً على تأليف مثله، فلما تحدّاهم الله بأن يأتوا بمثل القرآن وفيهم بلغاؤهم وشعراؤهم وكلمتهم وكلهم واحد في الكفر كان عجزهم عن الإِتيان بمثل القرآن دالاً على عجز البشر عن الإِتيان بالقرآن ولذلك قال تعالى في سورة هود ‏(‏13، 14‏)‏‏:‏ ‏{‏أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون اللَّه إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم اللَّه‏}‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإنهم لا يكذبوك ولكن الظالمين بآيات اللَّه يجحدون‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 33‏]‏‏.‏
والإِتيان بالشيء‏:‏ إحضاره من مكان آخر‏.‏ واختير هذا الفعل دون نحو‏:‏ فليقولوا مثلَه ونحوه، لقصد الإِعذار لهم بأن يُقتنع منهم بجلب كلام مثله ولو من أحد غيرهم، وقد تقدم عند قوله تعالى في سورة البقرة ‏(‏23‏)‏ ‏{‏فأتوا بسورة من مثله‏}‏ أنه يحتمل معنيين، هما‏:‏ فأتوا بسورة من مثل القرآن، أو فأتوا بسورة من مثل الرسول، أي من أحد من الناس‏.‏
والحديث‏:‏ الإِخبار بالحوادث، وأصل الحوادث أنها الواقعات الحديثة، ثم توسع فأطلقت على الواقعات، ولو كانت قديمة كقولهم‏:‏ حوادث سنة كذا، وتَبع ذلك إطلاق الحديث على الخبر مطلقاً، وتوسع فيه فأطلق على الكلام ولو لم يكن إخباراً، ومنه إطلاق الحديث على كلام النبي‏.‏
فيجوز أن يكون الحديث هنا قد أطلق على الكلام مجازاً بعلاقة الإِطلاق، أي فليأتوا بكلام مثله، أي في غرض من الأغراض التي يشتمل عليها القرآن لا خصوص الأخبار‏.‏ ويجوز أن يكون الحديث هنا أطلق على الأخبار، أي فليأتوا بأخبار مثل قصص القرآن فيكون استنزالاً لهم فإن التكلم بالأخبار أسهل على المتكلم من ابتكار الأغراض التي يتكلم فيها، فإنهم كانوا يقولون إن القرآن أساطير الأولين، أي أخبار عن الأمم الماضين فقيل لهم‏:‏ فليأتوا بأخبار مثل أخباره لأن الإِتيان بمثل ما في القرآن من المعارف والشرائع والدلائل لا قِبَل لعقولهم به، وقصاراهم أن يفهموا ذلك إذا سمعوه‏.‏
ومعنى المثلية في قوله‏:‏ مثله‏}‏ المثلية في فصاحته وبلاغته، وهي خصوصيات يدركونها إذا سمعوها ولا تحيط قرائحهم بإيداعها في كلامهم‏.‏ وقد بينا أصول الإِعجاز في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير‏.‏
ولام الأمر في ‏{‏فليأتوا‏}‏ مستعملة في أمر التعجيز كقوله حكاية عن قول إبراهيم ‏{‏إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأْتتِ بها من المغرب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 258‏]‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إن كانوا صادقين‏}‏ أي في زعمهم أنه تقوّله، أي فإن لم يأتوا بكلام مثله فهم كاذبون‏.‏ وهذا إلهاب لعزيمتهم ليأتوا بكلام مثل القرآن ليكون عدم إتيانهم بمثله حجة على كذبهم وقد أشعر نظم الكلام في قوله‏:‏ ‏{‏فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين‏}‏ الواقععِ موقعاً شبيهاً بالتذييل والمختوممِ بكلمة الفاصلة، أنه نهاية غرض وأن ما بعده شروع في غرض آخر كما تقدم في نظم قوله‏:‏ ‏{‏قل تربصوا فإني معكم من المتربصين‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 31‏]‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 36‏]‏
‏{‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ‏(‏35‏)‏ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏
‏{‏أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَئ‏}‏‏.‏
إضراب انتقالي إلى إبطال ضرب آخر من شبهتهم في إنكارهم البعث، وقد علمت في أول السورة أن من أغراضها إثبات البعث والجزاءِ على أن ما جاء بعده من وصف يوم الجزاء وحال أهله قد اقتضته مناسبات نشأت عنها تلك التفاصيل، فإذْ وُفّي حقُّ ما اقتضته تلك المناسبات ثُنِي عِنان الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث وإبطال شبهتهم التي تعللوا بها من نحو قولهم‏:‏ ‏{‏أإذا كنا عظاماً ورفاتاً إنا لمبعوثون خلقاً جديداً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 49‏]‏‏.‏
فكان قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم خلقوا من غير شيء‏}‏ الآيات أدلةً على أن ما خلقه الله من بَدْء الخلق أعظم من إعادة خلق الإِنسان‏.‏ وهذا متصل بقوله آنفاً ‏{‏إن عذاب ربك لواقع‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 7‏]‏ لأن شبهتهم المقصود ردها بقوله‏:‏ ‏{‏إن عذاب ربك لواقع هي قولهم‏:‏ ‏{‏أإذا كنا عظاماً ورفاتاً إنا لمبعوثون‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 49‏]‏، ونحو ذلك‏.‏
فحرف ‏(‏مِن‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏من غير شيء‏}‏ يجوز أن يكون للابتداء، فيكون معنى الاستفهام المقدر بعد ‏(‏أم‏)‏ تقريرياً‏.‏ والمعنى‏:‏ أيقرُّون أنهم خلقوا بعد أن كانوا عَدماً فكلما خلقوا من عدم في نشأتهم الأولى يُنْشأون من عدم في النشأة الآخرة، وذلك إثبات لإِمكان البعث، فيكون في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلينظر الإنسان ممَّ خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر‏}‏ ‏[‏الطارق‏:‏ 5 8‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كما بدأنا أول خلق نعيده‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 104‏]‏ ونحو ذلك من الآيات‏.‏
ومعنى ‏{‏شيء‏}‏ على هذا الوجه‏:‏ الموجودُ فغير شَيء‏:‏ المعدومُ، والمعنى‏:‏ اخُلقوا من عدم‏.‏ ويجوز أن تكون ‏(‏مِن‏)‏ للتعليل فيكون الاستفهام المقدر بعد ‏(‏أم‏)‏ إنكارياً، ويكون اسم ‏{‏شيء‏}‏ صادقاً على ما يصلح لمعنى التعليل المستفاد من حرف ‏(‏مِن‏)‏ التعليلية، والمعنى‏:‏ إنكار أن يكون خلقهم بغير حكمة، وهذا إثبات أن البعث واقع لأجل الجزاء على الأعمال، بأن الجزاء مقتضى الحكمة التي لا يخلو عنها فعل أحكم الحكماء، فيكون في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 115‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 85‏]‏‏.‏
ولحرف ‏(‏مِن‏)‏ في هذا الكلام الوَقْع البديع إذ كانت على احتمال معنييها دليلاً على إمكان البعث وعلى وقوعه وعلى وجوب وقوعه وجوباً تقتضيه الحكمة الإِلهية العليا‏.‏ ولعل العدول عن صوغ الكلام بالصيغة الغالبة في الاستفهام التقريري، أعني صيغة النفي بأن يقال‏:‏ أما خلقوا من غير شيء؛ والعدولَ عن تعيين ما أضيف إليه ‏{‏غَير‏}‏ إلى الإِتيان بلفظٍ مبهم وهو لفظ شيء، روعي فيه الصلاحية لاحتمال المعنيين وذلك من منتهى البلاغة‏.‏
وإذ كان فرض أنهم خلقوا من غير شيء واضح البطلان لم يحتج إلى استدلال على إبطاله بقوله‏:‏
‏{‏أَمْ هُمُ الخالقون * أَمْ خَلَقُواْ السماوات والارض‏}‏‏.‏
وهو إضراب انتقال أيضاً، والاستفهام المقدر بعد ‏{‏أم‏}‏ إنكاري، أي ما هم الخالقون وإذ كانوا لم يدّعوا ذلك فالانكار مرتب على تنزيلهم منزلة من يزعمون أنهم خالقون‏.‏
وصيغت الجملة في صيغة الحصر الذي طريقهُ تعريف الجُزأَيْن قصراً إضافياً للرد عليهم بتنزيلهم منزلة من يزعم أنهم الخالقون لا الله، لأنهم عدُّوا من المحال ما هو خارج عن قدرتهم، فجعلوه خارجاً عن قدرة الله، فالتقدير‏:‏ أم هم الخالقون لا نحن‏.‏ والمعنى‏:‏ نحن الخالقون لا هم‏.‏
وحذف مفعول ‏{‏الخالقون‏}‏ لقصد العموم، أي الخالقون للمخلوقات وعلى هذا جرى الطبري وقدره المفسرون عدا الطبري‏:‏ أم هم الخالقون أنفسَهم كأنهم جعلوا ضمير ‏{‏أم خلقوا من غير شيء‏}‏ دليلاً على أن المحذوف اسم مَعاد ذلك الضمير ولا افْتراء في انتفاء أن يكونوا خالقين، فلذلك لم يُتصدّ إلى الاستدلال على هذا الانتفاء‏.‏
وجملة ‏{‏أم خلقوا السموات والأرض‏}‏ يظهر لي أنها بدل من جملة ‏{‏أم هم الخالقون‏}‏ بدلَ مفصَّل من مُجمل إن كان مفعول ‏{‏الخالقون‏}‏ المحذوفُ مراداً به العمومُ وكان المراد بالسماء والأرضضِ ذاتيهما مع من فيهما، أو بَدل بعض من كل أن المراد ذاتي السماوات والأرض، فيكون تخصيص السماوات والأرض بالذكر لعظم خلقهما‏.‏
وإعادة حرف ‏{‏أم‏}‏ للتأكيد كما يُعاد عامل المبدَل منه فِي البدل، والمعنى‏:‏ أم هم الخالقون للسماوات والأرض‏.‏
والاستفهام إنكاري والكلام كناية عن إثبات أن الله خالق السماوات والأرض‏.‏
والمعنى‏:‏ أن الذي خلق السماوات والأرض لا يُعجزه إعادة الأجساد بعد الموت والفناء‏.‏ وهذا معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو لم يروا أن اللَّه الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 99‏]‏ أي أن يخلق أمثال أجسادهم بعد انعدامهم‏.‏
‏{‏بَل لاَّ يُوقِنُون‏}‏‏.‏
إضراب إبطال على مضمون الجملتين اللتين قبله، أي لم يُخلقوا من غير شيء ولا خَلقوا السماوات والأرض، فإن ذلك بينّ لهم فما إنكارهم البعث إلا ناشئ عن عدم إيقانهم في مظانّ الإِيقان وهي الدلائل الدالة على إمكان البعث وأنه ليس أغرب من إيجاد المخلوقات العظيمة، فما كان إنكارهم إياه إلا عن مكابرة وتصميم على الكفر‏.‏
والمعنى‏:‏ أن الأمر لا هَذا ولا ذلك ولكنهم لا يُوقنون بالبعث فهم ينكرونه بدون حجة ولا شبهة بل رانَتْ المكابرة على قلوبهم‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏
‏{‏أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ‏(‏37‏)‏‏}‏
‏{‏أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّك‏}‏‏.‏
انتقال بالعود إلى ردّ جحودهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك غُيّر أسلوب الأخبار فيه إلى مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وكان الأصل الذي ركّزوا عليه جحودهم توهمَ أن الله لو أرسل رسولاً من البشر لكان الأحقُّ بالرسالة رجلاً عظيماً من عظماء قومهم كما حكى الله عنهم‏:‏ ‏{‏أأنزل عليه الذكر من بيننا‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 8‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 31‏]‏ يعنون قرية مكة وقرية الطائف‏.‏
والمعنى‏:‏ إبطال أن يكون لهم تصرف في شؤون الربوبية فيجعلوا الأمور على مشيئتهم كالمالك في ملكه والمدبرِ فيما وُكل عليه، فالاستفهام إنكاري بتنزيلهم في إبطال النبوءة عمن لا يرضونه منزلة من عندهم خزائن الله يخلعون الخلع منها على من يشاؤون ويمنعون من يشاؤون‏.‏
والخزائن‏:‏ جمع خزينة وهي البيت، أو الصندوق الذي تخزن فيه الأقوات، أو المال وما هو نفيس عند خازنه، وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال اجعلني على خزائن الأرض‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 55‏]‏‏.‏ وهي هنا مستعارة لما في علم الله وإرادته من إعطاء الغير للمخلوقات، ومنه اصطفاء من هيّأهُ من الناس لتبليغ الرسالة عنه إلى البشر، وقد تقدم في سورة الأنعام ‏(‏50‏)‏ قوله‏:‏ ‏{‏قل لا أقول لكم عندي خزائن اللَّه‏}‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل اللَّه اللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 124‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان اللَّه وتعالى عما يشركون‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 68‏]‏‏.‏
وقد سُلك معهم هنا مسلك الإِيجاز في الاستدلال بإحالتهم على مجمل أجمله قوله‏:‏ ‏{‏أم عندهم خزائن ربك‏}‏، لأن المقام مقام غضب عليهم لجرأتهم على الرسول صلى الله عليه وسلم في نفي الرسالة عنه بوقاحة من قولهم‏:‏ كاهن، ومجنون، وشاعر إلخ بخلاف آية الأنعام فإنها ردّت عليهم تعريضهم أنفسهم لنوال الرسالة عن الله‏.‏
فقوله تعالى هنا‏:‏ ‏{‏أم عندهم خزائن ربك‏}‏ هو كقوله في سورة ص ‏(‏8، 9‏)‏ ‏{‏أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب‏}‏ وقوله في سورة الزخرف ‏(‏32‏)‏ ‏{‏أهم يقسمون رحمتَ ربك‏}‏ وكلمة عند تستعمل كثيراً في معنى الملك والاختصاص كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعنده مفاتح الغيب‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 59‏]‏، فالمعنى‏:‏ أيملكون خزائن ربك، أي الخزائن التي يملكها ربك كما اقتضته إضافة ‏{‏خزائن‏}‏ إلى ‏{‏ربك‏}‏ على نحو ‏{‏أعنده علم الغيب فهو يرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 35‏]‏‏.‏ وقد عبر عن هذا باللفظ الحقيقي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 100‏]‏‏.‏
‏{‏أَمْ هُمُ المسيطرون‏}‏‏.‏
إنكار لأن يكون لهم تصرف في عطاء الله تعالى ولو دون تصرف المالك مثل تصرف الوكيل والخازن وهو ما عبر عنه بالمصيطرون‏.‏
والمصيطر‏:‏ يقال بالصاد والسين في أوله‏:‏ اسم فاعل من صيطر بالصاد والسين، إذا حفظ وتسلط، وهو فعل مشتق من سيطر إذا قطع، ومنه الساطور، وهو حديدة يقطع بها اللحم والعظم‏.‏ وصيغ منه وزن فيعل للإِلحاق بالرباعي كقولهم‏:‏ بيقر، بمعنى هلك أو تحضر، وبيطر بمعنى شق، وهيمن، ولا خامس لها في الأفعال‏.‏ وإبدال السين صاداً لغة فيه مثل الصراط والسراط‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏المصيطرون‏}‏ بصاد‏.‏ وقرأه قنبل عن ابن كثير وهشام عن ابن عامر، وحفص في رواية بالسين في أوله‏.‏
وفي معنى الآية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أهم يقسمون رحمتَ ربك‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 32‏]‏، وليس في الآية الاستدلال لهذا النفي في قوله‏:‏ ‏{‏أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون‏}‏ لأن وضوحه كنار على عَلَم‏.‏ وقد تقدم في صدر تفسير هذه السورة حديث جبير بن مطعم لما سمع هذه الآية وكانت سبب إسلامه‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 39‏]‏
‏{‏أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏38‏)‏ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ‏(‏39‏)‏‏}‏
لما نفى أن يكون لهم تصرف قوي أو ضعيف في مواهب الله تعالى على عباده أعقبه بنفي أن يكون لهم إطلاع على ما قدره الله لعباده إطلاعاً يخوّلهم إنكار أن يرسل الله بشراً أو يوحي إليه وذلك لإِبطال قولهم‏:‏ ‏{‏تقوله‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 33‏]‏‏.‏ ومثل ذلك قولهم‏:‏ ‏{‏نتربص به ريب المنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏ المقتضي أنهم واثقون بأنهم يشهدون هلاكه‏.‏ وحذف مفعول ‏{‏يستمعون‏}‏ ليعم كلاماً من شأنه أن يسمع من الأخبار المغيبة بالمستقبل وغيره الواقع وغيره‏.‏
وسلك في نفي علمهم بالغيب طريق التهكم بهم بإنكار أن يكون لهم سُلَّم يرتقون به إلى السماء ليستمعوا ما يجري في العالم العلوي من أمر تتلقاه الملائكة أو أهل الملأ الأعلى بعضهم مع بعض فيسترقوا بعض العلم مما هو محجوب عن الناس إذ من المعلوم أنه لا سُلّم يصل أهل الأرض بالسماء وهم يعلمون ذلك ويعلمه كل أحد‏.‏
وعُلم من اسم السُّلَّم أنه آلة الصعود، وعلم من ذكر السماوات في الآية قبلها أن المراد سلم يصعدون به إلى السماء، فلذلك وصف ب ‏{‏يستمعون فيه‏}‏ أي يرتقون به إلى السماء فيستمعون وهم فيه، أي في درجاته الكلامَ الذي يجري في السماء‏.‏ و‏{‏فيه‏}‏ ظرف مستقر حال من ضمير ‏{‏يستمعون‏}‏، أي وهم كائنون فيه لا يفارقونه إذ لا يفرض أنهم ينزلون منه إلى ساحات السماء‏.‏
وإسناد الاستماع إلى ضمير جماعتهم على اعتبار أن المستمع سفير عنهم على عادة استعمال الكلام العربي من إسناد فعل بعض القبيلة إلى جميعها إذا لم تصده عن عمله في قولهم‏:‏ قتلت بنو أسد حُجْراً، ألا ترى أنه قال بعد هذا ‏{‏فليأت مستمعهم‏}‏، أي من استمع منهم لأجلهم، أي أرسلوه للسمع‏.‏ ومثل هذا الإِسناد شائع في القرآن وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب‏}‏ وما بعده من الآيات في سورة البقرة ‏(‏49‏)‏‏.‏
و ‏(‏في‏)‏ للظرفية وهي ظرفية مجازية اشتهرت حتى ساوت الحقيقة لأن الراقي في السُّلَّم يكون كله عليه، فالسلم له كالظرف للمظروف، وإذ كان في الحقيقة استعلاء ثم شاع في الكلام فقالوا‏:‏ صعد في السلم، ولم يقولوا‏:‏ صعد على السلم ولذلك اعتبرت ظرفية حقيقية، أي حقيقة عرفية بخلاف الظرفية في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولأصلبنكم في جذوع النخل‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 71‏]‏ لأنه لم يشتهر أن يقال‏:‏ صلبه في جذع، بل يقال‏:‏ صلبه على جذع، فلذلك كانت استعارة، فلا منافاة بين قول من زعم أن الظرفية مجازية وقول من زعمها حقيقة‏.‏
والفاء في ‏{‏فليأت مستمعهم بسلطان مبين‏}‏ لتفريع هذا الأمر التعجيزي على النفي المستفاد من استفهام الإِنكار‏.‏ فالمعنى‏:‏ فما يأتي مستمع منهم بحجة تدل على صدق دعواهم‏.‏ فلام الأمر مستعمل في إرادة التعجيز بقرينة انتفاء أصل الاستماع بطريق استفهام الإنكار‏.‏
والسلطان‏:‏ الحجة، أي حجة على صدقهم في نفي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو في كونه على وشك الهلاك‏.‏
والمراد بالسلطان ما يدل على إطلاعهم على الغيب من أمارات كأنْ يقولوا‏:‏ آية صدقنا فيما ندعيه وسمعناه من حديث الملأ الأعلى، أننا سمعنا أنه يقع غداً حادثُ كذا وكذا مثلاً، مما لا قبل للناس بعلمه، فيقع كما قالوا ويتوسم منه صدقهم فيما عداه‏.‏ وهذا معنى وصف السلطان بالمبين، أي المظهر لصحة الدعوى‏.‏
وهذا تحدَ لهم بكذبهم فلذلك اكتفى بأن يأتي بعضهم بحجة دون تكليف جميعهم بذلك على نحو قوله‏:‏ ‏{‏فأتوا بسورة من مثله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 23‏]‏ أي فليأت من يتعهد منهم بالاستماع بحجة‏.‏ وهذا بمنزلة التذييل للكلام على نحو ما تقدم في قوله‏:‏ ‏{‏قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 31‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 34‏]‏
‏{‏أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ ا لبنون‏}‏‏.‏
لما جرى نفي أن تكون لهم مطالعة الغيب من الملأ الأعْلى إبطالاً لمقالاتهم في شؤون الربوبية أعقب ذلك بإبطال نسبتهم لله بنات استقصاء لإِبطال أوهامهم في المغيبات من العالم العلوي، فهذه الجملة معترض بين جملة ‏{‏أم لهم سلم‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 38‏]‏ وجملة ‏{‏أم تسألهم أجراً‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 40‏]‏، ويقدر الاستفهام إنكاراً لأن يكون لله البنات‏.‏
ودليل الإِنكار في نفس الأمر استحالة الولد على الله تعالى ولكن لمَّا كانت عقول أكثر المخاطبين بهذا الرد غيرَ مستعدة لإِدراك دليل الاستحالة، وكان اعتقادهم البنات لله منكراً، تُصدِّيَ لدليل الإِبطال وسُلِك في إبطاله دليل إقناعي يتفطنون به إلى خطل رأيهم وهو قوله‏:‏ ‏{‏ولكم البنون‏}‏‏.‏
فجملة ‏{‏ولكم البنون‏}‏ في موضع الحال من ضمير الغائب، أي كيف يكون لله البنات في حال أن لكم بنين وهم يعلمون أن صنف الذكور أشرف من صنف الإِناث على الجملة كما أشار إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذاً قسمة ضيزى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 21، 22‏]‏‏.‏ فهذا مبالغة في تشنيع قولهم فليس المراد أنهم لو نسَبوا لله البنين لكان قولهم مقبولاً لأنهم لم يقولوا ذلك فلا طائل تحت إبطاله‏.‏
وتغيير أسلوب الغيبة المتبع ابتداء من قوله‏:‏ ‏{‏أم يقولون شاعر‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏ إلى أسلوب الخطاب التفات مكافحة لهم بالرد بجملة الحال‏.‏ وتقديم ‏{‏لكم‏}‏ على ‏{‏البنون‏}‏ لإِفادة الاختصاص، أي لكم البنون دونه فهم لهم بنون وبنات، وزعموا أن الله ليس له إلا البنات‏.‏ وأما تقديم المجرور على المبتدأ في قوله‏:‏ ‏{‏أم له البنات‏}‏ فللاهتمام باسم الجلالة وقد أنهي الكلام بالفاصلة لأنه غرض مستقل‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏
‏{‏أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ‏(‏40‏)‏‏}‏
هذا مرتبط بقوله‏:‏ ‏{‏أم يقولون تقوله‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 33‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أم عندهم خزائن ربك‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 37‏]‏ إذ كل ذلك إبطال للأسباب التي تحملهم على زعم انتفاء النبوءة عن محمد صلى الله عليه وسلم فبعد أن أبطل وسائل اكتساب العلم بما زعموه عاد إلى إبطال الدواعي التي تحملهم على الإِعراض عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ولأجل ذلك جاء هذا الكلام على أسلوب الكلام الذي اتصل هُو به، وهو أسلوب خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال هنا‏:‏ ‏{‏أم تسألهم أجراً‏}‏ وقال هنالك‏:‏ ‏{‏أم عندهم خزائن ربك‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 37‏]‏‏.‏
والاستفهام المقدر بعد ‏{‏أم‏}‏ مستعمل في التهكم بهم بتنزيلهم منزلة من يتوجس خيفة من أن يسألهم الرسول صلى الله عليه وسلم أجراً على إرشادهم‏.‏
والتهكم استعارة مبنية على التشبيه، والمقصود، ما في التهكم من معنى أن ما نشأ عنه التهكم أمر لا ينبغي أن يخطر بالبال‏.‏
وجيء بالمضارع في قوله‏:‏ ‏{‏تسألهم‏}‏ لإِفادة التجدد، أي تسألهم سؤالاً متكرراً لأن الدعوة متكررة، وقد شبهت بسؤال سائل‏.‏
وتفريع ‏{‏فهم من مغرم مثقلون‏}‏ لما فيه من بيان الملازمة بين سؤال الأجر وبين تجهّم من يسأل والتحرج منه‏.‏ وقد فرع قوله‏:‏ ‏{‏فهم من مغرم مثقلون‏}‏ على الفعل المستفهم عنه لا على الاستفهام، أي ما سألتهم أجراً فيثقل غُرمه عليهم، لأن الاستفهام في معنى النفي، والإِثقال يتفرع على سؤال الأجر المفروضضِ لأن مجرد السؤال محرج للمسؤول لأنه بين الإِعطاء فهو ثقيل وبين الرد وهو صعب‏.‏
والمَغرم بفتح الميم مصدر ميمي، وهو الغُرم‏.‏ وهو ما يفرض على أحد من عوض يدفعه‏.‏
والمثقَل‏:‏ أصله المحمَّل بشيء ثقيل، وهو هنا مستعار لمن يطالب بما يعسر عليه أداؤه، شبه طلبه أداء ما يعسر عليه بحمل الشيء الثقيل على من لا يسهل عليه حمله‏.‏
و ‏{‏مِن‏}‏ للتعليل، أي مثقلون من أجل مغرم حُمل عليهم‏.‏
والمعنى‏:‏ أنك ما كلفتهم شيئاً يعطونه إياك فيكونَ ذلك سبباً لإِعْراضهم عنك تخلصاً من أداء ما يطلب منهم، أي انتفى عذر إعراضهم عن دعوتك‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏
‏{‏أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ‏(‏41‏)‏‏}‏
هذا نظير الإِضراب والاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏أن عندهم خزائن ربك‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 37‏]‏، أي بل أعندهم الغيب فهم يكتبون ما يجدونه فيه ويروونه للناس‏؟‏ أي ما عندهم الغيب حتى يكتبوه، فبعد أن رد عليهم إنكارهم الإِسلام بأنهم كالذين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم أجراً على تبليغها أعقبه برد آخر بأنهم كالذين أطلعوا على أن عند الله ما يخالف ما ادَّعى الرسول صلى الله عليه وسلم إبلاغه عن الله فهم يكتبون ما أطلعوا عليه فيجدونه مخالفاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم
قال قتادة‏:‏ لما قالوا‏:‏ ‏{‏نتربص به ريب المنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أم عندهم الغيب‏}‏ أي حتى علموا متى يموت محمد، أو إلى ما يؤول إليه أمره فجعله راجعاً إلى قوله‏:‏ ‏{‏أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏‏.‏ والوجه ما سمعتَه آنفاً‏.‏
والغيب هنا مصدر بمعنى الفاعل، أي ما غاب عن علم الناس‏.‏
والتعريف في ‏{‏الغيب‏}‏ تعريف الجنس وكلمة ‏(‏عند‏)‏ تؤذن بمعنى الاختصاص والاستئثار، أي استأثروا بمعرفة الغيب فعلموا ما لم يعلمه غيرهم‏.‏
والكتابة في قوله‏:‏ ‏{‏فهم يكتبون‏}‏ يجوز أنها مستعارة للجزم الذي لا يقبل التخلف كقوله‏:‏ ‏{‏كتب ربكم على نفسه الرحمة‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 54‏]‏ لأن شأن الشيء الذي يراد تحقيقه والدوام عليه أن يكتب ويسجل، كما قال الحارث بن حلزة‏:‏
وهل ينقض ما في المهارق الأهواء ***
فيكون الخبر في قوله‏:‏ ‏{‏فهم يكتبون‏}‏ مستعملاً في معناه من إفادة النسبة الخبرية‏.‏
ويجوز أن تكون الكتابة على حقيقتها، أي فهم يسجلون ما أطلعوا عليه من الغيب ليبقى معلوماً لمن يطلع عليه ويكون الخبر من قوله‏:‏ ‏{‏فهم يكتبون‏}‏ مستعملاً في معنى الفرض والتقدير تبعاً لفرض قوله‏:‏ ‏{‏عندهم الغيب‏}‏، ويكون من باب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أعنده علم الغيب فهو يرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 35‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وقال لأوتين مالاً وولداً أطلع الغيب‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 77، 78‏]‏‏.‏
وحاصل المعنى‏:‏ أنهم لا قبل لهم بإنكار ما جحدوه ولا بإثبات ما أثبتوه‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏
‏{‏أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ‏(‏42‏)‏‏}‏
انتقال من نقض أقوالهم وإبطال مزاعمهم إلى إبطال نواياهم وعزائمهم من التبيت للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ولدعوة الإِسلام من الإِضرار والإِخفاق وفي هذا كشف لسرائرهم وتنبيه للمؤمنين للحذر من كيدهم‏.‏
وحذف متعلِّق ‏{‏كيداً‏}‏ ليعم كل ما يستطيعون أن يكيدوه فكانت هذه الجملة بمنزلة التتميم لنقض غزلهم والتّذييل بما يعم كل عزم يجري في الأغراض التي جرت فيها مقالاتهم‏.‏
والكيد والمكر متقاربان وكلاهما إظهار إخفاء الضر بوجوه الإِخفاء تغريراً بالمقصودِ له الضُرُّ‏.‏
وعدل عن الإِضمار إلى الإِظهار في قوله‏:‏ ‏{‏فالذين كفروا هم المكيدون‏}‏ وكان مقتضى الظاهر أن يقال فهم المكيدون لِما تؤذن به الصلة من وجه حلول الكيد بهم لأنهم كفروا بالله، فالله يدافع عن رسوله صلى الله عليه وسلم وعن المؤمنين وعن دينه كيدهم ويوقعهم فيما نووا إيقاعهم فيه‏.‏
وضمير الفصل أفاد القصر، أي الذين كفروا المكيدون دون من أرادوا الكيد به‏.‏
وإطلاق اسم الكيد على ما يجازيهم الله به عن كيدهم من نقض غزلهم إطلاقٌ على وجه المشاكلة بتشبيه إمهال الله إياهم في نعمة إلى أن يقع بهم العذاب بفعل الكائد لغيره، وهذا تهديد صريح لهم، وقد تقدم قوله‏:‏ ‏{‏ويمكرون ويمكر اللَّه واللَّه خير الماكرين‏}‏ في سورة الأنفال ‏(‏30‏)‏‏.‏ ومن مظاهر هذا التهديد ما حلّ بهم يوم بدر على غير ترقب منهم‏.‏
والقول في تفريع ‏{‏فالذين كفروا هم المكيدون‏}‏ كالقول في تفريع قوله‏:‏ ‏{‏فهم من مغرم مثقلون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 40‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏
‏{‏أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏
هذا آخر سهم في كنانة الرد عليهم وأشد رمي لشبح كفرهم، وهو شبح الإِشراك وهو أجمع ضلال تنضوي تحته الضلالات وهو إشراكهم مع الله آلهة أخرى‏.‏
فلما كان ما نُعي عليهم من أول السورة ناقضاً لأقوالهم ونواياهم، وكان ما هم فيه من الشرك أعظم لم يترك عَد ذلك عليهم مع اشتهاره بعد استيفاء الغرض المسوق له الكلام بهذه المناسبة، ولذلك كان هذا المنتقل إليه بمنزلة التذييل لما قبله لأنه ارتقاء إلى الأهم في نوعه والأهم يشبه الأعم فكان كالتذييل، ونظيره في الارتقاء في كمال النوع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فك رقبة أو إطعام إلى قوله‏:‏ ثم كان من الذين آمنوا‏}‏ ‏[‏البلد‏:‏ 13 17‏]‏ الآية‏.‏
وقد وقع قوله‏:‏ ‏{‏سبحان الله عما يشركون‏}‏ إتماماً للتذييل وتنهية المقصود من فضح حالهم‏.‏
وظاهر أن الاستفهام المقدر بعد ‏{‏أم‏}‏ استفهام إنكاري‏.‏ واعلم أن الآلوسي نقل عن «الكشف على الكشاف» كلاماً في انتظام الآيات من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يقولون شاعر‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أم لهم إله غير الله‏}‏ فيه نُكتٌ وتدقيق فانظره‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 46‏]‏
‏{‏وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ‏(‏44‏)‏ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ‏(‏45‏)‏ يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏46‏)‏‏}‏
عطف على جملة ‏{‏أم يقولون شاعر‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏ وما بعدها من الجمل الحالية لأقوالهم بمناسبة اشتراك معانيها مع ما في هذه الجملة في تصوير بهتانهم ومكابرتهم الدالة على أنهم أهل البهتان فلو أُرُوا كسفاً ساقطاً من السماء وقيل لهم‏:‏ هذا كسف نازل كابروا وقالوا هو سحاب مركوم‏.‏
فيجوز أن يكون ‏{‏كِسْفاً‏}‏ تلويحاً إلى ما حكاه الله عنهم في سورة الإِسراء ‏(‏90 92‏)‏ ‏{‏وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً‏}‏ وظاهر ما حكاه الطبري عن ابن زيد أن هذه الآية نزلت بسبب قولهم ذلك، وإذ قد كان الكلام على سبيل الغرض فلا توقف على ذلك‏.‏
والمعنى‏:‏ إن يروا كسفاً من السماء مما سألوا أن يكون آية على صدقك لا يذعنوا ولا يؤمنوا ولا يتركوا البهتان بل يقولوا‏:‏ هذا سحاب، وهذا المعنى مروي عن قتادة‏.‏ وهو من قبيل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 14، 15‏]‏‏.‏
والكِسف بكسر الكاف‏:‏ القطعة، ويقال‏:‏ كسفة‏.‏ وقد تقدم في سورة الإِسراء‏.‏
و ‏{‏من السماء‏}‏ صفة ل ‏{‏كسفاً‏}‏، و‏{‏من‏}‏ تبعيضية، أي قطعة من أجزاء السماء مثل القطع التي تسقط من الشهب‏.‏
والمركوم‏:‏ المجموع بعضه فوق بعض يقال‏:‏ ركمه ركماً، وهو السحاب الممطر قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم يجعله ركاماً‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 43‏]‏‏.‏ /
والمعنى‏:‏ أن يقع ذلك في المستقبل يقولوا سحاب، وهذا لا يتقضي أنه يقع لأن أداة الشرط إنما تقتضي تعليق وقوع جوابها على وقوع فعلها لو وقع‏.‏ ووقع ‏{‏سحاب مركوم‏}‏ خبراً عن مبتدأ محذوف، وتقديره‏:‏ هو سحاب وهذا سحاب‏.‏
والمقصود‏:‏ أنهم يقولون ذلك عناداً مع تحققهم أنه ليس سحاباً‏.‏ ولكون المقصود أن العناد شيمتهم فرع عليه أن أمر الله رسول صلى الله عليه وسلم بأن يتركهم، أي يترك عرض الآيات عليهم، أي أن لا يسأل الله إظهار ما اقترحوه من الآيات لأنهم لا يقترحون ذلك طلباً للحجة ولكنهم يكابرون، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 96، 97‏]‏‏.‏ وليس المراد ترك دعوتهم وعرض القرآن عليهم‏.‏
ويجوز أن يكون الأمر في قوله‏:‏ ‏{‏فذرهم‏}‏ مستعملاً في تهديدهم لأنهم يسمعونه حين يقرأُ عليهم القرآن كما يقال للذي لا يرعوي عن غيه‏:‏ دعه فإنه لا يقلع‏.‏
وأفادت الغاية أنه يتركهم إلى الأبد لأنهم بعد أن يصعقوا لا تُعاد محاجتهم بالأدلة والآيات‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏يلاقوا‏}‏‏.‏ وقرأه أبو جعفر ‏{‏يَلْقوا‏}‏ بدون ألف بعد اللام‏.‏
و «اليوم الذي فيه يصعقون» هو يوم البعث الذي يصعق عنده من في السماوات ومن في الأرض‏.‏
وإضافة اليوم إلى ضميرهم لأنهم اشتهروا بإنكاره وعرفوا بالذين لا يؤمنون بالآخرة‏.‏ وهذا نظير النسب في قول أهل أصول الدين‏:‏ فلان قدري، يريدون أنه لا يؤمن بالقدر‏.‏ فالمعنى بنسبته إلى القدر أنه يخوض في شأنه، أو لأنه اليوم الذي أوعدوه، فالإِضافة لأدنى ملابسة‏.‏
ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 103‏]‏‏.‏
والصعق‏:‏ الإِغماء من خوف أو هلع قال تعالى‏:‏ ‏{‏وخر موسى صعقاً‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 143‏]‏، وأصله مشتق من الصاعقة لأن المصاب بها يُغمى عليه أو يموت، يقال‏:‏ صَعِق، بفتح فكسر، وصُعِق بضم وكسر‏.‏
وقرأه الجمهور ‏{‏يصعقون‏}‏ بفتح المثناة التحتية، وقرأه ابن عامر وعاصم بضم المثناة‏.‏
وذلك هو يوم الحشر قال تعالى‏:‏ ‏{‏ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 68‏]‏، وملاقاتهم لليوم مستعارة لوقوعه، شُبه اليوم وهو الزمان بشخص غائب على طريقة المكنية وإثباتُ الملاقاة إليه تخييل‏.‏ والملاقاة مستعارة أيضاً للحلول فيه، والإتيان بالموصول للتنبيه على خطئهم في إنكاره‏.‏
و ‏{‏يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً‏}‏ بدل من ‏{‏يومهم‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 45‏]‏ وفتحته فتحة إعراب لأنه أضيف إلى مُعرب‏.‏
والإِغناء‏:‏ جعل الغير غنياً، أي غير محتاج إلى ما تقوم به حاجياته، وإذا قيل‏:‏ أغنى عنه‏.‏ كان معناه‏:‏ أنه قام مقامه في دفع حاجة كان حقه أن يقوم بها، ويتوسع فيه بحذف مفعوله لظهوره من المقام‏.‏
والمراد هنا لا يغني عنهم شيئاً عن العذاب المفهوم من إضافة ‏{‏يوم‏}‏ إلى ضميرهم ومن الصلة في قوله‏:‏ ‏{‏الذي فيه يصعقون‏}‏‏.‏
و ‏{‏كيدهم‏}‏ من إضافة المصدر إلى فاعله، أي ما يكيدون به وهو المشار إليه بقوله‏:‏ ‏{‏أم يريدون كيداً‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 42‏]‏، أي لا يستطيعون كيداً يومئذٍ كما كانوا في الدنيا‏.‏
فالمعنى‏:‏ لا كيد لهم فيغني عنهم على طريقة قول امرئ القيس‏:‏
على لاَحِببٍ لا يُهتدَى بمناره ***
أي لا منار له فيهتدي به‏.‏
وهذا ينفي عنهم التخلص بوسائل من فعلهم، وعطف عليه ‏{‏ولا هم ينصرون‏}‏ لنفي أن يتخلصوا من العذاب بفعل من يخلصهم وينصرهم فانتفى نوعا الوسائل المنجية‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏
‏{‏وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏47‏)‏‏}‏
جملة معترضة والواو اعتراضية، أي وإن لهم عذاباً في الدنيا قبل عذاب الآخرة، وهو عذاب الجوع في سني القحط، وعذاب السيف يوم بدر‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏للذين ظلموا‏}‏ إظهار في مقام الإِضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال‏:‏ وإن لهم عذاباً جرياً على أسلوب قوله‏:‏ ‏{‏فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 45‏]‏ فخولف مقتضى الظاهر لإِفادة علة استحقاقهم العذاب في الدنيا بأنها الإِشراك بالله‏.‏
وكلمة ‏{‏دون‏}‏ أصلها المكان المنفصل عن شيء انفصالاً قريباً، وكثر إطلاقه على الأقل، يقال‏:‏ هو في الشرف دونَ فلان، وعلى السابق لأنه أقرب حلولاً من المسبوق، وعلى معنى ‏(‏غير‏)‏‏.‏ و‏{‏دون‏}‏ في هذه الآية صالحة للثلاثة الأخيرة، إذ المراد عذابٌ في الدنيا وهو أقل من عذاب الآخرة قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 21‏]‏ وهو أسبق من عذاب الآخرة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏دون العذاب الأكبر‏}‏، وهو مغاير له كما هو بيّن‏.‏
ولكون هذا العذاب مستبعداً عندهم وهم يرون أنفسهم في نعمَة مستمرة كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ليقولن هذا لي‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 50‏]‏ أُكد الخبر ب ‏{‏إنّ‏}‏ فالتأكيد مراعى فيه شكهم حين يسمعون القرآن، كما دل عليه تعقيبه بقوله‏:‏ ‏{‏ولكن أكثرهم لا يعلمون‏}‏‏.‏
والاستدراك الذي أفادته ‏(‏لكنَّ‏)‏ راجع إلى مفاد التأكيد، أي هو واقع لا محالة ولكن أكثرهم لا يعلمون وقوعه، أي لا يخطر ببالهم وقوعه، وذلك من بطرهم وزهوهم ومفعول ‏{‏لا يعلمون‏}‏ محذوف اختصاراً للعمل به وأسند عدم العلم إلى أكثرهم دون جميعهم لأن فيهم أهْل رأي ونظر يتوقعون حلول الشر إذا كانوا في خير‏.‏
والظلم‏:‏ الشرك قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الشرك لظلم عظيم‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 13‏]‏ وهو الغالب في إطلاقه في القرآن‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 49‏]‏
‏{‏وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ‏(‏48‏)‏ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ‏(‏49‏)‏‏}‏
‏{‏واصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏}‏‏.‏
عطف على جملة ‏{‏فذرهم حتى يلاقوا يومهم‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 45‏]‏ الخ، وما بينهما اعتراض وكان مفتتح السورة خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم ابتداء من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن عذاب ربك لواقع‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 7‏]‏ المسوق مساق التسلية له، وكان في معظم ما في السورة من الأخبار ما يخالطه في نفسه صلى الله عليه وسلم من الكدر والأسف على ضلال قومه وبعدهم عما جاءهم به من الهدى ختمَت السورة بأمره بالصبر تسلية له وبأمره بالتسبيح وحمدِ الله شكراً له على تفضيله بالرسالة‏.‏
والمراد ب ‏{‏حكم ربك‏}‏ ما حكم به وقدره من انتفاء إجابَة بعضهم ومن إبطاء إجابة أكثرهم‏.‏
فاللام في قوله‏:‏ ‏{‏لحكم ربك‏}‏ يجوز أن تكون بمعنى ‏(‏على‏)‏ فيكون لتعدية فعل ‏{‏اصبر‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واصبر على ما يقولون‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 10‏]‏‏.‏ ويجوز فيها معنى ‏(‏إلى‏)‏ أي اصبر إلى أن يحكم الله بينك وبينهم فيكون في معنى قوله‏:‏ ‏{‏واصبر حتى يحكم اللَّه‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 109‏]‏ ويجوز أن تكون للتعليل فيكون ‏{‏لحكم ربك‏}‏ هو ما حكَم به من إرساله إلى الناس، أي اصبر لأنك تقوم بما وجب عليك‏.‏
فلللام في هذا المكان موقع جامع لا يفيد غيرُ اللام مثلَه‏.‏
والتفريع في قوله‏:‏ ‏{‏فإنك بأعيننا‏}‏ تفريع العلة على المعلول ‏{‏اصبر‏}‏ لأنك بأعيننا، أي بمحل العناية والكلاءة منا، نحن نعلم ما تلاقيه وما يريدونه بك فنحن نجازيك على ما تلقاه ونحرسك من شرهم وننتقم لك منهم، وقد وفى بهذا كله التمثيلُ في قوله‏:‏ ‏{‏فإنك بأعيننا‏}‏، فإن الباء للإِلصاق المجَازي، أي لا نغفل عنك، يقال‏:‏ هو بمرأى مني ومسمع، أي لا يخفى عليّ شأنه‏.‏ وذكر العين تمثيل لشدة الملاحظة وهذا التمثيل كناية عن لازم الملاحظة من النصر والجزاء والحفظ‏.‏
وقد آذن بذلك قوله‏:‏ ‏{‏لحكم ربك‏}‏ دون أن يقول‏:‏ واصبر لحكمنا، أو لحكم الله، فإن المربوبية تؤذن بالعناية بالمربوب‏.‏
وجمعُ الأعين‏:‏ إما مبالغة في التمثيل كأنَّ الملاحظة بأعين عديدة كقوله‏:‏ ‏{‏واصنع الفلك بأعيننا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 37‏]‏ وهو من قبيل ‏{‏والسماء بنيناها بأييد‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 47‏]‏‏.‏
ولك أن تجعل الجمع باعتبار تعدد متعلَّقات الملاحظة فملاحظةٌ للذب عنه، وملاحظة لتوجيه الثواب ورفع الدرجة، وملاحظة لجزاء أعدائه بما يستحقونه، وملاحظة لنصره عليهم بعموم الإيمان به، وهذا الجمع على نحو قوله تعالى في قصة نوح‏:‏ ‏{‏وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 13، 14‏]‏ لأن عناية الله بأهل السفينة تتعلّق بإجرائها وتجنيب الغرق عنها وسلامة ركابها واختيار الوقت لإِرسائها وسلامة الركاب في هبوطهم، وذلك خلاف قوله في قصة موسى ‏{‏ولتصنع على عيني‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 39‏]‏ فإنه تعلق واحد بمشي أخته إلى آل فرعون وقولها‏:‏ ‏{‏هل أدلكم على من يكفله‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 40‏]‏‏.‏
‏{‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اليل فَسَبِّحْهُ وإدبار النجوم‏}‏‏.‏
التسبيح‏:‏ التنزيه، والمراد ما يدل عليه من قول، وأشهر ذلك هو قول‏:‏ «سبحان الله» وما يرادفه من الألفاظ، ولذلك كثر إطلاق التسبيح وما يشتق منه على الصلوات في آيات كثيرة وآثار‏.‏
والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بحمد ربك‏}‏ للمصاحبة جمعاً بين تعظيم الله بالتنزيه عن النقائص وبين الثناء عليه بأوصاف الكمال‏.‏
و ‏{‏حين تقوم‏}‏ وقت الهبوب من النوم، وهو وقت استقبال أعمال اليوم وعنده تتجدد الأسباب التي من أجلها أُمر بالصبر والتسبيح والحمد‏.‏
فالتسبيح مراد به‏:‏ الصلاة، والقيام‏:‏ جعل وقت للصلوات‏:‏ إمّا للنوافل، وإما لصلاة الفريضة وهي الصبح‏.‏
وقيل‏:‏ التسبيح قوله‏:‏ «سبحان الله»، والقيام‏:‏ الاستعداد للصلاة أو الهبوب من النوم‏.‏ وروي ذلك عن عوف بن مالك وابن زيد والضحاك على تقارب بين أقوالهم، أي يقول القائم‏:‏ «سبحان الله وبحمده» أو يقول‏:‏ «سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك ولا إله غيرك»‏.‏
وعن عوف بن مالك وابن مسعود وجماعة‏:‏ أن المراد بالقيام القيام من المجلس لما روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ من جلس مجلساً فكثر فيه لَغَظُه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك‏:‏ سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك ‏"‏ ولم يذكر أنه قرأ هذه الآية‏.‏
و ‏{‏من الليل‏}‏ أي زمناً هو بعض الليل، فيشمل وقت النهي للنوم وفيه تتوارد على الإنسان ذكريات مهماته، ويشمل وقت التهجد في الليل‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فسبحه‏}‏ اكتفاء، أي واحمده‏.‏
وانتصب ‏{‏وإدبار النجوم‏}‏ على الظرفية لأنه على تقدير‏:‏ ووقت إدبار النجوم‏.‏
والإِدبار‏:‏ رجوع الشيء من حيث جاء لأنه ينقلب إلى جهة الدُبر، أي الظهر‏.‏
وإدبار النجوم‏:‏ سقوط طوالعها، فإطلاق الإِدبار هنا مجاز في المفارقة والمزايلة، أي عند احتجاب النجوم‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ إذا أقبل الليل من ههنا ‏(‏الإِشارة إلى المشرق‏)‏ وأدْبر النهار من ههنا ‏(‏الإِشارة إلى جهة المغرب‏)‏ فقد أفطر الصائم ‏"‏‏.‏ وسقوط طوالعها التي تطلع‏:‏ أنها تسقط في جهة المغرب عند الفجر إذا أضاء عليها ابتداء ظهور شعاع الشمس، فإدبار النجوم‏:‏ وقت السحر، وهو وقت يستوفي فيه الإِنسان حظه من النوم، ويبقى فيه ميل إلى استصحاب الدَّعَة، فأمر بالتسبيح فيه ليفصل بين النوم المحتاج إليه وبين التناوم الناشئ عن التكاسل، ثم إن وجد في نفسه بعد التسبيح حاجة إلى غفوة من النوم اضطجع قليلاً إلى أن يحين وقت صلاة الصبح، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع بعد صلاة الفجر حتى يأتيه المؤذن بصلاة الصبح‏.‏
والنجوم‏:‏ جمع نجم وهو الكوكب الذي يضيء في الليل غير القمر، وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم‏}‏ في سورة النحل ‏(‏12‏)‏‏.‏
والآية تشير إلى أوقات الرغائب من النوافل وهي صلاة الفجر والأشفاع بعد العشاء وقيام آخر الليل‏.‏ وقيل‏:‏ إشارت إلى الصلوات الخمس بوجه الإِجمال وبيّنتهُ السنة‏.‏

سورة النجم
تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏
‏{‏وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ‏(‏1‏)‏ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ‏(‏2‏)‏ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ‏(‏3‏)‏‏}‏
كلام موجه من الله تعالى إلى المشركين الطاعنين في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم
و ‏{‏النجم‏}‏‏:‏ الكوكب أي الجرم الذي يبدو للناظرين لامعاً في جو السماء ليلاً‏.‏
أقسم الله تعالى بعظيم من مخلوقاته دال على عظيم صفات الله تعالى‏.‏
وتعريف ‏{‏النجم‏}‏ باللام، يجوز أن يكون للجنس كقوله‏:‏ ‏{‏وبالنجم هم يهتدون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 16‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏والنجم والشجر يسجدان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 6‏]‏، ويحتمل تعريف العهد‏.‏ وأشهر النجوم بإطلاق اسم النجم عليه الثريّا لأنهم كانوا يوقتون بأزمان طلوعها مواقيت الفصول ونضج الثمار، ومن أقوالهم‏:‏ طلع النَّجم عِشاءَ فابتغى الراعي كمساءَ طَلع النجم غُذَيَّة وابتغى الراعي شُكَية ‏(‏تصغير شَكْوة وعاءٍ من جلد يوضع فيه الماء واللبن‏)‏ يعنون ابتداء زمن البرد وابتداء زمن الحرّ‏.‏
وقيل ‏{‏النجم‏}‏‏:‏ الشعرى اليمانية وهي العبورُ وكانت معظمة عند العرب وعَبدتْها خُزاعة‏.‏
ويجوز أن يكون المراد ب ‏{‏النجم‏}‏‏:‏ الشهاب، وبهُويه‏:‏ سقوطه من مكانه إلى مكان آخر، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظاً من كل شيطان مارد‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 6، 7‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 5‏]‏‏.‏
والقَسَم ب ‏{‏النجم‏}‏ لما في خَلقه من الدلالة على عظيم قدرة الله تعالى، ألا ترى إلى قول الله حكاية عن إبراهيم ‏{‏فلما جَنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 76‏]‏‏.‏
وتقييد القَسَم بالنجم بوقت غروبه لإِشعار غروب ذلك المخلوق العظيم بعد أَوْجه في شرف الارتفاع في الأفق على أنه تسخير لقدرة الله تعالى، ولذلك قال إبراهيم‏:‏ ‏{‏لا أحب الآفلين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 76‏]‏‏.‏
والوجه أن يكون ‏{‏إذا هوى‏}‏ بدل اشتمال من النجم، لأن المرَاد من النجم أحواله الدالة على قدرة خالقه ومصرفه ومن أعظم أحواله حال هُويِّه، ويكون ‏{‏إذا‏}‏ اسم زمان مجرداً عن معنى الظرفية في محل جر بحرف القسم، وبذلك نتفادى من إشكال طَلب متعلق ‏{‏إذَا‏}‏ وهو إشكال أورده العلامة الجَنْزِي على الزمخشري، قال الطيبي وفي «المقتبس» قال الجَنْزِي‏:‏ «فاوضتُ جارَ الله في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والنجم إذا هوى‏}‏ ما العامل في ‏{‏إذا‏}‏‏؟‏ فقال‏:‏ العامل فيه ما تعلّق به الواو، فقلت‏:‏ كيف يعمل فعل الحال في المستقبل وهذا لأن معنا أُقسم الآن، وليس معناه أُقسم بعد هذا فرجع وقال‏:‏ العامل فيه مصدر محذوف تقديره‏:‏ وهُوِيّ النجم إذا هَوَى، فعرضته على زين المشائخ فلم يستحسن قوله الثاني‏.‏ والوجه أن ‏{‏إذا‏}‏ قد انسلخ عنه معنى الاستقبال وصار للوقت المجرد، ونحوه‏:‏ آتيك إذا احمرّ البسر، أي وقت احمراره فقد عُرّي عن معنى الاستقبال لأنه وقعت الغنية عنه بقوله‏:‏ آتيك اه‏.‏ كلام الطيبي، فقوله‏:‏ فالوجه يحتمل أن يكون من كلام زين المشائخ أو من كلام صاحب «المقتبس» أو من كلام الطيبي، وهو وجيه وهو أصل ما بنينا عليه موقع ‏{‏إذَا‏}‏ هنا، وليس تردد الزمخشري في الجواب إلا لأنه يلتزم أن يكون ‏{‏إذَا‏}‏ ظرفاً للمستقبل كما هو مقتضى كلامه في «المفصَّل» مع أن خروجها عن ذلك كثير كما تواطأت عليه أقوال المحققين‏.‏
والهُوِيّ‏:‏ السقوط، أطلق هنا على غروب الكوكب، استعير الهُوِيُّ إلى اقتراب اختفائه ويجوز أن يراد بالهوِيّ‏:‏ سقوط الشهاب حين يلوح للناظر أنه يجري في أديم السماء، فهو هويّ حقيقي فيكون قد استعمل في حقيقته ومجازه‏.‏
وفي ذكر ‏{‏إذا هوى‏}‏ احتراس من أن يتوهم المشركون أن في القسم بالنجم إقراراً لعبادة نجم الشعرى، وأن القسم به اعتراف بأنه إله إذ كان بعض قبائل العرب يعبدونها فإن حالة الغروب المعبر عنها بالهُوِيِّ حالة انخفاض ومغيب في تخيّل الرّائي لأنهم يعُدُّون طلوع النجم أوجاً لشرفه ويعدون غروبه حَضيضاً، ولذلك قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما أفل قال لا أحب الآفلين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 76‏]‏‏.‏
ومَن مناسبات هذا يجيء قوله‏:‏ ‏{‏وأنه هو رب الشعرى‏}‏ في هذه السورة ‏(‏49‏)‏، وتلك اعتبارات لهم تخيلية شائعة بينهم فمن النافع موعظة الناس بذلك لأنه كاف في إقناعهم وصولاً إلى الحق‏.‏
فيكون قوله‏:‏ ‏{‏إذا هوى‏}‏ إشعاراً بأن النجوم كلها مسخرة لقدرة الله مسيّرة في نظام أوْجدها عليه ولا اختيار لها فليست أهلاً لأن تعبد فحصل المقصود من القسم بما فيها من الدلالة على القدرة الإِلهية مع الاحتراس عن اعتقاد عبادتها‏.‏
وقال الراغب‏:‏ قيل أراد بذلك أي ب ‏{‏النجم‏}‏ القرآن المنزل المنجم قدراً فقدراً، ويعني بقوله‏:‏ ‏{‏هوى‏}‏ نزوله اه‏.‏
ومناسبة القسم ب ‏{‏النجم إذا هَوَى‏}‏، أن الكلام مسوق لإثباتتِ أن القرآن وحي من الله منزل من السماء فشابَه حالُ نزوله الاعتباريِّ حال النجم في حالة هويِّه مشابهة تمثيلية حاصلة من نزول شيء منيرٍ إنارة معنوية نازل من محل رفعة معنوية، شبه بحالة نزول نجم من أعلى الأفق إلى أسفله وهو من تمثيل المعقول بالمحسوس، أو الإِشارة إلى مشابهة حالة نزول جبريل من السماوات بحالة نزول النجم من أعلى مكانه إلى أسفله، أو بانقضاض الشهاب تشبيه محسوس بمحسوس، وقد يشبهون سرعة الجري بإنقضاض الشهاب، قال أوس بن حجر يصف فرساً‏:‏
فانقضّ كالدُريّ يتبعه *** نقع يثور تخاله طُنبا
والضلال‏:‏ عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى المقصود، وهو مجاز في سلوك ما ينافي الحق‏.‏
والغواية‏:‏ فساد الرأي وتعلقه بالباطل‏.‏
والصاحب‏:‏ الملازم للذي يضاف إليه وصف صاحب، والمراد بالصاحب هنا‏:‏ الذي له ملابسات وأحوال مع المضاف إليه، والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم وهذا كقول أبي مَعبد الخزاعي الوارد في أثناء قصة الهجرة لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته وفيها أمُّ معبد وذكرت له معجزة مسحه على ضرع شاتها‏:‏ «هذا صاحب قريش»، أي صاحب الحوادث الحادثة بينه وبينهم‏.‏
وإيثار التعبير عنه بوصف ‏{‏صاحبكم‏}‏ تعريض بأنهم أهل بهتان إذ نسبوا إليه ما ليس منه في شيء مع شدة إطلاعهم على أحواله وشؤونه إذ هو بينهم في بلد لا تتعذر فيه إحاطة علم أهله بحال واحد معين مقصود من بينهم‏.‏
ووقع في خطبة الحجاج بعد دَير الجماجم قوله للخوارج «ألستم أصحابي بالأهواز حين رُمتم الغدر واستبطنتم الكفر» يريد أنه لا تخفى عنه أحوالهم فلا يحاولون التنصل من ذنوبهم بالمغالطة والتشكيك‏.‏
وهذا رد من الله على المشركين وإبطال لقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم قالوا‏:‏ مجنون، وقالوا‏:‏ ساحر، وقالوا‏:‏ شاعر، وقالوا في القرآن‏:‏ إنْ هذا إلا اختلاق‏.‏
فالجنون من الضلال لأن المجنون لا يهتدي إلى وسائل الصواب، والكذبُ والسحر ضلال وغواية، والشعر المتعارف بينهم غواية كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏والشعراء يتبعهم الغاوون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 224‏]‏ أي يحبذون أقوالهم لأنها غواية‏.‏
وعُطف على جواب القسم ‏{‏ما ينطق عن الهوى‏}‏ وهذا وصف كمال لذاته‏.‏ والكلام الذي ينطق به هو القرآن لأنهم قالوا فيه‏:‏ ‏{‏إن هذا إلا إفك افتراه‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 4‏]‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏أساطير الأولين اكتتبها‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 5‏]‏ وذلك ونحوه لا يعدُو أن يكون اختراعه أو اختياره عن محبة لما يُخترع وما يُختار بقطع النظر عن كونه حقاً أو باطلاً، فإن من الشعر حكمة، ومنه حكاية واقعات، ومنه تخيلات ومفتريات‏.‏ وكله ناشئ عن محبة الشاعر أن يقول ذلك، فأراهم الله أن القرآن داععٍ إلى الخير‏.‏
و ‏(‏ما‏)‏ نافية نفت أن ينطق عن الهوى‏.‏
والهوى‏:‏ ميل النفس إلى ما تحبه أو تحب أن تفعله دون أن يقتضيه العقل السليم الحكيم، ولذلك يختلف الناس في الهوى ولا يَختلفون في الحق، وقد يحب المرء الحق والصواب‏.‏ فالمراد بالهوى إذا أطلق أنه الهوى المجرد عن الدليل‏.‏
ونفي النطق عن هَوى يقتضي نفي جنس ما يَنْطق به عن الاتصاف بالصدور عن هوى سواء كان القرآن أو غيره من الإِرشاد النبوي بالتعليم والخطابة والموعظة والحكمة، ولكن القرآن هو المقصود لأنه سبب هذا الرد عليهم‏.‏
واعلم أن تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن النطق عن هوى يقتضي التنزيه عن أن يفعل أو يحكم عن هوى لأن التنزه عن النطق عن هوى أعظم مراتب الحكمة‏.‏ ولذلك ورد في صفة النبي صلى الله عليه وسلم «أنه يمزح ولا يقول إلا حقًّا»‏.‏ وهنا تم إبطال قولهم فحسن الوقف على قوله‏:‏ ‏{‏وما ينطق عن الهوى‏}‏‏.‏
وبين ‏{‏هوى‏}‏ و‏{‏الهوى‏}‏ جِناس شبه التام‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 10‏]‏
‏{‏إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ‏(‏4‏)‏ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ‏(‏5‏)‏ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ‏(‏6‏)‏ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ‏(‏7‏)‏ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ‏(‏8‏)‏ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ‏(‏9‏)‏ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ‏(‏10‏)‏‏}‏
استئناف بياني لجملة ‏{‏وما ينطق عن الهوى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 3‏]‏‏.‏
وضمير ‏{‏هو‏}‏ عائد إلى المنطوق به المأخوذ من فعل ‏{‏ينطق‏}‏ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اعدلوا هو أقرب للتقوى‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 8‏]‏ أي العدل المأخوذ من فعل ‏{‏اعْدلوا‏}‏‏.‏
ويجوز أن يعود الضمير إلى معلوم من سياق الرد عليهم لأنهم زعموا في أقوالهم المردودة بقوله‏:‏ ‏{‏ما ضل صاحبكم وما غوى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 2‏]‏ زعموا القرآن سحراً، أو شعراً، أو كهانة، أو أساطير الأوّلين، أو إفكاً افتراه‏.‏
وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم ينطق بغير القرآن عن وحي كما في حديث الحديبية في جوابه للذي سأله‏:‏ ما يفعل المعتمر‏؟‏ وكقوله‏:‏ ‏"‏ إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها ‏"‏ ومثل جميع الأحاديث القدسية التي فيها قال الله تعالى ونحوه‏.‏
وفي «سنن أبي داود» و«الترمذي» من حديث المقدام بن معد يكرب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول‏:‏ عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحِلُّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه ‏"‏‏.‏ وقد ينطق عن اجتهاد كأمره بكسر القدور التي طبخت فيها الحُمُر الأهلية فقيل له‏:‏ أو نُهريقها ونغسلها‏؟‏ فقال‏:‏ «أو ذاك»‏.‏
فهذه الآية بمعزل عن إيرادها في الاحتجاج لجواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم لأنها كان نزولها في أول أمر الإِسلام وإن كان الأصح أن يجوز له الاجتهاد وأنه وقع منه وهي من مسائل أصول الفقه‏.‏
والوحي تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح‏}‏ في سورة النساء ‏(‏163‏)‏‏.‏ وجملة ‏{‏يوحى‏}‏ مؤكدة لجملة ‏{‏إن هو إلا وحى‏}‏ مع دلالة المضارع على أن ما ينطق به متجدد وحيه غير منقطع‏.‏
ومتعلِّق ‏{‏يوحى‏}‏ محذوف تقديره‏:‏ إليه، أي إلى صاحبكم‏.‏
وتُرك فاعل الوحي لضرب من الإِجمال الذي يعقبه التفصيل لأنه سيرد بعده ما يبينه من قوله‏:‏ ‏{‏فأوحى إلى عبده ما أوحى‏}‏‏.‏
وجملة ‏{‏علمه شديد القوى‏}‏ الخ، مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان كيفية الوحي‏.‏
وضمير الغائب في ‏{‏علمه‏}‏ عائد إلى الوحي، أو إلى ما عاد إليه ضمير ‏{‏هو‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏إن هو إلا وحي‏}‏‏.‏ وضمير ‏{‏هو‏}‏ يعود إلى القرآن، وهو ضمير في محلّ أحد مفعولي ‏(‏علّم‏)‏ وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير‏:‏ علمه إياه، يعود إلى ‏{‏صاحبكم‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 2‏]‏ ويجوز جعل هاء ‏{‏علمه‏}‏ عائداً إلى ‏{‏صاحبكم‏}‏ والمحذوف عائد إلى ‏{‏وحى‏}‏ إبطالاً لقول المشركين ‏{‏إنما يعلمه بشر‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 103‏]‏‏.‏
و ‏(‏علّم‏)‏ هنا مُتعدَ إلى مفعولين لأنه مضاعف ‏(‏عَلم‏)‏ المتعدي إلى مفعول واحد‏.‏
و ‏{‏شديد القوى‏}‏‏:‏ صفة لمحذوف يدل عليه ما يذكر بعد مما هو من شؤون الملائكة، أي مَلَك شديد القوى‏.‏
واتفق المفسرون على أن المراد به جبريل عليه السلام‏.‏
والمراد ب ‏{‏القوى‏}‏ استطاعة تنفيذ ما يأمر الله به من الأعمال العظيمة العقلية والجسمانية، فهو الملَك الذي ينزل على الرُّسل بالتبليغ‏.‏
والمِرَّة، بكسر الميم وتشديد الراء المفتوحة، تطلق على قوة الذات وتطلق على متانة العقل وأصالته، وهو المراد هنا لأنه قد تقدم قبله وصفه بشديد القوى، وتخصيص جبريل بهذا الوصف يشعر بأنه الملك الذي ينزل بفيوضات الحكمة على الرسل والأنبياء، ولذلك لما ناول الملَك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ الإِسراء كأس لَبن وكأسَ خمر، فاختار اللبن قَال له جبريل‏:‏ اخترتَ الفِطرة ولو أخذتَ الخمر غَوت أمتك‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فاستوى‏}‏ مفرع على ما تقدم من قوله‏:‏ ‏{‏علمه شديد القوى‏}‏‏.‏
والفاء لتفصيل ‏{‏علمه‏}‏، والمستوي هو جبريل‏.‏ ومعنى استوائه‏:‏ قيامه بعزيمة لتلقي رسالة الله، كما يقال‏:‏ استقل قائماً، ومثل‏:‏ بين يدي فلان، فاستواء جبريل هو مبدأ التهيُّؤ لقبول الرسالة من عند الله، ولذلك قيد هذا الاستواء بجملة الحال في قوله‏:‏ ‏{‏وهو بالأفق الأعلى‏}‏‏.‏ والضمير لجبريل لا محالة، أي قبل أن ينزل إلى العالم الأرضي‏.‏
والأفق‏:‏ اسم للجو الذي يبدو للناظر ملتقى بين طَرَف منتهى النظر من الأرض وبين منتهى ما يلوح كالقبة الزرقاء، وغلب إطلاقه على ناحية بعيدة عن موطن القوم ومنه أفق المشرق وأفق المغرب‏.‏
ووصفه ب ‏{‏الأعلى‏}‏ في هذه الآية يفيد أنه ناحية من جو السماء‏.‏ وذكر هذا ليرتب عليه قوله‏:‏ ‏{‏ثم دنا فتدلى‏}‏‏.‏
و ‏{‏ثم‏}‏ عاطفة على جملة ‏{‏فاستوى‏}‏، والتراخي الذي تقيده ‏{‏ثم‏}‏ تراخخٍ رتبيّ لأن الدنوّ إلى حيث يبلِّغ الوحيَ هو الأَهم في هذا المقام‏.‏
والدنوّ‏:‏ القرب، وإذ قد كان فعل الدنوّ قد عطف ب ‏{‏ثم‏}‏ على ‏{‏فاستوى وهو بالأفق الأعلى‏}‏ علم أنه دنا إلى العالم الأرضي، أي أخذ في الدنو بعد أن تلقى ما يبلغه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم
وتدلّى‏:‏ انخفض من علو قليلاً، أي ينزل من طبقات إلى ما تحتها كما يتدلى الشيء المعلق في الهواء بحيث لو رآه الرائي يحسبه متدلياً، وهو ينزل من السماء غير منقضَ‏.‏
وقاب، قيل معناه‏:‏ قَدْر‏.‏ وهو واوي العين، ويقال‏:‏ قاب وقِيب بكسر القاف، وهذا ما درج عليه أكثر المفسرين‏.‏ وقيل يطلق القاب على ما بين مقبض القوس ‏(‏أي وسط عوده المقوس‏)‏ وما بين سِيتيْهَا ‏(‏أي طرفيها المنعطف الذي يشدّ به الوتَر‏)‏ فللقوس قابان وسِيتان، ولعل هذا الإِطلاق هو الأصل للآخر، وعلى هذا المعنى حمل الفراء والزمخشري وابن عطية وعن سعيد بن المسيّب‏:‏ القاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه ولكل قوس قاب واحد‏.‏
وعلى كلا التفسيرين فقوله‏:‏ ‏{‏قاب قوسين‏}‏ أصله قابَيْ قوس أو قَابَيْ قوسين ‏(‏بتثنية أحد اللفظين المضاففِ والمضاف إليه، أو كليهما‏)‏ فوقع إفراد أحد اللفظين أو كليهما تجنباً لثقل المثنى كما في قوله تعالى‏:‏
‏{‏إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 4‏]‏ أي قلباكما‏.‏
وقيل يطلق القوس في لغة أهل الحجاز على ذِراع يذرع به ‏(‏ولعله إذن مصدر قاس فسمي به ما يقاس به‏)‏‏.‏
والقوس‏:‏ آلة من عُودِ نَبْع، مقوسة يشد بها وتَر من جِلد ويرمي عنها السهام والنشاب وهي في مقدار الذراع عند العرب‏.‏
وحاصل المعنى أن جبريل كان على مسافة قوسين من النبي صلى الله عليه وسلم الدال عليه التفريع بقوله‏:‏ ‏{‏فأوحى إلى عبده ما أوحى‏}‏، ولعل الحكمة في هذا البعد أن هذه الصفة حكاية لصورة الوحي الذي كان في أوائل عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوءة فكانت قُواه البشرية يومئذٍ غير معتادة لتحمل اتصال القوة الملكية بها مباشرة رفقاً بالنبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتجشم شيئاً يشق عليه، ألا ترى أنه لما اتصل به في غار حراء ولا اتصال وهو الذي عبر عنه في حديثه بالغطّ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فغطّنِي حتى بلغ مني الجَهْد ‏"‏ ثم كانت تعتريه الحالة الموصوفة في حديث نزول أول الوحي المشار إليها في سورة المدثّر وسورة المزمّل قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 5‏]‏، ثم اعتاد اتصال جبريل به مباشرة فقد جاء في حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل عن الإِيمان والإِسلام والإِحسان والساعة أنه «جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه» إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم أيامئذٍ بالمدينة وقد اعتاد الوحي وفارقته شدته، ولمراعاة هذه الحكمة كان جبريل يتمثل للنبيء صلى الله عليه وسلم في صورة إنسان وقد وصفه عمر في حديث بيانِ الإِيمان والإِسلام بقوله‏:‏ «إذ دخل علينا رجل شديدُ بياض الثياب شديدُ سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد» الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم بعد مفارقته ‏"‏ يا عمر أتدري من السائل‏؟‏ قال عمر‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أو أدنى‏}‏ ‏{‏أو‏}‏ فيه للتخيير في التقدير، وهو مستعمل في التقريب، أي إن أراد أحد تقريب هذه المسافة فهو مخيّر بين أن يجعلها قاب قوسين أو أدنى، أي لا أزيد إشارة إلى أن التقدير لا مبالغة فيه‏.‏
وتفريع ‏{‏فأوحى إلى عبده ما أوحى‏}‏ على قوله‏:‏ ‏{‏فتدلى فكان قاب قوسين‏}‏ المفرّع على المفرّع على قوله‏:‏ ‏{‏علمه شديد القوى‏}‏، وهذا التفريع هو المقصود من البيان وما قبله تمهيد له، وتمثيل لأحوال عجيبة بأقرب ما يفهمه الناس لقصد بيان إمكان تلقّي الوحي عن الله تعالى إذ كان المشركون يحيلونه فبينّ لهم إمكان الوحي بوصف طريق الوحي إجمالاً، وهذه كيفية من صور الوحي‏.‏
وضمير ‏{‏أوحى‏}‏ عائد إلى الله تعالى المعلوم من قوله‏:‏ ‏{‏إن هو إلا وحي يوحى‏}‏ كما تقدم، والمعنى‏:‏ فأوحى الله إلى عَبده محمد صلى الله عليه وسلم وهذا كاففٍ في هذا المقام لأن المقصود إثبات الإِيحاء لإِبطال إنكارهم إياه‏.‏
وإيثار التعبير عن النبي صلى الله عليه وسلم بعنوان ‏{‏عبده‏}‏ إظهار في مقام الإِضمار في اختصاص الإِضافة إلى ضمير الجلالة من التشريف‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏ما أوحى‏}‏ إبهام لتفخيم ما أوحى إليه‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 12‏]‏
‏{‏مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ‏(‏11‏)‏ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ‏(‏12‏)‏‏}‏
الأظهر أن هذا ردّ لتكذيب من المشركين فيما بلغهم من الخبر عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم الملَك جبريل وهو الذي يؤذن به قوله بعد‏:‏ ‏{‏أفتمارونه على ما يرى‏}‏‏.‏
واللام في قوله‏:‏ ‏{‏الفؤاد‏}‏ عوض عن المضاف إليه، أي فؤاده وعليه فيكون تفريع الاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏أفتمارونه على ما يرى‏}‏ استفهاماً إنكارياً لأنهم مَارَوْه‏.‏
ويجوز أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏ما كذب الفؤاد ما رأى‏}‏ تأكيداً لمضمون قوله‏:‏ ‏{‏فكان قاب قوسين‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 9‏]‏ فإنه يؤذن بأنه بمرأى من النبي صلى الله عليه وسلم لرفع احتمال المجاز في تشبيه القرب، أي هو قرب حسي وليس مجرد اتصال رُوحاني فيكون الاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏أفتمارونه على ما يرى‏}‏ مستعملاً في الفرض والتقدير، أي أفستكذبونه فيما يرى بعينيه كما كذبتموه فيما بلغكم عن الله، كما يقول قائل‏:‏ «أتحسبني غافلاً» وقول عمر بن الخطاب للعباس وعليّ في قضيتهما «أتحاولان مني قضاءً غير ذلك»‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏ما كذب‏}‏ بتخفيف الذال، وقرأه هشام عن ابن عامر وأبو جعفر بتشديد الذال، والفاعل والمفعول على حالهما كما في قراءة الجمهور‏.‏
والفؤاد‏:‏ العقل في كلام العرب قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 10‏]‏‏.‏
والكذب‏:‏ أطلق على التخييل والتلبيس من الحواس كما يقال‏:‏ كذبته عينه‏.‏
و ‏{‏ما‏}‏ موصولة، والرابط محذوف، وهو ضمير عائد إلى ‏{‏عبده‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏فأوحى إلى عبده‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 10‏]‏ أي ما رآه عبده ببصره‏.‏
وتفريع ‏{‏أفتمارونه‏}‏ على جملة ‏{‏ما كذب الفؤاد ما أرى‏}‏‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏أفتمارونه‏}‏ من المماراة وهي الملاحاة والمجادلة في الإِبطال‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف ‏{‏أفتمرونه‏}‏ بفتح الفوقية وسكون الميم مضارع مَرَاه إذا جحده، أي أتجحدونه أيضاً فيما رأى، ومعنى القراءتين متقارب‏.‏
وتعدية الفعل فيهما بحرف الاستعلاء لتضمنه معنى الغلبة، أي هَبْكُم غالبتموه على عبادتكم الآلهة، وعلى الإِعراض عن سماع القرآن ونحو ذلك أتغلبونه على ما رأى ببصره‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 18‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى ‏(‏13‏)‏ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ‏(‏14‏)‏ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ‏(‏15‏)‏ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ‏(‏16‏)‏ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ‏(‏17‏)‏ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ‏(‏18‏)‏‏}‏
أي إن كنتم تجحدون رؤيته جبريل في الأرض فلقد رآه رؤية أعظم منها إذ رآه في العالم العلوي مصاحِباً، فهذا من الترقي في بيان مراتب الوحي، والعطف عطف قصة على قصة ابتدئ بالأضعف وعقب بالأقوى‏.‏
فتأكيد الكلام بلام القسم وحرف التحقيق لأجل ما في هذا الخبر من الغرابة من حيث هو قد رأى جبريل ومن حيث أنه عَرج به إلى السماء ومن الأهمية من حيث هو دال على عظيم منزلة محمد صلى الله عليه وسلم فضمير الرفع في ‏{‏رءاه‏}‏ عائد إلى ‏{‏صاحبكم‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 2‏]‏، وضمير النصب عائد إلى جبريل‏.‏
و ‏{‏نزلة‏}‏ فَعلة من النزول فهو مصدر دال على المرة‏:‏ أي في مكان آخر من النزول الذي هو الحلول في المكان، ووصفها ب ‏{‏أخرى‏}‏ بالنسبة لما في قوله‏:‏ ‏{‏ثم دنا فتدلى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 8‏]‏ فإن التدلِّي نزول بالمكان الذي بلغ إليه‏.‏
وانتصاب ‏{‏نزلة‏}‏ على نزع الخافض، أو على النيابة عن ظرف المكان، أو على حذف مضاف بتقدير‏:‏ وقت نزلة أخرى، فتكون نائباً عن ظرف الزمان‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏عند سدرة المنتهى‏}‏ متعلق ب ‏{‏رءاه‏}‏‏.‏ وخُصت بالذكر رؤيته عند سدرة المنتهى لعظيم شرف المكان بما حصل عنده من آيات ربه الكبرى ولأنها منتهى العروج في مراتب الكرامة‏.‏
و ‏{‏سدرة المنتهى‏}‏‏:‏ اسْم أطلقه القرآن على مكان علوي فوق السماء السابعة، وقد ورد التصريح بها في حديث المعراج من الصحاح عن جمع من الصحابة‏.‏
ولعله شُبه ذلك المكان بالسدرة التي هي واحدة شجر السدر إما في صفة تفرعه، وإما في كونه حداً انتهى إليه قرب النبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع لم يبلغه قبله ملَك‏.‏ ولعله مبني على اصطلاح عندهم بأن يجعلوا في حدود البقاع سدراً‏.‏
وإضافة ‏{‏سدرة‏}‏ إلى ‏{‏المنتهى‏}‏ يجوز أن تكون إضافة بيانية‏.‏ ويجوز كونها لتعريف السدرة بمكان ينتهي إليه لا يتجاوزه أحد لأن ما وراءه لا تطيقه المخلوقات‏.‏
والسدرة‏:‏ واحدة السدر وهو شجر النبق قالوا‏:‏ ويختص بثلاثة أوصاف‏:‏ ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة ذكية، فجعلت السدرة مثلاً لذلك المكان كما جُعلت النخلة مثلاً للمؤمِن‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏ما يغشى‏}‏ إبهام للتفخيم الإجمالي وأنه تضيق عنه عبارات الوصف في اللغة‏.‏
وجنة المأوى‏:‏ الجنة المعروفة بأنها مأوى المتقين فإن الجنة منتهى مراتب ارتقاء الأرواح الزكية‏.‏ وفي حديث الإِسراء بعد ذكر سدرة المنتهى ‏"‏ ثم أدخلت الجنة ‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إذ يغشى السدرة ما يغشى‏}‏ ظرف مستقر في موضع الحال من ‏{‏سدرة المنتهى‏}‏ أريد به التنويه بما حفّ بهذا المكان المسمى سدرة المنتهى من الجلال والجمال‏.‏ وفي حديث الإِسراء ‏"‏ حتى انتهَى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي» وفي رواية «غشيها نور من اللَّه ما يستطيع أحد أن ينظر إليها ‏"‏
وما حصل فيه للنبي صلى الله عليه وسلم من التشريف بتلقّي الوحي مباشرة من الله دون واسطة الملَك ففي حديث الإِسراء «حتى ظَهرت بمستوىً أسمع فيه صريف الأقلام ففرض الله على أمتي خمسين صلاة» الحديث‏.‏
وجملة ‏{‏ما زاغ البصر وما طغى‏}‏ معترضة وهي في معنى جملة ‏{‏ولقد رءاه نزلة أخرى‏}‏ إلى آخرها، أي رأى جبريل رؤية لا خطأ فيها ولا زيادة على ما وصف، أي لا مبالغة‏.‏
والزيع‏:‏ الميل عن القصد، أي ما مال بصره إلى مرئي آخر غير ما ذكر، والطغيان‏:‏ تجاوز الحد‏.‏
وجملة ‏{‏لقد رأى من آيات ربه الكبرى‏}‏ تذييل، أي رأى آيات غير سدرة المنتهى، وجنة المأوى، وما غَشى السدرة من البهجة والجلال، رأى من آيات الله الكبرى‏.‏
والآيات‏:‏ دلائل عظمة الله تعالى التي تزيد الرسول ارتفاعاً‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 23‏]‏
‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ‏(‏19‏)‏ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ‏(‏20‏)‏ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى ‏(‏21‏)‏ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ‏(‏22‏)‏ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ‏(‏23‏)‏‏}‏
‏{‏أَفَرَءَيْتُمُ اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى * أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الانثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أنتُمْ وءابَاؤُكُم مَّا أنزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان‏}‏‏.‏
لما جرى في صفة الوحي ومشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام ما دل على شؤون جليلة من عظمة الله تعالى وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وشرف جبريل عليه السلام إذ وصف بصفات الكمال ومنازل العزة كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعروج في المنازل العليا، كان ذلك مما يثير موازنة هذه الأحوال الرفيعة بحال أعظم آلهتهم الثلاث في زعمهم وهي‏:‏ اللاتُ، والعزَّى، ومناةُ التي هي أحجار مقرّها الأرض لا تملك تصرفاً ولا يعرج بها إلى رفعة‏.‏ فكان هذا التضاد جامعاً خيالياً يقتضي تعقيب ذكر تلك الأحوال بذكر أحوال هاته‏.‏
فانتقل الكلام من غرض إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم موحىً إليه بالقرآن، إلى إبطال عبادة الأصنام، ومناط الإِبطال قوله‏:‏ ‏{‏إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ما أنزل الله بها من سلطان‏}‏‏.‏
فالفاء لتفريع الاستفهام وما بعده على جملة ‏{‏أفتمارونه على ما يرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 12‏]‏ المفرعة على جملة ‏{‏ما كذب الفؤاد ما رأى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 11‏]‏‏.‏
والروية في ‏{‏أفرأيتم‏}‏ يجوز أن تكون بَصَرية تتعدّى إلى مفعول واحد فلا تطلب مفعولاً ثانياً ويكون الاستفهام تقريرياً تهكمياً، أي كيف ترون اللات والعزّى ومناةَ بالنسبة لما وصف في عظمة الله تعالى وشرف ملائكته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا تهكم بهم وإبطال لإِلهية تلك الأصنام بطريق الفحوى، ودليله العيان‏.‏ وأكثر استعمال «أرأيت» أن تكون للرؤية البصرية على ما اختاره رضيّ الدين‏.‏
وتكون جملة ‏{‏ألكم الذكر‏}‏ الخ استئنافاً وارتقاء في الرد أو بَدلَ اشتمال من جملة ‏{‏أفرأيتم اللات والعزى‏}‏ لأن مضمونها مما تشتمل عليه مزاعمهم، كانوا يزعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله كما حكى عنهم ابن عطية وصاحب «الكشاف» وسياق الآيات يقتضيه‏.‏
ويجوز أن تكون الرؤية علمية، أي أزعمتم اللات والعزى ومناةَ، فحذف المفعول الثاني اختصاراً لدلالة قوله‏:‏ ‏{‏ألكم الذكر وله الأنثى‏}‏ عليه، والتقدير‏:‏ أزعمتموهن بنات الله، أتجعلون له الأنثى وأنتم تبتغون الأبناء الذكور، وتكون جملة ‏{‏ألكم الذكر‏}‏ الخ بياناً للإِنكار وارتقاء في إبطال مزاعمهم، أي أتجعلون لله البنات خاصة وتغتبطون لأنفسكم بالبنين الذكور‏.‏
وجعل صاحب «الكشْف» قوله‏:‏ ‏{‏ألكم الذكر وله الأنثى‏}‏ سادًّا مسدَّ المفعول الثاني لفعل «أرأيتم»‏.‏
وأيضاً لما كان فيما جرى من صفة الوحي ومنازل الزلفى التي حظي بها النبي صلى الله عليه وسلم وعظمة جبريل إشعار بسعة قدرة الله تعالى وعظيم ملكوته مما يسجِّل على المشركين في زعمهم شركاء لله أصناماً مثل اللات والعزى ومناة‏.‏
فسادَ زعمهم وسفاهة رأيهم أعقب ذكر دلائل العظمة الإِلهية بإبطال إلهية أصنامهم بأنها أقل من مرتبة الإِلهية إذ تلك أوهام لا حقائق لها ولكن اخترعتها مُخيّلات أهل الشرك ووضعوا لها أسماء ما لها حقائق، ففرّع ‏{‏أفرأيتم اللات والعزى‏}‏ الخ فيكون الاستفهام تقريرياً إنكاريًّا، والرؤية علميةَ والمفعول الثاني هو قوله‏:‏ ‏{‏إن هي إلا أسماء سميتموها‏}‏‏.‏ 5
وتكون جملة ‏{‏ألكم الذكر وله الأنثى‏}‏ الخ معترضة بين المفعولين للارتقاء في الإِنكار، أي وزعمتوهن بنات لله أو وزعمتم الملائكة بنات لله‏.‏
وهذه الوجوه غير متنافية فنحملها على أن جميعها مقصود في هذا المقام‏.‏
ولك أن تجعل فعل «أرأيتم» ‏(‏على اعتبار الرؤية علمية‏)‏ معلّقاً عن العمل لوقوع ‏{‏إنْ‏}‏ النافية بعده في قوله‏:‏ ‏{‏إن هي إلا أسماء سميتموها‏}‏ وتجعل جملة ‏{‏ألكم الذكر وله الأنثى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ضيزى‏}‏ اعتراضاً‏.‏
واللاتُ‏:‏ صنم كان لثقيف بالطائف، وكانت قريش وجمهور العرب يعبدونه، وله شهرة عند قريش، وهو صخرة مربعة بنوا عليها بناء‏.‏ وقال الفخر‏:‏ «كان على صورة إنسان، وكان في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى» كذا قال القرطبي فلعل المسجد كانت له منارتان‏.‏
والألف واللام في أول ‏{‏اللات‏}‏ زائدتان‏.‏ و‏(‏ال‏)‏ الداخلة عليه زائدة ولعل ذلك لأن أصله‏:‏ لاَتْ، بمعنى معبود، فلما أرادوا جعله علماً على معبود خاص أدخلوا عليه لام تعريف العهد كما في ‏{‏الله‏}‏ فإن أصله إله‏.‏ ويوقف عليه بسكون تائه في الفصحى‏.‏
وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏اللات‏}‏ بتخفيف المثناة الفوقية‏.‏ وقرأه رويس عن يعقوب بتشديد التاء وذلك لغة في هذا الاسم لأن كثيراً من العرب يقولون‏:‏ أصل صخرته موضع كان يجلس عليه رجل في الجاهلية يلتّ السويق للحاج فلما مات اتخذوا مكانه معبداً‏.‏
و ‏{‏العُزى‏}‏‏:‏ فُعلَي من العِزّ‏:‏ اسم صنم حجر أبيض عليه بناء وقال الفخر‏:‏ «كان على صورة نبات» ولعله يعني‏:‏ أن الصخرة فيها صورة شجر، وكان ببطن نخلة فوق ذات عرق وكان جمهور العرب يعبدونها وخاصة قريش وقد قال أبو سفيان يوم أُحد يخاطب المسلمين «لنا العزى ولا عزى لكم»‏.‏
وذكر الزمخشري في تفسير سورة الفاتحة أن العرب كانوا إذا شَرعوا في عمل قالوا‏:‏ بسم اللات باسم العزى‏.‏
وأما ‏{‏مناة‏}‏ فعَلَم مرتجل، وهو مؤنث فحقه أن يكتب بهاء تأنيث في آخره ويوقف عليه بالهاء، ويكون ممنوعاً من الصرف، وفيه لغة بالتاء الأصلية في آخره فيوقف عليه بالتاء ويكون مصروفاً لأن تاء لات مثل باء باب، وأصله‏:‏ مَنَواة بالتحريك وقد يمد فيقال‏:‏ منآة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث‏.‏ وقياس الوقف عليه أن يوقف عليه بالهاء، وبعضهم يقف عليه بالتاء تبعاً لخط المصحف، وكان صخرة وقد عبده جمهور العرب وكان موضعه في المشلل حذوَ قديد بين مكة والمدينة، وكان الأوس والخزرج يطوفون حَوله في الحج عوضاً عن الصفا والمروة فلما حج المسلمون وسعَوا بين الصفا والمروة تحرج الأنصار من السعي لأنهم كانوا يسعون بين الصفا والمروة فنزل فيهم قوله تعالى‏:‏
‏{‏إن الصفا والمروة من شعائر اللَّه فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما كما تقدم عن حديث عائشة في الموطأ‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏158‏)‏‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏ومناة‏}‏ بتاء بعد الألف‏.‏ وقرأه ابن كثير بهمزة بعد الألف على إحدى اللغتين‏.‏ والجمهور يقفون عليه بالتاء تبعاً لرسم المصحف فتكون التاء حرفاً من الكلمة غير علامة تأنيث فهي مثل تاء ‏{‏اللات‏}‏ ويجعلون رسمها في المصحف على غير قياس‏.‏
ووصفها بالثالثة لأنها ثالثة في الذّكر وهو صفة كاشفة، ووصفها بالأخرى أيضاً صفة كاشفة لأن كونها ثالثة في الذكر غير المذكورتين قبلها معلوم للسامع، فالحاصل من الصفتين تأكيدٌ ذكرها لأن اللات والعزى عند قريش وعند جمهور العرب أشهر من مناة لبعد مكان مناة عن بلادهم ولأن ترتيب مواقع بيوت هذه الأصنام كذلك، فاللات في أعْلى تهامة بالطائف، والعُزَّى في وسطها بنخلةَ بين مكة والطائف، ومناة بالمُشلل بين مكة والمدينة فهي ثالثة البقاع‏.‏
وقال ابن عطية‏:‏ كانت مناة أعظم هذه الأوثان قدراً وأكثرها عابداً ولذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏الثالثة الأخرى‏}‏ فأكدها بهاتين الصفتين‏.‏
والأحسن أن قوله‏:‏ ‏{‏الثالثة الأخرى‏}‏ جرى على أسلوب العرب إذا أخبروا عن متعدد وكان فيه من يظنّ أنه غير داخل في الخبر لعظمة أو تباعد عن التلبس بمثل ما تلبس به نظراؤه أن يختموا الخبر فيقولوا‏:‏ «وفلانٌ هو الآخَر» ووجهه هنا أن عُبَّاد مناة كثيرون في قبائل العرب فنبه على أن كثرة عبدتها لا يزيدها قوة على بقية الأصنام في مقام إبطال إلهيتها وكل ذلك جار مجرى التهكم والتسفيه‏.‏
وجملة ‏{‏ألكم الذكر وله الأنثى‏}‏ ارتقاء في الإِبطال والتهكم والتسفيه كما تقدم، وهي مجاراة لاعتقادهم أن تلك الأصنام الثلاثة بنات الله وأن الملائكة بنات الله، أي أجعلتم لله البنات خاصة وأنتم تعلمون أن لكم أولاداً ذكوراً وإناثاً وأنكم تفضلون الذكور وتكرهون الإِناث وقد خصصتم الله بالإِناث دون الذكور والله أولَى بالفضل والكماللِ لو كنتم تعلمون فكان في هذا زيادة تشنيع لكفرهم إذ كان كفراً وسخافة عقل‏.‏
وكون العزَّى ومناة عندهم انثتين ظاهر من صيغة اسميهما، وأما اللات فبقطع النظر عن اعتبار التاء في الاسم علامة تأثيث أو أصلاً من الكلمة فهم كانوا يتوهمون اللات أنثى، ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه لعُروة بن مسعود الثقفي يوم الحُديبية «امصُصْ أو اعضُضْ بَظْرَ اللات»‏.‏
وتقديم المجرورين في ‏{‏ألكم الذكر وله الأنثى‏}‏ للاهتمام بالاختصاص الذي أفادته اللام اهتماماً في مقام التهكم والتسفيه على أن في تقديم ‏{‏وله الأنثى‏}‏ «إفادة الاختصاص» أي دون الذكر‏.‏
وجملة ‏{‏تلك إذا قسمة ضيزى‏}‏ تعليل للإنكار والتهكم المفاد من الاستفهام في ‏{‏ألكم الذكر وله الأنثى‏}‏، أي قد جرتُم في القسمة وما عدلتم فأنتم أحقاء بالإِنكار‏.‏
والإِشارة ب ‏{‏تلك‏}‏ إلى المذكور باعتبار الإِخبار عنه بلفظ ‏{‏قسمة‏}‏ فإنه مؤنث اللفظ‏.‏
و ‏{‏إذن‏}‏ حرف جواب أريد به جواب الاستفهام الإِنكاري، أي ترتب على ما زعمتم أن ذلك قسمة ضِيزى، أي قسمتم قسمة جائرة‏.‏
و ‏{‏ضيزى‏}‏‏:‏ وزنه فُعْلى بضم الفاء من ضازة حَقَّه، إذا نقصه، وأصل عين ضاز همزة، يقال‏:‏ ضَأَزه حقه كمنعه ثم كثر في كلامهم تخفيف الهمزة فقالوا‏:‏ ضَازهُ بالألف‏.‏ ويجوز في مضارعه أن يكون يائي العين أو واويها قال الكسائي‏:‏ يجوز ضَاز يضِيز، وضَاز يضُوز‏.‏ وكأنه يريد أن لك الخيار في المهموز العين إذا خفف أن تُلحقه بالواو أو الياء، لكن الأكثر في كلامهم اعتبار العين ياء فقالوا‏:‏ ضَازه حقه ضَيْزاً ولم يقولوا ضَوْزاً لأن الضوز لوك التمر في الفم، فأرادوا التفرقة بين المصدرين، وهذا من محاسن الاستعمال وعن المؤرّج السَّدُوسي كرهوا ضم الضاد في ضوزى فقالوا‏:‏ ضيزى‏.‏ كأنه يريد استثقلوا ضم الضاد، أي في أول الكلمة مع أن لهم مندوحة عنه بالزنة الأخرى‏.‏
ووزن ‏{‏ضيزى‏}‏‏:‏ فُعْلى اسم تفضيل ‏(‏مثل كُبْرى وطُوبى‏)‏ أي شديدة الضيز فلما وقعت الياء الساكنة بعد الضمة حرّكوه بالكسر محافظة على الياء لئلا يقلبوها واواً فتصير ضوزى وهو ما كرهوه كما قال المؤرج‏.‏ وهذا كما فعلوا في بيض جمع أبيض ولو اعتبروه تفضيلاً من ضاز يضوز لقالوا‏:‏ ضُوزى ولكنهم أهملوه‏.‏
وقيل‏:‏ وزن ‏{‏ضِيزى‏}‏ فِعلى بكسر الفاء على أنه اسم مثل دِفلى وشِعْرى، ويبعِّد هذا أنه مشتق فهو بالوصفية أجدر‏.‏ قال سيبويه‏:‏ لا يوجد فِعلَى بكسر الفاء في الصفات، أو على أنه مصدر مثل ذِكرى وعلى الوجهين كسرته أصلية‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏ضيزى‏}‏ بياء ساكنة بعد الضاد‏.‏ وقرأه ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الضاد مراعاة لأصل الفعل كما تقدم آنفاً‏.‏ وهذا وسم لهم بالجور زيادة على الكفر لأن التفكير في الجور كفعله فإن تخيلات الإِنسان ومعتقداته عنوان على أفكاره وتصرفاته‏.‏
وجملة ‏{‏إن هي إلا أسماء سميتموها‏}‏ استئناف يكر بالإِبطال على معتقدهم من أصله بعد إبطاله بما هو من لوازمه على مجاراتهم فيه لإِظهار اختلال معتقدهم وفي هذه الجملة احتراس لئلا يتوهم مُتَوَهم إنكار نسبتهم البنات لله إنه إنكار لتخصيصهم الله بالبنات وأن له أولاداً ذكوراً وإناثاً أو أن مصب الإِنكار على زعمهم أنها بنات وليست ببنات فيكون كالإِنكار عليهم في زعمهم الملائكة بنات‏.‏ والضمير ‏{‏هي‏}‏ عائد إلى اللات والعزى ومناةَ‏.‏ وَمَا صدق الضمير الذات والحقيقة، أي ليست هذه الأصنام إلا أسماءُ لا مسمّياتتٍ لها ولا حقائق ثابتة وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 40‏]‏‏.‏
والقصر إضافي، أي هي أسماء لا حقائق عاقِلة متصرفة كما تزعمون، وليس القصر حقيقياً لأنّ لهاته الأصنام مسميات وهي الحجارة أو البيوت التي يقصدونها بالعبادة ويجعلون لها سدنة‏.‏
وجملة ‏{‏ما أنزل الله بها من سلطان‏}‏ تعليل لمعنى القصر بطريقة الاكتفاء لأن كونها لا حقائق لها في عالم الشهادة أمر محسوس إذ ليست إلا حجارة‏.‏
وأما كونها لا حقائق لها من عالم الغيب فلأن عالم الغيب لا طريق إلى إثبات ما يحتويه إلا بإعلام من عالم الغيب سبحانه، أو بدليل العقل كدلالة العالم على وجود الصانع وبعض صفاته والله لم يخبر أحداً من رسله بأن للأصنام أرواحاً أو ملائكة، مثل ما أخبر عن حقائق الملائكة والجن والشياطين‏.‏
والسلطان‏:‏ الحجة، وإنزالها من الله‏:‏ الإِخبار بها، وهذا كناية عن انتفاء أن تكون عليها حجة لأن وجود الحجة يستلزم ظهورها، فنفي إنزال الحجة بها من باب‏:‏
على لاحب لا يهتدي بمناره *** أي لا منار له فيهتدى به‏.‏
وعبر عن الإِخبار الموحَى به بفعل ‏(‏أنزل‏)‏ لأنه إخبار يَرد من العالم العلوي فشُبّه بإدلاء جسم من أعلى إلى أسفل‏.‏
وكذلك عُبّر عن إقامة دلائل الوجود بالإِنزال لأن النظر الفكري من خلق الله فشبه بالإِنزال كقوله‏:‏ ‏{‏هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 4‏]‏، فاستعمال ‏{‏ما أنزل الله بها من سلطان‏}‏ من استعمال اللفظ في معنييه المجازيَيْن‏.‏ وفي معنى هذه الآية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويعبدون من دون اللَّه ما لم ينزل به سلطاناً وما ليس لهم به علم‏}‏ في سورة الحج ‏(‏71‏)‏، وتقدم في سورة يوسف ‏(‏40‏)‏ قوله‏:‏ ‏{‏ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللَّه بها من سلطان‏}‏ وأكد نفي إنزال السلطان بحرف ‏(‏من‏)‏ الزائدة لتوكيد نفي الجنس‏.‏
‏{‏إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَمَا تَهْوَى الانفس وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى‏}‏‏.‏
هذا تحويل عن خطاب المشركين الذي كان ابتداؤه من أول السورة وهو من ضروب الالتفات، وهو استئناف بياني فضمير ‏{‏يتبعون‏}‏ عائد إلى الذين كان الخطاب موجهاً إليهم‏.‏
أعقب نفي أن تكون لهم حجة على الخصائص التي يزعمونها لأصنافهم أو على أن الله سماهم بتلك الأسماء بإثبات أنهم استندوا فيما يزعمونه إلى الأوهام وما تحبه نفوسهم من عبادة الأصنام ومحبة سدنتها ومواكب زيارتها، وغرورهم بأنها تسعى في الوساطة لهم عند الله تعالى بما يرغبونه في حياتهم فتلك أوهام وأمانيَّ محبوبة لهم يعيشون في غرورها‏.‏
وجيء بالمضارع في ‏{‏يتبعون‏}‏ للدلالة على أنهم سيسمرُّون على اتباع الظن وما تهواه نفوسهم وذلك يدل على أنهم اتبعوا ذلك من قبل بدلالة لحن الخطاب أو فحواه‏.‏
وأصل الظن الاعتقاد غير الجازم، ويطلق على العلم الجازم إذا كان متعلقاً بالمغيبات كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏46‏)‏، وكثر إطلاقه في القرآن على الاعتقاد الباطل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون‏}‏
في سورة الأنعام ‏(‏116‏)‏، ومنه قول النبي‏:‏ إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وهو المراد هنا بقرينة عطف وما تهوى الأنفس‏}‏ عليه كما عطف ‏{‏وإن هم إلا يخرصون‏}‏ على نظيره في سورة الأنعام، وهو كناية عن الخطأ باعتبار لزومه له غالباً كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 12‏]‏‏.‏
وهذا التفنن في معاني الظن في القرآن يشير إلى وجوب النظر في الأمر المظنون حتى يلحقه المسلم بما يناسبه من حُسن أو ذم على حسب الأدلة، ولذلك استنبط علماؤنا أن الظن لا يغني في إثبات أصول الاعتقاد وأن الظن الصائب تناط به تفاريع الشريعة‏.‏
والمراد ب ‏{‏ما تهوى الأنفس‏}‏‏:‏ ما لا باعث عليه إلا الميل الشهواني، دون الأدلة فإن كان الشيء المحبوب قد دلت الأدلة على حقيقته فلا يزيده حُبه إلا قبولاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمساجد» وقال‏:‏ «وجعلت قُرّة عيني في الصلاة»‏.‏ فمناط الذم في هذه الآية هو قصر اتباعهم على ما تهواه أنفسهم‏.‏
ثم إن للظن في المعاملات بين الناس والأخلاق النفسانية أحكاماً ومراتب غير ما له في الديانات أصولها وفروعها، فمنه محمود ومنه مذموم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن بعض الظن إثم‏}‏ وقيل‏:‏ الحزم سوء الظن بالناس‏.‏
والتعريف في ‏{‏الأنفس‏}‏ عوض عن المضاف إليه، أي وما تهواه أنفسهم و‏{‏ما‏}‏ موصولة‏.‏
وعطف ‏{‏وما تهوى الأنفس‏}‏ على الظن عطف العلة على المعلول، أي الظن الذي يبعثهم على إتباعه أنه موافق لهداهم وإلفهم‏.‏
وجملة ‏{‏ولقد جاءهم من ربهم الهدى‏}‏ حالية مقررة للتعجيب من حالهم، أي يستمرون على اتباع الظن والهوى في حال أن الله أرسل إليهم رسولاً بالهدى‏.‏
ولام القسم لتأكيد الخبر للمبالغة فيما يتضمنه من التعجيب من حالهم كأن المخاطب يشك في أنه جاءهم ما فيه هدى مقنع لهم من جهة استمرارهم على ضلالهم استمراراً لا يظن مثله بعاقل‏.‏
والتعبير عن الجلالة بعنوان ‏{‏ربهم‏}‏ لزيادة التعجيب من تصاممهم عن سماع الهدى مع أنه ممن تجب طاعته فكان ضلالهم مخلوطاً بالعصيان والتمرد على خالقهم‏.‏
والتعريف في ‏{‏الهدى‏}‏ للدلالة على معنى الكمال، أي الهدى الواضح‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 25‏]‏
‏{‏أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى ‏(‏24‏)‏ فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى ‏(‏25‏)‏‏}‏
إضراب انتقالي ناشئ عن قوله‏:‏ ‏{‏وما تهوى الأنفس‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 23‏]‏‏.‏
والاستفهام المقدّر بعد ‏{‏أم‏}‏ إنكاريّ قصد به إبطال نوال الإِنسان ما يتمناه وأن يجعل ما يتمناه باعثاً عن أعماله ومعتقداته بل عليه أن يتطلب الحق من دلائله وعلاماته وإن خالف ما يتمناه‏.‏ وهذا متصل بقوله‏:‏ ‏{‏إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 23‏]‏‏.‏
وهذا تأديب وترويض للنفوس على تحمل ما يخالف أهواءها إذا كان الحق مخالفاً للهوى وليحمل نفسه عليه حتى تتخلق به‏.‏
وتعريف ‏{‏الإنسان‏}‏ تعريف الجنس ووقوعه في حيّز الإِنكار المساوي للنفي جَعلَه عاماً في كل إنسان‏.‏
والموصول في ‏{‏ما تمنى‏}‏ بمنزلة المعرّف بلام الجنس فوقوعه في حيّز الاستفهام الإِنكاري الذي بمنزلة النفي يقتضي العموم، أي ما للإِنسان شيء مما تمنّى، أي ليس شيء جارياً على إرادته بل على إرادة الله وقد شمل ذلك كل هوى دعاهم إلى الإعراض عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فشمل تمنيهم شفاعة الأصنام وهو الأهم من أحوال الأصنام عندهم وذلك ما يؤذن به قوله بعد هذا ‏{‏وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 26‏]‏ الآية‏.‏ وتمنيَهم أن يكون الرسول ملَكاً وغير ذلك نحو قولهم‏:‏ ‏{‏لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 31‏]‏، وقولهم‏:‏ ‏{‏ائت بقرآن غير هذا أو بدله‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 15‏]‏‏.‏
وفُرع على الإِنكار أن الله مالك الآخرة والأولى، أي فهو يتصرف في أحوال أهلهما بحسب إرادته لا بحسب تمني الإِنسان‏.‏ وهذا إبطال لمعتقدات المشركين التي منها يقينهم بشفاعة أصنامهم‏.‏
وتقديم المجرور في ‏{‏للإنسان ما تمنى‏}‏، لأن محط الإِنكار هو أمنيتهم أن تجري الأمور على حسب أهوائهم فلذلك كانوا يُعرضون عن كل ما يخالف أهواءهم‏.‏ فتقديم المعمول هنا لإِفادة القصر وهو قصر قلب، أي ليس ذلك مقصوراً عليهم كما هو مقتضى حالهم فنزلوا منزلة من يرون الأمور تجري على ما يتمنّون، أي بل أماني الإِنسان بيد الله يعطي بعضها ويمنع بعضها كما دل عليه التفريع عقبه بقوله‏:‏ ‏{‏فللَّه الآخرة والأولى‏}‏‏.‏
وهذا من معاني الحكمة لأن رغبة الإِنسان في أن يكون ما يتمناه حاصلاً رغبة لو تبصّر فيها صاحبها لوجد تحقيقها متعذراً لأن ما يتمناه أحد يتمناه غيره فتتعارض الأماني فإذا أُعطي لأحد ما يتمنّاه حُرم من يتمنَّى ذلك معه فيفضي ذلك إلى تعطيل الأمنيتين بالأخارة، والقانون الذي أقام الله عليه نظام هذا الكون أن الحظوظ مقسمة، ولكل أحد نصيب، ومن حق العاقل أن يتخلق على الرضى بذلك وإلا كان الناس في عيشة مريرة‏.‏ وفي الحديث «لا تَسْأَللِ المرأةُ طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتقعُد فإن لها ما كُتب لها»‏.‏ وتفريع ‏{‏فللَّه الآخرة والأولى‏}‏ تصريح بمفهوم القصر الإِضافي كما علمت آنفاً‏.‏ وتقديم المجرور لإِفادة الحصر، أي لله لا للإِنسان‏.‏
و ‏{‏الآخرة‏}‏ العالم الأخروي، و‏{‏الأولى‏}‏ العالم الدنيوي‏.‏ والمراد بهما ما يحتويان عليه من الأمور، أي أمور الآخرة وأمور الأولى، والمقصود من ذكرهما تعميم الأشياء مثل قوله‏:‏ ‏{‏رب المشرقين ورب المغربين‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 17‏]‏‏.‏
وإنما قدمت الآخرة للاهتمام بها والتثنية إلى أنها التي يجب أن يكون اعتناء المؤمنين بها لأن الخطاب في هذه الآية للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين، مع ما في هذا التقديم من الرعاية للفاصلة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏
‏{‏وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ‏(‏26‏)‏‏}‏
لما بين الله أن أمور الدارين بيد الله تعالى وأن ليس للإِنسان ما تمنّى، ضَرب لذلك مِثالاً من الأماني التي هي أعظم أمانيّ المشركين وهي قولهم في الأصنام ‏{‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏، وقولهم‏:‏ ‏{‏هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 18‏]‏، فبينّ إبطال قولهم بطريق فحوى الخطاب وهو أن الملائكة الذين لهم شرف المنزلة لأن الملائكة من سكان السماوات ‏(‏فهم لا يستطيعون إنكار أنهم أشرف من الأصنام‏)‏ لا يملكون الشفاعة إلا إذا أذن الله أن يشفع إذا شاء أن يقبل الشفاعة في المشفوع له، فكيف يكون للمشركين ما تمنوا من شفاعة الأصنام للمشركين الذين يقولون ‏{‏هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه‏}‏ وهي حجارة في الأرض وليست ملائكة في السماوات، فثبت أن لا شفاعة إلا لمن شاء الله، وقد نفي الله شفاعة الأصنام فبطل اعتقاد المشركين أنهم شفعاؤهم، فهذه مناسبة عطف هذه الجملة على جملة ‏{‏أم للإنسان ما تمنى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 24‏]‏‏.‏ وليس هذا الانتقال اقتضاباً لبيان عظم أمر الشفاعة‏.‏
و ‏{‏كم‏}‏ اسم يدل على كثرة العدد وهو مبتدأ والخبر ‏{‏لا تغني شفاعتهم‏}‏‏.‏
وقد تقدم الكلام على ‏{‏كم‏}‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏211‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وكم من قرية أهلكناها‏}‏ في الأعراف ‏(‏4‏)‏‏.‏
وفي ‏{‏السموات‏}‏ صفة ل ‏{‏ملك‏}‏‏.‏ والمقصود منها بيان شرفهم بشرف العالم الذي هم أهله، وهو عالم الفضائل ومنازل الأسرار‏.‏
وجملة ‏{‏لا تغني شفاعتهم‏}‏ الخ، خبر عن ‏{‏كم‏}‏، أي لا تغني شفاعة أحدهم فهو عام لوقوع الفعل في سياق النفي، ولإِضافة شفاعة إلى ضميرهم، أي جميع الملائكة على كثرتهم وعلوّ مقدارهم لا تغني شفاعة واحد منهم‏.‏
و ‏{‏شيئاً‏}‏ مفعول مطلق للتعميم، أي شيئاً من الإِغناء لزيادة التنصيص على عموم نفي إغناء شفاعتهم‏.‏
ولما كان ظاهر قوله‏:‏ ‏{‏لا تغني شفاعتهم‏}‏ يوهم أنهم قد يشفعون فلا تقبل شفاعتهم، وليس ذلك مراداً لأن المراد أنهم لا يجْرَأون على الشفاعة عند الله فلذلك عقب بالاستثناء بقوله‏:‏ ‏{‏إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى‏}‏، وذلك ما اقتضاه قوله‏:‏ ‏{‏ولا يشفعون إلا لمن ارتضى‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 28‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 225‏]‏ أي إلا من بعد أن يأذن الله لأحدهم في الشفاعة ويرضى بقبولها في المشفوع له‏.‏
فالمراد ب ‏{‏لمن يشاء‏}‏ من يشاؤه الله منهم، أي فإذا أذن لأحدهم قبلت شفاعته‏.‏ واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لمن يشاء‏}‏ هي اللام التي تدخل بعد مادة الشفاعة على المشفوع له فهي متعلقة بشفاعتهم على حد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يشفعون إلا لمن ارتضى‏}‏، وليست اللامُ متعلقة ب ‏{‏يأذن الله‏}‏‏.‏ ومفعول ‏{‏يأذن‏}‏ محذوف دل عليه قوله‏:‏ ‏{‏لا تغني شفاعتهم‏}‏، وتقديره‏:‏ أن يأذنهم الله‏.‏
ويجوز أن تكون اللام لتعدية ‏{‏يأذن‏}‏ إذا أريد به معنى يستمع، أي أن يُظهر لمن يشاء منهم أنه يقبل منه‏.‏
ومعنى ذلك أن الملائكة لا يزالون يتقربون بطلب إلحاق المؤمنين بالمراتب العليا كما دل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويستغفرون للذين آمنوا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 7‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ويستغفرون لمن في الأرض‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 5‏]‏ فإن الاستغفار دعاء والشفاعة توجه أَعلى، فالملائكة يعلمون إذا أراد الله استجابة دعوتهم في بعض المؤمنين أذن لأحدهم أن يشفع له عند الله فيشفع فتقبل شفاعته، فهذا تقريب كيفية الشفاعة‏.‏ ونظيره ما ورد في حديث شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في موقف الحشر‏.‏
وعُطف ‏{‏ويرضى‏}‏ على ‏{‏لمن يشاء‏}‏ للإِشارة إلى أن إذن الله بالشفاعة يجري على حسب إرادته إذا كان المشفوع له أهلاً لأن يُشفع له‏.‏ وفي هذا الإِبهام تحريض للؤمنين أن يجتهدوا في التعرض لرضَى الله عنهم ليكونوا أهلاً للعفو عما فرطوا فيه من الأعمال‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 28‏]‏
‏{‏إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى ‏(‏27‏)‏ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ‏(‏28‏)‏‏}‏
‏{‏إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الانثى وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ‏}‏‏.‏
اعتراض واستطراد لمناسبة ذكر الملائكة وتبعاً لما ذكر آنفاً من جعل المشركين اللاّت والعُزى ومناة بناتتٍ لله بقوله‏:‏ ‏{‏أفرأيتم اللات والعزى إلى قوله‏:‏ ألكم الذكر وله الأنثى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 19 21‏]‏ ثُنِّيَ إليهم عنان الرد والإِبطال لزعمهم أن الملائكة بنات الله جمعاً بين ردّ باطلين متشابهين، وكان مقتضى الظاهر أن يعبر عن المردود عليهم بضمير الغيبة تبعاً لقوله‏:‏ ‏{‏إن يتبعون إلا الظن‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 28‏]‏، فعدل عن الإِضمار إلى الإِظهار بالموصولية لما تؤذن به الصلة من التوبيخ لهم والتحقير لعقائدهم إذ كفروا بالآخرة وقد تواتر إثباتها على ألسنة الرسل وعند أهل الأديان المجاورين لهم من اليهود والنصارى والصابئة، فالموصولية هنا مستعملة في التحقير والتهكم نظير حكاية الله عنهم‏:‏ ‏{‏وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 6‏]‏ إلا أن التهكم المحكي هنالك تهكم المبطل بالمحق لأنهم لا يعتقدون وقوع الصلة، وأما التهكم هنا فهو تهكم المحق بالمبطل لأن مضمون الصلة ثابت لهم‏.‏
والتسمية مطلقة هنا على التوصيف لأن الاسم قد يطلق على اللفظ الدال على المعنى وقد يطلق على المدلول المسمى ذاتاً كان أو معنى كقول لبيد‏:‏
إلى الحول ثم اسمُ السلام عليكما
أي السُلام عليكما، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 1‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عيناً فيها تسمى سلسبيلاً‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 18‏]‏ أي توصف بهذا الوصف في حسن مآبها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هل تعلم له سمياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 65‏]‏، أي ليس لله مثيل‏.‏ وقد مرّ بيانه مستوفى عند تفسير ‏{‏بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏}‏ في أول الفاتحة ‏(‏1‏)‏‏.‏
والمعنى‏:‏ أنهم يزعمون الملائكة إناثاً وذلك توصيف قال تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 19‏]‏، وكانوا يقولون الملائكة بنات الله من سروات الجن قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 26‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 158‏]‏‏.‏
والتعريف في ‏{‏الأنثى‏}‏ تعريف الجنس الذي هو في معنى المتعدد والذي دعا إلى هذا النظم مراعاةُ الفواصل ليقع لفظ ‏{‏الأنثى‏}‏ فاصلة كما وقع لفظ ‏{‏الأولى‏}‏ ولفظ ‏{‏يرضَى‏}‏ ولفظ ‏{‏شيئاً‏}‏‏.‏
وجملة ‏{‏وما لهم به من علم‏}‏ حال من ضمير ‏{‏يسمون‏}‏، أي يثبتون للملائكة صفات الإِناث في حال انتفاء علم منهم بذلك وإنما هو تخيل وتوهم إذ العلم لا يكون إلا عن دليل لهم فنفي العلم مراد به نفيه ونفي الدليل على طريقة الكناية‏.‏
‏{‏إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئًا‏}‏‏.‏
موقع هذه الجملة ذو شعب‏:‏ فإن فيها بياناً لجملة ‏{‏وما لهم به من علم‏}‏ وعوداً إلى جملة ‏{‏إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس‏}‏، وتأكيداً لمضمونها وتوطئة لتفريع ‏{‏فأعرض عن مَّن تولى عن ذكرنا‏}‏
‏[‏النجم‏:‏ 29‏]‏‏.‏
واستعير الاتّباع للأخذ بالشيء واعتقاد مقتضاه أي ما يأخذون في ذلك إلا بدليل الظن المخطئ‏.‏
وأطلق الظن على الاعتقاد المخطئ كما هو غالب إطلاقه مع قرينة قوله عقبه ‏{‏وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً‏}‏ وتقدم نظيره آنفاً‏.‏
وأظهر لفظ ‏{‏الظن‏}‏ دون ضميره لتكون الجملة مستقلة بنفسها فتسير مسير الأمثال‏.‏
ونفي الإِغناء معناه نفي الإِفادة، أي لا يفيد شيئاً من الحق فحرف ‏{‏مِن‏}‏ بيان وهو مقدم على المبينَّ أعني شيئاً‏.‏
و ‏{‏شيئاً‏}‏ منصوب على المفعول به ل ‏{‏يغني‏}‏‏.‏
والمعنى‏:‏ أن الحق حقائق الأشياء على ما هي عليه وإدراكها هو العلم ‏(‏المعرف بأنه تصور المعلوم على ما هو عليه‏)‏ والظن لا يفيد ذلك الإِدراك بذاته فلو صادف الحق فذلك على وجه الصدفة والاتفاق، وخاصة الظن المخطئ كما هنا‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 30‏]‏
‏{‏فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏29‏)‏ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ‏(‏30‏)‏‏}‏
‏{‏فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ العلم‏}‏‏.‏
بعد أن وصف مداركهم الباطلة وضلالهم فَرَّع عليه أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بالإِعراض عنهم ذلك لأن ما تقدم من وصف ضلالهم كان نتيجة إعراضهم عن ذكر الله وهو التولّي عن الذكر فحق أن يكون جزاؤهم عن ذلك الإِعراض إعراضاً عنهم فإن الإِعراض والتولي مترادفان أو متقاربان فالمراد ب ‏{‏من تولى‏}‏ الفريق الذين أعرضوا عن القرآن وهم المخاطبون آنفاً بقوله‏:‏ ‏{‏ما ضل صاحبكم وما غوى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 2‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أفرأيتم اللات والعزى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 19‏]‏ والمخبر عنهم بقوله‏:‏ ‏{‏إن يتبعون إلا الظن‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 28‏]‏ الخ وقوله‏:‏ ‏{‏إن الذين لا يؤمنون بالآخرة‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 27‏]‏ الخ‏.‏
والإِعراض والتولي كلاهما مستعمل هنا في مجازه؛ فأما الإِعراض فهو مستعار لترك المجادلة أو لترك الاهتمام بسلامتهم من العذاب وغضب الله، وأما التولي فهو مستعار لعدم الاستماع أو لعدم الامتثال‏.‏
وحقيقة الإِعراض‏:‏ لفت الوجه عن الشيء لأنه مشتق من العارض وهو صفحة الخد لأن الكاره لشيء يصرف عنه وجهه‏.‏
وحقيقة التولي‏:‏ الإِدبار والإِنصراف، وإعراض النبي صلى الله عليه وسلم عنهم المأمور به مراد به عدم الاهتمام بنجاتهم لأنهم لم يقبلوا الإِرشاد وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بإدامة دعوتهم للإِيمان فكما كان يدعوهم قبل نزول هذه الآية فقد دعاهم غير مرة بعد نزولها، على أن الدعوة لا تختص بهم فإنها ينتفع بها المؤمنون، ومن لم يسبق منه إعراض من المشركين فإنهم يسمعون ما أنذر به المعرضون ويتأملون فيما تصفهم به آيات القرآن، وبهذا تعلم أن لا علاقة لهذه الآية وأمثالها بالمتاركة ولا هي منسوخة بآيات القتال‏.‏
وقد تقدم الكلام على ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏فأعرض عنهم وعظهم‏}‏ في سورة النساء ‏(‏63‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأعرض عن المشركين‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏106‏)‏، فضُم إليه ما هنا‏.‏
وما صدق ‏{‏من تولى‏}‏ القوم الذين تولوا وإنما جرى الفعل على صيغة المفرد مراعاة للفظ ‏{‏مَن‏}‏ ألا ترى قوله‏:‏ ‏{‏ذلك مبلغهم‏}‏ بضمير الجمع‏.‏
وجيء بالاسم الظاهر في مقام الإِضمار فقيل ‏{‏فأعرض عن من تولى عن ذكرنا‏}‏ دون‏:‏ فأعرض عنهم لما تؤذن به صلة الموصول من علة الأمر بالإِعراض عنهم ومن ترتب توليهم عن ذكر الله على ما سبق وصفه من ضلالهم إذ لم يتقدم وصفهم بالتولّي عن الذكر وإنما تقدم وصف أسبابه‏.‏
والذكر المضاف إلى ضمير الجلالة هو القرآن‏.‏
ومعنى ‏{‏ولم يرد إلا الحياة الدنيا‏}‏ كناية عن عدم الإِيمان بالحياة الآخرة كما دل عليه قوله‏:‏ ‏{‏ذلك مبلغهم من العلم‏}‏ لأنهم لو آمنوا بها على حقيقتها لأرادُوها ولو ببعض أعمالهم‏.‏
وجملة ‏{‏ذلك مبلغهم من العلم‏}‏ اعتراض وهو استئناف بياني بيِّن به سبب جهلهم بوجود الحياة الآخرة لأنه لغرابته مما يسأل عنه السائل وفيه تحقير لهم وازدراء بهم بقصور معلوماتهم‏.‏
وهذا الاستئناف وقع معترضاً بين الجمل وعلتها في قوله‏:‏ ‏{‏إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله‏}‏ الآية‏.‏
وأعني حاصل قوله‏:‏ ‏{‏ولم يرد إلا الحياة الدنيا‏}‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى المذكور في الكلام السابق من قوله‏:‏ ‏{‏ولم يرد إلا الحياة الدنيا‏}‏ استعير للشيء الذي لم يعلموه اسم الحد الذي يبلغ إليه السائر فلا يعلم ما بعده من البلاد‏.‏
‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى‏}‏‏.‏
تعليل لجملة ‏{‏فأعرض عن من تولى‏}‏ وهو تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم والخبر مستعمل في معنى أنه متولي حسابهم وجزائهم على طريقة الكناية، وفيه وعيد للضالّين‏.‏ والتوكيد المفاد ب ‏{‏إنَّ‏}‏ وبضمير الفصل راجع إلى المعنى الكنائي، وأما كونه تعالى أعلم بذلك فلا مقتضى لتأكيدها لما كان المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى‏:‏ هو أعلم منك بحالهم‏.‏
وضمير الفصل مفيد القصر وهو قصر حقيقي‏.‏ والمعنى‏:‏ أنت لا تعلم دخائلهم فلا تتحسر عليهم‏.‏
وجملة ‏{‏وهو أعلم بمن اهتدى‏}‏ تتميم، وفيه وعد للمؤمنين وبشارة للنبي صلى الله عليه وسلم والباء في ب ‏{‏من ضل‏}‏ وفي ب ‏{‏من اهتدى‏}‏ لتعدية صفتي ‏{‏أعلم‏}‏ وهي للملابسة، أي هو أشد علماً ملابساً لمن ضل عن سبيله، أي ملابساً لحال ضلاله، وتقديم ذكر ‏{‏من ضل‏}‏ على ذكر ‏{‏من اهتدى‏}‏ لأن الضالّين أهمّ في هذا المقام، وأما ذكر المهتدين فتتميمِ‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 32‏]‏
‏{‏وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ‏(‏31‏)‏ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ‏(‏32‏)‏‏}‏
‏{‏وَلِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الارض لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة‏}‏‏.‏
عطف على قوله‏:‏ ‏{‏إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله‏}‏ الخ فبعد أن ذكر أن لله أمور الدارين بقوله‏:‏ ‏{‏فللَّه الآخرة والأولى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 25‏]‏ انتقل إلى أهم ما يجري في الدارين من أحوال الناس الذين هم أشرف ما على الأرض بمناسبة قوله‏:‏ ‏{‏إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 30‏]‏ المراد به الإِشارة إلى الجزاء وهو إثبات لوقوع البعث والجزاء‏.‏
فالمقصود الأصلي من هذا الكلام هو قوله‏:‏ ‏{‏وما في الأرض‏}‏ لأن المهم ما في الأرض إذ هم متعلق الجزاء، وإنما ذكر معه ما في السماوات على وجه التتميم للإِعلام بإحاطة ملك الله لما احتوت عليه العوالم كلها ونكتة الابتداء بالتتميم دون تأخيره الذي هو مقتضى ظاهر في التتميمات هي الاهتمام بالعالم العلوي لأنه أوسع وأشرف وليكون المقصود وهو قوله‏:‏ ‏{‏ليجزى الذين أساءوا بما عملوا‏}‏ الآية مقترناً بما يناسبه من ذكر ما في الأرض لأن المجزيين هم أهل الأرض، فهذه نكتة مخالفة مقتضى الظاهر‏.‏
فيجوز أن يتعلق قوله‏:‏ ‏{‏ليجزى‏}‏ بما في الخبر من معنى الكون المقدَّر في الجار والمجرور المخبر به عن ‏{‏ما في السموات وما في الأرض‏}‏ أي كائن ملكاً لله كوناً علته أن يجزي الذين أساءوا والذين أحسنوا من أهل الأرض، وهم الذين يصدر منهم الإِساءة والإِحسان فاللام في قوله‏:‏ ‏{‏ليجزي‏}‏ لام التعليل، جعل الجزاء علة لثبوت ملك الله لما في السموات والأرض‏.‏
ومعنى هذا التعليل أنّ من الحقائق المرتبطة بثبوت ذلك الملك ارتباطاً أوَّليًّا في التعقل والاعتبار لا في إيجاد فإن ملك الله لما في السماوات وما في الأرض ناشئ عن إيجاد الله تلك المخلوقات والله حين أوجدها عالم أن لها حياتين وأن لها أفعالاً حسنة وسيئة في الحياة الدنيا وعالم أنه مجزيها على أعمالها بما يناسبها جزاء خالداً في الحياة الآخرة فلا جرم كان الجزاء غايةً لإِيجاد ما في الأرض فاعتبر هو العلة في إيجادهم وهي علة باعثة يحتمل أن يكون معها غيرُها لأن العلة الباعثة يمكن تعددها في الحكمة‏.‏
ويجوز أن يتعلق بقوله‏:‏ ‏{‏أعلم‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏هو أعلم بمن ضل عن سبيله‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 30‏]‏، أي من خصائص علمه الذي لا يعزب عنه شيء أن يكون علمه مرتباً عليه الجزاءُ‏.‏
والباءاننِ في قوله‏:‏ ‏{‏بما عملوا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏بالحسنى‏}‏ لتعدية فعْلي ‏{‏ليجزي‏}‏ و‏{‏يجزي‏}‏ فما بعد الباءَيْن في معنى مفعول الفعلين، فهما داخلتان على الجزاء، وقوله‏:‏ ‏{‏بما عملوا‏}‏ حينئذٍ تقديره‏:‏ بمثل ما عملوا، أي جزاء عادلاً مماثلاً لما عملوا، فلذلك جعل بمنزلة عين ما عملوه على طريقة التشبيه البليغ‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏بالحسنى‏}‏ أي بالمثوبة الحسنى، أي بأفضل مما عملوا، وفيه إشارة إلى مضاعفة الحسنات كقوله‏:‏ ‏{‏من جاء بالحسنة فله خير منها‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 89‏]‏‏.‏ والحسنى‏:‏ صفة لموصوف محذوف يدل عليه ‏{‏يجزي‏}‏ وهي المثوبة بمعنى الثواب‏.‏
وجاء ترتيب التفصيل لجزاء المسيئين والمحسنين على وفق ترتيب إجماله الذي في قوله‏:‏ ‏{‏إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 30‏]‏ على طريقة اللف والنشر المرتب‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏الذين يجتنبون كبائر الإثم‏}‏ الخ صفة ل ‏{‏الذين أحسنوا‏}‏، أي الذين أحسنوا واجتنبوا كبائر الإِثم والفواحش، أي فعلوا الحسنات واجتنبوا المنهيات، وذلك جامع التقوى‏.‏ وهذا تنبيه على أن اجتناب ما ذكر يعُدّ من الإِحسان لأن فعل السيئات يُنافي وصفهم بالذين أحسنوا فإنهم إذا أتوا بالحسنات كلها ولم يتركوا السيئات كان فعلهم السيئات غير إحسان ولو تركوا السيئات وتركوا الحسنات كان تركهم الحسنات سيئات‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏كبائر الإثم‏}‏ بصيغة جمع ‏(‏كبيرة‏)‏‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي ‏{‏كبيرَ الإِثم‏}‏ بصيغة الإِفراد والتذكير لأن اسم الجنس يستوي فيه المفرد والجمع‏.‏
والمراد بكبائر الإِثم‏:‏ الآثام الكبيرة فيما شرع الله وهي ما شدد الدين التحذير منه أو ذكر له وعيداً بالعذاب أو وصف على فاعله حداً‏.‏
قال إمام الحرمين‏:‏ «الكبائر كل جريمة تؤذن بقلة اكتراثثِ مرتكبها بالدين وبرقة ديانته»‏.‏
وعطف الفواحش يقتضي أن المعطوف بها مغاير للكبائر ولكنها مغايرة بالعموم والخصوص الوجهي، فالفواحش أخص من الكبائر وهي أقوى إثماً‏.‏
والفواحش‏:‏ الفعلات التي يعد الذي فعلها متجاوزاً الكبائر مثل الزنى والسرقة وقتل الغيلة، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة الأنعام عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 33‏]‏ الآية وفي سورة النساء ‏(‏31‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه‏}‏ واستثناء اللمم استثناء منقطع لأن اللمم ليس من كبائر الإِثم ولا من الفواحش‏.‏
فالاستثناء بمعنى الاستدراك‏.‏ ووجهه أن ما سمي باللمم ضرب من المعاصي المحذر منها في الدين، فقد يظن الناس أن النهي عنها يلحقها بكبائر الإِثم فلذلك حق الاستدراك، وفائدة هذا الاستدراك عامة وخاصة‏:‏ أما العامة فلكي لا يعامِل المسلمون مرتكب شيء منها معاملة من يرتكب الكبائر، وأما الخاصة فرحمة بالمسلمين الذين قد يرتكبونها فلا يَقُل ارتكابها من نشاط طاعة المسلم، ولينصرف اهتمامه إلى تجنب الكبائر‏.‏ فهذا الاستدراك بشارة لهم، وليس المعنى أن الله رخص في إتيان اللمم‏.‏ وقد أخطأ وضاح اليَمن في قوله الناشئ عن سوء فهمه في كتاب الله وتطفله في غير صناعته‏:‏
فما نوَّلَتْ حتى تضرعتُ عندها *** وأنبأتُها ما رَخَّص الله في اللَّمم
واللمم‏:‏ الفعل الحرام الذي هو دون الكبائر والفواحش في تشديد التحريم، وهو ما يندر ترك الناس له فيكتفى منهم بعدم الإكثار من ارتكابه‏.‏ وهذا النوع يسميه علماء الشريعة الصغائر في مقابلة تسمية النوع الآخر بالكبائر‏.‏
فمثلوا اللمم في الشهوات المحرمة بالقبلة والغمزة‏.‏ سمي‏:‏ اللمم، وهو اسم مصدر أَلمَّ بالمكان إلماماً إذا حلّ به ولم يُطل المكث، ومن أبيات الكتاب‏:‏
قريشي منكمُ وَهَوَايَ مَعْكُم *** وإن كانت زيارتكم لِمامَا
وقد قيل إن هذه الآية نزلت في رجل يسمى نَبْهان التَمَّار كان له دُكان يبيع فيه تمراً ‏(‏أي بالمدينة‏)‏ فجاءته امرأة تشتري تمراً فقال لها‏:‏ إنّ داخل الدُكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها على نفسها فأبت فندم فأتى النبي وقال‏:‏ ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته ‏(‏أي غصباً عليها‏)‏ إلا الجماع، فنزلت هذه الآية، أي فتكون هذه الآية مدنية أُلحقت بسورة النجم المكية كما تقدم في أول السورة‏.‏
والمعنى‏:‏ أن الله تجاوز له لأجل توبته‏.‏ ومن المفسرين من فسر اللَّمم بِالهَمّ بالسيئة ولا يفعل فهو إلمام مجازي‏.‏
وقوله‏:‏ إن ربك واسع المغفرة‏}‏ تعليل لاستثناء اللمم من اجتنابهم كبائر الإِثم والفواحش شرطاً في ثبوت وصف ‏{‏الذين أحسنوا‏}‏ لهم‏.‏
وفي بناء الخبر على جعل المسند إليه ‏{‏ربك‏}‏ دون الاسم العلم إشعار بأن سعة المغفرة رفق بعباده الصالحين شأن الرب مع مربوبه الحق‏.‏
وفي إضافة ‏(‏رب‏)‏ إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم دون ضمير الجماعة إيماء إلى أن هذه العناية بالمحسنين من أمته قد حصلت لهم ببركته‏.‏
والواسع‏:‏ الكثير المغفرة، استعيرت السعة لكثرة الشمول لأن المكان الواسع يمكن أن يحتوي على العدد الكثير ممن يحلّ فيه قال تعالى‏:‏ ‏{‏ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً‏}‏ وتقدم في سورة غافر ‏(‏7‏)‏‏.‏
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الارض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أمهاتكم فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى‏}‏‏.‏
الخطاب للمؤمنين، ووقوعه عقب قوله‏:‏ ‏{‏ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى‏}‏ ينبئ عن اتصال معناه بمعنى ذلك فهو غير مُوجه لليهود كما في «أسباب النزول» للواحدي وغيره‏.‏ وأصله لعبد الله بن لهيعة عن ثابت بن حارث الأنصاري‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏ كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير يقولون‏:‏ هو صدِّيق، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد ‏"‏ فأنزل الله هذه الآية‏.‏ وعبد الله بن لهيعة ضَعفه ابن معين وتَركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي‏.‏ وقال الذهبي‏:‏ العَمل على تضعيفه، قلت‏:‏ لعل أحد رواة هذا الحديث لم يضبط فقال‏:‏ فأنزل الله هذه الآية، وإنما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذاً بعموم قوله‏:‏ ‏{‏هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض‏}‏ الخ، حجة عليهم، وإلاّ فإن السورة مكية والخوض مع اليهود إنما كان بالمدينة‏.‏
وقال ابن عطية‏:‏ حكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم‏.‏
وكأنَّ الباعث على تطلب سبب لنزولها قصد إبداء وجه اتصال قوله‏:‏ ‏{‏فلا تزكوا أنفسكم‏}‏ بما قبله وما بعده وأنه استيفاء لمعنى سعة المغفرة ببيان سعة الرحمة واللطف بعباده إذْ سلك بهم مسلك اليسر والتخفيف فعفا عمّا لو آخذهم به لأحرجهم فقوله‏:‏ ‏{‏هو أعلم بكم‏}‏ نظير قوله‏:‏ ‏{‏الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 66‏]‏ الآية ثم يجيء الكلام في التفريع بقوله‏:‏ ‏{‏فلا تزكوا أنفسكم‏}‏‏.‏
فينبغي أن تحل جملة ‏{‏هو أعلم بكم‏}‏ إلى آخرها استئنافاً بيانياً لجملة ‏{‏إن ربك واسع المغفرة‏}‏ لما تضمنته جملة ‏{‏إن ربك واسع المغفرة‏}‏ من الامتنان، فكأن السامعين لما سمعوا ذلك الامتنان شكروا الله وهجس في نفوسهم خاطر البحث عن سبب هذه الرحمة بهم فأجيبوا بأن ربهم أعلم بحالهم من أنفسهم فهو يدبر لهم ما لا يخطر ببالهم، ونظيره ما في الحديث القدسي قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر خيراً من بَلْه ما أطَّلَعتم عليه ‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إذ أنشأكم‏}‏ ظرف متعلق ب ‏(‏أعلم‏)‏، أي هو أعلم بالناس من وقت إنشائه إياهم من الأرض وهو وقت خلق أصلهم آدم‏.‏
والمعنى‏:‏ أن إنشاءهم من الأرض يستلزم ضعف قدرهم عن تحمل المشاق مع تفاوت أطوار نشأة بني آدم، فالله علم ذلك وعلم أن آخر الأمم وهي أمة النبي صلى الله عليه وسلم أضعف الأمم‏.‏ وهذا المعنى هو الذي جاء في حديث الإِسراء من قول موسى لمحمد عليهما الصلاة والسلام حين فرض الله على أمته خمسين صلاة «إن أمتك لا تطيق ذلك وإني جربت بني إسرائيل» أي وهم أشد من أمتك قوة، فالمعنى أن الضعف المقتضي لسعة التجاوز بالمغفرة مقرر في علم الله من حين إنشاء آدم من الأرض بالضعف الملازم لجنس البشر على تفاوت فيه قال تعالى‏:‏ ‏{‏وخلق الإِنسان ضعيفاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 28‏]‏، فإن إنشاء أصل الإِنسان من الأرض وهي عنصر ضعيف يقتضي ملازمة الضعف لجميع الأفراد المنحدرة من ذلك الأصل‏.‏ ومنه قوله النبي‏:‏ ‏"‏ إن المرأة خُلقت من ضِلَع أعوج ‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم‏}‏ يختص بسعة المغفرة والرفق بهذه الأمة وهو متقضى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 185‏]‏‏.‏
والأجنة‏:‏ جمع جنين، وهو نسل الحيوان ما دام في الرحم، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مستور في ظلمات ثلاث‏.‏
وفي ‏{‏بطون أمهاتكم‏}‏ صفة كاشفة إذ الجنين لا يقال إلا على ما في بطن أمه‏.‏ وفائدة هذا الكشف أن فيه تذكيراً باختلاف أطوار الأجنة من وقت العلوق إلى الولادة، وإشارة إلى إحاطة علم الله تعالى بتلك الأطوار‏.‏
وجملة ‏{‏فلا تزكوا أنفسكم‏}‏ اعتراض بين جملة ‏{‏هو أعلم بكم‏}‏ وجملة
‏{‏أفرأيت الذي تولى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 33‏]‏ الخ، والفاء لتفريع الاعتراض، وهو تحذير للمؤمنين من العُجب بأعمالهم الحسنة عجباً يحدثه المرء في نفسه أو يدخله أحدٌ على غيره بالثناء عليه بعمله‏.‏
و ‏{‏تزكوا‏}‏ مضارع زكى الذي هو من التضعيف المراد منه نسبة المفعول إلى أصل الفعل نحو جَهَّله، أي لا تنسبوا لأنفسكم الزكاة‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏أنفسكم‏}‏ صادق بتزكية المرء نفسه في سره أو علانيته فرجع الجمع في قوله‏:‏ ‏{‏فلا تزكوا‏}‏ إلى مقابلة الجمع بالجمع التي تقتضي التوزيع على الآحاد مثل‏:‏ ركب القوم دوابهم‏.‏
والمعنى‏:‏ لا تحسبوا أنفسكم أزكياء وابتغوا زيادة التقرب إلى الله أولاً تثقوا بأنكم أزكياء فيدخلكم العجب بأعمالكم ويشمل ذلك ذكر المرء أعماله الصالحة للتفاخر بها، أو إظهارها للناس، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان فيه جلب مصلحة عامة كما قال يوسف‏:‏ ‏{‏اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 55‏]‏‏.‏ وعن الكلبي ومقاتل‏:‏ كان ناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون‏:‏ صلاتنا وصيامنا وحجنا وجهادنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏
ويشمل تزكية المرء غيره فيرجع ‏{‏أنفسكم‏}‏ إلى معنى قَومكم أو جماعتكم مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 61‏]‏ أي ليسلم بعضكم على بعض‏.‏ والمعنى‏:‏ فلا يثني بعضكم على بعض بالصلاح والطاعة لئلا يغيرُه ذلك‏.‏
وقد ورد النهي في أحاديث عن تزكية الناس بأعمالهم‏.‏ ومنه حديث أم عطية حين مات عثمان بن مظعون في بيتها ودخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أم عطية‏:‏ «رحمةُ الله عليك أبا السائب ‏(‏كنية عثمان بن مظعون‏)‏ فشهادتي عليك لقد أكرمكَ الله فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يُدريك أن الله أكرمه، فقالت‏:‏ إذا لم يُكرمه الله فمنْ يكرمهُ الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هو فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير وإني والله ما أدري وأنا رسولُ الله ما يُفعل بي»‏.‏ قالت أم عطية‏:‏ فلا أزكي أحداً بعدَ ما سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شاع من آداب عصر النبوة بين الصحابة التحرز من التزكية وكانوا يقولون إذا أثنوا على أحد لا أعلم عليه إلا خيراً ولا أزكي على الله أحداً‏.‏
وروى مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال‏:‏ «سميت ابنتي بَرة فقالت لي زينب بنت بن سلمة إن رسول الله نهى عن هذا الإسم، وسُمِّيتُ برة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البر منكم، قالوا‏:‏ بم نسميها‏؟‏ قال‏:‏ سموها زينب»‏.‏ وقد ظهر أن النهي متوجه إلى أن يقول أحد ما يفيد زكاء النفس، أي طهارتها وصلاحها، تفويضاً بذلك إلى الله لأن للناس بواطن مختلفةَ الموافقةِ لظواهرهم وبين أنواعها بَون‏.‏
وهذا من التأديب على التحرز في الحكم والحيطة في الخِبرة واتهام القرائن والبوارق‏.‏
فلا يدخل في هذا النهي الإِخبارُ عن أحوال الناس بما يعلم منهم وجربوا فيه من ثقة وعدالة في الشهادة والرواية وقد يعبر عن التعديل بالتزكية وهو لفظ لا يراد به مثل ما أريد من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تزكوا أنفسكم‏}‏ بل هو لفظ اصطلح عليه الناس بعد نزول القرآن ومرادهم منه واضح‏.‏
ووقعت جملة ‏{‏هو أعلم بمن اتقى‏}‏ موقع البيان لسبب النهي أو لأهمِّ أسبابه، أي فوضوا ذلك إلى الله إذ هو أعلم بمن اتقى، أي بحال من اتقى من كمال تقوى أو نقصها أو تزييفها‏.‏ وهذا معنى ما ورد في الحديث أن يقول من يخبر عن أحد بخير‏:‏ «لا أزكي على الله أحداً» أي لا أزكى أحداً معتلياً حق الله، أي متجاوزاً قدري‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 35‏]‏
‏{‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ‏(‏33‏)‏ وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى ‏(‏34‏)‏ أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ‏(‏35‏)‏‏}‏
‏(‏أفرأيت الذي تولى ‏[‏33‏]‏ وأعطى قليلا وأكدى ‏[‏34‏]‏ أعنده علم الغيب فهو يرى ‏[‏35‏]‏‏)‏ الفاء لتفريع الاستفهام التعجيبي على قوله ‏(‏ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى‏)‏ إذ كان حال هذا الذي تولى وأعطى قليلا وأكدا جهلا بأن للإنسان ما سعى وقد حصل في وقت نزول الآية المتقدمة أو قبلها حادث أنبأ عن سوء الفهم لمراد الله من عباده مع أنه واضح لمن صرف حق فهمه‏.‏ ففرع على ذلك كله تعجيب من انحراف أفهامهم
فالذي تولى وأعطى قليلا هو هنا ليس فريقا مثل الذي عناه قوله ‏(‏فأعرض عمن تولى عن ذكرنا‏)‏ بل هو شخص بعينه‏.‏ واتفق المفسرون والرواة على أن المراد به هنا معين ولعل ذلك وجه التعبير عنه بلفظ ‏(‏الذي‏)‏ دون كلمة ‏(‏من‏)‏ لأن ‏(‏الذي‏)‏ أظهر في الإطلاق على الواحد المعين دون لفظ ‏(‏من‏)‏‏.‏ واختلفوا في تعيين هذا ‏(‏الذي تولى وأعطى قليلا‏)‏ فروى الطبري والقرطبي عن مجاهد وابن زيد أن المراد به الوليد بن المغيرة قالوا‏:‏ كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويستمع إلى قراءته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظه فقارب أن يسلم فعاتبه رجل من المشركين ‏(‏لم يسموه‏)‏ وقال‏:‏ لم تركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت أنهم في النار كان ينبغي أن تنصرهم فكيف يفعل بآبائك فقال‏:‏ ‏(‏إني خشيت عذاب الله‏)‏ فقال‏:‏ ‏(‏اعطني شيئا وأنا أحمل عنك كل عذاب كان عليك‏)‏ فأعطاه ‏(‏ولعل ذلك كان عندهم التزاما يلزم ملتزمه وهم لا يؤمنون بجزاء الآخرة فلعله تفادى من غضب الله في الدنيا ورجع إلى الشرك‏)‏ ولما سأله الزيادة بخل عنه وتعاسر وأكدى
وروى القرطبي عن السدي‏:‏ أنها نزلت في العاصي بن وائل السهمي وعن محمد بن كعب‏:‏ نزلت في أبي جهل وعن الضحاك‏:‏ نزلت في النضر بن الحارث
ووقع في أسباب النزول للواحدي والكشاف أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي السرح حين صد عثمان بن عفان عن نفقة في الخير كان ينفقها «أي قبل أن يسلم عبد الله بن سعد» رواه الثعلبي عن قوم‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وذلك باطل وعثمان منزه عن مثله‏,‏ أي عن أن يصغي إلى أنه تولى عن النظر في الإسلام بعد أن قاربه
وأشار قوله ‏(‏وأعطى قليلا وأكدى‏)‏ إلى ما أعطاه للذي يحمله عنه العذاب
وليس وصفه ب ‏(‏تولى‏)‏ داخلا في التعجيب ولكنه سيق مساق الذم ووصف عطاؤه بأنه قليل توطئة لذمه بأنه مع قلة ما أعطاه قد شح به فقطعه‏.‏ وأشار قوله ‏(‏وأكدى‏)‏ إلى بخله وقطعه العطاء يقال‏:‏ أكدى الذي يحفر إذا اعترضته كدية أي حجر لا يستطيع إزالته‏.‏ وهذه مذمة ثانية بالبخل زيادة على بعد الثبات على الكفر فحصل التعجيب من حال الوليد كله تحقيرا لعقله وأفن رأيه‏.‏ وقيل المراد بقوله ‏(‏وأعطى قليلا‏)‏ أنه أعطى من قبله وميله للإسلام قليلا وأكدى أي انقطع بعد أن اقترب كما يكدى حافر البئر إذا اعترضته كدية
والاستفهام في ‏(‏أعنده علم الغيب‏)‏ إنكاري على توهمه أن استئجار أحد ليتحمل عنه عذاب الله ينجيه من العذاب أي ما عنده علم الغيب‏.‏ وهذا الخبر كناية عن خطئه فيما توهمه
والجملة استئناف بياني للاستفهام التعجيبي من قوله ‏(‏أفرأيت الذي تولى‏)‏ الخ
وتقديم ‏(‏عنده‏)‏ وهو مسند على ‏(‏علم الغيب‏)‏ وهو مسند إليه للاهتمام بهذه العندية العجيب ادعاؤها والإشارة إلى بعده عن هذه المنزلة
وعلم الغيب‏:‏ معرفة العوالم المغيبة أي العلم لاصل من أدلة فكأنه شاهد الغيب بقرينة قوله ‏(‏فهو يرى‏)‏
وفرع على هذا التعجيب قوله ‏(‏فهو يرى‏)‏ أي فهو يشاهد أمور الغيب بحيث عاقد على التعارض في حقوقها‏.‏ والرؤية في قوله ‏(‏فهو يرى‏)‏ بصرية ومفعولها محذوف والتقدير‏:‏ فهو يرى الغيب
والمعنى‏:‏ أنه آمن نفسه من تبعة التولي عن الإسلام ببذل شيء لمن تحمل عنه تبعة توليه كأنه يعلم الغيب ويشاهد أن ذلك يدفع عنه العقاب فقد كان فعله ضغثا على إبالة لأنه ظن أن التولي جريمة وما بذل المال إلا لأنه توهم أن الجرائم تقبل الحمالة في الآخرة
وتقديم الضمير المسند إليه على فعله المسند دون أن يقول‏:‏ فيرى لإفادة تقوي الحكم نحو‏:‏ هو يعطي الجزيل‏.‏ وهذا التقوي بناء على ما أظهر من اليقين بالصفقة التي عاقد عليها وهو أدخل في التعجيب من حاله
تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 38‏]‏
‏{‏أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ‏(‏36‏)‏ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ‏(‏37‏)‏ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ‏(‏38‏)‏‏}‏
‏{‏أم‏}‏ لإِضراب الانتقال إلى متعجَّب منه وإنكارٍ عليه آخَر وهو جهله بما عليه أن يعلمه الذين يخشون الله تعالى من عِلم ما جاء على ألسنة الرسل الأولين فإن كان هو لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهلاّ تطلب ما أخبرت به رسل من قبلُ، طالما ذكَر هو وقومه أسماءهم وشرائعهم في الجملة، وطالما سأل هو وقومه أهل الكتاب عن أخبار موسى، فهلاّ سأل عمّا جاء عنهم في هذا الغرض الذي يسعى إليه وهو طلب النجاة من عذاب الله فينبئه العالمون، فإن مآثر شريعة إبراهيم مأثور بعضها عند العرب، وشريعة موسى معلومة عند اليهود‏.‏ فالاستفهام المقدر بعد ‏{‏أم‏}‏ إنكار مثل الاستفهام المذكور قبلها في قوله‏:‏ ‏{‏أعنده علم الغيب‏}‏ والتقدير‏:‏ بل ألم ينبأ بما في صحف موسى الخ‏.‏
و ‏{‏صحف موسى‏}‏‏:‏ هي التوراة، وصحف ‏{‏إبراهيم‏}‏‏:‏ صحفٌ سُجِّل فيها ما أوحَى الله إليه، وهي المذكورة في سورة الأعلى ‏(‏18، 19‏)‏ ‏{‏إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى‏}‏ روى ابن حبّان والحاكم عن أبي ذر أنه سأل النبي عن الكتب التي أنزلت على الأنبياء فذكر له منها عشرة صحائف أنزلت على إبراهيم، أي أنزل عليه ما هو مكتوب فيها‏.‏
وإنما خص هذه الصحف بالذكر لأن العرب يعرفون إبراهيم وشريعته ويسمونها الحنيفية وربما ادّعى بعضهم أنه على إثارة منها مثل‏:‏ زيد بن عَمرو بن نُفيل‏.‏
وأما صحف موسى فهي مشتهرة عند أهل الكتاب، والعربُ يخالطون اليهود في خيبر وقريظة والنضير وتَيما، ويخالطون نصارى نجران، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثلَ ما أُوتي موسى‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 48‏]‏‏.‏
وتقديم ‏{‏صحف موسى‏}‏ لأنها اشتهرت بسعة ما فيها من الهدى والشريعة، وأما صحف إبراهيم فكان المأثور منها أشياء قليلة‏.‏ وقدّرت بعشر صحف، أي مقدار عشر ورقات بالخط القديم، تسَع الورقة قُرابة أربع آيات من آي القرآن بحيث يكون مجموع ملفي صحف إبراهيم مقدار أربعين أية‏.‏
وإنما قدم في سورة الأعلى صحف إبراهيم على صحف موسى مراعاةً لوقوعهما بَدلاً من الصحف الأولى فقدم في الذكر أقدمهما‏.‏
وعندي أن تأخير ذكر صحف إبراهيم ليقع ما بعدها هنا جامعاً لما احتوت عليه صحف إبراهيم فتكون صحف إبراهيم هي الكلمات التي ابتلَى الله بها إبراهيم المذكورةُ في قوله في سورة البقرة ‏(‏124‏)‏‏:‏ ‏{‏وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن أي بلغهن إلى قومه ومن آمن به، ويكون قوله هنا الذي وفى‏}‏ في معنى قوله‏:‏ ‏{‏فأتمهن‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏124‏)‏‏.‏
ووصفُ إبراهيم بذلك تسجيل على المشركين بأن إبراهيم بلَّغ ما أوحي إليه إلى قومه وذريته ولكن العرب أهملوا ذلك واعتاضوا عن الحنيفية بالإِشراك‏.‏
وحُذف متعلِّق وفى‏}‏ ليشمل توفيات كثيرة منها ما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن‏}‏ وما في قوله تعالى‏:‏
‏{‏قد صدقت الرؤيا‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 105‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ألا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ يجوز أن يكون بدلاً من ما في صحف موسى وإبراهيم بدلَ مفصَّل من مجمل، فتكون ‏(‏أنْ‏)‏ مخففة من الثقيلة‏.‏ والتقدير‏:‏ أم لم ينبَّأ بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى‏.‏
ويجوز أن تكون ‏(‏أَن‏)‏ تفسيرية فَسَّرت ما في صحف موسى وإبراهيم لأن ما من الصحف شيء مكتوب والكتابة فيها معنى القَول دون حروفه فصلَح «ما في صحف موسى» لأن تفسره ‏(‏أنْ‏)‏ التفسيرية‏.‏ وقد ذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا نذير من النذر الأولى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 56‏]‏ في هذه السورة عن السدّي عن أبي صالح قال‏:‏ هذه الحروف التي ذَكر الله تعالى من قوله‏:‏ ‏{‏أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏هذا نذير من النذر الأولى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 56‏]‏ كل هذه في صحف إبراهيم وموسى‏.‏ و‏{‏تزر‏}‏ مضارع وزر، إذا فَعَل وِزرا‏.‏
وتأنيث ‏{‏وازرة‏}‏ بتأويل‏:‏ نفس، وكذلك تأنيث ‏{‏أخرى‏}‏، ووقوع «نفس» و‏{‏أخرى‏}‏ في سياق النفي يفيد العموم فيشمل نفي ما زعمه الوليد بن المغيرة من تحمل الرجل عنه عذاب الله‏.‏
وهذا مما كان في صحف إبراهيم، ومنه ما حكى الله في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 87 89‏]‏‏.‏
وحكي في التوراة عن إبراهيم أنه قال في شأن قوم لوط‏:‏ «أفتُهلك البارَّ مع الآثم»‏.‏
وأما نظيره في صحف موسى ففي التوراة «لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل»‏.‏ وحكى الله عن موسى قوله‏:‏ ‏{‏أتهلكنا بما فعل السفهاء منا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 155‏]‏‏.‏ وعموم لفظ ‏{‏وزر‏}‏ يقتضي اطراد الحكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة‏.‏
وأما قوله في التوراة أن الله قال‏:‏ «أفتقد الأبناء بذنوب الآباء إلى الجيل الثالث» فذلك في ترتيب المسببات على الأسباب الدنيوية وهو تحذير‏.‏
وليس حَملُ المتسبب في وزر غيره حَمْلاً زائداً على وِزره من قبيل تحمُّل وزر الغير، ولكنه من قبيل زيادة العقاب لأجل تضليل الغير، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 25‏]‏‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ ما من نفس تُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوللِ كِفل من دمها، ذلك أنه أول مَن سنَّ القتل ‏"‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏
‏{‏وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ‏(‏39‏)‏‏}‏
عطف على جملة ‏{‏ألا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 38‏]‏، فيصح أن تكون عطفاً على المجرور بالباء فتكون ‏(‏أنْ‏)‏ مخففة من الثقيلة، ويصح أن تكون عطفاً على ‏{‏ألا تزر وازرة وزر أخرى فتكون أَنْ‏}‏ تفسيرية، وعلى كلا الاحتمالين تكون ‏{‏أنْ‏}‏ تأكيداً لنظيرتها في المعطوف عليها‏.‏
وتعريف ‏{‏الإِنسان‏}‏ تعريف الجنس، ووقوعه في سياق النفي يفيد العموم، والمعنى‏:‏ لا يختص به إلا ما سعاه‏.‏
والسعي‏:‏ العمل والاكتساب، وأصل السعي‏:‏ المشي، فأطلق على العمل مجازاً مرسلاً أو كنايةً‏.‏ والمراد هنا عمل الخير بقرينة ذكر لام الاختصاص وبأن جعل مقابلاً لقوله‏:‏ ‏{‏ألا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 38‏]‏‏.‏
والمعنى‏:‏ لا تحصل لأحد فائدة عَمل إلا ما عمله بنفسه، فلا يكون له عملُ غيره، ولام الاختصاص يرجح أن المراد ما سَعاه من الأعمال الصالحة، وبذلك يكون ذكر هذا تتميماً لمعنى ‏{‏ألا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏، احتراساً من أن يخطُر بالبال أن المدفوع عن غير فاعله هو الوزر، وإنّ الخير ينال غيرَ فاعله‏.‏
ومعنى الآية محكي في القرآن عن إبراهيم في قوله عنه‏:‏ ‏{‏إلا من أتى الله بقلب سليم‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 89‏]‏‏.‏
وهذه الآية حكاية عن شرعيْ إبراهيم وموسى، وإذ قد تقرر أن شرع مَن قَبْلنَا شرعٌ لنا ما لم يرد ناسخ، تدل هذه الآية على أن عمل أحد لا يجزئ عن أحد فرضاً أو نفلاً علَى العين، وأما تحمل أحد حِمالة لفعل فعله غيره مثل دِيَات القتل الخطأ فذلك من المؤاساة المفروضة‏.‏
واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ومحملها‏:‏ فعن عكرمة أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن ليس للإنسان إلا ما سعى‏}‏ حكاية عن شريعة سابقة فلا تلزم في شريعتنا يريد أن شريعة الإِسلام نسخت ذلك فيكون قبول عمل أحد عن غيره من خصائص هذه الأمة‏.‏
وعن الربيع بن أنس أنه تأول ‏(‏الإِنسان‏)‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن ليس للإنسان إلا ما سعى‏}‏ بالإِنسان الكافر، وأما المؤمن فله سعيه ومَا يسعى له غيره‏.‏
ومن العلماء من تأول الآية على أنها نفت أن تكون للإِنسان فائدة ما عمله غيره إذا لم يجعل الساعي عمله لغيره‏.‏ وكأنَّ هذا ينحو إلى أن استعمال ‏{‏سعى‏}‏ في الآية من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه العقليين‏.‏ ونقل ابن الفرس‏:‏ أن من العلماء من حمل الآية على ظاهرها وأنه لا ينتفع أحد بعمل غيره، ويؤخذ من كلام ابن الفرس أن ممن قال بذلك الشافعي في أحد قوليه بصحة الإِجارَة على الحج‏.‏
واعلم أن أدلة لحاق ثواب بعض الأعمال إلَى غير من عملها ثابتة على الجملة وإنما تتردد الأنظار في التفصيل أو التعميم، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 21‏]‏، وقد بيناه في تفسير سورة الطور‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون‏}‏
‏[‏الزخرف‏:‏ 70‏]‏، فجعل أزواج الصالحين المؤمناتتِ وأزواج الصالحاتتِ المؤمنين يتمتعون في الجنة مع أن التفاوت بين الأزواج في الأعمال ضروري وقد بيناه في تفسير سورة الزخرف‏.‏
وفي حديث مسلم ‏"‏ إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا مِن صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له ‏"‏ وهو عام في كل ما يعمله الإِنسان، ومعيار عمومه الاستثناء فالاستثناء دليل على أن المستثنيات الثلاثة هي من عمل الإِنسان‏.‏ وقال عياض في «الإِكمال» هذه الأشياء لما كان هو سببها فهي من اكتسابه‏.‏ قلت‏:‏ وذلك في الصدقة الجارية وفي العلم الذي بثه ظاهر، وأما في دعاء الولد الصالح لأحد أبويه فقال النووي لأن الولد من كسبه‏.‏ قال الأبي‏:‏ الحديث ‏"‏ ولد الرجل من كسبه ‏"‏ فاستثناء هذه الثلاثة متصل‏.‏
وثبتت أخبار صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن عمل أحد عن آخر يُجزي عن المنوب عنه، ففي «الموطأ» حديث الفضل بن عباس «أن امرأة من خثعم سألت رسول الله فقالت‏:‏ إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفيجزئ أن أحج عنه‏؟‏ قال‏:‏ نعم حُجّي عنه»‏.‏ وفي قولها‏:‏ لا يثبت على الراحلة دلالة على أن حجها عنه كان نافلة‏.‏
وفي «كتاب أبي داود» حديثُ بريدَة «أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفيجزئ أو يَقضي عنها أن أصوم عنها‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قالت‏:‏ وإنها لم تحج أفيجزئ أو يقضي أن أحج عنها‏؟‏ قال‏:‏ نعم»‏.‏
وفيه أيضاً حديث ابن عباس «أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله إن أمي توفيت أفينفعها إن تصدقت عنها‏؟‏ قال‏:‏ نعم»‏.‏
وفيه حديث عمرو بن العاص وقد أعتق أخوه هشام عن أبيهم العاص بن وائل عبيداً فسأل عَمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أَن يفعل مثل فعل أخيه فقال له «لو كان أبوكَ مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك»‏.‏
وروي أن عائشة أعتقت عن أخيها عبد الرحمان بعد موته رقاباً واعتكفت عنه‏.‏
وفي «صحيح البخاري» عن ابن عُمر وابن عباس «أنهما أفتيا امرأة جعلت أمُّها على نفسها صلاة بمسجد قباء ولم تف بنذرها أن تصلي عنها بمسجد قباء»‏.‏
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة أن يقضي نذراً نذرته أمه، قيل كان عتقاً، وقيل صدقة، وقيل نذراً مطلقاً‏.‏
وقد كانت هذه الآية وما ثبت من الأخبار مجالاً لأنظار الفقهاء في الجمع بينهما والأخذِ بظاهر الآية وفي الاقتصار على نوع ما ورد فيه الإِذن من النبي صلى الله عليه وسلم أو القياس عليه‏.‏
ومما يجب تقديمه أن تعلم أن التكاليف الواجبة على العين فرضاً أو سنة مرتّبة المقصد من مطالبة المكلف بها ما يحصل بسببها من تزكية نفسه ليكون جزءاً صالحاً فإذا قام بها غيره عنه فات المقصود من مخاطبة أعيان المسلمين بها، وكذا اجتناب المنهيات لا تتصور فيها النيابة لأن الكف لا يقبل التكرر فهذا النوع ليس للإِنسان فيه إلا ما سعى ولا تجزئ فيه نيابة غيره عنه في أدائها، فأما الإِيمان فأمره بَينّ لأن ماهية الإِيمان لا يتصور فيها التعدد بحيث يؤمن أحد عن نفسه ويؤمن عن غيره لأنه إذا اعتقد اعتقاداً جازماً فقد صار ذلك إيمانه‏.‏ قال ابن الفرس في «أحكام القرآن»‏:‏ «أجمعوا على أنه لا يؤمن أحد عن أحد»‏.‏
وأما ما عدا الإِيمان من شرائع الإسلام الواجبة فأما ما هو منها من عمل الأبدان فليس للإِنسان إلا ما سعى منه ولا يجزئ عنه سعي غيره لأن المقصود من الأمور المعيَّنة المطالببِ بها المرءُ بنفسه هو ما فيها من تزكية النفس وارتياضها على الخير كما تقدم آنفاً‏.‏
ومثل ذلك الرواتب من النوافل والقربات حتى يصلح الإِنسان ويرتاض على مراقبة ربه بقلبه وعمله والخضوع له تعالى ليصلح بصلاح الأفراد صلاح مجموع الأمة والنيابة تفيت هذا المعنى‏.‏
فمَا كان من أفعال الخير غير معينَّ بالطلب كالقُرَب النافلة فإن فيه مقصدين مقصد ملحق بالمقصد الذي في الأعمال المعيّنة بالطلب، ومقصد تكثير الخير في جماعة المسلمين بالأعمال والأقوال الصالحة وهذا الاعتبار الثاني لا تفيته النيابة‏.‏
والتفرقة بين ما كان من عمل الإِنسان ببدنه وما كان من عمله بماله لا أراهُ فرقاً مؤثراً في هذا الباب، فالوجه اطراد القول في كلا النوعين بقبول النيابة أو بعدم قبولها‏:‏ من صدقات وصيام ونوافل الصلوات وتجهيز الغزاة للجهاد غير المتعينّ على المسلم المجهِّز ‏(‏بكسر الهاء‏)‏ ولا على المجهَّز ‏(‏بفتح الهاء‏)‏، والكلمات الصالحة من قراءة القرآن وتسبيح وتحميد ونحوهما وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا يكون تحرير محل ما ذكره ابن الفرس من الخلاف في نقل عمل أحد إلى غيره‏.‏
قال النووي‏:‏ «الدعاء يصل ثوابه إلى الميت وكذلك الصدقة وهما مُجمَع عليهما‏.‏ وكذلك قضاء الدين» اه‏.‏ وحكى ابن الفرس مثل ذلك، والخلاف بين علماء الإسلام فيما عدا ذلك‏.‏
وقال مالك‏:‏ «يتطوع عن الميت فيتصدق عنه أو يعتق عنه أو يهدي عنه، وأما ما كان من القُرَب الواجبة مركَّباً من عمل البدن وإنفاق المال مثل الحج والعمرة والجهاد» فقال الباجي‏:‏ «حكى القاضي عبد الوهاب عن المذهب أنها تصح النيابة فيها» وقال ابن القصار‏:‏ «لا تصح النيابة فيها»‏.‏ وهو المشتهر من قول مالك ومبنى اختلافهما أن مالكاً كره أن يحج أحد عن أحد إلا أنه إن أوصى بذلك نفذت وصيته ولا تسقط الفرض‏.‏
ورجح الباجي القول بصحة النيابة في ذلك بأن مالكاً أمضى الوصية بذلك، وقال‏:‏ لا يُستأجَر له إلا من حَجَّ عن نفسه فلا يحج عنه ضَرُرَوة، فلولا أن حج الأجير على وجه النيابة عن الموصي لما اعتُبرت صفة المباشر للحج‏.‏ قال ابن الفرس‏:‏ «أجاز مالك الوصية بالحج الفرض، ورأى أنه إذا أوصى بذلك فهو من سعيه والمحرر من مذهب الحنفية صحة النيابة في الحج لغير القادر بشرط دوام عجزه إلى الموت فإن زال عجزه وجب عليه الحج بنفسه، وقد ينقل عن أبي حنيفة غير ذلك في كتب المالكية‏.‏
وجوز الشافعي الحج عن المِّيت ووصية الميت بالحج عنه‏.‏ قال ابن الفرس‏:‏ «وللشافعي في أحد قوليه أنه لا يجوز واحتج بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن ليس للإنسان إلا ما سعى‏}‏ اه‏.‏
ومذهب أحمد بن حنبل جوازه ولا تجب عليه إعادة الحج إن زال عذره‏.‏
وأما القُرَب غير الواجبه وغيرُ الرواتب من جميع أفعال البر والنوافل؛ فأما الحج عن غير المستطيع فقال الباجي‏:‏ «قال ابن الجلاب في «التفريع» يكره أن يستأجر من يحجّ عنه فإن فعل ذلك لم يفسخ» وقال ابن القصار‏:‏ «يجوز ذلك في الميت دون المعضوب» ‏(‏وهو العاجز عن النهوض‏)‏‏.‏ وقال ابن حبيب‏:‏ «قد جاءت الرخصة في ذلك عن الكبير الذي لا ينهض وعن الميت أنه يُحج عنه ابنه وإن لم يوص به»‏.‏
وقال الأُبيّ في «شرح مسلم»‏:‏ «ذكر أن الشيخ ابن عرفة عام حجّ اشترى حجة للسلطان أبي العباس الحفصي على مذهب المخالف»، أي خلافاً لمذهب مالك‏.‏
وأما الصلاة والصيام، فسئل مالك عن الحج عن الميت فقال‏:‏ «أما الصلاة والصيام والحج عنه فلا نرى ذلك»‏.‏ وقال في «المدونة»‏:‏ «يتطوع عنه بغير هذا أحب إليّ‏:‏ يُهدى عنه، أو يُتصدق عنه، أو يُعتق عنه»‏.‏ قال الباجي‏:‏ «ففصل بينها وبين النفقات»‏.‏
وقال الشافعي في أحد قوله‏:‏ لا يصله ثواب الصلوات التطوع وسائر التطوعات‏.‏ قال صاحب «التوضيح» من الشافعية‏:‏ «وعندنا يجوز الاستنابة في حجة التطوع على أصح القولين»، وقال أحمد‏:‏ «يصله ثواب الصلوات وسائر التطوعات»‏.‏
والمشهور من مذهب الشافعي‏:‏ أن قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت لا يصله ثوابها، وقال أحمد بن حنبل وكثير من أصحاب الشافعي‏:‏ يصله ثوابها‏.‏
وحكى ابن الفرس عن مذهب مالك‏:‏ أن من قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ووصل للميت أجرُه ونفعُه فما ينسب إلى مالك من عدم جواز إهداء ثواب القراءة في كتب المخالفين غير محرر‏.‏
وقد ورد في حديث عائشة قالت‏:‏ «كان رسول الله يعوّذ نفسه بالمعوذات فلما ثقل به المرض كنت أنا أُعوذه بهما وأضَع يده على جسده رجاء بركتها» فهل قراءة المعوذتين إلا نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يفعله بنفسه، فإذا صحت النيابة في التعوذ والتبرك بالقرآن فلماذا لا تصح في ثواب القراءة‏.‏
واعلم أن هذا كله في تطوع أحد عن أحد بقربة، وأما الاستئجار على النيابة في القُرب‏:‏ فأما الحج فقد ذكروا فيه جوازَ الاستئجار بوصية، أو بغيرها، لأن الإِنفاق من مقومات الحج، ويظهر أن كل عبادة لا يجوز أخذ فاعلها أجرةً على فعلها كالصلاة والصوم لا يصح الاستئجار على الاستنابة فيها، وأن القرب التي يصح أخذ الأجر عليها يصح الاستئجار على النيابة فيها مثل قراءة القرآن، فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم فِعل الذين أَخذوا أجراً على رُقية الملدوغ بفاتحة الكتاب‏.‏
وإذا علمَت هذا كله فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن ليس للإنسان إلا ما سعى‏}‏ هو حكم كان في شريعة سالفة، فالقائلون بأنه لا ينسحب علينا لم يكن فيما ورد من الأخبار بصحة النيابة في الأعمال في ديننا معارض لمقتضَى الآية، والقائلون بأن شرع غيرنا شَرعٌ لنا ما لم يرد ناسخ، منهم من أعمل عموم الآية وتأول الأخبار المعارضة لها بالخصوصية، ومنهم من جعلها مخصِّصَةً للعموم، أو ناسخةً، ومنهم من تأول ظاهر الآية بأن المراد ليس له ذلك حقيقة بحيث يعتمد على عمله، أو تأول السعي بالنية‏.‏ وتأول اللام في قوله‏:‏ ‏{‏للإنسان‏}‏ بمعنى ‏(‏على‏)‏، أي ليس عليه سيئات غيره‏.‏
وفي تفسير سورة الرحمان من «الكشاف»‏:‏ أن عبد الله بنَ طَاهر قال للحُسين بن الفَضل‏:‏ أشكلتْ عليّ ثلاث آيات‏.‏ فذكر له منها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن ليس للإنسان إلا ما سعى‏}‏ فما بال الأضعاف، أي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيضاعفه له أضعافاً كثيرة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 245‏]‏، فقال الحسين‏:‏ معناه أنه ليس له إلا ما سعى عَدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً فضلاً‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 41‏]‏
‏{‏وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ‏(‏40‏)‏ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ‏(‏41‏)‏‏}‏
يجوز أن تكون عطفاً على جملة ‏{‏ألا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 38‏]‏ فهي من تمام تفسير ‏{‏ما في صحف موسى وإبراهيم‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 36، 37‏]‏ فيكون تغيير الأسلوب إذ جيء في هذه الآية بحرف ‏{‏أنَّ‏}‏ المشددة لاقتضاء المقام أن يقع الإِخبار عن سَعي الإنسان بأنه يُعلن به يوم القيامة ‏(‏وذلك من توابع أن ليس به إلاّ ما سعى‏)‏، فلما كان لفظ ‏{‏سعيه‏}‏ صالحاً للوقوع اسماً لحرف ‏{‏أنَّ‏}‏ زال مقتضِي اجتلاب ضمير الشأن فزال مقتضِي ‏(‏أَنْ‏)‏ المخففة‏.‏ وقد يكون مضمون هذه الجملة في شريعة إبراهيم ما حكاه الله عنه من قوله‏:‏ ‏{‏ولا تخزني يوم يبعثون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 87‏]‏ ويجوز أن لا يكون قوله مضمون قوله‏:‏ ‏{‏وأن سعيه‏}‏ مشمولاً لما في صحف موسى وإبراهيم فعطفُه على ‏(‏ما‏)‏ الموصولة من قوله‏:‏ ‏{‏بما في صحف موسى وإبراهيم‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 36، 37‏]‏، عطف المفرد على المفرد فيكون معمولاً لباء الجر في قوله‏:‏ ‏{‏فِى صُحُفِ مُوسَى‏}‏ الخ، والتقدير‏:‏ لم ينبأ بأن سعي الإنسان سوف يُرى، أي لا بد أن يرى، أي يجازى عليه، أي لم ينبأ بهذه الحقيقة الدينية وعليه فلا نتطلب ثبوت مضمون هذه الجملة في شريعة إبراهيم عليه السلام‏.‏
و ‏{‏سوف‏}‏ حرف استقبال والأكثر أن يراد به المستقبل البعيد‏.‏
ومعنى ‏{‏يرى‏}‏ يشاهد عند الحساب كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ووجدوا ما عملوا حاضراً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 49‏]‏، فيجوز أن تجسم الأعمال فتصير مشاهدة وأمور الآخرة مخالفة لمعتاد أمور الدنيا‏.‏ ويجوز أن تجعل علامات على الأعمال يُعلن بها عنها كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 8‏]‏‏.‏ وما في الحديث «يُنْصَب لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال‏:‏ هذه غدرة فلان» فيقدر مضاف تقديره‏:‏ وأن عنوان سعيه سوف يرى‏.‏
ويجوز أن يكون ذلك بإشهار العمل والسعي كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 49‏]‏ الآية، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم «من سمع بأخيه فيما يكره سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة» فتكون الرؤية مستعارة للعلم لقصد تحقق العلم واشتهاره‏.‏
وحكمة ذلك تشريف المحسنين بحسن السمعة وانكسار المسيئين بسُوء الأحدوثة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ثم يجزاه الجزاء الأوفى‏}‏ هو المقصود من الجملة‏.‏
و ‏{‏ثم‏}‏ للتراخي الرتبي لأن حصول الجزاء أهم من إظهاره أو إظهار المجزي عنه‏.‏
وضمير النصب في قوله‏:‏ ‏{‏يجزاه‏}‏ عائد إلى السعي، أي يجزى عليه، أو يجزى به فحذف حرف الجر ونصب على نزع الخافض فقد كثر أن يقال‏:‏ جزاهُ عَمَله، وأصله‏:‏ جزاه على عمله أو جزاه بعمله‏.‏
والأوفى‏:‏ اسم تفضيل من الوفاء وهو التمام والكمال، والتفضيل مستعمل هنا في القوة، وليس المراد تفضيله على غيره‏.‏ والمعنى‏:‏ أن الجَزاء على الفعل من حَسن أو سيء موافق للمجزيِّ عليه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 173‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 109‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏ووجد الله عنده فوفاه حسابه‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 39‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 63‏]‏‏.‏
وانتصب ‏{‏الجزاء الأوفى‏}‏ على المفعول المطلق المبين للنوع‏.‏
وقد حكى الله عن إبراهيم ‏{‏ولا تخزني يوم يبعثون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 87‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏
‏{‏وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ‏(‏42‏)‏‏}‏
القول في موقعها كالقول في موقع جملة ‏{‏وأن سعيه سوف يرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 40‏]‏ سواءً، فيجوز أن تكون هذه الجملة معطوفة على جملة ‏{‏وأن سعيه سوف يرى‏}‏ فتكون تتمة لما في صحف موسى وإبراهيم، ويكونَ الخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏إلى ربك‏}‏ التفاتاً من الغيبة إلى الخطاب والمخاطب غيرُ معينّ فكأنه قيل‏:‏ وأن إلى ربه المنتهى، وقد يكون نظيرها من كلام إبراهيم ما حكاه الله عنه بقوله‏:‏ ‏{‏وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 99‏]‏‏.‏
ويجوز أنها ليست مما اشتملت عليه صحف موسى وإبراهيم ويكون عطفُها عطفَ مفرد على مفرد، فيكون المصدر المنسبك من ‏{‏أنّ‏}‏ ومعمولها مدخولاً للباء، أي لم ينبأ بأن إلى ربك المنتهى، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وعليه فلا نتطلب لها نظيراً من كلام إبراهيم عليه السلام‏.‏
ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى حكمه المحض الذي لا تلابسه أحكامٌ هي في الظاهر من تصرفات المخلوقات مما هو شأن أمور الدنيا، فالكلام على حذف مضاف دل عليه السياق‏.‏
والتعبير عن الله بلفظ ‏{‏ربك‏}‏ تشريف للنبيء صلى الله عليه وسلم وتعريض بالتهديد لمكذبيه لأن شأن الرب الدفاع عن مربوبه‏.‏
وفي الآية معنى آخر وهو أن يكون المنتهى مجازاً عن انتهاء السير، بمعنى الوقوف، لأن الوقوف انتهاء سير السائر، ويكون الوقوف تمثيلاً لحال المطيع لأمر الله تشبيهاً لأمر الله بالحَد الذي تحدد به الحَوائط على نحو قول أبي الشيص‏:‏
وقَف الهوى بي حيث أنتتِ فليس لي *** متَأَخَّر عنه ولا مُتَقَدم
كما عبر عن هذا المعنى بالوقوف عند الحد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 229‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ التحذير من المخالفة لما أَمَر الله ونَهى‏.‏
وفي الآية معنى ثالث وهو انتهاء دلالة الموجودات على وجودِ الله ووحدانيتِه لأن الناظر إلى الكائنات يعلم أن وجودها ممكن غير واجب فلا بد لها من موجود، فإذا خَيَّلت الوسوسة للناظر أن يفرض للكائنات موجداً مما يبدو له من نحو الشمس أو القمر أو النار لما يرى فيها من عِظم الفاعلية، لم يلبَث أن يظهر له أن ذلك المفروض لا يخلو عن تَغير يدل على حدوثه فلا بد له من مُحدث أوْجَدَهُ فإذا ذهب الخيال يسلسل مفروضات الإِلهية ‏(‏كما في قصة إبراهيم ‏{‏فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 76‏]‏ الآيات‏)‏ لم يجد العقل بُداً من الانتهاء إلى وجوب وُجودِ صَانع لممكنات كلها، وجودُه غيرُ ممكن بل واجب، وأن يكون متصفاً بصفات الكمال وهو الإِله الحق، فالله هو المنتهى الذي ينتهي إليه استدلال العقل، ثم إذا لاح له دليل وجود الخالق وأفضى به إلى إثبات أنه واحد لأنه لو كان متعدّداً لكان كلٌّ من المتعدد غيرَ كامل الإِلهية إذ لا يتصرف أحد المتعدِد فيما قد تصرف فيه الآخر، فكان كل واحد محتاجاً إلى الآخر ليرضى بإقراره على إيجاد ما أوجده، وإلا لقدر على نقض ما فعله، فيلزم أن يكون كل واحد من المتعدد محتاجاً إلى من يسمح له بالتصرف، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 91‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 42‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 22‏]‏ فانتهى العقل لا محالة إلى منتهى‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏
‏{‏وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ‏(‏43‏)‏‏}‏
انتقال من الاعتبار بأحوال الآخرة إلى الاعتبار بأحوال الحياة الدنيا وضمير ‏{‏هو‏}‏ عائد إلى ‏{‏ربك‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏وأن إلى ربك المنتهى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 42‏]‏‏.‏
والضحك‏:‏ أثر سرور النفس، والبكاء‏:‏ أثر الحزن، وكل من الضحك والبكاء من خواص الإِنسان وكلاهما خلق عجيب دال على انفعال عظيم في النفس‏.‏
وليس لبقية الحيوان ضحك ولا بكاء وما ورد من إطلاق ذلك على الحيوان فهو كالتخيل أو التشبيه كقول النابغة‏:‏
بكاء حماقة تدعو هَديلا *** مطوقة على فنن تغني
ولا يخلو الإِنسان من حالي حزن وسرور لأنه إذا لم يكن حزيناً مغموماً كان مسروراً لأن الله خلق السرور والانشراح ملازماً للإِنسان بسبب سلامة مزاجه وإدراكه لأنه إذا كان سالماً كان نشيط الأعصاب وذلك النشاط تنشأ عنه المسرة في الجملة وإن كانت متفاوتة في الضعف والقوة، فذكر الضحك والبكاء يفيد الإحاطة بأحوال الإِنسان بإيجاز ويرمز إلى أسباب الفرح والحزن ويذكر بالصانع الحكيم، ويبشر إلى أن الله هو المتصرف في الإنسان لأنه خلق أسباب فرحه ونكده وألهمه إلى اجتلاب ذلك بما في مقدوره وجعل حداً عظيماً من ذلك خارجاً عن مقدور الإِنسان وذلك لا يمتري فيه أحد إذا تأمل وفيه ما يرشد إلى الإِقبال على طاعة الله والتضرع إليه ليقدّر للناس أسباب الفرح، ويدفع عنهم أسباب الحزن وإنما جرى ذكر هذا في هذا المقام لمناسبة أن الجزاء الأوفى لسعي الناس‏:‏ بعضه سارٌّ لفريق وبعضه محزن لفريق آخر‏.‏
وأفاد ضمير الفصل قصراً لصفة خلق أسباب الضحك والبكاء على الله تعالى لإِبطال الشريك في التصرف فتبطل الشركة في الإِلهية، وهو قصر إفراد لأن المقصود نفي تصرف غير الله تعالى وإن كان هذا القصر بالنظر إلى نفس الأمر قصراً حقيقياً لإِبطال اعتقاد أن الدهر متصرف‏.‏
وإسناد الإِضحاك والإِبكاء إلى الله تعالى لأنه خالق قوتي الضحك والبكاء في الإِنسان، وذلك خلق عجيب ولأنه خالق طبائع الموجودات التي تجلب أسباب الضحك والبكاء من سرور وحزن‏.‏
ولم يذكر مفعول ‏{‏أضحك وأبكى‏}‏ لأن القصد إلى الفعلين لا إلى مفعوليهما فالفعلان منزلان منزلة اللازم، أي أوجد الضحك والبكاء‏.‏
ولما كان هذا الغرض من إثبات انفراد الله تعالى بالتصرف في الإِنسان بما يجده الناس في أحوال أنفسهم من خروج أسباب الضحك والبكاء عن قدرتهم تعين أن المراد‏:‏ أضحك وأبكى في الدنيا، ولا علاقة لهذا بالمسرة والحزن الحاصلين في الآخرة‏.‏
وفي الاعتبار بخلق الشيء وضده إشارة إلى دقائق حكمة الله تعالى‏.‏
وفي هذه الآية محسن الطباق بين الضحك والبكاء وهما ضدان‏.‏
وتقديم الضحك على البكاء لأن فيه امتناناً بزيادة التنبيه على القدرة وحصل بذلك مراعاة الفاصلة‏.‏
وموقع هذه الجملة في عطفها مثل موقع جملة ‏{‏وأن سعيه سوف يرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 40‏]‏ في الاحتمالين، فإن كانت مما شملته صحف إبراهيم كانت حكاية لقوله‏:‏ ‏{‏وإذا مرضت فهو يشفين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 80‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏
‏{‏وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ‏(‏44‏)‏‏}‏
انتقل من الاعتبار بانفراد الله بالقدرة على إيجاد أسباب المسرة والحزن وهما حالتان لا تخلو عن إحداهما نفس الإِنسان إلى العبرة بانفراده تعالى بالقدرة على الإِحياء والإِماتة، وهما حالتان لا يخلو الإِنسان عن إحداهما فإن الإِنسان أول وجوده نطفة ميتة ثم علقة ثم مضغة ‏(‏قطعة ميتة وإن كانت فيها مادة الحياة إلا أنها لم تبرز مظاهر الحياة فيها‏)‏ ثم ينفخ فيه الروح فيصير إلى حياة وذلك بتدبير الله تعالى وقدرته‏.‏
ولعل المقصود هو العبرة بالإِماتة لأنها أوضح عبرة وللرد عليهم قولهم‏:‏ ‏{‏وما يهلكنا إلا الدهر‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 24‏]‏، وأن عطف ‏{‏وأحيا تتميم واحتراس كما في قوله‏:‏ ‏{‏الذي خلق الموت والحياة‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 2‏]‏‏.‏ ولذلك قدم ‏{‏أمات على أحيا‏}‏ مع الرعاية على الفاصلة كما تقدم في ‏{‏أضحك وأبكى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 43‏]‏‏.‏
وموقع الجملة كموقع جملة ‏{‏وأن سعيه سوف يرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 40‏]‏‏.‏ فإن كان مضمونها مما شملته صحف إبراهيم كان المحكي بها من كلام إبراهيم ما حكاه الله عنه بقوله‏:‏ ‏{‏والذي يميتني ثم يحيين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 81‏]‏‏.‏
وفعلا ‏{‏أمات وأحيا‏}‏ منزلان منزلة اللازم كما تقدم في قوله‏:‏ ‏{‏وأنه هو أضحك وأبكى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 43‏]‏ إظهاراً لبديع القدرة على هذا الصنع الحكيم مع التعريض بالاستدلال على كيفية البعث وإمكانه حيث أحاله المشركون، وشاهدُه في خلق أنفسهم‏.‏
وضمير الفصل للقصر على نحو قوله‏:‏ ‏{‏وأنه هو أضحك وأبكى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 43‏]‏ رداً على أهل الجاهلية الذين يسندون الإِحياء والإِماتة إلى الدهر فقالوا ‏{‏وما يهلكنا إلا الدهر‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 24‏]‏‏.‏ فليس المراد الحياة الآخرة لأن المتحدث عنهم لا يؤمنون بها، ولأنها مستقبلة والمتحدث عنه ماض‏.‏
وفي هذه الآية محسن الطباق أيضاً لما بين الحياة والموت من التضاد‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 46‏]‏
‏{‏وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏(‏45‏)‏ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ‏(‏46‏)‏‏}‏
هذه الآية وإن كانت مستقلة بإفادة أن الله خالق الأزواج من الإِنسان خلقاً بديعاً من نطفة فيصير إلى خصائص نوعه وحسبك بنوع الإِنسان تفكيراً أو مقدرة وعملاً، وذلك ما لا يجهله المخاطبون فما كان ذَكره إلا تمهيداً وتوطئة لقوله‏:‏ ‏{‏وأن عليه النشاة الأخرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 47‏]‏ على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كما بدأنا أول خلق نعيده‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 104‏]‏ وباعتبار استقلالها بالدلالة على عجيب تكوين نسل الإِنسان، عُطفت عليها جملة ‏{‏وأن عليه النشأة الأخرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 47‏]‏ وإلا لكان مقتضى الظاهر أن يقال‏:‏ إنَّ عليه النشأة الأخرى بدون عطف وبكسر همزة ‏(‏إنّ‏)‏‏.‏
ومناسبة الانتقال إلى هذه الجملة أن فيها كيفية ابتداء الحياة‏.‏
والمراد بالزوجين‏:‏ الذكر والأنثى من خصوص الإِنسان لأن سياق الكلام للاعتبار ببديع صنع الله وذلك أشد اتفاقاً في خلقة الإِنسان، ولأن اعتبار الناس بما في أحوال أنفسهم أقرب وأمكن ولأن بعض الأزواج من الذكور والإِناث لا يتخلق من نطفة بل من بَيْض وغيره‏.‏
ولعل وجه ذكر الزوجين والبدل منه ‏{‏الذكر والأنثى‏}‏ دون أن يقول‏:‏ وأنه خلقه، أي الإِنسان من نطفة، كما قال‏:‏ ‏{‏فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق‏}‏ ‏[‏الطارق‏:‏ 5، 6‏]‏ الآية أمران‏:‏
أحدهما‏:‏ إدماج الامتنان في أثناء ذكر الانفراد بالخلق بنعمة أن خلق لكل إنسان زوجه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 21‏]‏ الآية‏.‏
الثاني‏:‏ الإِشارة إلى أن لكلا الزوجين حظاً من النطفة التي منها يخلق الإِنسان فكانت للذكر نطفة وللمرأة نطفة كما ورد في الحديث الصحيح أنه «إذا سبق ماء الرجل أشبه المولود أباه وإن سبق ماء المرأة أشبه المولود أمه» وبهذا يظهر أن لكل من الذكر والأنثى نطفة وإن كان المتعارف عند الناس قبل القرآن أن النطفة هي ماء الرجل إلا أن القرآن يخاطب الناس بما يفهمون ويشير إلى ما لا يعلمون إلى أن يفهمه المتدبرون‏.‏ وحسبك ما وقع بيانه بالحديث المذكور آنفاً‏.‏
والنطفة‏:‏ فُعلة مشتقة من‏:‏ نطفَ الماءُ، إذا قطر، فالنطفة ماء قليل وسمي ما منه النسل نطفة بمعنى منطوف، أي مصبوب فماء الرجل مصبوب، وماء المرأة أيضاً مصبوب فإن ماء المرأة يخرج مع بويضة دقيقة تتسرب مع دم الحيض وتستقر في كيس دقيق فإذا باشر الذكر الأنثى انحدرت تلك البيضة من الأنثى واختلطت مع ماء الذكر في قرارة الرحم‏.‏
و ‏{‏مِن‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏من نطفة‏}‏ ابتدائية فإن خَلق الإِنسان آتٍ وناشئ بواسطة النطفة، فإذا تكونت النطفة وأُمنيت ابتدأ خلق الإِنسان‏.‏
و ‏{‏تمنى‏}‏ تُدْفق وفسروه بمعنى تقذف أيضاً‏.‏
وقيل إن ‏{‏تمنى‏}‏ بمعنى تُراق، وجعلوا تسمية الوادي الذي بقرب مكة منى لأنه تراق به دماء البُدْن من الهدايا‏.‏ ولم يذكر أهل اللغة في معاني مني أو أمنى أن منها الإِراقة‏.‏
وهذا من مشكلات اللغة‏.‏
ثم إن ‏{‏تمنى‏}‏ يحتمل أنه مضارع أَمنى بهمزة التعدية وسقطت في المضارع فَوَزْنُهُ تُأَفْعَل، ويحتمل أنه مضارع مَنى مثل رَمَى فوزنه‏:‏ تُفْعَل‏.‏
وبني فعل ‏{‏تمنى‏}‏ إلى المجهول لأن النطفة تدفعها قوة طبيعية في الجسم خفية فكان فاعل الإِمناء مجهولاً لعدم ظهوره‏.‏
وعن الأخفش ‏{‏تمنى‏}‏ تقدّر، يقال‏:‏ منى الماني، أي قَدَّر المقدر‏.‏ والمعنى‏:‏ إذا قُدر لها، أي قدر لها أن تكون مخلَّقة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مخلقة وغير مخلقة‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 5‏]‏‏.‏
والتقييد ب ‏{‏إذا تمنى‏}‏ لما في اسم الزمان من الإِيذان بسرعة الخَلق عند دفق النطفة في رحم المرأة فإنه عند التقاء النطفتين يبتدئ تخلق النسل فهذا إشارة خفية إلى أن البويضة التي هي نطفة المرأة حاصلة في الرحم فإذا أُمنيت عليها نطفة الذكر أخذت في التخلق إذا لم يعقها عائق‏.‏
ثم لما في فعل ‏{‏تمنى‏}‏ من الإِشارة إلى أن النطفة تقطر وتصب على شيء آخر لأن الصب يقتضي مصبوباً عليه فيشير إلى أن التخلق إنما يحصل من انصباب النطفة على أخرى، فعند اختلاط الماءين يحصل تخلق النسل فهذا سر التقييد بقوله‏:‏ ‏{‏إذا تمنى‏}‏‏.‏
وفي الجمع بين الذكر والأنثى محسِّن الطباق لما بين الذكر والأنثى من شبه التضاد‏.‏
ولم يؤت في هذه الجملة بضمير الفصل كما في اللتين قبلها لعدم الداعي إلى القصر إذ لا ينازع أحد في أن الله خالق الخلق وموقع جملة ‏{‏وأنه خلق الزوجين‏}‏ إلى آخرها كموقع جملة ‏{‏وأن سعيه سوف يرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 40‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏
‏{‏وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى ‏(‏47‏)‏‏}‏
كان مقتضى الظاهر من التنظير أن يقدم قوله‏:‏ ‏{‏وأنه هو أغنى وأقنى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 48‏]‏ على قوله‏:‏ ‏{‏وأن عليه النشأة الأخرى‏}‏ لما في قوله‏:‏ ‏{‏وأنه هو أغنى وأقنى‏}‏ من الامتنان وإظهار الاقتدار المناسبين لقوله‏:‏ ‏{‏وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 43 45‏]‏ الخ‏.‏ إذ ينتقل من نعمة الخلق إلى نعمة الرزق كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ‏{‏الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 78، 79‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله الذي خلقكم ثم رزقكم‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 40‏]‏ ولكن عدل عن ذلك على طريقة تشبه الاعتراض ليُقرن بين البيانين ذكر قدرته على النشأتين‏.‏
ومما يشابه هذا ما قاله الواحدي في شرح قول المتنبي في سيف الدولة‏:‏
وقفتَ وما في الموت شك لواقف *** كأنك في جن الردى وهو نائم
تَمُرُّ بك الأبطال كلْمَى هَزِيمةً *** ووجهُكَ وَضاء وَثَغرك باسم
أنه لما أنشد هذين البيتين أنكر عليه سيف الدولة تطبيق عَجزي البيتين على صدريْهما وقال‏:‏ ينبغي أن تطبق عجز الأول على الثاني وعجز الثاني على الأول ثم قال له‏:‏ وأنت في هذا مثلُ امرئ القيس في قوله‏:‏
كأني لم أركب جواداً للذة *** ولم أتَبطَّن كاعبا ذات خَلخال
ولم أسبإِ الزق الرويّ ولم أقل *** لخيليَ كُرّي كَرَّة بعد إجفال
ووجه الكلام في البيتين على ما قاله أهل العلم بالشعر أن يكون عجُز الأول على الثاني والثاني على الأول ‏(‏أي مع نقل كلمة ‏(‏لَلذة‏)‏ من صدر الأول إلى الثاني، وكلمة ‏(‏ولم أقل‏)‏ من صدر الثاني إلى الأول ليستقيم الكلام‏)‏ فيكون ركوب الخيل مع الأمر للخيل بالكرّ وسَبْأُ الخمر مع تبطّننِ الكاعب فقال أبو الطيب‏:‏ «أدام الله عز مولانا إن صح أن الذي استدرك هذا على امرئ القيس أعلم منه بالشعر فقد أخطأ أمرؤ القيس وأخطأتُ أنا، ومولانا يعرف أن البزَّاز لا يعرف الثوب معرفة الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف جملته وتفصيله، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد وقَرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وإنما لما ذكرتُ الموت في أول البيت اتبعتُه بذكر الردى ليجانسه، ولما كان وجه المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوساً وعينهُ من أن تكون باكية قلت‏:‏ ووجهك وضاءُ، لأجمع بين الأضداد في المعنى» اه‏.‏
ولو أن أبا الطيب شعر بهذه الآية لذكرها لسيف الدولة فكانت له أقوى حجة من تأويله شعر امرئ القيس‏.‏
وفي جملة ‏{‏وأن عليه النشأة‏}‏ تحقيق لفعله إياها شَبهاً بالحق الواجب على المحقوق به بحيث لا يتخلف فكأنه حق واجب لأن الله وعد بحصول بما اقتضته الحكمة الإِلهية لظهور أن الله لا يكرهه شيء، فالمعنى‏:‏ أن الله أراد النشأة الأخرى كقوله تعالى‏:‏
‏{‏كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 12‏]‏‏.‏
و ‏{‏النشأة‏}‏‏:‏ المرة من الإِنشاء، أي الإِيجاد والخلق‏.‏
و ‏{‏الأخرى‏}‏‏:‏ مؤنث الأخير، أي النشأة التي لا نشأة بعدها، وهي مقابل النشأة الأولى التي يتضمنها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 45‏]‏‏.‏ وهذه المقابلة هي مناسبة ذكر هذه النشأة الأخرى‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏النشأة‏}‏ بوزن الفعلة وهو اسم مصدر أَنشأ، وليس مصدراً، إذ ليس نشأ المجرد بمتعد وإنما يقال‏:‏ أنشأ‏.‏
وقرأها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ‏{‏النشاءة‏}‏ بألف بعد الشين المفتوحة بوزن الفَعالة وهو من أوزان المصادر لكنه مقيس في مصدر الفعل المضموم العين في الماضي نحو الجزالة والفصاحة‏.‏ ولذلك فالنشاءة بالمد مصدر سماعي مثل الكآبة‏.‏ ولعل مدّتَها من قبيل الإشباع مثل قول عنترة‏:‏
ينْبَاع من ذفرَى غَضوب جَسْرة ***
أي‏:‏ ينبع‏.‏
وتقديم الخبر على اسم ‏{‏أن‏}‏ للاهتمام بالتحقيق الذي أفادته ‏(‏على‏)‏ تنبيها على زيادة تحقيقه بعد أن حقق بما في ‏(‏أن‏)‏ من التوكيد‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏
‏{‏وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ‏(‏48‏)‏‏}‏
ومعنى ‏{‏أغنى‏}‏ جَعَل غنِيًّا، أي أعطى ما به الغِنى، والغنى التمكن من الانتفاع بما يحب الانتفاع به‏.‏
ويظهر أن معنى ‏{‏أقنى‏}‏ ضد معنى ‏{‏أغنى‏}‏ رعيا لنظائره التي زاوجت بين الضدين من قوله‏:‏ ‏{‏أضحك وأبكى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 43‏]‏ و‏{‏أمات وأحيا‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 44‏]‏، و‏{‏الذكر والأنثى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 45‏]‏، ولذلك فسره ابن زيد والأخفش وسليمان التميمي بمعنى أرضى‏.‏
وعن مجاهد وقتادة والحسن‏:‏ ‏{‏أقنى‏}‏‏:‏ أخدَم، فيكون مشتقاً من القِنّ وهو العبد أو المولود في الرّق فيكون زيادة على الإِغناء‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏أَقنى‏}‏‏:‏ أعطى القنية‏.‏ وهذا زيادة في الغنى‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ ‏{‏أقنى‏}‏‏:‏ أرضى، أي أرضى الذي أغناه بما أعطاه، أي أغناه حتى أرضاه فيكون زيادة في الامتنان‏.‏
والإِتيان بضمير الفصل لِقصر صفة الإِغناء والإِقناء عليه تعالى دون غيره وهو قصر ادعائي لِمقابلة ذهول الناس عن شكر نعمة الله تعالى بإسنادهم الأرزاق لوسَائله العادية، مع عدم التنبه إلى أن الله أوجد مواد الإِرزاق وأسبابها وصرف موانعها، وهذا نظير ما تقدم من القصر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 2‏]‏‏.‏
وموقع جملة ‏{‏وأنه هو أغنى وأقنى‏}‏ كموقع جملة ‏{‏وأن سعيه سوف يرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 40‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏
‏{‏وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ‏(‏49‏)‏‏}‏
فهذه الجملة لا يجوز اعتبارها معطوفة على جملة ‏{‏ألا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 38‏]‏ إذ لا تصلح لأن تكون مما في صحف موسى وإبراهيم لأن الشعرى لم تعبد في زمن إبراهيم ولا في زمن موسى عليهما السلام فيتعين أن تكون معطوفة على ‏(‏ما‏)‏ الموصولة من قوله ‏{‏بما في صحف موسى وإبراهيم‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 36، 37‏]‏ الخ‏.‏
الشعرى‏:‏ اسم نجم من نجوم برج الجوزاء شديد الضياء ويسمى‏:‏ كَلْب الجَبّار، لأن برج الجوزاء يسمى الجَبّار عند العرب أيضاً، وهو من البروج الربيعية، أي التي تكون مدةُ حلول الشمس فيها هي فصل الربيع‏.‏
وسميت الجوزاء لشدة بياضها في سواد الليل تشبيهاً له بالشاة الجوزاء وهي الشاة السوداء التي وسطها أبيض‏.‏
وبرج الجوزاء ذو كواكب كثيرة ولكثير منها أسماء خاصة والعرب يتخيلون مجموع نجومها في صورة رجل واقف بيده عصا وعلى وسطه سيف، فلذلك سموه الجَبّار‏.‏ وربما تخيّلوها صورة امرأة فيطلقون على وسطها اسم المنطقة‏.‏
ولم أقف على وجه تسميتها الشِّعرى، وسُميتْ كَلْب الجَبّار تخيلوا الجبار صائداً والشعرى يتبعه كالكلب وربما سمّوا الشعرى يَد الجوزاء، وهو أبهر نجم برج الجوزاء، وتوصف الشعرى باليمانيَة لأنها إلى جهة اليمن‏.‏ وتوصف بالعبور ‏(‏بفتح العين‏)‏ لأنهم يزعمون أنها زَوج كوكب سُهيل وأنهما كانا متصلين وأن سُهيلاً انحدر نحو اليَمن فتبعته الشِعرى وعَبَرت نهر المَجَرة، فلذلك وصفت بالعَبور فَعول بمعنى فاعلة، وهو احتراز عن كوكب آخر ليس من كواكب الجوزاء يسمونه الشِعرى الفُمَيْصَاء ‏(‏بالغين المعجمة والصاد المهملة بصيغة تصغير‏)‏ وذكروا لتسميته قصة‏.‏
والشعرى تسمى المِرزم ‏(‏كمنبر‏)‏ ويقال‏:‏ مرزم الجوزاء لأن نوءه يأتي بمطر بارد في فصل الشتاء فاشتق له اسم آلة الرَّزم وهو شدة البرد ‏(‏فإنهم كنَّوا ريح الشّمال أمَّ رِزَم‏)‏‏.‏
وكان كوكب الشعرى عبدتْه خزاعة والذي سنّ عبادته رجل من سادة خزاعة يكنَى أبا كبشة‏.‏ واختلف في اسمه ففي «تاج العروس» عن الكلبي أن اسمه جَزْء ‏(‏بجيم وزاي وهمزة‏)‏‏.‏ وعن الدارقطني أنه وَجز ‏(‏بواو وجيم وزاي‏)‏ بن غالب بن عامر بن الحارث بن غُبشان كذا في «التاج»، والذي في «جمهرة ابن حزم» أن الحارث هو غُبشان الخزاعي‏.‏ ومنهم من قال‏:‏ إن اسم أبي كبشة عَبْد الشِعرى‏.‏ ولا أحسب إلا أن هذا وصفٌ غلب عليه بعد أن اتخذ الشِّعرى معبوداً له ولقومه، ولم يعرج ابن حزم في «الجمهرة» على ذكر أبي كَبشة‏.‏
والذي عليه الجمهور أن الشّعرى لم يعبدها من قبائل العرب إلاّ خزاعة‏.‏ وفي «تفسير القرطبي» عن السدّي أن حمير عبدوا الشعرى‏.‏
وكانت قريش تدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا كبشة خيل لمخالفته إياهم في عبادة الأصنام، وكانوا يصفونه بابن أبي كبشة‏.‏
قيل لأن أبا كبشة كان من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من قبِل أمه يُعرِّضون أو يموّهون على دهمائهم بأنه يدعو إلى عبادة الشِعرى يريدون التغطية على الدعوة إلى توحيد الله تعالى فمن ذلك قولهم لما أراهم انشقاق القمر «سَحركم ابن أبي كبشة» وقول أبي سفيان للنفر الذين كانوا معه في حضرة هرقل «لقد أمِرَ أَمْر ابن أبي كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر»‏.‏
قال ابن أبي الأصبع «في هذه الآية من البديع محسن التنكيت وهو أن يقصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره مما يسده مسد لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنه هو رب الشعرَى‏}‏ خَص الشعرى بالذكر دون غيرها من النجوم لأن العرب كان ظهر فيهم رجل يعرف بأبي كبشة عبدَ الشعرى ودعا خلقاً إلى عبادتها»‏.‏
وتخصيص الشعرى بالذكر في هاته السورة أنه تقدم ذكر اللاّت والعزَّى ومناة وهي معبودات وهمية لا مسميات لها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن هي إلا أسماء سميتموها‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 23‏]‏ وأعقبها بإبطال إلهية الملائكة وهي من الموجودات المجردات الخفية، أعقب ذلك بإبطال عبادة الكواكب وخزاعة أجوار لأهل مكة فلما عبدوا الشعرى ظهرت عبادة الكواكب في الحجاز، وإثبات أنها مخلوقة لله تعالى دليل على إبطال إلهيتها لأن المخلوق لا يكون إلهاً، وذلك مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 37‏]‏ مع ما في لفظ الشعرى من مناسبة فواصل هذه السورة‏.‏
والإِتيان بضمير الفصل يفيد قصر مربوبية الشعرى على الله تعالى وذلك كناية عن كونه رب ما يعتقدون أنه من تصرفات الشعرى، أي هو رب تلك الآثار ومقدرها وليست الشعرى ربة تلك الآثار المسندة إليها في مزاعمهم، وليس لِقصر كون رب الشعرى على الله تعالى دون غيره لأنهم لم يعتقدوا أن للشعرى ربّاً غير الله ضرورة أن منهم من يزعم أن الشعرى ربة معبودةٌ ومنهم من يعتقد أنها تتصرف بقطع النظر عن صفتها‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 52‏]‏
‏{‏وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ‏(‏50‏)‏ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ‏(‏51‏)‏ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ‏(‏52‏)‏‏}‏
لما استُوفي ما يستحقه مقام النداء على باطل أهل الشرك من تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وطعنهم في القرآن، ومن عبادة الأصنام، وقولهم في الملائكة، وفاسد معتقدهم في أمور الآخرة، وفي المتصرف في الدنيا، وكان معظم شأنهم في هذه الضلالات شبيهاً بشأن أمم الشرك البائدة نقل الكلام إلى تهديدهم بخوف أن يحل بهم ما حل بتلك الأمم البائدة فذكر من تلك الأمم أشهرها عند العرب وهم‏:‏ عاد، وثمود، وقوم نوح، وقوم لوط‏.‏
فموقع هذه الجملة كموقع الجمل التي قبلها في احتمال كونها زائدة على ما في صحف موسى وإبراهيم ويحتمل كونُها مما شملته الصحف المذكورة فإن إبراهيم كان بعد عاد وثمود وقوم نوح، وكان معاصراً للمؤتفكة عالماً بهلاكها‏.‏
ولكون هلاك هؤلاء معلوماً لم تقرن الجملة بضمير الفصل‏.‏
ووصف عاد ب ‏{‏الأولى‏}‏ على اعتبار عاد اسماً للقبيلة كما هو ظاهر‏.‏ ومعنى كونها أولى لأنها أول العرب ذكراً وهم أول العرب البائدة وهم أول أمة أهلكت بعد قوم نوح‏.‏
وأما القول بأن عاداً هذه لما هلكت خلفتها أمة أخرى تُعرف بعاد إرم أو عاد الثانية كانت في زمن العماليق فليس بصحيح‏.‏
ويجوز أن يكون ‏{‏الأولى‏}‏ وصفاً كاشفاً، أي عاداً السابقة‏.‏ وقيل ‏{‏الأولى‏}‏ صفة عظمة، أي الأولى في مراتب الأمم قوة وسعة، وتقدم التعريف بعاد في سورة الأعراف‏.‏
وتقدم ذكر ثمود في سورة الأعراف أيضاً‏.‏
وتقدم ذكر نوح وقومه في سورة آل عمران وفي سورة الأعراف‏.‏
وإنما قدم في الآية ذكر عاد وثمود على ذكر قوم نوح مع أن هؤلاء أسبق لأن عاداً وثموداً أشهر في العرب وأكثر ذكراً بينهم وديارهم في بلاد العرب‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏عاداً الأولى‏}‏ بإظهار تنوين ‏{‏عاداً‏}‏ وتحقيق همزة ‏{‏الأولى‏}‏‏.‏ وقرأ ورش عن نافع وأبو عمرو ‏{‏عاد لُولى‏}‏ بحذف همزة ‏(‏الأولى‏)‏ بعد نقل حركتها إلى اللام المعرِّفة وإدغام نون التنوين من ‏{‏عاداً‏}‏ في لاَم ‏{‏لُولى‏}‏‏.‏ وقرأه قالون عن نافع بإسكان همزة ‏{‏الأولى‏}‏ بعد نقل حركتها إلى اللام المعرِفة ‏(‏عاد لُؤْلى‏)‏ على لغة من يبدل الواو الناشئة عن إشباع الضمة همزاً، كما قرئ ‏{‏فاستوى على سؤقه‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 29‏]‏‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏وثموداً‏}‏ بالتنوين على إطلاق اسم جد القبيلة عليها‏.‏ وقرأه عاصم وحمزة بدون تنوين على إرادة اسم القبيلة‏.‏
وجملة ‏{‏إنهم كانوا هم أظلم وأطغى‏}‏ تعليل لجملة ‏{‏أهلك عاداً‏}‏ إلى آخرها، وضمير الجمع في ‏{‏إنهم كانوا‏}‏ يجوز أن يعود إلى قوم نوح، أي كانوا أظلم وأطغى من عاد وثمود‏.‏ ويجوز أن يكون عائداً إلى عاد وثمود وقوم نوح والمعنى‏:‏ إنهم أظلم وأطغى من قومك الذين كذبوك فتكون تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الرسل من قبله لقُوا من أممهم أشد مما لقيه محمد صلى الله عليه وسلم وفيه إيماء إلى أن الله مبق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يهلكها لأنه قدّر دخول بقيتها في الإسلام ثم أبنائها‏.‏
وضمير الفصل في قوله ‏{‏كانوا هم أظلم‏}‏ لتقوية الخبر‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 54‏]‏
‏{‏وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ‏(‏53‏)‏ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ‏(‏54‏)‏‏}‏
والمؤتفكة صفة لموصوف محذوف يدل عليه اشتقاق الوصف كما سيأتي، والتقدير‏:‏ القرى المؤتفكة، وهي قرى قوم لوط الأربعُ وهي ‏(‏سَدوم‏)‏ و‏(‏عُمورة‏)‏ و‏(‏آدمة‏)‏ و‏(‏صبوييم‏)‏‏.‏ ووصفت في سورة براءة ‏(‏70‏)‏ بالمؤتفِكات لأن وصف جمع المؤنث يجوز أن يجمع وأن يكون بصيغة المفرد المؤنث‏.‏ وقد صار هذا الوصف غالباً عليها بالغلبة‏.‏
وذكرت القرى باعتبار ما فيها من السكان تفنناً ومراعاة للفواصل‏.‏
ويجوز أن تكون المؤتفكة هنا وصفاً للأمة، أي لأمة لوط ليكون نظيراً لذكر عاد وثمود وقوم نوح كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة‏}‏ في سورة الحاقة ‏(‏9‏)‏‏.‏ والائتفاك‏:‏ الانقلاب، يقال‏:‏ أفكها فاتفكت‏.‏ والمعنى‏:‏ التي خسف بها فجعل عاليها سافلها، وقد تقدم ذكرها في سورة براءة‏.‏
وانتصب المؤتفكة‏}‏ مفعول ‏{‏أهوى‏}‏ أي أسقط أي جعلها هاوية‏.‏
والإِهواء‏:‏ الإِسقاط، يقال‏:‏ أهواه فهوَى، ومعنى ذلك‏:‏ أنه رفعها في الجو ثم سقطت أو أسقطها في باطن الأرض وذلك من أثر زلازل وانفجارات أرضية بركانية‏.‏
ولكون ‏{‏المؤتفة‏}‏ عَلَما انتفى أن يكون بين ‏{‏المؤتفكة‏}‏ و‏{‏أهوى‏}‏ تكرير‏.‏ وتقديم المفعول للاهتمام بعبرة انقلابها‏.‏
وغشاها‏:‏ غطاها وأصابها من أعلَى‏.‏
و ‏{‏ما غشى‏}‏ فاعل ‏{‏غشّاها‏}‏، و‏(‏ما‏)‏ موصولة، وجيء بصلتها من مادة وصيغة الفعل الذي أسند إليها، وذلك لا يفيد خبراً جديداً زائداً على مفاد الفعل‏.‏
والمقصود منه التهويل كأنَّ المتكلم أراد أن يبين بالموصول والصلة وصف فاعل الفعل فلم يجد لبيانه أكثر من إعادة الفعل إذ لا يستطاع وصفه‏.‏ والذي غشاها هو مَطر من الحجارة المحماة، وهي حجارة بركانية قذفت من فوهات كالآبار كانت في بلادهم ولم تكن ملتهبة من قبل قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 40‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وأمطرنا عليها حجارة من سجيل‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 82‏]‏‏.‏ وفاضت عليها مياه غمرت بلادهم فأصبحت بحراً ميتاً‏.‏
وأفاد العطف بفاء التعقيب في قوله‏:‏ ‏{‏فغشاها‏}‏ إن ذلك كان بعقب أهوائها‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏55‏]‏
‏{‏فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ‏(‏55‏)‏‏}‏
تفريعُ فذلكةٍ لما ذُكر من أول السورة‏:‏ مما يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كقوله‏:‏ ‏{‏ما ضل صاحبكم وما غوى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏لقد رأى من آيات ربه الكبرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 2 18‏]‏‏.‏ ومما يشمله ويشمل غيره من قوله‏:‏ ‏{‏وأنه هو أضحك وأبكى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏هو رب الشعرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 43 49‏]‏ فإن ذلك خليط من نِعَممٍ وضدها على نوع الإنسان وفي مجموعها نعمة تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته بمنافع الاعتبار بصنع الله‏.‏ ثم من قوله‏:‏ ‏{‏وأنه أهلك عاداً‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 50‏]‏ إلى هنا‏.‏ فتلك نقم من الضالين والظالمين لنصر رسل الله، وذلك نعمة على جميع الرسل ونعمة خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم وهي بشارته بأن الله سينصره، فجميع ما عدد من النعم على أقوام والنقم عن آخرين هو نعم محضة للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين‏.‏
و ‏(‏أي‏)‏ اسم استفهام يطلب به تمييز متشارك في أمر يعم بما يميز البعض عن البقية من حال يختص به مستعمل هنا في التسوية كناية عن تساوي ما عُدد من الأمور في أنها نعم على الرسول صلى الله عليه وسلم إذ ليس لواحد من هذه المعدودات نقص عن نظائره في النعمة كقول فاطمة بنت الخرشُب ‏[‏وقَد سُئلت‏:‏ أيّ بنيكِ أفضل‏]‏ «ثَكِلتهُم إن كنتُ أدرى أيهم أفضل»، أي إن كنت أدري جواب هذا السؤال، وكقول الأعشى‏:‏
بأشجعَ أخَّاذ على الدهر حكمه *** فمن أي ما تأتي الحوادث أفرق
والمقصود من هذا الاستفهام تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بهذه النعم‏.‏
فالمعنى أنك لا تحصل لك مِرْيَة في واحدة من آلاء ربك فإنها سواء في الإِنعام، والخطاب بقوله‏:‏ ‏{‏ربك‏}‏ الأظهر أنه للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو المناسب لذكر الآلاء والموافق لإِضافة ‏(‏رب‏)‏ إلى ضمير المفرد المخاطب في عُرف القرآن‏.‏
وجوزوا أن يكون الخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏فبأي آلاء ربك‏}‏ لغير معين من الناس، أي المكذبين أي باعتبار أنه لا يخلو شيء مما عدد سابقاً عن نعمة لبعض الناس أو باعتبار عدم تخصيص الآلاء بما سبق ذكره بل المراد جنس الآلاء كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبأي آلاء ربكما تكذبان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 16‏]‏‏.‏
والآلاء‏:‏ النعم، وهو جمع مفردُه‏:‏ إلىً، بكسر الهمزة وبفتحها مع فتح اللام مقصوراً، ويقال‏:‏ إِلىً، وأَلْي، بسكون اللام فيهما وآخره ياء متحركة، ويقال‏:‏ ألْو، بهمز مفتوحة بعدها لام ساكنة وآخره واو متحركة مثل‏:‏ دلو‏.‏
والتماري‏:‏ التشكك وهو تفاعل من المرية فإن كان الخطاب بقوله‏:‏ ‏{‏ربك‏}‏ للنبيء صلى الله عليه وسلم كان ‏{‏تتمارى‏}‏ مُطاوع مَارَاه مثل التدَافع مطاوع دَفع في قول المنخِّل‏:‏
فدفعتُها فتدافَعَتْ *** مَشْيَ القَطاة إلى الغَدِير
والمعنى‏:‏ فبأي آلاء ربك يشككونك، وهذا ينظر إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفتمارونه على ما يرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 12‏]‏، أي لا يستطيعون أن يشككوك في حصول آلاء ربك التي هي نعم النبوءة والتي منها رؤيتُه جبريل عند سدرة المنتهى‏.‏ فالكلام مسوق لتأييس المشركين من الطمع في الكف عنهم‏.‏
وإن كان الخطاب لغير معين كان ‏{‏تتمارى‏}‏ تفاعلاً مستعملاً في المبالغة في حصول الفعل، ولا يعرف فعل مجرد للمراء، وإنما يقال‏:‏ امْترى، إذا شك‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏56‏]‏
‏{‏هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى ‏(‏56‏)‏‏}‏
استئناف ابتدائي أو فذلكةٌ لما تقدم على اختلاف الاعتبارين في مرجع اسم الإِشارة فإن جعلتَ اسم الإِشارة راجعاً إلى القرآن فإنه لحضوره في الأذهان ينزل منزلة شيء محسوس حاضر بحيث يشار إليه، فالكلام انتقال اقتضابي تنهية لما قبله وابتداءٌ لما بعد اسم الإِشارة على أسلوب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا بلاغ للناس‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 52‏]‏‏.‏
والكلام موجه إلى المخاطبين بمعظم ما في هذه السورة فلذلك اقتصر على وصف الكلام بأنه نذير، دون أن يقول‏:‏ نذير وبشير، كما قال في الآية الأخرى ‏{‏إن أنا إلاّ نذير وبشير لقوم يؤمنون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 188‏]‏‏.‏
والإِنذار بعضه صريح مثل قوله‏:‏ ‏{‏ليجزي الذين أساءوا بما عملوا‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 31‏]‏ الخ، وبعضه تعريض كقوله‏:‏ ‏{‏وأنه أهلك عاداً الأولى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 50‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأن إلى ربك المنتهى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 42‏]‏‏.‏
وإن جعلتَ اسم الإِشارة عائداً إلى ما تقدم من أول السورة بتأويله بالمذكور، أو إلى ما لم ينبأ به الذي تولى وأعطى قليلاً، ابتداءً من قوله‏:‏ ‏{‏أم لم ينبأ بما في صحف موسى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 36‏]‏ إلى هنا على كلا التأويلين المتقدمين، فتكون الإِشارة إلى الكلام المتقدم تنزيلاً لحضوره في السمع منزلة حضوره في المشاهدة بحيث يشار إليه‏.‏
و«النذر» حقيقته المخبر عن حدوث حدث مضرّ بالمخبَر ‏(‏بالفتح‏)‏، وجمعه‏:‏ نُذر، هذا هو الأشهر فيه‏.‏ ولذلك جعل ابن جريج وجمع من المفسرين الإِشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو بعيد‏.‏
ويطلق النذير على الإِنذار وهو خبر المخبِر على طريقة المجاز العقلي‏.‏ قال أبو القاسم الزجاجي‏:‏ يطلق النذير على الإِنذار ‏(‏يريد أنه اسم مصدر‏)‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فستعلمون كيف نذير‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 17‏]‏ أي إنذاري وجمعه نُذر أيضاً، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذبت ثمود بالنذر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 23‏]‏، أي بالمنذِرين‏.‏ وإطلاق نذير على ما هو كلام وهو القرآن أو بعض آياته مجاز عقلي، أو استعارة على رأي جمهور أهل اللغة وهو حقيقة على رأي الزجاجي‏.‏
والمراد بالنذر الأولى‏:‏ السالفة، أي أن معنى هذا الكلام من معاني الشرائع الأولى كقوله النبي‏:‏ ‏"‏ إنّ مما أدرك الناسُ من كلام النبوءة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئتَ ‏"‏ أي من كلام الأنبياء قبل الإِسلام‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏57- 58‏]‏
‏{‏أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ ‏(‏57‏)‏ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ‏(‏58‏)‏‏}‏
تتنزل هذه الجملة من التي قبلها منزلة البيان للإِنذار الذي تضمّنه قوله‏:‏ ‏{‏هذا نذير‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 56‏]‏‏.‏
فالمعنى‏:‏ هذا نذير بآزفة قربت، وفي ذكر فعل القرب فائدة أخرى زائدة على البيان وهي أن هذا المنذَر به دَنا وقته، فإنّ‏:‏ أزف معناه‏:‏ قَرب وحقيقته القرب المكان، واستعير لقرب الزمان لكثرة ما يعاملون الزمان معاملة المكان‏.‏
والتنبيه على قرب المنذر به من كمال الإِنذار للبدار بتجنب الوقوع فيما ينذر به‏.‏
وجيء لفعل ‏{‏أزفت‏}‏ بفاعل من مادة الفعل للتهويل على السامع لتذهب النفس كل مذهب ممكن في تعيين هذه المحادثة التي أزفت، ومعلوم أنها من الأمور المكروهة لورود ذكرها عقب ذكر الإِنذار‏.‏
وتأنيث ‏{‏الأزفة‏}‏ بتأويل الوقعة، أو الحادثة كما يقال‏:‏ نَزلت به نازلة، أو وقعت الواقعة، وغشيته غاشية، والعرب يستعملون التأنيث دلالة على المبالغة في النوع، ولعلهم راعوا أن الأنثى مصدر كثرة النوع‏.‏
والتعريف في ‏{‏الأزفة‏}‏ تعريف الجنس، ومنه زيادة تهويل بتمييز هذا الجنس من بين الأجناس لأن في استحضاره زيادة تهويل لأنه حقيق بالتدبر في المخلَص منه نظير التعريف في ‏{‏الحمد لله‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 2‏]‏، وقولهم‏:‏ أرسلها العِراك‏.‏
والكلام يحتمل آزفة في الدنيا من جنس ما أُهلك به عاد وثمود وقوم نوح فهي استئصالهم يوم بدر، ويحتمل آزفة وهي القيامة‏.‏ وعلى التقديرين فالقرب مراد به التحقق وعدم الانقلاب منها كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اقتربت الساعة‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 1‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 6، 7‏]‏‏.‏
وجملة ‏{‏ليس لها من دون الله كاشفة‏}‏ مستأنفة بيانية أو صفة ل ‏{‏الأزفة‏}‏‏.‏ و‏{‏كاشفة‏}‏ يجوز أن يكون مصدراً بوزن فاعلة كالعافية، وخائنة الأعين، وليس لوقعتها كاذبة‏.‏ والمعنى ليس لها كشف‏.‏
ويجوز أن يكون اسمَ فاعل قرن بهاء التأنيث للمبالغة مثل راوية، وباقعة، وداهية، أي ليس لها كاشف قوي الكشف فضلاً عمن دونه‏.‏
والكشف يجوز أن يكون بمعنى التعرية مراد به الإِزالة مثل ويكشف الضر، وذلك ضد ما يقال‏:‏ غشية الضر‏.‏
فالمعنى‏:‏ لا يستطيع أحد إزالة وعيدها غير الله، وقد أخبر بأنها واقعة بقوله‏:‏ ‏{‏ليس لها من دون الله كاشفة‏}‏ كناية عن تحقق وقوعها‏.‏
ويجوز أن يكون الكشف بمعنى إزالة الخفاء، أي لا يبين وقت الآزفة أحد له قدرة على البيان على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يجليها لوقتها إلا هو‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 187‏]‏‏.‏ فالمعنى‏:‏ أن الله هو العالم بوقتها لا يعلمه أحد إلا إذا شاء أن يطلع عليه أحداً من رسله أو ملائكته‏.‏
و ‏{‏من دون الله‏}‏ أي غير الله، و‏{‏من‏}‏ مزيدة للتوكيد، وهو متعلق بالكون الذي ينوى في خبر ليس قوله‏:‏ ‏{‏لها‏}‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 61‏]‏
‏{‏أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ‏(‏59‏)‏ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ‏(‏60‏)‏ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ‏(‏61‏)‏‏}‏
تفريع على ‏{‏هذا نذير من النذر الأولى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 56‏]‏ وما عطف عليه وبُينّ به من بيان أو صفة، فرع عليه استفهام إنكار وتوبيخ‏.‏
والحديث‏:‏ الكلام والخبر‏.‏
والإِشارة إلى ما ذكر من الإِنذار بأخبار الذين كذبوا الرسل، فالمراد بالحديث بعض القرآن بما في قوله‏:‏ ‏{‏أفبهذا الحديث أنتم مدهنون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 81‏]‏‏.‏
ومعنى العجب هنا الاستبعاد والإِحالة كقوله‏:‏ ‏{‏أتعجبين من أمر الله‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 73‏]‏، أو كناية عن الإنكار‏.‏
والضحك‏:‏ ضحك الاستهزاء‏.‏
والبكاء مستعمل في لاَزمه من خشية الله كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 109‏]‏‏.‏
ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين حيث حلوا بحجر ثمود في غزوة تبوك «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم» أي ضارعين الله أن لا يصيبكم مثل ما أصابهم أو خاشين أن يصيبكم مثل ما أصابهم‏.‏
والمعنى‏:‏ ولا تخشون سوء عذاب الإِشراك فتقلعوا عنه‏.‏
و ‏{‏سامدون‏}‏‏:‏ من السمود وهو ما في المرء من الإِعجاب بالنفس، يقال‏:‏ سمد البعير، إذا رفع رأسه في سيره، مُثل به حال المتكبر المعرض عن النصح المعجب بما هو فيه بحال البعير في نشاطه‏.‏
وقيل السمود‏:‏ الغِناء بلغة حِمْير‏.‏ والمعنى‏:‏ فرحون بأنفسكم تتغنون بالأغاني لقلة الاكتراث بما تسمعون من القرآن كقوله‏:‏ ‏{‏وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 35‏]‏ على أحد تفسيرين‏.‏
وتقديم المجرور للقصر، أي هذا الحديث ليس أهلاً لأن تقابلوه بالضحك والاستهزاء والتكذيب ولا لأن لا يتوب سامعه، أي لو قابلتم بفعلكم كلاماً غيره لكان لكم شبهة في فعلكم، فأمّا مقابلتكم هذا الحديث بما فعلتم فلا عذر لكم فيها‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏62‏]‏
‏{‏فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ‏(‏62‏)‏‏}‏
تفريع على الإِنكار والتوبيخ المفرعين على الإِنذار بالوعيد، فرع عليه أمرهم بالسجود لله لأن ذلك التوبيخ من شأنه أن يعمق في قلوبهم فيكفّهم عما هم فيه من البطر والاستخفاف بالداعي إلى الله‏.‏ ومقتضى تناسق الضمائر أن الخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏فاسجدوا لله واعبدوا‏}‏ موجه إلى المشركين‏.‏
والسجود يجوز أن يراد به الخشية كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والنجم والشجر يسجدان‏}‏ والمعنى‏:‏ أمرهم بالخضوع إلى الله والكف عن تكذيب رسوله وعن إعراضهم عن القرآن لأن ذلك كله استخفاف بحق الله وكان عليهم لما دُعوا إلى الله أن يتدبروا وينظروا في دلائل صدق الرسول والقرآن‏.‏
ويجوز أن يكون المراد سجود الصلاة والأمر به كناية عن الأمر بأن يُسلموا فإن الصلاة شعار الإسلام، ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 42، 43‏]‏، أي من الذين شأنهم الصلاة وقد جاء نظيره الأمر بالركوع في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون‏}‏ في سورة المرسلات ‏(‏48‏)‏ فيجوز فيه المحملان‏.‏
وعطف على ذلك أمرهم بعبادة الله لأنهم إذا خضعوا له حَقَّ الخضوع عبدوه وتركوا عبادة الأصنام وقد كان المشركون يعبدون الأصنام بالطواف حولها ومعرضين عن عبادة الله، ألاَ ترى أنهم عمدوا إلى الكعبة فوضعوا فيها الأصنام ليكون طوافهم بالكعبة طوافاً بما فيها من الأصنام‏.‏
أو المراد‏:‏ واعبدوه العبادة الكاملة وهي التي يُفرد بها لأن إشراك غيره في العبادة التي يستحقها إلا هو كعدم العبادة إذ الإِشراك إخلال كبير بعبادة الله قال تعالى‏:‏ ‏{‏واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 36‏]‏‏.‏
وقد ثبت في الأخبار الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ النجم فسجد فيها أي عند قوله‏:‏ ‏{‏فاسجدوا لله واعبدوا‏}‏ وسجد من كان معه من المسلمين والمشركين إلا شيخاً مشركاً ‏(‏هو أمية بن خلف‏)‏ أخذ كفًّا من تراب أو حصى فرفعه إلى جهته وقال‏:‏ يكفيني هذا‏.‏ وروي أن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود كانا يسجدان عند هذه الآية في القراءة في الصلاة‏.‏
وفي «أحكام» ابن العربي أن ابن عمر سجد فيها، وفي «الصحيحين» و«السنن» عن زيد بن ثابت قال‏:‏ قرأت النجم عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسجد فيها‏.‏ وفي «سنن ابن ماجه» عن أبي الدرداء «سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدَى عشرة سجدة ليس فيها من المفصّل شيء»‏.‏ وعن أبي بن كعب‏:‏ كان آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم ترك السجود في المفصّل‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة، وسورة النجم من المفصَّل‏.‏
واختلف العلماء في السجود عند هذه الآية فقال مالك‏:‏ سجدة النجم ليست من عزائم القرآن ‏(‏أي ليست مما يسنّ السجود عندها‏.‏
هذا مراده بالعزائم وليس المراد أن من سجود القرآن عَزائمَ ومنه غيرُ عزائم ف ‏(‏عزائم‏)‏ وصف كاشف‏)‏ ولم ير سجود القرآن في شيء من المفصل، ووافقه أصحابه عدا ابن وهب قرآها من عزائم السجود، هي وسجدة سورة الانشقاق وسجدة سورة العلق مثل قول أبي حنيفة‏.‏ وفي «المنتقى»‏:‏ أنه قول ابن وهب وابن نافع‏.‏
وقال أبو حنيفة‏:‏ هي من عزائم السجود‏.‏ ونسب ابن العربي في «أحكام القرآن» مثله إلى الشافعي، وهو المعروف في كتب الشافعية والحنابلة‏.‏
وإنما سجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها وإن كان الأمر في قوله‏:‏ ‏{‏فاسجدوا‏}‏ مفرعاً على خطاب المشركين بالتوبيخ، لأن المسلمين أولى بالسجود لله وليعضد الأمر القولي بالفعل ليبادر به المشركون‏.‏ وقد كان ذلك مذكراً للمشركين بالسجود لله فسجدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم نسخ السجود فيها بعد ذلك فلم يروَ عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، ولخبر زيد بن ثابت وأُبي بن كعب وعمل معظم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة‏.‏

سورة القمر
تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏
‏{‏اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ‏(‏1‏)‏‏}‏
من عادة القرآن أن ينتهز الفرصة لإِعادة الموعظة والتذكير حين يتضاءل تعلق النفوس بالدنيا، وتُفكّر فيما بعد الموت وتُعير آذانها لداعي الهدى‏.‏ فتتهيأ لقبول الحق في مظانّ ذلك على تفاوت في استعدادها وكم كان مثل هذا الانتهاز سبباً في إيمان قلوب قاسية، فإذا أظهر الله الآيات على يد رسوله صلى الله عليه وسلم لتأييد صدقه شفع ذلك بإعادة التذكير كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 59‏]‏‏.‏
وجمهورُ المفسرين على أن هذه الآية نزلت شاهدة على المشركين بظهور آية كبرى ومعجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وهي معجزة انشقاق القمر‏.‏ ففي «صحيح البخاري» و«جامع الترمذي» عن أنس بن مالك قال‏:‏ «سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر»‏.‏ زاد الترمذي عنه «فانشق القمر بمكة فِرقتين، فنزلت‏:‏ ‏{‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏سحر مستمر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 2‏]‏‏.‏
وفي رواية الترمذي عن ابن مسعود قال‏:‏ «بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنَى فانشق القمر‏.‏
وظاهره أن ذلك في موسم الحج‏.‏ وفي «سيرة الحلبي» كان ذلك ليلة أربع عشرة ‏(‏أي في آخر ليالي منى ليلة النفْر‏)‏‏.‏ وفيها «اجتمع المشركون بمنى وفيهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، والعاصي بن وائل، والعاصي بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب، وزمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم إن كنتَ صادقاً فشُقّ لنا القمر فرقتين فانشق القمر»‏.‏
والعمدة في هذا التأويل على حديث عبد الله بن مسعود في «الصحيح» قال‏:‏ ‏"‏ انشق القمر ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بِمنى فانشق فرقتين فرقةً فوق الجَبل وفرقة دونه فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا اشهَدوا ‏"‏‏.‏ زاد في رواية الترمذي عنه «يعني ‏{‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏}‏‏.‏ قلت‏:‏ وعن ابن عباس نصفٌ على أبي قُبيس ونصفٌ على قُعَيْقِعَان‏.‏
وروي مثله عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وحذيفةَ بن اليمان وأنس بن مالك وجبير بن مطعم، وهؤلاء لم يشهدوا انشقاق القمر لأن من عدا علياً وابن عباس وابنَ عمر لم يكونوا بمكة ولم يسلموا إلا بعد الهجرة ولكنهم ما تكلموا إلا عن يقين‏.‏
وكثرة رواة هذا الخبر تدل على أنه كان خبراً مستفيضاً‏.‏ وقال في «شرح المواقف»‏:‏ هو متواتر‏.‏ وفي عبارته تسامح لعدم توفر شرط التواتر‏.‏ ومراده‏:‏ أنه مستفيض‏.‏
وظاهر بعض الروايات لحديث ابن مسعود عند الترمذي أن الآية نزلت قبل حصول انشقاق القمر الواقع بمكة لمّا سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أو سألوه انشقاق القمر فأراهم انشقاق القمر وإنما هو انشقاق يحصل عند حلول الساعة‏.‏
وروي هذا عن الحسن وعطاء وهو المعبر عنه بالخسوف في سورة القيامة ‏(‏7، 8‏)‏ ‏{‏فإذا برق البصر وخسف القمر‏}‏ الآية‏.‏
وهذا لا ينافي وقوع انشقاق القمر الذي سأله المشركون ولكنه غير المراد في هذه الآية لكنه مؤوّل بما في روايته عند غير الترمذي‏.‏
ولحديث أنس بن مالك أن الآية نزلت بعد انشقاق القمر‏.‏
وعلى جميع تلك الروايات فانشقاق القمر الذي هو معجزة حصل في الدنيا‏.‏ وفي البخاري عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ «خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة والقَمر والدخان‏.‏ وعن الحسن وعطاء أن انشقاق القمر يكون عند القيامة واختاره القشيري، وروي عن البلخي‏.‏ وقال الماوردي‏:‏ هو قول الجمهور، ولا يعرف ذلك للجمهور‏.‏
وخبر انشقاق القمر معدود في مباحث المعجزات من كتب «السيرة» و«دلائل النبوة»‏.‏
وليس لفظ هذه الآية صريحاً في وقوعه ولكن ظاهر الآية يقتضيه كما في «الشفاء»‏.‏
فإن كان نزول هذه الآية واقعاً بعد حصول الانشقاق كما اقتضاه حديث ابن مسعود في «جامع الترمذي» فتصدير السورة ب ‏{‏اقتربت الساعة‏}‏ للاهتمام بالموعظة كما قدمناه آنفاً إذ قد تقرر المقصود من تصديق المعجزة‏.‏
فجعلت تلك المعجزة وسيلة للتذكير باقتراب الساعة على طريقة الإِدماج بمناسبة أن القمر كائن من الكائنات السماوية ذات النظام المساير لنظام الجو الأرضي فلما حدث تغير في نظامه لم يكن مألوفاً ناسب تنبيه الناس للاعتبار بإمكان اضمحلال هذا العالم، وكان فعل الماضي مستعملاً في حقيقته‏.‏ وروي أن حذيفة بن اليمان قرأ ‏{‏وقد انشق القمر‏}‏‏.‏
وإن كان نزولها قبل حصول الانشقاق كما اقتضاه حديث أنس بن مالك فهو إنذار باقتراب الساعة وانشقاق القمر الذي هو من أشراط الساعة ومع الإِيماء إلى أن الانشقاق سيكون معجزة لما يسأله المشركون‏.‏ ويرجح هذا المحمل قوله تعالى عقبه‏:‏ ‏{‏وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 2‏]‏ كما سيأتي هنالك‏.‏
وإذ قد حمل معظم السلف من المفسرين ومن خلفهم هذه الآية على أن انشقاق القمر حصل قبل نزولها أو بقرب نزولها فبنا أن نبين إمكان حصول هذا الانشقاق مسايرين للاحتمالات الناشئة عن روايات الخبر عن الانشقاق إبطالاً لجحد الملحدين، وتقريباً لفهم المصدقين‏.‏
فيجوز أن يكون قد حدث خسف عظيم في كرة القمر أحدث في وجهه هوة لاحت للناظرين في صورة شقه إلى نصفين بينهما سواد حتى يخيل أنه منشق إلى قمرين، فالتعبير عنه بالانشقاق مطابق للواقع لأن الهوة انشقاق وموافق لمرأى الناس لأنهم رأوه كأنه مشقوق‏.‏
ويجوز أن يكون قد حصل في الأفق بين سمت القمر وسمت الشمس مرور جسم سماوي من نحو بعض المذنبات حجب ضوء الشمس عن وجه القمر بمقدار ظل ذلك الجسم على نحو ما يسمى بالخسوف الجُزئيّ، وليس في لفظ أحاديث أنس بن مالك عند مسلم والترمذي، وابن مسعود وابن عباس عند البخاري ما يناكد هذا‏.‏
ومن الممكن أن يكون هذا الانشقاق حدثاً مركباً من خسوف نصفي في القمر على عادة الخسوف فحجب نصف القمر، والقمر على سمت أحد الجبلين وقد حصل في الجو ساعتئذٍ سحاب مائي انعكس في بريق مائه صورة القمر مخسُوفاً بحيث يخاله الناظر نصفاً آخر من القمر دون كسوف طالعاً على جهة ذلك الجبل، وهذا من غرائب حوادث الجوّ‏.‏ وقد عُرفت حوادث من هذا القبيل بالنسبة لأشعة الشمس، ويجوز أن يحدث مثلها بالنسبة لضوء القمر على أنه نادر جداً وقد ذكرنا ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ نتقنا الجبل فوقهم‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏171‏)‏‏.‏
ويؤيد هذا ما أخرجه الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ كسف القمر على عهد رسول الله فقالوا‏:‏ سحر القمر فنزلت اقتربت الساعة‏}‏ الآية فسماه ابن عباس كسوفاً تقريباً لنوعه‏.‏
وهذا الوجه لا ينافي كون الانشقاق معجزة لأن حصوله في وقت سؤالهم من النبي صلى الله عليه وسلم آيةً وإلهام الله إياهم أن يسألوا ذلك في حين تقدير الله كاف في كونه آيةً صدق‏.‏ أو لأن الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتحدّاهم به قبلَ حصوله دليل على أنه مرسل من الله إذ لا قبل للرسول صلى الله عليه وسلم بمعرفة أوقات ظواهر التغيرات للكواكب‏.‏ وبهذا الوجه يظهر اختصاص ظهور ذلك بمكة دون غيرها من العالم، وإما على الوجه الأول فإنما لم يَشعُر به غيرُ أهل مكة من أهل الأرض لأنهم لم يكونوا متأهبين إليه إذ كان ذلك ليلاً وهو وقت غفلة أو نوم ولأن القمر ليس ظهوره في حد واحد لأهل الأرض فإن مواقيت طلوعه تختلف باختلاف البلدان في ساعات الليل والنهار وفي مسامتة السماء‏.‏
قال ابن كيسان‏:‏ هو على التقديم والتأخير‏.‏ وتقديره‏:‏ انشق القمر واقتربت الساعة، أي لأن الأصل في ترتيب الأخبار أن يجري على ترتيبها في الوقوع وإن كان العطف بالواو لا يقتضي ترتيباً في الوقوع‏.‏
‏{‏وانشق‏}‏ مطاوع شقه، والشق‏:‏ فرج وتفرّق بين أديم جسم مَّا بحيث لا تنفصل قطعة مجموع ذلك الجسم عن البقية، ويُسمى أيضاً تصدعاً كما يقع في عُود أو جدار‏.‏
فإطلاق الانشقاق على حدوث هوة في سطح القمر إطلاق حقيقي وإطلاقه على انطماس بعض ضوئه استعارة، وإطلاقه على تفرقة نصفين مجاز مرسل‏.‏
والاقتراب أصله صيغة مطاوعة، أي قبول فعل الفاعل، وهو هنا للمبالغة في القرب فإن حمل على حقيقة القرب فهو قرب اعتباري، أي قرب حلول الساعة فيما يأتي من الزمان قرباً نسبياً بالنسبة لما مضى من الزمان ابتداء من خلق السماء والأرض على نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم
‏"‏ بعثت أنا والساعةَ كهاتين ‏"‏ وأشار بسبابته والوسطى فإن تحديد المدة من وقت خلق العالم أو من وقت خلق الإِنسان أمر لا قبل للناس به وما يوجد في كتب اليهود مبنى على الحدس والتوهمات، قال ابن عطية‏:‏ «وكل ما يروى من التحديد في عُمر الدنيا فضعيف واهن» اه‏.‏
وفائدة هذا الاعتبار أن يقبل الناس على نبذ الشرك وعلى الاستكثار من الأعمال الصالحات واجتناب الآثام لقرب يوم الجزاء‏.‏
والساعة‏:‏ علم بالغلبة على وقت فناء هذا العالم‏.‏ ويجوز أن يراد بالساعة ساعة معهودة أنذروا بها في آيات كثيرة وهي ساعة استئصال المشركين بسيوف المسلمين‏.‏
وإن حمل القرب على المجاز، أي الدلالة على الإمكان، فالمعنى‏:‏ اتضح للناس ما كانوا يجدونه محالاً من فناء العالم فإن لحصول المُثُل والنظائر إقناعاً بإمكان أمثالها التي هي أقوى منها‏.‏
وعطفُ ‏{‏وانشق القمر‏}‏ عطفُ جملة على جملة‏.‏
والخبر مستعمل في لازم معناه وهو الموعظة إن كانت الآية نزلت بعد انشقاق القمر كما تقدم لأن علمهم بذلك حاصل فليسوا بحاجة إلى إفادتهم حكم هذا الخبر وإنما هم بحاجة إلى التذكير بأن من أمارات حلول الساعة أن يقع خسف في القمر بما تكررت موعظتهم به كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا برق البصر وخسف القمر‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 7، 8‏]‏ الآية إذ ما يأمنهم أن يكون ما وقع من انشقاق القمر أمارة على اقتراب الساعة فما الانشقاق إلا نوع من الخسف فإن أشراط الساعة وعلاماتها غير محدودة الأزمنة في القرب والبعد من مشروطها‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏
‏{‏وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ‏(‏2‏)‏‏}‏
يجوز أن يكون تذييلاً للإِخبار بانشقاق القمر فيكون المراد ب ‏{‏آية‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏وإن يروا آية‏}‏ القمرَ‏.‏ فقد جاء في بعض الآثار‏:‏ أن المشركين لما رأوا انشقاق القمر قالوا‏:‏ «هذا سحر محمد بن أبي كبشة» وفي رواية قالوا‏:‏ «قد سَحَر محمد القمر»، ويجوز أن يكون كلاماً مستأنفاً من ذكر أحوال تكذيبهم ومكابرتهم وعلى كلا الوجهين فإن وقوع ‏{‏آية‏}‏، وهو نكرة في سياق الشرط يفيد العموم‏.‏
وجيء بهذا الخبر في صورة الشرط للدلالة على أن هذا ديدنهم ودأبهم‏.‏
وضمير ‏{‏يروا‏}‏ عائد إلى غير مذكور في الكلام دال عليه المقام وهم المشركون، كما جاء في مواضع كثيرة من القرآن، مع أن قصة انشقاق القمر وطعنهم فيها مشهور يومئذٍ معروفة أصحابه، فهم مستمرون عليه كلما رأوا آية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم
ووصف ‏{‏مستمر‏}‏ يجوز أن يكون مشتقاً من فعل مَرّ الذي هو مجاز في الزوال والسين والتاء للتقوية في الفعل، أي لا يبقى القمر منشقاً‏.‏ ويجوز أن يكون مشتقاً من المِرة بكسر الميم، أي القوة، والسين والتاء للطلب، أي طلب لفعله مِرّة، أي قوة، أي تمكناً‏.‏ والمعنى‏:‏ هذا سحر معروف متكرر، أي معهود منه مثله‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏
‏{‏وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ‏(‏3‏)‏‏}‏
‏{‏وَكَذَّبُواْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ‏}‏‏.‏
هذا إخبار عن حالهم فيما مضى بعد أن أخبر عن حالهم في المستقبل بالشرط الذي في قوله‏:‏ ‏{‏وإن يروا آية يعرضوا‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 2‏]‏‏.‏ ومقابلة ذلك بهذا فيه شبه احتباك كأنه قيل‏:‏ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا‏:‏ سحر، وقد رأوا الآيات وأعرضوا وقالوا‏:‏ سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهوائهم وسيكذبون ويتبعون أهواءهم‏.‏
وعَطْف ‏{‏واتبعوا أهواءهم‏}‏ عطفُ العلة على المعلول لأن تكذيبهم لا دافع لهم إليه إلا اتباعُ ما تهواه أنفسهم من بقاء حالهم على ما ألفوه وعهدوه واشتهر دوامه‏.‏
وجمع الأهواء دون أن يقول واتبعوا الهوى كما قال‏:‏ ‏{‏إن يتبعون إلا الظن‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 116‏]‏، حيث إن الهوى اسم جنس يصدق بالواحد والمتعدد، فعدل عن الإِفراد إلى الجمع لمزاوجة ضمير الجمع المضاف إليه، وللإِشارة إلى أن لهم أصنافاً متعددة من الأهواء‏:‏ من حب الرئاسة، ومن حسد المؤمنين على ما آتاهم الله، ومن حب اتباع ملة آبائهم، ومن محبة أصنامهم، وإلففٍ لعوائدهم، وحفاظ على أنفتهم‏.‏
‏{‏وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرّ‏}‏‏.‏
هذا تذييل للكلام السابق من قوله‏:‏ ‏{‏وإن يروا آية يعرضوا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أهواءهم‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 2، 3‏]‏، فهو اعتراض بين جملة ‏{‏وكذبوا‏}‏ وجملة ‏{‏ولقد جاءهم من الأنباء‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 4‏]‏، والواو اعتراضية وهو جار مجرى المثل‏.‏
و ‏{‏كل‏}‏ من أسماء العموم‏.‏ وأمر‏:‏ اسم يدل على جنس عاللٍ ومثله شيء، وموجود، وكائن، ويتخصص بالوصف كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 83‏]‏ وقد يتخصص بالعقل أو العادة كما تخصّص شيء في قوله تعالى عن ريح عَاد ‏{‏تدمّر كل شيء‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 25‏]‏ أي من الأشياء القابلة للتدمير‏.‏ وهو هنا يعم الأمور ذوات التأثير، أي تتحقق آثار مواهِيها وتظهر خصائصها ولو اعترضتها عوارض تعطل حصول آثارها حيناً كعوارضَ مانعة من ظهور خصائصها، أو مدافعات يراد منها إزالة نتائجها فإن المؤثرات لا تلبث أن تتغلب على تلك الموانع والمدافعات في فُرصصِ تَمكنها من ظهور الآثار والخصائص‏.‏
والكلام تمثيل شبهت حالة تردد آثار الماهية بين ظهور وخفاء إلى إبان التمكن من ظهور آثارها بحالة سير السائر إلى المكان المطلوب في مختِلف الطرق بين بُعد وقرب إلى أن يستقر في المكان المطلوب‏.‏ وهي تمثيلية مكنية لأن التركيب الذي يدل على الحالة المشبه بها حُذِف ورمز إليه بذكر شيء من روادف معناه وهو وصف مستقر‏.‏
ومن هذا المعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 67‏]‏ وقد أخذه الكميّت بن زيد في قوله‏:‏
فالآن صِرت إلى أمي
ةَ والأمورُ إلى مصائر
فالمراد بالاستقرار الذي في قوله‏:‏ ‏{‏مستقر‏}‏ الاستقرار في الدنيا‏.‏
وفي هذا تعريض بالإِيماء إيماء إلى أن أمر دعوة محمد صلى الله عليه وسلم سيرسخ ويستقر بعد تقلقله‏.‏
ومستقِر‏:‏ بكسر القاف اسم فاعل من استقر، أي قَرّ، والسين والتاء للمبالغة مثل السين والتاء في استجاب‏.‏
وقرأ الجمهور برفع الراء من ‏{‏مستقر‏}‏‏.‏ وقرأه أبو جعفر بخفض الراء على جعل ‏{‏كل أمر‏}‏ عطفاً على ‏{‏الساعة‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 1‏]‏‏.‏ والتقدير‏:‏ واقترب كل أمر‏.‏ وجَعل ‏{‏مستقر‏}‏ صِفة ‏{‏أمر‏}‏‏.‏
والمعنى‏:‏ أن إعراضهم عن الآيات وافتراءهم عليها بأنها سحر ونحوه وتكذيبهم الصادق وتمالؤهم على ذلك لا يوهن وقعها في النفوس ولا يعوق إنتاجها‏.‏ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم صائر إلى مصير أمثاله الحق من الانتصار والتمام واقتناع الناس به وتزايد أتباعه، وأن اتباعهم أهواءهم واختلاق معاذيرهم صائر إلى مصير أمثاله الباطلة من الانخذال والافتضاح وانتقاص الأَتباع‏.‏
وقد تضمن هذا التذييل بإجماله تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وتهديداً للمشركين واستدعاء لنظر المترددين‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 5‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ‏(‏4‏)‏ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ‏(‏5‏)‏‏}‏
عطف على جملة ‏{‏وكذبوا واتبعوا أهواءهم‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 3‏]‏ أي جاءهم في القرآن من أنباء الأمم ما فيه مزدجر لهؤلاء، أو أريد بالأنباء الحجج الواردة في القرآن، أي جاءهم ما هو أشد في الحجة من انشقاق القمر‏.‏ و‏{‏من الأنباء‏}‏ بيان ما فيه مزدجر قدم على المبين و‏{‏من‏}‏ بيانية‏.‏
والمُزدجر‏:‏ مصدر ميمي، وهو مصاغ بصيغة اسم المفعول الذي فعله زائد على ثلاثة أحرف‏.‏ ازدجره بمعنى زجره، ومادة الافتعال فيه للمبالغة‏.‏ والدال بدل من تاء الافتعال التي تبدل بعد الزاي إلاّ مثل ازْداد، أي ما فيه مانع لهم من ارتكاب ما ارتكبوه‏.‏ والمعنى‏:‏ ما هو زاجر لهم فجعل الازدجار مظروفاً فيه مجازاً للمبالغة في ملازمته له على طريقة التجريد كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 21‏]‏ أي هو أسوة‏.‏
و ‏{‏حكمة بالغة‏}‏ بدل من ‏{‏مَا‏}‏، أي جاءهم حكمةٌ بالغة‏.‏
والحكمة‏:‏ إتقان الفهم وإصابة العقل‏.‏ والمراد هنا الكلام الذي تضمن الحكمة ويفيد سامعه حكمة، فوصْفُ الكلام بالحكمة مجاز عقلي كثير الاستعمال، وتقدم في سورة البقرة ‏(‏269‏)‏، ‏{‏ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً‏}‏ والبالغة‏:‏ الواصلة، أي واصلة إلى المقصود مفيدة لصاحبها‏.‏
وفرع عليه قوله‏:‏ ‏{‏فما تغن النذر‏}‏، أي جاءهم ما فيه مزدجر فلم يُغن ذلك، أي لم يحصل فيه الإقلاع عن ضلالهم‏.‏
و ‏{‏ما‏}‏ تحتمل النفي، أي لا تغني عنهم النذر بعد ذلك‏.‏ وهذا تمهيد لقوله‏:‏ ‏{‏فتول عنهم‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 6‏]‏، فالمضارع للحال والاستقبال، أي ما هي مغنية، ويفيد بالفحوى أن تلك الأنباء لم تغن عنهم فيما مضى بطريق الأحرى، لأنه إذا كان ما جاءهم من الأنباء لا يغني عنهم من الانزجار شيئاً في الحال والاستقبال فهو لم يغن عنهم فيما مضى إذ لو أغنى عنهم لارتفع اللوم عليهم‏.‏
ويحتمل أن تكون ‏{‏مَا‏}‏ استفهامية للإِنكار، أي ماذا تفيد النذر في أمثالهم المكابرين المصرين، أي لا غناء لهم في تلك الأنباء، ف ‏{‏ما‏}‏ على هذا في محل نصب على المفعول المطلق ل ‏{‏تغن‏}‏، وحذف ما أضيفت إليه ‏{‏ما‏}‏‏.‏ والتقدير‏:‏ فأي غناء تغني النذر وهو المخبر بما يسوء، فإن الأنباء تتضمن إرسال الرسل من الله منذرين لقومهم فما أغنوهم ولم ينتفعوا بهم ولأن الأنباء فيها الموعظة والتحذير من مثل صنيعهم فيكون المراد ب ‏{‏النذر‏}‏ آيات القرآن، جعلت كل آية كالنذير‏:‏ وجمعت على نُذُر، ويجوز أن يكون جمع نذير بمعنى الإِنذار اسم مصدر، وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا نذير من النذر الأولى‏}‏ في آخر سورة النجم ‏(‏56‏)‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 8‏]‏
‏{‏فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ‏(‏6‏)‏ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ‏(‏7‏)‏ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ‏(‏8‏)‏‏}‏
‏{‏فَتَوَلَّ عَنْهُمْ‏}‏‏.‏
تفريع على ‏{‏فما تغن النذر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 5‏]‏، أي أعرِضْ عن مجادلتهم فإنهم لا تفيدهم النذر كقوله‏:‏ ‏{‏فأعرض عمن تولى عن ذكرنا‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 29‏]‏، أي أنك قد بلّغت فما أنت بمسؤول عن استجابتهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فتول عنهم فما أنت بملوم‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 54‏]‏‏.‏ وهذا تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وتطمين له بأنه ما قَصر في أداء الرسالة‏.‏ ولا تعلّق لهذه الآية بأحكام قتالهم إذ لم يكن السياق له ولا حدثت دواعيه يومئذٍ فلا وجه للقول بأنها منسوخة‏.‏
‏{‏يَوْمَ يَدْعُو الداع إلى شَئ نُّكُرٍ * خُشَّعاً أبصارهم يَخْرُجُونَ مِنَ الاجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ‏}‏‏.‏
استئناف بياني لأن الأمر بالتولّي مؤذن بغضب ووعيد فمن شأنه أن يثير في نفس السامع تساؤلاً عن مجمل هذا الوعيد‏.‏ وهذا الاستئناف وقع معترضاً بين جملة ‏{‏ولقد جاءهم من الأنباء‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 4‏]‏ وجملة ‏{‏كذبت قبلهم قوم نوح‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 9‏]‏‏.‏
وإذ قد كان المتوعد به شيئاً يحصل يوم القيامة قدم الظرف على عامله وهو ‏{‏يقول الكافرون هذا يوم عسر‏}‏ ليحصل بتقديمه إجمال يفصّله بعض التفصيل ما يُذكر بعده، فإذا سمع السامع هذا الظرف علم أنه ظرف لأهوال تذكر بعده هي تفصيل ما أجمله قوله‏:‏ ‏{‏فتول عنهم‏}‏ من الوعيد بحيث لا يحسن وقع شيء مما في هذه الجملة هذا الموقع غير هذا الظرف، ولولا تقديمه لجاء الكلام غير موثوق العرى، وانظر كيف جمع فيما بعد قوله‏:‏ ‏{‏يوم يدع الداع‏}‏ كثيراً من الأهوال آخذٌ بعضها بحجز بعض بحسن اتصال ينقل كل منها ذهن السامع إلى الذي بعده من غير شعور بأنه يُعدّد له أشياءَ‏.‏
وقد عُدّ سبعة من مظاهر الأهوال‏:‏
أولها‏:‏ دعاء الداعي فإنه مؤذن بأنهم محضرون إلى الحساب، لأن مفعول ‏{‏يدع‏}‏ محذوف بتقدير‏:‏ يدعوهم الداعي لدلالة ضمير ‏{‏عنهم‏}‏ على تقدير المحذوف‏.‏
الثاني‏:‏ أنه يدعو إلى شيء عظيم لأن ما في لفظ ‏{‏شيء‏}‏ من الإِبهام يُشعر بأنه مهول، وما في تنكيره من التعظيم يجسم ذلك الهول‏.‏
وثالثها‏:‏ وصف شيء بأنه ‏{‏نكر‏}‏، أي موصوف بأنه تنكره النفوس وتكرهه‏.‏
والنكُر بضمتين‏:‏ صفة، وهذا الوزن قليل في الصفات، ومنه قولهم‏:‏ روضة أُنُف، أي جديدة لم ترعها الماشية، ورجل شُلُل، أي خفيف سريع في الحاجات، ورجل سُجُح بجيم قبل الحاء، أي سمح، وناقة أُجُد‏:‏ قوية موثقة فَقار الظهر، ويجوز إسكان عين الكلمة فيها للتخفيف وبه قرأ ابن كثير هنا‏.‏
ورابعها‏:‏ ‏{‏خشعاً أبصارهم‏}‏ أي ذليلة ينظرون من طرف خفي لا تثبت أحداقهم في وجُوه الناس، وهي نظرة الخائف المفتضح وهو كناية لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تَظهران في عيونهما‏.‏
وخامسها‏:‏ تشبيههم بالجراد المنتشر في الاكتظاظ واستتار بعضهم ببعض من شدة الخوف زيادة على ما يفيده التشبيه من الكثرة والتحرك‏.‏
وسادسها‏:‏ وصفهم بمهطعين، والمُهطع‏:‏ الماشي سريعاً مادًّا عنقه، وهي مشيئة مذعور غير ملتف إلى شيء، يقال‏:‏ هطع وأهطع‏.‏
وسابعها‏:‏ قولهم‏:‏ ‏{‏هذا يوم عسر‏}‏ وهو قولٌ من أثر ما في نفوسهم من خوف‏.‏ و‏{‏عسر‏}‏‏:‏ صفة مشبهة من العُسر وهو الشدة والصعوبة‏.‏ ووصف اليوم ب ‏{‏عسر‏}‏ وصف مجازي عقلي باعتبار كونه زماناً لأمور عسرة شديدة من شدة الحساب وانتظار العذاب‏.‏
وأبهم ‏{‏شيء نكر‏}‏ للتهويل، وذلك هو أهوال الحساب وإهانة الدفع ومشاهدة ما أُعد لهم من العذاب‏.‏
وانتصب ‏{‏خشعاً أبصارهم‏}‏ على الحال من الضمير المقدر في ‏{‏يدع الداع‏}‏ وإمّا من ضمير ‏{‏يخرجون‏}‏ مقدماً على صاحبه‏.‏
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ‏{‏خشعاً‏}‏ بصيغة جمع خاشع‏.‏ وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف ‏{‏خَاشِعاً‏}‏ بصيغة اسم الفاعل‏.‏ قال الزجاج‏:‏ «لك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيدُ والتذكيرُ نحو خاشعاً أبصارُهم‏.‏ ولك التوحيد والتأنيث نحو قراءة ابن مسعود ‏{‏خاشعة أبصارهم‏}‏ ولك الجمع نحو ‏{‏خشعاً أبصارهم‏}‏ اه‏.‏
و ‏{‏أبصارهم‏}‏ فاعل ‏{‏خشعاً‏}‏ ولا ضير في كون الوصف الرافع للفاعل على صيغة الجمع لأن المحْظور هو لحاق علامة الجمع والتثنية للفعل إذا كان فاعله الظاهر جمعاً أو مثنى، وليس الوصف كذلك، كما نبه عليه الرضِيُّ على أنه إذا كان الوصف جمعاً مكسَّراً، وكان جارياً على موصوف هو جمع، فرفع الاسم الظاهر الوصف المجموع أولى من رفعه بالوصف المجموع المفرد على ما اختاره المبرد وابن مالك كقول امرئ القيس‏:‏
وقوفاً بها صحبي على مطيّهم ***
وشاهد هذا القراء‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏يقول الكافرون‏}‏ إظهار في مقام الإِضمار لوصفهم بهذا الوصف الذميم وفيه تفسير الضمائر السابقة‏.‏
والأجداثُ‏:‏ جمع جَدث وهو القبر، وقد جعل الله خروج الناس إلى الحشر من مواضع دفنهم في الأرض، كما قال‏:‏ ‏{‏منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 55‏]‏ فيعاد خلق كل ذات من التراب الذي فيه بقية من أجزاء الجسم وهي ذرات يعلمها الله تعالى‏.‏
والجراد‏:‏ اسم جمع واحدُهُ جرادة وهي حشرة ذات أجنحة أربعة مطوية على جنبيها وأرجل أربعة، أصفر اللون‏.‏
والمنتشر‏:‏ المنبثّ على وجه الأرض‏.‏ والمراد هنا‏:‏ الدَّبَى وهو فراخ الجراد قبل أن تظهر له الأجنحة لأنه يخرج من ثُقببٍ في الأرض هي مَبيضاتُ أصوله فإذا تم خلقه خرج من الأرض يزحف بعضه فوق بعض قال تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يكون الناس كالفراش المبثوث‏}‏ ‏[‏القارعة‏:‏ 4‏]‏‏.‏ وهذا التشبيه تمثيلي لأنه تشبيه هيئة خروج الناس من القبور متراكمين بهيئة خروج الجراد متعاظلاً يسير غير ساكن‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏
‏{‏كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ‏(‏9‏)‏‏}‏
استئناف بيانيّ ناشئ عن قوله‏:‏ ‏{‏ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 4‏]‏ فإن من أشهرها تكذيب قوم نوح رسولهم، وسبق الإِنباء به في القرآن في السور النازلة قبل هذه السورة‏.‏ والخبر مستعمل في التذكير وليفرع عليه ما بعده‏.‏ فالمقصود النعي عليهم عدم ازدجارهم بما جاءهم من الأنباء بتعداد بعض المهمّ من تلك الأنباء‏.‏
وفائدة ذكر الظرف ‏{‏قبلهم‏}‏ تقرير تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم أي أن هذه شنشنة أهل الضلال كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 4‏]‏ ألا ترى أنه ذكر في تلك الآية قوله‏:‏ ‏{‏من قبلك‏}‏ نظير ما هنا مع ما في ذلك من التعريض بأن هؤلاء معرِضون‏.‏
واعلم أنه يقال‏:‏ كذَّب، إذا قال قولاً يدل على التكذيب، ويقال كذّب أيضاً، إذا اعتقد أن غيره كاذب قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإنهم لا يكذبونك‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 33‏]‏ في قراءة الجمهور بتشديد الذال، والمعنيان محتملان هنا، فإن كان فعل ‏{‏كذبت‏}‏ هنا مستعملاً في معنى القول بالتكذيب، فإن قوم نوح شافهوا نوحاً بأنه كاذب، وإن كان مستعملاً في اعتقادهم كذبه، فقد دلّ على اعتقادهم إعراضهم عن إنذاره وإهمالهم الانضواء إليه عندما أنذرهم بالطوفان‏.‏
وعُرِّف ‏{‏قوم نوح‏}‏ بالإِضافة إلى اسمه إذ لم تكن للأمة في زمن نوح اسم يعرفون به‏.‏
وأسند التكذيب إلى جميع القوم لأن الذين صدقوه عدد قليل فإنه ما آمن به إلا قليل، كما تقدم في سورة هود‏.‏
والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فكذبوا عبدنا‏}‏ لتفريع الإِخبار بتفصيل تكذيبهم إياه بأنهم قالوا‏:‏ ‏{‏مجنون وازدجر‏}‏، على الإِخبار بأنهم كذّبُوه على الإِجمال، وإنما جيء بهذا الأسلوب لأنه لما كان المقصود من الخبر الأول تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم فرّع عليه الإخبار بحصول المشابهة بين تكذيب قوممِ نوح رسولهم وتكذيب المشركين محمداً صلى الله عليه وسلم في أنه تكذيب لمن أرسله الله واصطفاه بالعبودية الخاصة، وفي أنه تكذيب مشوب ببهتان إذ قال كلا الفريقين لرسوله‏:‏ مَجنون، ومشوب ببذاءة إذ آذى كلا الفريقين رسولهم وازدجروه‏.‏ فمحل التفريع هو وصف نوح بعبودية الله تكريماً له، والإِخبار عن قومه بأنهم افتروا عليه وصفَه بالجنون، واعتدوا عليه بالأذى والازدجارِ‏.‏ فأصل تركيب الكلام‏:‏ كذبت قبلهم قوم نوح فقالوا‏:‏ مجنون وازدجر‏.‏ ولما أريد الإِيماء إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء جعل ما بعد التسلية مفرعاً بفاء التفريع ليظهر قصد استقلال ما قبله ولولا ذلك لكان الكلام غنياً عن الفاء إذ كان يقول‏:‏ كذبت قوم نوح عبدنا‏.‏
وأعيد فعل ‏{‏كذَّبوا‏}‏ لإِفادة توكيد التكذيب، أي هو تكذيب قويّ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا بطشتم بطشتم جَبارين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 130‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 63‏]‏، وقول الأحوص‏:‏
فإذا تزول تزول عن متخمط *** تُخشى بوادِره على الأقران
وقد نبه على ذلك ابن جنيّ في إعراب هذا البيت من «ديوان الحماسة»، وذَكَر أن أبا عليّ الفارسي نحا غير هذا الوجه ولم يبيّنه‏.‏
وحاصل نظم الكلام يرجع إلى معنى‏:‏ أنه حصل فعل فكان حصوله على صفة خاصة أو طريقة خاصة‏.‏
ويجوز أن يكون فعل ‏{‏كذبت‏}‏ مستعملاً في معنى‏:‏ إنهم اعتقدوا كذبه، فتفريع ‏{‏فكذّبوا عبدنا‏}‏ عليه تفريع تصريحهم بتكذيبه على اعتقادهم كذبه‏.‏ فيكون فعل ‏{‏كذبوا‏}‏ مستعملاً في معنى غير الذي استعمل فيه فعل ‏{‏كذبت‏}‏، والتفريع ظاهر على هذا الوجه‏.‏
وهذا الوجه يتأتّى في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي‏}‏ في سورة سبأ ‏(‏45‏)‏‏.‏
ويجوز أن يكون قوله‏:‏ كذبت قبلهم قوم نوح‏}‏ إخباراً عن تكذيبهم بتفرد الله بالإِلهية حين تلقوه من الأنبياء الذين كانوا قبل نوح ولم يكن قبله رسول وعلى هذا الوجه يكون التفريع ظاهراً‏.‏
و ‏{‏ازدجر‏}‏ معطوف على ‏{‏قالوا‏}‏ وهو افتعل من الزجر‏.‏ وصيغة الافتعال هنا للمبالغة مثلها‏:‏ افتقر واضطر‏.‏
ونكتة بناء الفعل للمجهول هنا التوصل إلى حذف ما يسند إليه فعل الازدجار المبني للفاعل وهو ضمير ‏{‏قوم نوح‏}‏، فعدل على أن يقال‏:‏ وازدجروه، إلى قوله‏:‏ ‏{‏وازدجر‏}‏ مُحاشاة للدّال على ذات نوح وهو ضمير من أن يقع مفعولاً لضميرهم‏.‏ ومرادهم أنهم ازدجروه، أي نهوه عن ادعاء الرسالة بغلظة قال تعالى‏:‏ ‏{‏قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 66‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 116‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 38‏]‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 14‏]‏
‏{‏فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ‏(‏10‏)‏ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ‏(‏11‏)‏ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ‏(‏12‏)‏ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ‏(‏13‏)‏ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ‏(‏14‏)‏‏}‏
تفريع على ‏{‏كذبت قبلهم قوم نوح‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 9‏]‏ وما تفرع عليه‏.‏
والمغلوب مجاز، شبه يأسه من إجابتهم لدعوته بحال الذي قاتل أو صارع فغلبه مقاتله، وقد حكى الله تعالى في سورة نوح كيف سلك مع قومه وسائل الإقناع بقبول دعوته فأعيته الحيل‏.‏
و ‏{‏أنى‏}‏ بفتح الهمزة على تقدير باء الجر محذوفة، أي دعا بأني مغلوب، أي بمضمون هذا الكلام في لغته‏.‏
وحذف متعلق ‏{‏فانتصر‏}‏ للإِيجاز وللرعي على الفاصلة والتقدير‏:‏ فانتصر لي، أي انصرني‏.‏
وجملة ‏{‏ففتحنا أبواب السماء‏}‏ إلى آخرها مفرعة على جملة ‏{‏فدعا ربه‏}‏، ففهم من التفريع أن الله استجاب دعوته وأن إرسال هذه المياه عقاب لقوم نوح‏.‏ وحاصل المعنى‏:‏ فأرسلنا عليهم الطوفان بهذه الكيفية المحكمة السريعة‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏ففتحنا‏}‏ بتخفيف التاء‏.‏ وقرأه ابن عامر بتشديدها على المبالغة‏.‏ والفتح بمعنى شدة هطول المطر‏.‏
وجملة ‏{‏ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر‏}‏ مركب تمثيلي لهيئة اندفاق الأمطار من الجو بهيئة خروج الجماعات من أبواب الدار على طريقة‏:‏
وسالتْ بأعناق المطيّ الأباطح ***
والمنهمر‏:‏ المنصب، أي المصبوب يقال‏:‏ عمرَ الماء إذا صبه، أي نازل بقوة‏.‏
والتفجير‏:‏ إسالة الماء، يقال‏:‏ تفجر الماء، إذا سال، قال تعالى‏:‏ ‏{‏حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 90‏]‏‏.‏
وتعدية ‏{‏فجّرنا‏}‏ إلى اسم الأرض تعدية مجازية إذ جعلت الأرض من كثرة عيونها كأنها عين تتفجر‏.‏ وفي هذا إجمال جيء من أجله بالتمييز له بقوله‏:‏ ‏{‏عيوناً‏}‏ لبيان هذه النسبة، وقد جعل هذا ملحقاً بتمييز النسبة لأنه محول عن المفعول إذ المعنى‏:‏ وفجرنا عيون الأرض، وهو مثل المحول عن الفاعل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واشتعل الرأس شيباً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 4‏]‏، أي شيب الرأس إذ لا فرق بينهما، ونكتة ذلك واحدة‏.‏ قال في «المفتاح»‏:‏ «إسناد الاشتعال إلى الرأس لإِفادة شُمول الاشتعاللِ الرأسَ إذ وزان اشتعل شيبُ الرأس، واشتعل الرأس شيباً وزان اشتعلت النار في بيتي واشتعل بيتي ناراً» اه‏.‏
والتقاء الماء‏:‏ تجمع ماءِ الأمطار مع ماء عيون الأرض فالإلتقاء مستعار للاجتماع، شبه الماء النازل من السماء والماء الخارج من الأرض بطائفتين جاءت كل واحدة من مكان فالتقتا في مكان واحد كما يلتقي الجيشان‏.‏
والتعريف في ‏{‏الماء‏}‏ للجنس‏.‏ وعلم من إسناد الإلتقاء أنهما نوعان من الماء ماء المطر وماء العيون‏.‏
و ‏{‏على‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏على أمر‏}‏ يجوز أن تكون بمعنى ‏(‏في‏)‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 15‏]‏، وقول الفرزدق‏:‏
على حالةٍ لو أن في البحر حاتماً *** على جوده لضنَّ بالماء حاتم
والظرفية مجازية‏.‏ ويجوز أن تكون ‏{‏على‏}‏ للاستعلاء المجازي، أي ملابساً لأمر قد قدر ومتمكناً منه‏.‏
ومعنى التمكن‏:‏ شدة المطابقة لما قُدر، وأنه لم يحد عنه قيد شَعَرة‏.‏
والأمر‏:‏ الحال والشأن وتنوينه للتعظيم‏.‏
ووصف الأمر بأنه ‏{‏قد قدر‏}‏، أي أتقن وأحكم بمقدار، يقال‏:‏ قدَره بالتخفيف إذا ضبطه وعينه كما قال تعالى‏:‏
‏{‏إنا كل شيء خلقناه بقدر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 49‏]‏ ومحل ‏{‏على أمر‏}‏ النصب على الحال من الماء‏.‏
واكتفي بهذا الخبر عن بقية المعنى، وهو طغيان الطوفان عليهم اكتفاء بما أفاده تفريع ‏{‏ففتحنا أبواب السماء‏}‏ كما تقدم انتقالاً إلى وصف إنجاء نوح من ذلك الكرب العظيم، فجملة ‏{‏وحملناه‏}‏ معطوفة على التفريع عطف احتراس‏.‏
والمعنى‏:‏ فأغرقناهم ونجَّيْناه‏.‏
و ‏{‏ذات ألواح ودُسُر‏}‏ صفة السفينة، أقيمت مقام الموصوف هنا عوضاً عن أن يقال‏:‏ وحملناه على الفلك لأن في هذه الصفة بيان متانة هذه السفينة وإحكام صنعها‏.‏ وفي ذلك إظهار لعناية الله بنجاة نوح ومن معه فإن الله أمره بصنع السفينة وأوحى إليه كيفية صنعها ولم تكن تعرف سفينة قبلها، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 36، 37‏]‏، وعادة البلغاء إذا احتاجوا لذكر صفة بشيء وكان ذكرها دالاً على موصوفها أن يستغنوا عن ذكر الموصوف إيجازاً كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أن اعمل سابغات‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 11‏]‏، أي دروعاً سابغات‏.‏
والحمل‏:‏ رفع الشيء على الظهر أو الرأس لنقله ‏{‏وتحمل أثقالكم‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 7‏]‏ وله مجازات كثيرة‏.‏
والألواح‏:‏ جمع لوح، وهو القطعة المسوّاة من الخشب‏.‏
والدسر‏:‏ جمع دِسار، وهو المسمار‏.‏
وعدي فعل ‏(‏حملنا‏)‏ إلى ضمير نوح دون من معه من قومه لأن هذا الحمل كان إجابة لدعوته ولنصره فهو المقصود الأول من هذا الحمل، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأنجيناه والذين معه برحمة منا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 72‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 28‏]‏ ونحوه من الآيات الدالة على أنه المقصود بالإنجاء وأن نجاة قومه بمعيته، وحسبك قوله تعالى في تذييل هذه الآية ‏{‏جزاء لمن كان كفر‏}‏ فإن الذي كان كُفِر هو نوح كفر به قومه‏.‏
و ‏{‏على‏}‏ للاستعلاء المجازي وهو التمكن كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك‏}‏، وإلا فإن استقراره في السفينة كائن في جوفها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 11‏]‏ ‏{‏قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 40‏]‏‏.‏
والباء في ‏{‏بأعيننا‏}‏ للملابسة‏.‏
والأعين‏:‏ جمع عين بإطلاقه المجازي، وهو الاهتمام والعناية، كقول النابغة‏:‏
علمْتك ترعاني بعين بصيرة ***
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فإنك بأعيننا‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 48‏]‏‏.‏
وجُمع العين لتقوية المعنى لأن الجمع أقوى من المفرد، أي بحراسات منّا وعنايات‏.‏ ويجوز أن يكون الجمع باعتبار أنواع العنايات بتنوع آثارها‏.‏ وأصل استعمال لفظ العين في مثله تمثيل بحال الناظر إلى الشيء المحروس مثل الراعين كما يقال للمسافر‏:‏ «عين الله عليك»، ثم شاع ذلك حتى ساوى الحقيقة فجمع بذلك الاعتبار‏.‏ وتقدم في سورة هود‏.‏
و ‏{‏جزاء‏}‏ مفعول لأجله ل ‏{‏فتحنا‏}‏ وما عُطف عليه، أي‏:‏ فعلنا ذلك كله جزاء لنوح‏.‏ و‏{‏من كان كُفِر‏}‏ هو نوح فإن قومه كَفَروا به، أي لم يؤمنوا بأنه رسول وكان كفرهم به منذ جاءهم بالرسالة فلذلك أقحم هنا فعل ‏{‏كان‏}‏، أي لمن كُفِر منذ زمان مضى وذلك ما حكي في سورة نوح ‏(‏5 9‏)‏ بقوله‏:‏ ‏{‏قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ثم إني دعوتهم جهاراً ثم إنِّي أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً‏}‏ وحذف متعلق كفر لدلالة الكلام عليه‏.‏ وتقديره‏:‏ كفر به، أو لأنه نصح لهم ولقي في ذلك أشد العناء فلم يشكروا له بل كفروه فهو مكفور فيكون من باب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تكفرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 152‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏15‏)‏‏}‏
ضمير المؤنث عائد إلى ‏{‏ذات ألواح ودسر‏}‏، أي السفينة‏.‏ والترك كناية عن الإِبقاء وعدم الإِزالة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وتركنا فيها آية‏}‏ في سورة الذاريات ‏(‏37‏)‏، وقال‏:‏ ‏{‏وتركهم في ظلمات لا يبصرون‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏17‏)‏، أي أبقينا سفينة نوح محفوظة من البِلى لتكون آية يشهدها الأمم الذين أرسلت إليهم الرسلُ متى أراد واحد من الناس رؤيتها ممن هو بجوار مكانها تأييداً للرسل وتخويفاً بأول عذاب عُذبت به الأمم أمة كذبت رسولها فكانت حجة دائمة مثل ديار ثمود‏.‏
ثم أخذت تتناقص حتى بقي منها أخشاب شهدها صدر الأمة الإسلامية فلم تضمحل حتى رآها ناس من جميع الأمم بعد نوح فتواتر خبرها بالمشاهدة تأييداً لتواتر الطوفان بالأخبار المتواترة‏.‏ وقد ذكر القرآن أنها استقرت على جبل الجوديّ فمنه نزل نوح ومن معه وبقيت السفينة هنالك لا ينالها أحد، وذلك من أسباب حفظها عن الاضمحلال‏.‏ واستفاض الخبر بأن الجودي جُبيل قرب قرية تسمى ‏(‏باقِرْدَى‏)‏ بكسر القاف وسكون الراء ودال مفتوحة مقصوراً من جزيرة ابن عمر قرب المَوْصل شرقيَّ دجلة‏.‏
وفي «صحيح البخاري» قال قتادة‏:‏ «لقد شَهدها صدر هذه الأمة» قال تعالى في سورة العنكبوت ‏(‏15‏)‏ ‏{‏وجعلناها آية للعالمين‏}‏ وقد تقدم ذلك مفصلاً هنالك‏.‏
والآية‏:‏ الحجة‏.‏ وأصل الآية الأمارة التي يصطلح عليها شخصان فأكثر ‏{‏قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 41‏]‏‏.‏
وإنما قال هنا ‏{‏ولقد تركناها‏}‏ وقال في سورة العنكبوت ‏(‏15‏)‏ ‏{‏وجعلناها آية للعالمين‏}‏ لأن ذكرها في سورة القمر وردَ بعد ذكر كيفية صنعها وحدوث الطوفان وحمل نوح في السفينة‏.‏ فأخبر بأنها أُبقيت بعد تلك الأحوال، فالآية في بقائها، وفي سورة العنكبوت وَرَد ذِكر السفينة ابتداء فأخبر بأن الله جعلها آية إذْ أوحى إلى نوح بصنعها، فالآية في إيجادها وهو المعبر عنه ب ‏{‏جعلناها‏}‏‏.‏
وفرع على إبقاء السفينة آية استفهام عمن يتذكر بتلك الآية وهو استفهام مستعمل في معنى التحضيض على التذكر بهذه الآية واستقصاء خبرها مثل الاستفهام في قول طرفة‏:‏
إذا القوم قالوا من فتى ***
البيت‏.‏
والتحضيض موجه إلى جميع من تبلغه هذه الآيات ومن‏}‏ زائدة للدلالة على عموم الجنس في الإِثبات على الأصح من القولين‏.‏
و ‏{‏مُدَّكر‏}‏ أصله‏:‏ مُذتَكر مفتعل من الذُكر بضم الذال، وهو التفكر في الدليل فقلبت تاء الافتعال دالاً لتقارب مخرجيهما، وأدغم الذال في الدال لذلك، وقرَاءة هذه الآية مروية بخصوصها عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم في سورة يوسف ‏(‏45‏)‏ ‏{‏وادَّكَر بعد أمة‏.‏‏}‏
تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏
‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏16‏)‏‏}‏
تفريع على القصة بما تضمنته من قوله‏:‏ ‏{‏ففتحنا أبواب السماء‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 11‏]‏ إلى آخره‏.‏ و‏(‏كيف‏)‏ للاستفهام عن حالة العذاب‏.‏ وهو عذاب قوم نوح بالطوفان والاستفهام مستعمل في التعجيب من شدة هذا العذَاب الموصوف‏.‏ والجملة في معنى التذييل وهو تعريض بتهديد المشركين أن يصيبهم عذاب جزاء تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وإعراضهم وأذاهم كما أصاب قوم نوح‏.‏
وحُذف ياء المتكلم من ‏{‏نذر‏}‏ وأصله‏:‏ نُذري‏.‏ وحذفها في الكلام في الوقف فصيح وكثر في القرآن عند الفواصل‏.‏
والنذر‏:‏ جمع نذير الذي هو اسم مصدر أَنذر كالنذارة وتقدم آنفاً في هذه السورة وإنما جمعت لتكرر النذارة من الرسول لقومه طلباً للإِيمانهم‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏17‏)‏‏}‏
لمّا كانت هذه النذارة بُلِغت بالقرآن والمشركون معرضون عن استماعه حارمين أنفسهم من فوائده ذُيّل خبرها بتنويه شأن القرآن بأنه من عند الله وأن الله يسّره وسَهله لتذكّر الخلق بما يحتاجونه من التذكير مما هو هدى وإرشاد‏.‏ وهذا التيسير ينبئ بعناية الله به مثل قوله‏:‏ ‏{‏إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 9‏]‏ تبصرة للمسلمين ليزدادوا إقبالاً على مدارسته وتعريضاً بالمشركين عسى أن يَرْعَوُوا عن صدودهم عنه كما أنبأ عنه قوله‏:‏ ‏{‏فهل من مدكر‏}‏‏.‏
وتأكيد الخبر باللام وحرف التحقيق مراعى فيه حَال المشركين الشاكين في أنه من عند الله‏.‏
والتيسير‏:‏ إيجاد اليسر في شيء، من فعل كقوله‏:‏ ‏{‏يريد الله بكم اليسر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 185‏]‏ أو قولٍ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 58‏]‏‏.‏
واليسر‏:‏ السهولة، وعدم الكلفة في تحصيل المطلوب من شيء‏.‏ وإذ كان القرآن كلاماً فمعنى تيسيره يرجع إلى تيسير ما يُراد من الكلام وهو فهم السامع المعاني التي عناها المتكلم به بدون كلفة على السامع ولا إغلاق كما يقولون‏:‏ يدخل للأذن بلا إذن‏.‏ وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني؛ فأما من جانب الألفاظ فلذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات وفصاحة التراكيب، أي فصاحة الكلام، وانتظام مجموعها، بحيث يخف حفظها على الألسنة‏.‏
وأما من جانب المعاني، فبوضوح انتزاعها من التراكيب ووفرة ما تحتوي عليه التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له‏.‏ وبتولد معاننٍ من معاننٍ أُخر كلّما كرّر المتدبر تدبّره في فهمها‏.‏
ووسائل ذلك لا يحيط بها الوصف وقد تقدم بسطها في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير ومن أهمها إيجاز اللفظ ليسرع تعلقه بالحفظ، وإجمالُ المدلولات لتذهب نفوس السامعين في انتزاع المعاني منها كل مذهب يسمح به اللفظ والغرض والمقامُ، ومنها الإِطناب بالبيان إذا كان في المعاني بعض الدقة والخفاء‏.‏
ويتأتّى ذلك بتأليف نظم القرآن بلغة هي أفصح لغات البشر وأسمحُ ألفاظاً وتراكيب بوفرة المعاني، وبكَوْن تراكيبه أقصى ما تسمح به تلك اللغة، فهو خيار من خيار من خيار‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏بلسان عربي مبين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 195‏]‏‏.‏
ثم يكون المتلقين له أمة هي أذكى الأمم عقولاً وأسرعها أفهاماً وأشدها وعْياً لما تسمعه، وأطولها تذكراً له دون نسيان، وهي على تفاوتهم في هذه الخلال تفاوتاً اقتضته سنة الكون لا يناكد حالهم في هذا التفاوت ما أراده الله من تيسيره للذكر، لأن الذكر جنس من الأجناس المقول عليها بالتشكيك إلا أنه إذا اجتمع أصحاب الأفهام على مدارسته وتدبره بدَت لجموعهم معان لا يحصيها الواحد منهم وحده‏.‏
وقد فرض الله على علماء القرآن تبيينَه تصريحاً كقوله‏:‏ ‏{‏لتبين للناس ما نزل إليهم‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 44‏]‏، وتعريضاً كقوله‏:‏ ‏{‏وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينّنّه للناس‏}‏
‏[‏آل عمران‏:‏ 187‏]‏ فإن هذه الأمة أجدر بهذا الميثاق‏.‏
وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلُون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلتْ عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده ‏"‏‏.‏ واللام في قوله‏:‏ ‏{‏للذكر‏}‏ متعلقة ب ‏{‏يسرنا‏}‏ وهي ظرف لغو غيرُ مستقر، وهي لام تدل على أن الفعل الذي تعلقت به فُعِل لانتفاع مدخول هذه اللام به فمدخولها لا يراد منه مجرد تعليل فعل الفاعل كما هو معنى التعليل المجرد ومعنى المفعول لأجله المنتصببِ بإضمار لام التعليل البسيطة، ولكن يراد أن مدخول هذه اللام علة خاصة مراعاةٌ في تحصيل فعل الفاعل لفائدته، فلا يصح أن يقع مدخول هذه اللام مفعولاً لأن المفعول لأجله علة بالمعنى الأعَمّ ومدخول هذه اللام علة خاصَّة فالمفعول لأجله بمنزلة سبب الفعل وهو كمدخول باء السببية في نحو ‏{‏فكّلاً أخذنا بذنبه‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 40‏]‏، ومجرور هذه اللام بمنزلة مجرور باء الملابسة في نحو ‏{‏تنبت بالدهن‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 20‏]‏، وهو أيضاً شديد الشبه بالمفعول الأول في باب كسَا وأعطى، فهذه اللام من القسم الذي سماه ابن هشام في «مغني اللبيب»‏:‏ شبه التمليك‏.‏ وتبع في ذلك ابنَ مالك في «شرح التسهيل»‏.‏
وأحسن من ذلك تسمية ابن مالك إياه في «شرح كافيته» وفي «الخلاصة» معنى التعدية‏.‏ ولقد أجاد في ذلك لأن مدخول هذه اللام قد تعدى إليه الفعل الذي تعلقت به اللام تعديةً مثلَ تعدية الفعل المتعدي إلى المفعول، وغفل ابن هشام عن هذا التدقيق، وهو المعنى الخامس من معاني اللام الجارة في «مغني اللبيب» وقد مثله بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏جعل لكم من أنفسكم أزواجاً‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏، ومثّل له ابن مالك في «شرح التسهيل» بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهب لي من لدنك ولياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 5‏]‏، ومن الأمثلة التي تصلح له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 72‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونيسرك لليسرى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 8‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فسنيسره لليسرى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 7‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فسنيسره للعسرى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 10‏]‏، ألا ترى أن مدخول اللام في هذه الأمثلة دال على المتنفعين بمفاعيل أفعالها فهم مثل أول المفعولين من باب كسا‏.‏
وإنما بسطنا القول في هذه اللام لدقة معناها وليتّضح معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد يسرنا القرآن للذكر‏}‏‏.‏
وأصل معاني لام الجر هو التعليل وتنشأ من استعمال اللام في التعليل المجازي معان شاعت فساوت الحقيقة فجعلها النحويون معاني مستقلة لقصد الإِيضاح‏.‏
والذكر‏:‏ مصدر ذكر الذي هو التذكر العقلي لا اللساني، والذي يرادفه الذُكر بضم الذال اسماً للمصدر، فالذكر هو تذكر ما في تذكره نفع ودفع ضر، وهو الاتعاظ والاعتبار‏.‏
فصار معنى ‏{‏يسرنا القرآن للذكر‏}‏ أن القرآن سُهلت دلالته لأجل انتفاع الذكر بذلك التيسير، فجعلت سرعة ترتب التذكر على سماع القرآن بمنزلة منفعة للذكر لأنه يشيع ويروج بها كما ينتفع طالب شيء إذا يُسرت له وسائل تحْصيله، وقربت له أباعدها‏.‏ ففي قوله‏:‏ ‏{‏يسرنا القرآن للذكر‏}‏ استعارة مكنية ولفظ ‏{‏يسرنا‏}‏ تخييل‏.‏ ويؤول المعنى إلى‏:‏ يسرنا القرآن للمتذكرين‏.‏
وفرع على هذا المعنى قوله‏:‏ ‏{‏فهل من مدكر‏}‏‏.‏ والقول فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفاً، إلا أن بين الادِّكارين فرقاً دقيقاً، فالادِّكار السالف ادّكار اعتبار عن مشاهدة آثار الأمة البائدة، والادّكار المذكور هنا ادكار عن سماع مواعظ القرآن البالغة وفهم معانيه والاهتداء به‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 20‏]‏
‏{‏كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏18‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ‏(‏19‏)‏ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ‏(‏20‏)‏‏}‏
موقع هذه الجملة كموقع جملة ‏{‏كذبت قبلهم قوم نوح‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 9‏]‏ فكان مقتضى الظاهر أن تعطف عليها، وإنما فصلت عنها ليكون في الكلام تكرير التوبيخ والتهديد والنعي عليهم عقب قوله‏:‏ ‏{‏ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 4، 5‏]‏‏.‏ ومقام التوبيخ والنعي يقتضي التكرير‏.‏
والحكم على عاد بالتكذيب عموم عرفي بناء على أن معظمهم كذبوه وما آمن به إلا نفر قليل قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 58‏]‏‏.‏
وفرع على التذكير بتكذيب عاد قوله‏:‏ ‏{‏فكيف كان عذابي ونذر‏}‏ قبل أن يذكر في الكلام ما يشعر بأن الله عذبهم فضلاً عن وصف عذابهم‏.‏
فالاستفهام مستعمل في التشويق للخبر الوارد بعده وهو مجاز مرسل لأن الاستفهام يستلزم طلب الجواب والجواب يتوقف على صفة العذاب وهي لَمّا تذكر فيحصل الشوق إلى معرفتها وهو أيضاً مكنى به عن تهويل ذلك العذاب‏.‏
وفي هذا الاستفهام إجمال لحال العذاب وهو إجمال يزيد التشويق إلى ما يبينه بعده من قوله‏:‏ ‏{‏إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً‏}‏ الآية، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عم يتساءلون‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 1‏]‏ ثم قوله‏:‏ ‏{‏عن النبأ العظيم‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 2‏]‏ الآية‏.‏
وعطف ‏{‏ونذر‏}‏ على ‏{‏عذابي‏}‏ بتقدير مضاف دل عليه المقام، والتقدير‏:‏ وعاقبة نذري، أي إنذاراتي لهم، أي كيف كان تحقيق الوعيد الذي أنذرهم‏.‏
ونُذر‏:‏ جمع نذير بالمعنى المصدري كما تقدم في أوائل السورة وقد علمت بما ذكرنا أن جملة «فكيف كان عذابي ونذري» هذه ليست تكريراً لنظيرها السابق في خبر قوم نوح، ولا اللاحق في آخر قصة عاد للاختلاف الذي علمته بين مُفادها ومفاد مماثلتها وإن اتحدت ألفاظهما‏.‏
والبليغ يتفطن للتغاير بينهما فيصرفه عن توهم أن تكون هذه تكريراً فإنه لما لم يسبق وصف عذاب عاد لم يستقم أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏فكيف كان عذابي‏}‏ تعجيباً من حالة عذابهم‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ونذر‏}‏ موعظة من تحقق وعيد الله إياهم، وقد أشار الفخر إلى هذا وقفينا عليه ببسط وتوجيه‏.‏ وأصل السؤال عن تكرير هذه الجملة أثناء قصة عاد هنا أورده في كتاب «درة التنزيل وغرة التأويل» المنسوب إلى الفخر وإلى الراغب إلا أن كلام الفخر في «التفسير» أجدر بالتعويل مما في «درة التنزيل»‏.‏
وجملة ‏{‏إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً‏}‏ الخ بيان للإجمال الذي في قوله‏:‏ ‏{‏فكيف كان عذابي ونذر‏}‏‏.‏ وهو في صورة جواب للاستفهام الصوري‏.‏ وكلتا الجملتين يفيد تعريضاً بتهديد المشركين بعذاب على تكذيبهم‏.‏
وجملة البيان إنما اتصف حال العذاب دون حال الإِنذار، أو حال رسولهم وهو اكتفاء لأن التكذيب يتضمن مجيء نذير إليهم وفي مفعول ‏{‏كذبت‏}‏ المحذوف إشعار برسولهم الذي كذبوه وبعث الرسول وتكذيبهم إياه بتضمن الإِنذار لأنهم لما كذبوه حق عليه إنذارهم‏.‏
وتعدية إرسال الريح إلى ضميرهم هي كإسناد التكذيب إليهم بناء على الغالب وقد أنجى الله هوداً والذين معه كما علمت آنفاً أو هو عائد إلى المكذبين بقرينة قوله‏:‏ ‏{‏كذبت عاد‏}‏‏.‏
والصرصر‏:‏ الشديدة القوية يكون لها صوت، وتقدم في سورة فصّلت‏.‏
وأريد ب ‏{‏يوم نحس‏}‏ أول أيام الريح التي أرسلت على عاد إذ كانت سبعة أيام إلا يوماً كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات‏}‏ في سورة فصّلت ‏(‏16‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً‏}‏ في سورة الحاقة ‏(‏7‏)‏‏.‏
والنحْس‏:‏ سوء الحال‏.‏
وإضافة يوم‏}‏ إلى ‏{‏نحس‏}‏ من إضافة الزمان إلى ما يقع فيه كقولهم يوم تحلاق اللمم، ويوم فتح مكة‏.‏ وإنما يضاف اليوم إلى النحس باعتبار المنحوس، فهو يوم نحس للمعذبين يوم نصر للمؤمنين ومصائب قوم عند قوم فوائد‏.‏‏.‏ وليس في الأيام يوم يوصف بنحس أو بسعد لأن كل يوم تحدث فيه نحوس لقوم وسعود لآخرين، وما يروى من أخبار في تعيين بعض أيام السنة للنحس هو من أغلاط القصاصين فلا يلقي المسلم الحق إليها سمعه‏.‏
واشتهر بين كثير من المسلمين التشاؤم بيوم الأربعاء‏.‏ وأصل ذلك انجرّ لهم من عقائد مجوس الفرس، ويسمون الأربعاء التي في آخر الشهر «الأربعاء التي لا تدور»، أي لا تعود، أرادوا بهذا الوصف ضبط معنى كونها آخر الشهر لئلا يظن أنه جميع النصف الأخير منه وإلاّ فأيّة مناسبة بين عدم الدوران وبين الشؤم، وما من يوم إلاّ وهو يقع في الأسبوع الأخير من الشهر ولا يدور في ذلك الشهر‏.‏
ومن شعر بعض المولدين من الخراسانيين‏:‏
لقاؤك للمبكِّر فَألُ سوء *** ووجهك أربعاءُ لا تدور
وانظر ما تقدم في سورة فصّلت‏.‏
و ‏{‏مستمر‏}‏‏:‏ صفة ‏{‏نحس‏}‏، أي نحس دائم عليهم فعُلِم من الاستمرار أنه أبادهم إذ لو نجوا لما كان النحس مستمراً‏.‏ وليس ‏{‏مستمر‏}‏ صفة ل ‏{‏يوم‏}‏ إذ لا معنى لوصفه بالاستمرار‏.‏
والكلام في اشتقاق مستمر تقدم آنفاً عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولوا سحر مستمر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 2‏]‏‏.‏
ويجوز أن يكون مشتقاً من مرّ الشيء قاصراً، إذا كان مُرّاً، والمرارة مستعارة للكراهية والنفرة فهو وصف كاشف لأن النحس مكروه‏.‏
والنزع‏:‏ الإِزالة بعُنف لئلا يبقى اتصال بين المزال وبين ما كان متصلاً به، ومنه نزع الثياب‏.‏
والأعجاز جمع عَجُز‏:‏ وهو أسفل الشيء، وشاع إطلاق العَجُز على آخر الشيء لأنهم يعتبرون الأجسام منتصبة على الأرض فأولاها ما كان إلى السماء وآخرها ما يلي الأرض‏.‏
وأطلقت الأعجاز هنا على أصول النخل لأن أصل الشجرة هو في آخرها مما يلي الأرض‏.‏
وشبه الناس المطروحون على الأرض بأصول النخيل المقطوعة التي تقلع من منابتها لموتها إذ تزول فروعها ويتحاتّ ورقها فلا تبقى إلا الجذوع الأصلية فلذلك سميت أعجازاً‏.‏
و ‏{‏منقعر‏}‏‏:‏ اسم فاعل انقعر مطاوع قَعره، أي بلغ قَعْره بالحفر يقال‏:‏ قَعَرَ البئرَ إذا انتهى إلى عمقها، أي كأنهم أعجاز نخل قعرت دواخله وذلك يحصل لعُود النخل إذا طال مكثه مطروحاً‏.‏
ومنقعر‏:‏ وصف النخل، روعي في إفراده وتذكيره صورة لفظ نخل دون عدد مدلوله خلافاً لما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كأنهم أعجاز نخل خاوية‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 7‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏والنخل ذات الأكمام‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 11‏]‏
قال القرطبي‏:‏ «قال أبو بكر ابن الأنباري سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة من جملتها، قيل له‏:‏ ما الفرق بين قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولسليمان الريح عاصفة‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 81‏]‏ و‏{‏جاءتها ريح عاصف‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 22‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أعجاز نخل خاوية‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 7‏]‏ و‏{‏أعجاز نخل منقعر‏}‏‏؟‏ فقال كل ما ورد عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً أو إلى المعنى تأنيثاً» اه‏.‏
وجملة ‏{‏كأنهم أعجاز نخل منقعر‏}‏ في موضع الحال من ‏{‏الناس‏}‏ ووجه الوصف ب ‏{‏منقعر‏}‏ الإِشارة إلى أن الريح صرعتهم صرعاً تفلقت منه بطونهم وتطايرت أمعاؤهم وأفئدتهم فصاروا جثثاً فُرغا‏.‏ وهذا تفظيع لحالهم ومثلة لهم لتخويف من يراهم‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏
‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏21‏)‏‏}‏
تكرير لنظيره السابق عقب قصة قوم نوح لأن مقام التهويل والتهديد يقتضي تكرير ما يفيدهما‏.‏ و‏(‏كيف‏)‏ هنا استفهام على حالة العذاب، وهي الحالة الموصوفة في قوله‏:‏ ‏{‏إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً‏}‏ إلى ‏{‏منقعر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 19، 20‏]‏، والاستفهام مستعمل في التعجيب‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏22‏)‏‏}‏
تكرير لنظيره السابق في خبر قوم نوح‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 25‏]‏
‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ‏(‏23‏)‏ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ‏(‏24‏)‏ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ‏(‏25‏)‏‏}‏
القول في موقع جملة ‏{‏كذبت ثمود بالنذر‏}‏ كالقول في موقع جملة ‏{‏كذبت عاد‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 18‏]‏‏.‏ وكذلك القول في إسناد حكم التكذيب إلى ثمود وهو اسم القبيلة معتبر فيه الغالب الكثير‏.‏ فإن صالحاً قد آمن به نفر قليل كما حكاه الله عنهم في سورة الأعراف‏.‏
وثمود‏:‏ ممنوع من الصرف باعتبار العلمية والتأنيث المعنوي، أي على تأويل الاسم بالقبيلة‏.‏
والنذر‏:‏ جمع نذير الذي هو اسم مصدر أنذر، أي كذبوا بالإِنذارات التي أنذرهم الله بها على لسان رسوله‏.‏ وليس النُذر هنا بصالح لحمله على جمْع النذير بمعنى المُنذر لأن فعل التكذيب إذا تعدى إلى الشخص المنسوب إلى الكذب تعدى إلى اسمه بدون حرف قال تعالى‏:‏ ‏{‏فكذبوا رسلي‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 45‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏لما كذبوا الرسل‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 37‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وإن يكذبوك‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 42‏]‏، وإذا تعدى إلى الكلام المكذّب تعدى إليه بالباء قال‏:‏ ‏{‏وكذبتم به‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 57‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وكذب به قومك‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 66‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إن الذين كذبوا بآياتنا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 40‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏كذبوا بآياتنا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 11‏]‏‏.‏ وهذا بخلاف قوله‏:‏ ‏{‏كذبت ثمود المرسلين‏}‏ في سورة الشعراء ‏(‏141‏)‏‏.‏
والمعنى‏:‏ أنهم كذبوا إنذارات رسولهم، أي جحدوها ثم كذبوا رسولهم، فلذلك فُرع على جملة كذبت ثمود بالنذر‏}‏ قوله‏:‏ ‏{‏فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏بل هو كذاب أشر‏}‏ ولو كان المراد بالنذر جمع النذير وأطلق على نذيرهم لكان وجه النظم أن تقع جملة ‏{‏فقالوا أبشراً‏}‏ إلى آخرها غير معطوفة بالفاء لأنها تكون حينئذٍ بياناً لجملة ‏{‏كذبت ثمود بالنذر‏}‏‏.‏
والمعنى‏:‏ أن صالحاً جاءهم بالإِنذارات فجحدوا بها وكانت شبهتهم في التكذيب ما أعرب عنه قولهم‏:‏ ‏{‏أبشراً منا واحداً نتبعه‏}‏ إلى آخره، فهذا القول يقتضي كونه جواباً عن دعوة وإنذار، وإنما فُصّل تكذيب ثمود وأجمل تكذيب عاد لقصد بيان المشابهة بين تكذيبهم ثمود وتكذيب قريش إذ تشابهت أقوالهم‏.‏
والقول في انتظام جملة ‏{‏فقالوا أبشراً‏}‏ الخ بعد جملة ‏{‏كذبت ثمود بالنذر‏}‏ كالقول في جملة ‏{‏فكذبوا عبدنا‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 9‏]‏ بعد جملة ‏{‏كذبت قبلهم قوم نوح‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 9‏]‏‏.‏
وهذا قول قالوه لرسولهم لما أنذرهم بالنذر لأن قوله‏:‏ ‏{‏كذبت‏}‏ يؤذن بمخبر إذ التكذيب يقتضي وجود مخبر‏.‏ وهو كلام شافهوا به صالحاً وهو الذي عنوه بقولهم‏:‏ ‏{‏أبشراً منَّا‏}‏ إلخ‏.‏ وعدلوا عن الخطاب إلى الغيبة‏.‏
وانتصب ‏{‏أبشراً‏}‏ على المفعولية ل ‏{‏نتبعه‏}‏ على طريقة الاشتغال، وقدم لاتصاله بهمزة الاستفهام لأن حقها التصدير واتصلت به دونَ أن تدخل على نتبع لأن محل الاستفهام الإنكاري هو كون البشر متبوعاً لا اتباعهم له ومثله ‏{‏أبشر يهدوننا‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 6‏]‏ وهذا من دقائق مواقع أدوات الاستفهام كما بين في علم المعاني‏.‏
والاستفهام هنا إنكاري، أنكروا أن يرسل الله إلى الناس بَشراً مثلهم، أي لو شاء الله لأرسل ملائكة‏.‏
ووصف ‏{‏بشراً‏}‏ ب ‏{‏واحداً‏}‏‏:‏ إما بمعنى أنه منفرد في دعوته لا أتباع له ولا نصراء، أي ليس ممن يخشى، أي بعكس قول أهل مدين
‏{‏ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 91‏]‏‏.‏ وإما بمعنى أنه من جملة آحاد الناس، أي ليس من أفضلنا‏.‏ وإما بمعنى أنه منفرد في ادعاء الرسالة لا سلف له فيها كقول أبي مِحْجن الثقفي‏:‏
قد كنت أغنى الناس شخصاً واحداً *** سَكن المدينة من مزارع فُوم
يريد‏:‏ لا يناظرني في ذلك أحد‏.‏
وجملة ‏{‏إنا إذا لفي ضلال وسعر‏}‏ تعليل لإنكار أن يتبعوا بشراً منهم تقديره‏:‏ أنتّبعك وأنت بشر واحد منا‏.‏
و ‏(‏إذن‏)‏ حرف جواب هي رابطة الجملة بالتي قبلها‏.‏ والضلال‏:‏ عدم الاهتداء إلى الطريق، أرادوا‏:‏ إنا إذن مخطئون في أمرنا‏.‏
و ‏{‏السُعُر‏}‏‏:‏ الجُنون، يقال بضم العين وسكونها‏.‏
وفسر ابن عباس السُعُر بالعذاب على أنه جمع سَعير‏.‏ وجملة ‏{‏ألقى الذكر عليه من بيننا‏}‏ تعليل للاستفهام الإِنكاري‏.‏
و ‏{‏ألقى‏}‏ حقيقته‏:‏ رُميَ من اليد إلى الأرض وهو هنا مستعار لإِنزال الذكر من السماء قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 5‏]‏‏.‏
و ‏(‏في‏)‏ للظرفية المجازية، جعلوا تلبسهم بالضلال والجنون كتلبس المظروف بالظرف‏.‏
و ‏{‏من بيننا‏}‏ حال من ضمير ‏{‏عليه‏}‏، أي كيف يُلقى عليه الذكر دوننا، يريدون أن فيهم من هو أحق منه بأن يوحى إليه حسب مدارك عقول الجهلة الذين يقيسون الأمور بمقاييس قصور أفهامهم ويحسبون أن أسباب الأثرة في العادات هي أسبابها في الحقائق‏.‏
وحرف ‏{‏من‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏من بيننا‏}‏ بمعنى الفصل كما سماه ابن مالك وإن أباه ابن هشام أي مفصولاً من بيننا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله يعلم المفسد من المصلح‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 220‏]‏‏.‏
و ‏{‏بل هو كذاب أشر‏}‏ إضراب عن ما أنكروه بقولهم‏:‏ ‏{‏أألقى الذكر عليه من بيننا‏}‏ أي لم ينزل الذكر عليه من بيننا بل هو كذّاب فيما ادعاه، بَطر متكبر‏.‏
و ‏(‏الأشر‏)‏ بكسر الشين وتخفيف الراء‏:‏ اسم فاعل أَشِر، إذا فرح وبَطَر، والمعنى‏:‏ هو معجَب بنفسه مُدَّععٍ ما ليس فيه‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏
‏{‏سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ‏(‏26‏)‏‏}‏
مقول قول محذوف دل عليه السياق تقديره‏:‏ قلنا لنذيرهم الذي دل عليه قوله‏:‏ ‏{‏كذبت ثمود بالنذر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 23‏]‏ فإن النذر تقتضي نذيراً بها وهو المناسب لقوله بعده ‏{‏فارتقبهم واصطبر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 27‏]‏ وذلك مبني على أن قوله آنفاً‏:‏ ‏{‏فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 25‏]‏ كلام أجابوا به نِذارة صالح إيّاهم المقدرة من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذبت ثمود بالنذر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 23‏]‏، وبذلك انتظم الكلام أتم انتظام‏.‏
وقرأ الجمهور ‏{‏سيعلمون‏}‏ بياء الغيبة‏.‏ وقرأ ابن عامر وحمزة ‏{‏ستعلمون‏}‏ بتاء الخطاب وهي تحتمل أن يكون هذا حكاية كلام من الله لصالح على تقدير‏:‏ قلنا له‏:‏ قل لهم، ففيه حذف قول‏.‏ ويحتمل أن يكون خطاباً من الله لهم بتقدير‏:‏ قلنا لهم ستعلمون‏.‏ ويحتمل أن يكون خطاباً للمشركين على جعل الجملة معترضة‏.‏
والمراد من قوله‏:‏ ‏{‏غداً‏}‏ الزمن المستقبل القريب كقولهم في المثل‏:‏ إن مع اليوم غداً، أي إن مع الزمن الحاضر زمناً مستقبلاً‏.‏ يقال في تسلية النفس من ظلم ظالم ونحوه، وقال الطِرِمَّاح‏:‏
وقبْلَ غدٍ يَا ويحَ قلبيَ من غد *** إذا راح أصحابي ولستُ برائح
يريد يوم موته‏.‏
والمراد به في الآية يوم نزول عذابهم المستقرب‏.‏
وتبيينه في قوله‏:‏ ‏{‏إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 27‏]‏ الخ، أي حين يرون المعجزة وتلوح لهم بوارق العذاب يعلمون أنهم الكذّابون الأشرون لا صالح‏.‏ وعلى الوجه الثاني في ضمير ‏{‏سيعلمون‏}‏ يكون الغد مراداً به‏:‏ يوم انتصار المسلمين في بدر ويوم فتح مكة، أي سيعلمون من الكذاب المماثل للكذاب في قصة ثمود‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 29‏]‏
‏{‏إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ‏(‏27‏)‏ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ‏(‏28‏)‏ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ‏(‏29‏)‏‏}‏
هذه الجملة بيان لجملة ‏{‏سيعلمون غداً من الكذاب الأشر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 26‏]‏ باعتبار ما تضمنته الجملة المبيَّنة بفتح الياء من الوعيد وتقريب زمانه وإن فيه تصديق الرسول الذي كذبوه‏.‏
وضمير ‏{‏لهم‏}‏ جار على مقتضى الظاهر على قراءة الجمهور ‏{‏سيعلمون‏}‏ بياء الغائبة، وإما على قراءة ابن عامر وحمزة ‏{‏ستعلمون‏}‏ بتاء الخطاب فضمير ‏{‏لهم‏}‏ التفات‏.‏
وإرسال الناقة إشارة إلى قصة معجزة صالح أنه أخرج لهم ناقة من صخرة وكانت تلك المعجزة مقدِّمة الأسباب التي عُجل لهم العذاب لأجلها، فذكر هذه القصة في جملة البيان توطئة وتمهيد‏.‏
والإِرسال مستعار لجعلها آية لصالح‏.‏ وقد عُرف خَلْق خوارق العادات لتأييد الرسل باسم الإِرسال في القرآن كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 59‏]‏ فشبهت الناقة بشاهد أرسله الله لتأييد رسوله‏.‏ وهذا مؤذن بأن في هذه الناقة معجزةً وقد سماها الله آية في قوله حكاية عنهم وعن صالح ‏{‏فأت بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 154، 155‏]‏ الخ‏.‏
و ‏{‏فتنة لهم‏}‏ حال مقدر، أي تفتنهم فتنة هي مكابرتهم في دلالتها على صدق رسولهم، وتقدير معنى الكلام‏:‏ إنا مرسلو الناقة آية لك وفتنة لهم‏.‏
وضمير ‏{‏لهم‏}‏ عائد إلى المكذبين منهم بقرينة إسناد التكذيب كما تقدم‏.‏ واسم الفاعل من قوله‏:‏ ‏{‏مرسلوا الناقة‏}‏ مستعمل في الاستقبال مجازاً بقرينة قوله‏:‏ ‏{‏فارتقبهم واصطبر‏}‏، فعدل عن أن يقال‏:‏ سنرسل، إلى صيغة اسم الفاعل الحقيقة في الحال لتقريب زمن الاستقبال من زمن الحال‏.‏
والارتقاب‏:‏ الانتظار، ارتقب مثل‏:‏ رقب، وهو أبلغ دلالة من رقب، لزيادة المبنى فيه‏.‏
وعدي الارتقاب إلى ضميرهم على تقدير مضاف يقتضيه الكلام لأنه لا يرتقب ذواتهم وإنما يرتقب أحوالاً تحصل لهم‏.‏ وهذه طريقة إسناد أو تعليققِ المشتقات التي معانيها لا تسند إلى الذوات فتكون على تقدير مضاف اختصاراً في الكلام اعتماداً على ظهور المعنى‏.‏ وذلك مثل إضافة التحريم والتحليل إلى الذوات في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم الميتة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ فارتقب ما يحصل لهم من الفتنة عند ظهور الناقة‏.‏
والاصطبار‏:‏ الصبر القوي، وهو كالارتقاب أيضاً أقوى دلالة من الصبر، أي اصبر صبراً لا يعتريه ملل ولا ضجر، أي اصبر على تكذيبهم ولا تأيس من النصر عليهم، وحذف متعلق ‏{‏اصطبر‏}‏ ليعم كل حال تستدعي الضجر‏.‏ والتقديرُ‏:‏ واصطبر على أذاهم وعلى ما تجده في نفسك من انتظار النصر‏.‏
وجملة ‏{‏ونبئهم أن الماء قسمة بينهم‏}‏ معطوفة على جملة ‏{‏إنا مرسلوا الناقة‏}‏ باعتبار أن الوعد بخلق آية الناقة يقتضي كلاماً محذوفاً، تقديره‏:‏ فأرسلنا لهم الناقة وقلنا نبئهم أن الماء قسمة بينهم على طريقة العطف والحذف في قوله‏:‏ ‏{‏فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانفلق‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 63‏]‏، وإن كان حرف العطف مختلفاً، ومثل هذا الحذف كثير في إيجاز القرآن‏.‏
والتعريف في ‏{‏الماء‏}‏ للعهد، أي ماء القرية الذي يستقون منه، فإن لكل محلة ينزلها قوم ماءً لسقياهم وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولما ورد ماء مدين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 23‏]‏‏.‏
وأخبر عن الماء بأنه ‏{‏قسمة‏}‏‏.‏ والمراد مقسوم فهو من الإِخبار بالمصدر للتأكيد والمبالغة‏.‏
وضمير ‏{‏بينهم‏}‏ عائد إلى معلوم من المقام بعد ذكر الماء إذ من المتعارف أن الماء يستقي منه أهل القرية لأنفسهم وماشيتهم، ولما ذكرت الناقة عُلم أنها لا تستغني عن الشرب فغلّب ضمير العقلاء على ضمير الناقة الواحدة وإذ لم يكن للناقة مالك خاص أمر الله لها بنوبة في الماء‏.‏ وقد جاء في آية سورة الشعراء ‏(‏155‏)‏ ‏{‏قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم‏}‏ وهذا مبدأ الفتنة، فقد روي أن الناقة كانت في يوم شربها تشرب ماء البئر كله فشحّوا بذلك وأضمروا حَلْدَها عن الماء فأبلغهم صالح إن الله ينهاهم عن أن يمسوها بسوء‏.‏
والمحْتضر بفتح الضاد اسم مفعول من الحضور وهو ضد الغيبة‏.‏ والمعنى‏:‏ محتضر عنده فحذف المتعلققِ لظهوره‏.‏ وهذا من جملة ما أُمر رسولهم بأن ينبئهم به، أي لا يحضُر القوم في يوم شِرب الناقة، وهي بإلهاممِ الله لا تحضر في أيام شرب القوم‏.‏ والشِّرب بكسر الشين‏:‏ نوبة الاستقاء من الماء‏.‏ فنادَوا صاحبهم الذي أغروه بقتلها وهو قُدار بضم القاف وتخفيف الدال بنُ سالف‏.‏ ويعرف عند العرب بأحمر، قال زهير‏:‏
فَتُنْتِجْ لكم غلمانَ أشأَمَ كلَّهم *** كأحمرِ عَاد ثم تُرضع فَتفْطِم
يريد أحمر ثمود لأن ثموداً إخوة عاد ‏(‏ولم أقف على سبب وصفه بأحمر وأحسب أنه لبياض وجهه‏)‏‏.‏ وفي الحديث بُعثت إلى الأحمر والأسود، وكان قُدار من سَادتهم وأهل العزة منهم، وشبههُ النبي بأبي زمعة يعني الأسودَ بن المطلب بن أسد في قوله‏:‏ فانتدب لها رجل ذو منعة في قومه كأبي زمعة ‏(‏أي فأجاب نداءهم فَرماها بنبل فقتلها‏)‏‏.‏
وعبر عنه بصاحبهم للإِشارة إلى أنهم راضون بفعله إذ هم مصاحبون له وممالئون‏.‏
ونداؤهم إياه نداء الإِغراء بالناقة وإنما نادوه لأنه مشتهر بالإِقدام وقلة المبالاة لعزته‏.‏
وتعاطى‏}‏ مطاوع عاطاه وهو مشتق من‏:‏ عطَا يعطو، إذا تناول‏.‏ وصيغة تفاعل تقتضي تعدد الفاعل، شبه تخوف القوم من قتلها لما أنذرهم به رسولهم من الوعيد وتردُّدُهم في الإِقدام على قتلها بالمعاطاة فكل واحد حين يُحجم عن مباشرة ذلك ويشير بغيره كأنه يعطي ما بيده إلى يد غيره حتى أخذه قُدار‏.‏
وعطف ‏{‏فعقر‏}‏ بالفاء للدلالة على سرعة إتيانه ما دعوه لأجله‏.‏
والعقر‏:‏ أصله ضرب البعير بالسيف على عراقيبه ليسقط إلى الأرض جاثياً فيتمكن الناحر من نَحره‏.‏ قال أبو طالب‏:‏
ضروبٌ بنصل السيف سُوق سمائها *** إذا عدموا زادا فإنك عاقر
وغلب إطلاقه على قتل البعير كما هنا إذ ليس المراد أنه عَقَرها بل قتلها بنبله‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏
‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏30‏)‏‏}‏
القول فيه كالقول في نظيره الواقع في قصة قوم نوح فليس هو تكريراً ولكنه خاص بهذه القصة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏
‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ‏(‏31‏)‏‏}‏
جواب قوله‏:‏ ‏{‏فكيف كان عذابي ونذر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 30‏]‏ فهو مثل موقع قوله‏:‏ ‏{‏إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 19‏]‏ في قصة عاد كما تقدم‏.‏
والصيحة‏:‏ الصاعقة وهي المعبر عنها بالطاغية في سورة الحاقة، وفي سورة الأعراف بالرجفة، وهي صاعقة عظيمة خارقة للعادة أهلكتهم، ولذلك وصفت ب ‏{‏واحدة‏}‏ للدلالة على أنها خارقة للعادة إذ أتت على قبيلة كاملة وهم أصحاب الحِجْر‏.‏
و ‏{‏كانوا‏}‏ بمعنى‏:‏ صاروا، وتجيء ‏(‏كان‏)‏ بمعنى ‏(‏صار‏)‏ حين يراد بها كون متجدد لم يكن من قبل‏.‏
والهشيم‏:‏ ما يَبِسَ وجفّ من الكلأ ومن الشجر، وهو مشتق من الهشْم وهو الكَسْر لأن اليابس من ذلك يصير سريع الانكسار‏.‏ والمراد هنا شيء خاص منه وهو ما جفّ من أغصَان العضاة والشوك وعظيم الكلأ كانوا يتخذون منه حظائر لحفظ أغنامهم من الريح والعادية ولذلك أضيف الهشيم إلى المْحتظِر‏.‏ وهو بكسر الظاء المعجمة‏:‏ الذي يَعمل الحَظيرة ويَبْنيهَا، وذلك بأنه يجمع الهشيم ويلقيه على الأرض ليرصفه بعد ذلك سياجاً لحظيرته فالمشبه به هو الهشيم المجموع في الأرض قبل أن يُسيّج ولذلك قال‏:‏ ‏{‏كهشيم المحتظر‏}‏ ولم يقل‏:‏ كهشيم الحظيرة، لأن المقصود بالتشبيه حالته قبل أن يرصف ويصفف وقبل أن تتخذ منه الحظيرة‏.‏
والمحتظر‏:‏ مفتعل من الحظيرة، أي متكلف عمل الحظيرة‏.‏
والقول في تعدية ‏{‏أرسلنا‏}‏ إلى ضمير ‏{‏ثمود‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 23‏]‏ كالقول في ‏{‏أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 19‏]‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏32‏)‏‏}‏
تكرير ثان بعد نظيريه السالفين في قصة قوم نوح وقصة عاد تذييلاً لهذه القصة كما ذيلت بنظيريه القصتان السالفتان اقتضى التكرير مقام الامتنان والحث على التدبر بالقرآن لأن التدبر فيه يأتي بتجنب الضلال ويرشد إلى مسالك الاهتداء فهذا أهم من تكرير ‏{‏فكيف كان عذابي ونذر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 30‏]‏ فلذلك أوثر‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 35‏]‏
‏{‏كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ‏(‏33‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ‏(‏34‏)‏ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ‏(‏35‏)‏‏}‏
القول في مفرداته كالقول في نظائره، وقصة قوم لوط تقدمت في سورة الأعراف وغيرها‏.‏
وعرف قوم لوط بالإِضافة إليه إذ لم يكن لتلك الأمة اسم يعرفون به عند العرب‏.‏
ولم يُحك هنا ما تلقَّى به قوم لوط دعوة لوط كما حكي في القصص الثلاث قبل هذه، وقد حكي ذلك في سورة الأعراف وفي سورة هود وفي سورة الحجر لأن سورة القمر بنيت على تهديد المشركين عن إعراضهم عن الاتّعاظ بآيات الله التي شاهدوها وآثار آياته على الأمم الماضية التي علموا أخبارها وشهدوا آثارها، فلم يكن ثمة مقتض لتفصيل أقوال تلك الأمم إلا ما كان منها مشابهاً لأقوال المشركين في تفصيله ولم تكن أقوال قوم لوط بتلك المثابة، فلذلك اقتصر فيها على حكاية ما هو مشترك بينهم وبين المشركين وهو تكذيب رسولهم وإعراضهم عن نذره‏.‏ والنذر تقدم‏.‏
وجملة ‏{‏إنا أرسلنا عليهم حاصباً‏}‏ استئناف بياني ناشئ عن الإِخبار عن قوم لوط بأنهم كذبوا بالنذر‏.‏
وكذلك جملة ‏{‏نجيناهم بسحر‏}‏، وجملة ‏{‏كذلك نجزي من شكر‏}‏‏.‏
والحاصب‏:‏ الريح التي تحصِب، أي ترمي بالحصباء ترفعها من الأرض لقوتها، وتقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً‏}‏ في سورة ‏[‏العنكبوت‏:‏ 40‏]‏‏.‏
والاستثناء حقيقي لأن آل لوط من جملة قومه‏.‏
وآل لوط‏:‏ قرابته وهم بَنَاتُه، ولوط داخل بدلالة الفحوى‏.‏ وقد ذكر في آيات أخرى أن زوجة لوط لم يُنجها الله ولم يذكر ذلك هنا اكتفاء بمواقع ذكره وتنبيهاً على أن من لا يؤمن بالرسول لا يعد من آله، كما قال‏:‏ ‏{‏يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 46‏]‏ وذكر ‏{‏بسحر‏}‏، أي في وقت السحر للإِشارة إلى إنجائهم قبيل حلول العذاب بقومهم لقوله بعده‏:‏ ‏{‏ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر‏}‏‏.‏
وانتصب ‏{‏نعمة‏}‏ على الحال من ضمير المتكلم، أي إنعاماً منا‏.‏
وجملة ‏{‏كذلك نجزي من شكر‏}‏ معترضة، وهي استئناف بياني عن جملة ‏{‏نجيناهم بسحر‏}‏ باعتبار ما معها من الحال، أي إنعاماً لأجل أنه شكر، ففيه إيماء بأن إهلاك غيرهم لأنهم كفروا، وهذا تعريض بإنذار المشركين وبشارة للمؤمنين‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏من عندنا‏}‏ تنويه بشأن هذه النعمة لأن ظرف ‏(‏عند‏)‏ يدل على الادخار والاستئثار مثل ‏(‏لدن‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏من لدنا‏}‏‏.‏ فذلك أبلغ من أن يقال‏:‏ نعمة منا أو أنعمنا‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ‏(‏36‏)‏‏}‏
عطف على جملة ‏{‏إنا أرسلنا عليهم حاصباً‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 34‏]‏‏.‏
وتأكيد الكلام بلام القسم وحرف التحقيق يقصد منه تأكيد الغرض الذي سيقت القصة لأجله وهو موعظة قريش الذين أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتماروا بالنذر‏.‏
والبطشة‏:‏ المرَّة من البطش، وهو الأخذ بعنف لعقاب ونحوه، وتقدم في قوله‏:‏ ‏{‏أم لهم أيد يبطشون بها‏}‏ في آخر الأعراف ‏(‏195‏)‏، وهي هنا تمثيل للإِهلاك السريع مثل قوله‏:‏ ‏{‏يوم نبطش البطشة الكبرى‏}‏ في سورة الدخان ‏(‏16‏)‏‏.‏
والتماري‏:‏ تفاعل من المِراء وهو الشك‏.‏ وصيغة المفاعلة للمبالغة‏.‏ وضمن تماروا‏}‏ معنى‏:‏ كذبوا، فعدي بالباء، وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبأي آلاء ربك تتمارى‏}‏ في سورة النجم ‏(‏55‏)‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏37‏)‏‏}‏
إجمال لما ذكر في غير هذه السورة في قصة قوم لوط أنه نزل به ضيف فرام قومه الفاحشة بهم وعجز لوط عن دفع قومه إذ اقتحموا بيته وأنّ الله أعمى أعينهم فلم يروا كيف يدخلون‏.‏
والمراودة‏:‏ محاولة رضَى الكَاره شيئاً بقبول ما كرهه، وهي مفاعلة من راد يرود رَوْداً، إذا ذهب ورجع في أمر، مُثِّلت هيئة من يكرر المراجعة والمحاولة بهيئة المنْصرف ثم الراجع‏.‏ وضمن ‏{‏راودوه‏}‏ معنى دفعوه وصرفوه فعدّي ب ‏{‏عن‏}‏‏.‏
وأسند المراودة إلى ضمير قوم لوط وإن كان المراودون نفراً منهم لأن ما راودوا عليه هو راد جميع القوم بقطع النظر عن تعيين من يفعله‏.‏
ويتعلق قوله‏:‏ ‏{‏عن ضيفه‏}‏ بفعل ‏{‏راودوه‏}‏ بتقدير مضاف، أي عن تمكينهم من ضيوفه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فذوقوا عذابي ونذر‏}‏ مقول قول محذوف دل عليه سياق الكلام للنفَر الذين طمسنا أعينهم ‏{‏ذوقوا عذابي‏}‏ وهو العمى، أي ألقى الله في نفوسهم أنَّ ذلك عقاب لهم‏.‏
واستعمل الذوق في الإِحساس بالعذاب مجازاً مرسلاً بعلاقة التقييد في الإِحساس‏.‏
وعطف النذر على العذاب باعتبار أن العذاب تصديق للنذر، أي ذوقوا مصداق نذري، وتعدية فعل ‏{‏ذوقوا‏}‏ إلى ‏{‏نذري‏}‏ بتقدير مضاف، أي وآثار نذري‏.‏
والقول في تأكيده بلام القسم تقدم، وحذفت ياء المتكلم من قوله‏:‏ ‏{‏ونذر‏}‏ تخفيفاً‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ‏(‏38‏)‏‏}‏
القول في تأكيده بلام القسم تقدم آنفاً في نظيره‏.‏
والبكرة‏:‏ أول النهار وهو وقت الصبح، وقد جاء في الآية الأخرى قوله‏:‏ ‏{‏إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 81‏]‏، فذكر ‏{‏بكرة‏}‏ للدلالة على تعجيل العذاب لهم‏.‏
والتصبيح‏:‏ الكون في زمن الصباح وهو أول النهار‏.‏
والمستقر‏:‏ الثابت الدائم الذي يجري على قوة واحدة لا يقلع حتى استأصلهم‏.‏
والعذاب‏:‏ هو الخسف ومطر الحجارة وهو مذكور في سورة الأعراف وسورة هود‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏
‏{‏فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏39‏)‏‏}‏
تفريع قوللٍ محذوف خوطبوا به مراد به التوبيخ؛ إمّا بأن ألقي في روعهم عند حلول العذاب، بأن ألقَى الله في أسماعهم صوتاً‏.‏
والخطاب لجميع الذين أصابهم العذاب المستقر، وبذلك لم تكن هذه الجملة تكريراً‏.‏ وحذفت ياء المتكلم من قوله‏:‏ ‏{‏ونذر‏}‏ تخفيفاً‏.‏
والقول في استعمال الذوق هنا كالقول في سابقه‏.‏
وفائدة الإعلام بما قيل لهم من قوله‏:‏ ‏{‏فذوقوا عذابي ونذر‏}‏ في الموضعين أن يتجدد عند استماع كل نبإ من ذلك ادّكار لهم واتّعاظ وإيقاظ استيفاءً لحق التذكير القرآني‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏40‏)‏‏}‏
تكرير ثالث تنويها بشأن القرآن للخصوصية التي تقدمت في المواضع التي كرر فيها نظيره وما يقاربه وخاصة في نظيره الموالي هو له‏.‏ ولم يذكر هنا ‏{‏فكيف كان عذابي ونذر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 30‏]‏ اكتفاء بحكاية التنكيل لقوم لوط في التعريض بتهديد المشركين‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 42‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ‏(‏41‏)‏ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ‏(‏42‏)‏‏}‏
لما كانت عدوة موسى عليه السلام غير موجهة إلى أمة القبط، وغيرَ مراد منها التشريع لهم‏.‏ ولكنها موجهة إلى فرعون وأهل دولته الذين بأيديهم تسيير أمور المملكة الفرعونية، ليسمحوا بإطلاق بني إسرائيل من الاستعباد، ويمكنوهم من الخروج مع موسى خص بالنذر هنا آل فرعون، أي فرعون وآله لأنه يصدر عن رأيهم، ألا ترى أن فرعون لم يستأثر بردّ دعوة موسى بل قال لمن حوله‏:‏ ‏{‏ألا تستمعون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 25‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏فماذا تأمرون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 35‏]‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏أرْجِهِ وأخاه‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 36‏]‏ الآية، ولذلك لم يكن أسلوب الإخبار عن فرعون ومن معه مماثلاً لأسلوب الإخبار عن قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط إذ صدر الإِخبار عن أولئك بجملة ‏{‏كذبت‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 18‏]‏، وخولف في الإِخبار عن فرعون فصدر بجملة ‏{‏ولقد جاء آل فرعون النذر‏}‏ وإن كان مآل هذه الأخبار الخمسة متماثلاً‏.‏
والآل‏:‏ القرابَة، ويطلق مجازاً على من له شدة اتصال بالشخص كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أدخلوا آل فرعون أشد العذاب‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 46‏]‏‏.‏ وكان الملوك الأقدمون ينوطون وزارتهم ومشاورتهم بقرابتهم لأنهم يأمنون كيدهم‏.‏
والنُذر‏:‏ جمع نذير‏:‏ اسم مصدر بمعنى الإِنذار‏.‏ ووجه جمعه أن موسى كرر إنذارهم‏.‏
والقول في تأكيد الخبر بالقَسَم كالقول في نظائره المتقدمة‏.‏
وإسناد التكذيب إليهم بناء على ظاهر حالهم وإلا فقد آمن منهم رجل واحد كما في سورة غافر‏.‏
وجملة ‏{‏كذبوا بآياتنا كلها‏}‏ بدل اشتمال من جملة ‏{‏جاء آل فرعون النذر‏}‏ لأن مجيء النذر إليهم ملابس للآيات، وظهور الآيات مقارن لتكذيبهم بها فمجيء النذر مشتمل على التكذيب لأنه مقارنُ مقارنِهِ‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏بآياتنا‏}‏ إشارة إلى آيات موسى المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 133‏]‏ وهي تسع آيات منها الخمس المذكورة في آية الأعراف والأربع الأخر هي‏:‏ انقلاب العصا حية، وظهور يده بيضاء، وسِنُو القحط، وانفلاق البحر بمرأى من فرعون وآله، ولم ينجع ذلك في تصميمهم على اللحاق ببني إسرائيل‏.‏
وتأكيد ‏{‏آياتنا‏}‏ ب ‏{‏كلها‏}‏ إشارة إلى كثرتها وأنهم لم يؤمنوا بشيء منها، وتكذيبهم بآية انفلاق البحر تكذيب فعلي لأن موسى لم يَتحدَّهُم بتلك الآية وقوم فرعون لما رأوا تلك الآية عدّوها سحراً وتوهموا البحر أرضاً فلم يهتدوا بتلك الآية‏.‏
والأخذ‏:‏ مستعار للانتقام، وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف‏}‏ في سورة النحل ‏(‏46، 47‏)‏‏.‏
وهذا الأخذ‏:‏ هو إغراق فرعون ورجالُ دولته وجنده الذين خرجوا لنصرتِه كما تقدم في الأعراف‏.‏
وانتصب أخذ عزيز مقتدر‏}‏ على المفعولية المطلقة مبيناً لنوع الأخذ بأفظع ما هو معروف للمخاطبين من أخذ الملوك والجبابرة‏.‏
والعزيز‏:‏ الذي لا يغلب‏.‏ والمقتدر‏:‏ الذي لا يَعجِز‏.‏
وأريد بذلك أنه أخْذ لم يبق على العدوّ أيّ إبقاء بحيث قطع دابر فرعون وآله‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏
‏{‏أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ‏(‏43‏)‏‏}‏
هذه الجملة كالنتيجة لحاصل القصص عن الأمم التي كذبت الرسل من قوم نوح فمن ذكر بعدهم ولذلك فُصِلت ولم تعطف‏.‏
وقد غير أسلوب الكلام من كونه موجَّهاً للرسول صلى الله عليه وسلم إلى توجيهه للمشركين ليُنتقل عن التعريض إلى التصريح اعتناء بمقام الإِنذار والإِبلاغ‏.‏
والاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏أكفاركم خير من أولائكم‏}‏ يجوز أن يكون على حقيقته، ويكون من المحسن البديعي الذي سماه السكاكي «سوْقَ المعلوم مساق غيره»‏.‏ وسماه أهل الأدب من قبله ب «تجاهل العارف»‏.‏ وعدل السكاكي عن تلك التسمية وقال لوقوعه في كلام الله تعالى نحو قوله‏:‏ ‏{‏وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 24‏]‏ وهو هنا للتوبيخ كما في قول ليلى ابنة طريف الخارجية ترثي أخاها الوليد بن طريف الشيباني‏:‏
أبا شَجر الخابُورِ ما لكَ مُورِقَا *** كأنَّك لَم تَجْزَع على ابننِ طريف
الشاهد في قولها‏:‏ كأنك لم تجزع الخ‏.‏
والتوبيخ عن تخطئتهم في عدم العذاب الذي حَلَّ بأمثالهم حتى كأنهم يحسبون كفّارهم خيراً من الكفّار الماضين المتحدَّث عن قصصهم، أي ليس لهم خاصية تربأ بهم عن أن يلحقهم ما لَحق الكفار الماضين‏.‏ والمعنى‏:‏ أنكم في عدم اكتراثكم بالموعظة بأحوال المكذبين السابقين لا تخلون عن أن أحد الأمرين الذي طمأنكم من أن يصيبكم مثل ما أصابهم‏.‏
و ‏{‏أم‏}‏ للإِضراب الانتقالي‏.‏ وما يقدر بعدها من استفهام مستعمل في الإِنكار‏.‏ والتقدير‏:‏ بل ما لكم براءة في الزبر حتى تكونوا آمنين من العقاب‏.‏
وضمير ‏{‏كفاركم‏}‏ لأهل مكة وهم أنفُسُهم الكفارُ، فإضافة لفظ ‏(‏كفار‏)‏ إلى ضميرهم إضافة بيانية لأن المضاف صنف من جنس من أضيف هو إليه فهو على تقدير ‏{‏مِن‏}‏ البيانية‏.‏ والمعنى‏:‏ الكفارُ منكم خير من الكفار السالفين، أي أأنتم الكفار خير من أولئك الكفار‏.‏
والمراد بالأَخْيَرية انتفاء الكفر، أي خير عند الله الانتقام الإِلهي وادعاء فارق بينهم وبين أولئك‏.‏
والبراءة‏:‏ الخلاص والسلامة مما يضرّ أو يشقّ أو يكلّف كلفة‏.‏ والمراد هنا‏:‏ الخلاص من المؤاخذة والمعاقبة‏.‏
و ‏{‏الزّبر‏}‏‏:‏ جمع زبور، وهو الكتاب، وزبور بمعنى مزبور، أي براءة كتبت في كتب الله السالفة‏.‏
والمعنى‏:‏ ألكم براءة في الزبر أن كفاركم لا ينالهم العقاب الذي نال أمثالهم من الأمم السالفة‏.‏
و ‏{‏في الزبر‏}‏ صفة ‏{‏براءة‏}‏، أي كائنة في الزبر، أي مكتوبة في صحائف الكتب‏.‏
وأفاد هذا الكلام ترديد النجاة من العذاب بين الأمرين‏:‏ إما الاتصاف بالخيْر الإِلهي المشار إليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن أكرمكم عند الله أتقاكم‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 13‏]‏، وإما المسامحة والعفو عما يقترفه المرء من السيئات المشار إليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لعل الله أطّلع على أهل بدر فقال‏:‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ‏"‏‏.‏ والمعنى انتفاء كلا الأمرين عن المخاطبين فلا مَأْمَنَ لهم من حلول العذاب بهم كما حلّ بأمثالهم‏.‏
والآية تُوذن بارتقاب عذاب ينال المشركين في الدنيا دون العذاب الأكبر، وذلك عذاب الجوع الذي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 10‏]‏ كما تقدم، وعذاب السيف يوم بدر الذي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 16‏]‏‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 45‏]‏
‏{‏أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ‏(‏44‏)‏ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ‏(‏45‏)‏‏}‏
‏{‏أم‏}‏ منقطعة لإِضراب انتقالي‏.‏ والاستفهام المقدر بعد ‏(‏أم‏)‏ مستعمل في التوبيخ، فإن كانوا قد صرحوا بذلك فظاهر، وإن كانوا لم يصرحوا به فهو إنباء بأنهم سيقولونه‏.‏
وعن ابن عباس‏:‏ أنهم قالوا ذلك يوم بَدر‏.‏ ومعناه‏:‏ أن هذا نزل قبلَ يوم بدر لأن قوله‏:‏ ‏{‏سيهزم الجمع‏}‏ إنذار بهزيمتهم يوم بدر وهو مستقبل بالنسبة لوقت نزول الآية لوجود علامة الاستقبال‏.‏
وغير أسلوب الكلام من الخطاب الموجه إلى المشركين بقوله‏:‏ ‏{‏أكفاركم خير‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 43‏]‏ الخ إلى أسلوب الغيبة رجوعاً إلى الأسلوب الجاري من أول السورة في قوله‏:‏ ‏{‏وإن يروا آية يعرضوا‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 2‏]‏ بعد أن قُضي حق الإِنذار بتوجيه الخطاب إلى المشركين في قوله‏:‏ ‏{‏أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 43‏]‏‏.‏
والكلام بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم وتعريض بالنِّذارة للمشركين مبني على أنهم تحدثهم نفوسهم بذلك وأنهم لا يحسبون حالهم وحال الأمم التي سيقت إليهم قصصُها متساويةً، أي نحن منتصرون على محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ليس رسول الله فلا يؤيده الله‏.‏
و ‏{‏جميع‏}‏ اسم للجماعة الذين أمرهُم واحد، وليس هو بمعنى الإحاطة، ونظيره ما وقع في خبر عمر مع علي وعباس رضي الله عنهم في قضية ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من أرض فَدَكَ، قال لهما‏:‏ ‏"‏ ثم جئتماني وأمركما جميع وكلمتكما واحدة ‏"‏ وقول لبيد‏:‏
عَرِيت وكان بها الجميعُ فأبكروا *** منها وغودَر نْؤيُها وثُمامها
والمعنى‏:‏ بل أيدَّعون أنهم يغالبون محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأنهم غالبونهم لأنهم جَميع لا يُغلبون‏.‏
ومنتصر‏:‏ وصف ‏{‏جميع‏}‏، جاء بالإِفراد مراعاة للفظ ‏{‏جميع‏}‏ وإن كان معناه متعدداً‏.‏
وتغيير أسلوب الكلام من الخطاب إلى الغيبة مشعر بأن هذا هو ظنهم واغترارهم، وقد روي أنّ أبا جهل قال يوم بدر‏:‏ «نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه»‏.‏ فإذا صح ذلك كانت الآية من الإِعجاز المتعلق بالإِخبار بالغيب‏.‏
ولعل الله تعالى ألقى في نفوس المشركين هذا الغرور بأنفسهم وهذا الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ليشغلهم عن مقاومته باليد ويقصرهم على تطاولهم عليه بالألسنة حتى تكثر أتباعه وحتى يتمكن من الهجرة والانتصار بأنصار الله‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏سيهزم الجمع ويولون الدبر‏}‏ جواب عن قولهم‏:‏ ‏{‏نحن جميع منتصر‏}‏ فلذلك لم تعطف الجملة على التي قبلها‏.‏ وهذا بشارة لرسوله صلى الله عليه وسلم بذلك وهو يعلم أن الله منجز وعده ولا يَزيد ذلك الكافرين إلا غروراً فلا يعيروه جانب اهتمامهم وأخذ العدة لمقاومته كما قال تعالى في نحو ذلك‏:‏ ‏{‏ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 44‏]‏‏.‏
والتعريف في ‏{‏الجمع‏}‏ للعهد، أي الجمع المعهود من قوله‏:‏ ‏{‏نحن جميع منتصر‏}‏ والمعنى‏:‏ سيهزم جمعهم‏.‏ وهذا معنى قول النحاة‏:‏ اللام عوض عن المضاف إليه‏.‏
والهزم‏:‏ الغلب، والسين لتقريب المستقبل، كقوله‏:‏ ‏{‏قل للذين كفروا ستغلبون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 12‏]‏‏.‏ وبني الفعل للمجهول لظهور أن الهازم المسلمون‏.‏
و ‏{‏يولُّون‏}‏‏:‏ يجعلون غيرهم يلي، فهو يتعدى بالتضعيف إلى مفعولين، وقد حذف مفعوله الأول هنا للاستغناء عنه إذ الغرض الإِخبار عنهم بأنهم إذا جاء الوغى يفرون ويولُّونكم الأدبار‏.‏
و ‏{‏الدُّبُر‏}‏‏:‏ الظهر، وهو ما أدبر، أي كان وراءً، وعكسه القبل‏.‏
والآية‏:‏ إخبار بالغيب، فإن المشركين هُزموا يوم بدر، وولوا الأدبار يومئذٍ، وولوا الأدبار في جمع آخر وهو جمع الأحزاب في غزوة الخندق ففرُّوا بليل كما مضى في سورة الأحزاب وقد ثبت في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج لصف القتال يوم بدر تلا هذه الآية قبل القتال، إيماء إلى تحقيق وعد الله بعذابهم في الدنيا‏.‏
وأفرد الدبر، والمراد الجمعُ لأنه جنس يصدق بالمتعدد، أي يولي كل أحد منهم دبره، وذلك لرعاية الفاصلة ومزاوجة القرائن، على أن انهزام الجمع انهزامة واحدة ولذلك الجيش جهة تولَ واحدة‏.‏ وهذا الهزم وقع يوم بدر‏.‏
روي عن عكرمة أن عمر بن الخطاب قال‏:‏ ‏"‏ لما نَزلت ‏{‏سيهزم الجمع ويولون الدبر‏}‏ جَعَلْتُ أقول‏:‏ أيُّ جمع يهزم‏؟‏ فلما كان يومُ بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع، ويقول‏:‏ ‏{‏سيهزم الجمع ويولون الدبر‏}‏ ‏"‏ اه، أي لم يتبين له المراد بالجمع الذي سيُهزم ويولِّي الدبر فإنه لم يكن يومئذٍ قتال ولا كان يخطر لهم ببال‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏
‏{‏بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ‏(‏46‏)‏‏}‏
‏{‏بل‏}‏ للإِضراب الانتقالي، وهو انتقال من الوعيد بعذاب الدنيا كما حل بالأمم قبلهم، إلى الوعيد بعذاب الآخرة‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 21‏]‏، وعذاب الآخرة أعظم فلذلك قال‏:‏ ‏{‏والساعة أدهى وأمر‏}‏ وقال في الآية الأخرى ‏{‏ولعذاب الآخرة أشد وأبقى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 127‏]‏ وفي الآية الأخرى ‏{‏ولعذاب الآخرة أخزى‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 16‏]‏‏.‏
و ‏{‏الساعة‏}‏‏:‏ علم بالغلبة في القرآن على يوم الجزاء‏.‏
والموعد‏:‏ وقت الوعد، وهو هنا وعد سوء، أي وعيد‏.‏ والإِضافة على معنى اللام أي موعد لهم‏.‏ وهذا إجمال بالوعيد، ثم عطف عليه ما يفصّله وهو ‏{‏والساعة أدهى وأمر‏}‏‏.‏ ووجه العطف أنه أريد جعله خبراً مستقلاً‏.‏
و ‏{‏أدهى‏}‏‏:‏ اسم تفضيل من دهاه إذا أصابه بداهية، أي الساعة أشد إصابة بداهية الخلود في النار من داهية عذاب الدنيا بالقتل والأسر‏.‏
وأمرُّ‏:‏ أي أشدّ مرارة‏.‏ واستعيرت المرارة للإحساس بالمكروه على طريقة تشبيه المعقول الغائب بالمحسوس المعروف‏.‏
وأعيد اسم ‏{‏الساعة‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏والساعة أدهى‏}‏ دون أن يؤتي بضميرها لقصد التهويل، ولتكون الجملة مستقلة بنفسها فتسيرَ مسيرَ المثَل‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 48‏]‏
‏{‏إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ‏(‏47‏)‏ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ‏(‏48‏)‏‏}‏
هذا الكلام بيان لقوله‏:‏ ‏{‏والساعة أدهى وأمر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 46‏]‏‏.‏ واقتران الكلام بحرف ‏{‏إن‏}‏ لفائدتين؛ إحداهما‏:‏ الاهتمام بصريحه الإِخباري، وثانيهما‏:‏ تأكيد ما تضمنه من التعريض بالمشركين، لأن الكلام وإن كان موجهاً للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو لا يشك في ذلك فإن المشركين يبلغهم ويشيع بينهم وهم لا يؤمنون بعذاب الآخرة فكانوا جديرين بتأكيد الخبر في جانب التعريض فتكون ‏{‏إنّ‏}‏ مستعملة في غرضيها من التوكيد والاهتمام‏.‏
والتعبير عنهم ب ‏{‏المجرمين‏}‏ إظهار في مقام الإِضمار لإِلصاق وصف الإِجرام بهم‏.‏
والضلال‏:‏ يطلق على ضد الهدى ويطلق على الخُسران، وأكثر المفسرين على أن المراد به هنا المعنى الثاني‏.‏ فعن ابن عباس‏:‏ المراد الخسران في الآخرة، لأن الظاهر أن ‏{‏يوم يسحبون في النار‏}‏ طرف للكون في ضلال وسعُر على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذٍ واجفة‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 6 8‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ويوم القيامة هم من المقبوحين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 42‏]‏ فلا يناسب أن يكون الضلال ضد الهدى‏.‏
ويجوز أن يكون ‏{‏يوم يسحبون‏}‏ ظرفاً للكون الذي في خبر ‏{‏إن‏}‏، أي كائنون في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار‏.‏ فالمعنى‏:‏ أنهم في ضلال وسعر يوم القيامة و‏{‏سُعُر‏}‏ جمع سعير، وهو النار، وجُمع السعير لأنه قوي شديد‏.‏
والسحْبُ‏:‏ الجَرّ، وهو في النار أشد من ملازمة المكان لأنه به يتجدد مماسة نار أخرى فهو أشد تعذيباً‏.‏
وجُعل السحْب على الوجوه إهانة لهم‏.‏
و ‏{‏ذوقوا مس سقر‏}‏ مقول قول محذوف، والجملة مستأنفة‏.‏ والذوق مستعار للإِحساس‏.‏
وصيغة الأمر مستعملة في الإِهانة والمجازاة‏.‏
والمس مستعمل في الإِصابة على طريقة المجاز المرسل‏.‏
وسَقَر‏:‏ عَلَم على جهنم، وهو مشتق من السَّقْر بسكون القاف وهو التهاب في النار، ف ‏{‏سقر‏}‏ وضع علَماً لجهنم، ولذلك فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، لأن جهنم اسم مؤنث معنىً اعتبروا فيه أن مسماه نار والنار مؤنثة‏.‏
والآية تتحمل معنى آخر، وهو أن يراد بالضلال ضد الهدى وأن الإِخبار عن المجرمين بأنهم ليسوا على هُدى، وأن ما هم فيه باطل وضلال، وذلك في الدنيا، وأن يُراد بالسُّعر نيران جهنم وذلك في الآخرة فيكون الكلام على التقسيم‏.‏
أو يكون السُّعر بمعنى الجنون، يقال‏:‏ سُعُر بضمتين وسُعْر بسكون العين، أي جنون، من قول العرب ناقة مسعورة، أي شديدة السرعة كأن بها جنوناً كما تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا إذن لفي ضلال وسعر‏}‏ في هذه السورة ‏(‏24‏)‏‏.‏
وروي عن ابن عباس وفسر به أبو علي الفارسي قائلاً‏:‏ لأنهم إن كانوا في السعير لم يكونوا في ضلال لأن الأمر قد كشف لهم وإنما وصف حالهم في الدنيا، وعليه فالضلال والسعر حاصلان لهم في الدنيا‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏
‏{‏إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ‏(‏49‏)‏‏}‏
استئناف وقع تذييلاً لما قبله من الوعيد والإِنذار والاعتبار بما حلّ بالمكذبين، وهو أيضاً توطئة لقوله‏:‏ ‏{‏وما أمرنا إلا واحدة‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 50‏]‏ إلخ‏.‏
والمعنى‏:‏ إنا خلقنا وفعلنا كلّ ما ذكر من الأفعال وأسبابها وآلالتها وسلّطنَاه على مستحقيه لأنا خلقنا كل شيء بقدر، أي فإذا علمتم هذا فانتبهوا إلى أن ما أنتم عليه من التكذيب والإِصرار مماثل لما كانت عليه الأمم السالفة‏.‏
واقترانُ الخبر بحرف ‏(‏إنّ‏)‏ يقال فيه ما قلناه في قوله‏:‏ ‏{‏إن المجرمين في ضلال وسعر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 47‏]‏‏.‏
والخَلْق أصله‏:‏ إيجاد ذات بشكل مقصود فهو حقيقة في إيجاد الذوات، ويطلق مجازاً على إيجاد المعاني التي تشبه الذوات في التميز والوضوح كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتخلقون إفكاً‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 17‏]‏‏.‏
فإطلاقه في قوله‏:‏ ‏{‏إنا كل شيء خلقناه بقدر‏}‏ من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه‏.‏
و ‏{‏شيء‏}‏ معناه موجود من الجواهر والأعراض، أي خلقنا كل الموجودات جواهرها وأعراضها بقدَر‏.‏
والقدَر‏:‏ بتحريك الدال مرادف القدْر بسكونها وهو تحديد الأمور وضبطها‏.‏
والمراد‏:‏ أن خلْق الله الأشياء مصاحب لقوانين جارية على الحكمة، وهذا المعنى قد تكرر في القرآن كقوله في سورة الرعد ‏(‏8‏)‏ ‏{‏وكل شيء عنده بمقدار‏}‏ ومما يشمله عموم كل شيء خلق جهنم للعذاب‏.‏
وقد أشار إلى أن الجزاء من مقتضى الحكمة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 115‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 85، 86‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 38 40‏]‏ فترى هذه الآيات وأشباهها تُعقّب ذكر كون الخلق كله لحكمة بذكر الساعة ويوم الجزاء‏.‏ فهذا وجه تعقيب آيات الإِنذار والعقاب المذكورة في هذه السورة بالتذييل بقوله‏:‏ ‏{‏إنا كل شيء خلقناه بقدر‏}‏ بعد قوله‏:‏ ‏{‏أكفاركم خير من أولائكم‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 43‏]‏ وسيقول‏:‏ ‏{‏ولقد أهلكنا أشياعكم‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 51‏]‏‏.‏
فالباء في ‏{‏بقدر‏}‏ للملابسة، والمجرور ظرف مستقر، فهو في حكم المفعول الثاني لفعل ‏{‏خلقناه‏}‏ لأنه مقصود بذاته، إذ ليس المقصود الإِعلام بأن كل شيء مخلوق لله، فإن ذلك لا يحتاج إلى الإِعلام به بَلْه تأكيده بل المقصود إظهار معنى العلم والحكمة في الجزاء كما في قوله تعالى في سورة الرعد ‏(‏8‏)‏ ‏{‏وكل شيء عنده بمقدار‏}‏ ومما يستلزمه معنى القَدر أن كل شيء مخلوققٍ هو جارٍ على وفق علم الله وإرادته لأنه خالق أصول الأشياء وجاعلُ القوى فيها لتنبعث عنها آثارها ومتولَّداتُها، فهو عالم بذلك ومريد لوقوعه‏.‏ وهذا قد سمي بالقدَر في اصطلاح الشريعة كما جاء في حديث جبريل الصحيح في ذكر ما يقع به الإِيمان‏:‏ وتؤمن بالقدر خيره وشره‏.‏
وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة‏:‏ جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله في القدَر فنزلت‏:‏
‏{‏يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 48، 49‏]‏‏.‏ ولم يذكُرْ راوي الحديث تعيينَ معنى القَدَر الذي خاصم فيه كفار قريش فبقي مجملاً ويظهر أنهم خاصموا جَدلاً ليدفعوا عن أنفسهم التعنيف بعبادة الأصنام كما قالوا‏:‏ ‏{‏لو شاء الرحمان ما عبدناهم‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 20‏]‏، أي جدلاً للنبي صلى الله عليه وسلم بموجَب ما يقوله من أن كل كائن بقدر الله جهلاً منهم بمعاني القَدر‏.‏
قال عياض في «الإِكمال» «ظاهره أن المراد بالقدر هنا مرادُ الله ومشيئته وما سيق به قدره من ذلك، وهو دليل مساق القصة التي نزلت بسببها الآية» اه‏.‏ وقال الباجي في «المنتقَى»‏:‏ «يحتمل من جهة اللغة معاني‏:‏
أحدها‏:‏ أن يكون القَدَر ههنا بمعنى مقدر لا يُزاد عليه ولا ينقص كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قد جعل الله لكل شيء قدراً‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 3‏]‏‏.‏
والثاني‏:‏ أن المراد أنه بقدرته، كما قال‏:‏ ‏{‏بل قادرين على أن نسوي بنانه‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 4‏]‏‏.‏
والثالث‏:‏ بقَدر، أي نخلقه في وقته، أي نقدّر له وقتاً نخلقه فيه» اه‏.‏
قلت‏:‏ وإذ كان لفظ ‏(‏قدر‏)‏ جنساً، ووقع معلّقاً بفعل متعلق بضمير ‏{‏كل شيء‏}‏ الدال على العموم كان ذلك اللفظ عاماً للمعاني كلها فكل ما خلقه الله فَخَلْقُه بقدر، وسبب النزول لا يخصص العموم، ولا يناكد موقعَ هذا التذييل على أن السلف كانوا يطلقون سبب النزول على كل ما نزلت الآية للدلالة عليه ولو كانت الآية سابقة على ما عَدُّوه من السبب‏.‏
واعلم أن الآية صريحة في أن كل ما خلقه الله كان بضبط جارياً على حكمة، وأما تعيين ما خلقه الله مما ليس مخلوقاً له من أفعال العباد مثلاً عند القائلين بخلق العباد أفعالهم كالمعتزلة أو القائلين بكسب العبد كالأشعرية، فلا حجة بالآية عليهم لاحتمال أن يكون مصب الإِخبار هو مضمون ‏{‏خلقناه‏}‏ أو مضمون ‏{‏بقدر‏}‏، ولاحتمال عموم ‏{‏كل شيء‏}‏ للتخصيص، ولاحتمال المرادِ بالشيء مَا هو، وليس نفي حجيّة هذه الآية على إثبات القدَر الذي هو محَل النزاع بين الناس بمبطل ثبوت القدَر من أدلة أخرى‏.‏
وحقيقة القدر الاصطلاحي خفيّة فإن مقدار تأثر الكائنات بتصرفات الله تعالى وبتسبب أسبابها ونهوض موانعها لم يبلغ علمُ الإِنسان إلى كشف غوامضه ومعرفة ما مكّن الله الإِنسان من تنفيذ لما قدّره الله، والأدلة الشرعية والعقلية تقتضي أن الأعمال الصالحة والأعمالَ السيئة سَواء في التأثر لإِرَادة الله تعالى وتعلققِ قدرته إذا تعلقت بشيء، فليست نسبة آثار الخير إلى الله دون نسبة أثر الشر إليه إلا أدباً مع الخالق لقنه الله عبيده، ولولا أنها منسوبة في التأثر لإرادة الله تعالى لكانت التفرقة بين أفعال الخير وأفعال الشر في النسبة إلى الله ملحقة باعتقاد المجوس بأنّ للخير إلهاً وللشر إلهاً، وذلك باطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم
«وتؤمن بالقدر خيره وشره» وقوله‏:‏ «القدرية مجوس هذه الأمة» رواه أبو داود بسنده إلى ابن عمر مرفوعاً‏.‏
وانتصب ‏{‏كل شيء‏}‏ على المفعولية ل ‏{‏خلقناه‏}‏ على طريقة الاشتغال، وتقديمه على ‏{‏خلقناه‏}‏ ليتأكد مدلوله بذكر اسمه الظاهر ابتداء، وذكر ضميره ثانياً، وذلك هو الذي يقتضي العدول إلى الاشتغال في فصيح الكلام العربي فيحصل توكيد للمفعول بعد أن حصل تحقيق نسبة الفعل إلى فاعله بحرف ‏{‏إنّ‏}‏ المفيد لتوكيد الخبر وليتصل قوله‏:‏ ‏{‏بقدر‏}‏ بالعامل فيه وهو ‏{‏خلقناه‏}‏، لئلا يلتبس بالنعت لشيء لو قيل‏:‏ إنا خلقنا كل شيء بقَدَر، فيظن أن المراد‏:‏ أنا خلقنا كل شيء مُقدّر فيبقى السامع منتظراً لخبر ‏{‏إن‏}‏‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏50‏]‏
‏{‏وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ‏(‏50‏)‏‏}‏
عطف على قوله‏:‏ ‏{‏إنا كل شيء خلقناه بقدر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 49‏]‏ فهو داخل في التذييل، أي خلقناه كل شيء بعلم، فالمقصود منه وما يصلح له معلوم لنا فإذا جاء وقته الذي أعددناه حصل دَفعة واحدة لا يسبقه اختبار ولا نظَر ولا بداء‏.‏ وسيأتي تحقيقه في آخر تفسير هذه الآية‏.‏
والغرض من هذا تحذيرهم من أن يأخذهم العذاب بغتة في الدنيا عند وجود ميقاته وسبق إيجاد أسبابه ومقوماته التي لا يتفطنون لوجودها، وفي الآخرة بحلول الموت ثم بقيام الساعة‏.‏
وعطف هذا عقب ‏{‏إنا كل شيء خلقناه بقدر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 49‏]‏ مشعر بترتب مضمونه على مضمون المعطوف عليه في التنبيه والاستدلال حسب ما هو جارٍ في كلام البلغاء من مراعاة ترتب معاني الكلام بعضها على بعض حتى قال جماعة من أئمة اللغة‏:‏ الفَراءُ وثعلبٌ والربعيُ وقطربٌ وهشامٌ وأبو عمرو الزاهد‏:‏ إن العطف بالواو يفيد الترتيب، وقال ابن مالك‏:‏ الأكثر إفادته الترتيب‏.‏
والأمر في قوله‏:‏ ‏{‏وما أمرنا‏}‏ يجوز أن يكون بمعنى الشأن، فيكون المراد به الشأن المناسب لسياق الكلام، وهو شأن الخلق والتكوين، أي وما شأن خلقنا الأشياء‏.‏
ويجوز أن يكون بمعنى الإِذن فيراد به أمر التكوين وهو المعبر عنه بكلمة «كن» والمآل واحد‏.‏
وعلى الاحتمالين فصفةُ ‏{‏واحدة‏}‏ وصف لموصوف محذوف دل عليه الكلام هو خبر عن ‏{‏أمرنا‏}‏‏.‏ والتقدير‏:‏ إلا كلمة واحدةٌ، وهي كلمة ‏(‏كُنْ‏)‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 82‏]‏‏.‏
والمقصود الكناية عن أسرع ما يمكن من السرعة، أي وما أمرنا إلا كلمة واحدة‏.‏ وذلك في تكوين العناصر والبسائط وكذلك في تكوين المركبات لأن أمر التكوين يتوجه إليها بعد أن تسبقه أوامر تكوينية بإيجاد أجزائها، فلكل مكوّن منها أمر تكوين يخصه هو كلمة واحدة فتبين أن أمر الله التكويني كلمة واحدة ولا ينافي هذا قوله‏:‏ ‏{‏ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 38‏]‏ ونحوه، فخلق ذلك قد انطوى على مخلوقات كثيرة لا يُحصر عددها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 6‏]‏ فكل خلق منها يحصل بكلمة واحدة كلمح البصر على أن بعض المخلوقات تتولد منه أشياء وآثار فيعتبر تكوينه عند إيجاد أوّله‏.‏
وصح الإِخبار عن ‏(‏أمر‏)‏ وهو مذكَّر ب ‏{‏واحدة‏}‏ وهو مؤنث باعتبار أن ما صْدَق الأمر هنا هو أمر التسخير وهو الكلمة، أي كلمة ‏(‏كن‏)‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏كلمح بالبصر‏}‏ في موضع الحال من ‏{‏أمرنا‏}‏ باعتبار الإِخبار عنه بأنه كلمة واحدة، أي حصول مرادنا بأمرنا كلمح بالبصر، وهو تشبيه في سرعة الحصول، أي ما أمرنا إلا كلمة واحدة سريعة التأثير في المتعلّقةِ هي به كسرعة لمح البصر‏.‏
وهذا التشبيه في تقريب الزمان أبلغ ما جاء في الكلام العربي وهو أبلغ من قول زهير‏:‏
فهن وَوادِي الرسِّ كاليد للفَم ***
وقد جاء في سورة النحل ‏(‏77‏)‏ ‏{‏وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب فزيد هنالك أو ‏{‏هو أقرب‏}‏ لأن المقام للتحذير من مفاجأة الناس بها قبل أن يستعدوا لها فهو حقيق بالمبالغة في التقريب، بخلاف ما في هذه الآية فإنه لتمثيل أمْر الله وذلك يكفي فيه مجرد التنبيه إذ لا يتردد السامع في التصديق به‏.‏
وقد أفادت هذه الآية إحاطة علم الله بكل موجود وإيجادَ الموجودات بحكمة، وصدورها عن إرادة وقدرة‏.‏
واللمح‏:‏ النظر السريع وإخلاس النظر، يقال‏:‏ لَمحَ البصر، ويقال‏:‏ لَمح البرق كما يقال‏:‏ لمعَ البرق‏.‏ ولما كان لمح البصر أسرع من لمح البرق قال تعالى‏:‏ ‏{‏كلمح بالبصر‏}‏ كما قال في سورة النحل ‏(‏77‏)‏ ‏{‏إلا كلمح البصر‏.‏‏}‏
تفسير الآية رقم ‏[‏51‏]‏
‏{‏وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏51‏)‏‏}‏
التُفِتَ من طريق الغيبة إلى الخطاب ومرجع الخطاب هم المشركون لظهور أنهم المقصود بالتهديد، وهو تصريح بما تضمنه قوله‏:‏ ‏{‏أكفاركم خير من أولائكم‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 43‏]‏ فهو بمنزلة النتيجة لقوله‏:‏ ‏{‏إنا كل شيء خلقناه بقدر إلى كلمح بالبصر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 49، 50‏]‏‏.‏
وهذا الخبر مستعمل في التهديد بالإِهلاك وبأنه يفاجئهم قياساً على إهلاك الأمم السابقة، وهذا المقصد هو الذي لأجله أكد الخبر بلام القسم وحرففِ ‏(‏قد‏)‏‏.‏ أما إهلاك من قبلهم فهو معلوم لا يحتاج إلى تأكيد‏.‏
ولك أن تجعل مناط التأكيد إثبات أن إهلاكهم كان لأجل شِركهم وتكذيبهم الرسل‏.‏ وتفريع ‏{‏فهل من مدكر‏}‏ قرينة على إرادة المعنيين فإن قوم نوح بقُوا أزماناً فما أقلعوا عن إشراكهم حتى أخذهم الطوفان بغتة‏.‏ وكذلك عاد وثمود كانوا غير مصدقين بحلول العذاب بهم فلما حل بهم العذاب حل بهم بغتة، وقوم فرعون خرجوا مقتفين موسى وبني إسرائيل واثقين بأنهم مدركوهم واقتربوا منهم وظنوا أنهم تمكنوا منهم فما راعهم إلا أن أنجى الله بني إسرائيل وانطبق البحر على الآخرين‏.‏
والمعنى‏:‏ فكما أهلكنا أشياعَكم نهلككم، وكذلك كان، فإن المشركين لمّا حلوا ببدر وهم أوفر عدداً وعُددا كانوا واثقين بأنهم مُنقذون عيرهم وهازمون المسلمين فقال أبو جهل وقد ضَرب فرسه وتقدم إلى الصف «اليوم ننتصر من محمد وأصحابه» فلم تَجُل الخيل جَولة حتى شاهدوا صناديدهم صرعى ببدر‏:‏ أبا جهل، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف وغيرهم في سبعين رجلاً ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة‏.‏
والأشياع‏:‏ جمع شيعة‏.‏ والشيعة‏:‏ الجماعة الذين يؤيدون من يُضَافون إليه، وتقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا‏}‏ في آخر سورة الأنعام ‏(‏159‏)‏‏.‏
وأطلق الأشياع هنا على الأمثال والأشباه في الكُفْر على طريق الاستعارة بتشبيههم وهم منقرضون بأشياع موجودين‏.‏
وفرع على هذا الإنذار قوله‏:‏ فهل من مدكر‏}‏ وتقدم نظيره في هذه السورة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏52‏]‏
‏{‏وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ‏(‏52‏)‏‏}‏
يجوز أن يكون الضمير المرفوع في قوله‏:‏ ‏{‏فعلوه‏}‏ عائداً إلى ‏{‏أشياعكم‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 51‏]‏، والمعنى‏:‏ أهلكناهم بعذاب الدنيا وهيّأنا لهم عذاب الآخرة فكتب في صحائف الأعمال كل ما فعلوه من الكفر وفروعه، فالكناية في الزُبر وقعت هنا كناية عن لازمها وهو المحاسبة به فيما بعد وعن لازم لازمها وهو العقاب بعد المحاسبة‏.‏
وهذا الخبر مستعمل في التعريض بالمخاطبين بأنهم إذا تعرضوا لما يوقع عليهم الهلاك في الدنيا فليس ذلك قصارى عذابهم فإن بعده حساباً عليه في الآخرة يعذبون به وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 47‏]‏ ويجوز عندي أن يكون الضمير عائداً إلى الجمع من قوله‏:‏ ‏{‏سيهزم الجمع‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 45‏]‏ أو إلى ‏{‏المجرمين‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏إن المجرمين في ضلال وسعر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 47‏]‏ الخ، والمعنى كل شيء فعله المشركون من شرك وأذى للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين معدود عليهم مهيأ عقابهم عليه لأن الإِخبار عن إحصاء أعمال الأمم الماضين قد أغنى عنه الإِخبار عن إهلاكهم، فالأجدر تحذير الحاضرين من سوء أعمالهم‏.‏
و ‏{‏الزبر‏}‏‏:‏ جمع زبور وهو الكتاب مشتق من الزبر، وهو الكتابة، وجُمعت الزبر لأن لكل واحد كتاب أعماله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً إقرأ كتابك‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 13، 14‏]‏ الآية‏.‏
وعموم ‏{‏كل شيء فعلوه‏}‏ مراد به خصوص ما كان من الأفعال عليه مؤاخذة في الآخرة‏.‏
تفسير الآية رقم ‏[‏53‏]‏
‏{‏وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ‏(‏53‏)‏‏}‏
هذا كالتذييل لقوله‏:‏ ‏{‏وكل شيء فعلوه في الزبر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 52‏]‏ فكل صغير وكبير أعمّ من كل شيء فعلوه، والمعنى‏:‏ وكل شيء حقير أو عظيم مستطر، أي مكتوب مسطور، أي في علم الله تعالى أي كل ذلك يعلمه الله ويحاسب عليه، فمستطر‏:‏ اسم مفعول من سطر إذا كتب سطوراً قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكتاب مسطور‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 2‏]‏‏.‏
وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 59‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 3‏]‏‏.‏
فالصغير‏:‏ مستعار للشيء الذي لا شأن له ولا يَهتم به الناس ولا يؤاخذ عليه فاعله، أو لا يؤاخذ عليه مؤاخذة عظيمة‏.‏ والكبير‏:‏ مستعار لضده ويدخل في ذلك ما له شأن من الصلاح ومَا له شأن من الفساد وما هو دون ذلك، وذلك أفضل الأعمال الصالحة وما دونه من الأعمال الصالحة، وكذلك كبائر الإِثم والفواحش وما دونها من اللمم والصغائر‏.‏
والمستطر‏:‏ كناية عن علم الله به وذلك كناية عن الجزاء عليه مكان ذلك جامعاً للتبشير والإِنذار‏.‏
تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 55‏]‏
‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ‏(‏54‏)‏ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ‏(‏55‏)‏‏}‏
استئناف بياني لأنه لما ذكر أن كل صغير وكبير مستطرِ على إرادة أنه معلوم ومجازىً عليه وقد علم جزاء المجرمين من قوله‏:‏ ‏{‏إن المجرمين في ضلال وسعر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 47‏]‏ كانت نفس السامع بحيث تتشوف إلى مقابل ذلك من جزاء المتقين وجريا على عادة القرآن من تعقيب النذارة بالبشارة والعكس‏.‏
وافتتاح هذا الخبر بحرف ‏{‏إن‏}‏ للاهتمام به‏.‏
و ‏{‏في‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏في جنات‏}‏ للظرفية المجازية التي هي بمعنى التلبس القوي كتلبس المظروف بالظرف، والمراد في نعيم جنات ونهر فإن للجنات والأنهار لذات متعارفة من اللهو والأُنس والمحادثة، واجتناء الفواكه، ورؤية جَرَيَاننِ الجداول وخرير الماء، وأصوات الطيور، وألوان السوابح‏.‏
وبهذا الاعتبار عطف ‏{‏نهر‏}‏ على ‏{‏جنات‏}‏ إذ ليس المراد الإخبار بأنهم ساكنون جناتتٍ فإن ذلك يغني عنه قوله بعد‏:‏ ‏{‏في مقعد صدق عند مليك مقتدر‏}‏، ولا أنهم منغمسون في أنهار إذ لم يكن ذلك مما يقصده السامعون‏.‏
ونهَرَ‏:‏ بفتحتين لغة في نهْر بفتح فسكون‏.‏ والمراد به اسم الجنس الصادق بالمتعدد لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من تحتهم الأنهار‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 43‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏في مقعد صدق‏}‏ إما في محل الحال من المتقين وإما في محل الخبر الثاني ل ‏{‏إنّ‏}‏‏.‏
والمقعد‏:‏ مكان القعود‏.‏ والقعود هنا بمعنى الإِقامة المطمئنة كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اقعدوا مع القاعدين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 46‏]‏‏.‏
والصدق‏:‏ أصله مطابقة الخبر للواقع ثم شاعت له استعمالات نشأت عن مجاز أو استعارة ترجع إلى معنى مصادفة أحد الشّيء على ما يناسب كمال أحوال جنسه، فيقال‏:‏ هو رَجُل صدق، أي تمام رُجلة، وقال تأبط شراً‏:‏
إني لمهد من ثنائي فقاصد *** به لابننِ عَمِّ الصدق شُمس بن مالك
أي ابن العم حقا، أي موف بحق القرابة‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوّأ صدق‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 93‏]‏ وقال في دعاء إبراهيم عليه السلام ‏{‏واجعل لي لسان صدق في الآخرين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 84‏]‏ ويسمى الحبيب الثابت المحبة صَديقاً وصدّيقاً‏.‏
فمقعد صدق، أي مقعد كامل في جنسه مرضي للمستقر فيه فلا يكون فيه استفزاز ولا زوال، وإضافة ‏{‏مقعد‏}‏ إلى ‏{‏صدق‏}‏ من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة في تمكن الصفة منه‏.‏
والمعنى‏:‏ هم في مقعد يشتمل على كل ما يحمده القاعد فيه‏.‏
والمَليك‏:‏ فعيل بمعنى المالك مبالغة وهو أبلغ من مَلِك، ومقتدر‏:‏ أبلغ من قادر، وتنكيره وتنكير مُقتدر للتعظيم‏.‏
والعندية عندية تشريف وكرامة، والظرف خبر بعد خبر‏.‏

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire