{طسم (1)}
يأتي في تفسيره من التأويلات ما سبق ذِكره في جميع الحروف المقطعة في أوائل السور في معان متماثلة. وأظهر تلك المعاني أن المقصود التعريض بإلهاب نفوس المنكرين لمعارضة بعض سور القرآن بالإتيان بمثله في بلاغته وفصاحته وتحدّيهم بذلك والتورك عليهم بعجزهم عن ذلك.
وعن ابن عباس: أن {طَسم} قَسَم، وهو اسم من أسماء الله تعالى، والمقسم عليه قوله: {إن نَشَأ نُنزّل عليهم من السماء آية} [الشعراء: 4]. فقال القرظي: أقسم الله بطوله وسَنائه ومُلكه. وقيل الحروف مقتضبة من أسماء الله تعالى ذي الطَّول، القدوس، الملك. وقد علمت في أول سورة البقرة أنها حروف للتهجّي واستقصاء في التحدّي يعجزهم عن معارضة القرآن، وعليه تظهر مناسبة تعقيبه بآية {تلك آيات الكتاب المبين} [الشعراء: 2].
والجمهور قرأوا: {طَسمِّ} كلمة واحدة، وأدغموا النون من سين في الميم وقرأ حمزة بإظهار النون. وقرأ أبو جعفر حروفاً مفككة، قالوا وكذلك هي مرسومة في مصحف ابن مسعود حروفاً مفككة (ط س م).
والقول في عدم مَدّ اسم (طَا) مع أن أصله مهموز الآخر لأنه لما كان قد عرض له سكون السكت حذفت همزته كما تحذف للوقف، كما تقدم في عدم مدّ (رَا) في {الر} في سورة يونس (1).
{تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)}
الإشارة إلى الحاضر في الأذهان من آيات القرآن المنزّل من قبلُ، وبيَّنه الإخبارُ عن اسم الإشارة بأنها آيات الكتاب.
ومعنى الإشارة إلى آيات القرآن قصد التحدّي بأجزائه تفصيلاً كما قُصد التحدي بجميعه إجمالاً. والمعنى: هذه آيات القرآن تقرأ عليكم وهي بلغتكم وحروف هجائها فأتوا بسورة من مثلها ودونكموها. والكاف المتصلة باسم الإشارة للخطاب وهو خطاب لغير معيّن من كل متأهل لهذا التحدي من بلغائهم.
و {المبين} الظاهر، وهو من أبان مرادف بَان، أي تلك آيات الكتاب الواضح كونه من عند الله لما فيه من المعاني العظيمة والنظْم المعجز، وإذا كان الكتاب مبيناً كانت آياته المشتمل عليها آيات مُبينة على صدق الرسل بها.
ويجوز أن يكون {المبين} من أبان المتعدي، أي الذي يُبيّن ما فيه من معاني الهدى والحق وهذا من استعمال اللفظ في معنييه كالمشترك.
والمعنى: أن ما بلغكم وتلي عليكم هو آيات القرآن المبين، أي البيّن صدقه ودلالته على صدق ما جاء به ما لا يجحده إلا مكابر.
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)}
حُوّل الخطاب من توجيهه إلى المعاندين إلى توجيهه للرسول عليه الصلاة والسلام. والكلام استئناف بياني جواباً عما يثيره مضمون قوله: {تلك آيات الكتاب المبين} [الشعراء: 2] من تساؤل النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه عن استمرار إعراض المشركين عن الإيمان وتصديق القرآن كما قال تعالى: {فلعلّك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} [الكهف: 6]، وقوله: {فلا تَذْهَب نفسُك عليهم حسرات} [فاطر: 8].
و (لعلّ) إذا جاءت في ترجّي الشيء المخوف سميت إشفاقاً وتوقعاً. وأظهر الأقوال أن الترجي من قبيل الخبر، وأنه ليس بإنشاء مثلَ التمني.
والترجي مستعمل في الطلب، والأظهر أنه حثّ على ترك الأسف من ضلالهم على طريقة تمثيل شأن المتكلم الحاثّ على الإقلاع بحال من يستقرب حصول هلاك المخاطب إذا استمر على ما هو فيه من الغم.
والباخع: القاتل. وحقيقة البخع إعماق الذبح. يقال: بَخَع الشاة، قال الزمخشري: إذا بلغ بالسكين البِخَاع بالموحدة المكسورة وهو عِرق مستبطن الفَقار، كذا قال في «الكشاف» هنا وذكره أيضاً في «الفائق». وقد تقدم ما فيه عند قوله تعالى: {فلعلّك باخع نفسك على آثارهم} في سورة الكهف (6). وهو هنا مستعار للموت السريع، والإخبار عنه ب {باخع} تشبيه بليغ. وفي {باخع} ضمير المخاطب هو الفاعل.
و {أن لا يكونوا} في موضع نصب على نزع الخافض بعد (أنْ) والخافض لام التعليل، والتقدير: لأن لا يكونوا مؤمنين، أي لانتفاء إيمانهم في المستقبل، لأنّ (أن) تخلص المضارع للاستقبال. والمعنى: أنَّ غمك من عدم إيمانهم فيما مضى يوشك أن يوقعك في الهلاك في المستقبل بتكرر الغم والحزن، كقول إخوة يوسف لأبيهم لما قال {يا أسفا على يوسف} [يوسف: 84] فقالوا: {تالله تفتؤ تَذكرُ يوسف حتى تكونَ حَرَضاً أو تكون من الهالكين} [يوسف: 85]؛ فوزان هذا المعنى وزان معنى قوله في سورة الكهف (6) {فلعلّك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً}، فإن (إن) الشرطية تتعلق بالمستقبل. ويجوز أن يجعل {أن لا يكونوا} في موضع الفاعل ل {باخِع} والجملة خبر (لَعلّ). وإسناد {باخع} إلى {أن لا يكونون مؤمنين} مجاز عقلي لأن عدم إيمانهم جُعل سبباً للبخع.
وجيء بمضارع الكون للإشارة إلى أنه لا يأسف على عدم إيمانهم ولو استمر ذلك في المستقبل فيكون انتفاؤه فيما مضى أولى بأن لا يؤسف له.
وحذف متعلق {مؤمنين}؛ إما لأن المراد مؤمنين بما جئتَ به من التوحيد والبعث وتصديق القرآن وتصديق الرسول، وإما لأنه أريد بمؤمنين المعنى اللَّقبي، أي أن لا يكونوا في عداد الفريق المعروف بالمؤمنين وهم أمة الإسلام. وضمير {أن لا يكونوا} عائد إلى معلوم من المقام وهم المشركون الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم
وعُدل عن: أن لا يؤمنوا، إلى {أن لا يكونوا مؤمنين} لأن في فعل الكون دلالة على الاستمرار زيادة على ما أفادته صيغة المضارع، فتأكّد استمرار عدم إيمانهم الذي هو مورد الإقلاع عن الحزن له. وقد جاء في سورة الكهف (6) {فلعلّك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} بحرف نفي الماضي وهو (لم) لأن سورة الكهف متأخرة النزول عن سورة الشعراء فعدم إيمانهم قد تقرر حينئذ وبلغ حدّ المأيوس منه.
وضمير {يكونوا} عائد إلى معلوم من مقام التحدّي الحاصل بقوله: {طسم تلك آيات الكتاب المبين} [الشعراء: 1، 2] للعلم بأن المتحدَّيْن هم الكافرون المكذبون.
{إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)}
استئناف بياني ناشئ عن قوله: {أن لا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3] لأن التسلية على عدم إيمانهم تثير في النفس سؤالاً عن إمهالهم دون عقوبة ليؤمنوا، كما قال موسى {ربّنا إنك آتيت فرعون وملأه زينةً وأموالاً في الحياة الدنيا ربّنا ليَضِلّوا عن سَبيلك ربّنا اطمِسْ على أموالهم واشدُدْ على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 88]، فأجيب بأن الله قادر على ذلك، فهذا الاستئناف اعتراض بين الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى.
ومفعول {نشأ} محذوف يدل عليه جواب الشرط على الطريقة الغالبة في حذف مفعول فعل المشيئة. والتقدير: إن نشأ تنزيلَ آية ملجئة ننزلها.
وجيء بحرف {إنْ} الذي الغالب فيه أن يشعر بعدم الجزم بوقوع الشرط للإشعار بأن ذلك لا يشاؤه الله لحكمة اقتضت أن لا يشاءه.
ومعنى انتفاء هذه المشيئة أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يحصل الإيمان عن نظر واختيار لأن ذلك أجدى لانتشار سمعة الإسلام في مبدإ ظهوره. فالمراد بالآية العلامة التي تدل على تهديدهم بالإهلاك تهديداً محسوساً بأن تظهر لهم بوارق تنذر باقتراب عذاب. وهذا من معنى قوله تعالى: {وإن كان كَبُر عليك إعراضُهم فإن استطعتَ أن تَبْتَغِيَ نَفَقاً في الأرض أو سُلّماً في السماء فتأتيهم بآية} [الأنعام: 35]، وليس المراد آيات القرآن وذلك أنهم لم يقتنعوا بآيات القرآن.
وجعل تنزيل الآية من السماء حينئذ أوضح وأشدّ تخويفاً لقلّة العهد بأمثالها ولتوقع كل من تحت السماء أن تصيبه. فإن قلت: لماذا لم يُرِهِمْ آية كما أُرِي بنو إسرائيل نَتْقَ الجبل فوقهم كأنه ظُلَّةٌ؟ قلت: كان بنو إسرائيل مؤمنين بموسى وما جاء به فلم يكن إظهار الآيات لهم لإلجائهم على الإيمان ولكنه كان لزيادة تثبيتهم كما قال إبراهيم {أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: 260].
وفرّع على تنزيل الآية ما هو في معنى الصفة لها وهو جملة {فظلت أعناقهم لها خاضعين} بفاء التعقيب.
وعطف {فظلت} وهو ماض على المضارع قوله: {ننزل} لأن المعطوف عليه جواب شرط، فللمعطوف حكم جواب الشرط فاستوى فيه صيغة المضارع وصيغة الماضي لأن أداة الشرط تخلص الماضي للاستقبال؛ ألا ترى أنه لو قيل: إن شئنا نزّلنا أو إن نَشأ نَزَّلنا، لكان سواء إذ التحقيق أنه لا مانع من اختلاف فعلي الشرط والجزاء بالمضارَعيَّة والماضوية، على أن المعطوفات يتّسع فيها ما لا يُتّسع في المعطوف عليها لقاعدة: أن يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، كما في القاعدة الثامنة من الباب الثامن من «مغني اللبيب»، غير أن هذا الاختلاف بين الفعلين لا يخلو من خصوصية في كلام البليغ وخاصة في الكلام المعجز، وهي هنا أمران: التفنّن بين الصيغتين، وتقريبُ زَمن مضي المعقب بالفاء من زمن حصول الجزاء بحيث يكون حصول خضوعهم للآية بمنزلة حصول تنزيلها فيتمّ ذلك سريعاً حتى يخيّل لهم من سُرعة حصوله أنه أمر مضى فلذلك قال: {فظلت} ولم يقل: فتظل.
وهذا قريب من استعمال الماضي في قوله تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} [النحل: 1] وكلاهما للتهديد، ونظيره لقصد التشويق: قد قامت الصلاة.
والخضوع: التطامن والتواضع. ويستعمل في الانقياد مجازاً لأن الانقياد من أسباب الخضوع. وإسناد الخضوع إلى الأعناق مجاز عقلي، وفيه تمثيل لحال المنقادين الخائفين الأذلّة بحال الخاضعين الذين يتّقون أن تصيبهم قاصمة على رؤوسهم فهم يطأطئون رؤوسهم وينحنون اتقاء المصيبة النازلة بهم.
والأعناق: جمع عُنُق بضمتين وقد تسكن النون وهو الرقبة، وهو مؤنث. وقيل: المضموم النون مؤنث، والساكن النون مذكر.
ولما كانت الأعناق هي مظهر الخضوع أُسند الخضوع إليها وهو في الحقيقة مما يسند إلى أصحابها ومنه قوله تعالى: {وخَشَعَت الأصواتُ للرحمن} [طه: 108] أي أهل الأصوات بأصواتهم كقول الأعشى:
(كذلكَ فافعَلْ ما حييتَ إذَا شتوا) *** وأقْدم إذا ما أعينُ الناس تَفْرَق
فأسند الفَرق إلى العيون على سبيل المجاز العقلي لأن الأعين سبب الفرق عند رؤية الأشياء المخيفة. ومنه قوله تعالى: {سحَرُوا أعينَ الناس} [الأعراف: 116] وإنما سحَروا الناس سحراً ناشئاً عن رؤية شعوذة السحر بأعينهم، مع ما يزيد به قوله: «ظلت أعناقهم لها خاضعين» من الإشارة إلى تمثيل حالهم، ومقتضى الظاهر فظلوا لها خاضعين بأعناقهم.
وفي إجراء ضمير العقلاء في قوله: {خاضعين} على الأعناق تجريد للمجاز العقلي في إسناد {خاضعين إلى أعناقهم} لأن مقتضى الجري على وتيرة المجاز أن يقال لها: خاضعة، وذلك خضوع من توقع لحاق العذاب النازل. وعن مجاهد: أن الأعناق هنا جمع عُنُق بضمتين يطلق على سيد القوم ورئيسهم كما يطلق عليه رأس القوم وصدر القوم، أي فظلت سادتهم، يعني الذين أغرَوْهم بالكفر خاضعين، فيكون الكلام تهديداً لزعمائهم الذين زيَّنوا لهم الاستمرار على الكفر، وهو تفسير ضعيف. وعن ابن زيد والأخفش: الأعناق الجماعات واحدها عُنُق بضمتين جماعة الناس، أي فظلّوا خاضعين جماعات جماعات، وهذا أضعف من سابقه.
ومن بدع التفاسير وركيكها ما نسبه الثعلبي إلى ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوانٌ بعد عِزّة، وهذا من تحريف كلم القرآن عن مواضعه ونحاشي ابن عباس رضي الله عنه أن يقوله وهو الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُعلّمه التأويل. وهذا من موضوعات دعاة المُسَوِّدة مثل أبي مسلم الخراساني وكم لهم في الموضوعات من اختلاق، والقرآن أجلّ من أن يتعرض لهذه السفاسف.
وقرأ الجمهور: {ننزّل} بالتشديد في الزاي وفتح النون الثانية. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بضم النون الثانية وتخفيف الزاي.
{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5)}
عطف على جملة: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3] أي هذه شنشنتهم فلا تأسف لعدم إيمانهم بآيات الكتاب المبين، وما يجيئهم منها من بعدُ فسيعرضون عنه لأنهم عُرفوا بالإعراض.
والمضارعُ هنا لإفادة التجدد والاستمرار. فالذكر هو القرآن لأنه تذكير للناس بالأدلة. وقد تقدم وجه تسميته ذكراً عند قوله تعالى: {وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} في سورة الحجر (6).
والمحدَث: الجديد، أي من ذكر بعدَ ذكر يُذكّرهم بما أنزل من القرآن من قبله فالمعنى المستفاد من وصفه بالمحدث غير المعنى المستفاد من إسناد صيغة المضارع في قوله: {ما يأتيهم من ذكر}. فأفاد الأمران أنه ذكر متجدّد مستمر وأن بعضه يعقب بعضاً ويؤيده. وقد تقدم في سورة الأنبياء (2، 3) قوله: {ما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدَث إلاّ استمعوه وهم يلْعَبون لاهية قلوبهم}
وذكر اسم الرحمن هنا دون وصف الرّب كما في سورة الأنبياء لأن السياق هنا لتسلية النبي على إعراض قومه فكان في وصف مُؤْتي الذكر بالرحمن تشنيع لحال المعرضين وتعريض لغباوتهم أن يُعرضوا عمَّا هو رحمة لهم، فإذا كانوا لا يدركون صلاحهم فلا تَذهبْ نفسُك حسراتتٍ على قوم أضاعوا نفعهم وأنت قد أرشدتهم إليه وذكرتهم، كما قال المثل: لا يحزنك دم هراقه أهله وقال النابغة:
فإن تغلب شقاوتكم عليكم *** فإني في صلاحكم سعَيْتُ
وفي الإتيان بفعل كانوا} وخبره دون أن يقال: إلا أعرضوا، إفادةُ أن إعراضهم راسخ فيهم وأنه قديم مستمرّ إذ أخبر عنهم قبل ذلك بقوله: {أن لا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3]، فانتفاء كون إيمانهم واقعاً هو إعراض منهم عن دعوة الرسول التي طريقها الذكر بالقرآن فإذا أتاهم ذكر بعد الذكر الذي لم يؤمنوا بسببه وجدهم على إعراضهم القديم.
و {مِن} في قوله: {من ذكر} مؤكدة لعموم نفي الأحوال.
و {مِن} التي في قوله: {من الرحمن} ابتدائية.
والاستثناء من أحوال عامة، فجملة: {كانوا عنه معرضين} في موضع الحال من ضمير {يأتيهم من ذكر}. وتقدم المجرور لرعاية الفاصلة.
{فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6)}
فاء {فقد كذبوا} فصيحة، أي فقد تبين أن إعراضهم إعراض تكذيب بعد الإخبار عنهم بأن سنتهم الإعراض عن الذكر الآتي بعضه عقب بعض فإن الإعراض كان لأنهم قد كذبوا بالقرآن. وأما الفاء في قوله: {فسيأتيهم} فَلِتَعْقِيب الإخبار بالوعيد بعد الإخبار بالتكذيب.
والأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر عن الحدث العظيم، وتقدم عند قوله تعالى {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} في سورة الأنعام (34).
والأنباء: ظهور صدقها، وليس المراد من الإتيان هنا البلوغ كالذي في قوله: {وهل أتاك نَبَؤا الخصم} [ص: 21] لأن بلوغ الأنباء قد وقع فلا يحكى بعلامة الاستقبال في قوله: {فسيأتيهم}.
و {ما} في قوله: {ما كانوا به يستهزءون} يجوز أن تكون موصولة فيجوز أن يكون ماصْدَقُها القرآن وذلك كقوله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هُزؤاً} [البقرة: 231]. وجيء في صلته بفعل {يستهزءون} دون (يكذِّبون) لتحصل فائدة الإخبار عنهم بأنهم كذَّبوا به واستهزأوا به، وتكون الباء في {به} لتعدية فعل {يستهزءون}، والضمير المجرور عائداً إلى {ما} الموصولة، وأنباؤه أخباره بالوعيد. ويجوز أن يكون ما صدق {ما} جنسَ ما عُرفوا باستهزائهم به وهو التوعُّد، كانوا يقولون: مَتى هذا الوعد؟ ونحو ذلك.
وإضافة {أنبؤا} إلى {ما كانوا به يستهزءون} على هذا إضافة بيانية، أي ما كانوا به يستهزئون الذي هو أنباء ما سيحلّ بهم.
وجمع الأنباء على هذا باعتبار أنهم استهزأوا بأشياء كثيرة منها البعث، ومنها العذاب في الدنيا، ومنها نصر المسلمين عليهم {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [يونس: 48]، ومنها فتح مكة، ومنها عذاب جهنم، وشجرةُ الزقوم. وكان أبو جهل يقول: زقّمونا، استهزاء.
ويجوز كون {ما} مصدرية، أي أنباء كون استهزائهم، أي حصوله، وضمير {به} عائداً إلى معلوم من المقام، وهو القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم
والمراد بأنباء استهزائهم أنباءُ جزَائه وعاقبته وهو ما توعدهم به القرآن في غير ما آية.
والقول في إقحام فعل {كانوا} هنا كالقول في إقحامه في قوله آنفاً {كانوا عنه معرضين} [الشعراء: 5] ولكن أوثر الإتيان بالفعل المضارع وهو {يستهزءون} دون اسم الفاعل كالذي في قوله: {كانوا عنه معرضين} لأن الاستهزاء يتجدد عند تجدد وعيدهم بالعذاب، وأما الإعراض فمتمكّن منهم.
ومعنى {فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزءون} على الوجه الأول أن يكون الإتيان بمعنى التحقق كما في قوله: {أتى أمر الله} [النحل: 1]، أي تحقّق، أي سوف تتحقّق أخبار الوعيد الذي توعدهم به القرآن الذي كانوا يستهزئون به.
وعلى الوجه الثاني سوف تبلغهم أخبار استهزائهم بالقرآن، أي أخبار العقاب على ذلك. وأوثر إفراد فعل «يأتيهم» مع أن فاعله جمع تكسير لغير مذكر حقيقي يجوز تأنيثه لأن الإفراد أخف في الكلام لكثرة دورانه.
{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)}
الواو عاطفة على جملة: {وما يأتيهم من ذِكر من الرحمن مُحدَث إلا كانوا عنه معرضين} [الشعراء: 5]؛ فالهمزة الاستفهامية منه مقدمة على واو العطف لفظاً لأن للاستفهام الصدارةَ، والمقصود منه إقامة الحجة عليهم بأنهم لا تغني فيهم الآيات لأن المكابرة تصرفهم عن التأمل في الآيات، والآياتُ على صحة ما يدعوهم إليه القرآن من التوحيد والإيمان بالبعث قائمة متظاهرة في السماوات والأرض وهم قد عَمُوا عنها فأشركوا بالله، فلا عجب أن يضلوا عن آيات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وكون القرآن منزلاً من الله فلو كان هؤلاء متطلعين إلى الحق باحثين عنه لكان لهم في الآيات التي ذُكِّروا بها مقنع لهم عن الآيات التي يقترحونها قال تعالى: {أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء} [الأعراف: 185]، وقال: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [يونس: 101] أي عن قوم لم يعدوا أنفسهم للإيمان.
فالمذكور في هذه الآية أنواع النبات دالة على وحدانية الله لأن هذا الصنع الحكيم لا يصدر إلاّ عن واحد لا شريك له. وهذا دليل من طريق العقل، ودليل أيضاً على إمكان البعث لأن الإنبات بعد الجَفاف مثيل لإحياء الأموات بعد رفاتهم كما قال تعالى: {وآية لهم الأرض الميتة أحيَيْناها} [يس: 33]. وهذا دليل تقريبي للإمكان فكان في آية الإنبات تنبيه على إبطال أصلي عدم إيمانهم وهما: أصل الإشراك بالله، وأصل إنكار البعث.
والاستفهام إنكار على عدم رؤيتهم ذلك لأن دلالة الإنبات على الصانع الواحد دلالة بينة لكل من يراه؛ فلما لم ينتفعوا بتلك الرؤية نزلت رؤيتهم منزلة العدم فأنكر عليهم ذلك. والمقصود: إنكار عدم الاستدلال به.
وجملة: {كم أنبتنا} بَدل اشتمال من جملة {يروا} فهي مصبّ الإنكار. وقوله: {إلى الأرض} متعلق بفعل {يروا}، أي ألم ينظروا إلى الأرض وهي بمرأى منهم.
و {كم} اسم دال على الكثرة، وهي هنا خبرية منصوبة ب {أنبتنا}. والتقدير: أنبتنا فيها كثيراً من كل زوج كريم.
و {مِن} تبعيضية. ومورد التكثير الذي أفادته {كم} هو كثرة الإنبات في أمكنة كثيرة، ومورد الشمول المفاد من {كل} هو أنواع النبات وأصنافه وفي الأمرين دلالة على دقيق الصنع. واستغني بذكر أبعاض كل زوج عن ذكر مميز {كم} لأنه قد عُلم من التبعيض.
والزوج: النوع، وشاع إطلاق الزوج على النوع في غير الحيوان قال تعالى: {ومن كل الثمرات جَعَلَ فيها زوجَيْن اثنين} على أحد احتمالين تقدما في سورة الرعد (3)، وتقدم قوله تعالى: {فأخرجنا به أزواجاً من نبات شَتى} في طَه (53).
والكريم: النفيس من نوعه قال تعالى: {ورزق كريم} في الأنفال (4)، وتقدم عند قوله تعالى: {مَرُّوا كِرَاماً} في سورة الفرقان (72). وهذا من إدْماج الامتنان في ضمن الاستدلال لأن الاستدلال على بديع الصنع يحصل بالنظر في إنبات الكريم وغيرِه.
ففي الاستدلال بإنبات الكريم من ذلك وفاءٌ بغرض الامتنان مع عدم فوات الاستدلال. وأيضاً فنظر الناس في الأنواع الكريمة أنفذُ وأشهرُ لأنه يبتدئ بطلب المنفعة منها والإعجاب بها فإذا تطلبها وقع في الاستدلال فيكون الاقتصار على الاستدلال بها في الآية من قبيل التذكير للمشركين بما هم ممارسون له وراغبون فيه.
والمشار إليه بذلك} هو المذكور من الأرض، وإنبات الله الأزواج فيها، وما في تلك الأزواج من منافع وبهجة.
والتأكيد بحرف {إنَّ} لتنزيل المتحدّث عنهم منزلة من ينكر دلالة ذلك الإنبات وصفاته على ثبوت الوحدانية التي هي باعث تكذيبهم الرسول لما دعاهم إلى إثباتها، وإفراد (آية) لإرادة الجنس، أو لأن في المذكور عدةَ أشياء في كل واحد منها آية فيكون على التوزيع.
وجملة: {وما كان أكثرهم مؤمنين} عطف على جملة: {إن في ذلك لآية} إخباراً عنهم بأنهم مصرّون على الكفر بعد هذا الدليل الواضح، وضمير {أكثرهم} عائد إلى معلوم من المقام كما عاد الضمير الذي في قوله: {ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3]، وهم مشركو أهل مكة وهذا تحدَ لهم كقوله: {ولن تفعلوا} [البقرة: 24].
وأسنِد نفي الإيمان إلى أكثرهم لأن قليلاً منهم يؤمنون حينئذ أو بعد ذلك.
و {كان} هنا مقحمة للتأكيد على رأي سيبويه والمحققين.
وجملة: {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تذييل لهذا الخبر: بوصف الله بالعزة، أي تمام القدرة فتعلمون أنه لو شاء لعجّل لهم العقاب، وبوصف الرحمة إيماء إلى أن في إمهالهم رحمة بهم لعلهم يشكرون، ورحيم بك. قال تعالى: {وربُّك الغفور ذو الرحمة لو يُؤاخذهم بما كسبوا لعجَّل لهم العذاب} [الكهف: 58]. وفي وصف الرحمة إيماء إلى أنه يرحم رسله بتأييده ونصره.
واعلم أن هذا الاستدلال لما كان عقلياً اقتصر عليه ولم يكرر بغيره من نوع الأدلة العقلية كما كررت الدلائل الحاصلة من العبرة بأحوال الأمم من قوله: {وإذ نادى ربُّك موسى} [الشعراء: 10] إلى آخر قصة أصحاب لَيْكة.
{وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11)}
شروع في عدّ آيات على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بذكر عواقب المكذبين برسلهم ليحذر المخاطَبون بالدعوة إلى الإسلام من أن يصيبهم ما أصاب المكذبين. وفي ضمن ذلك تبيين لبعض ما نادى به الرسل من البراهين.
وإذ قد كانت هذه الأدلة من المثلات قصد ذكر كثير اشتهر منها ولم يُقتصر على حادثة واحدة لأن الدلالة غير العقلية يتطرقها احتمال عدم الملازمة بأن يكون ما أصاب قوماً من أولئك على وجه الصدفة والاتفاق فإذا تبين تكرر أمثالها ضعُف احتمال الاتفاقية، لأن قياس التمثيل لا يفيد القطع إلا بانضمام مقومات له من تواتر وتكرر.
وإنما ابتدئ بذكر قصة موسى ثم قصة إبراهيم على خلاف ترتيب حكاية القصص الغالب في القرآن من جعلها على ترتيب سبقها في الزمان، لعلَّهُ لأن السورة نزلت للرد على المشركين في إلحاحهم على إظهار آيات من خوارق العادات في الكائنات زاعمين أنهم لا يؤمنون إلا إذا جاءتهم آية؛ فضرب لهم المثل بمكابرة فرعون وقومه في آيات موسى إذ قالوا: {إنّ هذا لساحر مبين} [يونس: 2] وعُطف {وإذا نادى ربك موسى} عطفَ جملةٍ على جملة: {أوَ لم يَرَوْا إلى الأرض} [الشعراء: 7] بتمامها.
ويكون {إذ} اسم زمان منصوباً بفعل محذوف تقديره: واذْكر إذ نادى ربّك موسى على طريقة قوله في القصة التي بعدها {واتل عليهم نبأ إبراهيم} [الشعراء: 69]. وفي هذا المقدّر تذكير للرسول عليه الصلاة والسلام بما يسلّيه عما يلقاه من قومه.
ونداء الله موسى الوحيُ إليه بكلام سمعه من غير واسطة ملَك.
جملة: {أن ائت القوم الظالمين} تفسير لجملة: {نادى}، و{أَنْ} تفسيرية. والمقصود من سَوق هذه القصة هو الموعظة بعاقبة المكذبين وذلك عند قوله تعالى: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر إلى قوله: {وإن ربّك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 63 68]. وأما ما تقدم ذلك من قوله: {وإذ نادى ربك موسى} إلخ فهو تفصيل لأسباب الموعظة بذكر دعوة موسى إلى ما أُمر بإبلاغه وإعراضضِ فرعون وقومِه وما عقبَ ذلك إلى الخاتمة.
واستحضار قوم فرعون بوصفهم بالقوم الظالمين إيماء إلى علة الإرسال. وفي هذا الإجمال توجيه نفس موسى لترقب تعيين هؤلاء القوم بما يبينه، وإثارةٌ لغضب موسى عليهم حتى ينضمّ داعي غضبه عليهم إلى داعي امتثال أمر الله الباعِثِه إليهم، وذلك أوقع لكلامه في نفوسهم. وفيه إيماء إلى أنهم اشتهروا بالظلم.
ثم عقب ذلك بذكر وصفهم الذاتي بطريقة البياننِ من القوم الظالمين وهو قوله: {قوم فرعون}، وفي تكرير كلمة {قوم} موقع من التأكيد فلم يقل: ائت قوم فرعون الظالمين، كقول جرير:
يا تيم تيمَ عدي لا أبا لكم *** لا يُلْفينَّكُمُ في سَوْأة عُمَرُ
والظلم يعم أنواعه، فمنها ظلمهم أنفسهم بعبادة ما لا يستحق العبادة، ومنها ظلمهم الناسَ حقوقهم إذ استعبدوا بني إسرائيل واضطهدوهم، وتقدم استعماله في المعنيين مراراً في ضد العدل
{ومن أظلم مِمّن مَّنَع مساجدَ اللَّه} في البقرة (114)، وبمعنى الشرك في قوله: {الذين آمنوا ولم يلبِسوا إيمانهم بظلم} في الأنعام (82).
واعلم أنه قد عدل هنا عن ذكر ما ابتدئ به نداء موسى مما هو في سورة طه (12 23) بقوله: {إني أنا ربّك فاخلَع نعليك} إلى قوله: لنُريَكَ من آياتنا الكبرى لأن المقام هنا يقتضي الاقتصار على ما هو شرح دعوة قوم فرعون وإعراضهم للاتّعَاظ بعاقبتهم. وأما مقام ما في سورة طه فلبيان كرامة موسى عند ربّه ورسالته معاً فكان مقام إطناب مع ما في ذلك من اختلاف الأسلوب في حكاية القصة الواحدة كما تقدم في المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير.
والإتيان المأمور به هو ذهابه لتبليغ الرسالة إليهم. وهذا إيجاز يبيّنه قوله: {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} [الشعراء: 16] إلى آخره.
وجملة: {ألا يتقون} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنه لمّا أمره بالإتيان إليهم لدعوتهم ووصَفَهَم بالظالمين كان الكلام مثيراً لسؤاللٍ في نفس موسى عن مَدى ظلمهم فجيء بما يدل على توغّلهم في الظلم ودوامهم عليه تقوية للباعث لِموسى على بلوغ الغاية في الدعوة وتهيئة لتلقِّيه تكذيبَهم بدون مفاجأة، فيكون {ألا} من قوله: {ألا يتقون} مركباً من حرفين همزة الاستفهام و(لا) النافية. والاستفهام لإنكار انتفاء تقواهم، وتعجيب موسى من ذلك، فإن موسى كان مطّلعاً على أحوالهم إذ كان قد نشأ فيهم وقد عَلم مظالمهم وأعظمها الإشراك وقتلُ أنبياء بني إسرائيل....
ويجوز أن يكون {ألا} كلمةً واحدة هي أداة العرض والتحضيض فتكون جملة: {ألا يتقون} بياناً لجملة {ائت}. والمعنى: قل لهم: ألا تتقون. فحكى مقالته بمعناها لا بلفظها. وذلك واسع في حكاية القول كما في قوله تعالى: {ما قلتُ لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبُدُوا الله ربّي وربّكم} [المائدة: 117] فإن جملة: {أن اعبُدوا الله} مفسرة لجملة {أمرتني}. وإنما أمره الله أن يعبدوا الله ربّ موسى وربهم، فحكى ما أمره الله به بالمعنى. وهذا العرض نظير قوله في سورة النازعات (18) {فقل هل لك إلى أن تزكّى}
والاتّقاء: الخوف والحذر، وحذف متعلق فعل يتقون} لظهور أن المراد: ألا يتقون عواقب ظلمهم. وتقدم في قوله تعالى: {الذين عاهدتَ منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون} في سورة الأنفال (56).
ويَعلم موسى من إجراء وصف الظلم وعدم التقوى على قوم فرعون في معرض أمره بالذهاب إليهم أن من أول ما يبدأ به دعوتَهم أن يدعوهم إلى ترك الظلم وإلى التقوى.
وذكر موسى تقدم عند قوله تعالى: {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} في سورة البقرة (51). وتقدمت ترجمة فرعون عند قوله تعالى: {إلى فرعون وملائه} في الأعراف (103).
{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)}
افتتاح مراجعته بنداء الله بوصف الربّ مضافاً إليه تحنين واستسلام. وإنما خاف أن يكذبوه لعلمه بأن مثل هذه الرسالة لا يتلقاها المرسَل إليهم إلا بالتكذيب، وجَعَل نفسه خائفاً من التكذيب لأنه لما خلعت عليه الرسالة عن الله وَقَر في صدره الحرص على نجاح رسالته فكان تكذيبه فيها مخوفاً منه.
و {يضيق صدري} قرأه الجمهور بالرفع فهو عطف على {أخاف} أو تكون الواو للحال فتكون حالاً مقدرة، أي والحال يضيق ساعتئذ صدري من عدم اهتدائهم.
والضَيق: ضد السعة، وهو هنا مستعار للغضب والكمد لأن من يعتريه ذلك يحصل له انفعال وينشأ عنه انضغاط الأعصاب في الصدر والقلب من تأثير الإدراك الخاص على جمع الأعصاب الكائن بالدماغ الذي هو المُدرك فيحس بشبه امتلاء في الصدر. وقد تقدم عند قوله تعالى: {يجعلُ صدرَه ضيّقاً حرجاً} [الأنعام: 125] وقوله: {وضائق به صدرُك} في سورة هود (12). والمعنى: أنه يأسف ويكمد لتكذيبهم إياه ويجيش في نفسه روم إقناعهم بصدقه، وتلك الخواطر إذا خطرت في العقل نشأ منها إعداد البراهين، وفي ذلك الإعداد تكلّف وتعب للفكر فإذا أبانها أحس بارتياح وبشبه السعة في الصدر فسمى ذلك شرحاً للصدر، ولذلك سأله موسى في الآية الأخرى قال: {ربّ اشرح لي صدري} [طه: 25].
والانطلاق حقيقته مطاوع أطلقه إذا أرسله ولم يحبسه فهو حقيقة في الذهاب. واستعير هنا لفصاحة اللسان وبيانه في الكلام، أي ينحبس لساني فلا يبين عند إرادة المحاجة والاستدلاللِ وعطفه على {يضيق صدري ينبئ بأنه أراد بضيق الصدر تكاثر خواطر الاستدلال، في نفسه على الذين كذبوه ليقنعهم بصدقه حتى يحسّ كأن صدره قد امتلأ، والشأن أن ذلك ينقُص شيئاً بعد شيء بمقدار ما يفصح عنه صاحبه من إبلاغه إلى السامعين، فإذا كانت في لسانه حبسة وعِيٌّ بقيت الخواطر متلجلجة في صدره. والمعنى: ويضيق صدري حين يكذبونني ولا ينطلق لساني.
وقرأ الجمهور: يضيقُ... ولا ينطلقُ} مرفوعين عطفاً على {أخاف} ولذلك حقّقه بحرف التأكيد لأنه أيقن بحصول ذلك لأنه جبلي عند تلقي التكذيب، ولأن أمانة الرسالة والحرص على تنفيذ مراد الله يحدث ذلك في نفسه لا محالة، وإذ قد كان انحباس لسانه يقيناً عنده لأنه كان كذلك من أجل ذلك التيقن كان فعلا {يضيق... ولا ينطلق} معطوفين على ما هو محقق عنده وهو حصول الخوف من التكذيب، ولم يكونا معطوفين على {يكذبون} المخوف منه المتوقع على أن كونه محقق الحصول يجعله أحرى من المتوقع.
وقرأ يعقوب {ويضيقَ... ولا ينطلقَ} بنصب الفعلين عطفاً على {يكذبون}، أي يتوقع أن يضيقَ صدره ولا ينطلقَ لسانُه. قيل كانت بموسى حُبسة في لسانه إذا تكلم. وقد تقدم في سورة طَه وسيجيء في سورة الزخرف.
وليس القصد من هذا الكلام التنصل من الاضطلاع بهذا التكليف العظيم ولكن القصد تمهيد ما فرعه عليه من طلب تشريك أخيه هارون معه لأنه أقدر منه على الاستدلال والخطابة كما قال في الآية الأخرى {وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي} [القصص: 34]. فقوله هنا {فأرسل إلى هارون} مُجمل يبيّنه ما في الآية الأخرى فيعلم أن في الكلام هنا إيجازاً. وأنه ليس المراد: فأرسل إلى هارون عِوَضاً عني.
وإنما سأل الله الإرسالَ إلى هارون ولم يسأله أن يكلّم هارون كما كلّمه هو لأن هارون كان بعيداً عن مكان المناجاة. والمعنى: فأرسل مَلَكاً بالوحي إلى هارون أن يكون معي.
وقوله: {ولهم عليَّ ذنب فأخاف أن يقتلون} تعريض بسؤال النصر والتأييد وأن يكفيه شرّ عدوّه حتى يؤدي ما عهد الله إليه على أكمل وجه. وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «اللهم إني أسألك نصرك ووعدَك اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض»
والذنب: الجُرم ومخالفة الواجب في قوانينهم. وأطلق الذنب على المؤاخذة فإن الذي لهم عليه هو حقّ المطالبة بدم القتيل الذي وكزه موسى فقضَى عليه، وتوعده القبط إن ظفروا به ليقتلوه فخرج من مصر خائفاً، وكان ذلك سببَ توجهه إلى بلاد مَدْيَن. وسمّاه ذَنْباً بحسب ما في شرع القبط، فإنه لم يكن يومئذ شرع إلهي في أحكام قتل النفس. ويصح أن يكون سمّاه ذنباً لأن قتل أحد في غير قصاص ولا دفاع عن نفس المُدافع يعتبر جرماً في قوانين جماعات البشر من عهد قتل أحد ابني آدم أخاه، وقد قال في سورة القصص (15، 16) {قال هذا من عمل الشيطان إنه عَدوّ مُضِلّ مبين قال ربّ إنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي} وأيًّا مَّا كان فهو جعله ذنباً لهم عليه.
وقوله: فأخاف أن يقتلون} ليس هَلَعاً وفرقاً من الموت فإنه لما أصبح في مقام الرسالة ما كان بالذي يبالي أن يموت في سبيل الله؛ ولكنه خشي العائق من إتمام ما عُهد إليه مما فيه له ثواب جزيل ودرجة عليا.
وحذفت ياء المتكلم من {يقتلون} للرعاية على الفاصلة كما تقدم في قوله تعالى: {وإيايَ فارهبون} في سورة البقرة (40).
وذكر هارون تقدم عند قوله تعالى: {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} في سورة البقرة (248).
{قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17)}
{كلاَّ} حرف إبطال. وتقدم في قوله تعالى: {كلا سنكتب ما يقول} في سورة [مريم: 79]. والإبطال لقوله: {فأخاف أن يقتلون} [الشعراء: 14]، أي لا يقتلونك. وفي هذا الإبطال استجابة لما تضمنه التعريض بالدعاء حين قال: {وَلَهم عليَّ ذنب فأخاف أن يقتلون} [الشعراء: 14].
وقوله: {فاذهبا بآياتنا} تفريع على مُفاد كلمة {كلاّ}. والأمر لموسى أن يذهبَ هو وهارُون يقتضي أن موسى مأمور بإبلاغ هارون ذلك فكان موسَى رسولاً إلى هارون بالنبوءة. ولذلك جاء في التوراة أن موسى أبلغَ أخاه هارون ذلك عندما تلقّاه في حوريب إذ أوحى الله إلى هارون أن يتلقاه، والباء للمصاحبة، أي مصاحبَيْن لآياتنا، وهو وعد بالتأييد بمعجزات تظهر عند الحاجة. ومن الآيات: العصا التي انقلبت حية عند المناجاة، وكذلك بياض يده كما في آية سورة [طه: 17] {وما تلك بيمينك يا موسى} الآيات.
وجملة: {إنا معكم مستمعون} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن أمرهما بالذهاب إلى فرعون يثير في النفس أن يتعامى فرعون عن الآيات ولا يَرعوي عند رؤيتها عن إلحاق أذى بهما فأجيب بأن الله معهما ومستمع لكلامهما وما يجيب فرعونُ به. وهذا كناية عن عدم إهمال تأييدهما وكفِّ فرعون عن أذاهما. فضمير {معكم} عائد إلى موسى وهارون وقوم فرعون. والمعية معية علم كالتي في قوله تعالى: {إلاّ هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7].
و {مستمعون} أشدّ مبالغة من (سامعون) لأن أصل الاستماع أنه تكلف السماع والتكلف كناية عن الاعتناء، فأريد هنا علم خاص بما يجري بينها وبين فرعون وملئه وهو العلم الذي توافقه العناية واللطف.
والجمع بين قوله: {بآياتنا} وقوله: {إنا معكم مستمعون} تأكيد للطمأنة ورباطة لجأشهما.
والرسول: فَعُول بمعنى مُفعَل، أي مُرسل. والأصل فيه مطابقة موصوفه، بخلاف فعول بمعنى فاعل فحقه عدم المطابقة سماعاً، وفعول بمعنى اسم المفعول قليل في كلامهم ومنه: بقرة ذَلول، وقولهم: صَبُوح، لما يشرب في الصباح، وغبوق، لما يشرب في العشي، والنَّشوق، لما ينشق من دواء ونحوه. ولكن رسول يجوز فيه أن يُجرى مجرى المصدر فلا يطابق ما يجري عليه في تأنيث وما عدا الإفراد، وورد في كلامهم بالوجهين تارة مُلازماً الإفراد والتذكير كما في هذه الآية، وورد مطابقاً كما في قوله تعالى: {فقولا إنّا رسولا ربك} في سورة [طَه: 47]، فذهب الجوهري إلى أنه مشترك بين كونه اسماً بمعنى مَفعول وبين كونه اسم مصدر ولم يجعله مصدراً إذ لا يعرف فعول مصدراً لغير الثلاثي، واحتج بقول الأشْعَر الجعفي:
ألاَ أَبلِغ بني عَمرو رسولاً *** بأني عن فُتاحتِكُم غَنِيُّ
[الفتاحة: الحكم]. وتبعه الزمخشري في هذه الآية إذ قال: الرسول يكون بمعنى المرسَل وبمعنى الرسالة فجُعل ثَمَّ (أي في قوله: {إنا رسولا ربّك} في سورة [طه: 47]) بمعنى المرْسَل، وجُعل هنا بمعنى الرسالة.
وقد قال أبو ذؤيب الهذلي:
ألِكْنِي إليها وخير الرسُو *** ل أعلَمُهُم بنواحي الخبر
فهل من ريبة في أن ضمير الرسول في البيت مراد به المرسلون. وتصريح النحاة بأن فَعولاً الذي بمعنى المفعول يجوز إجراؤه على حالة المتّصِففِ به من التذكير والتأنيث فيجوز أن تقول: ناقَة رَكُوبة ورَكُوب، يقتضي أن التثنية والجمعَ فيه مثل التأنيث. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في سورة طه وأحلنا تحقيقه على ما هنا.
ومبادأة خطابهما فرعونَ بأن وصفا الله بصفة ربّ العالمين مجابهة لفرعون بأنه مربوب وليس بربّ، وإثبات ربوبية الله تعالى للعالمين. والنفي يقتضي وحدانية الله تعالى لأن العالمين شامل جميعَ الكائِنات فيشمل معبودات القبط كالشمس وغيرها، فهذه كلمة جامعة لما يجب اعتقاده يومئذ.
وجملة: {أن أرسل معنا بني إسرائيل} تفسيرية لما تضمنه {رسُول} من الرسالة التي هي في معنى القول، أي هذا قول ربّ العالمين لك. و{أَرْسِل معنا} أَطلِقْ ولا تحبسهم، فالإرسال هنا ليس بمعنى التوجيه. وهذا الكلام يتضمن أن موسى أُمر بإخراج بني إسرائيل من بلاد الفراعنة لقصد تحريرهم من استعباد المصريين كما سيأتي عند قوله تعالى: {أن عبَّدْتَ بني إسرائيل} [الشعراء: 22]، وقد تقدم في سورة البقرة بيان أسباب سكنى بني إسرائيل بأرض مصر ومواطنهم بها وعملهم لفرعون.
{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)}
طوي من الكلام ذهاب موسى وهارون إلى فرعون واستئذانهما عليه وإبلاغهما ما أمرهما الله أن يقولا لفرعون إيجازاً للكلام. ووجَّه فرعون خطابه إلى موسى وحده لأنه علم من تفصيل كلام موسى وهارون أن موسى هو الرسول بالأصالة وأن هارون كان عوناً له على التبليغ فلم يشتغل بالكلام مع هارون. وأعرض فرعون عن الاعتناء بإبطال دعوة موسى فعدل إلى تذكيره بنعمة الفراعنة أسلافه على موسى وتخويفه من جنايته حسباناً بأن ذلك يقتلع الدعوة من جذمها ويكف موسى عنها، وقصدُه من هذا الخطاب إفحام موسى كي يتلعثم من خشيةِ فرعون حيث أوجد له سبباً يتذرع به إلى قتله ويكون معذوراً فيه حيث كفر نعمة الولاية بالتربية، واقترف جرم الجناية على الأنفس.
والاستفهام تقريري، وجعل التقرير على نفي التربية مع أن المقصود الإقرار بوقوع التربية مجاراة لحال موسى في نظر فرعون إذ رأى في هذا الكلام جرأة عليه لا تناسب حال مَن هو ممنون لأُسرته بالتربية لأنها تقتضي المحبة والبر، فكأنه يرخي له العنان بتلقين أن يجحد أنه مربًّى فيهم حتى إذا أقر ولم ينكر كان الإقرار سالماً من التعلل بخوف أو ضغط، فهذا وجه تسليط الاستفهام التقريري على النفي في حينَ أن المقرر به ثابت. وهذا كما تقول للرجل الذي طال عهدك برؤيته: ألستَ فلاناً، ومثله كثير. ومنه قول الحجاج في خطبته يوم دَيْر الجماجم يهدد الخوارج «ألستُم أصحابِي بالأهواز».
والتقرير مستعمل في لازمه وهو أن يقابل المقرَّر عليه بالبر والطاعة لا بالجفاء، ويجوز أن يجعل الاستفهام إنكارياً عليه لأن لسان حال مُوسى في نظر فرعون حال من يجحد أنه مربًّى فيهم ومن يظن نِسيانهم لفعلته فأنكر فرعون عليه ذلك، وكلا الوجهين لا يخلو من تنزيل موسى منزلة من يجحد ذلك.
والتربية: كفالة الصبي وتدبير شؤونه. ومعنى {فينا} في عائلتنا، أي عائلة ملك مصر. والوليد: الطفل من وقت ولادته وما يقاربها فإذا نمى لم يُسم وليداً وسمي طفلاً، ويعني بذلك التقاطه من نهر النيل. وذلك أن موسى ربّي عند (رعمسيس الثاني) من ملوك العائلة التاسعة عشرة من عائلات فراعنة مصر حسب ترتيب المحققين من المؤرخين. وخرج موسى من مصر بعد أن قتل القبطّي وعمرُه أربعون سنة لقوله تعالى: {ولما بلغ أشُدَّه واستوى أتيناه حكماً إلى قوله: {ودخل المدينة} [القصص: 14، 15] الآية وبُعث وعمرُه ثمانون سنة حسبما في التوراة. وكان فرعون الذي بعث إليه موسى هو (منفتاح الثاني ابن رعمسيس الثاني) وهو الذي خلفه في الملك بعد وفاته أواسط القرن الخامس عشر قبل المسيح، فلا جرم كان موسى مربّى والده، فلذلك قال له: ألم نُرَبِّك فينا وليداً، ولعله رُبِّيَ مع فرعون هذا كالأخ.
والسنين التي لبثها موسى فيهم هي نحو أربعين سنة.
والفَعْلة: المرة الواحدة من الفِعل، وأراد بها الحاصل بالمصدر كما اقتضته إضافتها إلى ضمير المخاطب، وأراد بالفعلة قتلَه القبطي، قيل هو خَبَّاز فرعون. وعبر عنها بالموصول لعلم موسى بها، وفي ذلك تهويل للفعلة يكنى به عن تذكيره بما يوجب توبيخه.
وفي العدول عن ذكر فَعلة معيَّنة إلى ذكرها مبهمة مضافةً إلى ضميره ثم وصفها بما لا يزيد على معنى الموصوف تهويلٌ مرادٌ به التفظيع وأنها مشتهرة معلومة مع تحقيق إلصاق تبعتها به حتى لا يجد تنصلاً منها.
وجملة: {وأنت من الكافرين} حال من ضمير {فعلت}. والمراد به كفر نعمة فرعون من حيث اعتدى على أحد خاصّته وموالي آله، وكان ذلك انتصاراً لرجل من بني إسرائيل الذين يعُدُّونهم عبيدَ فرعون وعبيدَ قومه، فجَعل فرعونُ انتصارَ موسى لرجل من عشيرته كفراناً لنعمة فرعون لأنه يرى واجب موسى أن يعُدّ نفسه من قوم فرعون فلا ينتصر لإسرائيلي، وفي هذا إعمال أحكام التبني وإهمال أحكام النسب وهو قلبُ حقائق وفسادُ وضع. قال تعالى: {وما جَعل أدعياءَكم أبناءَكم ذلكم قولُكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4]. وليس المراد الكفر بديانة فرعون لأن موسى لم يكن يوم قتل القبطي متظاهراً بأنه على خلاف دينهم وإن كان في باطنه كذلك لأن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوءة وبعدها.
ويجوز أن تكون جملة: {وأنت من الكافرين} عطفاً على الجُمل التي قبلها التي هي توبيخ ولوم، فوبخه على تقدم رعيه تربيتَهم إياه فيما مضى، ثم وبّخه على كونه كافراً بدينهم في الحال، لأن قوله: {من الكافرين} حقيقة في الحال إذ هو اسم فاعل واسم الفاعل حقيقة في الحال.
ويجوز أن يكونَ المعنى: وأنت حينئذ من الكافرين بديننا، استناداً منه إلى ما بدا من قرائنَ دلّته على استخفاف موسى بدينهم فيما مضى لأن دينهم يقتضي الإخلاص لفرعون وإهانةَ من يهينهم فرعون. ولعل هذا هو السبب في عزم فرعون على أن يقتصّ من موسى للقبطي لأن الاعتداء عليه كان مصحوباً باستخفاف بفرعون وقومه.
ويفيد الكلام بحذافره تعجباً من انتصاب موسى منصب المرشد مع ما اقترفه من النقائص في نظر فرعون المنافية لدعوى كونه رسولاً من الربّ.
{قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)}
كانت رباطة جأش موسى وتوكّله على ربّه باعثةً له على الاعتراف بالفعلة وذكر ما نشأ عنها من خيرٍ له، ليدل على أنه حَمِد أثرها وإن كان قد اقترفها غير مُقَدِّر ما جرّته إليه من خير؛ فابتدأ بالإقرار بفعلته ليعلم فرعون أنه لم يجد لكلامه مدخل تأثير في نفس مُوسى. وأخر موسى الجواب عن قول فرعون {ألم نربّك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين} [الشعراء: 18] لأنه علم أن القصد منه الإقصارُ من مواجهته بأن ربّاً أعلى من فرعون أرسل موسى إليه. وابتدأ بالجواب عن الأهم من كلام فرعون وهو {وفعلتَ فعلتك} [الشعراء: 19] لأنه علم أنه أدخل في قصد الإفحام، وليظهر لفرعون أنه لا يَوْجَل من أن يطالبوه بذَحل ذلك القتيل ثقة بأن الله ينجيه من عدوانهم.
وكلمة {إذاً} هنا حرف جواب وجزاء، فنونُه الساكنة ليست تنويناً بل حرفاً أصلياً للكلمة، وقدم {فعلتها} على (إذن) مبادرةً بالإقرار ليَكون كناية عن عدم خشيته من هذا الإقرار. ومعنى المجازاة هنا ما بيّنه في «الكشاف»: أن قول فرعون {فعلتَ فعلتك} [الشعراء: 19] يتضمن معنى جازيتَ نعمتنا بما فعلتَ؛ فقال له موسى: نعم فعلتها مُجازيا لك، تسليماً لقوله، لأن نعمته كانت جديرة بأن تجازى بمثل ذلك الجزاء. وهذا أظهر ما قيل في تفسير هذه الآية. وقال القزويني في «حاشية الكشاف» قال بعض المحققين: {إذاً} ظرف مقطوع عن الإضافة مُؤْثَراً فيه الفتح على الكسر لخفته وكثرةِ الدوران، ولعله يعني ببعض المحققين رضي الدِّين الاسترابادي في «شرح الكافية الحاجبية» فإنه قال في باب الظروف: والحق أن (إذْ) إذا حذف المضاف إليه منه وأبدل منه التنوين في غير نحو يومئذ، جاز فتحه أيضاً، ومنه قوله تعالى: {فعلتها إذاً وأنا من الضالين} أي فعلتها إذْ ربَّيتني، إذ لا معنى للجزاء ههنا اه. فيكون متعلقاً ب {فعلتُها} مقطوعاً عن الإضافة لفظاً لدلالة العامل على المضاف إليه. والمعنى: فعلتُها زمناً فعلتُها، فتذكيري بها بعد زمن طويل لا جدوى له. وهذا الوجه في {إذاً} في الآية هو مختار ابن عطية والرضي في «شرح الحاجبية» والدماميني في «المزج على المغني»، وظاهر كلام القزويني في «الكشف على الكشاف» أنه يختاره.
ومعنى الجزاء في قوله: {فعلتها إذاً} أن قول فرعون {وفعلتَ فعلتك التي فعلت} [الشعراء: 19] قصد به إفحام موسى وتهديده، فجعل موسى الاعتراف بالفعلة جزاء لذلك التهديد على طريقة القول بالموجَب، أي لا أتهيّب ما أردت.
وجعل مُوسى نفسه من الضالين إن كان مراد كلامه الذي حكت الآية معناه إلى العربية المعنَى المشهورَ للضلال في العربية وهو ضلال الفساد فيكون مراده: أن سَوْرة الغضب أغفلته عن مراعاة حرمة النفس وإن لم يكن يومئذ شريعة (فإن حفظ النفوس مما اتفق عليه شرائع البشر وتوارثوه في الفِتَر، ويؤيد هذا قوله في الآية الأخرى
{قال ربّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له} [القصص: 16])؛ وإن كان مراده معنى ضلال الطريق، أي كنت يومئذ على غير معرفة بالحق لعدم وجود شريعة، وهو معنى الجهالة كقوله تعالى: {ووجدك ضالاً فهدى} [الضحى: 7] فالأمر ظاهر.
وعلى كلا الوجهين فجواب موسى فيه اعتراف بظاهر التقرير وإبطال لما يستتبعه من جعله حجة لتكذيبه برسالته عن الله، ولذلك قابل قول فرعون {وأنت من الكافرين} [الشعراء: 19] بقوله: {وأنا من الضالين} إبطالاً لأن يكون يومئذ كافراً، ولذلك كان هذا أهم بالإبطال.
وبهذا يظهر وجه الاسترسال في الجواب بقوله: {فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين}، أي فكان فراري قد عقبه أن الله أنعم عليّ فأصلح حالي وعلمني وهداني وأرسلني. فليس ذلك من موسى مجرد إطناب بل لأنه يفيد معنى أن الإنسان ابن يومه لا ابنُ أمسِه، والأحوال بأوَاخرها فلا عجب فيما قصدتَ فإن الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وقوله: {ففررت منكم} أي فراراً مبتدئاً منكم، لأنهم سبب فراره، وهو بتقدير مضاف، أي من خوفكم. والضمير لفرعون وقومِه الذين ائتمروا على قتل موسى، كما قال تعالى: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} [القصص: 20]. والحكم: الحِكمة والعلم، وأراد بها النبوءة وهي الدرجة الأولى حين كلمه ربّه. ثم قال: {وجعلني من المرسلين} أي بعد أن أظهر له المعجزة وقال له: {إني اصطفيتك على الناس} [الأعراف: 144] أرسله بقوله: {اذهَب إلى فرعون إنه طغى} [طه: 24].
ثم عاد إلى أول الكلام فكرّ على امتنانه عليه بالتربية فأبطله وأبى أن يسميه نعمة، فقوله: {وتلك نعمة} إشارة إلى النعمة التي اقتضاها الامتنان في كلام فرعون إذ الامتنان لا يكون إلا بنعمة.
ثم إن جعلت جملة {أن عبدت} بياناً لاسم الإشارة كان ذلك لزيادة تقرير المعنى مع ما فيه من قلب مقصود فرعون وهو على حد قوله تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أنّ دابرَ هؤلاء مقطوعٌ مصبحين} [الحجر: 66] إذ قوله {أن دابر هؤلاء} بيان لقوله: {ذلك الأمر}.
ويجوز أن يكون {أن عبدت} في محل نصب على نزع الخافض وهو لام التعليل والتقدير: لأن عبَّدتَّ بني إسرائيل.
وقيل الكلام استفهام بحذف الهمزة وهو استفهام إنكار. ومعنى {عبدت} ذَلَّلْت، يقال: عبَّد كما يقال: أعبد بهمزة التعدية. أنشد أيمة اللغة:
حتّامَ يُعْبِدني قومي وقد كَثُرتْ *** فيهم آباعِرُ ما شاءوا وَعُبدان
وكلام موسى على التقادير الثلاثة نقض لامتنان فرعون بقلب النعمة نقمة بتذكيره أن نعمة تربيته ما كانت إلا بسبب إذلال بني إسرائيل إذ أمر فرعون باستئصال أطفال بني إسرائيل الذي تسبب عليه إلقاء أمّ موسى بطفلها في اليمّ حيث عثرت عليه امرأة فرعون ومن معها من حاشيتها وكانوا قد علموا أنه من أطفال إسرائيل بسِماتتِ وجهه ولون جلده، ولذلك قالت امرأة فرعون {قُرتُ عين لي ولك لا تَقتلُوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً} [القصص: 9]. وفيه أن الإحسان إليه مع الإساءة إلى قومه لا يزيد إحساناً ولا منة.
{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)}
لما لم يَرُجْ تهويله على موسى عليه السلام وعلم أنه غير مقلع عن دعوته تنفيذاً لما أمره الله ثنّى عنان جداله إلى تلك الدعوة فاستفهم عن حقيقة ربّ العالمين الذي ذكر موسى وهارون أنهما مُرسَلان منه إذ قالا: {إنا رسولُ ربّ العالمين} [الشعراء: 16] وإظهار اسم فرعون مع أن طريقة حكاية المقاولات والمحاورة يكتفى فيها بضمير القائلين بطريقة قال قال، أو قال فقال، فعدل عن تلك الطريقة إلى إظهار اسمه لإيضاح صاحب هذه المقالة لبعد ما بين قوله هذا وقوله الآخر.
والواو عاطفة هذا الاستفهام على الاستفهام الأول الذي وقع كلام موسى فاصلاً بينه وبين ما عطف عليه.
وحرف {ما} الغالب فيه أن يكون للسؤال عن حقيقة الاسم بعده التي تميزه عن غيره، ولذلك يسأل بها عن تعيين القبيلة، ففي حديث الوفود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «مَا أنتم»، ففرعون سأل موسى عليه السلام تبيين حقيقة هذا الذي وصفه بأنه {رب العالمين} [الشعراء: 16]، فقد كانت عقائد القبط تثبت آلهة متفرقة قد اقتسمت التصرف في عناصر هذا العالم وأجناس الموجودات، وتلك العناصر هي العالمون ولا يدينون بإله واحد، فإنّ تعدد الآلهة المتصرفة ينافي وحدانية التصرف، فلما سمع فرعون من كلام موسى إثبات ربّ العالمين قَرع سمعه بما لم يألفه من قبل لاقتضائه إثبات إله واحد وانتفاء الإلهية عن الآلهة المعروفة عندهم، على أنهم كانوا يزعمون أن فرعون هو المجتبَى من الآلهة ليكون مَلِكَ مصر. فهو مظهر الآلهة الأخرى في تدبير المملكة {قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} [الزخرف: 51]. وبهذا الانتساب إلى الآلهة وتمثيله إرادتهم في الأرض كان فرعون يُدعَى إلهاً.
وقد كانت الأمم يومئذ في غفلة عما عدا أنفسها فكانوا لا يفكرون في مختلف أحوال الأمم وعوائد البشر. ولا تشعر كل أمة إلا بنفسها وخصائصها من آلهتها وملوكها فكان المَلِك لا يُشيع في أمته غيرَ قوته وانتصاره على الثائرين، ويخيل للناس أن العالم منحصر في تلك الرقعة من الأرض. فلا تجد في آثار القبط صوراً للأمم غير صور القبائل الذين يغزوهم فرعون ويأتي بأسراهم في الأغلال والسلاسل خاضعين عابدين حتى يخيّل لقومه أنه لما غلب أولئك فقد كان قهارَ البشر كلهم، ويُخفي أخبار انكساره إلا إذا لحقه غلب عظيم من أمة كبرى بحيث لا يستطيع إخفاءه، فحينئذ ينتقل أسلوب التاريخ عندهم وتنتَحِل الدولةُ الجديدة أساليبَ الدولة الماضية وتنسى حوادث الماضي وتغلب على مخيلاتهم الحالة الحاضرة، وللدعاة والمروجين أثر كبير في ذلك. وبهذا يتضح باعث فرعون على هذا السؤال الذي ألقاه على موسى، وهو استفهام مشوب بتعجب وإنكار على طريق الكناية.
ومن دقائق هذه المجادلة أن الاستفسار مقدَّم في المناظرات، ولذلك ابتدأ فرعون بالسؤال عن حقيقة الذي أرسلَ موسى عليه السلام.
وكان جواب موسى عليه السلام بياناً لحقيقة ربّ العالمين بما يصيِّر وصفَه بربّ العالمين نصاً لا يحتمل غير ما أراده من ظاهره، فأتى بشرح اللفظ بما هو تفصيل لمعناه، إذ قال: {رب السموات والأرض وما بينهما}، فبذكر السموات والأرض وبعموم ما بينهما حصل بيان حقيقة المسؤول عنه ب {ما} ومرجع هذا البيان إلى أنه تعريف لحقيقة الربّ بخصائصها لأن ذلك غاية ما تصل إليه العقول في معرفة الله أن يُعرَف بآثار خلقه، فهو تعريف رسمي في الاصطلاح المنطقي.
وانتظم السؤال والجواب على طريقة السؤال بكلمة {ما} عن الجنس. وهو جار على الوجه الأول من وجوه ثلاثة في تقرير السؤال والجواب من كلام «الكشاف»، وهو أيضاً مختار السكاكي في قانون الطلب من كتاب «المفتاح»، وطابق الجوابُ السؤالَ تمام المطابقة.
وأشار صاحب «الكشاف» وصرَّح صاحب «المفتاح» بأن جواب موسى بما يبيِّن حقيقةَ {رب العالمين} تضمن تنبيهاً على أن الاستدلال على ثَبات الخالق الواحد يحصل بالنظر في السماوات والأرض وما بينهما نظراً يؤدي إلى العلم بحقيقة الربّ الواحد الممتازة عن حقائق المخلوقات.
ولهذا أتبع بيانه بقوله: {إن كنتم موقنين}، أي إن كنتم مستعدين للإيقان طالبين لمعرفة الحقائق غير مكابرين. وسُمي العلم بذلك إيقاناً لأن شأن اليقين بأن خالق السموات والأرض وما بينهما هو الإله لا يشاركه غيره.
وضمير الجمع في {كُنتم موقنين} مراد به جميعُ حاضري مجلس فرعون، أراد موسى تشريكهم في الدعوة تقصياً لكمال الدعوة وأن مؤاخذة القائل لا تقع إلا بعد اتضاح مراده من مقاله إذ لا يؤاخذ بالمجملات. ومن هذا قال سحنون فيمن صدر منه قول أو فعل يستلزم كفراً: إنه يحضر ويوقف على لازم قوله فإن فهمه والتزم ما يلزمه حينئذ يعتبر مرتدّاً ويستتاب ثلاثة أيام بعد ذلك.
{قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25)}
أعرض فرعون عن خطاب موسى واستثار نفوس الملأ من حوله وهم أهل مجلسه فاستفهمهم استفهام تعجب من حالهم كيف لم يستمعوا ما قاله موسى فنزلهم منزلة من لم يستمعه تهييجاً لنفوسهم كي لا تتمكن منهم حجة موسى، فسلط الاستفهام على نفي استماعهم كما تقدم. وهذا التعجب من حال استماعهم وسكوتهم يقتضي التعجب من كلام موسى بطريق فحوى الخطاب فهو كناية عن تعجب آخر. ومرجع التعجبين أن إثبات ربّ واحد لجميع المخلوقات منكر عند فرعون لأنه كان مشركاً فيرى توحيد الإله لا يصح السكوت عليه، ولكون خطاب فرعون لمن حوله يتضمن جواباً عن كلام موسى حكي كلام فرعون بالصيغة التي اعتيدت في القرآن حكايةُ المقاولات بها، كما تقدم غير مرة، كأنه يجيب موسى عن كلامه.
{قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)}
كلام موسى هذا في معرض الجواب عن تعجب فرعون من سكوت من حوله فلذلك كانت حكايته قوله على الطريقة التي تحكى بها المقاولات. ولما كان في كلام فرعون إعراض عن مخاطبة موسى إذ تجاوزه إلى مخاطبة من حوله، وجَّه موسى خطابه إلى جميعهم، وإذ رأى موسى أنهم جميعاً لم يهتدوا إلى الاقتناع بالاستدلال على خلق الله العوالم الذي ابتدأ به هو أوسع دلالةٍ على وجود الله تعالى ووحدانيته إذ في كل شيء مما في السموات والأرض وما بينهما آية تدل على أنه واحد، فنزل بهم إلى الاستدلال بأنفسهم وبآبائهم إذ أوجدهم الله بعد العدم ثم أعدم آباءهم بعد وجودهم؛ لأن أحوال أنفسهم وآبائهم أقرب إليهم وأيسر استدلالاً على خالقهم، فالاستدلال الأول يمتاز بالعموم، والاستدلال الثاني يمتاز بالقرب من الضرورة، فإن كثيراً من العقلاء توهموا السموات قديمة واجبة الوجود، فأما آباؤهم فكثير من السامعين شهدوا انعدام كثير من آبائهم بالموت، وكفى به دليلاً على انتفاء القِدم الدالِّ على انتفاء الإلهية.
وشمل عموم الآباء بإضافته إلى الضمير وبوصفه بالأوَّلِين بعضَ من يزعمونهم في مرتبة الآلهة مثل الفراعنة القدماء الملقّبين عندهم بأبناء الشَّمس، والشمس معدودة في الآلهة ويمثلها الصنم «آمون رع».
والربّ: الخالق والسيد بموجب الخالقية.
{قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)}
احتدّ فرعون لما ذكر موسى ما يشمل آباءَه المقدّسين بذكر يخرجهم من صفة الإلهية زاعماً أن هذا يخالف العقل بالضرورة فلا يصدر إلا من مختل الإدراك، وكأنه رأى أن الاستدلال بخالقيتهم وخالقية آبائهم عبث لأن فرعون وملأه يرون تكوين الآدمي بالتولد وهم لا يحسبون التكوين الدال على الخالقية إلا التكوينَ بالطفرة دون التدريج بناء على أن الأشياء المعتادة لا تتفطن إلى دقائقها العقول الساذجة، فهم يحسبون تكوين الفرخ من البيضة أقل من تكوين الرعْد، وأن تكوين دودة القز أدل على الخالق من تكوين الآدمي مع أنه ليس كذلك؛ فلذلك زعم أن ادعاء دلالة تكوين الآباء والأبناء ودلالة فناء الآباء على ثبوت الإله الواحد ربّ الآباء والأبناء ضرباً من الجنون إذ هو تكوين لم يشهدوا دقائقه، والمعروف المألوف ولادة الأجنة وموت الأمْوات.
وأكد كلامه بحرفي التأكيد لأن حالة موسى لا تؤذن بجنونه فكان وصفه بالمجنون معرَّضاً للشك فلذلك أكد فرعون أنه مجنون يعني أنه علم من حال موسى ما عسى أن لا يعلمه السامعون.
وقصد بإطلاق وصف الرسول على موسى التهكمَ به بقرينة رميه بالجنون المحقق عنده.
وأضاف الرسول إلى المخاطبين رَبْئاً بنفسه عن أن يكون مقصوداً بالخطاب، وأكد التهكّم والربء بوصفه بالموصول {الذي أرسل إليكم} فإن مضمون الموصول وصلته هو مضمون {رسولكم} فكان ذكره كالتأكيد، وتنصيصاً على المقصود لزيادة تهييج السامعين كيلا يتأثروا أو يتأثر بعضهم بصدق موسى لأن فرعون يتهيأ لإعداد العُدة لمقاومَة موسى لعلمه بأن له قوماً في مصر ربّما يستنصر بهم.
{قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)}
لما رأى موسى سوء فهمهم وعدم اقتناعهم بالاستدلال على الوحدانية بالتكوين المعتاد إذ التبس عليهم الأمر المعتاد بالأمر الذي لا صانع له انتقل موسى إلى ما لا قبل لهم بجحده ولا التباسِه وهو التصرف العجيب المشاهد كل يوم مرتين، كما انتقل إبراهيم عليه السلام من الاستدلال على وجود الله بالإحياء والإماتة لما تَمَوَّه على النمرود حقيقة معنى الإحياء والإماتة فانتقل إبراهيم إلى الاستدلال بطلوع الشمس فيما حكى الله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربّي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتتِ بها من المغرب} [البقرة: 258] فكانت حجة موسى حجة خليلية.
والمشرق والمغرب يجوز أن يراد بهما مكان شروق الشمس ومكان غروبها في الأفق، فيكون تحريكاً للاستدلال بما يقع في ذلك المكان من الأُفق من شروق الشمس وغروبها، فيكون المراد بربّ المشرق والمغرب خالقَ ذلك النظام اليومي على طريقة الإيجاز.
ويجوز أن يراد بالمشرق والمغرب المصدر الميمي، أي ربّ الشروق والغروب، فيكون المراد بالربّ الخالق، أي مكوِّن الشروق والغروب ويكون المراد بما بينهما على هاذين الوجهين ما بين الحالين وضمير (بينهما) للمشرق والمغرب فكأنه قيل وما بين المشرق والمغرب وما بين المغرب والمشرق، أي ما يقع في خلال ذلك من الأحوال، فأما ما بين الشروق والغروب فالضحى والزوال والعصر والاصفرار، وأما ما بين الغروب والشروق فالشفق والفجر والإسفار كلها دلائل على تكوين ذلك النظام العجيب المتقن.
وقيل المراد برب المشرق والمغرب مالك الجهتين. وهذا التفسير يفيت مناسبة الكلام لمقام الاستدلال بعظيم ولا يلاقي التذييل الواقع بعده في قوله: {إن كنتم تعقلون}.
وتانك الجهتان هما منتهى الأرض المعروفة للناس يومئذ فكأنه قيل: ربّ طرَفي الأرض، وهو كناية عن كون جميع الأرض ملكاً لله. وهذا استدلال عرفي إذ لم يكونوا يعرفون يومئذ مَلِكاً يملك ما بين المشرق والمغرب، وما كان مُلك فرعون المؤلّه عندهم إلا لبلاد مصر والسودان.
والتذييل بجملة: {إن كنتم تعقلون} تنبيه لنظرهم العقلي ليعاودوا النظر فيدركوا وجه الاستدلال، أي إن كنتم تُعملون عقولكم، ومن اللطائف جعل ذلك مقابل قول فرعون: إن رسولكم لمجنون، لأن الجنون يقابله العقل فكان موسى يقول لهم قولاً ليناً ابتداء، فلما رأى منهم المكابرة ووصفوه بالجنون خاشنهم في القول وعارض قول فرعون {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} [الشعراء: 27] فقال: {إن كنتم تعقلون} أي إن كنتم أنتم العقلاء، أي فلا تكونوا أنتم المجانين، وهذا كقول أبي تمام للذَيْن قالا له: «لِم تقول ما لا يُفهم» قال: «لم لا تفهمان ما يقال».
{قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)}
لمّا لم يجد فرعون لحجاجه نجاحاً ورأى شدة شكيمة موسى في الحق عدل عن الحجاج إلى التخويف ليقطع دعوة موسى من أصلها. وهذا شأن من قهرته الحجة، وفيه كبرياء أن ينصرف عن الجدل إلى التهديد.
واللام في قوله: {لئن اتخذت إلها} موطئة للقسم. والمعنى أن فرعون أكد وعيده بما يساوي اليمين المجملة التي تؤذن بها اللام الموطئة في اللغة العربية كأن يكون فرعون قال: عليَّ يمين، أو بالأيمان، أو أقسم. وفعل {اتخذت} للاستمرار، أي أصررت على أن لك إلهاً أرسلك وأن تبقى جاحداً للإله فرعون، وكان فرعون معدوداً إلهاً للأمة لأنه يمثل الآلهة وهو القائم بإبلاغ مرادها في الأمة، فهو الواسطة بينها وبين الأمة.
ومعنى: {لأجعلنك من المسجونين} لأسجننك، فسلك فيه طريقة الإطناب لأنه أنسب بمقام التهديد لأنه يفيد معنى لأجعلنك واحداً ممن عرفتَ أنهم في سِجني، فالمقصود تذكير موسى بهول السجن. وقد تقدم أن مثل هذا التركيب يفيد تمكن الخبر من المخبَر عنه عند قوله تعالى: {قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} في سورة البقرة (67). وقد كان السجن عندهم قطعاً للمسجون عن التصرف بلا نهاية، فكان لا يدري متى يخرج منه قال تعالى: {فأنساه الشيطان ذكرَ ربه فلبِث في السجن بضعَ سنين} [يوسف: 42].
{قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33)}
لما رأى موسى من مكابرة فرعون عن الاعتراف بدلالة النظر مَا لا مطمع معه إلى الاسترسال في الاستدلال لأنه متعاممٍ عن الحق عدل موسى إلى إظهار آية من خوارق العادة دلالة على صدقه، وعرض عليه ذلك قبل وقوعه ليسد عليه منافذ ادعاء عدم الرضى بها.
واستفهمه استفهاماً مشوباً بإنكار واستغراب على تقدير عدم اجتزاء فرعون بالشيء المُبين، وأنه ساجنُه لا محالة إن لم يعترف بإلهية فرعون، قطعاً لمعذرته من قبل الوقوع. وهذا التقدير دلت عليه {لو} الوصلية التي هي لفرض حالة خاصة. فالواو في قوله: {أولو جئتك} واو الحال، والمستفهم عنه بالهمزة محذوف دل عليه أن الكلام جواب قول فرعون {لأجعلنك من المسجونين} [الشعراء: 29] والتقدير: أتجعلني من المسجونين والحال لو جئتك بشيء مبين، إذ القصد الاستفهام عن الحالة التي تضمنها شرط {لو} بأنها أولى الحالات بأن لا يثبت معها الغرض المستفهم عنه على فرض وقوعها وهو غرض الاستمرار على التكذيب، وهو استفهام حقيقي.
وليست الواو مؤخرة عن همزة الاستفهام لأن لحرف الاستفهام الصدارة بل هي لعطف الاستفهام.
والعامل في الحال وصاحِب الحال مقدّران دل عليهما قوله: {لأجعلنَّك} [الشعراء: 29]، أي أتجعلني من المسجونين.
ووصفُ «شيء» ب {مبين} اسم فاعل من أبان المتعدي، أي مُظهرٍ أني رسول من الله.
وأعرض فرعون عن التصريح بالتزام الاعتراف بما سيجئ به موسى فجاء بكلام محتمل إذ قال {فأت به إن كنت من الصادقين}. وفي قوله: {إن كنت من الصادقين} إيماء إلى أن في كلام فرعون ما يقتضي أن فرض صدق موسى فرض ضعيف كما هو الغالب في شرط {إن} مع إيهام أنه جاء بشيء مبين يعتبر صادقاً فيما دعا إليه، فبقي تحقيق أن ما سيجيء به موسى مبين أو غير مبين. وهذا قد استبقاه كلام فرعون إلى ما بعد الوقوع والنزول ليتأتى إنكاره إن احتاج إليه.
والثعبان: الحية الضخمة الطويلة.
ووصف {ثعبان} بأنه {مبين} الذي هو اسم فاعل من أبان القاصر الذي بمعنى بَان بمعنى ظهر، ف {مبين} دال على شدة الظهور من أجل أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أي ثعبان ظاهر أنه ثعبان لا لبس فيه ولا تخييل.
وبالاختلاف بين {مُبينٍ} الأول و{مُبينٌ} الثاني اختلفت الفاصلتان معنى فكانتا من قبيل الجِناس ولم تكونا مما يسمى مثله إيطاءً.
والإلقاء: الرمي من اليد إلى الأرض، وتقدم في سورة الأعراف.
والنزع: سلّ شيء مما يحيط به، ومنه نزع اللباس، ونزع الدلو من البئر. ونزع اليد: إخراجها من القميص، فلذلك استغنى عن ذكر المنزوع منه لظهوره، أي أخرج يده من جيب قميصه.
ودلت (إذا) المفاجِئة على سرعة انقلاب لون يده بياضاً.
واللام في قوله: {للناظرين}. يجوز أن تكون اللامَ التي يسميها ابن مالك وابن هشام لام التعدية، أي اتصال متعلقها بمجرورها. والأظهر أن تكون اللام بمعنى (عند) ويكون الجار والمجرور حالاً. وقد مضى بيان ذلك عند قوله تعالى في سورة الأعراف (108) {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين}
ومعنى: للناظرين أن بياضها مما يقصده الناظرون لأعجوبته، وكانَ لون جلد موسى السمرة. والتعريف في {للناظرين} للاستغراق العرفي، أي لجميع الناظرين في ذلك المجلس. وهذا يفيد أن بياضها كان واضحاً بيّناً مخالفاً لون جِلده بصورة بعيدة عن لون البرص.
{قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35)}
تقدم الكلام على نظير هذه الآية في سورة الأعراف، سوى أن في هذه الآية زيادة {بسحره} وهو واضح، وفي هذه الآية أن هذا قول فرعون للملإ، وفي آية الأعراف (109) {قال الملأ من قوم فرعون} والجمع بينهما أن فرعون قاله لمن حَوله فأعادوه بلفظه للموافقة التامة بحيث لم يكتفوا بقول: نعم، بل أعادوا كلام فرعون ليكون قولهم على تمام قوله.
وانتصب {حوله} على الظرفية. والظرف هنا مستقر لأنه متعلق بكون محذوف هو حال من الملأ. وتقدم وجه التعبير عن إشارتهم عليه بقوله: {تأمرون} في سورة الأعراف (110).
{قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)}
تقدم الكلام على نظيرها في سورة الأعراف سوى أن في هذه الآية {وابعث} بدل {وأرسل} [الأعراف: 111] وهما مترادفان، وفي هذه الآية {سحّار} وهنالك {ساحر} [الأعراف: 112] والسحار مرادف للساحر في الاستعمال لأن صيغة فَعَّال هنا للنسب دلالة على الصناعة مثل النجَّار والقصّار ولذلك أتبع هنا وهناك بوصف {عليم}، أي قوي العلم بالسحر.
{فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40)}
دلت الفاء على أنّ جمع السحرة وقع في أسرع وقت عقب بعث الحاشرين حرصاً من الحَاشرين والمحشورين على تنفيذ أمر فرعون.
وبني «جُمع وقيل» للنائب لعدم تعين جامعِين وقائلين، أي جَمَعَ من يجمع، وقال القائلون.
واللام في {لميقات} بمعنى (عند) كاللام في قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78]. واليوم: هو يوم الزينة وهو يوم وفاء النيل. والوقت هو الضحى كما في سورة طه.
والميقات: الوقت، وأصله اسم آلة التوقيت. سمي به الوقت المعين تشبيهاً له بالآلة.
والتعريف في {للناس} للاستغراق العرفي، وهم ناس بلدة فرعون (منفيس) أو (طيبة).
و {هل أنتم مجتمعون} استحثاث للناس على الاجتماع، فالاستفهام مستعمل في طلب الإسراع بالاجتماع بحيث نزلوا منزلة من يسأل سؤال تحقيق عن عزمه على الاجتماع كقوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} في سورة العقود (91)، وقول تأبط شراً:
هل أنت باعثُ دينار لحاجتنا *** أو عبدِ ربَ أخا عون بن مخراق
يريد ابعث إلينا ديناراً أو عبد رب سريعاً لأجل حاجتنا بأحدهما. ورجَوا اتّباع السحرة، أي اتباع ما يؤيده سحر السحرة وهو إبطال دين ما جاء به موسى، فكان قولهم {لعلنا نتّبع السحرة} كناية عن رجاء تأييدهم في إنكار رسالة موسى فلا يتبعونه. وليس المقصود أن يصير السحرة أيمة لهم لأن فرعون هو المتّبع. وقد جيء في شرط {إن كانوا هم الغالبين} بحرف {إن} لأنها أصل أدوَات الشرط ولم يكن لهم شك في أن السحرة غالبون. وهذا شأن المغرورين بهواهم، العُمي عن النظر في تقلبات الأحوال أنهم لا يفرضون من الاحتمالات إلا ما يوافق هواهم ولا يأخذون العُدة لاحتمال نقيضه.
{فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)}
تقدم نظيرها في سورة الأعراف بقوله: {وجاء السحرة} [الأعراف: 113] وبطرح همزة الاستفهام إذ قال هناك {إنَّ لنا لأجراً} [الأعراف: 113]، وهو تفنن في حكاية مقالتهم عند إعادتها لئلا تعاد كما هي، وبدون كلمة {إذاً}، فحكى هنا ما في كلام فرعون من دلالة على جزاءِ مضموننِ قولهم: {إنَّ لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين} [الأعراف: 113] زيادة على ما اقتضاه حرف (نعم) من تقرير استفهامهم عن الأجر. فتقدير الكلام: إن كنتم غالبين إذاً إنكم لمن المقربين. وهذا وقع الاستغناء عنه في سورة الأعراف فهو زيادة في حكاية القصة هنا. وكذلك شأن القرآن في قصصه أن لا يخلو المُعاد منها عن فائدة غير مذكورة في موضع آخر منه تجديداً لنشاط السامع كما تقدم في المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير. وسؤالهم عن استحقاق الأجر إدلال بخِبرتهم وبالحاجة إليهم إذ علموا أن فرعون شديد الحرص على أن يكونوا غالبين وخافوا أن يُسَخِّرهم فرعون بدون أجر فشرطوا أجرهم من قبل الشروع في العمل ليقيدوه بوعده.
{قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)}
حُكي كلام موسى في ذلك الجمع بإعادة فعل {قال} مفصولاً بطريقة حكاية المحاورات لأنه كان المقصود بالمحاورة إذ هم حضروا لأجله.
ووقع في سورة الأعراف (115) {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن المُلْقين قال ألقُوا، واختصر هنا تخييرهم موسى في الابتداء بالأعمال، وقد تقدم بيانه هناك، فقول موسى لهم ألقوا} المحكي هنا هو أمر لمجرد كونهم المبتدئين بالإلقاء لتعقبه إبطال سِحرهم بما سيلقيه موسى، كما يقول صاحب الجدل في علم الكلام للملحد: قرر شبهتك، وهو يريد أن يدحضها له. وهذا عضد الدين في كتاب «المواقف» يذكر شُبه أهل الزيغ والضلال قبل ذكر الأدلة الناقضة لها. وتقدم الإلقاء آنفاً. وذكر هنا مفعول {ألقوا} واختصر في سورة الأعراف.
وفي كلام موسى عليه السلام استخفاف بما سيلقونه لأنه عبر عنه بصيغة العموم، أي ما تستطيعون إلقاءه. وتقدم الكلام على الحِبال والعِصيّ في السحر عند الكلام على مثل هذه القصة في سورة طه.
وقرنت حكاية قَول السحرة بالواو خلافاً للحكايات التي سبقتها لأن هذا قول لم يقصد به المحاورة وإنما هو قول ابتدؤا به عند الشروع في السحر استعانة وتيمّناً بعزة فرعون. فالباء في قولهم {بعزة فرعون} كالباء في «بسم الله» أرادوا التيمن بقدرة فرعون، قاله ابن عطية.
وقيل الباء للقسم: أقسموا بعزة فرعون على أنهم يغلبون ثقة منهم باعتقاد ضلالهم أن إرادة فرعون لا يغلبها أحد لأنها إرادة آلهتهم. وهذا الذي نحاه المفسرون، والوجه الأول أحسن لأن الجملتين على مقتضاه تفيدان فائدتين.
والعزّة: القدرة، وتقدم في قوله {أخذته العزّة بالإثم} في سورة البقرة (206).
وجملة: إنا لنحن الغالبون} استئناف إنشاء عن قولهم: {بعزة فرعون}: كأن السامع وهو موسى أو غيره يقول في نفسه: ماذا يُؤثر قولهم {بعزة فرعون}؟ فيقولون: {إنا لنحن الغالبون}، وأرادوا بذلك إلقاء الخوف في نفس موسى ليكون ما سيلقيه في نوبته عن خور نفس لأنهم يعلمون أن العزيمة من أكبر أسباب نجاح السحر وتأثيره على الناظرين. وقد أفادت جملة: {إنا لنحن الغالبون} بما فيها من المؤكدات مُفاد القسم.
{فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45)}
تقدم قريب منه في سورة الأعراف وفي سورة طه.
{فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49)}
قصد فرعون إرهابهم بهذا الوعيد لعلهم يرجعون عن الإيمان بالله. ونظير أول هذه الآية تقدم في سورة الأعراف، ونظير آخرها تقدم فيها وفي سورة طه. وهنالك ذكرنا عدد السحرة وكيف آمنوا. واللام في {فلسوف} لام القسم.
{قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)}
الضّير: مرادف الضرّ، يقال: ضَاره بتخفيف الراء يضِيره، ومعنى {لا ضير} لا يضرنا وعيدك. ومعنى نفي ضره هنا: أنه ضر لحظة يحصل عقبه النعيم الدائم فهو بالنسبة لما تعقبه بمنزلة العدم. وهذه طريقة في النفي إذا قامت عليها قرينة. ومنها قولهم: هذا ليسَ بشيء، أي ليس بموجود، وإنما المقصود أن وجوده كالعدم.
وجملة: {إنا إلى ربنا منقلبون} تعليل لنفي الضير، وهي القرينة على المراد من النفي.
والانقلاب: الرجوع، وتقدم في سورة الأعراف.
وجملة: {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطيانا} بيان للمقصود من جملة: {إنا إلى ربنا منقلبون}. والطمع: يطلق على الظن الضعيف، وعُرِّف بطلب ما فيه عسر. ويطلق ويراد به الظن كما في قول إبراهيم {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 82]، فهذا الإطلاق تأدّب مع الله لأنه يفعل ما يريد. وعلّلوا ذلك الطمع بأنهم كانوا أول المؤمنين بالله بتصديق موسى عليه السلام، وفي هذا دلالة على رسوخ إيمانهم بالله ووعده.
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52)}
هذه قصة أخرى من أحوال موسى في دعوة فرعون، فالواو لعطف القصة ولا تفيد قرب القصة من القصة، فقد لبث موسى زمناً يطالب فرعون بإطلاق بني إسرائيل ليخرجُوا من مصر، وفرعون يماطل في ذلك حتى رأى الآياتتِ التسعَ كما تقدم في سورة الأعراف. ونظير بعض هذه الآية تقدم في سورة طه. وزادت هذه بقوله: {إنكم متبعون}، أي أعلم الله موسى أن فرعون سيتبعهم بجنده كما في آية سورة طه. والقصد من إعلامه بذلك تشجيعه.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر {اِسْرِ} بهمزة وصل فعلَ أمر من (سَرى) وبكسر نون {أن}. لأجل التقاء الساكنين. وقرأ الباقون بهمزة قطع وسكون نون (أنْ) وفعلا سرى وأسرى متحدان كما تقدم في قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى} [الإسراء: 1].
{فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56)}
ظاهر ترتيب الجمل يقتضي أن الفاء للتعقيب على جملة: {وأوحينا إلى موسى} [الشعراء: 52] وأن بين الجملتين محذوفاً تقديره: فأسرى موسى وخرج بهم فأرسل فرعون حَاشرين، أي لما خرج بنو إسرائيل خشي فرعون أن ينتشروا في مدائن مصر فأرسل فرعون في المدائن شُرَطاً يحشرون الناس ليلْحقوا بني إسرائيل فيردُّوهم إلى المدينة قاعدة الملك.
و {المدائن}: جمع مدينة، أي البلد العظيم. ومدائن القطر المصري يومئذ كثيرة. منها (مانوفرى أو منفيس) هي اليوم ميت رهينة بالجيزة و(تيبة أو طيبة) هي بالأقصر و(أبودو) وتسمى اليوم العَرابة المدفونة، و(ابو) وهي (بو) وهي ادنو، و(اون رميسي)، و(أرمنت) و(سنَى) وهي أسناء و(ساورت) وهي السيوط، و(خمونو) وهي الاشمونيين، و(بامازيت) وهي البهنسا، و(خسوُو) وهي سخا، و(كاريينا) وهي سد أبي قيرة، و(سودو) وهي الفيوم، و(كويتي) وهي قفط.
والتعريف في {المدائن} للاستغراق، أي في مدائن القطر المصري، وهو استغراق عرفي، أي المدائن التي لحكم فرعون أو المظنون وقوعها قرب طريقهم. وكان فرعون وقومه لا يعلمون أين اتجه بنو إسرائيل فأراد أن يتعرض لهم في كل طريق يظن مرورهم به. وكان لا يدري لعلهم توجهوا صوبَ الشام، أو صوبَ الصحراء الغربية، وما كان يظن أنهم يقصدون شاطئ البحر الأحمر بحر «القلزم» وكان يومئذ يسمى بحر «سُوف».
وجملة {إن هؤلاء لشرذمة قليلون} مقول لقول محذوف لأن {حاشرين} يتضمن معنى النداء، أي يقولون إن هؤلاء لَشِرْذِمة قليلون.
والإشارة ب {هؤلاء} إلى حاضر في أذهان الناس لأن أمر بني إسرائيل قد شاع في أقطار مصر في تلك المدة التي بين جمع السحرة وبين خروج بني إسرائيل، وليست الإشارة للسحرة خاصة إذ لا يلتئم ذلك مع القصة.
وفي اسم الإشارة إيماء إلى تحقير لشأنهم أكده التصريح بأنهم شرذمة قليلون.
والشرذمة: الطائفة القليلة من الناس، هكذا فسره المحققون من أئمة اللغة، فإتْباعه بوصف {قليلون} للتأكيد لدفع احتمال استعمالها في تحقير الشأن أو بالنسبة إلى جنود فرعون، فقد كان عدد بني إسرائيل الذين خرجوا ستمائة ألف، هكذا قال المفسرون، وهو موافق لما في سفر العدد من التوراة في الإصحاح السادس والعشرين.
و {قليلون} خبر ثان عن اسم الإشارة، فهو وصف في المعنى لمدلول {هؤلاء} وليس وصفاً لشرذمة ولكنه مؤكد لمعناها، ولهذا جيء به بصيغة جمع السلامة الذي هو ليس من جموع الكثرة.
و (قليل) إذا وصف به يجوز مطابقته لموصوفه كما هنا، ويجوز ملازمته الإفرادَ والتذكير كما قال السموأل أو الحارثي:
وما ضرّنا أنا قَليل... البيت *** ونظيره في ذلك لفظ (كثير) وقد جمعهما قوله تعالى: {إذ يُريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لَفَشِلْتم} [الأنفال: 43].
و«غائظون» اسم فاعل من غاظه الذي هو بمعنى أغاظه، أي جعله ذا غيظ.
والغيظ: أشد الغضب. وتقدم في قوله تعالى: {عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ} في آل عمران (119)، وقوله: {ويذهب غيظ قلوبهم} في سورة براءة (15)، أي وأنهم فاعلون ما يغضبنا.
واللام في قوله: لنا} لام التقوية واللام في {لغائظون} لام الابتداء، وتقديم {لنا} على {لغائظون} للرعاية على الفاصلة.
وقوله: {وإنا لجميع حاذرون} حثّ لأهل المدائن على أن يكونوا حَذِرين على أبلغ وجه إذ جعل نفسه معهم في ذلك بقوله: {لجميع} وذلك كناية عن وجوب الاقتداء به في سياسة المملكة، أي إنا كلَّنا حَذرُون، ف {جميع} وقع مبتدأ وخبرُه {حاذرون}، والجملة خبر {إنَّ}، و(جميع) بمعنى: (كل) كقوله تعالى: {إليه مرجعكم جميعاً} في سورة يونس (4).
و {حَاذِرون} قرأه الجمهور بدون ألف بعد الحاء فهو جمع حَذِر وهو من أمثلة المبالغة عند سيبويه والمحققين. وقرأه حمزة وعاصم والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر وخلف بألف بعد الحاء جمع (حَاذر) بصيغة اسم الفاعل. والمعنى: أن الحَذَر من شيمته وعادته فكذلك يجب أن تكون الأمة معه في ذلك، أي إنا من عادتنا التيقظ للحوادث والحَذرُ مما عسى أن يكون لها من سيّئ العواقب.
وهذا أصل عظيم من أصول السياسة وهو سدّ ذرائع الفساد ولو كان احتمالُ إفضائها إلى الفساد ضعيفاً، فالذرائع الملغاة في التشريع في حقوق الخصوص غير ملغاة في سياسة العموم، ولذلك يقول علماء الشريعة: إن نظر ولاة الأمور في مصالح الأمة أوسع من نظر القضاة، فالحذر أوسع من حفظ الحقوق وهو الخوف من وقوع شيء ضار يمكن وقوعه، والترصدُ لِمنع وقوعه، وتقدم في قوله {يَحْذَر المنافقون} في براءة (64). والمحمود منه هو الخوف من الضارّ عند احتمال حدوثه دون الأمر الذي لا يمكن حدوثه فالحذرُ منه ضرب من الهوس.
وهذا يرجح أن يكون المحذور هو الاغترار بإيمان السحرة بالله وتصديق موسى ويبعِّد أن يكون المراد خروج بني إسرائيل من مصر لأنه حينئذ قد وقع فلا يحذر منه وإنما يكون السعي في الانتقام منهم.
{فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60)}
إن جريت على ما فسّر به المفسرون قولَه: {فأرسل فرعون في المدائن حاشرين} [الشعراء: 53] لزمك أن تجعل الفاء في قوله: {فأخرجناهم} لتفريع الخروج على إرسال الحاشرين، أي ابتدأ بإرسال الحاشرين وأعقب ذلك بخروجه، فالتعقيب الذي دلت عليه الفاء بحسب ما يناسب المدة التي بين إرسال الحاشرين وبين وصول الأنباء من أطراف المملكة بتعيين طريق بني إسرائيل إذ لا يخرج فرعون بجنده على وجهه، غير عالم بطريقهم. وضمير النصب عائد إلى فرعون ومن معه مفهوماً من قوله: {إنكم متَّبَعون} [الشعراء: 52].
وإنْ جريت على ما فسرنا به قوله تعالى: {فأرسل فرعون} [الشعراء: 53] ولا إخالك إلا منشرح الصدر لاختيار ذلك، فلْتَجعَلْ الفاءَ في {فأخرجناهم} تفريعاً على جملة: {إنكم متَّبَعون} [الشعراء: 52]. والتقدير: فأسرى موسى ببني إسرائيل فأخرجنا فرعون وجنده من بلادهم في طلب بني إسرائيل فاتَّبعوا بني إسرائيل.
وضمير: {أخرجناهم} على كل تقدير عائد إلى ما يفهم من المقام، أي أخرجنا فرعون وجنده. والجنات: جنات النخيل التي كانت على ضفاف النيل. والعيون: منابع تحفر على خِلجان النيل. والكنوز: الأموال المدخرة.
والمقام: أصله محل القيام أو مصدر قَام. والمعنى على الأول: مساكن كريمة، وعلى الثاني: قيامهم في مجتمعهم، والكريم: النفيس في نوعه. وذلك ما كانوا عليه من الأمن والثروة والرفاهية، كل ذلك تركه فرعون وجنوده الذين خرجوا منه لمطاردة بني إسرائيل لأنهم هلكوا فلم يرجعوا إلى شيء مما تركوا.
{كذلك} تقدم الكلام على نظيره عند قوله تعالى: {كذلك وقد أحطنا بما لديه خُبْراً} في سورة الكهف (91). فهو بمنزلة الاعتراض.
وجملة: {وأورثناها بني إسرائيل} معترضة أيضاً والواو اعتراضية وليست عطفاً لأجزاء القصة لما ستعلمه. والإيراث: جعل أحد وارثاً. وأصله إعطاء مال الميت ويطلق على إعطاء ما كان ملكاً لغير المعطَى (بفتح الطاء) كما قال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارقَ الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} [الأعراف: 137]، أي أورثنا بني إسرائيل أرض الشام، وقال: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32].
والمعنى: أن الله أرزأ أعداء موسى ما كان لهم من نعيم إذ أهلكهم وأعطى بني إسرائيل خيرات مثلها لم تكن لهم، وليس المراد أنه أعطى بني إسرائيل ما كان بيد فرعون وقومه من الجنات والعيون والكنوز، لأن بني إسرائيل فارقوا أرض مصر حينئذ وما رجعوا إليها كما يدل عليه قوله في سورة الدخان (28) {كذلك وأورثناها قوماً آخرين} ولا صحة لما يقوله بعض أهل قصص القرآن من أن بني إسرائيل رجعوا فملكوا مصر بعد ذلك، فإن بني إسرائيل لم يملكوا مصر بعد خروجهم منها سائر الدَّهر فلا محيص من صرف الآية عن ظاهرها إلى تأويل يدل عليه التاريخ ويدل عليه ما في سورة الدخان.
فضمير أورثناها} هنا عائد للأشياء المعدودة باعتبار أنها أسماء أجناس، أي أورثنا بني إسرائيل جناتتٍ وعيوناً وكنوزاً، فعَود الضمير هنا إلى لفظ مستعمل في الجنس وهو قريب من الاستخدام وأقوى منه، أي أعطيناهم أشياء ما كانت لهم من قبل وكانت للكنعانيين فسلط الله عليهم بني إسرائيل فغلبوهم على أرض فلسطين والشام. وقد يعود الضمير على اللفظ دون المعنى كما في قولهم: عندي درهم ونصفُه، وقوله تعالى: {إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثُها إن لم يكن لها ولد} [النساء: 176]، إذ ليس المراد أن المرء الذي هلك يرث أخته التي لها نصف ما ترك بل المراد: والمرء يرث أختاً له إن لم يكن لها ولد، ويجوز أن يكون نصب الضمير لفعل «أورثنا» على معنى التشبيه البليغ، أي أورثنا أمثَالها. وقيل ضمير: {أورثناها} عائد إلى خصوص الكنوز لأن بني إسرائيل استعاروا ليلة خروجهم من جيرانهم المصريين مصوغهم من ذهب وفضة وخرجوا به كما تقدم في سورة طه.
ويجوز عندي وجه آخر وهو أن تكون جملة {فأخرجناهم من جنات} إلى قوله: {وأورثناها} حكاية لكلام من الله معترض بين كلام فرعون. وضمير {فأخرجناهم} عائد إلى قوم فرعون المفهوم من قوله: {في المدائن} [الشعراء: 53]، أي فأخرجنا أهل المدائن. وحذف المفعول الثاني لفعل {أورثناها}. والتقدير: وأورثناها غيرهم، ويكون قوله: {بني إسرائيل} بياناً لاسم الإشارة في قوله: {إن هؤلاء} [الشعراء: 54] سلك به طريق الإجمال ثم البيان ليقع في أنفس السامعين أمكن وقْع.
وجملة: {فأتبعوهم مشرقين} مفرعة على جملة: {فأخرجناهم} وما بينهما اعتراض. والتقدير: فأخرجناهم فأتبعوهم. والضمير المرفوع عائد إلى ما عاد عليه ضمير النصب من قوله: {فأخرجناهم}، وضمير النصب عائد إلى {عبادي} [الشعراء: 52] من قوله: {أن اسْرِ بعبادي} [الشعراء: 52].
و {أتْبعوهم} بهمزة قطع وسكون التاء بمعنى تَبع، أي فلحقوهم.
و {مشرقين} حال من الضمير المرفوع يجوز أن يكون معناه قاصدين جهة الشرق يقال: أشرق، إذا دخل في أرض الشرق، كما يقال: أنجد وأتهم وأعرق وأشأم، ويعلم من هذا أن بني إسرائيل توجهوا صوب الشرق وهو صوب بحر (القلزم) وهو البحر الأحمر وسمي يومئذ بحر سُوف وهو شرقي مصر. ويجوز أن يكون المعنى داخلين في وقت الشروق، أي أدركوهم عند شروق بعد أن قضوا ليلة أو ليالي مشياً فما بصر بعضهم ببعض إلا عند شروق الشمس بعد ليالي السفر.
{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66)}
أي لما بلغ فرعون وجنوده قريباً من مكان جموع بني إسرائيل بحيث يرى كل فريق منهما الفريق الآخر. فالترائي تَفاعل لأنه حصول الفعل من الجانبين.
وقولهم: {إنا لمُدْرَكون} بالتأكيد لشدة الاهتمام بهذا الخبر وهو مستعمل في معنى الجزع. و{كَلاَّ} ردع. وتقدم في سورة مريم (79) {كلا سنكتب ما يقول} ردع به موسى ظنهم أنهم يدركهم فرعون، وعلَّل رَدْعهم عن ذلك بجملة: {إن معي ربي سيهدين}.
وإسناد المعية إلى الرب في {إن معي ربي} على معنى مصاحبة لطف الله به وعنايته بتقدير أسباب نجاته من عدوه. وذلك أن موسى واثق بأن الله منجيه لقوله تعالى: {إنّا معكم مستَمعون} [الشعراء: 15]، وقوله: {اسْرِ بعبادي إنكم مُتَّبعون} [الشعراء: 52] كما تقدم آنفاً أنه وعد بضمان النجاة.
وجملة: {سيهدين} مستأنفة أو حال من {ربّي}. ولا يضر وجود حرف الاستقبال لأن الحال مقدرة كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم {قال إني ذاهب إلى ربّي سَيَهْدِين} [الصافات: 99]. والمعنى: أنه سيبيّن لي سبيل سلامتنا من فرعون وجنده. واقتصر موسى على نفسه في قوله: {إن معي ربي سيهدين} لأنهم لم يكونوا عالمين بما ضَمن الله له من معيّة العناية فإذا علموا ذلك علموا أن هدايته تنفعهم لأنه قائدهم والمرسل لفائدتهم. ووجه اقتصاره على نفسه أيضاً أن طريق نجاتهم بعد أن أدركهم فرعون وجنده لا يحصل إلا بفعل يقطع دابر العدوّ، وهذا الفعل خارق للعادة فلا يقع إلا على يد الرسول. وهذا وجه اختلاف المعية بين ما في هذه الآية وبين ما في قوله تعالى في قصة الغار {إذ يقول لصاحبه لا تحزَنْ إن الله معنا} [التوبة: 40] لأن تلك معية حفظهما كليهما بصرف أعين الأعداء عنهما، وقد أمره الله أن يضرب بعصاه البحر وانفلق البحر طُرقاً مرّت منها أسباط بني إسرائيل، واقتحم فرعون البحر فمدّ البحرُ عليهم حين توسطوه فغرق جميعهم.
والفِرْق بكسر الفاء وسكون الراء: الجزء المفروق منه، وهو بمعنى مفعول مثل الفِلق. والطود: الجبل.
و {أزلفنا} قربنا وأدنينا، مشتق من الزلف بالتحريك وهو القرب. والظاهر أن فعله كفرح. ويقال: ازدلف: اقترب، وتزلف: تقرب، فهمزة {أزلفنا} للتعدية.
والمعنى أن الله جرأهم حتى أرادوا اقتحام طرق البحر كما رأوا فعل بني إسرائيل يظنون أنه ماء غير عميق.
والآخرون: هم قوم فرعون لوقوعه في مقابلة فريق بني إسرائيل.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)}
تقدم القول في نظيره آنفاً قبل قصة موسى. وكانت هذه القصة آية لأنها دالة على أن ذلك الانقلاب العظيم في أحوال الفريقين الخارج عن معتاد تقلبات الدول والأمم دليل على أنه تصرف إلهي خاص أيد به رسوله وأمته وخضّد به شوكة أعدائهم ومن كفروا به، فهو آية على عواقب تكذيب رسل الله مع ما تتضمنه القصة من دلائل التوحيد.
ووجه تذييل كل استدلال من دلائل الوحدانية وصدق الرسل في هذه السورة بجملة: {إن في ذلك لآية} إلى آخرها تقدم في طالعة هذه السورة.
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)}
عقبت قصة موسى مع فرعون وقومه بقصة رسالة إبراهيم. وقدمت هنا على قصة نوح على خلاف المعتاد في ترتيب قصصهم في القرآن لشدة الشبه بين قوم إبراهيم وبين مشركي العرب في عبادة الأصنام التي لا تَسمع ولا تبصر. وفي تمسكهم بضلال آبائهم وأن إبراهيم دعاهم إلى الاستدلال على انحطاط الأصنام عن مرتبة استحقاق العبادة ليكون إيمان الناس مستنداً لدليل الفطرة، وفي أن قوم إبراهيم لم يسلّط عليهم من عذاب الدنيا مثل ما سلط على قوم نوح وعلى عاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين فأشبهوا قريشاً في إمهالهم.
فرسالة محمد وإبراهيم صلى الله عليهما قائمتان على دعامة الفطرة في العقل والعمل، أي في الاعتقاد والتشريع، فإن الله ما جعل في خلق الإنسان هذه الفطرة ليضيعها ويهملها بل ليقيمها ويعملها. فلما ضرب الله المثل للمشركين لإبطال زعمهم أنهم لا يؤمنون حتى تأتيهم الآيات كما أوتي موسى، فإن آيات موسى وهي أكثر آيات الرسل السابقين لم تقض شيئاً في إيمان فرعون وقومه لما كان خلقهم المكابرة والعناد أعقب ذلك بضرب المثل بدعوة إبراهيم المماثلة لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم في النداء على إعمال دليل النظر. وضمير {عليهم} عائد إلى معلوم من السياق كما تقدم في قوله أول السورة {ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3].
والتلاوة: القراءة. وتقدم في قوله: {ما تتلوا الشياطين} في [البقرة: 102].
و {نبأ إبراهيم}: قصته المذكورة هنا، أي اقرأ عليهم ما ينزل عليك الآن من نبأ إبراهيم. وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتلاوته للإشارة إلى أن الكلام المتضمن نبأ إبراهيم هو آية معجزة، وما تضمنته من دليل العقل على انتفاء إلهية الأصنام التي هي كأصنام العرب آية أيضاً. فحصل من مجموع ذلك آيتان دالّتان على صدق الرسول. وتقدم ذكر إبراهيم عند قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيمَ} في [البقرة: 124].
وإذ قال} ظرف، أي حين قال. والجملة بيان للنبأ، لأن الخبر عن قصة مضت فناسب أن تبيّن باسم زمان مضاف إلى ما يفيد القصة. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {واتْلُ عليهم نَبَأ نوح إذ قال لقومه يا قوم} الآية في سورة [يونس: 71].
و {ما} اسم استفهام يسأل به عن تعيين الجنس كما تقدم في قوله: {وما ربّ العالمين} في هذه السورة [23]. والاستفهام صوري فإن إبراهيم يعلم أنهم يعبدون أصناماً ولكنه إراد بالاستفهام افتتاح المجادلة معهم فألقى عليهم هذا السؤال ليكونوا هم المبتدئين بشرح حقيقة عبادتهم ومعبوداتهم، فتلوح لهم من خلال شرح ذلك لوائح ما فيه من فساد، لأن الذي يتصدّى لشرح الباطل يشعر بما فيه من بطلان عند نظم معانيه أكثر مما يشعر بذلك من يسمعه، ولأنه يعلم أن جوابهم ينشأ عنه ما يريده من الاحتجاج على فساد دينهم وقد أجابوا استفهامه بتعيين نوع معبوداتهم.
وأدخلَ أباه في إلقاء السؤال عليهم: إمّا لأنه كان حاضراً في مجلس قومه إذ كان سادن بيت الأصنام كما روي، وإمّا لأنه سأله على انفراد وسأل قومه مرة أخرى فجمعت الآية حكاية ذلك.
والأظهر أن إبراهيم ابتدأ بمحاجّة أبيه في خاصتهما ثم انتقل إلى محاجّة قومه، وأن هذه هي المحاجّة الأولى في ملإ أبيه وقومه؛ ألقى فيها دعوته في صورة سؤال استفسار غير إنكار استنزالاً لطائر نفورهم، وأما قوله في الآية الأخرى {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكاً آلهة دون الله تريدون} [الصافات: 85- 86] فذلك مقام آخر له في قومه كان بعد الدعوة الأولى المحكية في سورة الصافات. ولأجل ذلك كان الاستفهام مقترناً بما يقتضي التعجب من حالهم بزيادة كلمة (ذا) بعد (ما) الاستفهامية في سورة الأنبياء. وكلمة (ذا) إذا وقعت بعد (مَا) تؤول إلى معنى اسم الموصول فصار المعنى في سورة الأنبياء: ما هذا الذي تعبدونه، فصار الإنكار مسلطاً إلى كون تلك الأصنام تُعبد.
والظاهر أنه ألقى عليهم السؤال حين تلبُّسهم بعبادة الأصنام كما هو مناسب الإتيان بالمضارع في قوله: {تعبدون} وما فهم قومه من كلامه إلا الاستفسار فأجابوا: بأنهم يعبدون أصناماً يعكفون على عبادتها.
والتنوين في {أصناماً} للتعظيم، ولذا عدل عن تعريفها وهم يعلمون أن إبراهيم يعرفها ويعلم أنهم يعبدونها. واسم الأصنام عندهم اسم عظيم فهم يفتخرون به على عكس أهل التوحيد. ولهذا قال إبراهيم لهم في مقام آخر {إنما تَعبدون من دون الله أوثاناً} [العنكبوت: 17] على وجه التحقير لمعبوداتهم والتحميق لهم. وأتوا في جوابهم بفعل {نعبد} مع أن الشأن الاستغناء عن التصريح إذ كان جوابهم عن سؤال فيه {تعبدون}. فلا حاجة إلى تعيين جنس المعبودات فيقولوا أصناماً كما في قوله تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219]، {ماذا قال ربكم قالوا الحق} [سبأ: 23] {ماذا أنزل ربّكم قالوا خيراً} [النحل: 30] فعدلوا عن سُنَّة الجواب إلى تكرير الفعل الواقع في السؤال ابتهاجاً بهذا الفعل وافتخاراً به، ولذلك عطفوا على قولهم: {نعبد} ما يزيد فعل العبادة تأكيداً بقولهم: {فنظَلُّ لها عاكفين}. وفي فعل «نظَلّ» دلالة الاستمرار جميع النهار. وأيضاً فهم كانوا صابئة يعبدون الكواكب وجعلوا الأصنام رموزاً على الكواكب تكون خلَفاً عنها في النهار، فإذا جاء الليل عبدوا الكواكب الطالعة.
وضمّن {عاكفين} معنى (عابدين) فعدي إليه الفعل باللام دون (على). ولما كان شأن الرب أن يُلجأ إليه في الحاجة وأن ينفع أو يضر ألقى إبراهيم عليهم استفهاماً عن حال هذه الأصنام هل تسمع دعاء الداعين وهل تنفع أو تضر تنبيهاً على دليل انتفاء الإلهية عنها.
وكانت الأمم الوثنية تعبد الوثن لرجاء نفعه أو لدفع ضره ولذلك عبد بعضهم الشياطين.
وجعل مفعول {يسمعونكم} ضمير المخاطبين توسعاً بحذف مضاف تقديره: هل يسمعون دعاءكم كما دل عليه الظرف في قوله: {إذ تدعون}. وأراد إبراهيم فتح المجادلة ليعجزوا عن إثبات أنها تسمع وتنفع.
و {بل} في حكاية جواب القوم لإضراب الانتقال من مقام إثبات صفاتهم إلى مقام قاطع للمجادلة في نظرهم وهو أنهم ورثوا عبادة هذه الأصنام، فلما طوَوا بساط المجادلة في صفات آلهتهم وانتقلوا إلى دليل التقليد تفادياً من كلفة النظر والاستدلال بالمصير إلى الاستدلال بالاقتداء بالسلف.
وقوله: {كذلك يفعلون} تشبيه فعل الآباء بفعلهم وهو نعت لمصدر محذوف، والتقدير: يفعلون فعلاً كذلك الفعللِ. وقدم الجار والمجرور على {يفعلون} للاهتمام بمدلول اسم الإشارة.
واقتصرَ إبراهيم في هذا المقام (الذي رجحنا أنه أول مقام قام فيه للدعوة) على أنْ أظهر قلة اكتراثه بهذه الأصنام فقال: {فإنهم عدوٌّ لي} لأنه أيقن بأن سلامته بعد ذلك تدل على أن الأصنام لا تضرّ وإلاّ لضَرَّته لأنه عدُوّها.
وضمير {فإنهم} عائد إلى {ما كنتم تعبدون}. وقوله: {وآباءكم} عطف على اسم {كنتم}. والعدوّ: مشتق من العُدوان، وهو الإضرار بالفعل أو القول. والعدوّ: المُبغض، فعدوّ: فعول بمعنى فاعل يُلازم الإفراد والتذكير فلا تلحقه علامات التأنيث (إلا نادراً كقول عمر لنساء من الأنصار: يا عدوات أنفسهن). قال في «الكشاف»: حملاً على المصدر الذي على وزن فَعول كالقبول والولوع.
والأصنام لا إدراك لها فلا توصف بالعداوة. ولذلك فقوله {فإنهم عدو لي} من قبيل التشبيه البليغ، أي هم كالعدوّ لي في أني أُبغِضهم وأُضرهم. وهذا قريب من قوله تعالى: {إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدواً} [فاطر: 6] أي عاملوه معاملة العدوِّ عدوَّه. وبهذا الاعتبار جُمع بني قوله {لكم عدوّ} [فاطر: 6] وقوله: {فاتخذوه عدوّاً} [فاطر: 6].
والتعبير عن الأصنام بضمير جمع العقلاء في قوله: {فإنهم} دون (فإنَّها) جرْي على غالب العبارات الجارية بينهم عن الأصنام لأنهم يعتقدونها مدركة.
وجملة: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} مفرّعة على جمل كلام القوم المتضمنة عبادتهم الأصنام وأنهم مقتدون في ذلك بآبائهم. فالفاء في {أفرأيتم} للتفريع وقدم عليها همزة الاستفهام اتّباعاً للاستعمال المعروف وهو صدارة أدوات الاستفهام. وفعل الرؤية قلبي.
ومثل هذا التركيب يستعمل في التنبيه على ما يجب أن يعلم على إرادة التعجيب مما يُعلم من شأنه. ولذلك كثر إردافه بكلام يشير إلى شيء من عجائب أحوال مفعول الرؤية كقوله تعالى: {أفرأيتَ الذي تولّى وأعطى قليلاً} [النجم: 33- 34] الآية، ومنه تعقيب قوله هنا {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} بقوله: {فإنهم عدو لي}.
وعطف {آباؤكم} على {أنتم} لزيادة إظهار قلة اكتراثه بتلك الأصنام مع العلم بأن الأقدمين عبدوها فتضمن ذلك إبطالَ شبهتهم في استحقاقها العبادة.
ووصف الآباء بالأقدمية إيغال في قلة الاكتراث بتقليدهم لأن عرف الأمم أن الآباء كلما تقادم عهدهم كان تقليدهم آكد.
والفاء في قوله: {فإنهم عدو لي} للتفريع على ما اقتضته جملة: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} من التعجيب من شأن عبادتهم إياها. ويجوز جعل الرؤية بصرية لها مفعول واحد وجَعْل الاستفهام تقريرياً والكلام مستعمل في التنبيه لشيء يريد المتكلم الحديث عنه ليعيه السامع حق الوعي، أو فاء فصيحة بتقدير: إن رأيتموهم فاعلموا أنهم عدُوّ لي. وهذا الوجه أظهر.
والاستثناء في قوله: {إلا رب العالمين} منقطع. و{إلا} بمعنى (لكن) إذا كان ربّ العالمين غير مشمول لعبادتهم إذ الظاهر أنهم ما كانوا يعترفون بالخالق ولم يكونوا يجعلون آلهتهم شركاء لله كما هو حال مشركي العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: {قال بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] فهو الصنم الأعظم عندهم، وإلى قوله: {قال أتحاجّوني في الله وقد هدان} [الأنعام: 80]. ويظهر أن الكلدانيين (قوم إبراهيم) لم يكونوا يؤمنون بالخالق الذي لا تدركه الأبصار. وكان أعظم الآلهة عندهم هو كوكبَ الشمس والصنم الذي يمثل الشمس هو (بعل)، فوظيفة الأصنام عندهم تدبير شؤون الناس في حياتهم. وأما الإيجاد والإعدام فكانوا من الذين يقولون {وما يُهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] وأن الإيجاد من أعمال التناسل وهم في غفلة عن سر تكوين تلك النظم الحيوانية وإيداعها فيها. وقد يكونون معترفين برب عظيم خالق للأكوان وإنما جعلوا الأصنام شركاء له في التصرف في نظام تلك المخلوقات كما كان حال الإشراك في العرب فيكون الاستثناء متصلاً لأنَّ الله من جملة معبودِيهم، أي إلا الرب الذي خلق العوالم. وتقدم ذكر أصنام قوم إبراهيم في سورة الأنبياء. وانظر ما يأتي في سورة العنكبوت.
{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)}
الأظهر أن الموصول في موضع نعت ل {ربّ العالمين} [الشعراء: 77] وأنّ {فهو يهدين} عطف على الصلة مفرع عليه لأنه إذا كان هو الخالق فهو الأولى بتدبير مخلوقاته دون أن يتولاّها غيره. ويجوز أن يكون الموصول مبتدأ مستأنفاً به ويكون {فهو يهدين} خبراً عن {الذي}. وزيدت الفاء في الخبر لمشابهة الموصول للشرط. وعلى الاحتمالين ففي الموصولية إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو الاستدراك بالاستثناء الذي في قوله: {إلا رب العالمين} [الشعراء: 77]، أي ذلك هو الذي أُخلصُ له لأنه خلقني كقوله في الآية الأخرى: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} [الأنعام: 79].
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: {فهو يهدين} دون أن يقول: فيهدين، لتخصيصه بأنه متولي الهداية دون غيره لأن المقام لإبطال اعتقادهم تصرف أصنامهم بالقصر الإضافي، وهو قصر قلب. وليس الضمير ضمير فصل لأن ضمير الفصل لا يقع بعد العاطف.
والتعبير بالمضارع في قوله: {يهدين} لأن الهداية متجددة له. وجعل فعل الهداية مفرّعاً بالفاء على فعل الخلق لأنه معاقب له لأن الهداية بهذا المعنى من مقتضى الخلق لأنها ناشئة عن خلق العقل كما قال تعالى: {الذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50]. والمراد بالهداية الدلالة على طرق العلم كما في قوله تعالى: {وهديناه النجدين} [البلد: 10] فيكون المعنى: الذي خلقني جسداً وعقلاً. ومن الهداية المذكورة دفع وساوس الباطل عن العقل حتى يكون إعمال النظر معصوماً من الخطأ.
والقول في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: {والذي هو يطعمني ويسقين}، وقوله: {فهو يشفين} كالقول في سابقهما للرد على زعمهم أن الأصنام تقدر لهم تيسير ما يأكلون وما يشربون وبها برؤهم إذا مرضوا، وليسا بضميري فصل أيضاً.
وعطف {إذا مَرضت} على {يطعمني ويسقينِ} لأنه لم يكن حين قال ذلك مريضاً فإن {إذا} تخلص الفعل بعدها للمستقبل، أي إذا طرأ عليّ مرض.
وفي إسناده فعل المرض إلى نفسه تأدب مع الله راعى فيه الإسناد إلى الأسباب الظاهرة في مقام الأدب، فأسند إحداث المرض إلى ذاته ولأنه المتسبب فيه، فأما قوله: {والذي يميتني ثم يحيين} فلم يأت فيه بما يقتضي الحصر لأنهم لم يكونوا يزعمون أن الأصنام تميت بل عمل الأصنام قاصر على الإعانة أو الإعاقة في أعمال الناس في حياتهم. فأما الموت فهو من فعل الدهر والطبيعة إن كانوا دهريين وإن كانوا يعلمون أن الخلق والإحياء والإماتة ليست من شؤون الأصنام وأنها من فعل الله تعالى كما يعتقد المشركون من العرب فظاهر.
وتكرير اسم المَوصول في المواضع الثلاثة مع أن مقتضى الظاهر أن تعطف الصلتان على الصلة الأولى للاهتمام بصاحب تلك الصلات الثلاث لأنها نعت عظيم لله تعالى فحقيق أن يجعل مستقلاً بدلالته.
وأطلق على رجاء المغفرة لفظ الطمع تواضعاً لله تعالى ومباعدة لنفسه عن هاجس استحقاقه المغفرة وإنما طمع في ذلك لوعد الله بذلك.
والخطيئة: الذنب. يقال: خَطِئ إذا أذنب. وتقدم في قوله تعالى: {نغفر لكم خطاياكم} في البقرة (58). والمقصود في لسان الشرائع: مخالفة ما أمر به الشرع. وإذ قد كان إبراهيم حينئذ نبيئاً والأنبياء معصومون من الذنوب كبيرها وصغيرها فالخطيئة منهم هي مخالفة مقتضى المقام النبوي.
والمغفرة: العفو عن الخطايا، وإنما قيده بيوم الدين} لأنه اليوم الذي يظهر فيه أثر العفو، فأما صدور العفو من الله لِمثل إبراهيم عليه السلام ففي الدنيا، وقد يغفر خطايا بعض الخاطئين يوم القيامة بعد الشفاعة.
ويوم الدين: هو يوم الجزاء، وهذا الكلام خبر يتضمن تعريضاً بالدعاء. وقد أشار في هذه النعوت إلى ما هو من تصرفات الله في العالم الحِسي بحيث لا يخفى عن أحد قصداً لاقتصاص إيمان المشركين إن راموا الاهتداء.
وفي تلك النعوت إشارة إلى أنها مهيئات للكمال النفساني فقد جمعت كلمات إبراهيم عليه السلام مع دلالتها على انفراد الله بالتصرف في تلك الأفعال التي هي أصل أطوار الخَلْق الجسماني دلالة أخرى على جميع أصول النعم من أول الخَلْق إلى الخَلْق الثاني وهو البعث، فذكر خَلق الجسد وخَلق العقل وإعطاءَ ما به بقاء المخلوق وهو الغذاء والماء، وما يعتري المرء من اختلال المزاج وشفائه، وذكر الموت الذي هو خاتمة الحياة الأولى، وأعقبه بذكر الحياة الثانية للإشارة إلى أن الموت حالة لا يظهر كونها نعمة إلا بغوص فكر ولكن وراءه حياة هي نعمة لا محالة لمن شاء أن تكون له نعمةً.
وحذفت ياآت المتكلم من {يهدين، ويسقين، ويشفين، ويحيين} لأجل التخفيف ورعاية الفاصلة لأنها يوقف عليها، وفواصل هذه السورة أكثرها بالنون الساكنة، وقد تقدم ذلك في قوله: {فأخاف أن يقتلون} [الشعراء: 14] في قصة موسى المتقدمة.
{رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)}
لما كان آخر مقاله في الدعوة إلى الدين الحق متضمناً دعَاء بطلب المغفرة تخلص منه إلى الدعاء بما فيه جمع الكمال النفساني بالرسالة وتبليغ دعوة الخلق إلى الله فإن الحجة التي قام بها في قومه بوحي من الله كما قال تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] فكان حينئذ في حال قرب من الله. وجهر بذلك في ذلك الجمع لأنه عقب الانتهاء من أقدس واجب وهو الدعوة إلى الدين، فهو ابتهال أرجى للقبول كالدعاء عقب الصلوات وعند إفطار الصائم ودعاء يوم عرفة والدعاء عند الزحف، وكلها فراغ من عبادات. ونظير ذلك دعاؤه عند الانتهاء من بناء أساس الكعبة المحكي في قوله تعالى: {وإذ يَرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل إلى قوله: {ربّنا واجعلنا مسلمين لك إلى إنك أنت العزيز الحكيم} [البقرة: 127 129] وابتدأ بنفسه في أعمال هذا الدين كما قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143]، وكما أمر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إذ قال: {وأمرتُ لأن أكون أول المسلمين} [الزمر: 12].
وللأوليات في الفضائل مرتبة مرغوبة، قال سعد بن أبي وقاص «أنا أول من رمَى بسهم في سبيل الله». وبضد ذلك أوليات المساوئ ففي الحديث: " ما من نفس تُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفلٌ من دمها ذلك لأنه أول من سَنّ القتل "
وقد قابل إبراهيم في دعائه النعم الخمس التي أنعم الله بها عليه المذكورة في قوله: {الذي خلقني فهو يهدين إلى قوله: {يوم الدين} [الشعراء: 78 82] الراجعة إلى مواهب حسية بسؤال خمس نعم راجعة إلى الكمال النفساني كما أومأ إليه قوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} وأقحم بين طِلْباته سؤاله المغفرة لأبيه لأن ذلك داخل في قوله: {ولا تخزني يوم يبعثون}.
فابتداء دعائه بأن يعطى حُكْماً. والحكم: هو الحكمة والنبوءة، قال تعالى عن يوسف: {آتيناه حكماً وعلماً} [القصص: 14] أي النبوءة، وقد كان إبراهيم حين دعا نبيئاً فلذلك كان السؤال طلباً للازدياد لأن مراتب الكمال لا حدّ لها بأن يُعطى الرسالة مع النبوءة أو يعطى شريعة مع الرسالة، أو سأل الدوام على ذلك.
ثم ارتقى فطلب إلحاقه بالصالحين. ولفظ الصالحين يعم جميع الصالحين من الأنبياء والمرسلين، فيكون قد سأل بلوغ درجات الرسل أولي العزم نوح وهود وصالح والشهداء والصالحين فجعل الصالحين آخراً لأنه يعم، فكان تذييلاً.
ثم سأل بقاء ذكر له حسن في الأمم والأجيال الآتية من بعده. وهذا يتضمن سؤال الدوام والختام على الكمال وطلب نشر الثناء عليه وهذا ما تتغذى به الروح من بعد موته لأن الثناء عليه يستعدي دعاء الناس له والصلاة عليه والتسليم جزاء على ما عرفوه من زكاء نفسه.
وقد جعل الله في ذريته أنبياء ورسلاً يذكرونه وتذكره الأمم التابعة لهم ويُخلد ذكره في الكُتب. قال ابن العربي: «قال مالك: لا بأس أن يحب الرجل أن يُثنى عليه صالحاً ويُرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله وهو الثناء الصالح»، وقد قال الله تعالى: {وألقيت عليك محبة مني} [طه: 39]، وهي رواية أشهب عن مالك رحمه الله. وقد تقدم الكلام على هذا مشبعاً عند قوله تعالى: {والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً} في سورة الفرقان (74).
واللسان مراد به الكلام من إطلاق اسم الآلة على ما يتقوم بها. واللام في قوله: {لي} تقتضي أن الذكر الحسن لأجله فهو ذكره بخير. وإضافة {لسان} إلى {صدق} من إضافة الموصوف إلى الصفة، ففيه مبالغة الوصف بالمصدر، أي لساناً صادقاً.
والصدق هنا كناية عن المحبوب المرغوب فيه لأنه يرغب في تحققه ووقوعه في نفس الأمر. وسأل أن يكون من المستحقين الجنة خالداً فاستعير اسم الورثة إلى أهل الاستحقاق لأن الوارث ينتقل إليه ملك الشيء الموروث بمجرد موت المالك السابق. ولما لم يكن للجنة مالكون تعين أن يكون الوارثون المستحقين من وقت تبَوُّؤ أهل الجنة الجنة، قال تعالى: {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} [المؤمنون: 10، 11].
وسأل المغفرة لأبيه قبل سؤال أن لا يخزيه الله يوم القيامة لأنه أراد أن لا يلحقه يومئذ شيء ينكسر منه خاطره وقد اجتهد في العمل المبلّغ لذلك واستعان الله على ذلك وما بقيت له حزازة إلا حزازة كفر أبيه فسأل المغفرة له لأنه إذا جيء بأبيه مع الضالّين لحقه انكسار ولو كان قد استجيب له بقية دعواته، فكان هذا آخر شيء تخوف منه لحاق مهانة نفسية من جهة أصله لا من جهة ذاته. وفي الحديث أنه يؤتى بأبي إبراهيم يوم القيامة في صورة ذيح (أي ضبَع ذكر) فيلقَى في النار فلا يشعر به أهل الموقف فذلك إجابة قوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} أي قطعاً لما فيه شائبة الخزي.
وتقدم الكلام على معنى الخزي عند تفسير قوله تعالى: {إلاّ خِزي في الحياة الدنيا} في سورة البقرة (85). وقوله: {إنك من تُدخل النار فقد أخزيتَه} في آل عمران (192).
وضمير يبعثون} راجع إلى العباد المعلوم من المقام.
وجملة: {إنه كان من الضالين} تعليل لطلب المغفرة لأبيه فيه إيماء إلى أنه سأل له مغفرة خاصة وهي مغفرة أكبر الذنوب أعني الإشراك بالله، وهو سؤال اقتضاه مقام الخُلّة وقد كان أبوه حياً حينئذ لقوله في الآية الأخرى: {قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حَفيّاً} [مريم: 47]. ولعلّ إبراهيم علم من حال أبيه أنه لا يرجى إيمانه بما جاء به ابنه؛ أو أن الله أوحى إليه بذلك ما ترشد إليه آية
{وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبيّن له أنه عدوّ لله تبرأ منه} [التوبة: 114]. ويجوز أنه لم يتقرر في شرع إبراهيم حينئذ حرمان المشركين من المغفرة فيكون ذلك من معنى قوله تعالى: {فلما تبيّن له أنه عدوّ لله تبرأ منه} [التوبة: 114]. ويجوز أن يكون طلبُ الغفران له كناية عن سبب الغفران وهو هدايته إلى الإيمان.
و {يوم لا ينفع مال} الخ يظهر أنه من كلام إبراهيم عليه السلام فيكون {يوم لا ينفع} بدلاً من {يوم يبعثون} قصد به إظهار أن الالتجاء في ذلك اليوم إلى الله وحده ولا عون فيه بما اعتاده الناس في الدنيا من أسباب الدفع عن أنفسهم.
واستظهر ابن عطية: أن الآيات التي أولها {يوم لا ينفع مال ولا بنون} يريد إلى قوله: {فنكون من المؤمنين} [الشعراء: 102] منقطعة عن كلام إبراهيم عليه السلام وهي إخبار من الله تعالى صفة لليوم الذي وقف إبراهيم عنده في دعائه أن لا يُخْزى فيه اه. وهو استظهار رشيق فيكون: {يوم لا ينفع مال} استئنافاً خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: هو يوم لا ينفع مال ولا بنون. وفتحة {يومَ} فتحة بناء لأن (يوم) ظرف أضيف إلى فعل معرب فيجوز إعرابه ويجوز بناؤه على الفتح، فهو كقوله تعالى: {هذا يومَ ينفع الصادقين صدقُهم} [المائدة: 119]. ويظهر على هذا الوجه أن يكون المراد ب {من أتى الله بقلب سليم} الإشارةُ إلى إبراهيم عليه السلام لأن الله تعالى وصفه بمثل هذا في آية سورة الصافات (83، 84) في قوله: {وإن من شِيعَتِه} (أي شيعة نوح) لإبراهيمَ إذ جاء ربَّه بقلب سليم.
وفيه أيضاً تذكير قومه بأن أصنامهم لا تغني عنهم شيئاً، ونفي نفع المال صادق بنفي وجود المال يومئذ من باب «على لاحب لا يهتدى بمناره»، أي لا منارَ له فيهتَدى به، وهو استعمال عربي إذا قامت عليه القرينة. ومن عبارات عِلم المنطق «السَّالبةُ تصدُق بنفي الموضوع».
والاقتصار على المال والبنين في نفي النافعين جرى على غالب أحوال القبائل في دفاع أحد عن نفسه بأن يدافع إما بفدية وإما بنجدة (وهي النصر)، فالمال وسيلة الفدية، والبنون أحق من ينصرون أباهم، ويعتبر ذلك النصر عندهم عهداً يجب الوفاء به. قال قيس ابن الخَطِيم:
ثأَرتُ عَدِيًّا والخطيمَ ولم أُضِع *** وَلاية أشياخ جُعلت إزاءَها
واقتضى ذلك أن انتفاء نفع ما عدا المال والبنين من وسائل الدفاع حاصل بالأوْلى بحكم دلالة الاقتضاء المستندة إلى العُرف. فالكلام من قبيل الاكتفاء، كأنه قيل: يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا شيء آخر. وقوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} استثناء من مفعول {ينفع}، أي إلاّ منفوعاً أتى الله بقلب سليم.
هذا معنى الآية وهو مفهوم للسامعين فلذلك لم يؤثَر عن أحد من سلف المفسرين عدّ هذه الآية من متشابه المعنى وإنما أعضل على خلفهم طريق استخلاص هذا المعنى المجمل من تفاصيل أجزاء تركيب الكلام.
وذكر صاحب «الكشاف» احتمالات لا يسلم شيء منها من تقدير حذففٍ، فَبِنَا أن نفصِّل وجه استفادة هذا المعنى من نظم الآية بوجه يكون أليق بتركيبها دون تكلف.
فاعلم أن فعل {ينفع} رافع لفاعل ومتعدّ إلى مفعول، فهو بحقِّ تعدِّيه إلى المفعول يقتضي مفعولاً، كما يصلح لأنْ تعلّقَ به متعلقات بحروف تعدية، أي حروف جر، وإن أول متعلقاته خطوراً بالذهن متعلق سبب الفعل، فيعلم أن قوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} يشير إلى فاعِل {ينفع} ومفعولِه وسببِه الذي يحصل به، فقوله: {بقلب سليم} هو المتعلق بفعل {أتى الله} لأن فاعل الإتيان إلى الله هو المنفوع فهو في المعنى مفعول فعل {ينفع} والمتعلِّق بأحد فعلَيْه وهو فعل {أتى} الذي هو فاعلُه متعلِّق في المعنى بفعله الآخر وهو {ينفع} الذي {من أتى الله} مفعولُه. فعلم أن تقدير الكلام: يوم لا ينفع نافعٌ أو شيءٌ، أو نحو ذلك مما يفيد عموم نفي النافع، حسبما دل عليه {مَال وبنون} من عموم الأشياء كما قررنا. وحذف مفعول {ينفع} لقصد العموم كحذفه في قوله تعالى: {والله يدعوا إلى دار السلام} [يونس: 25] أي يدعو كل أحد، فتحصل أن التقدير: يوم لا ينفع أحداً شيء يأتي به للدفع عن نفسه.
والمستثنى وهو {من أتى الله بقلب سليم} متعيّن لأن يكون استثناء من مفعول {ينفع} وليس مستثنى من فاعل {ينفع} لأن من أتى الله بقلب سليم يومئذ هو منفوع لا نافع فليس مستثنى من صريح أحدِ الاسمين السابقين قبلَه، ولا مما دلّ عليه الاسمان من المعنى الأعمّ الذي قدرناه بمعنى: «ولا غيرهما»، فتمحض أن يكون هذا المستثنى مخرَجاً من عموم مفعول {ينفع}. وتقديره: إلا أحداً أتى الله بقلب سليم، أي فهو منفوع، واستثناؤه من مفعول فعل {ينفع} يضطرنا إلى وجوب تقدير نافعه فاعلَ فعل {ينفع}، أي فإنه نفعه شيء نافع. ويُبيِّن إجماله متعلق فعل {ينفع} وهو {بقلب سليم} إذ كان القلب السليم سبب النفع فهو أحد أفراد الفاعل العام المقدر بلفظ «شيء» كما تقدم آنفاً.
فالخلاصة أن الذي يأتي الله يومئذ بقلب سليم هو منفوع بدلالة الاستثناء وهو نافع (أي نافع نفسه) بدلالة المجرور المتعلِّق بفعل {أتى}، فإن القلب السليم قلبُ ذلك الشخص المنفوع فصار ذلك الشخص نافعاً ومنفوعاً باختلاف الاعتبار، وهو ضرب من التجريد. وقريب من وقوع الفاعل مفعولاً في باب ظن في قولهم: خلتُني ورأيْتُني، فجُعل القلب السليم سبباً يحصل به النفع، ولهذا فالاستثناء متصل مفرَّغ عن المفعول. وقد حصل من نسج الكلام على هذا المنوال إيجازٌ مغننٍ أضعاف من الجمل المطوية. وجَعْلُ الاستثناء منقطعاً لا يدفع الإشكال.
والقلب: الإدراك الباطني.
والسليم: الموصوف بقوة السلامة، والمراد بها هنا السلامة المعنوية المجازية، أي الخلوص من عقائد الشرك مما يرجع إلى معنى الزكاء النفسي. وضدُّه المريض مرضاً مجازياً قال تعالى: {في قلوبهم مَرض} [البقرة: 10]. والاقتصار على السليم هنا لأن السلامة باعث الأعمال الصالحة الظاهرية وإنما تثبت للقلوب هذه السلامة في الدنيا باعتبار الخاتمة فيأتون بها سالمة يوم القيامة بين يدي ربّهم.
{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95)}
الظاهر أن الواو في قوله: {وأزلفت الجنة للمتقين} واوُ الحال، والعامل فيها {لا ينفع مال} [الشعراء: 88]، أي يوم عدم نفع من عدا من أتى الله بقلب سليم وقد أزلفت الجنة للمتقين. والخروج إلى تصوير هذه الأحوال شيء اقتضاه مقام الدعوة إلى الإيمان بالرغبة والرهبة لأنه ابتدأ الدعوة بإلقاء السؤال على قومه فيما يعبدون إيقاظاً لبصائرهم، ثم أعقب ذلك بإبطال إلهية أصنامهم. والاستدلال على عدم استئهالها الإلهية بدليل التأمل، وهو أنها فاقدة السمع والبصر وعاجزة عن النفع والضر، ثم طال دليل التقليد الذي نحا إليه قومه لما عجزوا عن تأييد دينهم بالنظر.
فلما نهضت الحجة على بطلان إلهية أصنامهم انتصب لبيان الإله الحق رب العالمين، الذي له صفات التصرف في الأجسام والأرواح، تصرف المنعم المتوحّد بشتّى التصرف إلى أن يأتي تصرفه بالإحياء المؤبد وأنه الذي نطمع في تجاوزه عنه يوم البعث فليعلموا أنهم إن استغفروا الله عما سلف منهم مِن كُفْر فإن الله يغفر لهم، وأنهم إن لم يقلعوا عن الشرك لا ينفعهم شيء يوم البعث، ثم صور لهم عاقبة حَالَي التقوى والغواية بذكر دار إجزاء الخير ودار إجزاء الشر.
ولما كان قومه مستمرين على الشرك ولم يكن يومئذ أحد مؤمناً غيره وغير زوجه وغير لوط ابن أخيه كان المقام بذكر الترهيب أجدر، فلذلك أطنب في وصف حال الضالّين يوم البعث وسوءِ مصيرهم حيث يندمون على ما فرطوا في الدنيا من الإيمان والطاعة ويتمنون أن يعودوا إلى الدنيا ليتداركوا الإيمان ولات ساعة مَندم.
والإزلاف: التقريب. وقد تقدم في قوله: {وأزلفنا ثَمّ الآخرين} في هذه السورة (64). والمعنى: أن المتقين يجدون الجنة حاضرة فلا يتجشمون مشقة السوْق إليها.
واللام في {للمتقين} لام التعدية.
و {برزت} مبالغة في أُبرزت لأن التضعيف فيه مبالغة ليست في التعدية بالهمزة، ونظيره قوله تعالى: {وبُرّزت الجحيم لمن يرى} في سورة النازعات (36). والمراد ب {الغاوين} الموصوفون بالغواية، أي ضلال الرأي.
وذكْر ما يقال للغاوين للإنحاء عليهم وإظهار حقارة أصنامهم، فقيل لهم {أين ما كنتم تعبدون} وفي الاقتصار على ذكر هذا دون غيره مما يخاطبون به يومئذ مناسبة لمقام طلب الإقلاع عن عبادة تلك الأصنام.
وأسند فعل القول إلى غير معلوم لأن الغرض تعلق بمعرفة القول لا بمعرفة القائل، فالقائل الملائكة بإذن من الله تعالى لأن المشركين أحقر من أن يوجه الله إليهم خطابه مباشرة.
والاستفهام في قوله: {أين ما كنتم تعبدون} استفهام عن تعيين مكان الأصنام إن لم تكن حاضرة، أو عن عملها إن كانت حاضرة في ذلك الموقف، تنزيلاً لعدم جدواها فيما كانوا يأملونه منها منزلةَ العدم تهكّماً وتوبيخاً وتوقيفاً على الخطأ.
والاستفهام في {هل ينصرونكم} كذلك مع الإنكار أن تكون الأصنام نصراء.
والانتصار طلب النصير.
وكتب {أينما} في المصاحف موصولة نون (أين) بميم (ما) والمتعارف في الرسم القياسي أن مثله يكتب مفصولاً لأن (ما) هنا اسم موصول وليست المزيدة بعد (أين) التي تصير (أين) بزيادتها اسم شرط لعموم الأمكنة، ورسم المصحف سنة متبعة.
و {أو} للتخيير في التوبيخ والتخطئة، أي هل أخطأتم في رجاء نصرها إياكم، أو في الأقل هل تستطيع نَصر أنفسها وذلك حين يلقى بالأصنام في النار بمرأى من عبدتها ولذلك قال: {فكبكبوا فيها}، أي كبكبت الأصنام في جهنم.
ومعنى {كُبكِبوا} كُبُّوا فيها كَباً بعد كَبَ فإنَّ {كبكبوا} مضاعف كُبُّوا بالتكرير وتكرير اللفظ مفيد تكرير المعنى مثل: كفكَف الدمعَ، ونظيره في الأسماء: جيش لَمْلَم، أي كثير، مبالغة في اللَّم، وذلك لأن له فعلاً مرادفاً له مشتملاً على حروفه ولا تضعيف فيه فكان التضعيف في مرادفه لأجل الدلالة على الزيادة في معنى الفعل.
وضمائر {ينصرونكم وينتصرون وكُبكبوا} عائدة إلى {ما كنتم تعبدون} بتنزيلها منزلة العقلاء. وجنود إبليس: هم أولياؤه وأصناف أهل الضلالات التي هي من وسوسة إبليس. وتقدم الكلام على إبليس في سورة البقرة.
{قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102)}
يجوز أن يكون هذا من حكاية كلام إبراهيم عليه السلام أطنب به الموعظة لتصوير هول ذلك اليوم فتكون الجملة حالاً، أو تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً كما سيأتي.
ويجوز أن يكون حكاية كلام إبراهيم انتهت عند قوله: {وجنود إبليس أجمعون} [الشعراء: 95] أو عند قوله تعالى: {يوم يبعثون} [الشعراء: 87] على ما استظهر ابن عطية. ويكون هذا الكلام موعظة من الله للسامعين من المشركين وتعليماً منه للمؤمنين فتكون الجملة استئنافاً معترضاً بين ذكر القصة والتي بعدها وهو استئناف بياني ناشئ عن قوله: {فكبكبوا فيها} [الشعراء: 94] لأن السامع بحيث يسأل عن فائدة إيقاع الأصنام في النار مع أنها لا تفقه ولا تُحِسّ فبيّن له ذلك، فحكاية مخاصمة عبدتها بينهم لأن رؤيتهم أصنامهم هو مثار الخصومة بينهم إذ رأى الأتباعُ كذب مضلّليهم معاينة ولا يجد المضلّلون تنصّلاً ولا تفصّياً، فإن مذلة الأصنام وحضورها معهم وهم في ذلك العذاب أقوى شاهد على أنها لا تملك شيئاً لهم ولا لأنفسها. 4
وأما جملة: {وهم فيها يختصمون} فهي في موضع الحال، وجملة {تالله} مقول القول، وجملة: {إن كنا لفي ضلال مبين} جواب القسم. و{إنْ} مخففة من (إنَّ) الثقيلة وقد أهملت عن العمل بسبب التخفيف فإنه مُجوز للإهمال. والجملة بعدها سادّة مسد اسمها وخبرها. واقتران خبر (كان) باللام في الجملة التي بعدها للفرق بين {إنْ} المخففة المؤكدة وبين (إنْ) النافية، والغالب أن لا تخلو الجملة التي بعد {إنْ} المخففة عن فعل من باب (كان).
وجيء في القسم بالتاء دون الواو والباء لأن التاء تختص بالقسم في شيء متعجب منه كما تقدم في قوله تعالى: {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنَا لنُفسد في الأرض} في سورة يوسف (73)، وقوله: {وتالله لأكيدَنّ أصنامكم} في سورة الأنبياء (57)، فهم يعجبون من ضلالهم إذ ناطوا آمالهم المعونة والنصر بحجارة لا تغني عنهم شيئاً. ولذلك أفادوا تمكن الضلال منهم باجتلاب حرف الظرفية المستعار لمعنى الملابسة لأن المظروف شديد الملابسة لظرفه، وأكدوا ذلك بوصفهم الضلالَ بالمبين، أي الواضح البيّن. وفي هذا تسفيه منهم لأنفسهم إذ تمشّى عليها هذا الضلال الذي ما كان له أن يروج على ذي مُسكة من عقل.
و {إذ نسويكم} ظرف متعلق ب {كنّا} أي كنا في ضلال في وقت إنا نسوّيكم برب العالمين. وليست {إذ} بموضوعة للتعليل كما توهمه الشيخ أحمد بن عَلوان التونسي الشهير بالمِصري فيما حكاه عنه المقري في «نفح الطيب» في ترجمة أبي جعفر اللَّبْلي في الباب الخامس من القسم الأول، وإنما غشي عليه حاصل المعنى المجازي فتوهمه معنى من معاني {إذ} ومنه قول النابغة:
فعدِّ عما ترى إذْ *** لا ارتجاع له
أي حين لا ارتجاع له.
والتسوية: المعادَلة والمماثلة، أي إذ نجعلكم مثل ربّ العالمين، فالظاهر أنهم جعلوهم مثله مع الاعتراف بالإلهية وهو ظاهر حال إشراكهم كما تقدم في قوله:
{فإنهم عدوٌّ لي إلا ربَّ العالمين} [الشعراء: 77]، ويحتمل أنهم جعلوه مثله فيما تبين لهم من إلهيته يومئذ إذ كانوا لا يؤمنون بالله أصلاً في الدنيا فهي تسوية بالمآل وقد آبوا إلى الاعتراف بما تضمنته كلمة إبراهيم لهم في الدنيا إذ قال لهم {فإنهم عدوٌّ لي إلا رب العالمين} [الشعراء: 77].
وضمير الخطاب في {نسويكم} موجه إلى الأصنام، وهو من توجيه المتندم الخطابَ إلى الشيء الذي لا يعقل وكان سبباً في الأمر الذي جرّ إليه الندامة بتنزيله منزلة من يعقل ويسمع. والمقصود من ذلك المبالغة في توبيخ نفسه. ومنه ما روى الغزالي في «الإحياء»: أن عمر بن الخطاب دخل على أبي بكر الصديق فوجده ممسكاً بلسانه بأصبعيه وهو يقول: أنتَ أوردتَني الموارد. وعن ابن مسعود أنه وقف على الصفا يلبّي ويقول: يا لسانُ قل خيراً تغْنَم واسكت عن شر تسلمَ. وهذا أسلوب متّبع في الكلام نثراً ونظماً قال أبو تمام:
فيا دمعُ أنجدْني على سَاكني نجد *** وصيغ {نسويكم} في صيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة حين يتوجهون إلى الأصنام بالدعاء والنعوت الإلهية.
وقولهم: {وما أضلنا إلا المجرمون} خطاب بعض العامة لبعض. وعنَوا بالمجرمين أيمة الكفر الذين ابتدعوا لهم الشرك واختلقوا لهم ديناً.
والمناسب أن يكون التعريف في {المجرمون} مستعملاً في كَمال الإجرام فإن من معاني اللام أن تدل على معنى الكمال.
ورتبوا بالفاء انتفاء الشافعين على جملة: {وما أضلنا إلا المجرمون} حيث أطمعوهم بشفاعة الأصنام لهم عند الله مثل المشركين من العرب {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] فتبيّن لهم أن لا شفاعة لها، وهذا الخبر مستعمل في التحسر والتوجع.
والشافع: الذي يكون واسطةَ جلب نفع لغيره أو دفع ضر عنه. وتقدم ذكر الشفاعة في قوله: {ولا تنفعها شفاعة} في البقرة (123)، والشفيع في أول سورة يونس.
وأما قولهم: {ولا صديق حميم} فهو تتميم أثارهُ ما يلقونه من سوء المعاملة من كل من يمرون به أو يتصلون، ومن الحرمان الذي يعاملهم كل من يسألونه الرفق بهم حتى علموا أن جميع الخلق تتبرأ منهم كما قال تعالى: {ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب} فإن الصديق هو الذي يواسيك أو يسليك أو يتوجع ويومئذ حقّت كلمة الله {الأخِلاّء يومئذ بعضهُم لبعض عدوّ إلا المتقين} [الزخرف: 67] وتقدم الكلام على الصديق في قوله تعالى: {أو صديقكم} في سورة النور (61).
والحميم: القريب، فعيل من حَمَّ (بفتح الحاء) إذا دنا وقرُب فهو أخص من الصديق.
والمراد نفي جنس الشفيع وجنس الصديق لوقوع الاسمين في سياق النفي المؤكَّد ب {من} الزائدة، وفي ذلك السياق يستوي المفرد والجمع في الدلالة على الجنس. وإنما خولف بين اسمي هذين الجنسين في حكاية كلامهم إذ جيء ب {شافعين} جمعاً، وب {صديق} مفرداً، لأنهم أرادوا بالشافعين الآلهة الباطلة وكانوا يعهدونهم عديدين فجرى على كلامهم ما هو مرتسم في تصورهم.
وأما الصديق فإنه مفروض جنسُه دون عدد أفراده إذ لم يَعنُوا عدداً معيّناً فبقي على أصل نفي الجنس، وعلى الأصل في الألفاظ إذْ لم يكن داع لغير الإفراد. والذي يبدو لي أنه أوثر جمع {شافعين} لأنه أنسب بصورة ما في أذهانهم كما تقدم. وأما إفراد {صديق} فلأنه أريد أن يُجرى عليه وصف {حميم} فلو جيء بالموصوف جمعاً لاقتضى جمع وصفه، وجمعُ {حميم} فيه ثقل لا يناسب منتهى الفصاحة ولا يليق بصورة الفاصلة مع ما حصل في ذلك من التفنن الذي هو من مقاصد البلغاء.
ثم فرعوا على هذا التحسر والندامة تمنِّي أن يعادوا إلى الدنيا ليتداركوا أمرهم في الإيمان بالله وحده.
و (لو) هذه للتمنّي، وأصلها (لو) الشرطية لكنها تُنُوسي منها معنى الشرط. وأصلها: لو أرجعنا إلى الدنيا لآمنّا، لكنه إذا لم يقصد تعليق الامتناع على امتناع تمحّضت (لو) للتمنّي لما بين الشيء الممتنع وبين كونه متمنّى من المناسبة. والكرة: مرة من الكرّ وهو الرجوع.
وانتصب {فنكون} في جواب التمنّي.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)}
تكرير ثالث لهاته الجملة تعداداً على المشركين وتسجيلاً لتصميمهم. واسم الإشارة إشارة إلى كلام إبراهيم عليه السلام فإن فيه دليلاً بيّناً على الوحدانية لله تعالى وبطلان إلهية الأصنام، فكما لم يهتد بها قوم إبراهيم فما كان أكثر المشركين بمكة بمؤمنين بها بعد سماعها، ولكن التبليغ حق على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد تقدم الكلام على نظير هذه الآية.
{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110)}
استئناف لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ناشئ عن قوله: {وما كان أكثرهم مؤمنين} [الشعراء: 103] أي لا تأسَ عليهم ولا يعظُمْ عليك أنهم كذّبوك فقد كذبت قوم نوح المرسلين؛ وقد علم العرب رسالةَ نوح، وكذلك شأن أهل العقول الضالّة أنهم يعرفون الأحوال وينسون أسبابها.
وأنث الفعل المسند إلى قوم نوح لتأويل {قوم} بمعنى الأمة أو الجماعة كما يقال: قالت قريش، وقالت بنو عامر، وذلك قياس في كل اسم جَمع لا واحد له من لفظه إذا كان للآدمي مثل نَفَر ورهْط، فأما إذا كان لغير الآدميين نحو إبل فمؤنث لا غير. قاله الجوهري وتبعه صاحب «اللسان» و«المصباح».
ووقع في «الكشاف» هذه العبارة «القومُ مؤنثة وتصغيرُها قُويمة» فظاهر عبارته أن هذا اللفظ مؤنث المعنى في الاستعمال لا غير، وهذَا لم يقله غيره وسكت شراحه عليه ولم يعرج الزمخشري عليه في «الأساس» فإن حمل على ظاهر العبارة فهو مخالف لكلام الجوهري وابن سيده. ويحتمل أنه أراد جواز تأنيث (قوم) وأنه يجوز أن يصغر على قويمة فيُجمع بين كلامه وكلام الجوهري وابن سيده، وهو احتمال بعيد من ظاهر كلامه الموكَّد بقوله: وتصغيره قُويمة، لما هو مقرر من أن التصغير يرد الأسماء إلى أصولها. وأيّاً مّا كان فهو صريح في أن تأنيثه ليس بتأويله بمعنى الأمة لأن التأويل اعتبار للمتكلم فلا يكون له أثر في إجراء الصيغ مثل التصغير، فإن الصيغ من آثار الوضع دون الاستعمال، ألا ترى أنه لا تجعل للمعاني المجازية صيغ خاصة بالمجاز.
وجُمع {المرسلين} وإنما كذَّبوا رسولاً واحداً أولَ الرسل ولم يكن قبله رسول وهم أول المكذّبين، فإنما جُمع لأن تكذيبهم لم يكن لأجل ذاته ولكنه كان لإحالتهم أن يرسل الله بشراً، وأن تكون عبادة أصنامهم ضلالاً فكان تكذيبهم إياه مقتضياً تكذيب كل رسول لأن كل رسول يقول مثل ما قاله نوح عليه السلام، ولذلك تكرر في قوله: {كذبت عاد المرسلين} [الشعراء: 123] وما بعده. وقد حكي تكذيبهم أن يكون الرسول بشراً في قوله: {أَوَعَجِبْتم أن جاءكم ذِكْر من ربكم على رجل منكم لينذركم} في [الأعراف: 63].
وسيأتي حكاية تكذيب عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب لَيْكة على هذا النمط فيما تكرر من قوله: كذبت} وقوله: {المرسلين}.
و {إذ قال} ظرف، أي كذبوه حين قال لهم {ألا تتقون} فقالوا: {أنؤمن لك} [الشعراء: 111]. ويظهر أن قوله: {ألا تتقون} صدر بعد أن دعاهم من قبل وكرّر دعوتهم إذ رآهم مُصرِّين على الكفر ويدل لذلك قولهم في مجاوبته {واتَّبَعَك الأرذلون} [الشعراء: 111].
وخص بالذكر في هذه السورة هذا الموقف من مواقفه لأنه أنسب بغرض السورة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بذكر مماثل حاله مع قومه.
والأخ مستعمل في معنى القريب من القبيلة. وقد تقدم في قوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هوداً} في سورة [الأعراف: 65].
وقوله: {ألا تتقون} يجوز أن يكون لفظ {أَلاَ} مركباً من حرفين همزة استفهام دخلت على (لاَ) النافية، فهو استفهام عن انتفاء تقواهم مستعمل في الإنكار وهو يقتضي امتناعهم من الامتثال لدعوته.
ويجوز أن يكون {أَلاَ} حرفاً واحداً هو حرف التحْضيض مثل قوله تعالى: {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم} [التوبة: 13] وهو يقتضي تباطؤهم عن تصديقه.
والمراد بالتقوى: خشية الله من عقابه إياهم على أن جعلوا معه شركاء.
وجملة: {إني لكم رسول أمين} تعليل للإنكار أو للتحضيض، أي كيف تستمرون على الشرك وقد نهيتكم عنه وأنا رسول لكم أمينٌ عندكم.
وكان نوح موسوماً بالأمانة لا يتهم في قومه كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يلقب الأمين في قريش. قال النابغة:
كذلك كانَ نوحٌ لا يخون *** وتأكيده بحرف التأكيد مع عدم سبق إنكارهم أمانته لأنه توقَّع حدوث الإنكار فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة، فإن الأمانة دليل على صدقه فيما بلَّغهم من رسالة الله، كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله: هل جربتم عليه (يعني النبي صلى الله عليه وسلم كَذِباً، فقال أبو سفيان: لاَ ونَحْن منه في مدة لا ندري ما فعل فيها. فقال له هرقل بعد ذلك: فقد عَلِمتُ أنه ما كان ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله. ففي حكاية استدلال نوح بأمانته بين قومه في هذه القصة المسوقة مثلاً للمشركين في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم تعريض بهم إذ كذبوه بعد أن كانوا يدْعونه الأمين، ويحتمل أن يراد به أمين من جانب الله على الأمة التي أرسل إليها. والتأكيد أيضاً لتوقع الإنكار منهم.
وجملة: {وما أسئلكم عليه من أجر} عطف على جملة: {إني لكم رسول أمين} أي علمتم أني أمين لكم وتعلمون أني لا أطلب من دعوتكم إلى الإيمان نفعاً لنفسي. وضمير {عليه} عائد إلى معلوم من مقام الدعوة.
وقوله: {فاتقوا الله وأطيعون} تأكيد لقوله: {ألا تتقون} وهو اعتراض بين الجملتين المتعاطفتين. وكرر جملة: {فاتقوا الله وأطيعون} لزيادة التأكيد فيكون قد افتتح دعوته بالنهي عن ترك التقوى ثم علل ذلك ثم أعاد ما تقتضيه جملة الاستفتاح، ثم علل ذلك بقوله: {وما أسئلكم عليه من أجر}، ثم أعاد جملة الدعوة في آخر كلامه إذ قال: {فاتقوا الله وأطيعون} مرة ثانية بمنزلة النتيجة للدعوة ولتعليلها.
وحذفت الياء من {أطيعون} في الموضعين كما حذفت في قوله: {فأخاف أن يَقتلونِ} [الشعراء: 14] في أوائل السورة.
وفي قوله: {إنْ أجري إلاّ على رب العالمين} إشارة إلى يوم الجزاء وكانوا ينكرون البعث كما دل عليه قوله في سورة [نوح: 17- 18] {والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويُخرجكم إخراجاً} وتقدم ذكر نوح عند قوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحاً} في [آل عمران: 33].
{قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115)}
جملة: {قالوا} استئناف بياني لما يثيره قوله: {كذبت قوم نوح} [الشعراء: 105] من استشراف السامع لمعرفة ما دار بينهم وبين نوح من حوار، ولذلك حكيت مجادلتهم بطريقة: قالوا، وقال. والقائلون: هم كبراء القوم الذين تصدّوا لمحاورة نوح.
والاستفهام في {أنؤمن} استفهام إنكاري، أي لا نؤمن لك وقد اتّبعك الأرذلون فجملة: {واتبعك} حالية.
و {الأرذلون}: سَقَط القوم موصوفون بالرذالة وهي الخِسّة والحقارة، أرادوا بهم ضعفاء القوم وفقراءهم فتكبروا وتعاظموا أن يكونوا والضعفاءَ سواء في اتّباع نوح. وهذا كما قال عظماء المشركين للنبيء صلى الله عليه وسلم لما كان من المؤمنين عمَّار وبلال وزيدُ بن حارثة: أنحن نكون تبعاً لهؤلاء أطرِدْهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فأنزل الله تعالى: {ولا تَطْرُد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} الآيات من سورة الأنعام (52).
وقرأ الجمهور: {واتَّبعَك} بهمزة وصل وتشديد التاء الفوقية على أنه فعل مضي من صيغة الافتعال. والمعنى: أنهم كانوا من أتباعه أو كانوا أكثر أتباعه. وقرأ يعقوب {وأتْبَاعُك} بهمزة قطع وسكون الفوقية وألف بعد الموحدة على أنه جمع تابع. والمعنى: أنهم أتباعه لا غيرهم فالصيغة صيغةُ قصر.
وجواب نوح عن كلام قومه يحتاج إلى تدقيق في لفظه ومعناه. فأما لفظه فاقتران أوله بالواو يجعله في حكم المعطوف على كلام قومه تنبيهاً على اتصاله بكلامهم. وذلك كناية عن مبادرته بالجواب كما في قوله تعالى حكايةً عن إبراهيم عليه السلام {قال ومن ذريتي} [البقرة: 124] بعد قوله: {قال إني جاعلك للناس إماماً} [البقرة: 124]. ويسمى عطفَ تلقين مراعاةً لوقوعه في تلك الآية والأوْلى أن يسمى عطف تكميل.
وأما معناه فهو استفهام مؤذن بأن قومه فصَّلوا إجمال وصفهم أتباعَه بالأرذلين بأن بينوا أوصافاً من أحوال أهل الحاجة الذين لا يعبأ الناس بهم فأتى بالاستفهام عن علمه استفهاماً مستعملاً في قلة الاعتناء بالمستفهَم عنه، وهو كناية عن قلة جدواه لأن الاستفهام عن الشيء يؤذن بالجهل به، والجهل تُلازمه قلة العناية بالمجهول وضعفُ شأنه، كما يقال لك: يهدّدك فلان، فتقول: وما فُلان، أي لا يُعبأ به. وفي خبر وهب بن كيسان عن جابر ابن عبد الله أن أبا عبيدة كان يقُوتنا كلَّ يوم تمرةً فقال وهب: قلتُ وما تغني عنكم تمرة.
والمعنى: أي شيء علمي بما كانوا يعملون حتى اشتغلَ بتحصيل علم ما كانوا يعملون وأعمالهم بما يناسب مراتبهم فأنا لا أهتم بما قبلَ إيمانهم.
وضُمن {علمي} معنى اشتغالي واهتمامي فعُدّي بالباء.
و {ما كانوا يعملون} موصول مَا صدقه الحالة لأن الحالة لا تخلو من عمل. فالمعنى: وما علمي بأعمالهم. وهذا كما يقال في السؤال عن أحد: ماذا فعل فلان؟ أي ما خبره وما حاله؟ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للصبي الأنصاري: «يا أبا عمير ما فعل النغير» لطائر يسمى النُغَر (بوزن صُرد) وهو من نوع البلبل كان عند الصبي يلعب به، ومنه قوله لمن سأله عن الذين ماتوا من صبيان المشركين: «الله أعلم بما كانوا عاملين» أي الله أعلم بحالهم، فهو إمساك عن الجواب.
وقريب منه قول العرب: ما بَالُه، أي ما حاله؟.
وفعل {كانوا} مزيد بين (مَا) الموصولة وصلتِها لإفادة التأكيد، أي تأكيد مدلول «ما علمي بما يعملون». والمعنى: أي شيء علمي بما يعملون. وليس المراد بما كانُوا عملوه من قبل. والواو في قوله: {بما كانوا} فاعل وليست اسماً ل (كان) لأن (كان) الزائدة لا تنصب الخبر.
وشمل قوله: {بما كانوا يعملون} جميع أحوالهم في دينهم ودنياهم في الماضي والحال والمستقبل والظاهر والباطن.
والحساب حقيقته: العَدّ، واستعمل في معنى تمحيض الأعمال وتحقيق ظواهرها وبواطنها بحيث لا يفوت منها شيء أو يشتبه.
والمعنى: أن الله هو الذي يتولّى معاملتهم بما أسلفوا وما يعملون وبحقائق أعمالهم. وهذا المقال اقتضاه قوله: {وما علمي بما كانوا يعملون} من شموله جميع أعمالهم الظاهرة والباطنة التي منها ما يحاسبون عليه وهو الأهم عند الرسول المشرّع، فلذلك لما قال: {وما علمي بما كانوا يعملون} أتبعه بقوله: {إن حسابهم إلا على ربي} على عادة أهل الإرشاد في عدم إهمال فُرصته. وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم " فإذا قالوها (أي لا إله إلا الله) عصموا منّي دماءَهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله "، أي تحقيق مطابقة باطنهم لظاهرهم على الله.
وزاد نوح قوله بياناً بقوله: {وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين} وبيَّن هذا المعنى قوله في الآية الأخرى {الله أعلم بما في أنفسهم} في سورة هود (31).
والقصر في قوله: {إن حسابهم إلا على ربي} قصر موصوف على الصفة، والموصوف هو {حسابهم} والصفة هي {على ربّي}، لأن المجرور الخبرَ في قوة الوصف، فإن المجرورات والظروف الواقعة أخباراً تتضمن معنى يتصف به المبتدأ وهو الحصول والثبوت المقدر في الكلام بكائن أو مستقِر كما بيّنه علماء النحو. والتقدير: حسابهم مقصور على الاتصاف بمدلول {على ربّي}. وكذلك قدّره السكاكي في «المفتاح»، وهو قصر إفراد إضافي، أي لا يتجاوز الكون على ربي إلى الاتصاف بكونه عليَّ. وهو رد لما تضمنه كلام قومه من مطالبته بإبعاد الذين آمنوا لأنهم لا يستحقون أن يكونوا مساوين لهم في الإيمان الذي طلبه نوح من قومه.
وقوله: {لو تشعرون} تجهيل لهم ورغمٌ لغرورهم وإعجابهم الباطل. وجواب {لو} محذوف دل عليه ما قبلَه. والتقدير: لو تشعرون لشَعَرْتُم بأن حسابهم على الله لا عليَّ فَلَمَا سألتمونيه. ودَل على أنه جهَّلَهم قولُه في سورة هود (29) {ولكني أراكم قوماً تجهلون}
هذا هو التفسير الذي يطابق نظم الآية ومعناها من غير احتياج إلى زيادات وفروض.
والمفسرون نحَوْا منحى تأويل الأرذلون} أنهم الموصوفون بالرذالة الدنية، أي الطعن في صدق إيمان من آمن به، وجعلوا قوله: {وما علمي بما كانوا يعملون} تبرُّؤاً من الكشف على ضمائرهم وصحة إيمانهم. ولعل الذي حملهم على ذلك هو لفظ الحساب في قوله: {إن حسابهم إلا على ربي}، فحملوه على الحساب الذي يقع يوم الجزاء وذلك لا يثلج له الصدر.
وعطف قوله: {وما أنا بطارد المؤمنين} على قوله: {وما علمي بما كانوا يعملون} فبعد أن أبطَل مقتضى طردِهم صرح بأنه لا يفعله.
وجملة: {إن أنا إلا نذير مبين} استئناف في معنى التعليل، أي لأن وصفي يصرفني عن موافقتكم.
والمُبِين: من أبان المتعدي بمعنى بَيَّن ووضَّح. والقصر إضافي وهو قصر موصوف على صفة.
وقد تقدم في سورة هود حكاية موقف لنوح عليه السلام مع قومه شبيه بما حكي هنا وبين الحكايتين اختلاف مَّا، فلعلهما موقفان أو هما كلامان في موقف واحد حكي أحدُهما هنالك والآخر هنا على عادة قصص القرآن، فما في إحدى الآيتين من زيادة يحمل على أنه مكمل لما في الأخرى.
{قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120)}
لما أعياهم الاستدلال صاروا إلى سلاح المبطلين وهو المناضلة بالأذى.
والرجم: الرمي بالحجارة، وقد غلب استعماله في القتل به، و{من المرجومين} يفيد من بين الذين يعاقبون بالرجم، أي من فئة الدعّار الذين يستحقون الرجم، كما تقدم في قوله: {وما أنا من المهتدين} في سورة الأنعام (56).
وقوله: {إن قومي كذبون} تمهيد للدعاء عليهم وهو خبر مستعمل في إنشاء التحسر واليأس من إقلاعهم عن التكذيب.
والفَتح: الحُكم، وتأكيده ب {فَتْحاً} لإرادة حكم شديد، وهو الاستئصال ولذلك أعقبه بالاحتراس بقوله: {ونجني ومن معي من المؤمنين}.
و {المشحون}: المملوء.
و {ثُم} للتراخي الرتبي في الإخبار لأن إغراق أمة كاملة أعظم دلالة على عظيم القدرة من إنجاء طائفة من الناس.
وحذف الياء من قوله: {كذبون} للفاصلة كما تقدم في قوله: {فأخاف أن يقتلون} [الشعراء: 14].
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)}
الآية في قصة نوح دلالتُها على أن الله لا يقرّ الذين يكذّبون رسله، ففي هذه القصة آية للمشركين من قريش وهم يعلمون قصة نوح والطوفان.
{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127)}
جملة مستأنفة استئناف تعداد لأخبار التسلية للرسول وتكرير الموعظة للمكذبين بعد جملة: {كذبت قوم نوح المرسلين} [الشعراء: 105].
والقول في هذه الآيات كالقول في نظيرتها في أول قصة نوح سواء، سِوى أن قوله تعالى: {كذبت عاد المرسلين} يفيد أنهم كذبوا رسولهم هوداً وكذبوا رسالة نوح لأن هوداً وعظهم بمصير قوم نوح في آية: {واذكروا إذ جعَلَكم خلفاءَ من بعد قوم نوح} في سورة الأعراف (69).
واقتران فعل {كذبت} بتاء التأنيث لان اسم عاد علَم على أمة فهو مُؤَوّل بمعنى الأمة.
والقول في {ألاَ تتقون} مثل القول في نظيره المتقدم في قصة قوم نوح. وقوله: {إني لكم رسول أمين} هو كقول نوح لقومه، فإن الرسول لا يبعث إلا وقد كان معروفاً بالأمانة وحسن الخلق قبل الرسالة. ويدل لكون هود قد كان كذلك في قومه قولُ قومه له {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} في سورة هود (54) الدال على أنهم زعموا أن تغير حاله عما كان معروفاً به من قبل بسبب سوء اعتقاده في آلهتهم.
وتفريع فاتقوا الله وأطيعون} عليه كما تقدم في قصة نوح. وحذف ياء {وأطيعون} للفاصلة كحذفها في قصة نوح وإبراهيم آنفاً.
وتقدم ذكر عاد وهود عند قوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هوداً} في سورة الأعراف (65).
{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)}
رأى من قومه تمحّضاً للشغل بأمور دنياهم، وإعراضاً عن الفكر في الآخرة والعمل لها والنظرِ في العاقبة، وإشراكاً مع الله في إلهيته، وانصرافاً عن عبادة الله وحده الذي خلقهم وأَعْمَرهم في الأرض وزادهم قوة على الأمم، فانصرفت همّاتهم إلى التعاظم والتفاخر واللهو واللعب.
وكانت عاد قد بلغوا مبلغاً عظيماً من البَأس وعظم السلطان والتغلب على البلاد مما أثار قولهم: {مَن أشدُّ منَّا قوةً} [فصلت: 15] فقد كانت قبائل العرب تصِف الشيء العظيم في نوعه بأنه «عَادي» وكانوا أهل رأي سديد ورجاحة أحلام، قال ودَّاك بن ثُمَيْل المازني:
وأحلامُ عاد لا يخاف جلِيسهم *** ولو نطقَ العُوَّار غَرْبَ لِسان
وقال النابغة يمدح غسان:
أحلامُ عاد وأجساد مطهرة *** من المَعَقَّة والآفات والأثَم
فطال عليهم الأمد، وتفننوا في إرضاء الهوى، وأقبلوا على الملذّات واشتد الغرور بأنفسهم فأضاعوا الجانب الأهم للإنسان وهو جانب الدين وزكاء النفس، وأهملوا أن يقصدوا من أعمالهم المقاصد النافعة ونية إرضاء الله على أعمالهم لحب الرئاسة والسمعة، فعبدوا الأصنام، واستخفوا بجانب الله تعالى، واستحمقوا الناصحين، وأرسل الله إليهم هوداً ففاتحهم بالتوبيخ على ما فُتِنوا بالإعجاب به وبذمه إذ ألهاهم التنافس فيه عن معرفة الله فنبذُوا اتّباع الشرائع وكذَّبوا الرسول. فمِن سابِق أعمال عاد أنهم كانوا بَنوا في طرق أسفارهم أعلاماً ومنارات تدل على الطريق كيلا يضِلّ السائرون في تلك الرمال المتنقلة التي لا تبقى فيها آثار السائرين واحتفروا وشيّدوا مصانع للمياه وهي الصهاريج تَجمع ماء المطر في الشتاء ليشرب منها المسافرون وينتفع بها الحاضرون في زمن قلة الأمطار، وبنوْا حصوناً وقصوراً على أشراف من الأرض، وهذا من الأعمال النافعة في ذاتها لأن فيها حفظ الناس من الهلاك في الفيافي بِضلال الطرق، ومن الهلكة عطشاً إذا فقدوا الماء وقت الحاجة إليه، فمتى أريد بها رضى الله تعالى بنفع عبيده كانت جديرةً بالثناء عاجلاً والثواب آجلاً.
فأما إذا أهمل إرضاء الله تعالى بها واتُّخِذت للرياء والغرور بالعظمة وكانوا مُعرضين عن التوحيد وعن عبادة الله انقلبت عظمة دنيويةً محْضة لا ينظر فيها إلى جانب النفع ولا تحث الناس على الاقتداء في تأسيس أمثالها وقصاراها التمدح بما وجدوه منها. فصار وجودها شبيهاً بالعبث لأنها خلت عن روح المقاصد الحسنة فلا عبرة عند الله بها لأن الله خلق هذا العالم ليكون مظهر عبادته وطاعته. وكانوا أيضاً في الإعراض عن الآخرة والاقتصار على التزود للحياة الدنيا بمنزلة من يحسبون أنفسهم خالدين في الدنيا.
والأعمال إذا خلت عن مراعاة المقاصد التي ترضي الله تعالى اختلفت مشارب عامليها طرائق قِدَداً على اختلاف الهمم واجتلاب المصالح الخاصة، فلذلك أنكرها عليهم رسولهم بالاستفهام الإنكاري على سنة المواعظ فإنها تُبنَى على مراعاة ما في الأعمال من الضر الراجح على النفع، فلا يلفت الواعظ إلى ما عسى أن يكون في الأعمال من مرجوح إذا كان ذلك النفع مرغوباً للناس، فإن باعث الرغبة المنْبَثَّ في الناس مغننٍ عن ترغيبهم فيه، وتصدي الواعظ لذلك فضول وخروج عن المقصد بتحذيرهم أو تحريضهم فيما عدا ذلك، إذا كان الباعث على الخير مفقوداً أو ضئيلاً.
وقد كان هذا المقام مقام موعظة كما دلّ عليه قوله تعالى عنهم {قالوا سواءٌ علينا أوعَظت أم لم تكن من الواعظين} [الشعراء: 136]. ومقام الموعظة أوسع من مقام تغيير المنكر، فموعظة هود عليه السلام متوجهة إلى ما في نفوسهم من الأدواء الروحية، وليس في موعظته أمر بتغيير ما بنَوه من العلامات ولا ما اتخذوه من المصانع.
ولما صار أثر البناء شاغلاً عن المقصد النافع للحياة في الآخرة نُزّل فعلهم المفضي إلى العبث منزلة الفعل الذي أريد منه العبث عند الشروع فيه فأنكر عليهم البناءُ بإدخال همزة الإنكار على فعل {تبنون}، وقُيّد بجملة: {تعبثون} التي هي في موضع الحال من فاعل {تبنون}، مع أنهم لما بنوا ذلك ما أرادوا بفعلهم عبثاً، فمناط الإنكار من الاستفهام الإنكاري هو البناء المقيّد بالعبث، لأن الحكم إذا دخل على مقيّد بقيْد انصرف إلى ذلك القيد.
وكذلك المعطوف على الفعل المستفهَم عنه وهو جملة: {وتتخذون مصانع} هو داخل في حيّز الإنكار ومقيَّد بجملة الحال المقيَّد بها المعطوفُ عليه بناءً على أن الحال المتوسطة بين الجملتين ترجع إلى كلتيهما على رأي كثير من علماء أصول الفقه لا سيما إذا قامت القرينة على ذلك.
وقد اختلفت أقوال المفسّرين في تعيين البناء والآيات والمصانع كما سيأتي. وفي بعض ما قالوه ما هو متمحّض للّهو والعبث والفساد، وفي بعضه ما الأصل فيه الإباحة، وفي بعضه ما هو صلاح ونفع كما سيأتي.
وموقع جملة: {أتبنون} في موضع بدل الاشتمال لجملة: {ألا تتقون} [الشعراء: 124] فإن مضمونها مما يشتمل عليه عدم التقوى الذي تسلط عليه الإنكار وهو في معنى النفي.
والرِّيع بكسر الراء: الشَّرف، أي المكان المرتفع، كذا عن ابن عباس، والطريقُ والفج بين الجبلين، كذا قال مجاهد وقتادة.
والآية: العلامة الدالة على الطريق، وتطلق الآية على المصنوع المعجِب لأنه يكون علامة على إتقان صانعه أو عظمة صاحبه.
و (كل) مستعمل في الكثرة، أي في الأرياع المشرفة على الطرق المسلوكة، والعبث: العمل الذي لا فائدة نفع فيه.
والمصانع: جمع مَصنع وأصله مَفعَل مشتق من صَنَع فهو مصدر ميمي وُصف به للمبالغة، فقيل: هو الجابية المحفورة في الأرض. وروي عن قتادة: مبنية بالجير يخزن بها الماء ويُسمّى صهريجاً وماجِلاً، وقيل: قصور وهو عن مجاهد.
وكانت بلاد عاد ما بين عُمان وحضرموت شرقاً وغَرباً ومتغلغلة في الشمال إلى الرمال وهي الأحقاق.
وجملة: {لعلكم تخلدون} مستأنفة.
و (لعل) للترجي، وهو طلب المتكلم شيئاً مستقْرب الحصول، والكلام تهكّم بهم، أي أرجو لكم الخلود بسبب تلك المصانع. وقيل: جعلت عاد بنايات على المرتفعات على الطرق يعبثون فيها ويسخرون بالمارة. وقد يفسر هذا القول بأن الأمة في حال انحطاطها حولت ما كان موضوعاً للمصالح إلى مفاسد فعمدوا إلى ما كان مبنياً لقصد تيسير السير والأمن على السابلة من الضلال في الفيافي المهلكة فجعلوه مكامن لَهو وسخرية، كما اتخذت بعض أديرة النصارى في بلاد العرب مجالس خمر، وكما أدركنا الصهاريج التي في قرطاجنة كانت خَزَّاناً لمياه زغوان المنسابة إليها على الحنايا فرأيناها مكامِن للّصوص ومخازن للدواب إلى أول هذا القرن سنة 1303 ه.
وقيل: إن المصانع قصور عظيمة اتّخذوها فيكون الإنكار عليهم متوجهاً إلى الإسراف في الإنفاق على أبنية راسخة مكينة كأنها تمنعهم من الموت، فيكون الكلام مسوقاً مساق الموعظة من التوغّل في الترف والتعاظم. هذا ما استخلصناه من كلمات انتثرت في أقوال عن المفسرين وهي تدل على حيرة من خلال كلامهم في توجيه إنكار هود على قومه عملَيْن كانا معدودين في النافع من أعمال الأمم، وأحسب أن قد أزلنا تلك الحيرة.
وقوله: {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} أعقب به موعظتهم على اللهو واللعب والحرص على الدنيا بأن وعظهم على الشدة على الخلق في العقوبة، وهذا من عدم التوازن في العقول فهم يبنون العلامات لإرشاد السابلة ويصطنعون المصانع لإغاثة العطاش فكيف يُلاقي هذا التفكير تفكيراً بالإفراط في الشدة على الناس في البطش بهم، أي عقوبتهم.
والبطش: الضرب عند الغضب بسوط أو سيف، وتقدم في قوله: {أم لهم أيدٍ يبطِشون بها} في آخر الأعراف (195).
و {جبارين} حال من ضمير {بطشتم} وهو جمع جبّار، والجبار: الشديد في غير الحق، فالمعنى: إذا بطشتم كان بطشكم في حالة التجبر، أي الإفراط في الأذى وهو ظلم، قال تعالى: {إن تريد إلاّ أن تكون جبّاراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين} [القصص: 19]. وشأن العقاب أن يكون له حَد مناسب للذنب المعاقب عليه بلا إفراط ولا تفريط، فالإفراط في البطش استخفاف بحقوق الخلق.
وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات.... " الحديث. ووقع فعل {بطشتم} الثاني جواباً ل {إذا} وهو مرادف لفعل شرطها، لحصول الاختلاف بين فعل الشرط وفعل الجواب بالعموم والخصوص كما تقدم في قوله تعالى: {وإذا مرّوا باللّغو مرّوا كراماً} في سورة الفرقان (72) وإنما يقصد مثل هذا النظم لإفادة الاهتمام بالفعل إذ يحصل من تكريره تأكيد مدلوله.
{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135)}
لما أفاد الاستفهام في قوله: {أتبنون بكل رِيع آية} [الشعراء: 128] معنى الإنكار على ما قارن بناءهم الآيات واتخاذهم المصانع وعلى شدتهم على الناس عند الغضب فرع عليه أمرُهم باتقاء الله، وحصل مع ذلك التفريع تكرير جملة الأمر بالتقوى والطاعة.
وحذفُ ياء المتكلم من {أطيعون} كحذفها في نظيرها المتقدم. وأعيد فعل {واتقوا} وهو مستغنى عنه لو اقتصر على الموصول وصفاً لاسم الجلالة لأن ظاهر النظم أن يقال: فاتقوا الله الذي أمّدكم بما تعلمون، فعُدل عن مقتضى الظاهر وبني الكلام على عطف الأمر بالتقوى على الأمر الذي قبله تأكيداً له واهتماماً بالأمر بالتقوى مع أن ما عرض من الفصل بين الصفة والموصوف بجملة {وأطيعون} قضى بأن يعاد اتصال النظم بإعادة فعل {اتقوا}.
وإنما أتي بفعل {اتقوا} معطوفاً ولم يؤت به مفصولاً لما في الجملة الثانية من الزيادة على ما في الجملة الأولى من التذكير بإنعام الله عليهم، فعلق بفعل التقوى في الجملة الأولى اسمُ الذات المقدسة للإشارة إلى استحقاقه التقوى لذاته، ثم علق بفعل التقوى في الجملة الثانية اسمُ الموصول بصلته الدالة على إنعامه للإشارة إلى استحقاقه التقوى لاستحقاقه الشكر على ما أنعم به.
وقد جاء في ذكر النعمة بالإجمال الذي يُهَيِّئ السامعين لتلقّي ما يرد بعده فقال: {الذي أمدكم بما تعلمون} ثم فُصِّل بقوله: {أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون} وأعيد فعل {أمدّكم} في جملة التفصيل لزيادة الاهتمام بذلك الإمداد فهو للتوكيد اللفظي. وهذه الجملة بمنزلة بدل البعض من جملة {أمدكم بما تعلمون} فإن فعل {أمدّكم} الثاني وإن كان مساوياً ل {أمدكم} الأول فإنما صار بدلاً منه باعتبار ما تعلق به من قوله: {بأنعام وبنين} إلخ الذي هو بعض ممّا تعلمون. وكلا الاعتبارين التوكيد والبدل يقتضي الفصل، فلأجله لم تعطف الجملة.
وابتدأ في تعداد النعم بذكر الأنعام لأنها أجلّ نعمة على أهل ذلك البلد، لأن منها أقواتَهم ولباسهم وعليها أسفارهم وكانوا أهلَ نُجعة فهي سبب بقائهم، وعطف عليها البنين لأنهم نعمة عظيمة بأنها أنسهم وعونهم على أسباب الحياة وبقاء ذكرهم بعدهم وكثرة أمتهم، وعطف الجنات والعيون لأنها بها رفاهية حالهم واتساع رزقهم وعيش أنعامهم.
وجملة: {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} تعليل لإنكار عدم تقواهم وللأمر بالتقوى، أي أخاف عليكم عذاباً إن لم تتقوا، فإن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده.
والعذاب يجوز أن يريد به عذاباً في الدنيا توعدهم الله به على لسانه، ويجوز أن يريد به عذاب يوم القيامة.
ووصف {يوم} ب {عظيم} على طريقة المجاز العقلي، أي عظيم ما يحصل فيه من الأهوال.
{قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)}
أجابوا بتأييسه من أن يقبلوا إرشادَه فجعلوا وعظهُ وعدمه سواء، أي هما سواء في انتفاء ما قصده من وعظه وهو امتثالهم.
والهمزة للتسوية. وتقدم بيانها عند قوله: {سواءٌ عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} في سورة البقرة (6).
والوعظ: التخويف والتحذير من شيء فيه ضر، والاسم الموعظة. وتقدم في قوله: {وهدى وموعظة للمتقين} في سورة العقود (46).
ومعنى: {أم لم تكن من الواعظين} أم لم تكن في عداد الموصوفين بالواعظين، أي لم تكن من أهل هذا الوصف في شيء، وهو أشدّ في نفي الصفة عنه من أن لو قيل: أم لم تَعظ، كما تقدم في قوله تعالى: {قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} في سورة البقرة (67)، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى: {وما أنا من المهتدين} في سورة الأنعام (56)، وتقدم آنفاً قوله في قصة نوح {لتكونَنَّ من المرجومين} [الشعراء: 116].
وجملة: {إن هذا إلا خلق الأولين} تعليل لمضمون جملة: {سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين}، أي كان سواءً علينا فلا نتَّبع وعظَك لأن هذا خلق الأولين. والإشارة ب {هذا} إلى شيء معلوم للفريقين حاصل في مقام دعوة هود إياهم، وسيأتي بيانه.
وقوله: {خلق الأولين} قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة وعاصم وخلَف بضم الخاء وضم اللام. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر ويعقوبُ بفتح الخاء وسكون اللام.
فعلى قراءة الفريق الأول {خُلُقُ} بضمتين، فهو السجية المتمكنة في النفس باعثة على عمل يناسبها من خير أو شر وقد فُسّر بالقوى النفسية، وهو تفسير قاصر فيشمل طبائع الخير وطبائع الشر، ولذلك لا يُعرَف أحدُ النوعين من اللفظ إلا بقيد يضم إليه فيقال: خُلُق حسَن، ويقال في ضده: سوء خُلُق، أو خُلُق ذميم، قال تعالى: {وإنك لعلى خُلُق عظيم} [القلم: 4]. وفي الحديث: " وخَالِققِ الناسَ بخُلُق حسن "
فإذا أطلق عن التقييد انصرف إلى الخُلُق الحسن، كما قال الحريري في «المقامة التاسعة» «وخُلُقي نعم العَون، وبيني وبينَ جاراتي بَوْن» أي في حسن الخلق.
والخلق في اصطلاح الحكماء: ملكة (أي كيفية راسخة في النفس أي متمكنة من الفكر) تصدر بها عن النفس أفعال صاحبها بدون تأمل.
فخلق المرء مجموع غرائز (أي طبائع نفسية) مؤتلفة من انطباع فكري: إما جبليّ في أصل خلقته، وإما كسبي ناشئ عن تمرّن الفكر عليه وتقلُّده إياه لاستحسانه إياه عن تجربة نفعه أو عن تقليد ما يشاهده من بواعث محبة ما شاهد. وينبغي أن يسمى اختياراً من قول أو عمل لذاته، أو لكونه مِن سيرة من يُحبه ويقتدي به ويسمى تقليداً، ومحاولته تسمى تخلقاً. قال سالم بن وابصة:
عليك بالقصيد فيما أنتَ فاعله *** إن التخلُّق يأتي دونَه الخُلُق
فإذا استقر وتمكن من النفس صار سجية له يجري أعماله على ما تمليه عليه وتأمره به نفسه بحيث لا يستطيع ترك العمل بمقتضاها، ولو رام حملَ نفسه على عدم العمل بما تمليه سجيته لاستصغر نفسه وإرادته وحقر رأيه. وقد يتغير الخلق تغييراً تدريجياً بسبب تجربة انجرار مضرة من داعيه، أو بسبب خوف عاقبة سيئة من جرّائه بتحذيرِ مَن هو قدوة عنده لاعتقاد نصحه أو لخوف عقابه. وأول ذلك هو المواعظ الدينية.
ومعنى الآية على هذا يجوز أن يكون المحكيُّ عنهم أرادوا مدحاً لما هم عليه من الأحوال التي أصروا على عدم تغييرها فيكون أرادوا أنها خُلُق أسلافهم وأسوتهم فلا يقبلوا فيه عذلاً ولا ملاماً، كما قال تعالى عن أمثالهم {تريدون أن تصدّونا عما كان يعبد آباؤنا} [إبراهيم: 10]. فالإشارة تنصرف إلى ما هم عليه الذي نهاهم عنه رسولُهم.
ويجوز أن يكونوا أرادوا ما يَدعو إليه رسولهم: أي ما هو إلا من خلُق أناس قبله، أي من عقائدهم وما راضوا عليه أنفسهم وأنه عبر عليها وانتحلها، أي ما هو بإذن من الله تعالى كما قال مشركو قريش {إنْ هذا إلا أساطير الأولين} [الأنعام: 25] والإشارة إلى ما يدعوهم إليه.
وأما على قراءة الفريق الثاني فالخَلْق بفتح الخاء وسكون اللام مصدر هو الإنشاء والتكوين، والخلق أيضاً مصدر خلق، إذا كذب في خبره، ومنه قوله تعالى: {وتخلُقون إفكاً} [العنكبوت: 17]. وتقول العرب: حدثنا فلان بأحاديث الخَلْق وهي الخرافات المفتعلة، ويقال له: اختلاق بصيغة الافتعال الدالة على التكلف والاختراع، قال تعالى: {إن هذا إلاّ اختلاق} [ص: 7] وذلك أن الكاذب يخلُق خبراً لم يقع.
فيجوز أن يكون المعنى أن ما تزعمه من الرسالة عن الله كذب وما تخبرنا من البعث اختلاق، فالإشارة إلى ما جاء به صالح.
ويجوز أن يكون المعنى أنَّ حياتنا كحياة الأولين نحيا ثم نموت، فالكلام على التشبيه البليغ وهو كناية عن التكذيب بالبعث الذي حذرهم جزاءَه في قوله: {إني أخاف عليكم عَذابَ يوم عظيم} [الشعراء: 135] يقولون: كما مات الأولون ولم يبعث أحد منهم قط فكذلك نحيا نحن ثم نموت ولا نبعث. وهذا كقول المشركين {ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} [الجاثية: 25] فالإشارة في قوله: {إن هذا إلا خلق الأولين} إلى الخَلق الذي هم عليه كما دل عليه المستنثى. فهذه أربعة معان واحد منها مدح، واثنان ذم، وواحد ادعاء.
وجملة: {وما نحن بمعذبين} على المعاني الأوللِ والثاني والثالِث عطف على جملة {إن هذا إلا خلق الأولين} عطف مغاير.
وعلى المعنى الرابع عطفُ تفسير لقولهم {إن هذا إلا خلق الأولين} تصريحاً بعد الكناية. والقصر قصْر إضافي على المعاني كلها.
ولا شك أن قوم صالح نطقوا بلغتهم جملاً كثيرة تنحل إلى هذه المعاني فجمعها القرآن في قوله: {إن هذا إلا خلق الأولين} باحتمال اسم الإشارة واختلاف النطق بكلمة خُلق فللَّه إيجازه وإعجازه.
والفاء في {فكذبوه} فصيحة، أي فتبيّن أنهم بقولهم: سواء علينا ذلك أوعظت الخ قد كذبوه فأهلكناهم.
وقوله: {إن في ذلك لآية} إلى آخره هو مثل نظيره في قصة نوح.
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145)}
موقع هذه الجملة استئناف تَعداد وتكرير كما تقدم في قوله: {كذبت عاد المرسلين} [الشعراء: 123]. والكلام على هذه الآيات مثلُ الكلام على نظيرها في قصة قوم نوح، وثمود قد كذّبوا المرسلين لأنهم كذبوا صالحاً وكذبوا هوداً لأن صالحاً وعظهم بعاد في قوله: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد} في سورة الأعراف (74) وبتكذيبهم كذبوا بنوح أيضاً، لأن هوداً ذَكَّر قومه بمصير قوم نوح في آية {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} [الأعراف: 69].
وتقدم ذكر ثمود وصالح عند قوله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحاً} في سورة الأعراف (73)، وكان صالح معروفاً بالأمانة لأنه لا يرسل رسول إلا وهو معروف بالفضائل {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} [الأنعام: 124] وقد دل على هذا المعنى قولهم {إنما أنت من المسحَّرين} [الشعراء: 153] المقتضي تغيير حاله عما كان عليه وهو ما حكاه الله عن قومه {قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا} في سورة هود (62). وحذف ياء المتكلم من أطيعون} هو مثل نظائره المتقدمة آنفاً.
{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)}
كانوا قد أعرضوا عن عبادة الله تعالى، وأنكروا البعث وغرّهم أيمة كفرهم في ذلك فجاءهم صالح عليه السلام رسولاً يذكّرهم بنعمة الله عليهم بما مكن لهم من خيرات، وما سخر لهم من أعمال عظيمة، ونُزل حالهم منزلة من يظن الخلود ودوام النعمة فخاطبهم بالاستفهام الإنكاري التوبيخي وهو في المعنى إنكار على ظنهم ذلك، وسلط الإنكار على فعل الترك لأن تركهم على تلك النعم لا يكون. فكان إنكار حصوله مستلزماً إنكار اعتقاده.
وهذا الكلام تعليل للإنكار الذي في قوله: {ألا تتقون} [الشعراء: 142] لأن الإنكار عليهم دوامَ حالهم يقتضي أنهم مفارقون هذه الحياة وصائرون إلى الله.
وفيه حثّ على العمل لاستبقاء تلك النعم بأن يشكروا الله عليها كما قال صاحب «الحِكم» «من لم يشكر النعم فقد تعرَّض لزوالها ومن شكرها فقد قيّدها بعقالها».
و {هاهنا} إشارة إلى بلادهم، أي في جميع ما تشاهدونه، وهذا إيجاز بديع. و{آمنين} حال مبينة لبعض ما أجملهُ قوله: {فيما هاهنا}. وذلك تنبيه على نعمة عظيمة لا يدل عليها اسم الإشارة لأنها لا يشار إليها وهي نعمة الأمن التي هي من أعظم النعم ولا يُتذوَّق طعمُ النعم الأخرى إلا بها.
وقوله: {في جنات} ينبغي أن يعلَّق ب {آمنين} ليكون مجموع ذلك تفصيلاً لإجمال اسم الإشارة، أي اجتمع لهم الأمن ورَفاهية العيش. والجنات: الحوائط التي تشجر بالنخيل والأعناب.
والطَّلْع: وعاء يطلع من النخل فيه ثمر النخلة في أول أطواره يخرج كنصل السيف في باطنه شماريخ القِنْو، ويسمى هذا الطلع الكِمَّ (بكسر الكاف) وبعد خروجه بأيام ينفلق ذلك الوعاء عن الشماريخ وهي الأغصان التي فيها الثمر كحَب صغير، ثم يغلظ ويصير بُسراً ثم تَمْراً.
والهضيم: بمعنى المهضوم، وأصل الهضم شدخ الشيء حتى يلين، واستعير هنا للدقيق الضامر، كما يقال: امرأة هضيم الكَشح. وتلك علامة على أنه يخرج تمراً جيّداً. والنخل الذي يثمر تمراً جيداً يقال له: النخل الإناث وضده فَحاحِيل، وهي جمع فُحَّال (بضم الفاء وتشديد الحاء المهملة) أي ذكر، وطلعه غليظ وتمره كذلك.
وخُصّ النخل بالذكر مع أنه مما تشمله الجنات لقصد بيان جودته بأن طلعه هضيم.
و {تنحتون} عطف على {آمنين}، أي وناحتين، عبر عنه بصيغة المضارع لاستحضار الحالة في نحتهم بيوتاً من الجبال. وتقدم ذلك في سورة الأعراف.
و {فَرِهِين} صيغة مبالغة في قراءة الجمهور بدون ألف بعد الفاء، مشتق من الفراهة وهي الحذق والكياسة، أي عارفين حذقين بنحت البيوت من الجبال بحيث تصير بالنحت كأنها مبنية. وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف {فارهين} بصيغة اسم الفاعل.
وقوله: {فاتقوا الله وأطيعون} مفرع مثل نظيره في قصة عاد.
والمراد ب {المسرفين} أيمة القوم وكبراؤهم الذين يُغْرَونهم بعبادة الأصنام ويبقونهم في الضلالة استغلالاً لجهلهم وليسخروهم لفائدتهم.
والإسراف: الإفراط في شيء، والمراد به هنا الإسراف المذموم كله في المال وفي الكفر، ووصفهم بأنهم {يفسدون في الأرض}، فالإسراف منوط بالفساد.
وعطف {ولا يصلحون} على جملة: {يفسدون في الأرض} تأكيد لوقوع الشيء بنفي ضده مثل قوله تعالى: {وأضلّ فرعون قومَه وما هدَى} [طه: 79] وقول عَمرو بن مرة الجُهني:
النسبُ المعروفُ غيرُ المنكَرِ *** يفيد أن فسادهم لا يشوبه صلاح؛ فكأنه قيل: الذين إنما هم مفسدون في الأرض، فعدل عن صيغة القصر لئلا يحتمل أنه قصر مبالغة لأن نفي الإصلاح عنهم يؤكد إثبات الإفساد لهم، فيتقرر ذلك في الذهن، ويتأكد معنى إفسادهم بنفي ضده كقول السموأل أو الحارثي:
تسيل على حدّ الظبات نفوسنا *** وليستْ على غير الظبات تسيل
والتعريف في {الأرض} تعريف العهد.
{قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154)}
أجابوا موعظته بالبهتان فزعموه فقد رُشده وتغير حاله واختلقوا أن ذلك من أثر سِحر شديد. فالمسحَّر: اسم مفعول سَحَّره إذا سَحَره سحراً متمكناً منه، و{من المسحَّرين} أبلغ في الاتصاف بالتسحير من أن يقال: إنما أنت مسحَّر كما تقدم في قوله: {لتكونَنَّ من المرجومين} [الشعراء: 116].
ولمّا تضمن قولهم: {إنما أنت من المسحّرين} تكذيبهم إياه أيدوا تكذيبه بأنه بشر مثلهم. وذلك في زعمهم ينافي أن يكون رسولاً من الله لأن الرسول في زعمهم لا يكون إلا مخلوقاً خارقاً للعادة كأن يكون ملَكاً أو جِنّيّاً. فجملة: {ما أنت إلا بشر مثلنا} في حكم التأكيد بجملة: {إنما أنت من المسحّرين} باعتبار مضمون الجملتين.
وفرعوا على تكذيبه المطالبةَ بأن يأتي بآية على صدقه، أي أن يأتي بخارق عادة يدل على أن الله صدقه في دعوى الرسالة عنه. وفرضوا صدقه بحرف {إنْ} الشرطية الغالب استعمالها في الشّك.
ومعنى {من الصادقين} من الفئة المعروفين بالصدق يعنون بذلك الرسل الصادقين لدلالته على تمكن الصدق منه، كما تقدم في قوله: {من المرجومين} [الشعراء: 116].
{قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)}
اسم الإشارة إلى ناقة جعلها لهم آية. وتقدم خبر هذه الناقة في سورة هود، وذكر أن صالحاً جعل لها شِرباً، وهو بكسر الشين وسكون الراء: النوبة في الماء، للناقة يوماً تشرب فيه لا يزاحمونها فيه بأنعامهم. والكلام على {عذاب يوم عظيم} نظير الكلام على نظيره في قصة عاد ورسولهم.
وأصبحوا نادمين لما رأوا أشراط العذاب الذي توعدهم به صالحٌ ولذلك لم ينفعهم الندم لأن العذاب قد حلّ بهم سريعاً، فلذلك عطف بفاء التعقيب على {نادمين فأخذهم العذاب}.
وتقدم نظير قوله: {إن في ذلك لآية} الآية.
{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164)}
القول في موقعها كالقول في سابقتها، والقول في تفسيرها كالقول في نظيرتها.
وجُعل لوط أخاً لقومه ولم يكن من نسبهم وإنما كان نزيلاً فيهم، إذ كان قوم لوط من أهل فلسْطين من الكنعانيين، وكان لوط عبرانياً وهو ابن أخي إبراهيم ولكنه لما استوطن بلادهم وعاشر فيهم وحالفهم وظاهرهم جعل أخاً لهم كقول سحيم عبد بني الحسحاس:
أخوكم ومولى خيركم وحليفكم *** ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا
يعني نفسه يخاطب مَواليه بني الحسحاس. وقال تعالى في الآية الأخرى {وإخوانُ لوط} [ق: 13]. وهذا من إطلاق الأُخوّة على ملازمة الشيء وممارسته كما قال:
أخور الحرب لباساً إليها جِلاَلها *** إذا عَدِموا زاداً فإنك عاقر
وقوله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوانَ الشياطين} [الإسراء: 27].
{أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)}
هو في الاستئناف كقوله {أتتركون} [الشعراء: 146] في قصة ثمود. والإتيان: كناية. والذكران: جمع ذَكر وهو ضد الأنثى. وقوله: {من العالمين} الأظهر فيه أنه في موضع الحال من الواو في {أتأتون}. و{مِن} فَصْلية، أي تفيد معنى الفصل بين متخالفَين بحيث لا يماثل أحدهما الآخر. فالمعنى: مفصولين من العَالمين لا يماثلكم في ذلك صنف من العالمين. وهذا المعنى جوزه في «الكشاف» ثانياً وهو أوفق بمعنى: {العالمين} الذي المختار فيه أنه جمع (عالَم) بمعنى النوع من المخلوقات كما تقدم في سورة الفاتحة.
وإثبات معنى الفصل لحرف {مِن} قاله ابن مالك، ومثَّل بقوله تعالى: {والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220]، وقوله: {لِيَمِيزَ الله الخبيثَ من الطيب} [الأنفال: 37]. ونظر فيه ابن هشام في «مغني اللبيب» وهو معنى رشيق متوسط بين معنى الابتداء ومعنى البدلية وليس أحدهما. وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى {والله يعلم المفسد من المصلح} في سورة البقرة (220).
والمعنى: أتأتون الذكران مخالفين جميع العالمين من الأنواع التي فيها ذكور وإناث فإنها لا يوجد فيها ما يأتي الذكور.
فهذا تنبيه على أن هذا الفعل الفظيع مخالف للفطرة لا يقع من الحيوان العُجْم فهو عمل ابتدعوه ما فعله غيرهم، ونحوه قوله تعالى في الآية الأخرى {إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} [العنكبوت: 28].
والمراد بالأزواج: الإناث من نوع، وإطلاق اسم الأزواج عليهن مجاز مرسل بعلاقة الأول، ففي هذا المجاز تعريض بأنه يرجو ارعِوَاءهم.
وفي قوله: {ما خلق لكم ربكم} إيماء إلى الاستدلال بالصلاحية الفطرية لعمَللٍ على بطلان عمل يضاده، لأنه مناف للفطرة. فهو من تغيير الشيطان وإفساده لسنة الخلق والتكوين، قال تعالى حكاية عنه {ولآمُرنَّهم فَليُغَيِّرُن خَلْق الله} [النساء: 119].
و {بل} لإضراب الانتقال من مقام الموعظة والاستدلال إلى مقام الذم تغليظاً للإنكار بعد لينه لأن شرف الرسالة يقتضي الإعلان بتغيير المنكر والأخذ بأصرح مراتب الإعلان فإنه إن استطاع بلسانه غليظ الإنكار لا ينزل منه إلى لَيِّنه وأنه يبتدئ باللين فإن لم ينفع انتقل منه إلى ما هو أشد ولذلك انتقل لوط من قوله: {أتأتون الذكران} إلى قوله: {بل أنتم قوم عادون}.
وفي الإتيان بالجملة الاسمية في قوله: {أنتم قوم عادون} دون أن يقول: بل كنتم عادين، مبالغة في تحقيق نسبة العدوان إليهم. وفي جعل الخبر {قوم عادون} دون اقتصار على {عَادون} تنبيه على أن العدوان سجية فيهم حتى كأنه من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله تعالى: {لآيات لقوم يعقلون} في سورة البقرة (164).
والعادي: هو الذي تجاوز حدّ الحق إلى الباطل، يقال: عدا عليه، أي ظلمه، وعدوانهم خروجهم عن الحد الموضوع بوضع الفطرة إلى ما هو مناف لها محفوف بمفاسد التغيير للطبع.
{قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173)}
قولهم كقول قوم نوح لنوح إلا أن هؤلاء قالوا: {لتكونَنّ من المخرَجين} فهدّدوه بالإخراج من مدينتهم لأنه كان من غير أهل المدينة بل كان مهاجراً بينهم وله صهر فيهم.
وصيغة {من المخرجين} أبلغ من: لنُخرجنك، كما تقدم في قوله: {لتكونن من المرجومين} [الشعراء: 116]. وكان جواب لوط على وعيدهم جواب مستخفّ بوعيدهم إذ أعاد الإنكار قال: {إني لعملكم من القالين} أي من المبغضين. وقوله: {من القالين} أبلغ في الوصف من أن يقول: إني لِعَمَلكم قاللٍ، كما تقدم في قوله تعالى: {قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} في سورة البقرة (67). وذلك أكمل في الجناس لأنه يكون جناساً تامّاً فقد حصل بين {قال} وبين {القالين} جناس مذيَّل ويسمَّى مطرَّفاً.
وأقبل على الدعاء إلى الله أن ينجيه وأهله مما يعمَل قومُه، أي من عذاب ما يعملونه فلا بدّ من تقدير مضاف كما دل عليه قوله: {فنجيناه}. ولا يحسن جعل المعنى: نجّني من أن أعمل عملهم، لأنه يفوت معه التعريض بعذاب سيحل بهم. والقصة تقدمت في الأعراف وفي هود والحِجْر.
والفاء في قوله: {فنجيناه} للتعقيب، أي كانت نجاته عقب دعائه حسبما يقتضي ذلك من أسرع مدةٍ بين الدعاء وأمرِ الله إياه بالخروج بأهله إلى قرية «صوغر».
والعجوز: المرأة المسنة وهي زوج لوط، وقوله: {في الغابرين} صفة {عجوزاً}.
والغابر: المتصف بالغبور وهو البقاء بعد ذهاب الأصحاب أو أهل الخيل، أي باقية في العذاب بعد نجاة زوجها وأهله وهي مستثناة من {وأهله أجمعين}. وذلك أنها لحقها العذاب من دون أهلها فكان صفة لها. وقد تقدم ذلك في قصتهم في سورة هود.
و {ثم} للتراخي الرتبي لأن إهلاك المكذبين أجدَر بأن يذكر في مقام الموعظة من ذكر إنجاء لوط المؤمنين.
والتدمير: الإصابة بالدمار وهو الهلاك، وذلك أنهم استؤصلوا بالخسف وإمطار الحجارة عليهم.
والمطر: الماء الذي يسقط من السحاب على الأرض. والإمطار: إنزال المطر، يقال: أمطرت السماء. وسمي ما أصابهم من الحجارة مطراً لأن نزل عليهم من الجو. وقيل هو من مقذوفات براكين في بلادهم أثارتها زلازل الخسف فهو تشبيه بليغ.
و (سَاء) فعل ذمَ بمعنى بئس. وفي قوله: {المنذرين} تسجيل عليهم بأنهم أُنذروا فلم ينتذروا.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)}
أي في قصتهم المعلومة للمشركين آية، قال تعالى: {وإنكم لَتَمُرُّون عليهم مُصْبِحين وبالليل أفلا تعقلون} [الصافات: 137، 138] وتقدم القول في نظيره آنفاً.
{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180)}
استئنافُ تعدادٍ وتكرير كما تقدم في جملة: {كذبت عادٌ المرسلين} [الشعراء: 123]. ولم يقرن فعل {كذب} هذا بعلامة التأنيث لأن {أصحاب} جمعُ صاحب وهو مذكر معنىً ولفظاً بخلاف قوله: {كذبت قوم لوط} [الشعراء: 160] فإن (قوم) في معنى الجماعة والأمة كما تقدم في قوله: {كذبت قوم نوح المرسلين} [الشعراء: 105].
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر {لَيْكَةَ} بلام مفتوحة بعدها ياء تحتية ساكنة ممنوعاً من الصرف للعلمية والتأنيث. وقرأه الباقون {الأيكة} بحرف التعريف بعده همزة مفتوحة وبجر آخره على أنه تعريف عهد لأَيكةٍ معروفة. والأيكة: الشجر الملتف وهي الغيضة. وعن أبي عبيد: رأيتها في الإمام مصحف عثمان رضي الله عنه في الحِجر وق {الأيكة} وفي الشعراء وص {لَيكة} واجتمعت مصاحف الأمصار كلها بعد ذلك ولم تختلف.
وأصحاب لَيكة: هم قوم شعيب أو قبيلة منهم. قالوا: وكانت غيضتهم من شجر المُقْل (بضم الميم وسكون القاف وهو النبق) ويقال له الدَّوم (بفتح الدال المهملة وسكون الواو).
وإفرادها بتاء الوحدة على إرادة البقعة واسم الجمع: أيك، واشتهرت بالأيكة فصارت علماً بالغلبة معرفاً باللام مثل العَقبة. ثم وقع فيه تغيير ليكون علماً شخصياً فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على لام التعريف وتنوسي معنى التعريف باللام. وعن الزجاج: جاء في التفسير أن اسم المدينة التي أرسل إليها شعيب كان ليكة. وعن أبي عبيد: وجدنا في بعض كتب التفسير أن لَيْكة اسم القرية والأيكة البلاد كلها كمكة وبَكة. وهذا من التغيير لأجل التسمية، كما سموا شُمْساً بضم الشين ليكون علماً وأصله الشمس علماً بالغلبة. والتغيير لأجل النقل إلى العلمية وارد بكثرة، ذكره ابن جنّي في «شرح مشكل الحماسة» عند قول تأبط شراً:
إني لمُهْدٍ من ثنائي فقاصد *** به لابن عم الصدق شُمْس بن مالك
وذكره في «الكشاف» في سورة أبي لهب. وقد تقدم بيانه عند الكلام على البسملة قبل سورة الفاتحة، فلما صار اسم ليكة علماً على البلاد جاز منعه من الصرف لذلك، وليس ذلك لمجرد نقل حركة الهمزة على اللام كما توهمه النحّاس، ولا لأن القراءة اغترار بخط المصحف كما تعسّفه صاحب «الكشاف» على عادته في الاستخفاف بتوهيم القراء، وقد علمتم أن الاعتماد في القراءات على الرواية قبل نسخ المصاحف كما بيناه في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير فلا تتبعوا الأوهام المخطئة.
وقد اختلف في أن أصحاب ليكة هم مدين أو هم قوم آخرون ساكنون في ليكة جوار مدين أرسل شعيب إليهم وإلى أهل مدين. وإلى هذا مال كثير من المفسرين. روى عبد الله بن وهب عن جبير بن حازم عن قتادة قال: أُرسل شعيب إلى أمتين: إلى قومه من أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة.
وقال جابر بن زيد: أرسل شعيب إلى قومه أهل مدين وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة. وفي «تفسير ابن كثير»: روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة بسنده إلى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً النبي "، وقال ابن كثير: هذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أنه موقوف. وروى ابن جريج عن ابن عباس أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين. والأظهر أن أهل الأيكة قبيلة غير مدين فإن مدين هم أهل نسب شعيب وهم ذرية مَدين بن إبراهيم من زوجه «قطورة» سكَن مدينُ في شرق بلد الخليل كما في التوراة، فاقتضى ذلك أنه وجده بلَداً مأهولاً بقوم فهم إذن أصحاب الأيكة فبنى مدين وبنُوه المدينةَ وتركوا البادية لأهلها وهم سكان الغيضة.
والذي يشهد لذلك ويرجحه أن القرآن لمَّا ذكرَ هذه القصةَ لأهل مدين وصف شعيباً بأنه أخوهم، ولما ذكرها لأصحاب ليكة لم يصف شعيباً بأنه أخوهم إذ لم يكن شعيب نسيباً ولا صهراً لأصحاب ليكة، وهذا إيماء دقيق إلى هذه النكتة. ومما يرجح ذلك قوله تعالى في سورة الحجر (78، 79) {وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين}، فجعل ضميرهم مثنى باعتبار أنهم مجموع قبيلتين: مدين وأصحاب ليكة. وقد بيّنّا ذلك في سورة الحجر. وإنما تُرسل الرسل من أهل المدائن قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يُوحَى إليهم من أهل القرى} [يوسف: 109] وتكون الرسالة شاملة لمن حول القرية.
وافتتح شعيب دعوته بمثل دعوات الرسل من قبله للوجه الذي قدمناه.
وشمل قوله: {ألا تتقون} النهي عن الإشراك فقد كانوا مشركين كما في آية سورة هود.
{أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183)}
استئناف من كلامه انتقل به من غرض الدعوة الأصلية بقوله: {ألا تَتّقون} [الشعراء: 177] إلى آخره إلى الدعوة التفصيلية بوضع قوانين المعاملة بينهم، فقد كانوا مع شركهم بالله يطفّفون المكيال والميزان ويبخسون أشياء الناس إذا ابتاعوها منهم، ويفسدون في الأرض. فأما تطفيف الكيل والميزان فظلمٌ وأكل مال بالباطل، ولما كان تجارهم قد تمالؤوا عليه اضطر الناس إلى التبايع بالتطفيف.
و {أوفوا} أمر بالإيفاء، أي جعل الشيء وافياً، أي تاماً، أي اجعلوا الكيل غير ناقص. والمُخْسِر: فاعل الخسارة لغيره، أي المُنقص، فمعنى {ولا تكونوا من المخسرين} لا تكونوا من المطفّفين. وصوغ {من المخسرين} أبلغ من: لا تكونوا مُخسرين. لأنه يدل على الأمر بالتبرُّؤ من أهل هذا الصنيع، كما تقدم آنفاً في عدة آيات منها قوله: {لتكونَنَّ من المرجومين} [الشعراء: 116] في قصة نوح.
والقُسطاس: بضم القاف وبكسرها من أسماء العدل، ومن أسماء الميزان، وتقدم في قوله تعالى: {وزِنُوا بالقسطاس المستقيم ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً} في سورة الإسراء (35)، حمل على المعنيين هنا كما هنالك وإن كان الوصف ب {المستقيم} يرجح أن المقصود به الميزان، وتقدم تفصيل ما يرجع إليه هذا التشريع في قصته في الأعراف.
وقرأ الجمهور: {بالقُسطاس} بضم القاف. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخَلَفٌ بكسر القاف.
وبخس أشياء الناس: غبن منافعها وذمُّها بغير ما فيها ليضطروهم إلى بيعها بغبن. وأما الفساد فيقع على جميع المعاملات الضارة.
والبخس: النقص والذم. وتقدم في قوله: {ولا يبخس منه شيئاً} في سورة البقرة (282) ونظيره في سورة الأعراف. وقد تقدم نظير بقية الآية في سورة هود. ومن بخس الأشياء أن يقولوا للذي يعرض سلعة سليمة للبيع: إن سلعتك رديئة، ليصرف عنها الراغبين فيشتريها برُخص.
{وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184)}
أكد قوله في صدر خطابه {فاتقوا الله} [الشعراء: 179] بقوله هنا: {واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين} وزاد فيه دليل استحقاقه التقوى بأن الله خلقهم وخلق الأمم من قبلهم، وباعتبار هذه الزيادة أُدخل حرف العطف على فعل {اتقوا} ولو كان مجرد تأكيدٍ لم يصح عطفه. وفي قوله: {الذي خلقكم} إيماء إلى نبذ اتقاء غيره من شركائهم.
و {الجبلة}: بكسر الجيم والباء وتشديد اللام: الخلقة، وأريد به المخلوقات لأن الجبلة اسم كالمصدر ولهذا وصف ب {الأولين}. وقيل: أطلق الجبلة على أهلها، أي وذوي الجبلة الأولين. والمعنى: الذي خلقكم وخلق الأمم قبلكم.
{قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188)}
نفوا رسالته عن الله كناية وتصريحاً فزعموه مسحوراً، أي مختل الإدراك والتصورات من جرّاء سحر سُلط عليه. وذلك كناية عن بطلان أن يكون ما جاء به رسالة عن الله. وفي صيغة {من المسحّرين} من المبالغة ما تقدم في قوله: {من المرجومين} [الشعراء: 116] {من المسحَّرين} [الشعراء: 153] {من المخرجين} [الشعراء: 167].
والإتيانُ بواو العطف في قوله: {وما أنت إلا بشر مثلنا} يجعل كونه بشراً إبطالاً ثانياً لرسالته. وترك العطف في قصة ثمود يجعل كونه بشراً حجة على أن ما يصدر منه ليس وحياً على الله بل هو من تأثير كونه مسحوراً. فمآل معنيي الآيتين متّحد ولكن طريق إفادته مختلف وذلك على حسب أسلوب الحكايتين.
وأطلق الظن على اليقين في {وإن نظنك لمن الكاذبين} وهو إطلاق شائع كقوله: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} [البقرة: 46]، وقرينته هنا دخول اللام على المفعول الثاني ل (ظَنَّ) لأن أصلها لام قسم.
و {إنْ} مخففة من الثقيلة، واللام في {لَمِن الكاذبين} اللامُ الفارقة، وحقها أن تدخل على ما أصله الخبر فيقال هنا مثلاً: وإن أنت لَمن الكاذبين، لكن العرب توسعوا في المخففة فكثيراً ما يدخلونها على الفعل الناسخ لشدة اختصاصه بالمبتدأ والخبَر فيجتمع في الجملة حينئذ ناسخان مثل قوله تعالى: {وإن كانت لكبيرة} [البقرة: 143] وكان أصل التركيب في مثله: ونظنّ أنك لمن الكاذبين، فوقع تقديم وتأخير لأجل تصدير حرف التوكيد لأن (إنّ) وأخواتها لها صدر الكلام ما عدا (أنّ) المفتوحة. وأحسب أنهم ما يخفّفون (إنّ) إلا عند إرادة الجمع بينها وبين فعل من النواسخ على طريقة التنازع، فالذي يقول: إنْ أظنك لخائفاً، أراد أن يقول: أظن إنَّك لخائف، فقدم (إنَّ) وخففها وصيّر خبرها مفعولاً لفعل الظن، فصار: إنْ أظنّك لخائفاً، والكوفيون يجعلون {إنْ} في مثل هذا الموقع حرف نفي ويجعلون اللام بمعنى (إلاَّ).
والآمر في {فأسقط} أمر تعجيز.
والكِسْف بكسر الكاف وسكون السين في قراءة من عدا حفصاً: القطعة من الشيء. وقال في «الكشاف»: هو جمع كِسْفة مثل قِطْع وسِدْر. والأول أظهر، قال تعالى: {وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً} [الطور: 44].
وقرأ حفص {كِسَفاً} بكسر الكاف وفتح السين على أنه جمع كسف كما في قوله: {أو تُسْقِطَ السماء كما زعمت علينا كِسَفاً}، وقد تقدم في سورة الإسراء (92).
وقولهم: إن كنتَ من الصادقين} كقول ثمود: {فأتتِ بآية إنْ كنتَ من الصادقين} [الشعراء: 154] إلا أنّ هؤلاء عينوا الآية فيحتمل أن تعيينها اقتراح منهم، ويحتمل أن شعيباً أنذرهم بكِسف يأتي فيه عذاب. وذلك هو يوم الظّلّة المذكور في هذه الآية، فكان جواب شعيب بإسناد العلم إلى الله فهو العالم بما يستحقونه من العذاب ومقداره. و{أعلم} هنا مبالغة في العالم وليس هو بتفضيل.
{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189)}
{الظُّلة}: السحابة، كانت فيها صواعق متتابعة أصابتهم فأهلكتهم كما تقدم في سورة الأعراف. وقد كان العذاب من جنس ما سألوه، ومن إسقاط شيء من السماء. وقوله: {فكذبوه} الفاء فصيحة، أي فتبين من قولهم: {إنما أنت من المسحرين} [الشعراء: 185] أنهم كذبوه، أي تبين التكذيب والثبات عليه بما دلّ عليه ما قصدوه من تعجيزه إذ قالوا: {فأسْقط علينا كِسْفاً من السماء إن كنت من الصادقين} [الشعراء: 187]. وفي إعادة فعل التكذيب إيقاظ للمشركين بأن حالهم كحال أصحاب شعيب فيوشك أن يكون عقابهم كذلك.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)}
أي في ذلك آية لكفار قريش إذ كان حالهم كحال أصحاب لَيْكة فقد كانوا من المطففين مع الإشراك قال تعالى: {ويل للمطففين} إلى قوله: {ليوم عظيم} [المطففين: 1 5]. وقد تقدم القول في نظائره. وقد ذكرنا في طالعة هذه السورة (8) وجه تكرير آية {إن في ذلك لآية.}
{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)}
عود إلى ما افتتحت به السورة من التنويه بالقرآن وكونه الآية العظمى بما اقتضاه قوله: {تلك آيات الكتاب المبين} [الشعراء: 2] كما تقدم لتختتم السورة بإطناب التنويه بالقرآن كما ابتُدئت بإجمال التنويه به، والتنبيه على أنه أعظم آية اختارها الله أن تكون معجزةً أفضل المرسلين. فضمير {وإنه} عائد إلى معلوم من المقام بعد ذكر آيات الرسل الأولين. فبواو العطف اتصلت الجملة بالجمل التي قبلها، وبضمير القرآن اتصل غرضها بغرض صدر السورة.
فجملة: {وإنه لتنزيل رب العالمين} معطوفة على الجمل التي قبلها المحكية فيها أخبار الرسل المماثلة أحوالُ أقوامهم لحال قوم محمد صلى الله عليه وسلم وما أيدهم الله به من الآيات ليعلم أن القرآن هو آية الله لهذه الأمة، فعطفها على الجمل التي مثلها عطف القصة على القصة لتلك المناسبة. ولكن هذه الجملة متصلة في المعنى بجملة: {تلك آيات الكتاب المبين} [الشعراء: 2] بحيث لولا ما فصل بينها وبين الأخرى من طول الكلام لكانت معطوفة عليها. ووُجه الخطابُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن في التنويه بالقرآن تسلية له على ما يلاقيه من إعراض الكافرين عن قبوله وطاعتهم فيه.
والتأكيد ب (إنَّ) ولاَم الابتداء لرد إنكار المنكرين.
والتنزيل مصدر بمعنى المفعول للمبالغة في الوصف حتى كأنَّ المنزَّلَ نفسُ التنزيل. وجملة: {نزل به الروح الأمين} بيان ل {تنزيل رب العالمين}، أي كان تنزيله على هذه الكيفية.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمَرو وحفص وأبو جعفر بتخفيف زاي {نزل} ورفع {الروحُ}. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف {نَزَّل} بتشديد الزاي ونصب {الروح الأمينَ}، أي نزلّه الله به.
و {الروح الأمين} جبريل وهو لقبه في القرآن، سمّي رُوحاً لأن الملائكة من عالم الروحانيات وهي المجردات. وتقدم الكلام على الروح في سورة الإسراء، وتقدم {روح القدس} في البقرة (87). ونزول جبريل إذنُ الله تعالى، فنزولُه تنزيل من رب العالمين.
والأمين} صفة جبريل لأن الله أمنه على وحيه. والباء في قوله: {نزل به} للمصاحبة.
والقلب: يطلق على ما به قبول المعلومات كما قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ} [ق: 37] أي إدراك وعقل.
وقوله: {على قلبك} يتعلق بفعل {نزل}، و{على} للاستعلاء المجازي لأن النزول وصول من مكان عال فهو مقتض استقرار النازل على مكان.
ومعنى نزول جبريل على قلب النبي عليهما السلام: اتصاله بقوة إدراك النبي لإلقاء الوحي الإلهي في قوَّته المتلقّية للكلام الموحى بألفاظه، ففعل (نزل) حقيقة.
وحرف {على} مستعار للدلالة على التمكن مما سمي بقلب النبي مثل استعارته في قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5].
وقد وصَف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما في حديث «الصحيحين» عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
«أحياناً يأتيني مثلَ صَلْصَلَة الجَرَس فيَفْصِمُ عني وقد وَعَيتُ عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملَك رجلاً فيكلمني فأعِي ما يقول»
وهذان الوصفان خاصّان بوحي نزول القرآن. وثمة وحي من قبيل إبلاغ المعنى وسمّاه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر نفْثاً. فقال: «إن روح القدس نَفَث في رُوعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي أجلها» فهذا اللفظ ليس من القرآن فهو وحي بالمعنى [والروع: العقل] وقد يكون الوحي في رؤيا النوم فإن النبي لا ينام قلبه، ويكون أيضاً بسماع كلام الله من وراء حجاب، وقد بيّنا في شرح الحديث النكتة في اختصاص إحدى الحالتين ببعض الأوقات.
وأشعر قوله: {على قلبك} أن القرآن أُلقيَ في قلبه بألفاظه، قال تعالى: {وما كنت تتْلُو مِن قبله من كتاب} [العنكبوت: 48].
ومعنى: {لتكون من المنذرين} لتكون من الرسل. واختير من أفعاله النذارة لأنها أخص بغرض السورة فإنها افتتحت بذكر إعراضهم وبإنذارهم.
وفي: {من المنذرين} من المبالغة في تمكن وصف الرسالة منه ما تقدم غيرَ مرة في مثل هذه الصيغة في هذه القصص وغيرها. و{بلسان} حال من الضمير المجرور في {نزل به الروح الأمين}.
والباء للملابسة. واللسان: اللغة، أي نزل بالقرآن ملابساً للغة عربية مبينة أي كائناً القرآن بلغة عربية.
والمبين: الموضِّح الدلالة على المعاني التي يعنيها المتكلم، فإن لغة العرب أفصح اللغات وأوسعها لاحتمال المعاني الدقيقة الشريفة مع الاختصار، فإن ما في أساليب نظم كلام العرب من علامات الإعراب، والتقديم والتأخير، وغير ذلك، والحقيقة والمجاز والكناية، وما في سعة اللغة من الترادف، وأسماء المعاني المقيّدة، وما فيها من المحسنات، ما يلج بالمعاني إلى العقول سهلةً متمكنة، فقدّر الله تعالى هذه اللغة أن تكون هي لغة كتابه الذي خاطب به كافة الناس، فأنزل بادئ ذي بدء بين العرب أهل ذلك اللسان ومقاويل البيان ثم جعل منهم حمَلتَه إلى الأمم تترجم معانيَه فصاحتُهم وبيانُهم، ويتلقى أساليبَه الشادون منهم وولدانُهم، حين أصبحوا أمة واحدة يقوم باتحاد الدين واللغة كيانهم.
{وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197)}
عطف على {وإنه لتنزيل رب العالمين} [الشعراء: 192]، والضمير للقرآن كضمير {وإنه لتنزيل رب العالمين}. وهذا تنويه آخر بالقرآن بأنه تصدقه كتب الأنبياء الأولين بموافقتها لما فيه وخاصة في أخباره عن الأمم وأنبيائها.
وقوله: {في زبر الأولين} أي كتب الرسل السالفين، أي أن القرآن كائن في كتب الأنبياء السالفين مثل التوراة والإنجيل والزبور، وكتب الأنبياء التي نعلمها إجمالاً. ومعلوم أن ضمير القرآن لا يراد به ذات القرآن، أي ألفاظه المنزلة على النبي صلى الله عليه وسلم إذ ليست سور القرآن وآياته مسطورة في زبر الأولين بلفظها كله فتعين أن يكون الضمير للقرآن باعتبار اسمه ووصفه الخاص أو باعتبار معانيه. فأما الاعتبار الأوّل فالضمير مؤول بالعَود إلى اسم القرآن كقوله تعالى: {الرسول النبي الأمّي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} [الأعراف: 157]، أي يجدون اسمه ووصفه الذي يُعيِّنه. فالمعنى أن ذكر القرآن وارد في كتب الأولين، أي جاءت بشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول يجيء بكتاب. ففي سفر التثنية من كتب موسى عليه السلام في الإصحاح الثامن عشر قول موسى: «قال لي الرب: أقيم لهم نبيئاً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به» إذ لا شك أن إخوة بني إسرائيل هم العرب كما ورد في سفر التكوين في الإصحاح السادس عشر عند ذكر الحمل بإسماعيل «وأمام جميع إخوته يسكن» أي لا يسكن معهم ولكن قُبالتهم. ولم يأت نبيء بوحي مثل موسى بشرع كشرع موسى غير محمد صلى الله عليه وسلم وكلام الله المجعول في فمه هو القرآن الموحَى به إليه وهو يتلوه.
وفي إنجيل متَّى الإصحاح الرابع والعشرين قال عيسى عليه السلام: «ويقومُ أنبياء كذَبةٌ كثيرون ويُضلون كثيراً.... ولكن الذي يَصبر إلى المنتهَى (أي يدوم إلى آخر الدهر أي دينه إذ لا خلود للأشخاص) فهذا يخلص ويكْرَز (أي يدعو) ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة (أي الأرض المأهولة) شهادةً لجميع الأمم (رسالة عامة) ثم يأتي المنتهى (أي نهاية العالم)».
فالبشارة هي الوحي وهو القرآن وهو الكتاب الذي دعا جميع الأمم، قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتُخرج الناسَ من الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 1] وقال: {ولقد صرّفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} [الإسراء: 89].
وفي إنجيل يوحنا قول المسيح الإصحاح الرابع عشر: «وأنا أطلب من الأب فيعطيكم مُعَزياً (أي رسولاً) آخرَ ليمكث معكم إلى الأبد (هذا هو دوام الشريعة) روحُ الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله (إشارة إلى تكذيب المكذبين) لأنه لا يراه ولا يعرفه». ثم قال: «وأما المعزي الروحُ القدس الذي سيُرسله الأبُ باسمي (أي بوصف الرسالة) فهو يُعلمكم كلَّ شيء ويذكركم بكل ما قلتُه لكم (وهذا التعليم لكل شيء هو القرآن ما فرطنا في الكتاب من شيء)».
وأما الاعتبار الثاني فالضمير مؤوّل بمعنى مسماه كقولهم: عندي درهم ونصفه، أي نصف مسمى درهم فكما يطلق اسم الشيء على معناه نحو {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] وقوله: {واذكر في الكتاب إبراهيم} [مريم: 41] أي أحواله، كذلك يطلق ضمير الاسم على معناه، فالمعنَى: أن ما جاء به القرآن موجود في كتب الأولين. وهذا كقول الإنجيل آنفاً «ويذكّركم بكل ما قلته لكم»، ولا تجد شيئاً من كلام المسيح عليه السلام المسطور في الأناجيل غير المحرف عنه إلا وهو مذكور في القرآن، فيكون الضمير باعتبار بعضه كقوله: {شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً} [الشورى: 13] الآية.
والمقصود: أن ذلك آية على صدق أنه من عند الله. وهذا معنى كون القرآن مصدِّقاً لما بين يديه.
وقوله: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} تنويه ثالث بالقرآن وحجة على التنويه الثاني به الذي هو شهادة كتب الأنبياء له بالصدق، بأن علماء بني إسرائيل يعلمون ما في القرآن مما يختص بعلمهم، فباعتبار كون هذه الجملة تنويهاً آخر بالقرآن عطفت على الجملة التي قبلها ولولا ذلك لكان مقتضى كونها حجة على صدق القرآن أن لا تعطف.
وفعل: {يعلمه} شامل للعلم بصفة القرآن، أي تحقق صدق الصفات الموصوف بها من جاء به، وشامل للعلم بما يتضمنه ما في كتبهم.
وضمير {أن يعلمه} عائد إلى القرآن على تقدير: أن يعلم ذكره. ويجوز أن يعود على الحكم المذكور في قوله: {وإنه لفي زبر الأولين}.
{وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)}
كان من جملة مطاعن المشركين في القرآن أنه ليس من عند الله، ويقولون: تقوله محمد من عند نفسه، وقالوا {أساطير الأولين اكتتبها} [الفرقان: 5] فدمغهم الله بأن تحدّاهم بالإتيان بمثله فعجزوا.
وقد أظهر الله بهتانهم في هذه الآية بأنهم إنما قالوا ذلك حيث جاءهم بالقرآن رسول عربي، وأنه لو جاءهم بهذا القرآن رسول أعجمي لا يعرف العربية بأن أوحى الله بهذه الألفاظ إلى رسول لا يفهمها ولا يحسن تأليفها فقرأه عليهم، وفي قراءته وهو لا يحسن اللغة أيضاً خارق عادة؛ لو كان ذلك لما آمنوا بأنه رسول مع أن ذلك خارق للعادة فزيادة قوله: {عليهم} زيادة بيان في خرق العادة. يعني أن المشركين لا يريدون مما يلقونه من المطاعن البحث عن الحق ولكنهم أصروا على التكذيب وطفقوا يتحملون أعذاراً لتكذيبهم جحوداً للحق وتستراً من اللائمين.
وجملة: {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} معطوفة على جملة: {نزل به الروح الأمين على قلبك إلى قوله: {بلسان عربي مبين} [الشعراء: 193 195] لأن قوله: {على قلبك} أفاد أنه أوتيه من عند الله وأنه ليس من قول النبي لا كما يقول المشركون: تَقَوَّله، كما أشرنا إليه آنفاً.
فلما فرغ من الاستدلال بتعجيزهم فضح نياتهم بأنهم لا يؤمنون به في كل حال، قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آية} [يونس: 96، 97].
و {الأعجمين} جمع أعجم. والأعجم: الشديد العُجمة، أي لا يحسن كلمة بالعربية، وهو هنا مرادف أعجمي بياء النسب فيصح في جمعه على أعجمين اعتبارُ أنه لا حذف فيه باعتبار جمع أعجم كما قال حميد بن ثور يصف حمامة:
ولم أر مثلي شاقه لفظ مثلها *** ولا عربياً شاقه لفظُ أعجما
ويصح اعتبار حذف ياء النسب للتخفيف. وأصله: الأعجميين كما في الشعر المنسوب إلى أبي طالب:
وحيثُ ينيخ الأشْعَرُون رِحالهم *** بملقَى السيول بين سَاففٍ ونائل
أي الأشعريون، وعلى هذين الاعتبارين يحمل قول النابغة:
فعودا له غسان يرجون أَوْبَهُ *** وترك ورهط الأعْجمين وكابُل
{كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203)}
تقدم نظير أول هذه الآية في سورة الحجر (12)، إلاّ أن آية الحجر قيل فيها: {كذلك نسلكه} وفي هذه الآية قيل سلكناه}، والمعنى في الآيتين واحد، والمقصود منهما واحد، فوجه اختيار المضارع في آية الحِجر أنه دال على التجدد لئلا يتوهم أن المقصود إبلاغٌ مضى وهو الذي أبلغ لشيع الأولين لتقدم ذكرهم فيتوَهَّم أنهم المراد بالمجرمين مع أن المراد كفار قريش. وأما هذه الآية فلم يتقدم فيها ذكر لغير كفار قريش فناسبها حكاية وقوع هذا الإبلاغ منذ زمن مضَى. وهم مستمرون على عدم الإيمان.
وجملة: {كذلك سلكناه} إلخ مستأنفة بيانيَّة، أي إن سألت عن استمرار تكذيبهم بالقرآن في حين أنه نزل بلسان عربي مبين فلا تعجَب فكذلك السلوككِ سلكناه في قلوب المشركين؛ فهو تشبيه للسلوك المأخوذ من {سلكناه} بنفسه لغرابته. وهذا نظير ما تقدم في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} في سورة البقرة (143)، أي هو سلوك لا يشبهه سلوك وهو أنه دخل قلوبهم بإبانته وعَرفوا دلائل صدقه من أخبار علماء بني إسرائيل ومع ذلك لم يؤمنوا به.
ومعنى: {سلكناه} أدخلناه، قال الأعشى:
كما سَلَكَ السَّكِّيَّ في الباب فَيْتَقُ *** وعبّر عن المشركين ب {المجرمين} لأن كفرهم بعد نزول القرآن إجرام. وجملة: {لا يؤمنون به} في موضع الحال من {المجرمين}.
والغاية في {حتى يروا العذاب} تهديد بعذاب سيحلّ بهم، وحث على المبادرة بالإيمان قبل أن يحل بهم العذاب. والعذاب صادق بعذاب الآخرة لمن هلكوا قبل حلول عذاب الدنيا، وصادق بعذاب السيف يومَ بدر، ومعلوم أنه {لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل} [الأنعام: 158].
وقوله: {فيأتيهم بغتة} صالح للعذابين: عذاب الآخرة يأتي عقب الموت والموت يحصل بغتة، وعذاببِ الدنيا بالسيف يحصل بغتة حين الضرب بالسيف.
والفاء في قوله: {فيأتيهم} عاطفة لفعل {يأتيهم} على فعل {يروا} كما دل عليه نصب {يأتيهَم} وذلك ما يستلزمه معنى العطف من إفادة التعقيب فيثير إشكالاً بأن إتيان العذاب لا يكون بعد رؤيتهم إياه بل هما حاصلان مقترنين فتعيّن تأويل معنى الآية. وقد حاول صاحب «الكشاف» والكاتبون عليه تأويلها بما لا تطمئن له النفس.
والوجه عندي في تأويلها أن تكون جملة: {فيأتيهم بغتة} بدل اشتمال من جملة {يروا العذاب الأليم} وأدخلت الفاء فيها لبيان صورة الاشتمال، أي أن رؤية العذاب مشتملة على حصوله بغتة، أي يرونه دفعة دون سبق أشراطٍ له.
أما الفاء في قوله: {فيقولوا} فهي لإفادة التعقيب في الوجود وهو صادق بأسرع تعذيب فتكون خطرة في نفوسهم قبل أن يهلكوا في الدنيا، أو يقولون ذلك ويرددونه يوم القيامة حين يرون العذاب وحين يُلقون فيه.
و {هل} مستعملة في استفهام مراد به التمني مجازاً. وجيء بعدها بالجملة الاسمية الدالة على الثبات، أي تمنوا إنظاراً طويلاً يتمكنون فيه من الإيمان والعمل الصالح.
{أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)}
(204 207) {لله لله لله للهمُنظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِن متعناهم سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ * مَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا}.
نشأ عن قوله: {فيَأتيهم بغتةً وهم لا يشعرون} [الشعراء: 202] تقدير جواب عن تكرر سؤالهم: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [يونس: 48]، حيث جعلوا تأخر حصول العذاب دليلاً على انتفاء وقوعه، فأُعقب ذلك بقوله: {أفبعذابنا يستعجلون}. فالفاء في قوله: {أفبعذابنا يستعجلون} تفيد تعقيب الاستفهام عقب تكرر قولهم {متى هذا الوعد} [يونس: 48] ونحوِه. والاستفهام مستعمل في التعجيب من غرورهم. والمعنى: أيستعجلون بعذابنا فما تأخيره إلا تمتيع لهم. وكانوا يستهزئون فيقولون: {متى هذا الوعد}، ويستعجلون بالعذاب {وقالوا ربنا عجّل لنا قطنا قبل يوم الحساب} [ص: 16]. قال مقاتل: قال المشركون للنبيء صلى الله عليه وسلم يا محمد إلى متى تعِدُنا بالعذاب ولا تأتي به، فنزلت {أفبعذابنا يستعجلون}.
وتقديم «بعذابنا» للرعاية على الفاصلة وللاهتمام به في مقام الإنذار، أي ليس شأن مثله أن يستعجل لفظاعته.
ولما كان استعجالهم بالعذاب مقتضياً أنهم في مُهلة منه ومتعة بالسلامة وأن ذلك يغرهم بأنهم في منجاة من الوعيد الذي جاءهم على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم جابههم بجملة: {أفرأيت إن متعناهم سنين}.
والاستفهام في {أفرأيت إن متعناهم} للتقرير. و{ما} في قوله: {ما أغنى عنهم} استفهامية وهو استفهام مستعمل في الإنكار، أي لم يغن عنهم شيئاً. والرؤية في {أفرأيت} قلبية، أي أفعلمت. والخطاب لغير معين يعمّ كل مخاطب حتى المجرمين.
وجملة: {إن متّعناهم سنين} معترضة وجواب الشرط محذوف دل عليه ما سدّ مسدّ مفعولي (رأيت). و{ثم جاءهم} معطوف على جملة الشرط المعترضة، و{ثم} فيه للترتيب والمهلة، أي جاءهم بعد سنين. وفيه رمز إلى أن العذاب جائيهم وحالّ بهم لا محالة. و{ما كانوا يوعدون} موصول وصلته. والعائد محذوف تقديره: يوعدونه.
وجملة: {ما أغنى عنهم} سادة مسدّ مفعولي (رأيتَ) لأنه معلَّق عن العمل بسبب الاستفهام بعده. و{ما كانوا يمتعون} موصول وصلتُه. والعائد محذوف تقديره: يمتعونه.
والمعنى: أعلمتَ أن تمتيعهم بالسلامة وتأخير العذاب إن فرض امتدادُه سنين عديدة غير مغن عنهم شيئاً إن جاءهم العذاب بعد ذلك. وهذا كقوله تعالى: {ولئن أخَّرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولُنّ ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن} [هود: 8]، وذلك أن الأمور بالخواتيم. في «تفسير القرطبي»: روى ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ: {أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يُمَتّعون} ثم يبكي ويقول:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة *** وليلك نوم والردى لك لازم
فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم *** ولا أنت في النّوّام ناج فسالم
تُسرّ بما يفنى وتفرح بالمنى *** كما سُرّ باللذات في النوم حالم
وتسعى إلى ما سوف تكره غبّه *** كذلك في الدنيا تعيش البهائم
ولم أقف على صاحب هذه الأبيات قال ابن عطية: ولأبي جعفر المنصور قصة في هذه الآية. ولعل ما روُي عن عمر بن عبد العزيز رُوي مثيله عن المنصور.
{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208)}
تذكير لقريش بأن القرى التي أهلكها الله والتي تقدم ذكرها في هذه السورة قد كان لها رسل ينذرونها عذاب الله ليقيسوا حالتهم على أحوال الأمم التي قبلهم.
والاستثناء من أحوال محذوفة. والتقدير: وما أهلكنا من قرية في حال من الأحوال إلا في حال لها منذرون. وعُرّيت جملة الحال عن الواو استغناء عن الواو بحرف الاستثناء، ولو ذكرت الواو لجاز كقوله في سورة الحجر (4) {إلا ولها كتاب معلوم} وعبّر عن الرسل بصفة الإنذار لأنه المناسب للتهديد بالإهلاك.
{ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209)}
أي هذه ذكرى، فذكرى في موضع رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف دلت عليه قرينة السياق كقوله تعالى في سورة الأحقاف (35) {بَلاَغ} أي هذا بلاغ، وفي سورة إبراهيم (52) {هذا بلاغ للناس} وفي سورة ص (49) {هَذا ذِكْر} والمعنى: هذه ذكرى لكم يا معشر قريش. وهذا المعنى هو أحسن الوجوه في موقع قوله: {ذكرى} وهو قول أبي إسحاق الزجاج والفراء وإن اختلفا في تقدير المحذوف قال ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: ليس في الشعراء وقف تام إلاّ قوله: {إلا لها منذرون} [الشعراء: 208].
وقد تردد الزمخشري في موقع قوله: {ذكرى} بوجوه جعلها جميعاً على اعتبار قوله: {ذكرى} تكملة للكلام السابق وهي غير خلية عن تكلف. والذكرى: اسم مصدر ذَكَّر.
وجملة: {وما كنا ظالمين} يجوز أن تكون معطوفة على {ذكرى} أي نذكّركم ولا نظلم، وأن تكون حالاً من الضمير المستتر في {ذكرى} لأنه كالمصدر يقتضي مسنداً إليه، وعلى الوجهين فمفاد {وما كنا ظالمين} الإعذار لكفار قريش والإنذار بأنهم سيحلّ بهم هلاك.
وحذف مفعول {ظالمين} لقصد تعميمه كقوله تعالى: {ولا يظلم ربك أحداً} [الكهف: 49].
{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)}
عطف على جملة: {وإنه لتنزيل ربّ العالمين} [الشعراء: 192] وما بينهما اعتراض استدعاه تناسب المعاني وأخذُ بعضها بحُجز بعض تفنناً في الغرض. وهذا رد على قولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هو كاهن قال تعالى: {فذكّر فما أنت بنعمت ربّك بكاهن ولا مجنون} [الطور: 29]، وزعمهم أن الذي يأتيه شيطان؛ فقد قالت العوراء بنت حرب امرأةُ أبي لهب لما تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيام الليل ليلتين لِمرض: أرجو أن يكون شيطانك قد تركك. ولذلك كان من جملة ما راجعهم به الوليد بن المغيرة حين شاوره المشركون فيما يصفون النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: نقول: كلامه كلام كاهن، فقال: والله ما هو بزمزمته. وكلام الكهان في مزاعمهم من إلقاء الجن إليهم وإنما هي خواطر نفوسهم ينسبونها إلى شياطينهم المزعومة. نُفي عن القرآن أن يكون من ذلك القبيل، أي الكهان لا يجيش في نفوسهم كلام مثل القرآن فما كان لشياطين الكهان أن يفيضوا على نفوس أوليائهم مثلَ هذا القرآن. فالكهانة من كذب الكهان وتمويههم، وأخبار الكهان كلها أقاصيص وسَّعها الناقلون.
فالتعريف في {السمع} للعهد وهو ما يعتقده العرب من أن الشياطين تسترق السمع، أي تتحيّل على الاتصال بعلم ما يجري في الملإ الأعلى. ذلك أن الكهان كانوا يزعمون أن الجن تأتيهم بأخبار ما يقدّر في الملأ الأعلى مما سيظهر حدوثه في العالم الأرضي، فلذلك نُفي هنا تنزُّلُ الشياطين بكلام القرآن بناء على أن المشركين يزعمون أن الشياطين تنزل من السماء بأخبار ما سيكون. وبيان ذلك تقدم في سورة الحجر ويأتي في سورة الصافات.
ومعنى: {وما ينبغي لهم} ما يستقيم وما يصح، أي لا يستقيم لهم تلقي كلام الله تعالى الذي الشأن أن يتلقاه الروح الأمين، وما يستطيعون تلقيه لأن النفوس الشيطانية ظلمانية خبيثة بالذات فلا تقبل الانتقاش بصورِ ما يجري في عالم الغيب، فإن قبول فيضان الحق مشروط بالمناسبة بين المبدأ والقابل.
فضمير {ينبغي} عائد إلى ما عاد عليه ضمير {به}، أي ما ينبغي القرآن لهم، أي ما ينبغي أن ينزلوا به كما زعم المشركون. ومفعول {يستطيعون} محذوف، أي ما يستطيعونه. وأعيدت الضمائر بصيغة العقلاء بعد أن أضمر لهم بضمير غير العقلاء في قوله: {وما تنزلت} اعتباراً بملابسة ذلك للكهان. وقد تقدم في سورة الحجر أن صنفاً من الشياطين يتهيّأ للتلقي بما يسمَّى استراق السمع وأنه يصرف عنه بالشُّهب. واستؤنف ب {إنهم عن السمع لمعزولون} فكان ذلك كالفذلكة لما قبله وهو بعمومه يتنزل منزلة التذييل.
والمعزول: المبعد عن أمر فهو في عُزلة عنه. وفي هذا إبطال للكهانة من أصلها وهي وإن كانت فيها شيء من الاتصال بالقوى الروحية في سالف الزمان فقد زال ذلك منذ ظهور الإسلام.
{فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)}
لما وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: {نَزَل به الروح الأمين على قلبك} [الشعراء: 193، 194] إلى هنا، في آيات أشادت بنزول القرآن من عند الله تعالى وحققت صدقه بأنه مذكور في كتب الأنبياء السالفين وشهد به علماء بني إسرائيل، وأنحى على المشركين بإبطال ما ألصقوه بالقرآن من بهتانهم، لا جرم اقتضى ذلك ثبوت ما جاء به القرآن. وأصل ذلك هو إبطال دين الشرك الذي تقلدته قريش وغيرها وناضلت عليه بالأكاذيب؛ فناسب أن يتفرع عليه النهي عن الإشراك بالله والتحذير منه.
فقوله: {فلا تدع مع الله إلها آخر} خطاب لغير معيّن فيعمّ كل من يسمع هذا الكلام، ويجوز أن يكون الخطاب موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه المبلغ عن الله تعالى فللاهتمام بهذا النهي وقع توجيهه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع تحقق أنه منته عن ذلك، فتعين أن يكون النهي للذين هم متلبسون بالإشراك، ونظير هذا قوله تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت لَيَحْبَطَنَّ عملُك ولتكونَنّ من الخاسرين} [الزمر: 65]. والمقصود من مثل ذلك الخطاب غيره ممن يبلغه الخطاب.
فالمعنى: فلا تدعوا مع الله إلهاً آخر فتكونوا من المعذبين. وفي هذا تعريض بالمشركين أنهم سيعذبون للعلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه غير مشركين.
{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)}
عطف على قوله: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين} [الشعراء: 193- 194]، فهو تخصيص بعد تعميم للاهتمام بهذا الخاص. ووجه الاهتمام أنهم أولى الناس بقبول نصحه وتعزيز جانبه ولئلا يسبق إلى أذهانهم أن ما يلقيه الرسول من الغلظة في الإنذار وأهوال الوعيد لا يقع عليهم لأنهم قرابة هذا المنذر وخاصته. ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم في ندائه لهم: " لا أغني عنكم من الله شيئاً "، وأن فيه تعريضاً بقلة رعي كثير منهم حق القرابة إذ آذاه كثير منهم وعصَوْه مثل أبي لهب فلا يحسبوا أنهم ناجون في الحالتين وأن يعلموا أنهم لا يكتفَى من مؤمنهم بإيمانه حتى يضم إليه العمل الصالح؛ فهذا مما يدخل في النذارة، ولذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية قرابتَه مؤمنين وكافرين.
ففي حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة في «صحيحي البخاري ومسلم» يجمعها قولهم: «لمّا نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} قام رسول الله على الصَّفا فدعا قريشاً فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عديّ، لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فقال: يا معشر قريش، فعَمَّ وخص، يا بني كعب بننِ لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، اشتروا أنفسكم من الله لا أُغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفيةُ عمةَ رسول الله لا أغني عنككِ من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله سليني من مالي ما شئتتِ لا أُغني عنك من الله شيئاً، غيرَ أنَّ لكم رَحِماً سأبُلُّها ببلاَلها» وكانت صفية وفاطمة من المؤمنين وكان إنذارهما إعمالاً لفعل الأمر في معانيه كلها من الدعوة إلى الإيمان وإلى صالح الأعمال؛ فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الإنذار من الشرك والإنذار من المعاصي لأنه أنذر صفية وفاطمة وكانتا مسلمتين.
وفي «صحيح البخاري» عن ابن عباس قال: لما نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} صعد النبي (صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عديّ، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتكُم لو أخبرتُكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مصدّقِيَّ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقاً.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبّاً لك سائرَ اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت {تبت يَدا أبي لهب وتبَّ ما أغنى عنه ماله وما كسب} [المسد: 1- 2].
وهذا الحديث يقتضي أن سورة الشعراء نزلت قبل سورة أبي لهب مع أن سورة أبي لهب عُدّت السادسة في عداد نزول السور، وسورة الشعراء عُدّت السابعة والأربعين. فالظاهر أن قوله: {وأنذر عشيرتك الأقربين} نزل قبل سورة الشعراء مفرداً، فقد جاء في بعض الروايات عن ابن عباس في «صحيح مسلم»: لمّا نزلت «وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطَك منهم المخلصين» وأن ذلك نسخ. فلعل الآية نزلت أول مرة ثم نسخت تلاوتها ثم أعيد نزول بعضها في جملة بسورة الشعراء.
والعشيرة: الأدْنَوْن من القبيلة، فوصف {الأقربين} تأكيد لمعنى العشيرة واجتلاب لقلوبهم إلى إجابة ما دعاهم إليه وتعريض بأهل الإدانة منهم.
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد.
وإلى هذا يشير قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم في آخر الدعوة المتقدمة «غير أن لكم رحماً سأبُلُّها ببلالها» أي ذلك منتهى ما أملك لكم حين لا أملك لكم من الله شيئاً، فيحق عليكم أن تبُلُّوا لي رحمي مما تملكون، فإنكم تملكون أن تستجيبوا لي.
وتقدم ذكر العشيرة في قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} في سورة [براءة: 24].
{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)}
معترض بين الجملتين ابتداراً لكرامة المؤمنين قبل الأمر بالتبرؤ من الذين لا يؤمنون، وبعد الأمر بالإنذار الذي لا يخلو من وقع أليم في النفوس.
وخفض الجناح: مثَل للمعاملة باللِّين والتواضع. وقد تقدم عند قوله تعالى: {واخفض جناحك للمؤمنين} في سورة الحجر (88)، وقوله: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} في سورة الإسراء (24). والجَناح للطائر بمنزلة اليدين للدواب، وبالجناحين يكون الطيران.
و {من المؤمنين} بيان {لمن اتبعك} فإن المراد المتابعة في الدين وهي الإيمان. والغرض من هذا البيان التنويه بشأن الإيمان كأنه قيل: واخفض جناحك لهم لأجل إيمانهم كقوله تعالى: {ولا طائرٍ يطير بجناحيه} [الأنعام: 38] وجبر لخاطر المؤمنين من قرابته. ولذلك لما نادى في دعائه صفيةَ قال: «عمة رسول الله» ولما نادى فاطمة قال: «بنت رسول الله» تأنيساً لهما، فهذا من خفض الجناح، ولم يقل مثل ذلك للعباس لأنه كان يومئذ مشركاً.
{فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)}
تفريع على جملة: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] أي فإن عصوا أمرك المستفاد من الأمر بالإنذار، أي فإن عصاك عشيرتك فما عليك إلا أن تتبرأ من عملهم، وهذا هو مثار قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم في دعوته: «غيرَ أن لكم رحماً سأبُلّها ببلالها» فالتبرؤ إنما هو من كفرهم وذلك لا يمنع من صلتهم لأجل الرحم وإعادة النصح لهم كما قال: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} [الشورى: 23]. وإنما أمر بأن يقول لهم ذلك لإظهار أنهم أهل للتبرؤ من أعمالهم فلا يقتصر على إضمار ذلك في نفسه.
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)}
وعطف الأمر بالتوكل بفاء التفريع في قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر فيكون تفريعاً على: {فقل إني بريء مما تعملون} [الشعراء: 216] تنبيهاً على المبادرة بالعوذ من شر أولئك الأعداء وتنصيصاً على اتصال التوكل بقوله: {إني بريء}.
وقرأ الجمهور: {وتَوكل} بالواو وهو عطف على جواب الشرط، أي قل: إني بريء وتوكل، وعطفه على الجواب يقتضي تسببه على الشرط كتسبب الجواب وهو يستلزم البدار به، فمآل القراءتين واحد وإن اختلف طريق انتزاعه.
والمعنى: فإن عصاك أهل عشيرتك فتبرأ منهم. ولما كان التبرؤ يؤذن بحدوث مجافاة وعداوة بينه وبينهم ثبَّت الله جأش رسوله بأن لا يعبأ بهم وأن يتوكل على ربه فهو كافيه كما قال: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3]. وعلق التوكل بالاسمين {العزيز الرحيم} وما تبعهما من الوصف بالموصول وما ذيل به من الإيماء إلى أنه يُلاحظ قوله ويعلم نيتَه، إشارة إلى أن التوكل على الله يأتي بما أومأت إليه هذه الصفات ومستتبعاتها بوصف {العزيز الرحيم} للإشارة إلى أنه بعزته قادر على تغلبه على عدوّه الذي هو أقوى منه، وأنه برحمته يعصمه منهم. وقد لوحظ هذان الاسمان غير مرة في هذه السورة لهذا الاعتبار كما تقدم.
والتوكل: تفويض المرء أمره إلى من يكفيه مهمه، وقد تقدم عند قوله تعالى: {فإذا عزمت فتوكّل على الله} في سورة آل عمران (159).
ووصفه تعالى: ب {الذي يراك حين تقوم} مقصود به لازم معناه. وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بمحل العناية منه لأنه يعلم توجهه إلى الله ويقبل ذلك منه، فالمراد من قوله: {يَراك} رؤيةٌ خاصة وهي رؤية الإقبال والتقبل كقوله: {فإنك بأعيننا} [الطور: 48].
والقيام: الصلاة في جوف الليل، غلب هذا الاسم عليه في اصطلاح القرآن، والتقلب في الساجدين هو صلاته في جماعات المسلمين في مسجده. وهذا يجمع معنى العناية بالمسلمين تبعاً للعناية برسولهم، فهذا من بركته صلى الله عليه وسلم وقد جمعها هذا التركيب العجيب الإيجاز.
وفي هذه الآية ذكر صلاة الجماعة. قال مقاتل لأبي حنيفة: هل تجد الصلاة في الجماعة في القرآن؟ فقال أبو حنيفة: لا يحضرني فتلاَ مقاتل هذه الآية.
وموقع {إنه هو السميع العليم} موقع التعليل للأمر ب {فقل إني بريء مما تعملون} [الشعراء: 216]، وللأمر ب {توكل على العزيز الرحيم}، فصفة {السميع} مناسبة للقول، وصفة {العليم} مناسبة للتوكل، أي أنه يسمع قولك ويعلم عزمك.
وضمير الفصل في قوله: {هو السميع العليم} للتقوية.
{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223)}
لما سفَّه قولهم في القرآن: إنه قول كاهن، فرد عليهم بقوله: {وما تنزلت به الشياطين} [الشعراء: 210] وأنه لا ينبغي للشياطين ولا يستطيعون مثله، وأنهم حيل بينهم وبين أخبار أوليائهم، عاد الكلام إلى وصف حال كهانهم ليعلم أن الذي رَمَوا به القرآن لا ينبغي أن يلتبس بحال أوليائهم. فالجملة متصلة في المعنى بجملة: {وما تنزلت به الشياطين} [الشعراء: 210]، أي ما تنزّلت الشياطين بالقرآن على محمد {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين}.
وألقي الكلام إليهم في صورة استفهامهم عن أن يُعرِّفهم بمن تتنزل عليه الشياطين، استفهاماً فيه تعريض بأن المستفهم عنه مما يسوءهم لذلك ويحتاج فيه إلى إذنهم بكشفه.
وهذا الاستفهام صوري مستعمل كناية عن كون الخبر مما يستأذن في الإخبار به. واختير له حرف الاستفهام الدال على التحقيق وهو {هل} لأن هل في الاستفهام بمعنى (قد) والاستفهام مقدّر فيها بهمزة الاستفهام، فالمعنى: أنبئكم إنباءً ثابتاً محققاً وهو استفهام لا يترقب منه جواب المستفهَم لأنه ليس بحقيقي فلذلك يعقبه الإفضاء بما استفهم عنه قبل الإذن من السامع. ونظيره في الجواب قوله تعالى: {عَمّ يتساءلون عن النبإ العظيم} [النبأ: 1، 2] وإن كان بين الاستفهامين فرق.
وفعل {أنبئكم} معلق عن العمل بالاستفهام في قوله: {على من تنزل الشياطين}. وهو أيضاً استفهام صوري معناه الخبر كناية عن أهمية الخبر بحيث إنه مما يستفهم عنه المتحسِّسون ويتطلبونه، فالاستفهام من لوازم الاهتمام.
والمجرور مقدم على عامله للاهتمام بالمتنزَّل عليه، وأصل التركيب: من تنزَّل عليه الشياطين، فلما قدم المجرور دخل حرف {على} على اسم الاستفهام وهو {مَن} لأن ما صْدَقَها هو المتنزّل عليه، ولا يعكر عليه أن المتعارف أن يكون الاستفهام في صدر الكلام، لأن أسماء الاستفهام تضمنت معنى الإسمية وهو أصلها، وتضمنت معنى همزة الاستفهام كما تضمنته {هل}، فإذا لزم مجيء حرف الجر مع أسماء الاستفهام ترجح فيها جانب الإسمية فدخل الحرف عليها ولم تُقدّم هي عليه، فلذلك تقول: أعلى زيد مررتَ؟ ولا تقول: مَن عَلى مررت؟ وإنما تقول: على من مررت؟ وكذا في بقية أسماء الاستفهام نحو {عمّ يتساءلون} [النبأ: 1]، {مِنْ أي شيء خلقه} [عبس: 18]، وقولهم: عَلاَم، وإلام، وحتّام، و{فيمَ أنت من ذكراها} [النازعات: 43].
وأجيب الاستفهام هنا بقوله: {تنزل على كل أفاككٍ أثيم}.
و {كل} هنا مستعملة في معنى التكثير، أي على كثير من الأفّاكين وهم الكهان، قال النابغة:
وكُلِّ صَموت نثلة تُبَّعيَّةٍ *** ونَسج سُلَيْم كُلَّ قمصاءَ ذائِل
والأفاك كثير الإفك، أي الكذب، والأثيم كثير الإثم. وإنما كان الكاهن أثيماً لأنه يضم إلى كذبه تضليل الناس بتمويه أنه لا يقول إلا صدقاً، وأنه يتلقى الخبر من الشياطين التي تأتيه بخبر السماء.
وجُعل للشياطين {تنزّل} لأن اتصالها بنفوس الكهان يكون بتسلسل تموجات في الأجواء العليا كما تقدم في سُورة الحجر.
و {يُلقون السمع} صفة ل {كلِّ أفاك أثيم}، أي يظهرون أنهم يُلقون أسماعهم عند مشاهدة كواكب لتتنزل عليهم شياطينهم بالخبر، وذلك من إفكهم وإثمهم.
وإلقاء السمع: هو شدة الإصغاء حتى كأنه إلقاءٌ للسمع من موضعه، شبه توجيه حاسة السمع إلى المسموع الخفي بإلقاء الحجر من اليد إلى الأرض أو في الهواء قال تعالى: {أو ألقَى السمع وهو شهيد} [ق: 37]، أي أبلغ في الإصغاء لِيَعِيَ ما يُقال له.
وهذا كما أطلق عليه إصغاء، أي إمالة السمع إلى المسموع.
وقوله: {وأكثرهم كاذبون} أي أكثر هؤلاء الأفاكين كاذبون فيما يزعمون أنهم تلقوه من الشياطين وهم لم يتلقوا منها شيئاً، أي وبعضهم يتلقى شيئاً قليلاً من الشياطين فيكذب عليه أضعافه.
ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الكهان فقال: «ليسوُا بشيء» قيل: يا رسول الله فإنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقاً. فقال: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجِنيّ فَيَقَرُّها في أذُن وليه قَرَّ الدَّجاجة فيخلطون عليها أكثر من مائة كذبة» فهم أفّاكون وهم متفاوتون في الكذب فمنهم أفاكون فيما يزيدونه على خبر الجن، ومنهم أفّاكون في أصل تلقي شيء من الجن، ولما كان حال الكهان قد يلتبس على ضعفاء العقول ببعض أحوال النبوءة في الإخبار عن غيب، وأسجاعهم قد تلتبس بآيات القرآن في بادئ النظر. أطنَبت الآية في بيان ماهية الكهانة وبينت أن قصاراها الإخبارُ عن أشياء قليلة قد تصدق فأينَ هذا من هدي النبي والقرآن وما فيه من الآداب والإرشاد والتعليم والبلاغة والفصاحة والصراحة والإعجاز ولا تصدي منه للإخبار بالمغيبات. كما قال: {ولا أعلم الغيب} [الأنعام: 50] في آيات كثيرة من هذا المعنى.
{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)}
كان مما حوته كِنانةُ بهتان المشركين أن قالوا في النبي صلى الله عليه وسلم هو شاعر، فلما نَثلَتْ الآيات السابقة سِهام كنانتهم وكسرتها وكان منها قولهم: هو كاهن، لم يبق إلا إبطالُ قولهم: هو شاعر، وكان بين الكهانة والشعر جامع في خيال المشركين إذ كانوا يزعمون أن للشاعر شيطاناً يملي عليه الشعر وربما سموه الرَّئِيّ، فناسب أن يقارَن بين تزييف قولهم في القرآن: هو شعر، وقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هو شاعر، وبين قولهم: هو قول كاهن، كما قرن بينهما في قوله تعالى: {وما هو بقول شاعِر قليلاً ما تُؤمنون ولا بقوللِ كاهن قليلاً ما تذّكّرون} [الحاقة: 41، 42]؛ فعُطف هنا قوله: {والشعراء يتبعهم الغاون} على جملة: {تنزل على كل أفّاك أثيم} [الشعراء: 222].
ولمّا كان حال الشعراء في نفس الأمر مخالفاً لحال الكهان إذ لم يكن لملكة الشعر اتصال مّا بالنفوس الشيطانية وإنما كان ادعاء ذلك من اختلاق بعض الشعراء أشاعوه بين عامة العرب، اقتصرت الآية على نفي أن يكون الرسول شاعراً، وأن يكون القرآنُ شعراً. دون تعرض إلى أنه تنزيل الشياطين كما جاء في ذكر الكهانة.
وقد كان نفر من الشعراء بمكة يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وكان المشركون يُعْنَون بمجالسهم وسماععِ أقوالهم ويجتمع إليهم الأعراب خارج مكة يستمعون أشعارهم وأهاجيَهم، أدمجت الآية حال من يتَّبع الشعراء بحالهم تشويهاً للفريقين وتنفيراً منهما. ومن هؤلاء: النضْر بن الحارث، وهبيرة بن أبي وهب ومُسافع بن عبد مناف، وأبو عَزة الجمحِي، وابن الزِّبَعْرَى، وأميةُ بن أبي الصَّلْت، وأبو سفيان ابن الحارث، وأمُّ جميل العوراء بنت حرب زوُج أبي لهب التي لَقبها القرآن: {حمَّالة الحطب} [المسد: 4] وكانت شاعرة وهي التي قالت:
مُذَمَّماً عَصَيْنا *** وأمرَه أبينا ودينَه قَلَيْنَا
فكانت هذه الآية نفياً للشعر أن يكون من خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم وذماً للشعراء الذين تصدوا لهجائه.
فقوله: {يتبعهم الغاوون} ذمّ لأتباعهم وهو يقتضي ذم المتبوعين بالأحرى. والغاوي: المتصف بالغي والغواية، وهي الضلالة الشديدة، أي يتبعهم أهل الضلالة والبطالة الراغبون في الفسق والأذى. فقوله: {يتبعهم الغاوون} خبر، وفيه كناية عن تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون منهم فإن أتباعه خيرة قومهم وليس فيهم أحد من الغاوين، فقد اشتملت هذه الجملة على تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم وتنزيه أصحابه وعلى ذم الشعراء وذمّ أتباعهم وتنزيه القرآن عن أن يكون شعراً.
وتقديمُ المسند إليه على المسند الفعلي هنا يظهر أنه لمجرد التقوّي والاهتمام بالمسند إليه للفت السمع إليه والمقام مستغن عن الحصر لأنه إذا كانوا يتبعهم الغاوون فقد انتفى أتباعهم عن الصالحين لأن شأن المجالس أن يتحد أصحابها في النزعة كما قيل:
عن المرء لا تَسْألْ وسَلْ عن قرينه *** وجعله في «الكشاف» للحصر، أي لا يتبعهم إلاّ الغاوون، لأنه أصرح في نفي اتِّباع الشعراء عن المسلمين. وهذه طريقتُهُ باطراد في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي أنه يفيد تخصيصه بالخبر، أي قصْر مضمون الخبر عليه، أي فهو قصر إضافي كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: {الله يستهزئ بهم} في سورة البقرة (15).
والرؤية في {ألم تر} قلبية لأن الهُيام والوادي مستعاران لمعاني اضطراب القول في أغراض الشعر وذلك مما يُعلم لا مما يُرى.
والاستفهام تقريري، وأجري التقرير على نفي الرؤية لإظهار أن الإقرار لا محيد عنه كما تقدم في قوله: {قال ألم نُربِّك فينا وليداً} [الشعراء: 18]، والخطاب لغير معين. وضمائر {إنهم ويهيمون ويقولون ويفعلون عائدة إلى الشعراء.
فجملة: ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} وما عطف عليها مؤكدة لما اقتضته جملة: {يتبعهم الغاوون} من ذم الشعراء بطريق فحوى الخطاب.
ومثلت حال الشعراء بحال الهائمين في أودية كثيرة مختلفة لأن الشعراء يقولون في فنون من الشعر من هجاء واعتداء على أعراض الناس، ومن نسيب وتشبيب بالنساء، ومدح من يمدحُونه رغبة في عطائه وإن كان لا يستحق المدح، وذمِّ من يمنعهم وإن كان من أهل الفضل، وربما ذمّوا من كانوا يمدحونه ومدحوا من سَبق لهم ذمه.
والهيام: هو الحيرة والتردد في المرعى. والوادُ: المنخفض بين عُدوتين. وإنما ترعى الإبل الأودية إذا أقحلت الرُبى، والربى أجود كلأ، فمُثّل حال الشعراء بحال الإبل الراعية في الأودية متحيرة، لأن الشعراء في حرص على القول لاختلاب النفوس.
و {كل} مستعمل في الكثرة. رُوي أنه اندسّ بعض المزَّاحين في زمرة الشعراء عند بعض الخلفاء فعرف الحَاجب الشعراء، وأنكر هذا الذي اندسّ فيهم، فقال له: هؤلاء الشعراء وأنتَ من الشعراء؟ قال: بل أنا من الغاوين، فاستطرفها.
وشفَّع مذمتهم هذه بمذمة الكذب فقال: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون}، والعرب يتمادحون بالصدق ويعيرون بالكذب، والشاعر يقول ما لا يعتقد وما يخالف الواقع حتى قيل: أحسن الشعر أكذبه، والكذب مذموم في الدين الإسلامي فإن كان الشعر كذباً لا قرينة على مراد صاحبه فهو قبيح، وإن كان عليه قرينة كان كذباً معتذَراً عنه فكان غير محمود.
وفي هذا إبداء للبَون الشاسع بين حال الشعراء وحال النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يقول إلا حقاً ولا يصانع ولا يأتي بما يضلّل الأفهام.
ومن اللطائف أن الفرزدق أنشد عند سليمان بن عبد الملك قوله:
فبِتْن بجانبيَّ مصرَّعاتٍ *** وبتُّ أفضّ أغلاق الختام
فقال سليمان: قد وجب عليك الحد. فقال: يا أمير المؤمنين قد دَرَأ الله عَني الحد بقوله: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون}. وروي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملاً لعمر بن الخطاب فقال شعراً:
مَن مُبلِغُ الحسناءِ أن حليلها *** بميسان يُسقى في زُجاج وحنتم
إلى أن قال:
لعل أميرَ المؤمنين يسوءه *** تنادُمُنا بالجَوْسَققِ المتهدم
فبلغ ذلك عمرَ فأرسل إليه بالقُدوم عليه وقال له: أي والله إني ليسوءني ذلك وقد وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلتُ شيئاً مما قلتُ وإنما كان فضلةً من القول، وقد قال الله تعالى: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} فقال له عمر: أمّا عذرك فقد درأ عنك الحد ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلتَ ما قلت.
وقد كُني باتباع الغاوين إياهم عن كونهم غاوين، وأفيد بتفظيع تمثيلهم بالإبل الهائمة تشويه حالتهم، وأن ذلك من أجل الشعر كما يؤذن به إناطة الخبر بالمشتق، فاقتضى ذلك أن الشعر منظور إليه في الدين بعين الغضّ منه، واستثناء {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الخ... من عموم الشعراء، أي من حكم ذمّهم. وبهذا الاستثناء تعيّن أن المذمومين هم شعراء المشركين الذين شغلهم الشعر عن سماع القرآن والدخول في الإسلام.
ومعنى: {وذكروا الله كثيراً} إي كان إقبالهم على القرآن والعبادة أكثر من إقبالهم على الشعر. {وانتصروا من بعد ما ظلموا} وهم مَن أسلموا من الشعراء وقالوا الشعر في هجاء المشركين والانتصارِ للنبيء صلى الله عليه وسلم مثل الذين أسلموا وهاجروا إلى الحبشة، فقد قالوا شعراً كثيراً في ذم المشركين. وكذلك من أسلموا من الأنصار كعبد الله بن رَواحة، وحسانَ بن ثابت ومن أسلم بعدُ من العرب مثل لَبيد، وكعب بن زهير، وسُحيم عبد بني الحسحاس، وليس ذكر المؤمنين من الشعراء بمقتضي كون بعض السُّورة مدنيّاً كما تقدم في الكلام على ذلك أول السورة.
وقد دلت الآية على أن للشعر حالتين: حالة مذمومة، وحالة مأذونة، فتعين أن ذمه ليس لكونه شعراً ولكن لما حفّ به من معان وأحوال اقتضت المذمة، فانفتح بالآية للشعر بابُ قبول ومدح فحقّ على أهل النظر ضبط الأحوال التي تأوي إلى جانب قبوله أو إلى جانب مدحه، والتي تأوي إلى جانب رفضه. وقد أومأ إلى الحالة الممدوحة قوله: {وانتصروا من بعد ما ظلموا}، وإلى الحالة المأذونة قوله: {وعملوا الصالحات}. وكيف وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الشعر مما فيه محامد الخصال واستنصتَ أصحابُه لشعر كعب بن زهير مما فيه دقة صفات الرواحل الفارهة، على أنه أذِن لحسان في مهاجاة المشركين وقال له: «كلامك أشد عليهم من وقع النبل..» وقال له: «قل ومعك روح القدس». وسيأتي شيء من هذا عند قوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} في سورة يس (69). وأجاز عليه كما أجاز كعبَ بن زهير فخلع عليه بردته، فتلك حالة مقبولة لأنه جاء مؤمناً.
وقال أبو هريرة: سمعت رسول الله يقول على المنبر: أصدَقُ كلمةٍ، أو أشْعَر كلمة قالتها العرب كلمةُ لبيد:
ألا كُلُّ شيء ما خلا الله باطل *** وكان يستنشد شعر أمية بن أبي الصلت لما فيه من الحكمة وقال: كاد أميةُ أن يُسلم، وأمر حسّاناً بهجاء المشركين وقال له: قُل ومعك رُوح القدس. وقال لكعببِ بن مالك: لكلامُك أشد عليهم من وقْع النبْل.
روى أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن بسنده إلى خُريم بن أوس بن حارثة أنه قال: هاجرت إلى رسول الله بالمدينة منصرَفَه من تبوك فسمعت العباس قال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك. فقال: قُل لا يفضُض الله فاك. فقال العباس:
من قبلِها طبتَ في الظلال وفي *** مُستَوْدَع حيثُ يخصف الوَرق
الأبيات السبعة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " لا يفضض الله فاك "
وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبدُ الله بن رواحة يمشي بين يديه يقول:
خَلُّوا بني الكفار عن سبيله *** اليومَ نضربكم على تنزيله
ضَرباً يُزيل الهامَ عن مقيله *** ويُذهل الخليلَ عن خليله
فقال له عُمر: يا ابن رواحة في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " خَلِّ عنه يا عمر فإنه أسرع فيهم من نَضْح النبْل "
وعن الزهري أن كعب بن مالك قال: يا رسول الله ما تقول في الشعر؟ قال: " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل "
ولعلي بن أبي طالب شعر كثير، وكثير منه غير صحيح النسبة إليه.
وقد بين القرطبي في «تفسيره» في هذه السورة وفي سورة النور القول في التفرقة بين حالي الشعر. وكذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني في أول كتاب «دلائل الإعجاز».
ووجب أن يكون النظر في معاني الشعر وحال الشاعر، ولم يزل العلماء يعنَون بشعر العَرب ومَن بعدهم، وفي ذلك الشعر تحبيب لفصاحة العربية وبلاغتها وهو آيل إلى غرض شرعي من إدراك بلاغة القرآن.
ومعنى: {من بعد ما ظلموا} أي من بعد ما ظلمهم المشركون بالشتم والهجاء.
{ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}.
ناسب ذكر الظلم أن ينتقل منه إلى وعيد الظالمين وهم المشركون الذين ظلموا المسلمين بالأذى والشتم بأقوالهم وأشعارهم. وجُعلت هذه الآية في موقع التذييل فاقتضت العموم في مسمى الظلم الشامل للكفر وهو ظلم المرء نفسه وللمعاصي القاصرة على النفس كذلك، وللاعتداء على حقوق الناس. وقد تلاها أبو بكر في عهده إلى عمر بالخلافة بعده، والواو اعتراضية للاستئناف.
وهذه الآية تحذير عن غمص الحقوق وحثّ عن استقصاء الجهد في النصح للأمة وهي ناطقة بأهيب موعظة وأهول وعيد لمن تدبرها لما اشتملت عليه من حرف التنفيس المؤذن بالاقتراب، ومن اسم الموصول المؤذن بأن سوء المنقلب يترقب الظالمين لأجل ظلمهم، ومن الإبهام في قوله: {أي منقلب ينقلبون} إذ ترك تبيينه بعقاب معيّن لتذهل نفوس المُوعَدِين في كل مذهب ممكن من هول المنقلب وهو على الإجمال منقلَب سوء.
والمنقلب: مصدر ميمي من الانقلاب وهو المصير والمآلُ، لأن الانقلاب هو الرجوع. وفعل العلم معلق عن العمل بوجود اسم الاستفهام بعده. واسم الاستفهام في موضع نصب بالنيابة عن المفعول المطلق الذي أضيف هو إليه. قال في «الكشاف»: وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدتها.
{طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1)}
تقدم القول في أن الراجح أن هذه الحروف تعريض بالتحدّي بإعجاز القرآن وأنه مؤتلف من حروف كلامهم. وتقدم ما في أمثالها من المحامل التي حاولها كثير من المتأولين.
ويجيء على اعتبار أن تلك الحروف مقتضبة من أسماء الله تعالى أن يقال في حروف هذه السورة ما روي عن ابن عباس أن: طس مقتضب من طَاءِ اسمه تعالى اللطيف، ومن سين اسمه تعالى السميع. وأن المقصود القَسَم بهاذين الاسمين، أي واللطيففِ والسميععِ تلك آيات القرآن المبين.
القول فيه كالقول في صدر سورة الشعراء وخالفت آية هذه السورة سابقتها بثلاثة أشياء: بذكر اسم القرآن وبعطف {وكتاب} على {القرآن} وبتنكير {كتاب}.
فأما ذكر اسم القرآن فلأنه علَم للكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز والهدي. وهذا العَلم يرادف الكتاب المعرَّف بلام العهد المجعول علماً بالغلبة على القرآن، إلا أن اسم القرآن أدخل في التعريف لأنه علم منقول. وأما الكتاب فعلَم بالغلبة، فالمراد بقوله: {وكتاب مبين} القرآنُ أيضاً ولا وجه لتفسيره باللَّوح المحفوظ للتفصّي من إشكال عطف الشيء على نفسه لأن التفصي من ذلك حاصل بأنَّ عطفَ إحدى صفتين على أُخرى كثير في الكلام. ولما كان في كلّ من {القرآن} و{كتاب مبين} شائبة الوصف فالأول باشتقاقه من القراءة، والثاني بوصفه ب {مبين}، كان عطف أحدهما على الآخر راجعاً إلى عطف الصفات بعضها على بعض، وإنما لم يؤت بالثاني بدَلاً، لأن العطف أعلق باستقلال كلا المتعاطفين بأنه مقصود في الكلام بخلاف البدل.
ونظير هذه الآية آية سورة الحجر (1) {تلك آيات الكتاب وقرآننٍ مبين فإن قرآن} في تلك الآية في معنى عطف البيان من {الكتاب} ولكنه عُطف لقصد جمعهما بإضافة {آيات} إليهما.
وإنما قدم في هذه الآية {القرآن} وعطف عليه {كتاب مبين} على عكس ما في طالعة سورة الحجر لأن المقام هنا مقام التنويه بالقرآن ومتبعيه المؤمنين، فلذلك وصف بأنه {هدى وبشرى للمؤمنين} [النمل: 2] أي بأنهم على هدى في الحال ومبشرون بحسن الاستقبال فكان الأهم هنا للوحي المشتمل على الآيات هو استحضاره باسمه العلم المنقول من مصدر القراءة لأن القراءة تناسب حال المؤمنين به والمتقبلين لآياته فهم يدرسونها، ولأجل ذلك أدخلت اللام للمح الأصل، تذكيراً بأنه مقروء مدروس. ثم عطف عليه {كتاب مبين} ليكون التنويه به جامعاً لعنوانيه ومستكملاً للدلالة بالتعريف على معنى الكمال في نوعه من المقروءات، والدلالة بالتنكير على معنى تفخيمه بين الكُتب كقوله تعالى: {مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} [المائدة: 48].:
وأما ما في أول سورة الحجر فهو مقام التحسير للكافرين من جراء إعراضهم عن الإسلام فناسب أن يبتدئوا باسم الكتاب المشتق من الكتابة دون القرآن لأنهم بمعزل عن قراءته ولكنه مكتوب، وحجة عليهم باقية على مر الزمان. وقد تقدم تفصيل ذلك في أول سورة الحجر، ولهذا عقب هنا ذكر {كتاب مبين} بالحال {هدى وبشرى للمؤمنين} [النمل: 2].
و {مبين} اسم فاعل إما من (أبان) القاصر بمعنى (بان) لأن وصفه بأنه بيّن واضح له حظ من التنويه به ما ليس من الوصف بأنه مُوضِّح مبين. فالمبين أفاد معنيين أحدهما: أن شواهد صدقه وإعجازه وهديه لكل متأمل، وثانيهما: أنه مرشد ومفصِّل.
{هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3)}
{هدى وبشرى} حالان من {كتاب بعد وصفه بمبين} [النمل: 1].
وجعل الحال مصدراً للمبالغة بقوة تسببه في الهدى وتبليغه البشرى للمؤمنين.
فالمعنى: أن الهدى للمؤمنين والبشرى حاصلان منه ومستمران من آياته.
والبشرى: اسم للتبشير، ووصف الكتاب بالهدى والبشرى جار على طريقة المجاز العقلي، وإنما الهادي والمبشر الله أو الرسول بسبب الكتاب. والعامل في الحال ما في اسم الإشارة من معنى: أُشير، كقوله: {وهذا بعلي شيخاً} [هود: 72]، وقد تقدم ما فيه في سورة إبراهيم.
و {للمؤمنين} يتنازعه {هدى وبشرى} لأن المؤمنين هم الذين انتفعوا بهديه كقوله: {هدى للمتقين} [البقرة: 2].
ووصف المؤمنين بالموصول لتمييزهم عن غيرهم لأنهم عُرفوا يومئذ بإقامة الصلاة وإعطاء الصدقات للفقراء والمساكين، ألا ترى أن الله عرّف الكفار بقوله {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 6، 7]، ولأن في الصلة إيماء إلى وجه بناء الإخبار عنهم بأنهم على هدى من ربّهم ومفلحون.
و {الزكاة}: الصدقة لأنها تزكي النفس أو تزكي المال، أي تزيده بركة. والمراد بالزكاة هنا الصدقة مطلقاً أو صدقة واجبة كانت على المسلمين، وهي مواساة بعضهم بعضاً كما دل عليه قوله في صفة المشركين {بل لا تكرمون اليتيمَ ولا تحضّون على طعام المسكين} [الفجر: 17، 18]. وأما الزكاة المقدرة بالنُّصُب والمقادير الواجبة على أموال الأغنياء فإنها فرضت بعد الهجرة فليست مراداً هنا لأن هذه السورة مكية.
وجملة: {وهم بالأخرة هم يوقنون} عطف على الصلة وليست من الصلة، ولذلك خولف بين أسلوبها وأسلوب الصلة فأتي له بجملة اسمية اهتماماً بمضمونها لأنه باعث على فعل الخيرات، على أن ضمير {هم} الثاني يجوز أن يعتبر ضمير فصل دالاً على القصر، أي ما يوقن بالآخرة إلا هؤلاء.
والقصْر إضافي بالنسبة إلى مجاوريهم من المشركين، وإلا فإن أهل الكتاب يوقنون بالآخرة، إلا أنهم غير مقصود حالهم للمخاطبين من الفريقين. وتقديم {بالأخرة} للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بها.
{إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4)}
لا محالة يثير كون الكتاب المبين هدى وبشرى للذين يوقنون بالآخرة سؤالاً في نفس السامع عن حال أضدادهم الذين لا يوقنون بالآخرة لماذا لا يهتدون بهدي هذا الكتاب البالغ حداً عظيماً في التبين والوضوح. فلا جرم أن يصلح المقام للإخبار عما صَرَفَ هؤلاء الأضدادَ عن الإيمان بالحياة الآخرة فوقع هذا الاستئناف البياني لبيان سبب استمرارهم على ضلالهم. ذلك بأن الله يعلم خبث طواياهم فحرمهم التوفيق ولم يصرف إليهم عناية تنشلهم من كيد الشيطان لحكمة علمها الله من حال ما جبلت عليه نفوسهم، فوقع هذا الاستئناف بتوابعه موقع الاعتراض بين أخبار التنويه بالقرآن بما سبق، والتنويه به بمن أنزل عليه بقوله: {وإنك لتُلَقّى القرآن} [النمل: 6].
وتأكيد الخبر بحرف التوكيد للاهتمام به لأنه بحيث يلتبس على الناس سبب افتراق الناس في تلقي الهدى بين مبادر ومتقاعس ومُصرّ على الاستمرار في الضلال. ومجيء المسند إليه موصولاً يومئ إلى أن الصلة علة في المسند.
وتزيين تلك الأعمال لهم: تصوّرهم إياها في نفوسهم زَيْناً، وإسناد التزيين إلى الله تعالى يرجع إلى أمر التكوين، أي خُلقت نفوسهم وعقولهم قابلة للانفعال وقبول ما تراه من مساوئ الاعتقادات والأعمال التي اعتادوها، فإضافة أعمال إلى ضمير الذين لا يؤمنون بالآخرة يقتضي أن تلك الأعمال هي أعمال الإشراك الظاهرة والباطنة فهم لإلفهم إياها وتصلّبهم فيها صاروا غير قابلين لهدي هذا الكتاب الذي جاءتهم آياته.
وقد أشارت الآية إلى معنى دقيق جداً وهو أن تفاوت الناس في قبول الخير كائن بمقدار رسوخ ضد الخير في نفوسهم وتعلق فطرتهم به. وذلك من جراء ما طرأ على سلامة الفطرة التي فطر الله الناس عليها من التطور إلى الفساد كما أشار إليه قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم ردَدْنَاه أسفلَ سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [التين: 5، 6] الآية. فمبادرة أبي بكر رضي الله عنه إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم أمارةٌ على أن الله فطره بنفس وعقل بريئين من التعلق بالشر مشتاقين إلى الخير حتى إذا لاح لهما تقبّلاه. وهذا معنى قول أبي الحسن الأشعري «ما زال أبو بكر بعين الرضى من الرحمن».
وقد أومأ جعل صلة الموصول مضارعاً إلى أن الحكم منوط بالاستمرار على عدم الإيمان، وأومأ جعل الخبر ماضياً في قوله: {زينا} إلى أن هذا التزيين حكم سبق وتقرر من قبلُ، وحسبك أنه من آثار التكوين بحسب ما طرأ على النفوس من الأطوار.
فإسناد تزيين أعمال المشركين إلى الله في هذه الآية وغيرها مثل قوله: {كذلك زيّنا لكل أمة عملهم} في سورة الأنعام (108) لا ينافي إسناد ذلك إلى الشيطان في قوله الآتي
{وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل} [النمل: 24]؛ فإن وسوسة الشيطان تجد في نفوس أولئك مرتعاً خصباً ومنبتاً لا يقحل؛ فالله تعالى مزينٌ لهم بسبب تطور جبلة نفوسهم من أثر ضُعف سلامة الفِطَر عندهم، والشيطان مزيّن لهم بالوسوسة التي تجد قبولاً في نفوسهم كما قال تعالى حكاية عنه {قال فبعزتك لأغوينّهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82، 83] وقال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42] وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم} الآية في سورة البقرة (7).
وفُرّع على تزيين أعمالهم لهم أنهم في عمَهٍ متمكن منهم بصوغ الإخبار عنهم بذلك بالجملة الاسمية. وأفادت صيغة المضارع أن العَمه متجدد مستمر فيهم، أي فهم لا يرجعون إلى اهتداء لأنهم يحسبون أنهم على صواب.
والعَمَه: الضلال عن الطريق بدون اهتداء. وقد تقدم في قوله تعالى: {ويمدّهم في طغيانهم يعمهون} في سورة البقرة (15). وفعله كمنع وفرح.
فضمير {هم} عائد إلى {الذين لا يؤمنون بالآخرة} بمراعاة هذا العنوان لا بذواتهم.
واعلم أن هذا الاستمرار متفاوت الامتداد فمنه أشدّه وهو الذي يمتد بصاحبه إلى الموت، ومنه دون ذلك. وكل ذلك على حسب تزيين الكفر في نفوسهم تزييناً خالصاً أو مشوباً بشيء من التأمل في مفاسده، وتلك مراتب لا يحيط بها إلا الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5)}
قصد باسم الإشارة زيادة تمييزهم فضحاً لسوء حالهم مع ما ينبه إليه اسم الإشارة في مثل هذا المقام من أن استحقاقَهم ما يخبَر به عنهم ناشئ عما تقدم اسم الإشارة كما في {أولئك على هدى من ربّهم} في سورة البقرة (5).
وعُزز ما نُبه عليه باسم الإشارة فأعقب باسم الموصول وصلته لما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الخبر.
وجيء بلام الاختصاص للإشارة إلى أنهم في حالتهم هذه قد هُيِّئ لهم سوء العذاب. والظاهر أن المراد به عذاب الدنيا وهو عذاب السيف وخزي الغلب يوم بدر وما بعده بقرينة عطف: {وهم في الآخرة هم الأخسرون.
ففي الآية إشارة إلى جزاءين: جزاء في الدنيا معدود لهم يستحقونه بكفرهم، فهم ما داموا كافرين متهيئون للوقوع في ذلك العذاب إن جاء إبانه وهم على الكفر.
وجزاءٍ في الآخرة يَنَال من صار إلى الآخرة وهو كافر، وهذا المصير يسمى بالموافاة عند الأشعري.
ولكون نوال العذاب الأول إياهم قابلاً للتفصّي منه بالإيمان قبيل حلوله بهم جيء في جانبه بلام الاختصاص المفيدة كونه مهيَّأ تهيئة، أما أصالة جزاء الآخرة إياهم فلا مندوحة لهم عنه إن جاؤوا يوم القيامة بكفرهم.
فالضمائر في قوله لهم} وقوله: {وهم في الآخرة هم} عائدة إلى {الذين لا يؤمنون بالآخرة} [النمل: 4] بمراعاة ذلك العنوان الذي أفادته الصلة فلا دلالة في الضمير على أشخاص مُعَيّنين ولكن على موصوفين بمضمون الصلة فمن تنقشع عنه الضلالة ويثوبُ إلى الإيمان يبرأ من هذا الحكم. وصيغ الخبر عنهم بالخسران في صيغة الجملة الاسمية وقرن بضمير الفصل للدلالة على ثبات مضمون الجملة وعلى انحصار مضمونها فيهم كما تقدم في قوله: {وهم بالآخرة هم يوقنون} [النمل: 3].
وجاء المسند اسم تفضيل للدلالة على أنهم أوحدون في الخسران لا يشبهه خسرانُ غيرهم، لأن الخسران في الآخرة متفاوت المقدار والمدة وأعظمه فيهما خسران المشركين.
{وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)}
عطف على جملة: {تلك آيات القرآن} [النمل: 1] انتقال من التنويه بالقرآن إلى التنويه بالذي أنزل عليه بأن القرآن آيات دالة على أنه كتاب مبين. وذلك آية أنه من عند الله، ثم بأنه آية على صدق من أنزل عليه إذْ أنبأه بأخبار الأنبياء والأمم الماضين التي ما كان يعلمها هو ولا قومه قبل القرآن. وما كان يعلم خاصة أهل الكتاب إلا قليلاً منها أكثره محرف. وأيضاً فهذا تمهيد لما يذكر بعده من القصص.
و {تلقّى} مضارع لقاه مبنيٌّ للمجهول، أي جعله لاقياً. واللُّقيُّ واللقاء: وصول أحد الشيئين إلى شيء آخر قصداً أو مصادفة. والتلقية: جعل الشيء لاقياً غيره، قال تعالى: {ولقّاهم نضرة وسروراً} [الإنسان: 11]، وهو هنا تمثيل لحال إنزال القرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحال التلقية كأنَّ جبريل سعَى للجمع بين النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن.
وإنما بني الفعل إلى غير مذكور للعلم بأنه الله أو جبريل، والمعنى واحد: وهو أنك مؤتى الوحي من لدن حكيم عليم.
وتأكيد الخبر لمجرد الاهتمام لأن المخاطب هو النبي وهو لا يتردد في ذلك، أو يكون التأكيد موجهاً إلى السامعين من الكفار على طريقة التعريض.
وفي إقحام اسم {لدُن} بين {مِن} و{حكيم} تنبيه على شدة انتساب القرآن إلى جانب الله تعالى، فإن أصل {لدن} الدلالة على المكان مثل (عند) ثم شاع إطلاقها على ما هو من خصائص ما تضاف هي إليه تنويهاً بشأنه، قال تعالى: {وعلَّمناه من لُدنَّا عِلماً} [الكهف: 65].
والحكيم: القوي الحكمة، والعليم: الواسع العلم. وفي التنكير إيذان بتعظيم هذا الحكيم العليم كأنه قيل: من حكيم أيّ حكيم، وعليم أيّ عليم.
وفي الوصفين الشريفين مناسبة للمعطوف عليه وللممهَّد إليه، فإن ما في القرآن دليل على حكمة وعلم من أوحى به، وأن ما يذكر هنا من القصص وما يستخلص منها من المغازي والأمثال والموعظة، من آثار حكمةٍ وعِلْم حكيممٍ عليم، وكذلك ما في ذلك من تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم
{إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)}
قال الزجاج والزمخشري وغيرهما: انتصب {إذْ} بفعل مضمر تقديره: اذكر، أي أن {إذْ} مجردٌ عن الظرفية مستعمل بمعنى مطلق الوقت، ونصْبُه على المفعول به، أي اذكر قصة زمن قال موسى لأهله، يعني أنه جار على طريقة {وإذْ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30].
فالجملة استئناف ابتدائي. ومناسبة موقعها إفادة تنظير تلقي النبي صلى الله عليه وسلم القرآن بتلقّي موسى عليه السلام كلامَ الله إذ نودي {يا موسى إنّه أنا الله العزيز الحكيم} [النمل: 9].
وذلك من بديع التخلص إلى ذكر قصص هؤلاء الأنبياء عقب التنويه بالقرآن، وأنه من لدن حكيم عليم. والمعنى: أن الله يقصّ عليك من أنباء الرسل ما فيه مَثَل لك ولقومك وما يثبت به فؤادك.
وفي ذلك انتقال لنوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن المغيبات وهو ما عددناه في الجهة الرابعة من جهات إعجاز القرآن في المقدمة العاشرة من المقدمات.
وجملة: {قال موسى لأهله} إلى آخرها تمهيد لجملة {فلما جاءها نُودي أن بُورك مَن في النّار} [النمل: 8] إلخ. وزمانُ قول موسى لأهله هذه المقالة هو وقت اجتلابه للمبادرة بالوحي إليه. فهذه القصة مثَل ضربه الله لِحال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه، ابتدئت بما تقدم رسالة موسى من الأحوال إدماجاً للقصة في الموعظة.
والأهل: مراد به زوجه، ولم يكن معه إلا زوجه وابنان صغيران. والمخاطب بالقول زوجه، ويكنى عن الزوجة بالأهل. وفي الحديث: «والله ما علمتُ على أهلي إلا خَيراً»
ولم تظهر النار إلا لموسى دون غيره من أهله لأنها لم تكن ناراً معتادة، لكنها من أنوار عالم الملكوت جلاّه الله لموسى فلا يراه غيره. ويؤيد هذا تأكيده الخبر ب (إن) المشير إلى أن زوجهُ ترددت في ظهور نار لأنها لم ترها.
والإيناس: الإحساس والشعور بأمر خفي، فيكون في المرئيات وفي الأصوات كما قال الحارث بن حلزة:
آنَستْ نَبْأَةً وأفزعها القُنَّ *** اصُ عَصْرَاً وقد دنا الإِمساء
والمراد بالخبر خبر المكان الذي تلوح منه النار. ولعله ظن أن هنالك بيتاً يرجو استضافتهم إياه وأهله تلك الليلة، وإن لم يكن أهل النار أهل بيت يستضيفون بأن كانوا رجالاً مقوين يأتتِ منهم بجمرة نار ليوقد أهله ناراً من حطب الطريق للتدفُّؤ بها.
والشهاب: الجمر المشتعل. والقبس: جمرة أو شعلة نار تُقبس، أي يُؤخذ اشتعالها من نار أخرى ليُشعل بها حطب أو ذُبالة نار أو غيرهما.
وقرأ الجمهور بإضافة {شهاب} إلى {قبس} إضافة العام إلى الخاص مثل: خَاتم حديد. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف بتنوين {شهاب}، فيكون {قبس} بدلاً من {شهاب} أو نعتاً له. وتقدم في أول سورة طه.
والاصطلاء: افتعال من الصلي وهو الشيُّ بالنار. ودلت صيغة الافتعال أنه محاولة الصلي فصار بمعنى التدفُّؤ بوهج النار.
{فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11)}
أُنث ضمير {جاءها} جرياً على ما تقدم من تسمية النور ناراً بحسب ما لاح لموسى. وتقدم ذكر هذه القصة في سورة طه، فبنا أن نتعرض هنا لما انفردت به هذه الآيات من المفردات والتراكيب، فقوله: {أن بورك من في النار ومن حولها} هو بعض ما اقتضاه قوله في طه (12): {فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طُوى} لأن معنى بورك قُدّس وزُكِّيَ.
وفعل (بارك) يستعمل متعدياً، يقال: باركك الله، أي جعل لك بركة وتقدم بيان معنى البركة في قوله تعالى: {للَّذِي بِبَكَّة مباركاً} في آل عمران (96)، وقوله {وبركاتتٍ عليك وعلى أمم ممّن معك} في سورة هود (48). و(أن) تفسيرية لفعل {نُودِيَ} لأن فيه معنى القول دون حروفه، أي نودي بهذا الكلام.
و {مَن في النار} مراد به موسى فإنه لما حل في موضع النور صار محيطاً به فتلك الإحاطة تشبه إحاطة الظرف بالمظروف، فعبر عنه ب {مَن في النار} وهو نفسه.
والعدول عن ذِكره بضمير الخِطاب كما هو مقتضى الظاهر، أو باسمه العلم إن أريد العدول عن مقتضى الظاهر، لأن في معنى صلة الموصول إيناساً له وتلطفاً كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ «قُم أبَا تراب» وكثيرٌ التلطف بذكر بعض ما التبس به المتلطَّف به من أحواله. وهذا الكلام خبر هو بشارة لموسى عليه السلام ببركة النبوءة.
ومَن حَوْل النار: هو جبريل الذي أرسل إليه بما نودي به والملائكة الذين وكل إليهم إنارة المكان وتقديسُه إن كان النداء بغير واسطة جبريل بل كان من لدن الله تعالى. فهذا التبريك تبريك ذوات لا تبريك مكان بدليل ذكر {مَن} الموصولة في الموضعين، وهو تبريك الاصطفاء الإلهي بالكرامة. وقيل إن قوله {أن بورك من في النار} إنشاء تحية من الله تعالى إلى موسى عليه السلام كما كانت تحية الملائكة لإبراهيم {رحمتُ الله وبركاته عليكم أهل البيت} [هود: 73] أي أهل هذا البيت الذي نحن فيه.
و {سبحان الله رب العالمين} عطف على ما نودي به موسى على صريح معناه إخباراً بتنزيه الله تعالى عما لا يليق بإلهيته من أحوال المحدثات ليعلم موسى أمرين: أحدهما أن النداء وحي من الله تعالى، والثاني أن الله منزه عما عسى أن يخطر بالبال أن جلالته في ذلك المكان. ويجوز أن يكون {سبحان الله} مستعملاً للتعجيب من ذلك المشهد وأنه أمر عظيم من أمر الله تعالى وعنايته يقتضي تذكُّر تنزيهه وتقديسه.
وفي حذف متعلق التنزيه إيذان بالعموم المناسب لمصدر التنزيه وهو عموم الأشياء التي لا يليق إثباتها لله تعالى وإنما يُعلم تفصيلها بالأدلة العقلية والشرعية.
فالمعنى: ونَزِّه الله تنزيهاً عن كل ما لا يليق به، ومن أول تلك الأشياء تنزيهه عن أن يكون حالاً في ذلك المكان.
وإرداف اسم الجلالة بوصف {رب العالمين} فيه معنى التعليل للتنزيه عن شؤون المحدثات لأنه رب العالمين فلا يشبه شأنه تعالى شؤونهم.
وضمير {إنه} ضمير الشأن، وجملة: {أنا الله العزيز الحكيم} خبر عن ضمير الشأن. والمعنى: إعلامه بأن أمراً مهماً يجب علمه وهو أن الله عزيز حكيم، أي لا يغلبه شيء، لا يستصعب عليه تكوين.
وتقديم هذا بين يدي ما سيلقى إليه من الأمر لإحداث رِبَاطَة جأْش لموسى ليعلم أنه خلعت عليه النبوءة إذ ألقي إليه الوحي، ويعلم أنه سيتعرض إلى أذى وتألب عليه، وذلك كناية عن كونه سيصير رسولاً، وأن الله يؤيده وينصره على كل قوي، وليعلمَ أن ما شاهد من النار وما تلقّاه من الوحي وما سيشاهده من قلب العصا حية ليس بعجيب في جانب حكمة الله تعالى، فتلك ثلاث كنايات، فلذلك أتبع هذا بقوله: {وألق عصاك}. والمعنى: وقلنا ألق عصاك.
والاهتزاز: الاضطراب، وهو افتعال من الهَزّ وهو الرفع كأنها تطاوع فعل هازَ يهزُّها. والجانّ: ذَكَر الحيات، وهو شديد الاهتزاز وجمعه جِنّان (وأما الجانّ بمعنى واحد الجن فاسم جمعه جنّ). والتشبيه في سرعة الاضطراب لأن الحيات خفيفة التحرك، وأما تشبيه العصا بالثعبان في آية {فإذا هي ثعبان مبين} [الأعراف: 107] فذلك لضخامة الجرم.
والتولي: الرجوع عن السير في طريقه. وفعل (تولى) مرادف فعل {ولّى} كما هو ظاهر صنيع «القاموس» وإن كان مقتضى ما في فعل (تولى) من زيادة المبنى أن يفيد (تولى) زيادة في معنى الفعل. وقد قال تعالى: {ثم تولى إلى الظل} في سورة القصص (24). ولعل قصد إفادة قوة توليه لمّا رأى عصاه تهْتَزّ هو الداعي لتأكيد فعل {ولّى} بقوله: {مدبراً ولم يعقب} فتأمّل.
والإدبار: التوجه إلى جهة الخلف وهو ملازم للتولي فقوله: {مدبراً} حال لازمة لفعل {ولَّى}.
والتعقب: الرجوع بعد الانصراف مشتق من العَقب لأنه رجوع إلى جهة العَقب، أي الخلْف، فقوله: {ولم يعقب} تأكيد لشدة تولّيه، أي ولّى تولياً قوياً لا تردد فيه. وكان ذلك التولي منه لتغلّب القوة الواهمة التي في جبلة الإنسان على قوة العقل الباعثة على التأمل فيما دل عليه قوله: {أنا الله العزيز} من الكناية عن إعطائه النبوءة والتأييد، إذ كانت القوة الواهمة متأصلة في الجبلة سابقة على ما تلقاه من التعريض بالرسالة، وتأصُّل القوة الواهمة يزول بالتخلق وبمحاربة العقل للوهَم فلا يزالان يتدافعان ويضعف سلطان الوَهَم بتعاقب الأيام.
وقوله: {يا موسى لا تخف} مقول قول محذوف، أي قلنا له. والنهي عن الخوف مستعمل في النهي عن استمرار الخوف. لأن خوفه قد حصل. والخوف الحاصل لموسى عليه السلام خوف رغب من انقلاب العصا حية وليس خوف ذَنب، فالمعنى: لا يَجْبُنُ لديَّ المرسلون لأني أحفَظُهم.
و {إني لا يخاف لديّ المرسلون} تعليل للنهي عن الخوف وتحقيق لما يتضمنه نهيه عن الخوف من انتفاء موجبه.
وهذا كناية عن تشريفه بمرتبة الرسالة إذ عُلّل بأن المرسلين لا يخافون لدى الله تعالى. ومعنى {لديّ} في حضرتي، أي حين تلقِّي رسالتي. وحقيقة {لدي} مستحيلة على الله لأن حقيقتها المكان.
وإذا قد كان انقلاب العصا حية حصل حين الوحي كان تابعاً لما سبقه من الوحي، وهذا تعليم لموسى عليه السلام التخلق بخلق المرسلين من رِبَاطة الجأش. وليس في النهي حط لمرتبة موسى عليه السلام عن مراتب غيره من المرسلين وإنما هو جار على طريقة: مثلُكَ لا يبخل. والمراد النهي عن الخوف الذي حصل له من انقلاب العصا حية وعن كل خوف يخافه كما في قوله: {فاضْرِب لهم طريقاً في البَحر يَبَساً لا تخافُ درَكاً ولا تخشى} [طه: 77].
والاستثناء في قوله: {إلا من ظلم} ظاهره أنه متصل. ونسَب ابن عطية هذا إلى مقاتل وابن جُريج فيكون {من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء} مستثنى من عموم الخوف الواقع فعله في حيّز النفي فيعم الخوف بمعنى الرعب والخوف الذي هو خوف العقاب على الذنب، أي إلا رسولاً ظَلم، أي فَرط منه ظلم، أي ذَنب قبل اصطفائه للرسالة، أي صدر منه اعتداء بفعل ما لا يفعله مثلُه في متعارف شرائع البشر المتقرر أنها عدل، بأن ارتكب ما يخالف المتقرر بين أهل الاستقامة أنه عدل (قبل أن يكون الرسول متعبَّداً بشرع) فهو يخاف أن يؤاخذه الله به ويجازيه على ارتكابه وذلك مثل كيد إخوة يوسف لأخيهم، واعتداء موسى على القِبطي بالقتل دون معرفة المحق في تلك القضية؛ فذلك الذي ظلم ثم بَدَّل حُسناً بعد سوء، أي تاب عن فعله وأصلح حاله يغفر الله له.
والمقصود من هذا الاستثناء على هذا الوجه تسكين خاطر موسى وتبشيره بأن الله غفر له ما كان فرط فيه، وأنه قبل توبته مما قاله يوم الاعتداء {هذا من عمل الشيطان إنه عدوّ مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} [القصص: 15، 16]، فأفرغ هذا التطمين لموسى في قالَب العموم تعميماً للفائدة.
واستقامةُ نظم الكلام بهذا المعنى يكون بتقدير كلام محذوف يدل عليه التفريع في قوله: {فإني غفور رحيم}. فالتقدير: إلا من ظلم من قبل الإرسال وتاب من ظلمه فخاف عقابي فلا يَخاف لأني غافر له وقابل لتوبته لأني غفور رحيم. وانتظم الكلام على إيجاز بديع اقتضاه مقام تعجيل المسرة، ونسج على منسج التذكرة الرمزية لعلم المتخاطبَيْن بذلك كأنه يقول: لم أهمل توبتك يوم اعتديت وقولَك {هذا من عمل الشيطان إنه عدوّ مضلّ مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} [القصص: 15، 16]، وعزمَك على الاستقامة يوم قلتَ: {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين} [القصص: 17].
ولذلك اقتصر في الاستثناء على خصوص من بدّل حسناً بعد سوء إذ لا يتصور في الرسول الإصرار على الظلم.
ومن ألطف الإيماء الإتيان بفعل {ظَلم} ليومئ إلى قول موسى يوم ارتكب الاعتداء {ربّ إني ظلمتُ نفسي} [القصص: 16] ولذلك تعين أن يكون المقصود ب {من ظَلم ثم بدّل حسناً بعد سوء} موسى نفسَه.
وقال الفرّاء والزجاج والزمخشري وجرى عليه كلام الضحاك: الاستثناء منقطع وحرف الاستثناء بمعنى الاستدراك فالكلام استطراد للتنبيه على أن من ظَلم وبدّل حسناً بعد سوء من الناس يغفر له. وعليه تكون {مَن} صادقة على شَخص ظَلَم وليس المراد بها مخالفات بعض الرسل. وهذا التأويل دعا إليه أن الرسالة تنافي سبق ظلم النفس. والذي حداهم إلى ذلك أن من مقتضى الاستثناء المتصل إثباتَ نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى، ونقيضُ انتفاء الخوف حصول الخوف. والموجود بعد أداة الاستثناء أنه مغفور له فلا خلاف عليه. ويُفهم منه أنه لو ظلم ولم يبدل حسناً بعد سوء يخاف عذاب الآخرة.
أما الزمخشري فزاد على ما سلكه الفرّاء والزجاج فجعل ما صْدَق {من ظلم} رسولاً ظلم. والذي دعاه إلى اعتبار الاستثناء منقطعاً هو أحد الداعيين اللذين دعيا الفرّاء والزجاج وهو أن الحكم المثبت للمستثنى ليس نقيضاً لحكم المستثنى منه ولذلك جعل ما صْدَق {مَن ظلم} رسولاً من الرسل ظلم بما فرط منه من صغائر ليشمل موسى وهو واحد منهم.
وقد تحصل من الاحتمالين في معنى الاستثناء أن الرسل في حضرة الله (أي حين القيام بواجبات الرسالة) لا يخافون شيئاً من المخلوقات لأن الله تعالى تكفل لهم السلامة، ولا يخافون الذنوب لأن الله تكفل لهم العصْمة. ولا يخافون عقاباً على الذنوب لأنهم لا يقربونها، وأن من عداهم إن ظلم نفسه ثم بَدَّل حسناً بعد سوء أمِن ممّا يُخاف من عقاب الذنوب لأنه تدارك ظلمه بالتوبة، وإن ظلم نفسه ولم يتب يخف عقاب الذنب فإن لم يظلم نفسه فلا خوف عليه. فهذه معان دلّ عليها الاستثناء باحتماليه، وذلك إيجاز.
وفي «تفسير ابن عطية» أن أبا جعفر قرأ: {أَلاَ من ظلم} بفتح همزة (أَلاَ) وتخفيف اللام فتكون حرف تنبيه، ولا تعرف نسبة هذه القراءة لأبي جعفر فيما رأينا من كتب علم القراءات فلعلها رواية ضعيفة عن أبي جعفر.
وفعل {بدّل} يقتضي شيئين: مأخوذاً، ومُعطى، فيتعدى الفعل إلى الشيئين تارة بنفسه كقوله تعالى في الفرقان (70) {فأولئك يبدِّل الله سيئاتهم حسنات، ويتعدّى تارة إلى المأخوذ بنفسه وإلى المعطى بالباء على تضمينه معنى عَاوض كما قال تعالى: ولا تتبدّلوا الخبيث بالطيب} [النساء: 2]، أي لا تأخذوا خبيث المال وتضيّعوا طيِّبه، فإذا ذكر المفعولان منصوبين تعين المأخوذ والمبذول بالقرينة وإلا فالمجرور بالباء هو المبذول، وإن لم يذكر إلا مفعول واحد فهو المأخوذ كقول امرئ القيس:
وبُدِّلت قُرحاً دامياً بعد صحة *** فيا لككِ من نُعمى تبدَّلْنَ أبؤسا
وكذلك قوله تعالى هنا: {ثم بدل حسناً بعد سوء} أي أخذ حسناً بسوء، فإن كلمة {بعد} تدل على أن ما أضيفت إليه هو الذي كان ثابتاً ثم زال وخلفه غيره. وكذلك ما يفيد معنى (بعد) كقوله تعالى: {ثم بدلنا مكانَ السيئة الحسنة} [الأعراف: 95] فالحالة الحسنة هي المأخوذة مجعولة في موضع الحالة السيئة.
{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12)}
عطف على قوله: {وألق عصاك} [النمل: 10] وما بينهما اعتراض، بعد أن أراه آية انقلاب العصا ثعباناً أراه آية أخرى ليطمئن قلبه بالتأييد، وقد مضى في «طه» التصريح بأنه أراه آية أخرى. والمقصود من ذلك أن يعجل له ما تطمئن له نفسه من تأييد الله تعالى إياه عند لقاء فرعون.
وقوله: {في تسع آيات} حال من {تخرج بيضاء} أي حالة كونها آية من تسع آيات، و{إلى فرعون} صفة لآيات، أي آيات مسوقة إلى فرعون. وفي هذا إيذان بكلام محذوف إيجازاً وهو أمر الله موسى بأن يذهب إلى فرعون كما بيّن في سورة الشعراء.
والآيات هي: العصا، واليَد، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، والقحط، وانفلاق البحر وهو أعظمها، وقد عدّ بعضها في سورة الأعراف. وجمعها الفيروزآبادي في بيت ذكره في مادة (تسع) من «القاموس» وهو:
عصاً سَنَةٌ بحر جراد وقُمَّل *** يَدٌ ودَمٌ بعدَ الضفادع طُوفان
{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)}
أوجز بقية القصة وانتقل إلى العبرة بتكذيب فرعون وقومه الآيات، ليُعتبر بذلك حال الذين كذبوا بآيات محمد صلى الله عليه وسلم وقصد من هذا الإيجاز طي بساط القصة لينتقل منها إلى قصة داود ثم قصة سليمان المبسوطة في هذه السورة. والمراد بمجيء الآيات حصولها واحدة بعد أخرى وهي الآيات الثمان التي قبل الغرق.
والمبصرة: الظاهرة. صيغ لها وزن اسم فاعل الإبصار على طريقة المجاز العقلي، وإنما المبصر الناظرُ إليها. وقد تقدم في قوله تعالى: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} في سورة الإسراء (59).
والجحود: الإنكار باللسان.
و {استيْقنتها} بمعنى أيقنت بها، فحُذف حرف الجر وعدي الفعل إلى المجرور على التوسع أو على نزع الخافض، أي تحققتها عقولُهم، والسين والتاء للمبالغة. والظلم في تكذيبهم الرسول لأنهم ألصقوا به ما ليس بحق فظلموه حقه.
والعلو: الكبر ويحسن أن تكون جملة: {واستيقنتها} حالية، فقوله: {ظلماً وعلواً} نشر على ترتيب اللفّ. فالظلم في الجحد بها والعلوّ في كونهم موقنين بها.
وانتصب {ظلماً وعلوّاً} على الحال من ضمير {جحدوا} وجعل ما هو معلوم من حالهم فيما لحق بهم من العذاب بمنزلة الشيء المشاهد للسامعين فأمر بالنظر إليه بقوله: {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}. والخطاب لغير معين. ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تسلية له بما حلّ بالمكذبين بالرسل قبله لأن في ذلك تعريضاً بتهديد المشركين بمثل تلك العاقبة.
و {كيف} يجوز أن يكون مجرّداً عن معنى الاستفهام منصوباً على المفعولية، ويجوز أن يكون استفهاماً معلِّقاً فعلَ النظر عن العمل، والاستفهام حينئذ للتعجيب.
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)}
كما كان في قصة موسى وإرساله إلى فرعون آياتٌ عبرةٌ ومَثَل للذين جحدوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كذلك في قصة سليمان وملكة سبأ وما رأته من آياته وإيمانها به مثَلٌ لعلم النبي صلى الله عليه وسلم وإظهارٌ لفضيلة ملكةِ سبأ إذ لم يصدها مُلكُها عن الاعتراف بآيات سليمان فآمنت به، وفي ذلك مَثَل للذين اهتدَوْا من المؤمنين.
وتقديم ذكر داود ليبْنى عليه ذكر سليمان إذ كان ملكه ورثه من أبيه داود. ولأن في ذكر داود مثل لإفاضة الحكمة على من لم يكن متصدياً لها. وما كان من أهل العلم بالكتاب أيامَ كان فيهم أحبارٌ وعلماء؛ فقد كان داود راعياً غَنَم أبيه (يسِّي) في بيت لحم فأمر الله شمويل النبيءَ أن يجعل داود نبيئاً في مدة ملك طالوت (شاول). فما كان عجب في نبوءة محمد الأمي بين الأميين ليعلم المشركون أن الله أعطى الحكمة والنبوءة محمداً صلى الله عليه وسلم ولم يكن يعلم ذلك من قبلُ ولكن في قومه من يعلم ذلك كما قال تعالى: {ما كنتَ تعلمُها أنتَ ولا قومُك من قبل هذا} [هود: 49]، فهذه القصة تتصل بقوله تعالى: {وإنك لَتُلَقّى القرآن من لدن حكيم عليم} [النمل: 6].
فيصح أن تكون جملة: {ولقد آتينا داود} معطوفاً على {إذ قال موسى لأهله} [النمل: 7] إذا جعلنا (إذ) مفعولاً لفعل (اذكر) محذوف.
ويصح أن تكون الواو للاستئناف فالجملة مستأنفة. ومناسبة الذكر ظاهرة. وبعدُ ففي كل قصة من قصص القرآن علم وعبرة وأسوة.
وافتتاح الجملة بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين به منزلة من يتردد في ذلك لأنهم جحدوا نبوءة مثللِ داود وسليمان إذ قالوا: {لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} [سبأ: 31].
وتنكير {علماً} للتعظيم لأنه علم بنبوءة وحكمة كقوله في صاحب موسى {وعلّمناه من لدُنَّا عِلْماً} [الكهف: 65].
وفي فعل {آتينا} ما يؤذن بأنه علم مفاض من عند الله، لأن الإيتاءَ أخصّ من {علّمناه} فلذلك استغني هنا عن كلمة (من لدنّا).
وحكاية قولهما {الحمد لله الذي فضلنا} كناية عن تفضيلهما بفضائل غير العلم. ألاَ ترى إلى قوله: {على كثير من عباده المؤمنين} ومنهم أهلُ العلم وغيرهم، وتنويه بأنهما شاكران نعمته.
ولأجل ذلك عطف قولهما هذا بالواو دُون الفاء لأنه ليس حمداً لمجرد الشكر على إيتاءِ العلم.
والظاهر أن حكاية قوليهما وقعت بالمعنى، بأن قال كل واحد منهما: الحمد لله الذي فضلني، فلما حكي القولان جمع ضمير المتكلم، ويجوز أن يكون كل واحد شكر الله على منحه ومنححِ قريبه، على أنه يكثر استعمال ضمير المتكلم المشارَك لا لقصد التعظيم بل لإخفاء المتكلم نفسه بقدر الإمكان تواضعاً كما قال سليمان عقب هذا
{عُلِّمنا منطقَ الطير وأوتينا من كل شيء} [النمل: 16]. وجعلا تفضيلهما على كثير من المؤمنين دون جميع المؤمنين؛ إمَّا لأنهما أرادا بالعباد المؤمنين كلّ مَن ثبت له هذا الوصف من الماضين وفيهم موسى وهارون، وكثير من الأفضل والمُساوي، وإمّا لأنهما اقتصدا في العبارة إذ لم يحيطا بمن ناله التفضيل، وإما لأنهما أرادا بالعباد أهلَ عصرهما فعبَّرا ب {كثير من عباده} تواضعاً لله. ثم إن كان قولهما هذا جهراً وهو الظاهر كان حجة عَلى أنه يجوز للعالم أن يذكر مرتبته في العلم لفوائد شرعية ترجع إلى أن يَحْذر الناس من الاغترار بمن ليست له أهلية من أهل الدعوى الكاذبة والجعجعة الجالبة، وهذا حكم يستنبط من الآية لأن شرع من قبلنا شرع لنا، وإن قالاه في سرهما لم يكن فيه هذه الحجة.
{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)}
{المؤمنين * وَوَرِثَ سليمان دَاوُودَ وَقَالَ ياأيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَئ إِنَّ هذا}.
طوى خبر ملك داود وبعض أحواله إلى وفاته لأن المقصود هو قصة سليمان كما قدمناه آنفاً. وقد كان داود ملكاً على بني إسرائيل ودام ملكه أربعين سنة وتوفي وهو ابن سبعين سنة.
فخلفه سليمان فهو وارث ملكه والقائم في مقامه في سياسة الأمة وظهور الحكمة ونبوءة بني إسرائيل والسمعة العظيمة بينهم. فالإرث هنا مستعمل في معناه المجازي وهو تشبيه الأحوال الجليلة بالمال وتشبيه الخلفة بانتقال ملك الأموال لظهور أن ليس غرض الآية إفادة من انتقلت إليه أموال داود بعد قوله: {ولقد آتينا داوود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضَّلنا} [النمل: 15] فتعين أن إرث المال غير مقصود فإنه غرض تافه.
وقد كان لداود أحدَ عشر ولداً فلا يختص إرثُ ماله بسليمان وليس هو أكبرهم، وكان داود قد أقام سليمان ملكاً على إسرائيل. وبهذا يظهر أن ليس في الآية ما يحتج به لجواز أن يورث مال النبي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نُورث ما تركنَا صدقة "، وظاهره أنه أراد من الضمير جماعة الأنبياء وشاع على ألسنة العلماء: إنا أو نَحن معاشرَ الأنبياء لا نورث، ولا يعرف بهذا اللفظ، ووقع في كلام عمر بن الخطاب مع العباس وعلي في شأن صدقة النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر: «أنشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله قال: لا نُورث ما تركنا صدقة، يريد رسولُ الله نفسَه» وكذلك قالت عائشة، فإذا أخذنا بظاهر الآية كان هذا حكماً في شرع من قبلنا فينسخ بالإسلام، وإذا أخذنا بالتأويل فظاهر. وقد أجمع الخلفاء الراشدون وغيرهم على ذلك، خلافاً للعباس وعلي، ثم رجعا حين حاجهما عمر. والعلة هي سدّ ذريعة خطور تمني موت النبي في نفس بعض ورثته.
قال سليمان هذه المقالة في مجمع عظيم لأن لهجة هذا الكلام لهجة خطبته في مجمع من الناس الحاضرين مجلسه من الخاصة والسامعين من العامة. فهذه الجملة متضمنة شكر الله تعالى ما منحه من علم ومُلك، وليقدر الناس قدره ويعلموا واجب طاعته إذ كان الله قد اصطفاه لذلك، وأطلعه على نوايا أنفر الحيوان وأبعده عن إلف الإنسان وهو الطير، فما ظنك بمعرفة نوايا الناس من رعيته وجنده فإن تخطيط رسوم الملك وواجباته من المقاصد لصلاح المملكة بالتفاف الناس حول ملكهم وصفاء النيات نحوه، وبمقدار ما يحصل ذلك من جانبهم يكون التعاون على الخير وتنزل السكينة الربانية، فلما حصل من جانب سليمان الاعتراف بهذا الفضل لله تعالى فقد أدى واجبه نحو أمته فلم يبق إلا أن تؤدي الأمة واجبها نحو مَلِكها، كما كان تعليم فضائل النبوة من مقاصد الشارع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
«أنا سيِّد ولدِ آدم ولا فخر» أي أقوله لقصد الإعلام بواجب التقادير لا لقصد الفخر على الناس، ويعلموا واجب طاعته.
وعِلم منطق الطير أوتيه سليمان من طريق الوحي بأن أطلعه الله على ما في تقاطيع وتخاليف صفير الطيور أو نعيقها من دلالة على ما في إدراكها وإرادتها. وفائدة هذا العلم أن الله جعله سبيلاً له يهتدي به إلى تعرف أحوال عالمية يسبق الطير إلى إدراكها بما أودع فيه من القُوى الكثيرة، وللطير دلالة في تخاطب أجناسها واستدعاء أصنافها والإنباء بما حولها ما فيه عون على تدبير ملكه وسياسة أمته، مثل استخدام نوع الهدهد في إبلاغ الأخبار وردها ونحو ذلك.
ووراء ذلك كله انشراحُ الصدر بالحكمة والمعرِفة لكثير من طبائع الموجودات وخصائصها. ودلالة أصوات الطير على ما في ضمائرها: بعضُها مشهور كدلالة بعض أصواته على نداء الذكور لإناثها، ودلالة بعضها على اضطراب الخوف حين يمسكه مُمسك أو يهاجمه كاسر، ووراء ذلك دلالات فيها تفصيل، فكل كيفية من تلك الدلالات الإجمالية تنطوي على تقاطيع خفية من كيفيات صوتية يخالف بعضها بعضاً فيها دلالات على أحوال فيها تفضيل لما أجملته الأحوال المجملة، فتلك التقاطيع لا يهتدي إليها الناس ولا يطلع عليها إلا خالقها، وهذا قريب من دلالة مخارج الحروف وصفاتها في لغة من اللغات وفكّها وإدغامها واختلاف حركاتها على معاننٍ لا يهتدي إليها مَن يعرف تلك اللغة معرفة ضعيفة ولم يتقن دقائقها. مثل أن يسمع ضَلَلْت وظَللت، فالله تعالى اطلع سليمان بوحي على مختلف التقاطيع الصوتية التي في صفير الطير وأعلمه بأحوال نفوس الطير عندما تصفر بتلك التقاطيع، وقد كان الناس في حيرة من ذلك كما قال المعري:
أَبَكَتْ تِلكمُ الحمامةُ أمْ غَنّ *** تْ على غصن دوحها الميَّاد
وقال صاحبنا الشاعر البليغ الشيخ عبد العزيز المسعودي من أبيات في هذا المعنى:
فمن كان مسروراً يراه تَغنياً *** ومن كان محزوناً يقول ينوح
والاقتصار على منطق الطير إيجاز لأنه إذا عَلِم منطق الطير وهي أبعد الحيوان عن الركون إلى الإنسان وأسرعها نفوراً منه، علم أن منطق ما هو أكثر اختلاطاً بالإنسان حاصل له بالأحرى كما يدل عليه قوله تعالى فيما يأتي قريباً: {فتبسّم ضَاحكاً من قولها} [النمل: 19]، فتدل هذه الآية على أنه علِّم منطق كل صنف من أصناف الحيوان. وهذا العلم سماه العرب علم الحُكْل (بضم الحاء المهملة وسكون الكاف) قال العجاج وقيل ابنه رؤبة:
لو أَنني أوتيتُ علم الحُكْل *** عِلْم سليمان كَلامَ النمل
أو أنني عُمِّرت عُمْر الحِسْل *** أو عُمر نُوح زَمَن الفِطَحْل
كُنتُ رهينَ هَرم أو قَتل *** وعُبر عن أصوات الطير بلفظ {منطق} تشبيهاً له بنطق الإنسان من حيث هو ذو دلالة لسليمان على ما في ضمائر الطير، فحقيقة المنطق الصوتُ المشتمل على حروف تدل على معان.
وضمير {عُلِّمنا أُوتينا} مراد به نفسه، جاء به على صيغة المتكلم المشارك؛ إما لقصد التواضع كأنَّ جماعة عُلموا وأُوتوا وليس هو وحده كما تقدم في بعض احتمالات قوله تعالى آنفاً: {وقالا الحمد لله الذي فضّلنا} [النمل: 15]، وإما لأنه المناسب لإظهار عظمة الملك، وفي ذلك تهويل لأمر السلطان عند الرعية، وقد يكون ذلك من مقتضى السياسة في بعض الأحوال كما أجاب معاوية عُمر رضي الله عنهما حين لقيه في جند (وأبهة) ببلاد الشام فقال عمر لمعاوية «أَكِسْرَوِيَّةً يا معاوية؟ فقال معاوية: إنا في بلاد من ثغور العدوّ فلا يرهبون إلا مثل هذا. فقال عمر: خَدعة أريب أو اجتهادُ مصيب لا آمرك ولا أنهاك» فترك الأمرَ لعهدة معاوية وما يتوسمه من أساليب سياسة الأقوام.
والمراد ب {كل شيء} كل شيء من الأشياء المهمة ففي {كل شيء} عمومان عموم {كلّ} وعموم النكرة وكلاهما هنا عموم عرفي، ف {كلّ} مستعملة في الكثرة و{شيء} مستعمل في الأشياء المهمة مما له علاقة بمقام سليمان، وهو كقوله تعالى فيما حكى عن أخبار الهدهد. {وأوتِيَتْ من كل شيء} [النمل: 23]، أي كثيراً من النفائس والأموال. وفي كل مقام يحمل على ما يناسب المتحدث عنه.
والتأكيد في {إن هذا لهو الفضل المبين} بحرف التوكيد ولامه الذي هو في الأصل لام قسم وبضمير الفصل مقصود به تعظيم النعمة أداء للشكر عليها بالمستطاع من العبارة.
و {الفضل}: الزيادة من الخير والنفع. و{المبين}: الظاهر الواضح.
{وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)}
وهب الله سليمانَ قوة من قوى النبوءة يدرك بها من أحوال الأرواح والمجردات كما يدرك منطق الطير ودلالة النمل ونحوها. ويزَع تلك الموجودات بها فيوزعون تسخيراً كما سخر بعض العناصر لبعض في الكيمياء والكهربائية. وقد وهب الله هذه القوة محمداً صلى الله عليه وسلم فصرَف إليه نفراً من الجن يستمعون القرآن، ويخاطبونه. وإنما أمسك رسول الله عن أن يتصرف فيها ويزعها كرامة لأخيه سليمان إذ سأل الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فلم يتصرف فيها النبي صلى الله عليه وسلم مع المكنة من ذلك، لأن الله محضه لما هو أهمّ وأعلى فنال بذلك فضلاً مثل فضل سليمان، ورجح بإعراضه عن التصرف تبريراً لدعوة أخيه في النبوءة لأن جانب النبوءة في رسول الله أقوى من جانب الملك، كما قال للرجل الذي رُعد حين مَثَل بين يديه: «إني لست بِمَلِك ولا جبّار». وقد ورد في الحديث: " أنه خُيّر بين أن يكون نبيئاً عبداً أو نبيئاً مَلكاً فاختار أن يكون نبيئاً عبداً "، فرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم رتبة التشريع وهي أعظم من رتبة الملك، وسليمانُ لم يكن مشرِّعاً لأنه ليس برسول، فوهبه الله ملكاً يتصرف به في السياسة، وهذه المراتب يندرج بعضها فيما هو أعلى منه فهو ليس بمَلِك، وهو يتصرف في الأمة تصرف الملوك تصرفاً بريئاً مما يقتضيه المُلك من الزخرف والأُبَّهَة كما بيناه في كتاب «النقد» على كتاب الشيخ علي عبد الرازق المصري الذي سماه «الإسلام وأصول الحكم».
والحشر: الجمع. والمعنى: أن جنوده كانت مُحْضَرة في حضرته مسخّرة لأمره حيث هو.
والجنود: جمع جند، وهو الطائفة التي لها عمل متّحد تسخَّر له. وغلب إطلاق الجند على طائفة من الناس يُعدّها الملِك لقتال العَدوّ ولحراسة البلاد.
وقوله: {من الجن والإنس والطير} بيان للجنود فهي ثلاثة أصناف: صنف الجن وهو لتوجيه القُوى الخفية، والتأثير في الأمور الروحية. وصنف الإنس وهو جنود تنفيذ أوامره ومحاربة العدو وحراسة المملكة، وصنفُ الطير وهو من تمام الجند لتوجيه الأخبار وتلقيها وتوجيه الرسائل إلى قُواده وأمرائه. واقتُصر على الجن والطير لغرابة كونهما من الجنود فلذلك لم يُذكر الخيل وهي من الجيش.
والوزْعُ: الكفّ عما لا يراد، فشمل الأمر والنهي، أي فهم يؤمرون فيأتمرون ويُنهون فينتهون، فقد سخر الله له الرعية كلها.
والفاء للتفريع على معنى حُشر لأن الحشر إنما يراد لذلك.
وفي الآية إشارة إلى أن جمع الجنود وتدريبها من واجبات الملوك ليكون الجنود متعهدين لأحوالهم وحاجاتهم ليشعروا بما ينقصهم ويتذكروا ما قد ينسونه عند تشوش الأذهان عند القتال وعند النفير.
{حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)}
{حتّى} ابتدائية، ومعنى الغاية لا يفارقها، ولكنها مع الابتدائية غاية غيرُ نهاية.
و {إذا} ظرف زمان بمعنى حين، وهو يقتضي فعلين بعدهُ يشبهان فعلي الشرط وجوابِه لأن {إذا} مضمَّنة معنى الشرط، و{إذا} معمول لفعل جوابه، وأما فعل شرطه فهو جملة مضاف إليها {إذا}. والتقدير: حتى قالت نملة حينَ أتوا على واد النمل. وواد النمل يجوز أن يكون مراداً به الجنس لأن للنمل شقوقاً ومسالك هي بالنسبة إليها كالأودية للساكنين من الناس، ويجوز أن يراد به مكان مشتهر بالنمل غلب عليه هذا المضاف كما سمي وادي السباع موضع معلوم بين البصرة ومكة. قيل: واد النمل في جهة الطائف، وقيل غير ذلك، وكله غير ظاهر من سياق الآية.
و {النمل}: اسم جنس لحشرات صغيرة ذات ست أرجل تسكن في شقوق من الأرض. وهي أصناف متفاوتة في الحجم، والواحد منه نملة بتاء الوحدة، فكلمة نملة لا تدل إلا على فرد واحد من هذا النوع دون دلالة على تذكير ولا تأنيث فقوله: {نملة} مفاده: قال واحدٌ من هذا النوع.
واقتران فعله بتاء التأنيث جرى على مراعاة صورة لفظه لشبه هائه بهاء التأنيث وإنما هي علامة الوحدة، والعرب لا يقولون: مشَى شاة، إذا كان الماشي فحلاً من الغنم، وإنما يقولون: مَشت شاة، وطارت حمامة، فلو كان ذلك الفرد ذكراً وكان مما يفرق بين ذكره وأنثاه في أغراض الناس وأرادوا بيان كونه ذكراً قالوا: طارت حمامة ذكر، ولا يقولون طار حمامة، لأن ذلك لا يفيد التفرقة. ألا ترى أنه لا يصلح أن يكون علامة على كون الفاعل أنثى، ألا ترى إلى قول النابغة:
مَاذَا رُزئنا به من حَيَّة ذَكَر *** نَضناضة بالرزايا صِلِّ أصلال
فجاء باسم (حية) وهو اسم للجنس مقترن بهاء التأنيث، ثم وصفه بوصف ذكر ثم أجرى عليه التأنيث في قوله: نضناضة، لأنه صفة ل (حية).
وفي حديث ابن عباس عن صلاة العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم «أقبلتُ راكباً على حمار أتان» فوصف (حمارٍ) الذي هو اسم جنس باسم خاص بأنثاه. ولذلك فاقتران فعل {قالت} هنا بعلامَة التأنيث لمراعاة اللفظ فقط، على أنه لا يتعلق غرض بالتمييز بين أنثى النمل وذكره بلْه أن يتعلق به غرض القرآن لأن القصد وقوع هذا الحادث وبيان علم سليمان لا فيما دون ذلك من السفاسف.
وذكر في «الكشاف»: أن قتادة دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حَدَث، فقال لهم أبو حنيفة: سلوه عن نملة سليمان: أكانت ذكراً أم أنثى؟ فسألوه، فأفْحِم. فقال أبو حنيفة: كانت أنثى. فقيل له: من أين عرفت؟ قال: من كتاب الله وهو قوله تعالى: {قالت نملة} ولو كانت ذكراً لقال: قال نملة.
قال في «الكشاف»: وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وُقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامةٍ نحو قولهم: حمامةٌ ذكر وحمامةٌ أنثى، وقولِهم: وهُو وهِي. اه.
ولعل مراد صاحب «الكشاف» إن كان قَصَدَ تأييدَ قَولة أبي حنيفة أن يقاس على الوصف بالتذكير ما يقوم مقامه في الدلالة على التفرقة بين الذكر والأنثى فتقاس حالة الفعل على حالة الوصف، إلا أن الزمخشري جاء بكلام غير صريح لا يدرى أهو تأييد لأبي حنيفة أم خروج من المضيق. فلم يُقدم على التصريح بأن الفعل يقترن بتاء التأنيث إذا أريد التفرقة في حالة فاعله. وقد رد عليه ابن المنيّر في «الانتصاف» وابن الحاجب في «إيضاح المفصّل» والقزويني في «الكشف على الكشاف». ورأوا أن أبا حنيفة ذهل فيما قاله بأنه لا يساعد قول أحد من أيمة اللغة ولا يشهد به استعمال ولا سيما نحاة الكوفة ببلدِه فإنهم زادوا فجوزوا تأنيث الفعل إذا كان فعله علماً مؤنث اللفظ مثل: طلحة وحمزة. واعلم أن إمامة أبي حنيفة في الدين والشريعة لا تنافي أن تكون مقالته في العربية غير ضليعة. وأعجب من ذهول أبي حنيفة انفحام قتادة من مثل ذلك الكلام. وغالب ظني أن القصة مختلقة اختلاقاً غير متقن.
ويجوز أن يخلق الله لها دلالة وللنمل الذي معها فهما لها وأن يخلق فيها إلهاماً بأن الجيش جيشُ سليمان على سبيل المعجزة له.
والحطم: حقيقته الكسر لشيء صلب. واستعير هنا للرفس بجامع الإهلاك. و{لا يحطمنّكم} إن جعلت {لا} فيه ناهية كانت الجملة مستأنفة تكريراً للتحذير ودلالة على الفزع لأن المحذِّر من شيء مُفزِع يأتي بجمل متعددة للتحذير من فرط المخافة والنهي عن حطم سليمان إياهن كناية عن نهيهن عن التسبب فيه وإهمال الحذر منه كما يقال: لا أعرفنك تفعل كذا، أي لا تفعله فأَعرِفَك بفعله، والنون توكيد للنهي؛ وإن جعلت {لا} نافية كانت الجملة واقعة في جواب الأمر فكان لها حكم جواب شرط مقدّر. فالتقدير: إن تدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان، أي يَنْتفِ حطمُ سليمان إياكنّ، وإلاّ حطمكم. وهذا مما جوّزه في «الكشاف». وفي هذا الوجه كون الفعل مؤكداً بالنون وهو منفي ب {لا} وذلك جائز على رأي المحققين إلا أنه قليل. وأما من منعه من النحاة فيمنع أن تجعل {لا} نافية هنا. وصاحب «الكشاف» جعله من اقتران جواب الشرط بنون التوكيد لأن جواب الأمر في الحكم جواب الشرط وهو عنده أخف من دخولها في الفعل المنفي بناءً على أن النفي يضاد التوكيد.
وتسمية سليمان في حكاية كلام النملة يجوز أن تكون حكاية بالمعنى وإنما دلت دلالة النملة على الحذر من حطم ذلك المحاذي لواديها، فلما حكيت دلالتها حكيتْ بالمعنى لا باللفظ، ويجوز أن يكون قد خلق الله علماً في النملة علمت به أن المارّ بها يُدعى سليمان على سبيل المعجزة وخرق العادة.
وتبسُّم سليمان من قولها تبسم تعجب. والتبسّم أضعف حالات الضحك فقوله: {ضاحكاً} حال موكدة ل {تبسَّم} وضحك الأنبياء التبسّم، كما ورد في صفة ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما يقرب من التبسّم مثل بدوّ النواجذ كما ورد في بعض صفات ضحكه. وأما القهقهة فلا تكون للأنبياء، وفي الحديث " كثرة الضحك تميت القلب " وإنما تعجب من أنها عرفت اسمه وأنها قالت: {وهم لا يشعرون} فوسمته وجندَه بالصلاح والرأفة وأنهم لا يقتلون ما فيه روح لغير مصلحة، وهذا تنويه برأفتِه وعدله الشامل لكل مخلوق لا فساد منه أجراه الله على نملة ليعلَم شرفَ العدل ولا يحتقِرَ مواضعه، وأن وليّ الأمر إذا عدل سرى عدله في سائر الأشياء وظهرت آثاره فيها حتى كأنه معلوم عند ما لا إدراك له، فتسير جميع أمور الأمة على عدل. ويضرب الله الأمثال للناس، فضرب هذا المثل لنبيئه سليمان بالوحي من دلالة نملة، وذلك سر بينه وبين ربّه جعله تنبيهاً له وداعية لشكر ربّه فقال: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك}.
وأوزع: مزيد (وزع) الذي هو بمعنى كفّ كما تقدم آنفاً، والهمزة للإزالة، أي أزال الوزع، أي الكف. والمراد أنه لم يترك غيره كافّاً عن عمل وأرادوا بذلك الكناية عن ضد معناه، أي كناية عن الحث على العمل. وشاع هذا الإطلاق فصار معنى أوزع أغرى بالعمل. فالمعنى: وفِّقني للشكر، ولذلك كان حقّه أن يتعدى بالباء.
فمعنى قوله: {أوزعني} ألهمني وأغْرِني. و{أن أشكُر نعمتك} منصوب بنزع الخافض وهو الباء. والمعنى: اجعلني ملازماً شكر نعمتك. وإنما سأل الله الدوام على شكر النعمة لما في الشكر من الثواب ومن ازدياد النعم، فقد ورد: النعمة وحشية قيِّدوها بالشكر فإنها إذا شُكرت قرّت. وإذا كُفرت فرّت. ومن كلام الشيخ ابن عطاء الله: «من لم يشكر النعمة فقد تعرّض لزوالها، ومن شكرها فقد قيّدها بعقالها». وفي «الكشاف» عند قوله: {ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه} [لقمان: 12] وفي كلام بعض المتقدمين «أن كُفران النعم بوار، وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنَها بكرم الجوار، واعلم أن سُبوغ ستر الله متقلص عما قريب إذا أنت لم ترجُ لله وقاراً».
وأدرج سليمان ذكر والديه عند ذكره إنعام الله تعالى عليه لأن صلاح الولد نعمة على الوالدين بما يدخل عليهما من مسرة في الدنيا وما ينالهما من دُعائه وصدقاته عنهما من الثواب.
ووالداه هما أبوه داود بن يسّي وأمه (بثشبع) بنت (اليعام) وهي التي كانت زوجة (أوريا) الحِثّي فاصطفاها داود لنفسه، وهي التي جاءت فيها قصة نبأ الخصم المذكورة في سورة ص.
و {أن أعمَل} عطف على {أن أشكر}. والإدخال في العباد الصالحين مستعار لجعله واحداً منهم، فشبه إلحاقه بهم في الصلاح بإدخاله عليهم في زمرتهم، وسؤاله ذلك مراد به الاستمرار والزيادة من رفع الدرجات لأن لعباد الله الصالحين مراتبَ كثيرة.
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)}
صيغة التفعُّل تدل على التكلف، والتكلف: الطلب. واشتقاق {تفقّد} من الفَقْد يقتضي أن {تفقّد} بمعنى طلب الفَقد. ولكنهم توسعوا فيه فأطلقوه على طلب معرفة سبب الفقد، أي معرفة ما أحدثه الفقد في شيء، فالتفقد: البحث عن الفقد ليعرف بذلك أن الشيء لم ينقص وكان الطير من جملة الجند لأن كثيراً من الطير صالح للانتفاع به في أمور الجند فمنه الحمام الزاجل، ومنه الهُدهد أيضاً لمعرفة الماء، ومنه البزاة والصقور لصيد الملك وجنده ولجلب الطعام للجند من الصيد إذا حل الجند في القفار أو نفد الزاد. وللطير جنود يقومون بشؤونها. وتفقد الجند من شعار الملك والأمراء وهو من مقاصد حشر الجنود وتسييرها. والمعنى: تفقَّد الطيرَ في جملة ما تفقده، فقال لمن يلون أمر الطير: {ما لي لا أرى الهدهد}.
ومن واجبات ولاة الأمور تفقد أحوال الرعية وتفقد العمال ونحوهم بنفسه كما فعل عمر في خروجه إلى الشام سنة سبع عشرة هجرية، أو بمن يكل إليه ذلك، فقد جعل عمر محمد بن مسلمة الأنصاري يتفقد العمال.
و {الهُدهد}: نوع من الطير وهو ما يقرقر، وفي رائحته نتن وفوق رأسه قَزَعة سوداء، وهو أسود البراثن، أصفر الأجفان، يقتات الحبوب والدود، يرى الماء من بُعد ويحس به في باطن الأرض، فإذا رَفرف على موضع عُلم أن به ماء، وهذا سبب اتخاذه في جند سليمان. قال الجاحظ: يزعمون أنه هو الذي كان يدل سليمان على مواضع الماء في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها.
وقوله: {ما لي لا أرى الهدهد} استفهام عن شيء حصل له في حال عدم رؤيته الهدهد، ف {ما} استفهام. واللام من قوله: {لي} للاختصاص. والمجرور باللام خبر عن {ما} الاستفهامية. والتقدير: ما الأمر الذي كان لي.
وجملة: {لا أرى الهدهد} في موضع الحال من ياء المتكلم المجرورة باللام، فالاستفهام عما حصل له في هذه الحال، أي عن المانع لرؤية الهدهد. والكلام موجه إلى خفرائه، يعني: أكان انتفاء رؤيتي الهدهد من عدم إحاطة نظري أم من اختفاء الهدهد؟ فالاستفهام حقيقي وهو كناية عن عدم ظهور الهدهد.
و {أم} منقطعة لأنها لم تقع بعد همزة الاستفهام التي يطلب بها تعيين أحد الشيئين. و{أم} لا يفارقها تقدير معنى الاستفهام بعدها، فأفادت هنا إضراب الانتقال من استفهام إلى استفهام آخر. والتقدير: بل أكان من الغائبين؟ وليست {أم} المنقطعة خاصة بالوقوع بعد الخبر بل كما تقع بعد الخبر تقع بعد الاستفهام.
وصاحب «المفتاح» مثَّل بهذه الآية لاستعمال الاستفهام في التعجب والمثال يكفي فيه الفرض. ولما كان قول سليمان هذا صادراً بعد تقصّيه أحوال الطير ورجح ذلك عنده أنه غاب فقال: {لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه} لأن تغيبه من دون إذن عصيان يقتضي عقابه، وذلك موكول لاجتهاد سليمان في المقدار الذي يراه استصلاحاً له إن كان يرجى صلاحه، أو إعداماً له لئلا يلقِّن بالفساد غيرَه فيدخل الفساد في الجند وليكون عقابه نكالاً لغيره.
فصمم سليمان على أنه يفعل به عقوبة جزاء على عدم حضوره في الجنود. ويؤخذ من هذا جواز عقاب الجندي إذا خالف ما عُيّن له من عمل أو تغيب عنه.
وأما عقوبة الحيوان فإنما تكون عند تجاوزه المعتاد في أحواله. قال القرافي في «تنقيح الفصول» في آخر فصوله: سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن قتل الهرّ الموذي هل يجوز؟ فكتب وأنا حاضر: إذا خرجت أذيته عن عادة القطط وتكرر ذلك منه قتل اه. قال القرافي: فاحترز بالقيد الأول عما هو في طبع الهر من أكل اللحم إذا تُرك فإذا أكله لم يقتل لأنه طبعه، واحترز بالقيد الثاني عن أن يكون ذلك منه على وجه القلة فإن ذلك لا يوجب قتله. قال القرافي: وقال أبو حنيفة: إذا آذت الهرة وقصد قتلها لا تعذب ولا تخنق بل تذبح بموسى حادة لقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة " اه. وقال الشيخ ابن أبي زيد في «الرسالة»: ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يُقدَر على تركها. فقول سليمان {لأعذبنه عذاباً شديداً} شريعة منسوخة.
أما العقاب الخفيف للحيوان لتربيته وتأديبه كضرب الخيل لتعليم السير ونحو ذلك فهو مأذون فيه لمصلحة السير، وكذلك السبق بين الخيل مع ما فيه من إتعابها لمصلحة السير عليها في الجيوش.
و {أو} تفيد أحَدَ الأشياء فقوله: {أو ليأتيني بسلطان مبين} جعله ثالث الأمور التي جعلها جزاء لغيبته وهو أن يأتي بما يدفع به العقاب عن نفسه من عذر في التخلف مقبول.
والسلطان: الحجة. والمبين: المظهر لحق المحتج بها. وهذه الزيادة من النبي سليمان استقصاء للهدهد في حقه لأن الغائب حجته معه.
وأكد عزمه على عقابه بتأكيد الجملتين {لأعذبنه لأذبحنه} باللام الموكدة التي تسمى لام القسم وبنون التوكيد ليَعلم الجند ذلك حتى إذا فُقِد الهدهد ولم يرجع يكون ذلك التأكيد زاجراً لباقي الجند عن أن يأتوا بمثل فَعْلته فينالهم العقاب.
وأما تأكيد جملة: {أو ليأتيني بسلطان مبين} فلإفادة تحقيق أنه لا منجى له من العقاب إلا أن يأتي بحجة تبرّر تغيبه، لأن سياق تلك الجملة يفيد أن مضمونها عديل العقوبة. فلما كان العقاب مؤكّدا محققاً فقد اقتضى تأكيد المخرج منه لئلا يبرئه منه إلا تحقق الإتيان بحجة ظاهرة لئلا تتوهم هوادةٌ في الإدلاء بالحجة فكان تأكيد العديل كتأكيد مُعادله. وبهذا يظهر أن {أو} الأولى للتخيير و{أو} الثانية للتقسيم.
وقيل جيء بتوكيد جملة: {ليأتيني} مشاكلة للجملتين اللتين قبلها وتغليباً. واختاره بعض المحققين وليس من التحقيق.
وكتب في المصاحف {لا أذبحنه} بلاَم ألففٍ بعدها ألفٌ حتى يخال أنه نفي الذبح وليس بنفي، لأن وقوع نون التوكيد بعده يؤذن بأنه إثبات إذ لا يؤكد المنفي بنون التأكيد إلا نادراً في كلامهم، ولأن سياق الكلام والمعنى حارس من تطرق احتمال النفي، ولأن اعتماد المسلمين في ألفاظ القرآن على الحفظ لا على الكتابة، فإن المصاحف ما كتبت حتى قرئ القرآن نَيِّفاً وعشرين سنة. وقد تقع في رسم المصحف أشياء مخالفة لما اصطلح عليه الراسمون من بعد لأن الرسم لم يكن على تمام الضبط في صدر الإسلام وكان اعتماد العرب على حوافظهم.
وقرأ ابن كثير: {أو ليأتينَّني} بنونين، الأولى مشددة وهي نون التوكيد، والثانية نون الوقاية. وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة بحذف نون الوقاية لتلاقي النونات.
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)}
{مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّى وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَئ وَلَهَا} {عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم}.
الفاء لتفريع الحكاية عطفت جملة على جملة وضمير {مكث} للهدهد.
والمكث: البقاء في المكان وملازمته زمناً ما، وفعله من باب كرم ونصر. وقرأه الجمهور بالأول. وقرأ عاصم وروح عن يعقوب بالثاني.
وأطلق المكث هنا على البُطْء لأنّ الهدهد لم يكن ماكثاً بمكان ولكنه كان يطير وينتقل، فأطلق المكث على البُطء مجاز مرسل لأن المكث يستلزم زمناً.
و {غير بعيد} صفة لاسم زمن أو اسم مكان محذوف منصوب على الظرفية، أي مكث زمناً غير بعيد، أو في مكان غير بعيد، وكلا المعنيين يقتضي أنه رجع إلى سليمان بعد زمن قليل.
و {غير بعيد} قريب قرباً يوصف بضد البعد، أي يوشك أن يكون بعيداً. وهذا وجه إيثار التعبير ب {غيرَ بعيد} لأن {غير} تفيد دفع توهم أن يكون بعيداً، وإنما يتوهم ذلك إذا كان القُرب يُشبه البُعد.
والبُعد والقرب حقيقتهما من أوصاف المكان ويستعاران لقلة الحصة بتشبيه الزمن القصير بالمكان القريب وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة قال تعالى: {وما قوم لوط منكم ببعيد} [هود: 89].
والفاء في فقال} عاطفة على «مكُث» وجُعل القول عقيب المكث لأنه لما حضر صدر القول من جهته فالتعقيب حقيقي.
والقولُ المسند إلى الهدهد إنْ حمل على حقيقة القول وهو الكلام الذي من شأنه أن ينطق به الناس، فقول الهدهد هذا ليس من دلالة منطق الطير الذي عُلّمه سليمان لأن ذلك هو المنطق الدال على ما في نفوس الطير من المدركات وهي محدودة كما قدمنا بيانه عند قوله تعالى: {علّمنا منطق الطير} [النمل: 16]. وليس للهدهد قِبَل بإدراك ما اشتمل عليه القول المنسوب إليه ولا باستفادة الأحوال من مشاهدة الأقوام والبلدان حتى تَخطر في نفسه وحتى يعبر عنها بمنطقه الذي عُلّم سليمانُ دلالتَه كما قدمناه. فهذا وحي لسليمان أجراه الله على لسان الهدهد.
وأما قول سليمان {سننظر أصدقتَ أم كنتَ من الكاذبين} [النمل: 27] فيجوز أن يكون سليمان خشي أن يكون ذلك الكلام الذي سمعه من تلقاء الهدهد كلاماً ألقاه الشيطان من جانب الهدهد ليضَلّل سليمان ويفتنه بالبحث عن مملكة موهومة ليسخر به كما يسخر بالمتثائِب، فعزم سليمان على استثبات الخبر بالبحث الذي لا يترك ريبة في صحته خزياً للشيطان.
ولنشتغل الآن بما اشتمل عليه هذا الكلام فابتداؤه ب {أحطتُ بما لم تُحِطْ به} تنبيه لسليمان بأن في مخلوقات الله ممالك وملوكاً تداني مُلكه أو تفوقه في بعض أحوال الملك جعله الله مثلاً له، كما جعل عِلم الخضر مثلاً لموسى عليه السلام لئلا يغتر بانتهاء الأمر إلى ما بلغه هو.
وفيه استدعاء لإقباله على ما سيُلقى إليه بشراشره لأهمية هذا المطلع في الكلام، فإن معرفة أحوال الممالك والأمم من أهم ما يعنى به ملوك الصلاح ليكونوا على استعداد بما يُفاجئهم من تلقائها، ولتكون من دواعي الازدياد من العمل النافع للمملكة بالاقتداء بالنافع من أحوال غيرها والانقباض عما في أحوال المملكة من الخلل بمشاهدة آثار مثله في غيرها.
ومن فقرات الوزير ابن الخطيب الأندلسي: فأخبارُ الأقطار مما تُنِفق فيه الملوك أسمارها، وترقم ببديع هالاته أقمارها، وتستفيد منه حسن السِيَر، والأمنَ من الغِيَر، فتستعين على الدهر بالتجارب.. وتستدل بالشاهد على الغايب اه.
والإحاطة: الاشتمال على الشيء وجعله في حَوزة المحيط. وهي هنا مستعارة لاستيعاب العلم بالمعلومات كقوله تعالى: {وكيف تصبر على ما لم تُحطْ به خُبراً} [الكهف: 68] فما صْدَقُ {ما لم تحط به} معلومات لم يحط بها علم سليمان.
و {سبأ}: بهمزة في آخره وقد يخفف اسم رجل هو عَبَّشَمْس بن يشْجُب بن يَعرُب ابن قحطان. لُقب بسبأ. قالوا: لأنه أول من سبَى في غزوه. وكان الهمز فيه لتغييره العلمية عن المصدر. وهو جدّ جذم عظيم من أجذام العرب. وذريته كانوا باليمن ثم تفرقوا كما سيأتي في سورة سبأ. وأطلق هذا الاسم هنا على ديارهم لأن {من} ابتدائية وهي لابتداء الأمكنة غالباً.
فاسم {سبأ} غلب على القبيلة المتناسلة من سبأ المذكور وهم من الجذم القحطاني المعروف بالعرب المستعربة، أي الذين لم ينشأوا في بلاد العرب ولكنهم نزحوا من العراق إلى بلاد العرب، وأول نازح منهم هو يَعرب (بفتح التحتية وضم الراء) بن قحطان (وبالعبرانية يقطان) بن عَابر بن شالخ بن أرفخشد (وبالعبرانية أرفكشاد) بن سَام بن نوح. وهذا النسب يتفق مع ما في سفر التكوين من سَام إلى عابر، فمن عابر يفترق نسب القحطانيين من نسب العبرانيين؛ فأما أهل أنساب العرب فيجعلون لعابر ابنين أحدهما اسمه قحطان والآخر اسمه (فالغ). وأما سفر التكوين فيجعل أنّ أحدهما اسمه (يقطن) ولا شك أنه المسمى عند العرب قحطان، والآخر اسمه (فالج) بفاء في أوله وجيم في آخره، فوقع تغيير في بعض حروف الاسمين لاختلاف اللغتين.
ولما انتقل يعرب سكن جنوب البلاد العربية (اليمن) فاستقر بموضع بنى فيه مدينة ظَفارِ (بفتح الظاء المشالة المعجمة وكسر الراء) فهي أول مدينة في بلاد اليمن وانتشر أبناؤه في بلاد الجنوب الذي على البحر وهو بلاد (حضرموت) ثم بنى ابنه يَشجب (بفتح التحتية وضم الجيم) مدينة صنعاء وسمى البلاد باليمن، ثم خلفه ابنه عَبَّشمس (بتشديد الموحدة ومعناه ضوء الشمس) وساد قومه ولقب سَبأ (بفتحتين وهمزة في آخره) واستقل بأهله فبنى مدينة مأرب حاضرة سبأ، قال النابغة الجعدي:
من سبأ الحاضرين مأرب إذ *** يبنون من دون سَيْله العَرِما
وبين مأرب وصنعاء مسيرة ثلاث مراحل خفيفة.
ثم جاء بعد سبأ ابنُه حِمْير ويلقب العَرنْجح (أي العتيق)، ويظهر أنه جعل بلاده ظفار بعد أن انتقل أبناء يشجب منها إلى صنعاء. وفي المثَل: من ظَفَّر حَمَّر، أي من دخل ظفار فليتكلم بالحميرية، ولهذا المثل قصة.
فكانت البلاد اليمنية أو القحطانية منقسمة إلى ثلاث قبائل: اليمنية، والسبئية، والحميرية. وكان على كل قبية مَلِك منها، واستقلّت أفخاذهم بمواقع أطلقوا على الواحد منها اسم مخلاف (بكسر الميم) وكان لكل مخلاف رئيس يلقب بالقيل ويقال له: ذو كذا، بالإضافة إلى اسم مخلافه، مثل ذو رُعين. والملك الذي تتبعه الأقيال كلها ويحكم اليمن كلّها يلقب تُبَّع لأنه متبوع بأمراء كثيرين.
وقد انفردت سبأ بالملك في حدود القرن السابع عشر قبل الهجرة وكان أشهر ملوكهم أو أولَهم الهَدهاد بن شرحبيل ويلقب اليَشَرَّح (بفتح التحتية وفتح الشين المعجمة وفتح الراء مشددة وبحاء مهملة في آخره). ثم وليت بعده بلقيس ابنة شرحبيل أيضاً أو شراحيل ولم تكن ذات زوج فيما يظهر من سياق القرآن. وقيل كانت متزوجة شَدد بن زرعة، فإن صح ذلك فلعله لم تطل مدته فمات. وكان أهل سَبأ صابئة يعبدون الشمس. وبقية ذكر حضارتهم تأتي في تفسير سورة سَبأ.
و {أحطت} يقرأ بطاء مشددة لأنه التقاء طاء الكلمة وتاء المتكلم فقلبت هذه التاء طاء وأدغمتا.
والباء في قوله: {بنبإ} للمصاحبة لأن النبأ كان مصاحباً للهدهد حين مجيئه، والنبأ: الخبر المهم.
وبين ب {سبأ} و{بنبإٍ} الجناس المزدوج. وفيه أيضاً جناس الخط وهو أن تكون صورة الكلمتين واحدة في الخَط وإنما تختلفان في النطق. ومنه قوله تعالى: {والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مَرضت فهو يَشفين} [الشعراء: 79، 80].
ووصفه ب {يقين} تحقيق لكون ما سيلقى إليه شيء محقق لا شبهة فيه فوصف بالمصدر للمبالغة.
وجملة: {إنى وجدت امرأة} بيان ل {نبأ} فلذلك لم تعطف. وإدخال (إنّ) في صدر هذه الجملة لأهمية الخبر إذ لم يكن معهوداً في بني إسرائيل أن تكون المرأة ملكاً.
وفعل {تملكهم} هنا مشتق من المُلك بضم الميم وفعله كفعل مِلك الأشياء. وروي حديث هرقل «هل كان في آبائه مِن مَلَك» بفتح اللام، أي كان مَلكاً، ويفرق بين الفعلين بالمصدر فمصدر هذا مُلك بضم الميم، والآخر بكسرها، وضمير الجمع راجع إلى سبأ.
وهذه المرأة أريد بها بلقيس (بكسر الموحدة وسكون اللام وكسر القافِ) ابنة شراحيل وفي ترتيبها مع ملوك سَبأ وتعيين اسمها واسم أبيها اضطراب للمؤرخين. والموثوق به أنها كانت معاصرة سليمان في أوائل القرن السابع عَشر قبل الهجرة وكانت امرأة عاقلة. ويقال: هي التي بَنت سُدّ مَأرب. وكانت حاضرةُ ملكها مأربَ مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث مراحل وسيأتي ذكرها في سورة سبأ.
وتنكير {امرأة} وهو مفعول أول ل {وجدت} له حكم المبتدأ فهو كالابتداء بالنكرة إذا أريد بالنكرة التعجب من جنسها كقولهم: بقَرة تكلمتْ، لأن المراد حكاية أمر عجيب عندهم أن تكون امرأة ملكة على قوم. ولذلك لم يقل: وجدتهم تملكهم امرأة.
والإيتاء: الإعطاء، وهو مشعر بأن المعطَى مرغوب فيه، وهو مستعمل في لازمه وهو النول.
ومعنى {أوتيت من كل شيء} نالت من كل شيء حسن من شؤون الملك. فعموم كل شيء عموم عرفي من جهتين يفسره المقام كما فسر قول سليمان {أوتينا من كل شيء} [النمل: 16]، أي أوتيتْ من خصال الملوك ومن ذخائرهم وعددهم وجيوشهم وثراء مملكتهم وزخرفها ونحو ذلك من المحامد والمحاسن.
وبناء فِعل {أوتيت} إلى المجهول إذ لا يتعلق الغرض بتعيين أسباب ما نالته بل المقصود ما نالته على أن الوسائل والأسباب شتى، فمنه ما كان إرثاً من الملوك الذين سلفوها، ومنه ما كان كسباً من كسبها واقتنائها، ومنه ما وهبها الله من عقل وحكمة، وما منَح بلادها من خصب ووفرة مياه. وقد كان اليونان يلقبون مملكة اليمن بالعربية السعيدة أخذاً من معنى اليُمْن في العربية، وقال تعالى: {لقد كان لسبإٍ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكُروا له بلدَةٌ طيبة وربٌ غفور} [سبأ: 15]. وأما رجاحة العقول ففي الحديث: «أتاكم أهل اليمن هُم أرق أفئدة، الإيمان يَماننٍ، والحكمةُ يمانية» فليس المراد خصوص ما آتاها الله في أصل خلقتها وخلقة أمتها وبلادها، ولذا فلم يتعين الفاعل عرفاً. وكلّ من عند الله.
وخص من نفائس الأشياء عرشها إذ كان عرشاً بديعاً ولم يكن لسليمان عرش مثله. وقد جاء في الإصحاح العاشر من سفر الملوك الأول ما يقتضي أن سليمان صنع كرسيَّهُ البديع بعد أن زارته ملكة سبأ. وسنشير إليه عند قوله تعالى: {أيُّكم يأتيني بعرشها} [النمل: 38].
والعظيم: مستعمل في عظمة القَدْر والنفاسة في ضخامة الهيكل والذات. وأعقب التنويه بشأنها بالحط من حال اعتقادهم إذ هم يسجدون، أي يعبدون الشمس. ولأجل الاهتمام بهذا الخبر أعيد فعل وَجَدْتُها إنكاراً لكونهم يسجدون للشمس، فذلك من انحطاط العقلية الاعتقادية فكان انحطاطهم في الجانب الغيبي من التفكير وهو ما يظهر فيه تفاوت عوض العقول على الحقائق لأنه جانب متمحّض لعمل الفكر لا يستعان فيه بالأدلة المحسوسة، فلا جرم أن تضل فيه عقول كثير من أهل العقول الصحيحة في الشؤون الخاضعة للحواس. قال تعالى في المشركين {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} [الروم: 7، 8] وكان عرب اليمن أيامئذ من عَبدة الشمس ثم دخلت فيهم الديانة اليهودية في زمن تُبّع أسْعَد من ملوك حِمير، ولكونهم عبدة شمس كانوا يسمون عبد شمس كما تقدم في اسم سبأ.
وقد جمع هذا القولُ الذي ألقي إلى سليمان أصولَ الجغرافية السياسية من صفة المكان والأديان، وصبغة الدولة وثروتها، ووقع الاهتمام بأخبار مملكة سبأ لأن ذلك أهم لملك سليمان إذ كانت مجاورة لمملكته يفصل بينهما البحر الأحمر، فأمور هذه المملكة أجدى بعمله.
وقرأ الجمهور: {من سبأ} بالصرف. وقرأه أبو عمرو والبَزي عن ابن كثير بفتحة غير مصروف على تأويل البلاد أو القبيلة. وقرأه قنبل عن ابن كثير بسكون الهمزة على اعتبار الوقف إجراء للوصل مُجرى الوقف.
يجوز أن يكون هذا من جملة الكلام الذي ألقيَ على لسان الهدهد، فالواو للعطف. والأظهر أنه كلام آخر من القرآن ذُيّل به الكلام الملقَى إلى سليمان، فالواو للاعتراض بين الكلام الملقَى لسليمان وبين جواب سليمان، والمقصود التعريض بالمشركين.
وقوله: {ألا يسجدوا} قرأه الجمهور بتشديد اللام على أنه مركب في الخط من (أَنْ) و(لاَ) النافية كتبتا كلمة واحدة اعتباراً بحالة النطق بها على كل المعاني المرادة منها. و{يسجدوا} فعل مضارع منصوب. ويقدر لاَم جر يتعلق ب {صدَّهم عن السبيل} أي صدهم لأجل أن لا يسجدوا لله، أي فسجدوا للشمس.
ويجوز أن يكون المصدر المسبوك من {ألا يسجدوا} بدل بعض من {أعمالهم} وما بينهما اعتراض.
وجُوز أن يكون {ألاّ} كلمة واحدة بمعنى (هلاّ) فإن هاءها تبدل همزة. وجَعْل {يسجدوا} مركباً من ياء النداء المستعملة تأكيداً للتنبيه وفعللِ أمر من السجود كقول ذي الرمة:
أَلاَ يا اسلمي يا دَار مَيَّ على البِلَى *** وهو لا يلائم رسم المصحف إلا أن يقال: إنه رسم كذلك على خلاف القياس. وقرأ الكسائي بتخفيف اللام على أنها (أَلاَ) حرفُ الاستفتاح ويتعين أن يكون {يسجدوا} مركباً من ياء النداء وفعل الأمر، كما تقدم وفيه ما تقدم. والوقف في هذه على (أَلاَ).
وتزيين الأعمال تقدم في أول السورة عند قوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زَّيَّنا لهم أعمالهم فهم يعمهون} [النمل: 4]. وإسناده هنا للشيطان حقيقي و{السبيل} مستعار للدين الذي باتباعه تكون النجاة من العذاب وبلوغ دار الثواب.
و {الخبء}: مصدر خبأ الشيء إذا أخفاه. أطلق هنا على اسم المفعول، أي المَخبوء على طريقة المبالغة في الخفاء كما هو شأن الوصف بالمصدر. ومناسبة وقوع الصفة بالموصول في قوله: {الذي يخرج الخبء} لحالة خبر الهدهد ظاهرة لأن فيها اطلاعاً على أمر خفِي. وإخراج الخبء: إبرازه للناس، أي إعطاؤه، أي إعطاء ما هو غير معلوم لهم من المطر وإخراج النبات وإعطاء الأرزاق، وهذا مؤذن بصفة القدرة. وقوله: {ويعلم ما يخفون وما يعلنون} مؤذن بعموم صفة العلم.
وقرأ الجمهور: {يخفون... ويعلنون} بياء الغيبة. وقرأه الكسائي وحفص عن عاصم بتاء الخطاب فهو التفات.
ومجيء جملة: {الله لا إله إلا هو} عقب ذلك استئناف هو بمنزلة النتيجة للصفات التي أجريت على اسم الجلالة وهو المقصود من هذا التذييل، أي ليس لغير الله شُبهة إلهية.
وقوله: {رب العرش العظيم} أي مالك الفلك الأعظم المحيط بالعوالم العليا وقد تقدم. وفي هذا تعريض بأن عظمة مُلك بلقيس وعِظَم عرشها ما كان حقيقاً بأن يغرها بالإعراض عن عبادة الله تعالى لأن الله هو رب الملك الأعظم، فتعريف {العرش} للدلالة على معنى الكمال. ووصفه ب {العظيم} للدلالة على كمال العظم في تجسم النفاسة.
وفي منتهى هذه الآية موضع سجود تلاوة تحقيقاً للعمل بمقتضى قوله: {ألا يسجدوا لله}. وسواء قرئ بتشديد اللام من قوله: {ألاّ يسجدوا} أم بتخفيفها لأن مآل المعنى على القراءتين واحد وهو إنكار سجودهم لغير الله لأن الله هو الحقيق بالسجود.
{قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)}
تقدم عند قوله: {فقال أحطت بما لم تحط به} [النمل: 22] بيان وجه تطلب سليمان تحقيق صدق خبر الهدهد. والنظر هنا نظر العقل وهو التأمُّل، لا سيما وإقحام {كنتَ} أدخل في نسبته إلى الكذب من صيغة {أَصدقت} لأن فعل {كنتَ من الكاذبين} يفيد الرسوخ في الوصف بأنه كائن عليه. وجملة: {من الكاذبين} أشدّ في النسبة إلى الكذب بالانخراط في سلك الكاذبين بأن يكون الكذب عادة له. وفي ذلك إيذان بتوضيح تهمته بالكذب ليتخلص من العقاب، وإيذان بالتوبيخ والتهديد وإدخال الروع عليه بأنَّ كذبه أرجح عند الملك ليكون الهدهد مغلِّباً الخوف على الرجاء، وذلك أدخل في التأديب على مثل فعلته وفي حرصه على تصديق نفسه بأن يبلغ الكتاب الذي يرسله معه.
{اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28)}
الجملة مبيِّنة لجملة {سننظر أصدقت أم كنتَ من الكاذبين} [النمل: 27] لأن فيما سينكشف بعد توجيه كتابه إلى ملكة سبأ ما يصدق خبر الهدهد إن جاء من الملكة جواب عن كتابه، أو يكذب خبر الهدهد إن لم يجئ منها جواب. ألهم الله سليمان بحكمته أن يجعل لاتصاله ببلاد اليمن طريقَ المراسلة لإدخال المملكة في حيّز نفوذه والانتفاع باجتلاب خيراتها وجعلها طريق تجارة مع شرق مملكته فكتب إلى ملكة سبأ كتاباً لتأتيَ إليه وتدخلَ تحت طاعته وتُصلح ديانة قومها، وليعلَم أن الله ألقى في نفوس الملوك المعاصرين له رهبةً من ملكه وجلباً لمرضاته لأن الله أيّده وإن كانت مملكته أصغر من ممالك جيرانه مثل مملكة اليمن ومملكة مصر. وكانت مملكة سليمان يومئذ محدودة بالأُردن وتخوم مصر وبحر الروم. ولم يزل تبادل الرسائل بين الملوك من سنة الدول ومن سنة الدعاة إلى الخير. وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر. وقَد عظُم شأن الكتابة في دول الإسلام، قال الحريري في «المقامة الثانية والعشرين»: «والمنشئ جهنية الأخبار، وحقيبة الأسرار، وقلمه لسان الدولة، وفارس الجَولة...» إلخ.
واتخذ للمراسلة وسيلة الطير الزاجل من حَمام ونحوه، فالهدهد من فصيلة الحَمام وهو قابل للتدجين، فقوله: {اذهب بكتابي هذا} يقتضي كلاماً محذوفاً وهو أن سليمان فكر في الاتصال بين مملكته وبين مملكة سبأ فأحضر كتاباً وحمَّله الهدهد.
وتقدم القول على (ماذا) عند قوله تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم} في سورة النحل (24). وفعل {انظر} معلق عن العمل بالاستفهام.
والإلقاء: الرمي إلى الأرض. وتقدم في قوله تعالى: {وألقُوه في غيابات الجب} في سورة يوسف (10) وهو هنا مستعمل إمّا في حقيقته إن كان شأن الهدهد أن يصل إلى المكان فيرميَ الكتاب من منقاره، وإما في مجازه إن كان يدخل المكان المرسل إليه فيتناول أصحابه الرسالة من رجله التي تربط فيها الرسالة فيكون الإلقاء مثل قوله: {فألْقَوا إليهم القول إنكم لكاذبون} في سورة النحل (86).
والمراد بالرَّجع: رَجع الجواب عن الكتاب، أي من قبول أو رفض. وهذا كقوله الآتي: {فانظري ماذا تأمرين} [النمل: 33].
{قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)}
طويت أخبار كثيرة دل عليها ما بين الخبرين المذكورين من اقتضاء عدة أحداث، إذ التقدير: فذهب الهدهد إلى سبأ فرمى بالكتاب فأبلغ الكتاب إلى الملكة وهي في مجلس ملكها فقرأته، قالت: يأيها الملأ إلخ.
وجملة: {قالت} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن غرابة قصة إلقاء الكتاب إليها يثير سؤالاً عن شأنها حين بلَغها الكتاب.
و {الملأ}: الجماعة من أشراف القوم وهم أهل مجلسها. وظاهر قولها: {ألقي إليّ} أن الكتاب سُلّم إليها دون حُضور أهل مجلسها. وتقدم غير مرة وذلك أن يكون نظام بَلاطها أن تسلم الرسائل إليها رأساً. والإلقاء تقدم آنفاً.
ووصف الكتاب بالكريم ينصرف إلى نفاسته في جنسه كما تقدم عند قوله تعالى: {لهم مغفِرَة ورزق كريم} في سورة الأنفال (74)؛ بأن كان نفيسَ الصحيفة نفيسَ التخطيط بهيجَ الشكل مستوفياً كل ما جرت عادة أمثالهم بالتأنق فيه. ومن ذلك أن يكون مختوماً، وقد قيل: كرم الكتاب ختمه، ليكون ما في ضمنه خاصاً باطلاع من أُرسل إليه وهو يُطلع عليه من يشاء ويكتمه عمن يشاء. قال ابن العربي: «الوصف بالكرم في الكتاب غاية الوصف؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: {إنه لقرآن كريم} [الواقعة: 77] وأهل الزمان يصفون الكِتاب بالخَطير، والأثير، والمبرور، فإن كان لملك قالوا: العزيز، وأسقطوا الكريم غفلة وهو أفضلها خصلة».
وأما ما يشتمل عليه الكتاب من المعاني فلم يكن محموداً عندها لأنها قالت: {إن الملوك إذا دَخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} [النمل: 34].
ثم قصَّت عليهم الكتاب حين قالت: {إنه من سليمان وإنه} إلى آخره. فيحتمل أن يكون قد تُرجم لها قبل أن تخرج إلى مجلس مشُورتها، ويحتمل أن تكون عارفة بالعبرانية، ويحتمل أن يكون الكتاب مكتوباً بالعربية القحطانية، فإن عظمة ملك سليمان لا تخلو من كتَّاب عارفين بلغات الأمم المجاورة لمملكته، وكونه بلغته أظهر وأنسب بشعار الملوك، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم للملوك باللغة العربية.
أما الكلام المذكور في هذه الآية فهو ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية الفصحى بتضمين دقائقه وخصوصيات اللغة التي أنشئ بها.
وقوله: {إنه من سليمان} هو من كلام الملكة ابتدأت به مخاطَبة أهل مشُورتها لإيقاظ أفهامهم إلى التدبر في مغزاه لأن اللائق بسليمان أن لا يقدِّم في كتابه شيئاً قبل اسم الله تعالى، وأن معرفة اسم سليمان تؤخذ من ختمه وهو خارج الكتاب فلذلك ابتدأت به أيضاً.
والتأكيد ب (إنَّ) في الموضعين يترجم عما في كلامهما باللغة السبائية من عبارات دالة على اهتمامها بمُرسل الكتاب وبما تضمنه الكتاب اهتماماً يؤدَّى مثله في العربية الفصحى بحرف التأكيد الذي يدل على الاهتمام في مقام لا شك فيه.
وتكرير حرف (إن) بعد واو العطف إيماء إلى اختلاف المعطوف والمعطوف عليه بأن المراد بالمعطوف عليه ذاتُ الكتاب، والمرادَ بالمعطوف معناه وما اشتمل عليه، كما تقول: إن فلاناً لحسن الطلعة وإنه لزكيّ.
وهذا من خصوصيات إعادة العامل بعد حرف العطف مع إغناء حرف العطف عن ذكر العامل، ونظيره قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمرِ منكم} [النساء: 59]، أعيد {أطيعوا} لاختلاف معنى الطاعتين، لأن طاعة الله تنصرف إلى الأعمال الدينية، وطاعة الرسول مراد بها طاعته في التصرفات الدنيوية، ولذلك عُطف على الرسول أولو الأمر من الأمة.
وقوله: {إنه من سليمان} حكاية لمقالها، وعرفت هي ذلك من عنوان الكتاب بأعلاه أو بظاهره على حسب طريقة الرسائل السلطانية في ذلك العهد في بني إسرائيل، مثل افتتاح كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك بجملة: «مِن محمد رسول الله».
وافتتاح الكتاب بجملة البسملة يدل على أن مرادفها كان خاصاً بكُتُب النبي سليمان أن يُتبع اسم الجلالة بوصفي: الرحمان الرحيم، فصار ذلك سنة لافتتاح الأمور ذوات البال في الإسلام ادخره الله للمسلمين من بقايا سنة الأنبياء بعد أن تنوسي ذلك فإنه لم يعرف أن بني إسرائيل افتتحوا كتبهم باسم الله الرحمن الرحيم.
روى أبو داود في كتاب «المراسيل»: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب «باسمك اللهم» كما كانت قريش تكتب، فلما نزلتْ هذه الآية صار يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم»، أي صار يكتب البسملة في أول كتبه. وأما جعلها فصلاً بين السور أو آية من كل سورة فمسألة أخرى.
وكان كتاب سليمان وجيزاً لأن ذلك أنسب بمخاطبة من لا يحسن لغة المخاطب فيقتصر له على المقصود لإمكان ترجمته وحُصول فهمه فأحاط كتابه بالمقصود، وهو تحذير ملكة سبأ من أن تحاول الترفع على الخضوع إلى سليمان والطاعة له كما كان شأن الملوك المجاورين له بمصر وصور والعراق.
فالإتيان المأمور به في قوله: {وأتوني مسلمين} هو إتيان مجازي مثل ما يقال: اتبع سبيلي.
و {مسلمين} مشتق من أسلم إذا تقلد الإسلام. وإطلاق اسم الإسلام على الدين يدل على أن سليمان إنما دعا ملكة سبأ وقومها إلى نبذ الشرك والاعتراف لله بالإلهية والوحدانية ولم يدعهم إلى اتباع شريعة التوراة لأنهم غير مخاطبين بها وأما دعوتهم إلى إفراد الله بالعبادة والاعتراف له بالوحدانية في الإلهية فذلك مما خاطب الله به البشر كلهم وشاع ذلك فيهم من عهد آدم ونوح وإبراهيم. وقد بيّنا ذلك عند قوله تعالى: {فلا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون} في سورة البقرة (132)، قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} [يس: 60]. جمع سليمان بين دعوتها إلى مسالمته وطاعته وذلك تصرف بصفة الملك، وبين دعوة قومها إلى اتباع دين التوحيد وذلك تصرف بالنبوءة لأن النبي يلقي الإرشاد إلى الهُدى حيثما تمكَّن منه كما قال شعيب
{إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ} [هود: 88] وهذا نظير قول يوسف لصاحبي السجن {أأرباب متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39] الآية. وإن كان لم يرسل إليهم، فالأنبياء مأمورون أمراً عاماً بالإرشاد إلى الحق، وكذلك دعاء سليمان هنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حُمْر النعم " فهذه سنة الشرائع لأن الغاية المهمة عندها هو إصلاح النفوس دون التشفي وحب الغلبة.
وحرف (أنْ) من قوله: {أن لا تعلوا عليّ} في موقعه غموض لأن الظاهر أنه مما شمله كتاب سليمان لوقوعه بعد البسملة التي هي مبدأ الكتاب. وهذا الحرف لا يخلو من كونه (أن) المصدرية الناصبة للمضارع، أو المخففة من الثقيلة، أو التفسيرية.
فأما معنى (أَنْ) المصدرية الناصبة للمضارع فلا يتضح لأنها تستدعي عاملاً يكون مصدرُها المنسبك بها معمولاً له وليس في الكلام ما يصلح لذلك لفظاً مطلقاً ولا معنى إلا بتعسف، وقد جوزه ابن هشام في «مغني اللبيب» في بحث (أَلاّ) الذي هو حرف تحضيض وهو وجهة شيخنا محمد النجار رحمه الله بأن يُجعل {أن لا تعلوا} إلخ خبراً عن ضمير {كتاب} في قوله: {وإنه} فحيث كان مضمون الكتاب النهيَ عن العلو جُعل {أن لا تعلوا} نفسَ الكتاب كما يقع الإخبار بالمصدر. وهذا تكلف لأنه يقتضي الفصل بين أجزاء الكتاب بقوله: {بسم الله الرحمن الرحيم}.
وأما معنى المخففة من الثقيلة فكذلك لوجوب سدّ مصدر مسدّها وكونها معمولة لعامل، وليس في الكلام ما يصلح لذلك أيضاً. وقد ذكر وجهاً ثالثاً في الآية في بعض نسخ «مغني اللبيب» في بحث (أَلاَّ) أيضاً ولم يوجد في النسخ الصحيحة من «المغني» ولا من «شروحه» ولعله من زيادات بعض الطلبة. وقد اقتصر في «الكشاف» على وجه التفسيرية لعلمه بأن غير ذلك لا ينبغي أن يفرض. وأعقبه بما روي من نسخة كتاب سليمان ليظهر أن ليس في كتاب سليمان ما يقابل حرف (أنْ) فلذلك تتعين (أنْ) لمعنى التفسيرية لضمير {وإنه} العائد إلى {كتاب} كما علمته آنفاً لأنه لما كان عائداً إلى {كتاب} كان بمعنى معاده فكان مما فيه معنى القول دون حروفه فصح وقع (أَنْ) بعده فيكون (أَنْ) من كلام ملكة سبأ فَسَّرَتْ بها وبما بعدها مضمون {كتاب} في قولها: {ألقى إلى كتاب كريم}.
و {ألا تعلوا عليّ} يكون هو أول كتاب سليمان، وأنها حكاية لكلام بلقيس. قال في «الكشف» يتبين أن قوله: {إنه من سليمان} بيان لعنوان الكتاب وأن قوله: {وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} إلخ بيان لمضمون الكتاب فلا يرد سؤال كيف قدم قوله: {إنه من سليمان} على {إنه بسم الله الرحمن الرحيم}. ولم تزل نفسي غير منثلجة لهذه الوجوه في هذه الآية ويخطر ببالي أن موقع (أَنْ) هذه استعمال خاص في افتتاح الكلام يعتمد عليه المتكلم في أول كلامه.
وأنها المخففة من الثقيلة. وقد رأيتُ في بعض خطب النبي صلى الله عليه وسلم الافتتاح ب (أنْ) في ثاني خُطبة خطبها بالمدينة في «سيرة ابن إسحاق». وذكر السهيلي: أَنَّ الحمدُ، مضبوط بضمة على تقدير ضمير الأمر والشأن. ولكن كلامه جرى على أن حرف (إن) مكسور الهمزة مشدد النون. ويظهر لي أن الهمزة مفتوحة وأنه استعمال ل (أنْ) المخففة من الثقيلة في افتتاح الأمور المهمة وأن منه قوله تعالى: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [يونس: 10].
و {ألا تعلوا عليّ} نهي مستعمل في التهديد ولذلك أتبعته ملكة سبأ بقولها: {يأيها الملأ أفتوني في أمري} [النمل: 32].
{قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32)}
سألتْهم إبداء آرائهم ماذا تعمل تجاه دعوة سليمان. والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً مثل التي قبلها.
والإفتاء: الإخبار بالفَتوى وهي إزالة مشكل يعرض. وقد تقدمت عند قوله تعالى: {قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان} في سورة يوسف (41).
والأمر: الحال المهم، وإضافته إلى ضميرها لأنها المخاطبة بكتاب سليمان ولأنها المضطلعة بما يجب إجراؤه من شؤون المملكة وعليها تبعة الخطأ في المنهج الذي تسلكه من السياسة، ولذلك يقال للخليفة وللملك وللأمير ولعالم الدين: وَليُّ الأمر. وبهذه الثلاثة فُسِّر قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]. وقال الراعي يخاطب عبد الملك بن مروان:
أَوَليَّ أمرِ اللَّه إنا مَعشر *** حُنفاء نسجد بكرة وأصيلاً
فهذا معنى قولهم لها: {والأمرُ إليك} [النمل: 33].
وقد أفادت إضافة {أمري} تعريفاً، أي في الحادثة المعيَّنة.
ومعنى {قاطعة أمراً} عاملةً عملاً لا تردد فيه بالعزم على ما تجيب به سليمان.
وصيغة {كنت قاطعة} تؤذن بأن ذلك دأبها وعادتها معهم، فكانت عاقلة حكيمة مستشيرة لا تخاطر بالاستبداد بمصالح قومها ولا تعرِّض ملكها لمهاوي أخطاء المستبدين.
والأمر في {ما كنت قاطعة أمراً} هو أيضاً الحال المهم، أي أنها لا تقضي في المهمات إلا عن استشارتهم.
و {تَشهدون} مضارع شَهِد المستعمل بمعنى حَضر كقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر} [البقرة: 185]، أي حتى تَحْضُرون. وشهد هذا يتعدى بنفسه إلى كل ما يحضر فاعل الفعل عنده من مكان وزمان واسم ذات، وذلك تعدّ على التوسع لكثرته، وحق الفعل أن يُعدى بحرف الجر أو يعلق به ظرف. يقال: شهد عند فلان وشهد مجلس فلان. ويقال: شهد الجمعة. وفعل {تشهدون} هنا مستعمل كناية عن المشاورة لأنها يلزمها الحضور غالباً إذ لا تقع مشاورة مع غائب.
والنون في {تشهدون} نون الوقاية وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً وألقيت كسرة النون المجتلبة لوقاية الحرف الأخير من الفعل عن أن يكون مكسوراً، ونون الوقاية دالة على المحذوف.
وقرأه الجمهور بحذف الياء وصلاً ووقفاً. وقرأ يعقوب بإثبات الياء وصلاً ووقفاً.
وفي قولها: {حتى تشهدون} كناية عن معنى: توافقوني فيما أقطعه، أي يصدر منها في مقاطع الحقوق والسياسة: إما بالقول كما جرى في هذه الحادثة، وإما بالسكوت وعدم الإنكار لأن حضور المعدود للشورى في مكان الاستشارة مغن عن استشارته إذ سكوته موافقة. ولذلك قال فقهاؤنا: إن على القاضي إذا جلس للقضاء أن يقضي بمحضر أهل العلم، أو مشاورتهم. وكان عثمان يقضي بمحضر أهل العلم وكان عُمر يستشيرهم وإن لم يَحضروا. وقال الفقهاء: إن سكوتهم مع حضورهم تقرير لحكمه.
وليس في هذه الآية دليل على مشروعية الشورى لأنها لم تحك شَرعاً إلهياً ولا سيق مساق المدح، ولكنه حكاية ما جَرى عند أمة غير متدينة بوحي إلهي؛ غير أن شأن القرآن فيما يذكره من القَصص أن يذكر المهم منها للموعظة أو للإسوة كما قدمناه في المقدمة السابعة. فلذلك يستروح من سياق هذه الآية حسن الشورى. وتقدم ذكر الشورى في سورة آل عمران.
{قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)}
جواب بأسلوب المحاورة فلذلك فُصل ولم يعطف كما هي طريقة المحاورات. أرادوا من قولهم: نحن، جماعة المملكة الذين هم من أهل الحرب. فهو من إخيار عرفاء القوم عن حال جماعاتهم ومن يفوض أمرهم إليهم. والقوة: حقيقتها ومجازها تقدم عند قوله تعالى: {فخذها بقوة} في سورة الأعراف (145). وأطلقت على وسائل القوة كما تقدم في قوله تعالى: {وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة} في سورة الأنفال (60)، أي وسائل القدرة على القتال والغلبة، ومن القوة كثرة القادرين على القتال والعارفين بأساليبه.
والبأسُ: الشدة على العدوّ، قال تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء وحينَ البأس} [البقرة: 177] أي في مواقع القتال، وقال: {بأسهم بينهم شديد} [الحشر: 14]، وهذا الجواب تصريح بأنهم مستعدون للحرب للدفاع عن ملكهم وتعريض بأنهم يميلون إلى الدفع بالقوة إن أراد أن يكرههم على الدخول تحت طاعته لأنهم حملوا ما تضمنه كتابه على ما قد يفضي إلى هذا.
ومع إظهار هذا الرأي فوّضوا الأمر إلى الملكة لثقتهم بأصالة رأيها لتنظر ما تأمرهم فيمتثلونه، فحذف مفعول {تأمرين} ومتعلقه لظهورهما من المقام، والتقدير: ما تأمريننا به، أي إن كان رأيك غير الحرب فمُري به نُطعك.
وفعل {انظري} معلق عن العمل بما بعده من الاستفهام وهو {ماذا تأمرين}.
وتقدم الكلام على {ماذا} في قوله: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم} في سورة النحل (24).
{قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)}
{قالت} جواب محاورة فلذلك فُصل.
أبدت لهم رأيها مفضِّلةً جانب السلم على جانب الحرب، وحاذرة من الدخول تحت سلطة سليمان اختياراً لأن نهاية الحرب فيها احتمال أن ينتصر سليمان فتصير مملكة سبأ إليه، وفي الدخول تحت سلطة سليمان إلقاء للمملكة في تصرفه، وفي كلا الحالين يحصل تصرف مَلك جديد في مدينتها فعلمت بقياس شواهد التاريخ وبخبرة طبائع الملوك إذا تصرفوا في مملكة غيرهم أن يقلبوا نظامها إلى ما يساير مصالحهم واطمئنان نفوسهم من انقلاب الأمة المغلوبة عليهم في فُرص الضعف أو لوائح الاشتغال بحوادث مهمة، فأول ما يفعلونه إقصاء الذين كانوا في الحكم لأن الخطر يتوقع من جانبهم حيث زال سلطانهم بالسلطان الجديد، ثم يبدلون القوانين والنظم التي كانت تسير عليها الدولة، فأما إذا أخذوها عنوة فلا يخلو الأخذ من تخريب وسبي ومغانم، وذلك أشد فساداً. وقد اندرج الحالان في قولها {إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة}.
وافتتاح جملة: {إن الملوك} بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر وتحقيقه، فقولها {إذا دخلوا قرية أفسدوها} استدلال بشواهد التاريخ الماضي ولهذا تكون {إذا} ظرفاً للماضي بقرينة المقام كقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها} [الجمعة: 11] وقوله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا} [التوبة: 92].
وجملة: {وكذلك يفعلون} استدلال على المستقبل بحكم الماضي على طريقة الاستصحاب وهو كالنتيجة للدليل الذي في قوله: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها}. والإشارة إلى المذكور من الإفساد وجَعْللِ الأعزة أذلة، أي فكيف نلقي بأيدينا إلى من لا يألو إفساداً في حالنا.
فدبرت أن تتفادى من الحرب ومن الإلقاء باليد، بطريقة المصانعة والتزلف إلى سليمان بإرسال هدية إليه، وقد عزمت على ذلك ولم تستطلع رأي أهل مشورتها لأنهم فوضوا الرأي إليها، ولأن سكوتهم على ما تخبرهم به يُعدّ موافقة ورضى.
وهذا الكلام مقدمة لما ستلقيه إليهم من عزمها، ويتضمن تعليلاً لما عزمت عليه.
والباء في {بهدية} باء المصاحبة. ومفعول {مرسلة} محذوف دل عليه وصف {مرسلة} وكون التشاور فيما تضمنه كتاب سليمان. فالتقدير: مرسلة إليهم كتاباً ووَفداً مصحوباً بهدية إذ لا بد أن يكون الوفد مصحوباً بكتاب تجيب به كتاب سليمان فإن الجواب عن الكتاب عادة قديمة، وهو من سنن المسلمين، وعدّ من حق المسلم على المسلم، قال القرطبي: إذا ورد على إنسان في كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يَرد الجواب لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجباً كرد السلام اه. ولم أقف على حكم فيه من مذاهب الفقهاء. والظاهر أن الجواب إن كان عن كتاب مشتمل على صيغة السلام أن يكون رد الجواب واجباً وأن يشتمل على رد السلام لأن الرد بالكتابة يقاس على الرد بالكلام مع إلغاء فارق ما في المكالمة من المواجهة التي يكون ترك الرد معها أقرب لإلقاء العداوة.
ولم أر في كتب النبي صلى الله عليه وسلم جواباً عن كتاب إلا جوابه عن كتاب مسيلمة والسلام على من اتّبع الهدى.
والهدية: فعيلة من أهدى: فالهدية ما يعطَى لقصد التقرب والتحبب، والجمع هَدايا على اللغة الفصحى، وهي لغة سُفلَى مَعَدَ. وأصل هدايا: هدائيَ بهمزة بعد ألف الجمع ثم ياءٍ لأن فعيلة يجمع على فعائل بإبدال ياء فعيلة همزة لأنها حرف وقع في الجمع بعد حرف مدّ فلما وجدوا الضمة في حالة الرفع ثقيلة على الياء سكّنوا الياء طرداً للباب ثم قلبوا اليَاء الساكنة ألفاً للخفة فوقعت الهمزة بين ألفين فثقلت فقلبوها ياء لأنها مفتوحة وهي أخف، وأما لغة سُفلى معدّ فيقولون: هَدَاوَى بقلب الهمزة التي بين الألفين واواً لأنها أخت الياء وكلتاهما أخت الهمزة.
و {ناظرة} اسم فاعل من نَظر بمعنى انتظَر، أي مترقبةٌ، فتكون جملة: {بم يرجع المرسلون} مبيّنة لجملة {فناظرة}، أو مستأنفة. وأصل النظم: فناظرة ما يرجع المرسلون به، فغير النظم لمَّا أريد أنها مترددة فيما يرجع به المرسلون. فالباء في قوله: {بم يرجع المرسلون} متعلقة بفعل {يرجع} قدمت على متعلَّقها لاقترانها بحرف (ما) الاستفهامية لأن الاستفهام له صدر الكلام.
ويجوز أن يكون {ناظرة} من النظر العقلي، أي عالمة، وتعلقَ الباء بفعل {يرجع}، وعلى كلا الوجهين ف {ناظرة} معلَّق عن العمل في مفعوله أو مفعوليه لوجود الاستفهام، ولا يجوز تعلق الباء ب {ناظرة} لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده فمن ثم غلطوا الحوفي في «تفسيره» لتعليقه الباء ب {ناظرة} كما في الجهة السادسة من الباب الخامس من «مغني اللبيب».
{فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)}
أي فلما جاء الرسول الذي دل عليه قوله: {وإني مرسلة إليهم بهدية} [النمل: 35]، فالإرسال يقتضي رسولاً، والرسول لفظه مفرد ويصدق بالواحد والجماعة، كما تقدم في قصة موسى في سورة الشعراء. وأيضاً فإن هدايا الملوك يحملها رَكب، فيجوز أن يكون فاعل {جاء} الركبُ المعهود في إرسال هدايا أمثال الملوك.
وقد أبى سليمان قبول الهدية لأن الملكة أرسلتها بعد بلوغ كتابه ولعلها سكتت عن الجواب عما تضمنه كتابه من قوله: {وأتوني مسلمين} [النمل: 31] فتبيّن له قصدُها من الهدية أن تصرفه عن محاولة ما تضمنه الكتاب، فكانت الهدية رشوة لتصرفه عن بثّ سلطانه على مملكة سبأ.
والخطاب في {أتمدونن} لوفد الهدية لقصد تبليغه إلى الملكة لأن خطاب الرسل إنما يقصد به من أرسلهم فيما يرجع إلى الغرض المرسل فيه.
والاستفهام إنكاري لأن حال إرسال الهدية والسكوت عن الجواب يقتضي محاولة صرف سليمان عن طلب ما طلبه بما بذل له من المال، فيقتضي أنهم يحسبونه محتاجاً إلى مثل ذلك المال فيقتنع بما وجّه إليه.
ويظهر أن الهدية كانت ذهباً ومالاً.
وقرأ الجمهور: {أتمدونني} بنونين. وقرأه حمزة وخلف بنون واحدة مشدّدة بالإدغام. والفاء لتفريع الكلام الذي بعدها على الإنكار السابق، أي أنكرت عليكم ظنكم فرحي بما وجهتم إليّ لأنّ ما أعطاني الله خير مما أعطاكم، أي هو أفضل منه في صفات الأموال من نفاسة ووفرة.
وسَوق التعليل يشعر بأنه علم أن الملكة لا تعلم أن لدى سليمان من الأموال ما هو خير مما لديها، لأنه لو كان يظن أنها تعلم ذلك لما احتاج إلى التفريع.
وهذا من أسرار الفرق في الكلام البليغ بين الواو والفاء في هذه الجملة فلو قال: وما آتاني الله خير مما آتاكم، لكان مُشعراً بأنها تعلم ذلك لأن الواو تكون واو الحال.
و {بل} للإضراب الانتقالي وهو انتقال من إنكاره عليهم إمداده بمال إلى رد ذلك المال وإرجاعه إليهم.
وإضافة {هديتكم} تشبيه؛ تحتمل أن تكون من إضافة الشيء إلى ما هو في معنى المفعول، أي بما تهدونه. ويجوز أن يكون شبيهة بالإضافة إلى ما هو في معنى المفعول، أي بما يُهدى إليكم. والخبر استعمل كناية عن رد الهدية للمهدي.
ومعنى: {تفرحون} يجوز أن يكون تُسرُّون، ويجوز أن يكون تفتخرون، أي أنتم تعظم عندكم تلك الهدية لا أنا، لأن الله أعطاني خيراً منها.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في «أنتم تَفرحون» لإفادة القصر، أي أنتم. وهو الكناية عن رد الهدية.
وتوعدهم وهددهم بأنه مرسل إليهم جيشاً لا قِبَل لهم بحربه. وضمائر جمع الذكور الغائب في قوله: {فلنأتينهم} و{لنخرجنهم} عائدة إلى القوم، أي لنخرجن من نخرج من الأسرى.
وقوله: {فلنأتينهم بجنود} يحتمل أنه أراد غزو بلدها بنفسه، فتكون الباء للمصاحبة. ويحتمل أنه أراد إرسال جنود لغزوها فتكون الباء للتعدية كالتي في قوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} [البقرة: 17] أي أذهبه؛ فيكون المعنى: فلنؤتينهم جنوداً، أي نجعلها آتية إياهم.
والقِبَل: الطاقة. وأصله المقابلة فأطلق على الطاقة لأن الذي يُطيق شيئاً يثبت للقائه ويقابله. فإذا لم يُطقه تقهقر عن لقائه. ولعل أصل هذا الاستعمال ناظر إلى المقابلة في القتال.
والباء في {بها} للسببية، أي انتفى قِبلهم بسببها، أو تكون الباء للمصاحبة، أي انتفى قِبلهم المصاحب لها، أي للقدرة على لقائها.
وضمير {بها} للجنود وضمير {منها} للمدينة، وهي مأرب، أي يخرجهم أسرى ويأتي بهم إلى مدينته.
والصاغر: الذليل، اسم فاعل من صغر بضم الغين المستعمل بمعنى ذل ومصدره الصغار. والمراد: ذل الهزيمة والأسر.
{قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)}
استئناف ابتدائي لذكر بعض أجزاء القصة طوي خبر رجوع الرسل والهدية، وعلم سليمان أن ملكة سبأ لا يسعها إلا طاعته ومجيئها إليه، أو ورد له منها أنها عزمت على الحضور عنده عملاً بقوله: {وأتوني مسلمين} [النمل: 31].
ثم يحتمل أن يكون سليمان قال ذلك بعد أن حطت رحال الملكة في مدينة أورشليم وقبل أن تتهيَّأ للدخول على الملك، أو حين جاءه الخبَر بأنها شارفت المدينة فأراد أن يحضر لها عرشها قبل أن تدخل عليه ليُرِيَها مقدرة أهل دولته.
وقد يكون عرشها محمولاً معها في رحالها جاءت به معها لتجلس عليه خشية أن لا يهيئ لها سليمان عرشاً، فإن للملوك تقادير وظنوناً يحترزون منها خشية الغضاضة.
وقوله: {آتيك} يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً من أتى، وأن يكون اسم فاعل منه، والباء على الاحتمالين للتعدية. ولمّا علم سليمان بأنها ستحضر عنده أراد أن يبهتها بإحضار عرشها الذي تفتخر به وتعده نادرة الدنيا، فخاطب ملأه ليظهر منهم منتهى علمهم وقوتهم. فالباء في {بعرشها} كالباء في قوله: {فلنأتينّهم بجنود} [النمل: 37] تحتمل الوجهين.
وجملة: {قال يا أيها الملؤا} مستأنفة ابتداء لجزء من قصة. وجملة: {قال عفريت} واقعة موقع جواب المحاورة ففصلت على أسلوب المحاورات كما تقدم غير مرة. وجملة: {قال الذي عنده علم من الكتاب} أيضاً جواب محاورة.
ومعنى {عفريت} حسبما يستخلص من مختلف كلمات أهل اللغة أنه اسم للشديد الذي لا يصاب ولا ينال، فهو يُتَّقى لشَره. وأصله اسم لعُتاة الجن، ويوصف به الناس على معنى التشبيه.
و {الذي عنده علم من الكتاب} رجل من أهل الحكمة من حاشية سليمان.
و {مِن} في قوله: {من الكتاب} ابتدائية، أي عنده علم مكتسب من الكتب، أي من الحكمة، وليس المراد بالكتاب التوراة. وقد عدّ في سفر الملوك الأول في الإصحاح الرابع أحد عشر رجلاً أهل خاصة سليمان بأسمائهم وذكر أهل التفسير والقصص أن: {الذي عنده علم من الكتاب} هو «آصف بن برخيا» وأنه كان وزير سليمان.
وارتداد الطرف حقيقته: رجوع تحديق العين من جهة منظورة تَحُول عنَها لحظة. وعبر عنه بالارتداد لأنهم يعبرون عن النظر بإرسال الطرف وإرسال النظر فكان الارتداد استعارة مبنية على ذلك.
وهذه المناظرة بين العفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب ترمز إلى أنه يتأتى بالحكمة والعلم ما لا يتأتى بالقوة، وأن الحكمة مكتسبة لقوله: {عنده علم من الكتاب}، وأن قوة العناصر طبيعة فيها، وأن الاكتساب بالعلم طريق لاستخدام القوى التي لا تستطيع استخدام بعضها بعضاً. فذكر في هذه القصة مثلاً لتغلب العلم على القوة. ولما كان هذان الرجلان مسخرَيْن لسليمان كان ما اختصا به من المعرفة مزية لهما ترجع إلى فضل سليمان وكرامته أن سخر الله له مثل هذه القوى.
ومقام نبوته يترفع عن أن يباشر بنفسه الإتيان بعرش بلقيس.
والظاهر أن قوله: {قبل أن تقوم من مقامك} وقوله: {قبل أن يرتد إليك طرفك} مثلان في السرعة والأسرعية، والضمير البارز في {رءاه} يعود إلى العرش.
والاستقرار: التمكن في الأرض وهو مبالغة في القرار. وهذا استقرار خاص هو غير الاستقرار العام المرادف للكون، وهو الاستقرار الذي يقدر في الإخبار عن المبتدأ بالظرف والمجرور ليكون متعلِّقاً بهما إذا وقعا خبراً أو وقعا حالاً، إذ يقدر (كائن) أو (مستقر) فإن ذلك الاستقرار ليس شأنه أن يصرح به. وابن عطية جعله في الآية من إظهار المقدر وهو بعيد.
ولما ذَكر الفضل أضافه إلى الله بعنوان كونه ربّه لإظهار أن فضله عليه عظيم إذ هو عبد ربه. فليس إحسان الله إليه إلا فضلاً محضاً، ولم يشتغل سليمان حين أحضر له العرش بأن يبتهج بسلطانه ولا بمقدرة رجاله ولكنه انصرف إلى شكر الله تعالى على ما منحه من فضل وأعطاه من جند مسخرين بالعلم والقوة، فمزايا جميعهم وفضلهم راجع إلى تفضيله.
وضرب حكمة خُلقية دينية وهي: {من شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كَفر فإن ربي غني كريم}؛ فكل متقرب إلى الله بعمل صالح يجب أن يستحضر أن عمله إنما هو لنفسه يرجو به ثواب الله ورضاه في الآخرة ويرجو دوام التفضل من الله عليه في الدنيا، فالنفع حاصل له في الدارين ولا ينتفع الله بشيء من ذلك.
فالكلام في قوله: {يشكر لنفسه} لام الأجْل وليست اللام التي يُعدى بها فعل الشكر في نحو {واشكُروا لي} [البقرة: 152]. والمراد ب {من كفر} من كفر فضل الله عليه بأن عبَد غير الله، فإن الله غني عن شكره وهو كريم في إمهاله ورزقه في هذه الدنيا. وقد تقدم عند قوله فيما تقدم: {قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك} [النمل: 19].
والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: {فإن ربي غني كريم} دون أن يقول: فإنه غني كريم، تأكيد للاعتراف بتمحض الفضل المستفاد من قوله: {فضل ربي}.
{قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)}
هذا من جملة المحاورة التي جرت بين سليمان عليه السلام وبين ملئه، ولذلك لم يعطف لأنه جرى على طريقة المقاولة والمحاورة.
والتنكير: التغيير للحالة. قال جميل:
وقالوا نراها يا جميلُ تنكّرت *** وغيرها الواشي فقلت: لعلها
أراد: تنكرت حالة معاشرتها بسبب تغيير الواشين، بأن يغير بعض أوصافه، قالوا: أراد مفاجأتها واختبار مظنتها.
والمأمور بالتنكير أهل المقدرة على ذلك من ملئه.
و {من الذين لا يهتدون} أبلغ في انتفاء الاهتداء من: لا تهتدي، كما تقدم في نظائره غير مرة.
{فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)}
{يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا}.
دل قوله: {لما جاءت} أنّ الملكة لما بلغها ما أجاب به سليمان رسلها أزمعت الحضور بنفسها لدى سليمان داخلة تحت نفوذ مملكته، وأنها تجهزت للسفر إلى أورشليم بما يليق بمثلها.
وقد طُوي خبر ارتحالها إذ لا غرض مُهِمّاً يتعلق به في موضع العبرة. والمقصود أنها خضعت لأمر سليمان وجاءته راغبة في الانتساب إليه.
وبني فعل {قيل} للمجهول إذ لا يتعلق غرض بالقائل. والظاهر أن الذي قال ذلك هو سليمان.
يجوز أن يكون عطفاً على قوله: {هذا من فضل ربي} [النمل: 40] الآية وما بينهما اعتراضاً، أي هذا من قول سليمان.
ويجوز أن يكون عطفاً على قوله: {ننظر أَتهتدي} [النمل: 41] الآية وما بينهما اعتراضاً كذلك، ويجوز أن يكون عطفاً على {أهكذا عرشُك} وما بينهما اعتراضاً به جوابها، أي وقيل أوتينا العلم من قبلها، أي قال القائل: أهكذا عرشك، أي قال سليمان ذلك في ملئه عقب اختيار رأيها شكراً لله على ما لديه من العلم، أو قال بعض ملأ سليمان لبعض هذه المقالة. ولعلهم تخافتوا به أو رَطنوه بلغتهم العبرية بحيث لا تفهمهم. وقالوا ذلك بَهجين بأن فيهم من له من العلم ما ليس لملأ ملكة سبأ، أي لا ننسى بما نُشاهده من بَهرجات هذه الملكة أننا في حالة عقلية أفضل. وأرادوا بالعلم علم الحكمة الذي علمه الله سليمان ورجال مملكته وتشاركهم بعض أهل سبأ في بعضه فقد كانوا أهل معرفة أنشأوا بها حضارة مبهتة.
فمعنى: {من قبلها} إن حمل على ظاهره أن قومهم بني إسرائيل كانوا أسبق في معرفة الحكمة وحضارة الملك من أهل سبأ لأن الحكمة ظهرت في بني إسرائيل من عهد موسى، فقد سن لهم الشريعة، وأقام لهم نظام الجماعة، وعلمهم أسلوب الحضارة بتخطيط رسوم مساكنهم وملابسهم ونظام الجيش والحرب والمواسم والمحافل. ثم أخذ ذلك يرتقي إلى أن بلغ غاية بعيدة في مدة سليمان، فبهذا الاعتبار كان بنو إسرائيل أسبق إلى علم الحكمة قبل أهل سبأ، وإن أريد ب {مِن قبلها} القبليةُ الاعتباريةُ وهي الفضل والتفوق في المزايا وهو الأليق بالمعنى كان المعنى: إنَّا أوسع وأقوى منها علماً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " نحن الأولون السابقون بَيْد أنهم أوتوا الكتاب من قَبْلنا " أي نحن الأولون في غايات الهدى، وجعل مثلاً لذلك اهتداء أهل الإسلام ليوم الجمعة فقال: «وهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه». فكان الأرجح أن يكون معنى {من قبلها} أنّا فائتونها في العلم وبالغون ما لم تبلغه. وزادوا في إظهار فضلهم عليها بذكر الناحية الدينية، أي وكنا مسلمين دونها.
وفي ذكر فعل الكون دلالة على تمكنهم من الإسلام منذ القدم.
وصدّها هي عن الإسلام ما كانت تعبد من دون الله، أي صدّها معبودها من دون الله، ومتعلق الصد محذوف لدلالة الكلام عليه في قوله: {وكنا مسلمين}. وما كانت تعبده هو الشمس. وإسناد الصدّ إلى المعبود مجاز عقلي لأنه سبب صدها عن التوحيد كقوله تعالى: {وما زادُوهم غير تتبيب} [هود: 101] وقوله: {غَرَّ هؤلاء دينُهم} [الأنفال: 49].
وفي ذكر فعل الكون مرتين في {ما كانت تعبد}. و{إنها كانت من قوم كافرين} دلالة على تمكنها من عبادة الشمس وكان ذلك التمكن بسبب الانحدار من سلالة المشركين، فالشرك منطبع في نفسها بالوراثة، فالكفر قد أحاط بها بتغلغله في نفسها وبنشأتها عليه وبكونها بين قوم كافرين، فمن أين يخلص إليها الهدى والإيمان.
{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)}
{كافرين * قِيلَ لَهَا ادخلى الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ}.
جملة: {قيل لها ادخلي الصرح} استئناف ابتدائي لجزء من القصة. وطوي ذكر ترحلها إلى وصولها في ذكر ما يدل عليه من حلولها أمام صرح سليمان للدخول معه إليه أو الدخول عليه وهو فيه.
لما أراها سليمان عظمة حضارته انتقل بها حيث تشاهد أثراً بديعاً من آثار الصناعة الحكيمة وهو الصرح. والصرح يطلق على صحن الدار وعَرصتها. والظاهر أن صرح القصر الذي ذكر في سفر الملوك الأول في الإصحاح السابع وهو بيت وَعْر له بابان كان يجلس فيه سليمان للقضاء بين الناس.
والقائل لها: {ادخلي الصرح} هم الذين كانوا في رفقتها.
والقائل {إنه صرح ممرد من قوارير} هو سليمان كان مصاحباً لها أو كان يترقبها وزجاج الصرح المبلط به الصرح بينهما.
وذكر الدخول يقتضي أن الصرح مكان له باب. وفي سفر الملوك الأول في الإصحاح العاشر: فلما رأت البيت الذي بناه.
وحكاية أنها حسبته لجة عندما رأته تقتضي أن ذلك بدا لها في حين دخولها فدل على أن الصرح هو أول ما بدا لها من المدخل فهو لا محالة ساحة مَعْنِيّة للنزهة فرشت بزجاج شفاف وأجري تحته الماء حتى يخاله الناظر لُجّة ماء. وهذا من بديع الصناعة التي اختصت بها قصور سليمان في ذلك الزمان لم تكن معروفة في اليمن على ما بلغته من حضارة وعظمة بناء.
وقرأ قنبل عن ابن كثير {عن سأقيها} بهمزة ساكنة بعد السين عوضاً عن الألف على لغة من يهمز حرف المدّ إذا وقع وسط الكلمة. ومنه قول جرير:
لحَب المُؤقِداننِ إليَّ مؤسى *** وجعدة إذْ أضاءهما الوقود
فهمَز المؤقدان ومؤسى. *** وكشف ساقيها كان من أجل أنها شمرت ثيابها كراهية ابتلالها بما حسبته ماء. فالكشف عن ساقيها يجوز أن يكون بخلع خفيها أو نعليها، ويجوز أن يكون بتشمير ثوبها. وقد قيل: إنها كانت لا تلبس الخفّين. والممرّد: المملس.
والقوارير: جمع قارورة وهي اسم لإناء من الزجاج كانوا يجعلونه للخمر ليظهر للرائي ما قرّ في قعر الإناء من تفث الخمر فيظهر المقدار الصافي منها. فسمى ذلك الإناء قارورة لأنه يظهر منه ما يقَرّ في قعره، وجمعت على قَوارير، ثم أطلق هذا الجمع على الطين الذي تتخذ منه القارورة وهو الزجاج، فالقوارير من أسماء الزجاج، قال بشار:
ارفُق بعمرو إذا حركْت نسبته *** فإنه عربي من قَوارير
يريد أن نسبته في العرب ضعيفة إذا حُرّكت تكسرت. وقد تقدم ذكر الزجاج عند قوله تعالى: {المصباح في زجاجة} في سورة النور (35).
بهرها ما رأت من آيات علمت منها أن سليمان صادق فيما دعاها إليه وأنه مؤيَّد من الله تعالى، وعلمت أن دينها ودين قومها باطل فاعترفت بأنها ظلمت نفسها في اتباع الضلال بعبادة الشمس.
وهذا درجة أولى في الاعتقاد وهو درجة التخلية، ثم صعدت إلى الدرجة التي فوقها وهي درجة التحَلّي بالإيمان الحق فقالت: {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} فاعترفت بأن الله هو رب جميع الموجودات، وهذا مقام التوحيد.
وفي قولها: {مع سليمان} إيمان بالدين الذي تقلده سليمان وهو دين اليهودية، وقد أرادت جمع معاني الدين في هذه الكلمة ليكون تفصيلها فيما تتلقاه من سليمان من الشرائع والأحكام.
وجملة: {قالت رب إني ظلمت نفسي} جواب عن قول سليمان {إنه صرح ممرّد من قوارير} ولذلك لم تعطف.
والإسلام: الانقياد إلى الله تعالى. وتقلُّد بلقيس للتوحيد كان في خاصة نفسها لأنها دانت لله بذلك إذ لم يثبت أن أهل سبأ انخلعوا عن عبادة الأصنام كما يأتي في سورة سبأ. وأما دخول اليهودية بلاد اليمن فيأتي في سورة البروج. وسكت القرآن عن بقية خبرها ورجوعها إلى بلادها، وللقصاصين أخبار لا تصح فهذا تمام القصة.
ومكان العبرة منها الاتعاظ بحال هذه الملكة، إذ لم يصدّها علوّ شأنها وعظمة سلطانها مع ما أوتيته من سلامة الفطرة وذكاء العقل عن أن تنظر في دلائل صدق الداعي إلى التوحيد وتوقن بفساد الشرك وتعترف بالوحدانية لله، فما يكون إصرار المشركين على شركهم بعد أن جاءهم الهدي الإسلامي إلا لسخافة أحلامهم أو لعمايتهم عن الحق وتمسكهم بالباطل وتصلبهم فيه. ولا أصل لما يذكره القصّاصون وبعض المفسرين من أن سليمان تزوج بلقيس، ولا أن له ولداً منها. فإن رحبعام ابنَه الذي خلفه في الملك كان من زوجة عَمُّونِيَّة.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45)}
هذا مثل ثالث ضربه الله لحال المشركين مع المؤمنين وجعله تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن له أسوة بالرسل والأنبياء من قبله.
والانتقال من ذكر ملك سليمان وقصّة ملكة سبأ إلى ذكر ثمود ورسولهم دون ذكر عاد لمناسبة جِوار البلاد، لأن ديار ثمود كانت على تخوم مملكة سليمان وكانت في طريق السائر من سَبأ إلى فلسطين.
ألا ترى أنه أعقب ذكر ثمود بذكر قوم لوط وهم أدنى إلى بلاد فلسطين، فكان سياق هذه القصص مناسباً لسياق السائر من بلاد اليمن إلى فلسطين. ولما كان ما حلّ بالقوم أهمَّ ذِكراً في هذا المقام قدم المجرور على المفعول لأن المجرور هو محل العبرة، وأما المفعول فهو محلّ التسلية، والتسلية غرض تَبَعيّ.
ولام القسم لتأكيد الإرسال باعتبار ما اتصل به من بقية الخبر؛ فإما أن يكون التأكيد لمجرد الاهتمام، وإما أن يبنى على تنزيل المخاطبين منزلة من يتردد فيما تضمنه الخبر من تكذيب قومه إياه واستخفافهم بوعيد ربّهم على لسانه. وحلول العذاب بهم لأجل ذلك لأن حالهم في عدم العظة بما جرى للمماثلين في حالهم جعلهم كمن ينكر ذلك.
و {أن أعبُدوا الله} تفسير لما دل عليه {أرسلنا} من معنى القول. وفرع على {أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً} إلخ {إذا هم فريقان يختصمون}. فالمعنى: أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً لإنقاذهم من الشرك ففاجأ من حالهم أن أعرض فريق عن الإيمان وآمن فريق.
والإتيان بحرف المفاجأة كناية عن كون انقسامهم غير مرضي فكأنّه غير مترقب، ولذلك لم يقع التعرض لإنكار كون أكثرهم كافرين إشارة إلى أن مجرد بقاء الكفر فيهم كاف في قبْح فعلهم. وحالهم هذا مساوٍ لحال قريش تجاه الرسالة المحمدية. وأعيد ضمير {يختصمون} على المثنى وهو {فريقان} باعتبار اشتمال الفريقين على عدد كثير. كقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] ولم يقل: اقتتلتا.
والفريقان هما: فريق الذين استكبروا، وفريق الذين استضعفوا وفيهم صالح. والفاء للتعقيب وهو تعقيب بحسب ما يقتضيه العرف بعد سماع الدعوة. والاختصام واقع مع صالح ابتداء، ومع أتباعه تبعاً.
{قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46)}
لما كان الاختصام بين الفريقين في شأن صالح ابتداء جيء بجواب صالح عما تضمنه اختصامهم من محاولتهم إفحامه بطلب نزول العذاب. فمقول صالح هذا ليس هو ابتداء دعوته فإنه تقدم قوله: {أن اعبُدوا الله} [النمل: 45] ولكنه جواب عمّا تضمنه اختصامهم معه، ولذلك جاءت جملة: {قال يا قوم} مفصولة جرياً على طريقة المحاورة لأنها حكاية جواب عما تضمنه اختصامهم.
واقتصر على مراجعة صالح قومَه في شأن غرورهم بظنهم أن تأخر العذاب أمارة على كذب الذي توعدهم به فإنهم قالوا: {فآتنا بما تَعِدُنا إن كنتَ من الصادقين} [الأعراف: 70] كما حكي عنهم في سورة الأعراف لأن الغرض هنا موعظة قريش في قولهم: {فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] بحال ثمود المساوي لحالهم ليعلموا أن عاقبة ذلك مماثلة لعاقبة ثمود لتماثل الحالين قال تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمّى لجاءهم العذاب ولَيَأتِينّهم بغتة وهم لا يشعرون} [العنكبوت: 53].
والاستفهام في قوله: {لم تستعجلون} إنكار لأخذهم بجانب العذاب دون جانب الرحمة.
ف {السيئة}: صفة لمحذوف، أي بالحالة السيئة، وكذلك {الحسنة}.
فيجوز أن يكون المراد ب {السيئة} الحالة السيئة في معاملتهم إياه بتكذيبهم إياه. والمراد بالحسنة ضدّ ذلك، أي تصديقهم لما جاء به، فالاستعجال: المبادرة. والباء للملابسة. ومفعول {تستعجلون} محذوف تقديره: تستعجلونني متلبسين بسيئة التكذيب. والمعنى: أنه أنكر عليهم أخذهم بطرف التكذيب إذ أعرضوا عن التدبر في دلائل صدقه، أي إن كنتم مترددين في أمري فافرضوا صدقي ثم انظروا. وهذا استنزال بهم إلى النظر بدلاً عن الإعراض، ولذلك جمع في كلامه بين السيئة والحسنة.
ويجوز أن يكون المراد ب {السيئة} الحالةَ السيئة التي يترقبون حلولها، وهي ما سألوا من تعجيل العذاب المحكي عنهم في سورة الأعراف، وب {الحسنة} ضد ذلك أي حالة سلامتهم من حلول العذاب ف {السيئة} مفعول {تستعجلون} والباء مزيدة لتأكيد اللصوق مثل ما في قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6].
والمعنى: إنكار جعلهم تأخيرَ العذاب أمارةً على كذب الوعيد به وأن الأولى بهم أن يجعلوا امتداد السلامة أمارة على إمهال الله إياهم فيتقوا حلول العذاب، أي لِمَ تبْقَون على التكذيب منتظرين حلول العذاب، وكان الأجدر بكم أن تبادروا بالتصديق منتظرين عدم حلول العذاب بالمرة. وعلى كلا الوجهين فجواب صالح إياهم جار على الأسلوب الحكيم بجعل يقينهم بكذبه محمولاً على ترددهم بين صدقه وكذبه.
وقوله: {قبل الحسنة} حال من {السيئة}. وهذا تنبيه لهم على خطئهم في ظنهم أنه لو كان صالح صادقاً فيما توعدهم به لعَجّل لهم به، فما تأخيره إلا لأنه ليس بوعيد حق، لأن العذاب أمر عظيم لا يجوز الدخول تحت احتماله في مجاري العقول. فالقبلية في قوله: {قبل الحسنة} مجاز في اختيار الأخذ بجانب احتمال السيئة وترجيحه على الأخذ بجانب الحسنة، فكأنهم بادروا إليها فأخذوها قبل أن يأخذوا الحسنة.
وظاهر الاستفهام أنه استفهام عن علة استعجالهم، وإنما هو استفهام عن المعلول كناية عن انتفاء ما حقه أن يكون سبباً لاستعجال العذاب، فالإنكار متوجه للاستعجال لا لعلته.
ثم أُعقب الإنكار المقتضي طلب التخلية عن ذلك بتحريضهم على الإقلاع عن ذلك بالتوبة وطلب المغفرة لما مضى منهم ويرجون أن يرحمهم الله فلا يعذبهم، وإن كان ما صدر منهم موجباً لاستمرار غضب الله عليهم، إلا أن الله برحمته جعل التائب من الذنب كمن لم يذنب.
{قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)}
هذا من محاورتهم مع صالح فلذلك لم يُعطف فعلا القول وجاء على سنن حكاية أقوال المحاورات كما بيّناه غير مرة.
وأصل {اطيرنا} تَطيّرنا فقلبت التاء طاء لقرب مخرجيهما وسكنت لتخفيف الإدغام وأدخلت همزة الوصل لابتداء الكلمة بساكن، والباء للسببية.
ومعنى التطير: التشاؤم. أطلق عليه التطيّر لأن أكثره ينشأ من الاستدلال بحركات الطير من سَانح وبارح. وكان التَطيّر من أوهام العرب وثمود من العرب، فقولهم المحكي في هذه الآية حُكي به مماثله من كلامهم ولا يريدون التطيّر الحاصل من زجر الطير لأنه يمنع من ذلك قولهم: {بك وبمن معك} وقد تقدم مثله عند قوله تعالى: {وإن تصبهم سيئة يَطَّيَّروا بموسى ومن معه} في سورة الأعراف (131). وتقدم معنى الشؤم هنالك.
وأجاب صالح كلامهم بأنه ومَن معه ليسُوا سبب شُؤم ولكن سبب شؤمهم وحلول المضار بهم هو قدرة الله.
واستعير لما حلّ بهم اسمُ الطائر مشاكلَة لقولهم اطيرنا بك وبمن معك}، ومخاطبةً لهم بما يفهمون لإصلاح اعتقادهم، بقرينة قولهم {اطيرنا بك}.
و {عند} للمكان المجازي مستعاراً لتحقّق شأن من شؤون الله به يقدر الخير والشر وهو تصرف الله وقدرُه. وقد تقدم نظيره في الأعراف.
وأضرب ب {بل} عن مضمون قولهم: {اطيرنا بك وبمن معك} بأن لا شؤم بسببه هو وسبب من معه ولكن الذين زعموا ذلك قوم فتنهم الشيطان فتنة متجددة بإلقاء الاعتقاد بصحة ذلك في قلوبهم.
وصِيَغ الإخبار عنهم بأنهم مفتونون بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوي الحكم بذلك. وصيغ المسند فعلاً مضارعاً لدلالته على تجدد الفتون واستمراره.
وغلب جانب الخطاب في قوله: {تفتنون} على جانب الغيبة مع أن كليهما مقتضى الظاهر ترجيحاً لجانب الخطاب لأنه أدل من الغيبة.
{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49)}
عطف جزء القصة على جزء منها. و{المدينة}: هي حِجْر ثمود بكسر الحاء وسكون الجيم المعروف مكانُها اليوم بديار ثمود ومدائن صالح، وهي بقايا تلك المدينة من أطلال وبيوت منحوتة في الجبال. وهي بين المدينة المنورة وتبوك في طريق الشام وقد مرّ بها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في مسيرهم في غزوة تبوك ورأوا فيها آباراً نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب والوضوء منها إلا بئراً واحدة أمرهم بالشرب والوضوء بها وقال: " إنها البئر التي كانت تشرب منها ناقة صالح "
والرهط: العدد من الناس حوالي العشرة وهو مِثل النَفر. وإضافة تسعة إليه من إضافة الجزء إلى اسم الكل على التوسع وهو إضافة كثيرة في الكلام العربي مثل: خمس ذود. واختلف أيمة النحو في القياس عليها، ومذهب سيبويه والأخفش أنها سماعية.
وكان هؤلاء الرهط من عتاة القوم، واختلف في أسمائهم على روايات هي من أوضاع القصّاصين ولم يثبت في ذلك ما يعتمد. واشتهر أن الذي عقر الناقة اسمه «قُدَار» بضم القاف وتخفيف الدال، وقد تشاءم بعض الناس بعدد التسعة بسبب قصة ثمود وهو من التشاؤم المنهي عنه.
و {الأرض}: أرض ثمود فالتعريف للعهد.
وعطف {لا يصلحون} على {يفسدون} احتراس للدلالة على أنهم تمحّضوا للإفساد ولم يكونوا ممن خلطوا إفساداً بإصلاح.
وجملة: {قالوا} صفة ل {تسعة}، أو خبر ثان ل {كان}، أو هو الخبر ل {كان}. وفي {المدينة} متعلق ب {كان} ظرفاً لغواً ولا يحسن جعل الجملة استئنافاً لأنها المقصود من القصة والمعنى: قَال بعضهم لبعض.
و {تقاسموا} فعل أمر، أي قال بعضهم: تقاسموا، أي ابتدأ بعضهم فقال: تقاسموا. وهو يريد شمول نفسه إذ لا يأمرهم بذلك إلا وهو يريد المشاركة معهم في المقسم عليه كما دل عليه قوله: {لنبيتنه}. فلما قال ذلك بعضهم توافقوا عليه وأعادوه فصار جميعهم قائلاً ذلك فلذلك أسند القول إلى التسعة.
والقَسَم بالله يدل على أنهم كانوا يعترفون بالله ولكنهم يشركون به الآلهة كما تقدم في قصصهم فيما مرّ من السور.
و {لنُبَيّتَنّهُ} جواب القسم، والضمير عائد إلى صالح. والتبييت والبيات: مباغتة العدوّ ليلاً. وعكسه التصبيح: الغارة في الصباح، وكان شأن الغارات عند العرب أن تكون في الصباح، ولذلك يقول مَن ينذر قوماً بحلول العدوّ: «يَا صبَاحَاهُ»، فالتبييت لا يكون إلا لقصد غدْر. والمعنى: أنهم يغيرون على بيته ليلاً فيقتلونه وأهلَه غدْراً من حيث لا يُعرف قاتله ثم ينكرون أن يكونوا هم قتلوهم ولا شهدوا مقتلهم.
والمُهلك: مصدر ميمي من أهلك الرباعي، أي شهدنا إهلاك من أهلكهم. وقولهم: {وإنا لصادقون} هو من جملة ما هيَّأوا أن يقولوه فهو عطف على {ما شهدنا مهلك} أي ونؤكد إنّا لصادقون.
ولم يذكروا أنهم يحلفون على أنهم صادقون.
وقرأ الجمهور: {لنُبيّتنَّه} بنون الجماعة وفتح التاء التي قبل نون التوكيد. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب في أوله وبضم التاء الأصلية قبل نون التوكيد. وذلك على تقدير: أمر بعضهم لبعض. وهكذا قرأ الجمهور {لنقولَنَّ} بنون الجماعة في أوله وفتح اللام. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب وبضم اللام.
وقرأ الجمهور: {مُهْلَك} بضم الميم وفتح اللام وهو مصدر الإهلاك أو مكانُه أو زمانه. وقرأه حفص بفتح الميم وكسر اللام ويحتمل المصدر والمكان والزمان. وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم وفتح اللام فهو مصدر لا غير.
ووليُّ صالح هم أقرب القوم له إذا راموا الأخذ بثأره.
وهذا الجزء من قصة ثمود لم يذكر في غير هذه السورة. وأحسب أن سبب ذكره أن نزول هذه السورة كان في وقتتٍ تآمرَ فيه المشركون على الإيقاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو التآمر الذي حكاه الله في قوله: {وإذ يمكُرُ بك الذين كفروا ليُثْبِتُوك أو يَقْتُلُوك أو يُخْرِجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30]؛ فضرب الله لهم مثلاً بتآمر الرهط من قوم صالح عليه ومكرِهم وكيف كان عاقبة مكرهم، ولذلك ترى بين الآيتين تشابهاً وترى تكرير ذكر مكرهم ومكر الله بهم، وذكر أن في قصتهم آية لقوم يعلمون.
{وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)}
سمَّى الله تآمرهم مكراً لأنه كان تدبير ضُرّ في خفاءٍ. وأكد مكرهم بالمفعول المطلق للدلالة على قوته في جنس المكر، وتنوينه للتعظيم.
والمكر الذي أسند إلى اسم الجلالة مكر مجازي. استعير لفظ المكر لمبادرة الله إياهم باستئصالهم قبل أن يتمكنوا من تبييت صالح وأهله، وتأخيره استئصالهم إلى الوقت الذي تآمروا فيه على قتل صالح لشَبَه فِعللِ الله ذلك بفعل الماكر في تأجيل فعل إلى وقت الحاجة، مع عدم إشعار من يُفعل به.
وأُكد مكر الله وعُظّم كما أكد مكرهم وعُظّم، وذلك بما يناسب جنسه، فإن عذاب الله لا يدانيه عذاب الناس فعظيمه أعظم من كل ما يقدره الناس.
والمراد بالمكر المسند إلى الجلالة هو ما دلت عليه جملة: {إنا دمرناهم وقومهم أجمعين} الآية.
وفي قوله: {وهم لا يشعرون} تأكيد لاستعارة المكر لتقدير الاستئصال فليس في ذلك ترشيحٌ للاستعارة ولا تجريد.
والخطاب في قوله: {فانظر} للنبيء صلى الله عليه وسلم واقترانه بفاء التفريع إيماء إلى أن الاعتبار بمكر الله بهم هو المقصود من سَوْق القصة تعريضاً بأن عاقبة أمره مع قريش أن يكفّ عنه كيدَهم وينصره عليهم، وفي ذلك تسلية له على ما يلاقيه من قومه.
والنظر: نظر قلبي، وقد علق عن المفعولين بالاستفهام.
وقرأ الجمهور: {إنا دمرناهم} بكسر الهمزة فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لما يثيره الاستفهام في قوله: {كيف كان عاقبة مكرهم} من سؤال عن هذه الكيفية. والتأكيد للاهتمام بالخبر. وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بفتح الهمزة فيكون المصدر بدلاً من {عاقبة}. والتأكيد أيضاً للاهتمام.
وضمير الغيبة في {دمرناهم} للرهط. وعطف قومهم عليهم لموافقة الجزاء للمجزيّ عليه لأنهم مكروا بصالح وأهلِه فدمّرهم الله وقومهم.
والتدمير: الإهلاك الشديد، وتقدم غير مرة منها في سورة الشعراء.
والقصة تقدمت. وتقدم إنجاء صالح والذين آمنوا معه وذلك أن الله أوحى إليه أن يخرج ومن معه إلى أرض فلسطين حين أنذر قومه بتمتع ثلاثة أيام.
وتفريع قوله: {فتلك بيوتهم خاوية} على جملة: {دمرناهم} لتفريع الإخبار. والإشارة منصرفة إلى معلوم غير مشاهد لأن تحققه يقوم مقام حضوره فإن ديار ثمود معلومة لجميع قريش وهي في طريقهم في ممرّهم إلى الشام.
وانتصب {خاوية} على الحال. وعاملها ما في اسم الإشارة من معنى الفعل كقوله تعالى: {وهذا بعْلِي شيخاً} وقد تقدم في سورة هود (72).
والخاوية: الخالية، ومصدره الخَواء، أي فالبيوت باق بعضها في الجبال لا ساكن بها.
والباء في بما ظلموا} للسببية، و(ما) مصدرية، أي كان خَواؤها بسبب ظلمهم. والظلم: الشرك وتكذيب رسولهم، فذلك ظلم في جانب الله لأنه اعتداء على حق وحدانيته، وظلم للرسول بتكذيبه وهو الصادق.
ولما خص الله عملهم بوصف الظلم من بين عدة أحوال يشتمل عليها كفرهم كالفساد كان ذلك إشارة إلى أن للظلم أثراً في خراب بلادهم.
وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: أجد في كتاب الله أن الظلم يخرّب البيوت وتلا: {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا}. وهذا من أسلوب أخذ كل ما يُحتمل من معاني الكلام في القرآن كما ذكرناه في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير.
ونزيده هنا ما لم يسبق لنا في نظائره، وهو أن الحقائق العقلية لما كان قوام ماهياتها حاصلاً في الوجود الذهني كان بين كثير منها انتساب وتقارب يُردّ بعضها إلى بعض باختلاف الاعتبار. فالشرك مثلاً حقيقة معروفة يكون بها جنساً عقلياً وهو بالنظر إلى ما يبعث عليه وما ينشأ عنه ينتسب إلى حقائق أخرى مثل الظلم، أي الاعتداء على الناس بأخذ حقوقهم فإنه من أسبابه، ومثل الفسق فإنه من آثاره، وكذلك التكذيب فإنه من آثاره أيضاً: {وذرني والمكذبين} [المزمل: 11]، ومثل الكبر ومثل الإسراف فإنهما من آثاره أيضاً. فمن أساليب القرآن أن يعبر عن الشرك بألفاظ هذه الحقائق للإشارة إلى أنه جامع عدة فظائع، وللتنبيه على انتسابه إلى هذه الأجناس، وليعلم المؤمنون فساد هذه الحقائق من حيث هي فيعبر عنه هنا بالظلم وهو كثير ليعلم السامع أن جنس الظلم قبيح مذموم، ناهيك أن الشرك من أنواعه. وكذلك قوله: {إن الله لا يهدي من هو مُسرف كذّاب} [غافر: 28] أي هو متأصل في الشرك وإلا فإن الله هدى كثيراً من المسرفين والكاذبين بالتوبة، ومن قوله: {أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} [الزمر: 60] ونحو ذلك.
وجملة: {إن في ذلك لآية} معترضة بين الجمل المتعاطفة. والإشارة إلى ما ذكر من عاقبة مكرهم. والآية: الدليل على انتصار الله لرسله.
واللام في {لقوم يعلمون} لام التعليل يعني آية لأجلهم، أي لأجل إيمانهم. وفيه تعريض بأن المشركين الذين سبقت إليهم هذه الموعظة إن لم يتعظوا بها فهم قوم لا يعلمون.
وفي ذكر كلمة (قوم) إيماء إلى أن من يعتبر بهذه الآية متمكن في العقل حتى كان العقل من صفته القومية، كما تقدم في قوله تعالى: {لآيات لقوم يعقلون} في سورة البقرة (164).
وفي تأخير جملة: وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} عن جملة: {إن في ذلك لآية لقوم يعلمون} طمأنة لقلوب المؤمنين بأن الله ينجيهم مما توعد به المشركين كما نجى الذين آمنوا وكانوا يتّقون من ثمود وهم صالح ومن آمن معه. وقيل: كان الذين آمنوا مع صالح أربعة آلاف، فلما أراد الله إهلاك ثمود أوحى الله إلى صالح أن يخرج هو ومن معه فخرجوا ونزلوا في موضع الرسّ فكان أصحاب الرسّ من ذرياتهم. وقيل: نزلوا شاطئ اليمن وبنوا مدينة حَضرموت. وفي بعض الروايات أن صالحاً نزل بفلسطين. وكلها أخبار غير موثوق بها.
وزيادة فعل الكون في {وكانوا يتقون} للدلالة على أنهم متمكّنون من التقوى.
{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55)}
عطف {لوطاً} على {صالحاً} في قوله السابق {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً} [النمل: 45]. ولا يمنع من العطف أن العامل في المعطوف تعلق به قوله: {إلى ثمود} لأن المجرور ليس قيداً لمتعلَّقه، ولكنه كواحد من المفاعيل فلا ارتباط له بالمعطوف على مفعول آخر. فإن الإتْباع في الإعراب يميز المعطوف عليه من غيره. وقد سبق نظير هذا في سورة الأعراف. ولم يُذكر المرسل إليهم هنا كما ذكر في قصة ثمود لعدم تمام المشابهة بين قوم لوط وبين قريش فيما عدا التكذيب والشرك. ويجوز أن ينصب {ولوطاً} بفعل مقدّر تقديره: واذكر لوطاً، لأن وجود {إذ} بعده يقربه من نحو: {وإذ قال ربّك للملائكة} [البقرة: 30].
وتعقيب قصة ثمود بقصة قوم لوط جار على معتاد القرآن في ترتيب قصص هذه الأمم، فإن قوم لوط كانوا متأخرين في الزمن عن ثمود.
وإنما الذي يستثير سؤالاً هنا هو الاقتصار على قصة قوم لوط دون قصة عاد وقصة مدين. وقد بينته آنفاً أنه لمناسبة مجاورة ديار قوم لوط لمملكة سليمان ووقوعها بين ديار ثمود وبين فلسطين وكانت ديارهم ممرّ قريش إلى بلاد الشام، قال تعالى {وإنها لبسبيل مقيم} [الحجر: 76] وقال {وإنكم لتَمُرُّون عليهم مُصْبِحين وبالليل أفلا تعقلون} [الصافات: 137، 138].
وظرف {إذ} يتعلق ب (أرسلنا) أو ب (اذكر) المقدّرْين. والاستفهام في {أتأتون} إنكاري.
وجملة: {وأنتم تبصرون} حالٌ زيادة في التشنيع، أي تفعلون ذلك علَناً يبصر بعضكم بعضاً، فإن التجاهر بالمعصية معصية لأنه يدل على استحسانها وذلك استخفاف بالنواهي.
وقوله: {أئنكم لتأتون} تقدم في الأعراف (81) {إنكم لتأتون، فهنا جيء بالاستفهام الإنكاري، وما في الأعراف جاء الخبر المستعمل في الإنكار، فيجوز أن يكون اختلاف الحكاية لاختلاف المحكي بأن يكون لوط قد قال لهم المقالتين في مقامين مختلفين. ويجوز أن يكون اختلاف الحكاية تفنناً مع اتحاد المعنى. وكلا الأسلوبين يقع في قصص القرآن، لأن في تغيير الأسلوب تجديداً لنشاط السامع.
على أن ابن كثير وأبا عمرو وابن عامر وحمزة وأبا بكر عن عاصم قرأوا ما في سورة الأعراف بهمزتين فاستوت الآيتان على قراءة هؤلاء. وقد تقدمت وجوه ذلك في سورة الأعراف.
ووقع في الأعراف (80) {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} ولم يذكر هنا لأن ما يجري في القصة لا يلزم ذكر جميعه. وكذلك القول في عدم ذكر وأنتم تبصرون} في سورة الأعراف مع ذكره هنا.
ونظير بقية الآية تقدم في سورة الأعراف، إلاّ أن الواقع هنا {بل أنتم قوم تجهلون}، فوصفهم بالجهالة وهي اسم جامع لأحوال أَفن الرأي وقساوة القلب.
وفي الأعراف وصفهم بأنهم قوم مسرفون وذلك يحمل على اختلاف المقالتين في مقامين.
وفي إقحام لفظ {قوم} في الآيتين من الخصوصية ما تقدم آنفاً في قوله في هذه السورة {إن في ذلك لآية لقوم يعلمون} [النمل: 52].
ورُجّح في قوله: {تجهلون} جانب الخطاب على جانب الغيبة فلم يقل: يَجهلون، بياء الغيبة وكلاهما مقتضى الظاهر لأن الخطاب أقوى دلالة كما قرئ في قوله: {بل أنتم قوم تُفتنون} [النمل: 47].
{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)}
تقدم نظير هاته الآية في سورة الأعراف (82)، وخالفتها هذه بوقوع العطف بالفاء في قوله {فما كان جواب قومه} دون الواو، وبقوله {أخرجوا ءال لوط} عوض {أخرجوهم} [الأعراف: 82] وبقوله {قدرناها} عوض {كانت} [الأعراف: 83]، وبقوله {فساء مطر المنذرين} عوض {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} [الأعراف: 84].
فأما موقع الفاء هنا فهو لتعقيب الجملة المعطوفة بالفاء على التي قبلها تعقيب جزء القصة على أوله فلا تفيد إلا تعقيب الإخبار، وهي في ذلك مساوية للواو. ولكن أوثر حرف التعقيب في هذه الآية لكونها على نسج ما حكيت به قصة ثمود في قوله تعالى {فإذا هم فريقان يختصمون} [النمل: 45]، فالاختلاف بين هذه الآية وآية الأعراف تفنُّن في الحكاية، ومراعاة للنظير في النسج. وهذا من أساليب قصص القرآن كما بينته في المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير.
وكذلك قوله {أخرجوا آل لوط} دون {أخرجوهم} [الأعراف: 82] لأن المحكي من كلام القوم هو تآمرهم على إخراج آل لوط؛ فما هنا حكاية بمرادف كلامهم وما في الأعراف حكاية بالمعنى والغرض هو التفنّن أيضاً.
وكذلك الاختلاف بين {قدرناها} هنا وبين {كانت في الأعراف} (83). وأما الاختلاف بين {فساء مطر المنذرين} وبين {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} [الأعراف: 84] فهما عبرتان بحالهم تفرعتا على وصف ما حلّ بهم فوزعت العبرتان على الآيتين لئلا يخلو تكرير القصة من فائدة.
والمراد بآل لوطٍ لوطٌ وأهل بيته لأن ربّ البيت ملاحظ في هذا الاستدلال كقوله تعالى {أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب} [غافر: 46]، أراد فرعون وآله.
{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)}
{المنذرين * قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ}
لما استوفى غرض الاعتبار والإنذار حقه بذكر عواقب بعض الأمم التي كذبت الرسل وهي أشبه أحوالاً بأحوال المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب الذي أنزل عليه، وفي خلال ذلك وحَفَافيه تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من قومه أقبل الله بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يلقنه ماذا يقوله عقب القصص والمواعظ السالفة استخلاصاً واستنتاجاً منها، وشكر الله على المقصود منها.
فالكلام استئناف والمناسبة ما علمت. أمر الرسول بالحمد على ما احتوت عليه القصص السابقة من نجاة الرسل من العذاب الحال بقومهم وعلى ما أعقبهم الله على صبرهم من النصر ورفعة الدرجات. وعلى أن أهلك الأعداء الظالمين كقوله {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} [الأنعام: 45] ونظيره قوله في سورة العنكبوت (63) {قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون} وقوله في آخر هذه السورة (93) {وقل الحمد لله سيريكم} الآية. فأمر الرسول بحمد الله على ذلك باعتبار ما أفاده سوق تلك القصص من الإيماء إلى وعد الرسول بالنصر على أعدائه. فقوله قل الحمد لله} أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بإنشاء حمد الله. وقد تقدمت صيغة الحمد في أول الفاتحة.
وعطف على المأمور بأن يقوله من الحمد أمر بأن يتبعه بالسلام على الرسل الذين سبقوه قدراً لقدر ما تجشموه في نشر الدين الحق.
وأصل {سلام} سلمت سلاماً، مقصود منه الإنشاء فحذف الفعل وأقيم مفعوله المطلق بدلاً عنه. وعدل عن نصب المفعول المطلق إلى تصييره مبتدأ مرفوعا للدلالة على الثبات والدوام كما تقدم عند قوله {الحمد لله} في أول سورة الفاتحة (2).
والسلام في الأصل اسم يقوله القائل لمن يلاقيه بلفظ: سلام عليك، أو السلام عليك. ومعناه سلامة وأمنٌ ثابت لك لا نكول فيه، لما تؤذن به (على) من الاستعلاء المجازي المراد به التمكن كما في {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5].
وأصل المقصود منه هو التأمين عند اللقاء إذ قد تكون بين المتلاقين إحَن أو يكون من أحدهما إغراء بالآخر، فكان لفظ (السلام عليك) كالعهد بالأمان. ثم لما كانت المفاتحة بذلك تدل على الابتداء بالإكرام والتلطف عند اللقاء ونية الإعانة والقرى، شاع إطلاق كلمة: السلام عليك، ونحوها عند قصد الإعراب عن التلطف والتكريم وتنوسي ما فيها من معنى بذل الأمن والسلامة، فصار الناس يتقاولونها في غير مظان الريبة والمخافة فشاعت في العرب في أحيائهم وبيوتهم وصارت بمنزلة الدعاء الذي هو إعراب عن إضمار الخير للمدعو له بالسلامة في حياته. فلذلك قال تعالى {فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة} كما تقدم في سورة النور (61) وصار قول: السلام، بمنزلة قول: حياك الله، ولكنهم خصُّوا كلمة: (حياك الله) بملوكهم وعظمائهم فانتقلت كلمة (السلام عليكم) بهذا إلى طور آخر من أطوار استعمالها من عهد الجاهلية وقد قيل إنها كانت تحية للبشر من عهد آدم.
ثم ذكر القرآن السلام من عند الله تعالى على معنى كونه معاملة منه سبحانه بكرامة الثناء وحسن الذكر للذين رضي الله عنهم من عباده في الدنيا كقوله حكاية عن عيسى إذ أنطقه بقوله {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت} [مريم: 33]. وكذلك في الآخرة وما في معناها من أحوال الأرواح بعد الموت كقوله عن عيسى {ويوم أبعث حياً} [مريم: 33]، وقوله عن أهل الجنة {لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولاً من رب رحيم} [يس: 57، 58].
وجاء في القرآن السلام على خمسة من الأنبياء في سورة الصافات. وأيضاً أمر الله الأمة بالسلام على رسولها فقال {يأ أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} [الأحزاب: 56] أي قولوا: السلام عليك أيها النبي لأن مادة التفعيل قد يُؤتى بها للدلالة على قول منحوب من صيغة التفعيل، فقوله: {سلّموا تسليماً معناه: قولوا كلمة السلام. مثل بسمل، إذا قال: بسم الله، وكبر، إذا قال: الله أكبر. وفي الحديث تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين.
ومعنى وسلام على عباده الذين اصطفى} إنشاء طلب من الله أن يسلم على أحد المصطفين، أي أن يجعل لهم ذكراً حسناً في الملأ الأعلى.
فإذا قال القائل: السلام على فلان؛ وفلان غائب أو في حكم الغائب كان ذلك قرينة على أن المقصود الدعاء له بسلام من الله عليه. فقد أزيل منه معنى التحية لا محالة وتعين للدعاء، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين. عن أن يقولوا في التشهد: السلام على الله السلام على النبي السلام على فلان وفلان. فقال لهم " إن الله هو السلام " أي لا معنى للسلام على الله في مقام الدعاء لأن الله هو المدعو بأن يسلم على من يطلب له ذلك.
فلما أمر تعالى في هذه السورة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول {سلام على عباده الذين اصطفى} فقد عيّن له هذه الجملة ليقولها يسأل من الله أن يكرم عباده الذين اصطفى بالثناء عليهم في الملأ الأعلى وحسن الذكر، إذ قصارى ما يستطيعه الحاضر من جزاء الغائب على حسن صنيعه أن يبتهل إلى الله أن ينفحه بالكرامة.
والعباد الذين اصطفاهم الله في مقدمتهم الرسل والأنبياء ويشمل ذلك الصالحين من عباده كما في صيغة التشهد: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». وسيأتي الكلام على التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأحزاب.
{اصطفى ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا}
4 هذا مما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقوله فأمر أن يقول: {الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} تمهيداً لقوله: {آللَّه خير أما تشركون} لأن العباد الذين اصطفاهم الله جاؤوا كلهم بحاصل هذه الجملة.
وأمر أن يشرع في الاستدلال على مسامع المشركين فيقول لهم هذا الكلام، بقرينة قوله {أما تشركون} بصيغة الخطاب في قراءة الجمهور، ولأن المناسب للاستفهام أن يكون موجهاً إلى الذين أشركوا بالله ما لا يخلق ولا يرزق ولا يفيض النعم ولا يستجيب الدعاء، فليس هذا لقصد إثبات التوحيد للمسلمين.
والاستفهام مستعمل في الإلجاء وإلزام المخاطب بالإقرار بالحق وتنبيهه على خطئه. وهذا دليل إجمالي يقصد به ابتداء النظر في التحقيق بالإلهية والعبادة. فهذا من قبيل ما قال الباقلاني وإمام الحرمين وابن فورك إن أول الواجبات أول النظر أو القصد إلى النظر ثم تأتي بعده الأدلة التفصيلية، وقد ناسب إجماله أنه دليل جامع لما يأتي من التفاصيل فلذلك جيء فيه بالاسم الجامع لمعاني الصفات كلها، وهو اسم الجلالة. فقيل: {آللَّه خير}. وجيء فيما بعد بالاسم الموصول لما في صلاته من الصفات.
وجاء {خير} بصيغة التفضيل لقصد مجاراة معتقدهم أن أصنامهم شركاء الله في الإلهية بحيث كان لهم حظ وافر من الخير في زعمهم، فعبّر ب {خير} لإيهام أن المقام لإظهار رجحان إلهية الله تعالى على أصنامهم استدراجاً لهم في التنبيه على الخطأ مع التهكم بهم إذ آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله. والعاقل لا يؤثر شيئاً على شيء إلا لداع يدعو إلى إيثاره، ففي هذا الاستفهام عن الأفضل في الخير تنبيه لهم على الخطأ المفرط والجهل المورط لتنفتح بصائرهم إلى الحق إن أرادوا اهتداء. والمعنى: ءالله الحقيق بالإلهية أم ما تشركونهم معه.
والاستفهام على حقيقته بقرينة وجود {أم} المعادلة للهمزة فإن التهكم يبنى على الاستعمال الحقيقي.
وهذا الكلام كالمقدمة للأدلة الآتية جميعها على هذا الدليل الإجمالي كما ستعلمه..
وقرأ الجمهور {تشركون} بتاء الخطاب. وقرأه أبو عمرو وعاصم ويعقوب بياء الغيبة فيكون القول الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم محكياً بالمعنى روعي فيه غيبة المشركين في مقام الخطاب بالأمر.
و {ما} موصولة والعائد محذوف. والتقدير: ما يشركونها إياه، أي أصنامكم.
{أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)}
{أم} منقطعة بمعنى (بل) للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض مع مراعاة وجود معنى الاستفهام أو لفظه بعدها لأن (أم) لا تفارق معنى الاستفهام. انتقل بهذا الإضراب من الاستفهام الحقيقي التهكمي إلى الاستفهام التقريري، ومن المقدمة الإجمالية وهي قوله {ءالله خير أم ما تشركون} [النمل: 59]، إلى الغرض المقصود وهو الاستدلال. عدد الله الخيرات والمنافع من آثار رحمته ومن آثار قدرته. فهو استدلال مشوب بامتنان لأنه ذكرهم بخلق السموات والأرض فشمل ذلك كل الخلائق التي تحتوي عليها الأرض من الناس والعجماوات، فهو امتنان بنعمة إيجادهم وإيجاد ما به قوام شؤونهم في الحياة، وبسابق رحمته، كما عددها في موضع آخر عليهم بقوله {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شي سبحانه وتعالى عما يشركون} [الروم: 40].
و {من} للاستفهام. وهي مبتدأ والخبر جملة {خلق السموات..} الخ وهو استفهام تقريري على أن الله إله واحد لا شريك له، ولا تقدير في الكلام. وذهب الزمخشري وجميع متابعيه إلى أن (من) موصولة وأن خبرها محذوف دل عليه قوله فيما تقدم {ءالله خير} [النمل: 59] وأن بعد (أم) همزة استفهام محذوفة، والتقدير: بل أمّن خلق السموات الخ خير أم ما تشركون. وهو تفسير لا داعي إليه ولا يناسب معنى الإضراب لأنه يكون من جملة الغرض الأول على ما فسر به في «الكشاف» فلا يجدر به إضراب الانتقال.
فالاستفهام تقرير كما دل عليه قوله في نهايته في {أإله مع الله،} فهو تقرير لإثبات أن الخالق والمنبت والرازق هو الله، وهو مشوب بتوبيخ، فلذلك ذيل بقوله {بل هم قوم يعدلون} كما سيأتي، أي من غرض الدليل الإجمالي إلى التفصيل.
والخطاب ب {لكم} موجه إلى المشركين للتعريض بأنهم ما شكروا نعمة الله.
وذكر إنزال الماء لأنه من جملة ما خلقه الله، ولقطع شبهة أن يقولوا: إن المنبت للشجر الذي فيه رزقنا هو الماء، اغتراراً بالسبب فبودروا بالتذكير بأن الله خلق الأسباب وهو خالق المسببات بإزالة الموانع والعوارض العارضة لتأثير الأسباب وبتوفير القوى الحاصلة في الأسباب، وتقدير المقادير المناسبة للانتفاع بالأسباب، فقد ينزل الماء بإفراط فيجرف الزرع والشجر أو يقتلهما، ولذلك جمع بين قوله {وأنزل} وقوله {فأنبتنا} تنبيهاً على إزالة الشبهة.
ونون الجمع في {أنبتنا} إلتفات من الغيبة إلى الحضور. ومن لطائفه هنا التنصيص على أن المقصود إسناد الإنبات إليه لئلا ينصرف ضمير الغائب إلى الماء لأن التذكير بالمنبت الحقيقي الذي خلق الأسباب أليق بمقام التوبيخ على عدم رعايتهم نعمه.
والإنبات: تكوين النبات.
والحدائق: جمع حديقة وهي البستان والجنة التي فيها نخل وعنب. سميت حديقة لأنهم كانوا يحدقون بها حائطاً يمنع الداخل إليها صوناً للعنب لأنه ليس كالنخل الذي يعسر اجتناء ثمره لارتفاع شجره فهي بمعنى: محدق بها.
ولا تطلق الحديقة إلا على ذلك.
والبهجة: حسن المنظر لأن الناظر يبتهج به.
ومعنى {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} ليس في ملككم أن تنبتوا شجر تلك الحدائق، فاللام في {لكم} للملك و{أن تنبتوا} اسم {كان} و{لكم} خبرها. وقدم الخبر على الاسم للاهتمام بنفي ملك ذلك.
وجملة {أإله مع الله} استئناف هو كالنتيجة للجملة قبلها لأن إثبات الخلق والرزق والإنعام لله تعالى بدليل لا يسعهم إلا الإقرار به ينتج أنه لا إله معه.
والاستفهام إنكاري. و{بل} للإضراب عن الاستفهام الإنكاري تفيد معنى (لكن) باعتبار ما تضمنه الإنكار من انتفاء أن يكون مع الله إله فكان حق الناس أن لا يشركوا معه في الإلهية غيره فجيء بالاستدراك لأن المخاطبين بقوله {وأنزل لكم} وقوله {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} لم ينتفعوا بالدليل مع أنه دليل ظاهر مكشوف، فهم مكابرون في إعراضهم عن الاهتداء بهذا الدليل، فهم يعدلون بالله غيره، أي يجعلون غيره عديلاً مثيلاً له في الإلهية مع أن غيره عاجز عن ذلك فيكون {يعدلون} من عدل الذي يتعدى بالباء، أو يعدلون عن الحق من عدل الذي يعدّى ب (عن).
وسُئل بعض العرب عن الحجاج فقال: «قاسط عادل»، فظنوه أثنى عليه فبلغت كلمته للحجاج، فقال: أراد قوله تعالى {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً} [الجن: 15] أي وذلك قرينة على أن المرار ب (عادل) أنه عادل عن الحق.
وأيَّاً مَّا كان فالمقصود توبيخهم على الإشراك مع وضوح دلالة خلق السموات والأرض وما ينزل من السماء إلى الأرض من الماء.
ولما كانت تلك الدلالة أوضح الدلالات المحسوسة الدالة على انفراد الله بالخلق وصف الذين أشركوا مع الله غيره بأنهم في إشراكهم معرضون إعراض مكابرة عدولاً عن الحق الواضح قال تعالى {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25].
والإخبار عنهم بالمضارع لإفادة أنهم مستمرون على شركهم لم يستنيروا بدليل العقل ولا أقلعوا بعد التذكير بالدلائل. وفي الإخبار عنهم بأنهم قوم إيماء إلى تمكن صفة العدول عن الحق منهم حتى كأنها من مقومات قوميتهم كما تقدم غير مرة.
{أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)}
{أم} للإضراب الانتقالي مثل أختها السابقة. وهذا انتقال من الاستدلال المشوب بالامتنان إلى الاستدلال المجرد بدلائل قدرته وعلمه بأن خلق المخلوقات العظيمة وبتدبيره نظامها حتى لا يطغى بعضها على بعض فيختل نظام الجميع.
ولأجل كون الغرض من هذا الاستدلال إثبات عظم القدرة وحكمة الصنع لم يجيء خلاله بخطاب للمشركين كما جاء في قوله في الآية قبلها {وأنزل لكم من السماء ماء} [النمل: 60] الآية، وإن كان هذا الصنع العجيب لا يخلو من لطف بالمخلوقات أراده خالقها، ولكن ذلك غير مقصود بالقصد الأول من سوق الدليل هنا.
والقرار: مصدر قرّ، إذا ثبت وسكن. ووصف الأرض به للمبالغة، أي ذات قرار. والمعنى جعل الأرض ثابتة قارّة غير مضطربة. وهذا تدبير عجيب ولا يُدرك تمام هذا الصنع العجيب إلا عند العلم بأن هذه الأرض سابحة في الهواء متحركة في كل لحظة وهي مع ذلك قارّة فيما يبدو لسكانها فهذا تدبير أعجب، وفيه مع ذلك رحمة ونعمة. ولولا قرارها لكان الناس عليها متزلزلين مضطربين ولكانت أشغالهم مُعنتة لهم.
ومع جعلها قراراً شقّ فيها الأنهار فجعلها خلالها. وخلال الشيء: منفرج ما بين أجزائه. والأنهار تشق الأرض في أخاديد فتجري خلال الأرض.
والرواسي: الجبال، جمع راسسٍ وهو الثابت. واللام في {لها} لام العلة، أي الرواسي لأجلها أي لفائدتها، فإن في تكوين الجبال حكمة لدفع الملاسة عن الأرض ليكون سيرها في الكرة الهوائية معدلاً غير شديد السرعة وبذلك دوام سيرها.
وجعل الحاجز بين البحرين من بديع الحكمة، وهو حاجز معنوي حاصل من دفع كلا الماءين: أحدهما الآخر عن الاختلاط به، بسبب تفاوت الثقل النسبي لاختلاف الأجزاء المركب منها الماء الملح والماء العذب. فالحاحز حاجز من طبعهما وليس جسماً آخر فاصلاً بينهما، وتقدم في سورة النحل.
وهذا الجعل كناية عن خلق البحرين أيضاً لأن الحجز بينهما يقتضي خلقهما وخلق الملوحة والعذوبة فيهما.
ثم ذيّل بالاستفهام الإنكاري وبالاستدراك بجملة مماثلة لما ذُيّل به الاستدلال الذي قبلها على طريقة التكرير تعديداً للإنكار وتمهيداً للتوبيخ بقوله {بل أكثرهم لا يعلمون.} وأوثر هنا نفي صفة العلم عن أكثر المشركين لقلة من ينظر في دقائق هذه المصنوعات وخصائصها منهم فإن اعتياد مشاهدتها من أول نشأة الناظر يذهله عما فيها من دلائل بديع الصنع. فأكثر المشركين يجهل ذلك ولا يهتدي بما فيه، أما المؤمنون فقد نبههم القرآن إلى ذلك فهم يقرأون آياته المتكرر فيها الاستدلال والنظر.
وهذه الدلائل لا تخلو عن نعمة من ورائها كما علمته آنفاً ولكنها سيقت هنا لإرادة الاستدلال لا للامتنان.
{أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)}
ارتقى الاستدلال من التذكير بالتصرف الرباني في ذوات المخلوقات إلى التذكير بتصرفه في أحوال الناس التي لا يخلو عنها أحد في بعض شؤون الحياة وذلك حال الاضطرار إلى تحصيل الخير، وحال انتياب السوء، وحال التصرف في الأرض ومنافعها. فهذه ثلاثة الأنواع لأحوال البشر. وهي: حالة الاحتياج، وحالة البؤس، وحالة الانتفاع.
فالأولى: هي المضمنة في قوله {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} فالمضطر هو ذو الضرورة أي الحالة المحوجة إلى الأشياء العسرة الحصول، وهذه مرتبة الحاجيات فالمرء محتاج إلى أمور كثيرة بها قوام أوده ليست متصلة بذاته مثل الأقوات والنكاح والملابس اللازمة فالمرء يتطلبها بوجوه من المعاوضات، وقد يتعسر بعضها وهي تتعسر بقدر وفرة منافعها وعزة حصولها فيسأل الله أن يعطيها.
والاضطرار: افتعال من الضرورة لا من الضر. وتقديره: أنه نالته الضرورة فطاوعها. وليس له فعل مجرد وإنما يقال: اضطره كذا إلى كذا.
واللام في {المضطر} لتعريف الجنس المسمى بلام العهد الذهني، أي يجيب فرداً معهوداً في الذهن بحالة الاضطرار.
والإجابة: إعطاء الأمر المسؤول. والمعنى: أن المضطر إذا دعا لتحصيل ما اضطر إليه فإنه لا يجيبه إلا الله بقطع النظر عن كونه يجيب بعضاً ويؤخر بعضاً.
وحالة البؤس: هي المشار إليها بقوله {ويكشف السوء.
والكشف: أصله رفع الغشاء، فشبه السوء الذي يعتري المضرور بغشاء يحول دون المرء ودون الاهتداء إلى الخلاص تشبيه معقول بمحسوس.
وَرُمز إلى المشبه به بالكشف الذي هو من روادف الغشاء. وهو أيضاً مستعار للإزالة بقرينة تعديته إلى السوء. والمعنى: من يزيل السوء. وهذه مرتبة الضروري فإن معظمها أو جميعها حفظ من تطرق السوء إلى مهم أحوال الناس مثل الكليات وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال، والعرض.
والمعنى: إن الله يكشف السوء عن المسوء إذا دعاه أيضاً فحذف من الجملة المعطوفة لدلالة ما ذكر مع الجملة المعطوف عليها، أي يكشف السوء عن المستاء إذا دعاه.
وظاهر التقييد بالظرف يقتضي ضمان الإجابة. والواقع أن الإجابة منوطة بإرادة الله تعالى بحسب ما يقتضيه حال الداعي وما يقتضيه معارضه من أصول أخرى، والله أعلم بذلك.
وحالة الانتفاع:} هي المشار إليها بقوله {ويجعلكم خلفاء الأرض} أي يجعلكم تعمرون الأرض وتجتنون منافعها، فضمن الخلفاء معنى المالكين فأضيف إلى الأرض على تقدير: مالكين لها، والملك يستلزم الانتفاع بما ينتفع به منها. وأفاد خلفاء بطريق الإلتزام معنى الوراثة لمن سبق، فكل حي هو خلف عن سلفه. والأمة خلف عن أمة كانت قبلها جيلاً بعد جيل. وهذا كقوله تعالى حكاية لقول نوح {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} [هود: 61]. وهذه مرتبة التحسيني.
وقد جمعت الآية الإشارة إلى مراتب المناسب وهو ما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً وهو من مسالك العلة في أصول الفقه.
ولما اقتضته الخلافة من تجدد الأبناء عقب الآباء والأجيال بعد الأجيال، وما اقتضته الاستجابة وكشف السوء من كثرة الداعين والمستائين عبر في أفعال الجعل التي تعلقت بها بصيغة المضارع الدال على التجدد بخلاف أفعال الجعل الأربعة التي في الآية قبلها.
ثم استؤنف عقب هذا الاستدلال باستفهام إنكاري تكريراً لما تقدم عقب الأدلة السابقة زيادة في تعداد خطئهم بقوله {أإله مع الله قليلاً ما تذكرون.
وانتصب قليلاً} على الحال من ضمير الخطاب في قوله {ويجعلكم خلفاء الأرض} أي فعل ذلك لكم وأنتم في حال قلة تذكركم، فتفيد الحال معنى التعجب من حالهم.
والتذكر: من الذُّكر بضم الذال وهو ضد النسيان فهو استحضار المعلوم، أي قليلاً استحضاركم الافتقار إلى الله وما أنتم فيه من إنعامه فتهتدوا بأنه الحقيق بأن لا تشركوا معه غيره. فالمقصود من التذكر التذكر المفيد استدلالاً. و{ما} مصدرية والمصدر هو فاعل {قليلاً.
والقليل هنامكنّى به عن المعدوم لأن التذكر المقصود معدوم منهم، والكناية بالقليل عن المعدوم مستعملة في كلامهم. وهذه الكناية تلميح وتعريض، أي إن كنتم تذكرون فإن تذكركم قليل.
وأصل تذكرون} تتذكرون فأدغمت تاء التفعل في الذال لتقارب مخرجيهما تخفيفاً وهو إدغام سماعي.
وقرأ الجمهور {تذكرون} بتاء الخطاب. وقرأه روح عن أبي عمرو وهشام عن ابن عامر بياء الغيبة على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ففي قراءة الجمهور نكتة توجيه الخطاب إلى المشركين مكافحة لهم، وفي قراءة روح وهشام نكتة الإعراض عنهم لأنهم استأهلوا الإعراض بعد تذكرهم.
{أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63)}
(بل) لإضراب الانتقال من نوع دلائل التصرف في أحوال عامة الناس إلى دلائل التصرف في أحوال المسافرين منهم في البر والبحر فإنهم أدرى بهذه الأحوال وأقدر لما في خلالها من النعمة والامتنان.
ذكر الهداية في ظلمات الليل في البرّ والبحر. وإضافة الظلمات إلى البر والبحر على معنى (في). والهُدى في هذه الظلمات بسير النجوم كما قال تعالى {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} [الأنعام: 97]. فالله الهادي للسير في تلك الظلمات بأن خلق النجوم على نظام صالح للهداية في ذلك، وبأن ركّب في الناس مدارك للمعرفة بإرصاد سيرها وصعودها وهبوطها، وهداهم أيضاً بمهاب الرياح، وخوّلهم معرفة اختلافها بإحساس جفافها ورطوبتها، وحرارتها وبردها.
وبهذه المناسبة أُدمج الامتنان بفوائد الرياح في إثارة السحاب الذي به المطر وهو المعنيّ برحمة الله. وإرساله الرياح هو خلق أسباب تكونها.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {نُشُرا} بضمتين وبالنون. وقرأه ابن عامر بالنون بضم فسكون. وقرأ عاصم {بُشْراً} بالموحدة وبسكون الشين مع التنوين. وقرأه حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين. وقد تقدم في سورة الفرقان (48) {وهو الذي أرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته} وتقدم في سورة الأعراف (57) {وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته}، وتوجيه هذه القراءات هنالك.
وذُيّل هذا الدليل بتنزيه الله تعالى عن إشراكهم معه آلهة لأن هذا خاتمة الاستدلال عليهم بما لا ينازعون في أنه من تصرف الله فجيء بعده بالتنزيه عن الشرك كله وذلك تصريح بما أشارت إليه التذييلات السابقة.
{أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)}
هذا انتقال إلى الاستدلال بتصرف الله تعالى بالحياة الأولى والثانية وبإعطاء المدد لدوام الحياة الأولى مدة مقدرة. وفيه تذكير بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد. والاستفهام تقريري لأنهم لا ينكرون أنه يبدأ الخلق وأنه يرزقهم.
وأدمج في خلال الاستفهام قوله {ثم يعيده} لأن تسليم بدئه الخلق يلجئهم إلى فهم إمكان إعادة الخلق التي أحالوها. ولما كان إعادة الخلق محلّ جدل وكان إدماجها إيقاظاً وتذكيراً أعيد الاستفهام في الجملة التي عطفت عليه بقوله {ومن يرزقكم من السماء والأرض} ولأن الرزق مقارن لبدء الخلق فلو عطف على إعادة الخلق لتوهّم أنه يرزق الخلق بعد الإعادة فيحسبوا أن رزقهم في الدنيا من نعم آلهتهم.
وإذ قد كانوا منكرين للبعث ذُيّلت الآية بأمر التعجيز بالإتيان ببرهان على عدم البعث.
والبرهان: الحجة. وتقدم عند قوله تعالى {يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربّكم في آخر سورة النساء} (174).
وإضافة البرهان إلى ضمير المخاطبين وهم المشركون مشير إلى أن البرهان المُعَجّزين عليه هو برهان عدم البعث، أي إن كنتم صادقين فهاتوه لأن الصادق هو الذي قوله مطابق للواقع. والشيء الواقع لا يعدم دليلاً عليه.
وجُماع ما تقدم في هذه الآيات من قوله {آلله خير أما تشركون} [النمل: 59] أنها أجملت الاستدلال على أحقية الله تعالى بالإلهية وحده ثم فصّلت ذلك بآيات {أمن خلق السموات والأرض إلى قوله قل هاتو برهانكم إن كنتم صادقين} [النمل: 60 64] فابتدأت بدليل قريب من برهان المشاهدة وهو خلق السموات والأرض وما يأتي منهما من خير للناس. ودليل كيفية خلق الكرة الأرضية وما على وجهها منها، وهذا ملحق بالمشاهدات.
وانتقلت إلى استدلال من قبيل الأصول الموضوعة وهو ما تمالأ عليه الناس من اللجأ إلى الله تعالى عند الاضطرار.
وانتقلت إلى الاستدلال عليهم بما مكّنهم من التصرف في الأرض إذ جعل البشر خلفاء في الأرض، وسخر لهم التصرّف بوجوه التصاريف المعينة على هذه الخلافة، وهي تكوين هدايتهم في البر والبحر. وذلك جامع لأصول تصرفات الخلافة المذكورة في الارتحال والتجارة والغزو.
وختم ذلك بكلمة جامعة لنعمتي الإيجاد والإمداد وفي مطاويها جوامع التمكن في الأرض.
{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66)}
لما أبطلت الآيات السابقة إلهية أصنام المشركين بالأدلة المتظاهرة فانقطع دابر عقيدة الإشراك ثني عنان الإبطال إلى أثر من آثار الشرك وهو ادعاء علم الغيب بالكهانة وإخبار الجن، كما كان يزعمه الكهان والعرافون وسدنة الأصنام. ويؤمن بذلك المشركون. وفي «معالم التنزيل» وغيره نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة فما كان سؤالهم عن ذلك إلا لظنهم أن ادعاء العلم بوقتها من شأن النبوءة توصلاً لجحد النبوءة إن لم يعين لهم وقت الساعة فأبطلت الآية هذه المزاعم إبطالاً عاماً معياره الاستثناء بقوله {إلا الله.} وهو عام مراد به الخصوص أعني خصوص الكهان وسدنة بيوت الأصنام. وإنما سلك مسلك العموم لإبطال ما عسى أن يزعم من ذلك، ولأن العموم أكثر فائدة وأوجز، فإن ذلك حال أهل الشرك من بين من في السماوات والأرض. فالقصد هنا تزييف آثار الشرك وهو الكهانة ونحوها. وإذ قد كانت المخلوقات لا يعدون أن يكونوا من أهل السموات أو من أهل الأرض لانحصار عوالم الموجودات في ذلك كان قوله {لا يعلم من في السموات والأرض الغيب} في قوة لا يعلم أحد الغيب، ولكن أطنب الكلام لقصد التنصيص على تعميم المخلوقات كلها فإن مقام علم العقيدة مقام بيان يناسبه الإطناب.
واستثناء {إلا الله} منه لتأويل {من في السماوات والأرض} بمعنى: أحد، فهو استثناء متصل على رأي المحققين وهو واقع من كلام منفي. فحق المستثنى أن يكون بدلاً من المستثنى منه في اللغة الفصحى فلذلك جاء اسم الجلالة مرفوعاً ولو كان الاستثناء منقطعاً لكانت اللغة الفصحى تنصب المستثنى.
وبعد فإن دلائل تنزيه الله عن الحلول في المكان وعن مماثلة المخلوقات متوافرة فلذلك يجري استعمال القرآن والسنة على سنن الاستعمال الفصيح للعلم بأن المؤمن لا يتوهم ما لا يليق بجلال الله تعالى. ومن المفسرين من جعل الاستثناء منقطعاً وقوفاً عند ظاهر صلة {من في السماوات والأرض} لأن الله ينزّه عن الحلول في السماء والأرض.
وأما من يتفضل الله عليه بأن يظهره على الغيب فذلك داخل في علم الله قال تعالى {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 26، 27]. فأضاف (غيب) إلى ضمير الجلالة.
وأردف هذا الخبر بإدماج انتفاء علم هؤلاء الزاعمين علم الغيب أنهم لا يشعرون بوقت بعثهم بل جحدوا وقوعه إثارة للتذكير بالبعث لشدة عناية القرآن بإثباته وتسفيه الذين أنكروه. فذلك موقع قوله {وما يشعرون أيان يبعثون،} أي أن الذين يزعمون علم الغيب ما يشعرون بوقت بعثهم.
و {أيان} اسم استفهام عن الزمان وهو معلِّق فعل {يشْعرون} عن العمل في مفعوليه. وهذا تورّكٌ وتعيير للمشركين فإنهم لا يؤمنون بالبعث بَلْةَ شعورهم بوقته.
و {بل} للإضراب الانتقالي من الإخبار عنهم ب {لا يشعرون أيان يبعثون} وهو ارتقاء إلى ما هو أغرب وأشد ارتقاء من تعييرهم بعدم شعورهم بوقت بعثهم إلى وصف علمهم بالآخرة التي البعث من أول أحوالها وهو الواسطة بينها وبين الدنيا بأنه علم متدارك أو مدرك.
وقرأ الجمهور {إدَّارك} بهمز وصل في أوله وتشديد الدال على أن أصله (تدارك) فأدغمت تاء التفاعل في الدال لقرب مخرجيها بعد أن سكنت واجتُلِب همز الوصل للنطق بالساكن. قال الفراء وشمر: وهو تفاعل من الدّرك بتفحتين وهو اللحاق.
وقد امتلكت اللغويين والمفسرين حيرة في تصوير معنى الآية على هذه القراءة تثار منه حيرة للناظر في توجيه الإضرابين اللذين بعد هذا الإضراب وكيف يكونان ارتقاء على مضمون هذا الانتقال، وذكروا وجوهاً مثقلة بالتكلف.
والذي أراه في تفسيرها على هذا الاعتبار اللغوي أن معنى التدارك هو أن علم بعضهم لَحِق علم بعض آخر في أمر الآخرة لأن العلم، وهو جنسٌ، لمّا أضيف إلى ضمير الجماعة حصل من معناه علوم عديدة بعدد أصناف الجماعات التي هي مدلول الضمير فصار المعنى: تداركت علومهم بعضها بعضاً.
وذلك صالح لمعنيين: أولهما: أن يكون التدارك وهو التلاحق الذي هو استعمال مجازي يساوي الحقيقة، أي تداركت علوم الحاضرين مع علوم أسلافهم، أي تلاحقت وتتابعت فتلَّقى الخلف عن السلف علمَهم في الآخرة وتقلدوها عن غير بصيرة ولا نظر، وذلك أنهم أنكروا البعث ويشعر لذلك قوله تعالى عقبه {وقال الذين كفروا أإذا كنّا تراباً وءاباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وءاباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين} [النمل: 67 68]. وقريب من هذا قوله تعالى في سورة المؤمنين (81) {بل قالوا مثل ما قال الأولون}
الوجه الثاني: أن يكون التدارك مستعملاً مجازاً مرسلاً في الاختلاط والاضطراب لأن التدارك والتلاحق يلزمه التداخل كما إذا لحقت جماعة من الناس جماعة أخرى أي لم يرسوا على أمر واختلفت أقوالهم اختلافاً يؤذن بتناقضها، فهم ينفون البعث ثم يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله من العذاب، وهذا يقتضي إثبات البعث ولكنهم لا يعذبون ثم يتزودون تارة للآخرة ببعض أعمالهم التي منها: أنهم كانوا يحبسون الراحلة على قبر صاحبها ويتركونها لا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيزعمون أن صاحبها يركبها، ويسمونها البلية، فذلك من اضطراب أمرهم في الآخرة.
وفعل المضي على هذين الوجهين على أصله. وحرف (في) على هاذين الوجهين في تفسيرها على قراءة الجمهور مستعمل في السببية، أي بسبب الآخرة.
ويجوز وجه آخر وهو أن يكون {ادارك} مبالغة في (أدْرَك) ومفعوله محذوفاً تقديره: إدراكهم، أي حصل لهم علمهم بوقت بعثهم في اليوم الذي يبعثون فيه، أي يومئذ يوقنون بالبعث، فيكون فعل المضي مستعملاً في معنى التحقق، ويكون حرف (في) على أصله من الظرفية.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر {بل أدرك} بهمز قطع وسكون الدال، ومعناه؛ انتهى علمهم في الآخرة. يقال: أدرك، إذا فني. وفي ثبوت معنى فني لفعل أدرك خلاف بين أيمة اللغة، فقد أثبته ابن المظفر في رواية شمّر عنه قال شمّر: ولم أسمعه لغيره، وأثبته الزمخشري في «الكشاف» في هذه الآية وصاحب «القاموس». وقال أبو منصور: هذا غير صحيح في لغة العرب وما علمت أحداً قال: أدرك الشيء إذا فني.
وأقول قد ثبت في اللغة: أدركت الثمار، إذا انتهى نضجها، ونسبه في «تاج العروس» لليث ولابن جني وحسبك بإثبات هؤلاء الأثبات. قال الكواشي في «تبصرة المتذكر»: المعنى فني علمهم في الآخرة من أدركت الفاكهة، إذا بلغت النضج وذلك مؤذن بفنائها وزوالها.
فحاصل المعنى على قراءة الجمهور {وما يشعرون أيان يبعثون} وقد تلقى بعضهم عن بعض ما يعلمون في شأن الآخرة وهو ما اشتهر عنهم من إنكار الحياة الآخرة، أو قد اضطرب ما يعلمونه في شأن الآخرة وأنهم سيعلمون ذلك لا محالة في يوم الدار الآخرة.
وحاصل المعنى على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر: ما يشعرون أيّان يبعثون فإنهم لا علم لهم بالحياة الآخرة، أي جهلوا الحياة الآخرة.
أما عدد القراءات الشاذة في هذه الجملة فبلغت عشراً.
وأما جملة {بل هم في شك منها} فهو إضراب انتقال للارتقاء من كونهم اضطرب علمهم في الآخرة، أو تقلد خلفهم ما لقنه سلفهم، أو من أنهم انتفى عملهم في الآخرة إلى أن ذلك الاضطراب في العلم قد أثار فيهم شكاً من وقوع الآخرة. و(من) للابتداء المجازي، أي في شك ناشئ عن أمر الآخرة. وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات الخبر ودوامه، والظرفية للدلالة على إحاطة الشك بهم.
وجملة {بل هم منها عمون} ارتقاء ثالث وهو آخر درجات الارتقاء في إثبات ضلالهم وهو أنهم عميان عن شأن الآخرة.
و {عمون}: جمع عممٍ بالتنوين وهو فعل من العمى، صاغوا له مثال المبالغة للدلالة على شدة العمى، وهو تشبيه عدم العلم بالعمى، وعادم العلم بالأعمى. وقال زهير:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله *** ولكنني عن علم ما في غدً عم
فشبه ضلالهم عن البعث بالعمى في عدم الاهتداء إلى المطلوب تشبيه المعقول بالمحسوس.
و (من) في قوله {منها عمون} للابتداء المجازي، جعل عماهم وضلالهم في إثبات الآخرة كأنه ناشئ لهم من الآخرة إذ هي سبب عماهم، أي إنكارها سبب ضلالهم. وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: من إنكار وجودها عمون، فالمجرور متعلق ب {عمون}. وقدم على متعلقه للاهتمام بهذا المتعلق وللرعاية على الفاصلة. وصيغت الجملة الاسمية للدلالة على الثبات كما في قوله {بل هم في شك منها}.
وترتيب هذه الاضرابات الثلاثة ترتيب لتنزيل أحوالهم؛ فوصفوا أولاً بأنهم لا يشعرون بوقت البعث ثم بأنهم تلقفوا في شأن الآخرة التي البعث من شؤونها علماً مضطرباً أو جهلاً فخبطوا في شك ومرية، فأعقبهم عمى وضلالة بحيث إن هذه الانتقالات مندرجة متصاعدة حتى لو قيل: بل أدّارك علمهم في الآخرة فهم في شك منها فهم منها عمون لحصل المراد.
ولكن جاءت طريقة التدرج بالإضراب الانتقالي أجزل وأبهج وأروع وأدل على أن كلاً من هذه الأحوال المترتبة جدير بأن يعتبر فيه المعتبر باستقلاله لا بكونه متفرعاً على ما قبله، وهذا البيان هو ما أشرت إليه آنفاً عند الكلام على قراءة الجمهور {أدّارك} من خفاء توجيه الإضرابين اللذين بعد الإضراب الأول.
وضمائر جمع الغائبين في قوله {يشعرون، ويبعثون، علمهم، هم في شك، هم منها عمون} عائدة إلى (من) الموصولة في قوله تعالى {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله}. و(من) هذه وإن كانت من صيغ العموم فالضمائر المذكورة عائدة إليها بتخصيص عمومها ببعض من في الأرض وهم الذين يزعمون أنهم يعلمون الغيب من الكهان والعرّافين وسدنة الأصنام الذين يستقسمون للناس بالأزلام، وهو تخصيص لفظي من دلالة السياق وهو من قسم المخصص المنفصل اللفظي. والخلاف الواقع بين علماء الأصول في اعتبار عود الضمير إلى بعض أفراد العام مخصصاً للعموم يقرب من أن يكون خلافاً لفظياً. ومنه قوله تعالى {وبُعُولَتُهنّ أحقّ بردهن} [البقرة: 228] فإن ضمير {بعولتهن} عائد إلى المطلقات الرجعيات من قوله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] الذي هو عام للرجعيات وغيرهن.
وبهذا تعلم أن التعبير ب {الذين كفروا} [النمل: 67] هنا ليس من الإظهار في مقام الإضمار لأن الذين كفروا أعم من ما صدق (من) في قوله {لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب}.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68)}
أعقب وصف عماية الزاعمين علم الغيب بذكر شبهتهم التي أرتهم البعث مستحيل الوقوع، ولذلك أسند القول هنا إلى جميع الذين كفروا دون خصوص الذين يزعمون علم الغيب، ولذلك عطفت الجملة لأنها غايرت التي قبلها بأنها أعم.
والتعبير عنهم باسم الموصول لما في الموصول من الإيماء إلى علة قولهم هذه المقالة وهي ما أفادته الصلة من كونهم كافرين فكأنه قيل وقالوا بكفرهم أإذا كنا تراباً.. إلى آخره استفهاماً بمعنى الإنكار.
أتوا بالإنكار في صورة الاستفهام لتجهيل معتقد ذلك وتعجيزه عن الجواب بزعمهم. والتأكيد ب {إنّ} لمجاراة كلام المردود عليه بالإنكار. والتأكيد تهكم.
وقرأ نافع وأبو جعفر {إذا كنا تراباً} بهمزة واحدة هي همزة (إذا) على تقدير همزة استفهام محذوفة للتخفيف من اجتماع همزتين، أو بجعل (إذا) ظرفاً مقدّماً على عامله والمستفهم عنه هو {إنا لمخرجون}.
وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بهمزتين في {أإذا وأإنا} على اعتبار تكرير همزة الاستفهام في الثانية لتأكيد الأولى، إلا أن أبا عمرو خفف الثانية من الهمزتين في الموضعين وعاصماً وحمزة حققاهما. وهؤلاء كهلم حذفوا نون المتكلم المشارك تخفيفاً من الثقل الناشئ من وقوع نون المتلكم بعد نون (إن). وقرأ ابن عامر والكسائي {أإذا} بهمزتين و{إننا} بهمزة واحدة وبنونين اكتفاء بالهمزة الأولى للاستفهام، وكلها استعمال فصيح.
وقد تقدم في سورة المؤمنين حكاية مثل هذه المقالة عن الذين كفروا إلا أن اسم الإشارة الأول وقع مؤخراً عن {نحن في سورة المؤمنين} (83) ووقع مقدماً عليه هنا، وتقديمه وتأخيره سواء في أصل المعنى لأنه مفعول ثاننٍ ل {وعدنا} وقع بعد نائب الفاعل في الآيتين. وإنما يتجه أن يُسأل عن تقديمه على توكيد الضمير الواقع نائباً على الفاعل. وقد ناطها في «الكشاف» بأن التقديم دليل على أن المقدم هو الغرض المعتمد بالذكر وبسوق الكلام لأجله. وبينه السكاكي في «المفتاح» بأن ما وقع في سورة المؤمنين كان بوضع المنصوب بعد المرفوع وذلك موضعه. وأما ما في سورة النمل فقدم المنصوب على المرفوع لكونه فيها أهم، يدلك على ذلك أن الذي قبله {إذا كنا تراباً وءاباؤنا} والذي قبل آية سورة المؤمنين {أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً} [المؤمنون: 82] فالجهة المنظور فيها هناك (في سورة المؤمنين) هي كون أنفسهم تراباً وعظاماً، والجهة المنظور فيها هنا في سورة النمل هي كون أنفسهم وكون آبائهم تراباً لا جزء هناك من بناهم (جمع بنية) على أي باقياً صورة نفسه (أي على صورته التي كان عليها وهو حي). ولا شبهة أنها أدخل عندهم في تبعيد البعث فاستلزم زيادة الاعتناء بالقصد إلى ذكره فصيره هذا العارض أهم اه.
وحاصل الكلام أن كل آية حكت أسلوباً من مقالهم {بل قالوا مثل ما قال الأولون... قالوا أإذا متنا} [المؤمنون: 81، 82] {لقد وُعدنا هذا نحن وءاباؤنا}.
وبعد فقد حصل في الاختلاف بين أسلوب الآيتين تفنن كما تقدم في المقدمة السابعة.
والأساطير: جمع أسطورة، وهي القصة والحكاية. وتقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} في سورة النحل (24). والمعنى: ما هذا إلا كلام معاد قاله الأولون وسطّروه وتلقفه من جاء بعدهم ولم يقع شيء منه.
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69)}
أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم هذه الكلمة ولذلك فصل فعل {قل} وتقدم نظيره في سورة الأنعام (11). والمناسبة في الموضعين هي الموعظة بحال المكذبين لأن إنكارهم البعث تكذيب للرسول وإجرام. والوعيد بأن يصيبهم مثل ما أصابهم إلا أنها هنالك عُطفت ب {ثم انظروا} وهنا بالفاء {فانظروا} وهما متئايلان. وذكر هنالك {عاقبة المكذبين} [الأنعام: 11] وذكر هنا {عاقبة المجرمين}: والمكذبون مجرمون. والاختلاف بين الحكايتين للتفنن كما قدمناه في المقدمة السابعة.
{وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70)}
كانت الرحمة غالبة على النبي صلى الله عليه وسلم والشفقة على الأمة من خلاله، فلما أُنذر المكذبون بهذا الوعيد تحركت الشفقة في نفس الرسول عليه الصلاة والسلام فربط الله على قلبه بهذا التشجيع أن لا يحزن عليهم إذا أصابهم ما أنذروا به. وكان من رحمته صلى الله عليه وسلم حرصه على إقلاعهم عما هم عليه من تكذيبه والمكر به، فألقى الله في روعه رباطة جاش بقوله {ولا تكن في ضيق مما يمكرون.
والضيق: بفتح الضاد وكسرها، قرأه الجمهور بالفتح، وابن كثير بالكسر. وحقيقته: عدم كفاية المكان أو الوعاء لما يراد حلوله فيه، وهو هنا مجاز في الحالة الحرجة التي تعرض للنفس عند كراهية شيء فيحس المرء في مجاري نفسه بمثل ضيق عرض لها. وإنما هو انضغاط في أعصاب صدره. وقد تقدم عند قوله {ولا تك في ضيق مما يمكرون} في آخر سورة النحل (127).
والظرفية مجازية، أي لا تكن ملتبساً ومحوطاً بشيء من الضيق بسبب مكرهم.
والمكر تقدم عند قوله تعالى {ومكروا ومكر الله} في سورة آل عمران (54). و(ما) مصدرية، أي من مكرهم.
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72)}
عطف على {وقال الذين كفروا إذا كنا تراباً} [النمل: 67]. والتعبير هنا بالمضارع للدلالة على تجدد ذلك القول منهم، أي لم يزالوا يقولون.
والمراد بالوعد ما أنذروا به من العقاب. والاستفهام عن زمانه، وهو استفهام تهكم منهم بقرينة قوله {إن كنتم صادقين}.
وأمر الله نبيه بالجواب عن قولهم لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن أطلعه على شيء منه من عباده المصطفين.
والجواب جار على الأسلوب الحكيم بحمل استفهامهم على حقيقة الاستفهام تنبيهاً على أن حقهم أن يسألوا عن وقت الوعيد ليتقدموه بالإيمان.
و {عسى} للرجاء، وهو مستعمل في التقريب مع التحقيق.
و {ردف} تبع بقرب. وعدي باللام هنا مع أنه صالح للتعدية بنفسه لتضمينه معنى (اقترب) أو اللام للتوكيد مثل شكر له. والمعنى: رجاء أن يكون ذلك قريب الزمن. وهذا إشارة إلى ما سيحل بهم يوم بدر.
وحذف متعلق {تستعجلون} أي تستعجلون به.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73)}
موقع هذا موقع الاستدراك على قوله {عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون} [النمل: 72] أي أن تأخير العذاب عنهم هو من فضل الله عليهم. وهذا خبر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على أن تأخير الوعيد أثر من آثار رحمة الله لأن أزمنة التأخير أزمنة إمهال فهم فيها بنعمة، لأن الله ذو فضل على الناس كلهم. وقد كنا قدمنا مسألة أن نعمة الكافر نعمة حقيقية أو ليست نعمة والخلاف في ذلك بين الأشعري والماتريدي.
والتعبير ب {ذو فضل} يدل على أن الفضل من شؤونه. وتنكير {فضل} للتعظيم. والتأكيد ب {إن} واللام منظور فيه إلى حال الناس لا إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم فالتأكيد واقع موقع التعريض بهم بقرينة قوله {ولكن أكثرهم لا يشكرون}.
و {لكن} استدراك ناشئ عن عموم الفضل منه تعالى فإن عمومه وتكرره يستحق بأن يعلمه الناس فيشكروه ولكن أكثر الناس لا يشكرون كهؤلاء الذين قالوا {متى هذا الوعد} [النمل: 71] فإنهم يستعجلون العذاب تهكماً وتعجيزاً في زعمهم غير قادرين قدر نعمة الإمهال.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74)}
موقع هذا موقع الاستئناف البياني لأن قوله {وإن ربّك لذو فضل على الناس} [النمل: 73] يثير سؤالاً في نفوس المؤمنين أن يقولوا: إن هؤلاء المكذبين قد أضمروا المكر وأعلنوا الاستهزاء فحالهم لا يقتضي إمهالهم؟ فيجاب بأن الذي أمهلهم مطلع على ما في صدورهم وما أعلنوه وأنه أمهلهم مع علمه بهم لحكمة يعلمها.
وفيه إشارة إلى أنهم يكنون أشياء للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، منها: أنهم يتربصون بهم الدوائر، وأنهم تخامر نفوسهم خواطر إخراجه وإخراج المؤمنين. وهذا الاستئناف لما كان ذا جهة من معنى وصف الله بإحاطة العلم عطفت جملته على جملة وصف الله بالفضل، فحصل بالعطف غرض ثان مهم، وحصل معنى الاستئناف البياني من مضمون الجملة.
وأما التوكيد ب {إن} فهو على نحو توكيد الجملة التي قبله. ولكَ أن تجعله لتنزيل السائل منزلة المتردد وذلك تلويح بالعتاب.
و {تكن} تخفي وهو من (أكن) إذا جعل شيئاً كانّاً، أي حاصلاً في كن. والكنّ: المسكن. وإسناد {تكن} إلى الصدور مجاز عقلي باعتبار أن الصدور مكانه. والإعلان: الإظهار.
{وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75)}
عطف على جملة {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} [النمل: 74]. وهو في معنى الذييل للجملة المذكورة لأنها ذكر منها علم الله بضمائرهم فذيل ذلك بأن الله يعلم كل غائبة في السماء والأرض.
وإنما جاء معطوفاً لأنه جدير بالاستقلال بذاته من حيث إنه تعليم لصفة علم الله تعالى وتنبيه لهم من غفلتهم عن إحاطة علم الله لما تكن صدورهم وما يعلنون.
والغائبة: اسم للشيء الغائب والتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية كالتاء في العافية، والعاقبة، والفاتحة. وهو اسم مشتق من الغيب وهو ضد الحضور، والمراد: الغائبة عن علم الناس. استعمل الغيب في الخفاء مجازاً مرسلاً.
والكتاب يعبر به عن علم الله، استعير له الكتاب لما فيه من التحقق وعدم قبول التغيير. ويجوز أن يكون مخلوقاً غيبياً يسجل فيه ما سيحدث.
والمبين: المفصل، لأن الشيء المفصل يكون بيّناً واضحاً. والمعنى: أن الله لا يعزب عن علمه حقيقة شيء مما خفي على العالمين. وذلك يقتضي أن كل ما يتلقاه الرسل من جانب الله تعالى فهو حق لا يحتمل أن يكون الأمر بخلافه. ومن ذلك ما كان الحديث فيه من أمر البعث الذي أنكروه وكذبوا بما جاء فيه.
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)}
إبطال لقول الذين كفروا {إن هذا إلا أساطير الأولين} [النمل: 68]. وله مناسبة بقوله {وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} [النمل: 75]، فإن القرآن وحي من عند الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فكل ما فيه فهو من آثار علم الله تعالى فإذا أراد الله تعليم المسلمين شيئاً مما يشتمل عليه القرآن فهو العلم الحق إذا بلغت الأفهام إلى إدراك المراد منه على حسب مراتب الدلالة التي أصولها في علم العربية وفي علم أصول الفقه.
ومن ذلك ما اشتمل عليه القرآن من تحقيق أمور الشرائع الماضية والأمم الغابرة مما خبطت فيه كتب بني إسرائيل خبطاً من جراء ما طرأ على كتبهم من التشتت والتلاشي وسوء النقل من لغة إلى لغة في عصور انحطاط الأمة الإسرائيلية، ولما في القرآن من الأصول الصريحة في الإلهيات مما يكشف سوء تأويل بني إسرائيل لكلمات كتابهم في متشابه التجسيم ونحوه، فإنك لا تجد في التوراة ما يساوي قوله تعالى {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]. فالمعنى: نفي أن يكون أساطير الأولين بإثبات أنه تعليم للمؤمنين، وتعليم لأهل الكتاب. وإنما قص عليهم أكثر ما اختلفوا وهو ما في بيان الحق منه نفع للمسلمين، وأعرض عما دون ذلك. فموقع هذه الآية استكمال نواحي هدي القرآن للأمم فإن السورة افتتحت بأنه هدى وبشرى للمؤمنين، وأن المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة يعمهون في ضلالهم فلم ينتفعوا بهديه. فاستكملت هذه الآية ما جاء به من هدي بني إسرائيل لما يهم مما اختلفوا فيه.
والتأكيد ب {إن} مثل ما تقدم في نظائره. وأكثر الذي يختلفون فيه هو ما جاء في القرآن من إبطال قولهم فيما يقتضي إرشادهم إلى الحق أن يبين لهم، وغير الأكثر ما لا مصلحة في بيانه لهم.
ومن مناسبة التنبيه على أن القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ما هم فيه مختلفون، أن ما قصه مما جرى بين ملكة سبأ مع سليمان كان فيه مما يخالف ما في كتاب الملوك الأول وكتاب الأيام الثاني ففي ذينك الكتابين أن ملكة سبأ تحملت وجاءت إلى أورشليم من تلقاء نفسها محبة منها في الاطلاع على ما بلغ مسامعها من عظمة ملك سليمان وحكمته، وأنها بعد ضيافتها عند سليمان قفلت إلى مملكتها. وليس مما يصح في حكم العقل وشواهد التاريخ في تلك العصور أن ملكة عظيمة كملكة سبأ تعمد إلى الارتحال عن بلدها وتدخل بلد ملك آخر غير هائبة، لولا أنها كانت مضطرة إلى ذلك بسياسة ارتكاب أخف الضرين إذ كان سليمان قد ألزمها بالدخول في دائرة نفوذ ملكه، فكان حضورها لديه استسلاماً واعترافاً له بالسيادة بعد أن تنصلت من ذلك بتوجيه الهدية وبعد أن رأت العزم من سليمان على وجوب امتثال أمره.
ومن العجيب إهمال كُتّاب اليهود دعوة سليمان بلقيس إلى عقيدة التوحيد وهل يظن بنبي أن يقر الشرك على منتحليه.
{وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77)}
هذا راجع إلى قوله في طالع السورة {هدى وبشرى للمؤمنين} [النمل: 2] ذكر هنا لاستيعاب جهات هدي القرآن. أما كونه هدى للمؤمنين فظاهر، وأما كونه رحمة لهم فلأنهم لما اهتدوا به قد نالوا الفوز في الدنيا بصلاح نفوسهم واستقامة أعمالهم واجتماع كلمتهم، وفي الآخرة بالفوز بالجنة. والرسالة المحمدية وإن كانت رحمة للعالمين كلهم كما تقدم في قوله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} في سورة [الأنبياء: 107] فرحمته للمؤمنين أخص.
والتأكيد ب {إن} منظور فيه إلى المعرض كما تقدم في قوله {وإن ربك لذو فضل على الناس} [النمل: 73].
{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78)}
لما سبق ذكر المشركين بطعنهم في القرآن وتكذيبهم بوعيده، وذكر بني إسرائيل بما يقتضي طعنهم فيه بأنه لمخالفة ما في كتبهم، وذكر المؤمنين بأنهم اهتدوا به وكان لهم رحمة فهم موقنون بما فيه، تمخض الكلام عن خلاصة هي افتراق الناس في القرآن فريقين: فريق طاعن، وفريق موقن، فلا جرم اقتضى ذلك حدوث تدافع بين الفريقين. وهو مما يثير في نفوس المؤمنين سؤالاً عن مدى هذا التدافع، والتخالف بين الفريقين ومتى ينكشف الحق، فجاء قوله {إن ربك يقضي بينهم بحكمه} استئنافاً بيانياً فيعلم أن القضاء يقتضي مختلفين. وأن كلمة (بين) تقتضي متعدداً، فأفاد أن الله يقضي بين المؤمنين بالقرآن والطاعنين فيه قضاء يبين المحق من المبطل. وهذا تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عن استبطائهم النصر فإن النبي أول المؤمنين، وإنما تقلد المؤمنون ما أنبأهم به فالقضاء للمؤمنين قضاء له بادئ ذي بدء.
وفيه توجيه الخطاب إلى جناب الرسول صلى الله عليه وسلم وإسناد القضاء إلى الله في شأنه بعنوان أنه رب له إيماء بأن القضاء سيكون مرضياً له وللمؤمنين. فجعل الرسول في هذا الكلام بمقام المبلغ وجعل القضاء بين أمته مؤمنهم وكافرهم، وتعجيل لمسرة الرسول بهذا اللإيماء.
وإذا قد أسند القضاء إلى الله وعلق به حكم مضاف إلى ضميره فقد تعين أن يكون المراد من المتعلق غير المتعلق به وذلك يلجيء: إما إلى تأويل معنى إضافة الحكم بما يخالف معنى إسناد القضاء إذا اعتبر اللفظان مترادين لفظاً ومعنى، فيكون ما تدل عليه الإضافة من اختصاص المضاف بالمضاف إليه مقصوداً به ما اشتهر به المضاف باعتبار المضاف إليه. وذلك أن الكل يعلمون أن حكم الله هو العدل ولأن المضاف إليه هو الحكم العدل. فالمعنى على هذا: أن ربك يقضي بينهم بحكمه المعروف المشتهر اللائق بعموم علمه واطراد عدله.
وإما أن يؤول الحكم بمعنى الحكمة وهو إطلاق شائع قال تعالى {وكلاً ءاتينا حكماً وعلماً} [الأنبياء: 79] وقال {وءاتيناه الحكم صبياً} [مريم: 12] ولم يكن يحيى حاكماً وإنما كان حكيماً نبيئاً فيكون المعنى على هذا: إن ربك يقضي بينهم بحكمته، أي بما تقتضيه الحكمة، أي من نصر المحق على المبطل.
ومآل التأويلين إلى معنى واحد وبه يظهر حسن موقع الاسمين الجليلين في تذييله بقوله {وهو العزيز العليم}، فإن العزيز لا يصانع، والعليم لا يفوته الحق، ويظهر حسن موقع التفريغ بقوله:
{فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)}
فرعت الفاء على الإخبار بأن رب الرسول عليه الصلاة والسلام يقضي بين المختلفين في شأن القرآن أمراً للرسول بأن يطمئن بالاً ويتوكل على ربه فيما يقضي به فإنه يقضي له بحقه، وعلى معانده بما يستحقه، فالأمر بالتوكل مستعمل في كنايته وصريحه فإن من لازمه أنه أدى رسالة ربه، وأن إعراض المعرضين عن أمر الله ليس تقصيراً من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو معنى تكرر في القرآن كقوله {لعلك باخع نفسك} [الكهف: 6] وقوله {ولا تحزن عليهم} [النمل: 70].
والتوكل: تفعل من وكل إليه الأمر، إذا أسند إليه تدبيره ومباشرته، فالتفعل للمبالغة. وقد تقدم عند قوله تعالى {فإذا عزمت فتوكل على الله} في آل عمران (159)، وقوله {وعلى الله فتوكّلوا} في المائدة (23) وقوله {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} في سورة إبراهيم (11).
وقد وقعت جملة {إنك على الحق المبين} موقعاً لم يخاطب الله تعالى أحداً من رسله بمثله فكان ذلك شهادة لرسوله بالعظمة الكاملة المنزهة عن كل نقص، لما دل عليه حرف {على} من التمكن، وما دل عليه اسم {الحق} من معنى جامع لحقائق الأشياء. وما دل عليه وصف {مبين} من الوضوح والنهوض.
وجاءت جملة {إنك على الحق المبين} مجيء التعليل للأمر بالتوكل على الله إشعاراً بأنه على الحق فلا يترقب من توكله على الحكم العدل إلا أن يكون حكمه في تأييده ونفعه. وشأن (إن) إذا جاءت في مقام التعليل أن تكون بمعنى الفاء فلا تفيد تأكيداً ولكنها للاهتمام.
وجيء في فعل التوكل بعنوان اسم الجلالة لأن ذلك الاسم يتضمن معاني الكمال كلها، ومن أعلاها العدل في القضاء ونصر المحق. وذلك بعد أن عجلت مسرة الإيماء إلى أن القضاء في جانب الرسول عليه الصلاة والسلام بإسناده القضاء إلى عنوان الرب مضافاً إلى ضمير الرسول كما تقدم آنفاً.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي اقتضاه وجود مقتضي جلب حرف التوكيد لإفادة التعليل فلا يفيد التقديم تخصيصاً ولا تقوياً.
و {المبين}: الواضح الذي لا ينبغي الامتراء فيه ولا المصانعة للمحكوم له.
وفي الآية إشارة إلى أن الذي يعلم أن الحق في جانبه حقيق بأن يثق بأن الله مظهر حقه ولو بعد حين.
{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80)}
استئناف بياني جواباً عما يخطر في بال السامع عقب قوله {إنك على الحق المبين} [النمل: 79] من التساؤل عن إعراض أهل الشرك لما عليه الرسول من الحق المبين. وهو أيضاً تعليل آخر للأمر بالتوكل على الله بالنظر إلى مدلوله الكنائي، فموقع حرف التوكيد فيه كموقعه في التعليل بالجملة التي قبله. وهذا عذر للرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له، ولكونه تعليلاً لجانب من التركيب وهو الجانب الكنائي غير الذي علل بجملة {إنك على الحق المبين} [النمل: 79] لم تعطف هذه الجملة على التي قبلها تنبيهاً على استقلالها بالتعليل.
والإسماع: إبلاغ الكلام إلى المسامع.
و {الموتى} و{الصم}: مستعاران للقوم الذين لا يقبلون القول الحق ويكابرون من يقوله لهم. شبهوا بالموتى على طريقة الاستعارة في انتفاء فهمهم معاني القرآن، وشبهوا بالصم كذلك في انتفاء أثر بلاغة ألفاظه عن نفوسهم. وللقرآن أثران:
أحدهما: ما يشتمل عليه من المعاني المقبولة لدى أهل العقول السليمة وهي المعاني التي يدركها ويسلم لها من تبلغ إليه ولو بطريق الترجمة بحيث يستوي في إدراكها العربي والعجمي وهذا أثر عقلي.
والأثر الثاني: دلالة نظمه وبلاغته على أنه خارج عن مقدرة بلغاء العرب. وهذا أثر لفظي وهو دليل الإعجاز وهو خاص بالعرب مباشرة، وحاصل لغيرهم من أهل النظر والتأمل إذا تدبروا في عجز البلغاء من أهل اللسان الذي جاء به القرآن، فهؤلاء يوقنون بأن عجز بلغاء أهل ذلك اللسان عن معارضته دال على أنه فوق مقدرتهم؛ فالمشركون شبهوا بالموتى بالنظر إلى الأثر الأول، وشبهوا بالصم بالنظر إلى الأثر الثاني، فحصلت استعارتان. ونفي الإسماع فيهما ترشيحان للاستعارتين وهما مستعاران لانتفاء معالجة إبلاغهم.
ولأجل اعتبار كلا الأثرين المبنيّ عليه ورود تشبيهين كرر ذكر الترشيحين فعطف {ولا تسمع الصم} على {لا تسمع الموتى}، ولم يكتف بأن يقال: إنك لا تسمع الموتى ولا الصم.
وتقييد الصم بزمان توليهم مدبرين لأن تلك الحالة أوغل في انتفاء إسماعهم لأن الأصم إذا كان مواجهاً للمتكلم قد يسمع بعض الكلام بالصراخ ويستفيد بقيته بحركة الشفتين، فأما إذا ولى مدبراً فقد ابتعد عن الصوت ولم يلاحظ حركة الشفتين فذلك أبعد له عن السمع.
واستدلت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية على رد ظاهر حديث ابن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر وفيه قتلى المشركين فناداهم بأسمائهم وقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، قال ابن عمر: فقيل له: يا رسول الله أتنادي أمواتنا فقال: إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم». فقالت عائشة: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت {إنك لا تسمع الموتى} حتى قرأت الآية.
وهذا من الاستدلال بظاهر الدلالة من القرآن ولو باحتمال مرجوح كما بيناه في المقدمة التاسعة. وإلا فإن الموتى هنا استعارة وليس بحقيقة.
وضميرا {ولوا مدبرين} عائدان إلى الصم، وهو تتميم للتشبيه حيث شبهوا في عدم بلوغ الأقوال إلى عقولهم بصم ولوا مدبرين، فإن المدبر يبعد عن مكان من يكلمه فكان أبعد عن الاستماع كما تقدم آنفاً.
{وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81)}
{مُدْبِرِينَ * وَمَآ أَنتَ بِهَادِى العمى عَن ضلالتهم إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ}.
كرر تشبيه المشركين في إعراضهم عن الحق بأن شبهوا في ذلك بالعمي بعد أن شبهوا بالموتى وبالصم على طريقة الاستعارة إطناباً في تشنيع حالهم الموصوفة على ما هو المعروف عند البلغاء في تكرير التشبيه كما تقدم عند قوله تعالى {أو كصيب من السماء} في سورة البقرة (19).
وحسن هذا التكرير هنا ما بين التشبيهين من الفروق مع اتحاد الغاية؛ فإنهم شبهوا بالموتى في انتفاء إدراك المعاني الذي يتمتع به العقلاء، وبالصم في انتفاء إدراك بلاغة الكلام الذي يضطلع به بلغاء العرب. وشبهوا ثالثاً بالعمي في انتفاء التمييز بين طريق الهدى وطريق الضلال من حيث إنهم لم يتبعوا هدي دين الإسلام. والغاية واحدة وهي انتفاء اتباعهم الإسلام ففي تشبيههم بالعمي استعارة مصرحة، ونفي إنقاذهم عن ضلالتهم ترشيح للاستعارة لأن الأعمى لا يبلغ إلى معرفة الطريق بوصف الواصف.
والهدى: الدلالة على طريق السائر بأن يصفه له فيقول مثلاً: إذا بلغت الوادي فخذ الطريق الأيمن.
والذي يسلك بالقوافل مسالك الطرق يسمى هادياً.
والتوصل إلى معرفة الطريق يسمى اهتداء. وهذا الترشيح هو أيضاً مستعار لبيان الحق والصواب للناس، والأعمى غير قابل للهداية بالحالتين حالة الوصف وهي ظاهرة، وحالة الاقتياد فإن العرب لم يكونوا يأخذون العمي معهم في أسفارهم لأنهم يعرقلون على القافلة سيرها.
وقوله {عن ضلالتهم} يتضمن استعارة مكنية قرينتها حالية. شبه الدين الحق بالطريق الواضحة، وإسناد الضلالة إلى سالكيه ترشيح لها وتخييل، والضلالة أيضاً مستعارة لعدم إدراك الحق تبعاً للاستعارة المكنية، وأطلقت هنا على عدم الاهتداء للطريق، وضمير {ضلالتهم} عائد إلى العمي، ولتأتي هذه الاستعارة الرشيقة عدل عن تعليق ما حقه أن يعلق بالهدي فعلق به ما يقتضيه نفي الهدي من معنى الصرف والمباعدة. فقيل {عن ضلالتهم} بتضمين {هادي} معنى صارف. فصار: ما أنت بهاد، بمعنى: ما أنت بصارفهم عن ضلالتهم كما يقال: سقاه عن العيمة، أي سقاه صارفاً له عن العيمة، وهي شهوة اللبن.
وعدل في هذه الجملة عن صيغتي النفيين السابقين في قوله {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء} [النمل: 80] الواقعين على مسندين فعليين، إلى تسليط النفي هنا على جملة اسمية للدلالة على ثبات النفي. وأكد ذلك الثبات بالباء المزيدة لتأكيد النفي.
ووجه إيثار هذه الجملة بهاذين التحقيقين هو أنه لما أفضى الكلام إلى نفي اهتدائهم وكان اهتداؤهم غاية مطمح الرسول صلى الله عليه وسلم كان المقام مشعراً ببقية من طمعه في اهتدائهم حرصاً عليهم فأكد له ما يقلع طمعه، وهذا كقوله تعالى {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] وقوله
{وما أنت عليهم بجبار} [ق: 45]. وسيجيء في تفسير نظير هذه الآية من سورة الروم توجيه لتعداد التشابيه الثلاثة زائداً على ما هنا فانظره.
وقرأ حمزة وحده {وما أنت تهدي} بمثناه فوقيه في موضع الموحدة وبدون ألف بعد الهاء.
{ضلالتهم إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بھاياتنا فَهُم}.
استئناف بياني لترقب السامع معرفة من يهتدون بالقرآن.
والإسماع مستعمل في معناه المجازي كما تقدم.
وأوثر التعبير بالمضارع في قوله {من يؤمن} ليشمل من آمنوا من قبل فيفيد المضارع استمرار إيمانهم ومن سيؤمنون.
وقد ظهر من التقسيم الحاصل من قوله {إنك لا تسمع الموتى} [النمل: 80] إلى هنا، أن الناس قسمان منهم من طبع الله على قلبه وعلم أنه لا يؤمن حتى يعاجله الهلاك، ومنهم من كتب الله له السعادة فيؤمن سريعاً أو بطيئاً قبل الوفاة.
وفرع عليه {فهم مسلمون} المفيد للدوام والثبات لأنهم إذا آمنوا فقد صار الإسلام راسخاً فيهم ومتمكناً منهم، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
{وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)}
هذا انتقال إلى التذكير بالقيامة وما ادخر لهم من الوعيد. فهذه الجملة معطوفة على الجمل قبلها عطف قصة على قصة. ومناسبة ذكرها ما تقدم من قوله {إنك لا تسمع الموتى} إلى قوله {عن ضلالتهم} [النمل: 80، 81]. والضمير عائد إلى الموتى والصم والعمي وهم المشركون.
و {القول} أريد به أخبار الوعيد التي كذبوها متهكمين باستبطاء وقوعها بقولهم {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [النمل: 71]، فالتعريف فيه للعهد يفسره المقام.
والوقوع مستعار لحلول وقته وذلك من وقت تهيؤ العالم للفناء إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
والآية تشير إلى شيء من أشراط حلول الوعيد الذي أنذروا به وهو الوعيد الأكبر يعني وعيد البعث، فتشير إلى شيء من أشراط الساعة وهو من خوارق العادات. والتعبير عن وقوعه بصيغة الماضي لتقريب زمن الحال من المضي، أي أشرف وقوعه، على أن فعل المضي مع (إذا) ينقلب إلى الاستقبال.
والدابة: اسم للحي من غير الإنسان، مشتق من الدبيب، وهو المشي على الأرض وهو من خصائص الأحياء. وتقدم الكلام على لفظ {دابة} في سورة الأنعام (38). وقد رويت في وصف هذه الدابة ووقت خروجها ومكانه أخبار مضطربة ضعيفة الأسانيد فانظرها في «تفسير القرطبي» وغيره إذ لا طائل في جلبها ونقدها.
وإخراج الدابة من الأرض ليريهم كيف يحي الله الموتى إذ كانوا قد أنكروا البعث. ولا شك أن كلامها لهم خطاب لهم بحلول الحشر. وإنما خلق الله الكلام لهم على لسان دابة تحقيراً لهم وتنديماً على إعراضهم عن قبول أبلغ كلام وأوقعه من أشرف إنسان وأفصحه، ليكون لهم خزياً في آخر الدهر يعيرون به في المحشر. فيقال: هؤلاء الذين أعرضوا عن كلام رسول كريم فخوطبوا على لسان حيوان بهيم. على نحو ما قيل: استفادة القابل من المبدإ تتوقف على المناسبة بينهما.
وجملة {إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} تعليل لإظهار هذا الخارق للعادة حيث لم يوقن المشركون بآيات القرآن فجعل ذلك إلجاء لهم حين لا ينفعهم.
وقرأ الجمهور {إن الناس} بكسر همزة (إن)، وموقع (إن) في مثل هذا التعليل. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي {أن الناس} بفتح الهمزة وهي أيضاً للتعليل لأن فتح همزة (أن) يؤذن بتقدير حرف جر وهو باء السببية، أي تكلمهم بحاصل هذا وهو المصدر. والمعنى: أنها تسجل على الناس وهم المشركون عدم تصديقهم بآيات الله. وهو تسجيل توبيخ وتنديم لأنهم حينئذ قد وقع القول عليهم ف {لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل} [الأنعام: 158]. وحمل هذه الجملة على أن تكون حكاية لما تكلمهم به الدابة بعيد.
{وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84)}
انتصب {يوم} على تقدير (اذكر) فهو مفعول به، أو على أنه ظرف متعلق بقوله {قال أكذبتم} مقدم عليه للاهتمام به. وهذا حشر خاص بعد حشر جميع الخلق المذكور في قوله تعالى بعد هذا {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض} [النمل: 87] وهو في معنى قوله تعالى {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 59] فيحشر من كل أمة مكذبو رسولها.
والفوج: الجماعة من الناس. و{من} الداخلة على {كل أمة} تبعيضية وأما (من) الداخلة على {من يكذب} فيجوز جعلها بيانية فيكون فوج كل أمة هو جماعة المكذبين منها، أي يحشر من الأمة كفارها ويبقى صالحوها. ويجوز جعل (من) هذه تبعيضية أيضاً بأن يكون المعنى إخراج فوج من المكذبين من كل أمة. وهذا الفوج هو زعماء المكذبين وأيمتهم فيكونون في الرعيل الأول إلى العذاب.
وهذا قول ابن عباس إذ قال: مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يساق أمام كل طائفة زعماؤها. وتقدم تفسير {فهم يوزعون} في قصة سليمان من هذه السورة (17).
والمعنى هنا: أنهم يزجرون إغلاظاً عليهم كما يفعل بالأسرى.
والقول في {حتى إذا جاءو} كالقول في {حتى إذا أتوا على واد النمل} [النمل: 18] ولم يذكر الموضع الذي جاءوه لظهوره وهو مكان العذاب، أي جهنم كما قال في الآية {حتى إذا ما جاءوها} [فصلت: 20].
و {حتى} في {حتى إذا جاءو} ابتدائية. و{إذا} الواقعة بعد {حتى} ظرفية والمعنى: حتى حين جاءوا.
وفعل {قال أكذبتم بآياتي} هو صدر الجملة في التقدير وما قبله مقدم من تأخير للاهتمام. والتقدير: وقال أكذبتم بآياتي يوم نحشر من كل أمة فوجاً وحين جاءوا. وفي {قال} التفات من التكلم إلى الغيبة.
وقوله {أكذبتم بآياتي} قول صادر من جانب الله تعالى يسمعونه أو يبلغهم إياه الملائكة.
والاستفهام يجوز أن يكون توبيخياً مستعملاً في لازمه وهو الإلجاء إلى الاعتراف بأن المستفهم عنه واقع منهم تبكيتاً لهم، ولهذا عطف عليه قوله {أم ماذا كنتم تعملون}. فحرف {أم} فيه بمعنى (بل) للانتقال ومعادل همزة الاستفهام المقدرة محذوف دل عليه قوله {ماذا كنتم تعملون}. والتقدير: أكذبتم بآياتي أم لم تكذبوا فماذا كنتم تعملون إن لم تكذبوا فإنكم لم توقنوا فماذا كنتم تعملون في مدة تكرير دعوتكم إلى الإسلام. ومن هنا حصل الإلجاء إلى الاعتراف بأنهم كذبوا.
ومن لطائف البلاغة أنه جاء بالمعادل الأول مصرحاً به لأنه المحقق منهم فقال {أكذبتم بآياتي} وحذف معادله الآخر تنبيهاً على انتفائه كأنه قيل: أهو ما عهد منكم من التكذيب أم حدث حادث آخر، فجعل هذا المعادل متردداً فيه، وانتقل الكلام إلى استفهام. وهذا تبكيت لهم.
قال في الكشاف»: «ومثاله أن تقول لراعيك وقد علمت أنه راعي سوء: أتأكل نعمي أم ماذا تعمل بها، فتجعل ما ابتدأت به وجعلته أساس كلامك هو الذي صح عندك من أكله وفساده وترمي بقولك: أم ماذا تعمل بها، مع علمك أنه لا يعمل بها إلا الأكل لتبهته. ويجوز أن يكون الاستفهام تقريرياً وتكون {أم} متصلة وما بعدها هو معادل الاستفهام باعتبار المعنى كأنه قيل: أكذبتم أم لم تكذبوا فماذا كنتم تعملون إن لم تكذبوا فإنكم لم تتبعوا آياتي».
وجملة {ولم تحيطوا بها علماً} في موضع الحال، أي كذبتم دون أن تحيطوا علماً بدلالة الآيات. وانتصب {علماً} على أنه تمييز نسبة {تحيطوا}، أي لم يحط علمكم بها، فعدل عن إسناد الإحاطة إلى العلم إلى إسنادها إلى ذوات المخاطبين ليقع تأكيد الكلام بالإجمال في الإسناد ثم التفصيل بالتمييز.
وإحاطة العلم بالآيات مستعملة في تمكن العلم حتى كأنه ظرف محيط بها وهذا تعيير لهم وتوبيخ بأنهم كذبوا بالآيات قبل التدبر فيها.
و {ماذا} استفهام واسم إشارة وهو بمعنى اسم الموصول إذا وقع بعد (ما). والمشار إليه هو مضمون الجملة بعده في قوله {كنتم تعملون}. ولكون المشار إليه في مثل هذا هو الجملة صار اسم الإشارة بعد الاستفهام في قوة موصول فكأنه قيل: ما الذي كنتم تعملون؟ فذلك معنى قول النحويين: إن (ذا) بعد (ما) و(من) الاستفهاميتين يكون بمعنى (ما) الموصولة فهو بيان معنىً لا بيان وضع.
{وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85)}
يجوز أن يكون الواو للحال، والمعنى: يقال لهم أكذبتم بآياتي وقد وقع القول عليهم. وهذا القول هو القول السابق في آية {وإذا وقع القول عليهم} [النمل: 82] فإن ذلك القول مشتمل على حوادث كثيرة فكلما تحقق شيء منها فقد وقع القول.
والتعبير بالماضي في قوله {وقع} هنا على حقيقته، وأعيد ذكره تعظيماً لهوله ويجوز أن تكون الواو عاطفة والقول هو القول الأول وعطفت الجملة على الجملة المماثلة لها ليبنى عليها سبب وقوع القول وهو أنه بسبب ظلمهم وليفرع عليه قوله {فهم لا ينطقون}.
والتعبير بفعل المضي على هذا الوجه لأنه محقق الحصول في المستقبل فجعل كأنه حصل ومضى.
و {ما ظلموا} بمعنى المصدر، والباء للسببية، أي بسبب ظلمهم، والظلم هنا الشرك وما يتبعه من الاعتداء على حقوق الله وحقوق المؤمنين فكان ظلمهم سبب حلول الوعيد بهم، وفي الحديث «الظلم ظلمات يوم القيامة» فكل من ظلم سيقع عليه القول الموعود به الظالمون لأن الظلم ينتسب إلى الشرك وينتسب هذا إليه كما تقدم عند قوله تعالى {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} في هذه السورة (52).
وجملة {فهم لا ينطقون} مفرعة على {وقع القول} أي وقع عليهم وقوعاً يمنعهم الكلام، أي كلام الاعتذار أو الإنكار، أي فوجموا لوقوع ما وعدوا به قال تعالى {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 35، 36].
{أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86)}
هذا الكلام متصل بقوله {ووقع القول عليهم بما ظلموا} [النمل: 85] أي بما أشركوا، فذكرهم بدلائل الوحدانية بذكر أظهر الآيات وأكثرها تكراراً على حواسهم وأجدرها بأن تكون مقنعة في ارعوائهم عن شركهم. وهي آية ملازمة لهم طول حياتهم تخطر ببالهم مرتين كل يوم على الأقل. وتلك هي آية اختلاف الليل والنهار الدالة على انفراده تعالى بالتصرف في هذا العالم؛ فأصنامهم تخضع لمفعولها فتظلم ذواتهم في الليل وتنير في النهار، وفيها تذكير بتمثيل الموت والحياة بعده بسكون الليل وانبثاق النهار عقبه.
والجملة معترضة بين جملة {ووقع القول عليهم} [النمل: 85] وجملة {ويوم ينفخ في الصور} [النمل: 87] ليتخلل الوعيد بالاستدلال فتكون الدعوة إلى الحق بالإرهاب تارة واستدعاء النظر تارة أخرى.
والاستفهام مستعمل كناية عن التعجيب من حالهم لأنها لغرابتها تستلزم سؤال من يسأل عن عدم رؤيتهم فهذه علاقة أو مسوغ استعمال الاستفهام في التعجيب، وهي علاقة خفية أشار سعد الدين في «المطول» إلى عدم ظهورها وتصدى السيد الشريف إلى بيانها غاية البيان وأرجعها إلى المجاز المرسل فتأمله.
والرؤية يجوز أن تكون قلبية وجملة {أنّا جعلنا} سادة مسد المفعولين، أي كيف لم يعلموا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً مع أن ذلك واضح الدلالة على هذا الجعل. واختير من أفعال العلم فعل الرؤية لشبه هذا العلم بالمعلومات المبصرة.
ويجوز أن تكون الرؤية بصرية والمصدر المنسبك من الجملة مفعول الرؤية والمعنى: كيف لم يبصروا جعل الليل للسكون والنهار للإبصار مع أن ذلك بمرأى من أبصارهم. والجعل مراد منه أثره وهو اضطرار الناس إلى السكون في الليل وإلى الانتشار في النهار. فجعلت رؤية أثر الجعل بمنزلة رؤية ذلك الجعل وهذا واسع في العربية أن يجعل الأثر محل المؤثر، والدال محل المدلول. قال النابغة:
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي *** على وعل في ذي المطارة عاقل
أي على مخافة وعل.
والمبصر: اسم فاعل أبصر بمعنى رأى. ووصف النهار بأنه مبصر من قبيل المجاز العقلي لأن نور النهار سبب الإبصار. ويجوز أن تكون الهمزة للتعدية من أبصره، إذا جعله باصراً.
وجملة {إن في ذلك لآيات} تعليل للتعجيب من حالهم إذ لم يستدلوا باختلاف الليل والنهار على الوحدانية ولا على البعث.
ووجه كون الآيات في ذلك كثيرة كما اقتضاه الجمع هو أن في نظام الليل آيات على الانفراد بخلق الشمس وخلق نورها الخارق للظلمات، وخلق الأرض، وخلق نظام دورانها اليومي تجاه أشعة الشمس وهي الدورة التي تكوّن الليل والنهار، وفي خلق طبع الإنسان بأن يتلقّى الظلمة بطلب السكون لما يعتري الأعصاب من الفتور دون بعض الدواب التي تنشط في الليل كالهوام والخفافيش وفي ذلك أيضاً دلالة على تعاقب الموت والحياة، فتلك آيات وفي كل آية منها دقائق ونظم عظيمة لو بسط القول فيها لأوعب مجلدات من العلوم.
وفي جعل النهار مبصراً آيات كثيرة على الوحدانية ودقة صنع تقابل ما تقدم في آيات جعل الليل سكناً. وفيه دلالة على أن لا إحالة ولا استبعاد في البعث بعد الموت، وأنه نظير بعث اليقظة بعد النوم، وفي جليل تلك الآيات ودقيقها عدة آيات فهذا وجه جعل ذلك آيات ولم يجعل آيتين.
ومعنى {لقوم يؤمنون} لناس شأنهم الإيمان والاعترف بالحجة ولذلك جعل الإيمان صفة جارية على {قوم} لما قلناه غير مرة من أن إناطة الحكم بلفظ (قوم) يومئ إلى أن ذلك الحكم متمكن منهم حتى كأنه من مقومات قوميتهم ومنه قوله تعالى {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} [التوبة: 56]، أي الفرق من مقومات قوميتهم فكيف يكونون منكم وأنتم لا تفرقون، أي في ذلك آيات لمن من شعارهم التدبر والاتصاف، أي فهؤلاء ليسوا بتلك المثابة.
ولكون الإيمان مقصوداً به أنه مرجو منهم جيء فيه بصيغة المضارع إذ ليس المقصود أن في ذلك آيات للذين آمنوا لأن ذلك حاصل بالفحوى والأولوية، فصار المعنى: أن في ذلك لآيات للمؤمنين ولمن يرجى منهم الإيمان عند النظر في الأدلة. وقريب من هذا المعنى قوله تعالى {إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم} [التكوير: 27، 28]. ولهذا خولف بين ما هنا وبين ما في سورة يونس (67) إذ قال {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} لأن آية يونس مسوقة مساق الاستدلال والامتنان فخاطب بها جميع الناس من مؤمن وكافر فجاءت بصيغة الخطاب، وجعلت دلالتها لكل من يسمع أدلة القرآن فمنهم مهتد وضال ولذلك جيء فيها بفعل {يسمعون} [يونس: 67] المؤذن بالامتثال والإقبال على طلب الهدى.
وأما هذه الآية فمسوقة مساق التعجيب والتوبيخ فجعل ما فيها آيات لمن الإيمان من شأنهم ليفيد بمفهومه أنه لا تحصل منه دلالة لمن ليس من شأنهم الانصاف والاعتراف ولذلك أوثر فيه فعل {يؤمنون}.
وجاء ما في الليل من الخصوصية بصيغة التعليل باللام بقوله {ليسكنوا فيه}، وما في النهار بصيغة مفعول الجعل بقوله {مبصراً} تفنناً، ولما يفيده {مبصراً} من المبالغة. والمعنى على التعليل والمفعول واحد في المآل. وبهذا قال في «الكشاف» «التقابل مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف» أي ففي الآية احتباك إذ المعنى: جعلنا الليل مظلماً ليسكنوا فيه والنهار مبصراً لينتشروا فيه.
واعلم أن ما قرر هنا يأتي في آية سورة يونس عدا ما هو من وجوه الفروق البلاغية فارجع إليها هنالك.
{وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87)}
عطف على {ويوم نحشر من كل أمة فوجاً} [النمل: 83]، عاد به السياق إلى الموعظة والوعيد فإنهم لما ذكروا ب«يوم يحشرون إلى النار» ذكروا أيضاً بما قبل ذلك وهو يوم النفخ في الصور، تسجيلاً عليهم بإثبات وقوع البعث وإنذاراً بما يعقبه مما دل عليه قوله {ءاتوه داخرين} وقوله {ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله}.
والنفخ في الصور تقدم في قوله {وله الملك يوم ينفخ في الصور} في سورة الأنعام (73) وهو تقريب لكيفية صدور الأمر التكويني لإحياء الأموات وهو النفخة الثانية المذكورة في قوله تعالى {ثم نُفِخَ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68]، وذلك هو يوم الحساب. وأما النفخة الأولى فهي نفخة يعنى بها الإحياء، أي نفخ الأرواح في أجسامها وهي ساعة انقضاء الحياة الدنيا فهم يصعقون، ولهذا فرع عليه قوله {ففزع من في السموات ومن في الأرض}، أي عقبه حصول الفزع وهو الخوف من عاقبة الحساب ومشاهدة معدات العذاب، فكل أحد يخشى أن يكون معذباً، فالفزع حاصل مما بعد النفخة وليس هو فزعاً من النفخة لأن الناس حين النفخة أموات.
والاستثناء مجمل يبينه قوله تعالى بعد {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ءامنون} [النمل: 89] وقوله {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} إلى قوله {لا يحزنهم الفزع الأكبر} [الأنبياء: 101 103] وذلك بأن يبادرهم الملائكة بالبشارة. قال تعالى {وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} [الأنبياء: 103] وقال {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 64].
وجيء بصيغة الماضي في قوله {ففزع} مع أن النفخ مستقبل، للإشعار بتحقق الفزع وأنه واقع لا محالة كقوله {أتى أمر الله} [النحل: 1] لأن المضي يستلزم التحقق فصيغة الماضي كناية عن التحقق، وقرينة الاستقبال ظاهرة من المضارع في قوله {ينفخ}.
والداخرون: الصاغرون. أي الأذلاء، يقال: دَخِرَ بوزن منع وفرِح والمصدر الدخر بالتحريك والدخور.
وضمير الغيبة الظاهر في {ءاتوه} عائد إلى اسم الجلالة، والإتيان إلى الله الإحضار في مكان قضائه ويجوز أن يعود الضمير على {يوم ينفخ في الصور} على تقدير: ءاتون فيه والمضاف إليه (كل) المعوض عنه التنوين، تقديره: من فزع ممن في السموات والأرض آتوه داخرين. وأما من استثنى الله بأنه شاء أن لا يفزعوا فهم لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة.
وقرأ الجمهور {آتوه} بصيغة اسم الفاعل من أتى. وقرأ حمزة وحفص {أتوه} بصيغة فعل الماضي فهو كقوله {ففزع}.
{وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)}
الذي قاله جمهور المفسرين: إن الآية حكت حادثاً يحصل يوم ينفخ في الصور فجعلوا قوله {وترى الجبال تحسبها جامدة} عطفاً على {ينفخ في الصور} [النمل: 87] أي ويوم ترى الجبال تحسبها جامدة الخ.. وجعلوا الرؤية بصرية، ومرّ السحاب تشبيهاً لتنقلها بمرّ السحاب في السرعة، وجعلوا اختيار التشبيه بمرور السحاب مقصوداً منه إدماج تشبيه حال الجبال حين ذلك المرور بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها فيكون من معنى قوله {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} [القارعة: 5]، وجعلوا الخطاب في قوله {ترى} لغير معين ليعم كل من يرى، وجعلوا معنى هذه الآية في معنى قوله تعالى {ويوم نسير الجبال} [الكهف: 47]. فلما أشكل أن هذه الأحوال تكون قبل يوم الحشر لأن الآيات التي ورد فيها ذكر دك الجبال ونسفها تشير إلى أن ذلك في انتهاء الدنيا عند القارعة وهي النفخة الأولى أو قبيلها، فأجابوا بأنها تندك حينئذ ثم تسير يوم الحشر لقوله {فقل ينسفها ربي نسفاً} إلى أن قال {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له} [طه: 105 108] لأن الداعي هو إسرافيل (وفيه أن للاتباع أحوالاً كثيرة، وللداعي معاني أيضاً).
وقال بعض المفسرين: هذا مما يكون عند النفخة الأولى وكذلك جميع الآيات التي ذكر فيها نسف الجبال ودكها وبسها. وكأنهم لم يجعلوا عطف {وترى الجبال} على {ينفخ في الصور} [النمل: 87] حتى يتسلط عليه عمل لفظ (يوم) بل يجعلوه من عطف الجملة على الجملة، والواو لا تقتضي ترتيب المعطوف بها مع المعطوف عليه، فهو عطف عبرة على عبرة وإن كانت المذكورة أولى حاصلة ثانياً.
وجعل كلا الفريقين قوله {صنع الله} الخ مراداً به تهويل قدرة الله تعالى وأن النفخ في الصور وتسيير الجبال من عجيب قدرته، فكأنهم تأولوا الصنع بمعنى مطلق الفعل من غير التزام ما في مادة صنع من معنى التركيب والإيجاد، فإن الإتقان إجادة، والهدم لا يحتاج إلى إتقان.
وقال الماوردي: قيل هذا مثل ضربه الله، أي وليس بخبر. وفيما ضرب فيه المثل ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه مثل للدنيا يظن الناظر إليها أنها ثابتة كالجبال وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب، قاله سهل بن عبد الله التستري.
الثاني: أنه مثل للإيمان تحسبه ثابتاً في القلب، وعمله صاعد إلى السماء.
الثالث: إنه مثل للنفس عند خروج الروح، والروح تسير إلى العرش.
وكأنهم أرادوا بالتمثيل التشبيه والاستعارة.
ولا يخفى على الناقد البصير بعد هذه التأويلات الثلاثة لأنه إن كان {الجبال} مشبهاً بها فهذه الحالة غير ثابتة لها حتى تكون هي وجه الشبه وإن كان لفظ {الجبال} مستعاراً لشيء وكان مر السحاب كذلك كان المستعار له غير مصرح به ولا ضمنياً.
وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأن الرائي يحسب الجبال جامدة، ولا بيان وجه تشبيه سيرها بسير السحاب، ولا توجيه التذليل بقوله تعالى {صنع الله الذي أتقن كل شيء} فلذلك كان لهذه الآية وضع دقيق، ومعنى بالتأمل خليق، فوضعها أنها وقعت موقع الجملة المعترضة بين المجمل وبيانه من قوله {ففزع من في السموات ومن في الأرض} إلى قوله
{من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ءامنون} [النمل: 87 89] بأن يكون من تخلل دليل على دقيق صنع الله تعالى في أثناء الإنذار والوعيد إدماجاً وجمعاً بين استدعاء للنظر، وبين الزواجر والنذر، كما صنع في جملة {ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه} [النمل: 86] الآية.
أو هي معطوفة على جملة {ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه} [النمل: 86] الآية، وجملة {ويوم ينفخ في الصور} [النمل: 87] معترضة بينهما لمناسبة ما في الجملة المعطوف عليها من الإيماء إلى تمثيل الحياة بعد الموت، ولكن هذا استدعاء لأهل العلم والحكمة لتتوجه أنظارهم إلى ما في هذا الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة. وهذا من العلم الذي أودع في القرآن ليكون معجزة من الجانب العلمي يدركها أهل العلم، كما كان معجزة للبلغاء من جانبه النظمي كما قدمناه في الجهة الثانية من المقدمة العاشرة.
فإن الناس كانوا يحسبون أن الشمس تدور حول الأرض فينشأ من دورانها نظام الليل والنهار، ويحسبون الأرض ساكنة. واهتدى بعض علماء اليونان إلى أن الأرض هي التي تدور حول الشمس في كل يوم وليلة دورة تتكون منها ظلمة نصف الكرة الأرضي تقريباً وضياء النصف الآخر وذلك ما يعبر عنه بالليل والنهار، ولكنها كانت نظرية مرموقة بالنقد وإنما كان الدال عليها قاعدة أن الجرم الأصغر أولى بالتحرك حول الجرم الأكبر المرتبط بسيره وهي علة إقناعية لأن الحركة مختلفة المدارات فلا مانع من أن يكون المتحرك الأصغر حول الأكبر في رأي العين وضبط الحساب وما تحققت هذه النظرية إلا في القرن السابع عشر بواسطة الرياضي (غاليلي) الإيطالي.
والقرآن يدمج في ضمن دلائله الجمة وعقب دليل تكوين النور والظملة دليلاً رمز إليه رمزاً، فلم يتناوله المفسرون أو تسمع لهم ركزاً.
وإنما ناط دلالة تحرك الأرض بتحرك الجبال منها لأن الجبال هي الأجزاء الناتئة من الكرة الأرضية فظهور تحرك ظلالها متناقصة قبل الزوال إلى منتهى نقصها، ثم آخذة في الزيادة بعد الزوال. ومشاهدة تحرك تلك الظلال تحركاً يحاكي دبيب النمل أشد وضوحاً للراصد، وكذلك ظهور تحرك قممها أمام قرص الشمس في الصباح والماء أظهر مع كون الشمس ثابتة في مقرها بحسب أرصاد البروج والأنواء.
ولهذا الاعتبار غير أسلوب الاستدلال الذي في قوله تعالى {ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه} [النمل: 86] فجعل هنا بطريق الخطاب {وترى الجبال}. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تعليماً له لمعنى يدرك هو كنهه ولذلك خص الخطاب به ولم يعمم كما عمم قوله
{ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه} [النمل: 86] في هذا الخطاب، وادخاراً لعلماء أمته الذين يأتون في وقت ظهور هذه الحقيقة الدقيقة. فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على هذا السر العجيب في نظام الأرض كما أطلع إبراهيم عليه السلام على كيفية إحياء الموتى، اختص الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعلم ذلك في وقته وائتمنه على علمه بهذا السر العجيب في قرآنه ولم يأمره بتبليغه إذ لا يتعلق بعلمه للناس مصلحة حنيئذ حتى إذا كشف العلم عنه من نقابه وجد أهل القرآن ذلك حقاً في كتابه فاستلوا سيف الحجة به وكان في قرابة.
وهذا التأويل للآية هو الذي يساعد قوله {وترى الجبال} المقتضي أن الرائي يراها في هيئة الساكنة، وقوله {تحسبها جامدة} إذ هذا التأويل بمعنى الجامدة هو الذي يناسب حالة الجبال إذ لا تكون الجبال ذائبة.
وقوله {وهي تمرّ} الذي هو بمعنى السير {مرّ السحاب} أي مرا واضحاً لكنه لا يبين من أول وهلة. وقوله بعد ذلك كله {صنع الله الذي أتقن كل شيء} المقتضي أنه اعتبار بحالة نظامها المألوف لا بحالة انخرام النظام لأن خرم النظام لا يناسب وصفه بالصنع المتقن ولكنه يوصف بالأمر العظيم أو نحو ذلك من أحوال الآخرة التي لا تدخل تحت التصور.
و {مر السحاب} مصدر مبين لنوع مرور الجبال، أي مروراً تنتقل به من جهة إلى جهة مع أن الرائي يخالها ثابتة في مكانها كما يخال ناظر السحاب الذي يعم الأفق أنه مستقر وهو ينتقل من صوب إلى صوب ويمطر من مكان إلى آخر فلا يشعر به الناظر إلا وقد غاب عنه. وبهذا تعلم أن المر غير السير الذي في قوله تعالى {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة} [الكهف: 47] فإن ذلك في وقت اختلال نظام العالم الأرضي.
وانتصب قوله {صنع الله} على المصدرية مؤكداً لمضمون جملة {تمر مر السحاب} بتقدير: صنع الله ذلك صنعاً. وهذا تمجيد لهذا النظام العجيب إذ تتحرك الأجسام العظيمة مسافات شاسعة والناس يحسبونها قارة ثابتة وهي تتحرك بهم ولا يشعرون.:
والجامدة: الساكنة، قاله ابن عباس. وفي «الكشاف»: الجامدة من جمد في مكانه إذا لم يبرح، يعني أنه جمود مجازي، كثر استعمال هذا المجاز حتى ساوى الحقيقة والصنع. قال الراغب: إجادة الفعل فكل صنع فعل وليس كل فعل صنعاً قال تعالى {ويصنع الفلك} [هود: 38] {وعلمناه صنعة لبوس لكم} [الأنبياء: 80] يقال للحاذق المجيد: صنع، وللحاذقة المجيدة: صنّاع. اه. وقصر في تفسير الصنع الجوهري وصاحب «اللسان» وصاحب «القاموس» واستدركه في «تاج العروس».
قلت: وأما قولهم: بئس ما صنعت، فهو على معنى التخطئة لمن ظن أنه فعل فعلاً.
حسناً ولم يتفطن لقبحه. فالصنع إذا أطلق انصرف للعمل الجيد النافع وإذا أريد غير ذلك وجب تقييده على أنه قليل أو تهكم أو مشاكلة.
واعلم أن الصنع يطلق على العمل المتقن في الخير أو الشر قال تعالى {تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر} [طه: 69]، ووصف الله ب {الذي أتقن كل شيء} تعميم قصد به التذييل، أي ما هذا الصنع العجيب إلا مماثلاً لأمثاله من الصنائع الإلهية الدقيقة الصنع. وهذا يقتضي أن تسيير الجبال نظام متقن، وأنه من نوع التكوين والخلق واستدامة النظام وليس من نوع الخرم والتفكيك.
وجملة {إنه خبير بما تفعلون} تذييل أو اعتراض في آخر الكلام للتذكير والوعظ والتحذير، عقب قوله {الذي أتقن كل شيء} لأن إتقان الصنع أثر من آثار سعة العلم فالذي بعلمه أتقن كل شيء هو خبير بما يفعل الخلق فليحذروا أن يخالفوا عن أمره.
ثم جيء لتفصيل هذا بقوله {من جاء بالحسنة} [النمل: 89] الآية فكان من التخلص والعود إلى ما يحصل يوم ينفخ في الصور، ومن جعلوا أمر الجبال من أحداث يوم الحشر جعلوا جملة {إنه خبير بما تفعلون} استئنافاً بيانياً لجواب سائل: فماذا يكون بعد النفخ والفزع والحضور بين يدي الله وتسيير الجبال، فأجيب جواباً إجمالياً بأن الله عليم بأفعال الناس ثم فصل بقوله {من جاء بالحسنة فله خير منها..} [النمل: 89] الآية.
قرأ الجمهور {بما تفعلون} بتاء الخطاب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {يفعلون} بياء الغائبين عائداً ضميره على {من في السماوات ومن في الأرض} [النمل: 87].
{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90)}
{بِمَا تَفْعَلُونَ * مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ * وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النار هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
هذه الجملة بيان ناشئ عن قوله {ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} [النمل: 87] لأن الفزع مقتضضٍ الحشر والحضور للحساب. و(من) في كلتا الجملتين شرطية.
والمجيء مستعمل في حقيقته. والباء في {بالحسنة} و{بالسيئة} للمصاحبة المجازية، ومعناها: أنه ذو الحسنة أو ذو السيئة. وليس هذا كقوله {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} في آخر الأنعام (160). فالمعنى هنا: من يجيء يومئذ وهو من فاعلي الحسنة ومن جاء وهو من أهل السيئة، فالمجيء ناظر إلى قوله {وكل أتوه داخرين} [النمل: 87] والحسنة والسيئة هنا للجنس وهو يحمل على أكمل أفراده في المقام الخطابي، أي من تمحضت حالته للحسنات أو كانت غالب أحواله كما يقتضيه قوله {وهم من فزع يومئذ ءامنون}، وكذلك الذي كانت حالته متمحضة للسيئات أو غالبة عليه، كما اقتضاه قوله {فكبت وجوههم في النار}.
و {خير منها} اسم تفضيل اتصلت به (من) التفضيلية، أي فله جزاء خير من حسنة واحدة لقوله تعالى في الآية الأخرى {فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] أو خير منها شرفاً لأن الحسنة من فعل العبد والجزاء عليها من عطاء الله.
وقوله {وهم من فزع يومئذ ءامنون} تبيين قوله آنفاً {إلا من شاء الله} [النمل: 87]. وهؤلاء هم الذين كانوا أهل الحسنات، أي تمحضوا لها أو غلبت على سيئاتهم غلبة عظيمة بحيث كانت سيئاتهم من النوع المغفور بالحسنات أو المدحوض بالتوبة ورد المظالم. وكذلك قوله {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار}، أي غلبت سيئاتهم وغطت على حسناتهم أو تمحضوا للسيئات بأن كانوا غير مؤمنين أو كانوا من المؤمنين أهل الجرائم والشقاء. وبين أهل هاتين الحالتين أصناف كثيرة في درجات الثواب ودركات العقاب. وجماع أمرها أن الحسنة لها أثرها يومئذ عاجلاً أو بالآخارة، وأن السيئة لها أثرها السيء بمقدارها ومقدار ما معها من أمثالها وما يكافئها من الحسنات أضدادها {فلا تظلم نفس شيئاً} [الأنبياء: 47].
وقرأ الجمهور {من فزع يومئذ} بإضافة {فزع} إلى (يوم) من {يومئذ} وإضافة (يوم) إلى {إذ} ففتحة (يوم) فتحة بناء، لأنه اسم زمان أضيف إلى اسم غير متمكن ف {فزع} معرف بالإضافة إلى (يوم) و(يوم) معرف بالإضافة إلى (إذ) و(إذ) مضافة إلى جملتها المعوض عنها تنوين العوض. والتقدير: من فزع يوم إذ يأتون ربهم.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين {فزع}، و{يومئذ} منصوباً على المفعول فيه فيه متعلقاً ب {آمنون}. والمعنى واحد على القراءتين إذ المراد الفزع المذكور في قوله
{ففزع من في السماوات ومن في الأرض} [النمل: 87] فلما كان معيناً استوى تعريفه وتنكيره. فاتحدت القراءتان معنى لأن إضافة المصدر وتنكيره سواء في عدم إفادة العموم فتعين أنه فزع واحد.
والكب: جعل ظاهر الشيء إلى الأرض. وعدي الكب في هذه الآية إلى الوجوه دون بقية الجسد وإن كان الكب لجميع الجسم لأن الوجوه أول ما يقلب إلى الأرض عند الكب كقول امرئ القيس:
يكبّ على الأذقان دوح الكنهبل *** وهذا من قبيل قوله تعالى {سحروا أعين الناس} [الأعراف: 116] وقوله {ولما سقط في أيديهم} [الأعراف: 149] وقول الأعشى:
وأقدِمْ إذا ما أعين الناس تفرق
{فِى النار هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا}.
تذييل للزواجر المتقدمة، فالخطاب للمشركين الذين يسمعون القرآن على طريقة الالتفات من الغيبة بذكر الأسماء الظاهرة وهي من قبيل الغائب. وذكر ضمائرها ابتداء من قوله {إنك لا تسمع الموتى} [النمل: 80] وما بعده من الآيات إلى هنا. ومقتضى الظاهر أن يقال: هل يجزون إلا ما كانوا يعملون فكانت هذه الجملة كالتلخيص لما تقدم وهو أن الجزاء على حسب عقائدهم وأعمالهم وما العقيدة إلا عمل القلب فلذلك وجه الخطاب إليهم بالمواجهة.
ويجوز أن تكون مقولاً لقول محذوف يوجه إلى الناس يومئذ، أي لا يقال لكل فريق: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون}.
والاستفهام في معنى النفي بقرينة الاستثناء. وورود {هل} لمعنى النفي أثبته في «مغني اللبيب» استعمالاً تاسعاً قال: «أن يراد بالاستفهام بها النفي ولذلك دخلت على الخبر بعدها (إلا) نحو {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60]. والباء في قوله:
ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم *** وقال في آخر كلامه: إن من معاني الإنكار الذي يستعمل فيه الاستفهام إنكار وقوع الشيء وهو معنى النفي. وهذا تنفرد به {هل} دون الهمزة. قال الدماميني في «الحواشي الهندية» قوله: يراد بالاستفهام ب {هل النفي يشعر بأن ثمة استفهاماً لكنه مجازي لا حقيقي اه.
وأقول: هذا استعمال كثير ومنه قول لبيد:
وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر *** وقول النابغة:
وهل عليّ بأن أخشاك من عار *** حيث جاء ب (من) التي تدخل على النكرة في سياق النفي لقصد التنصيص على العموم وشواهده كثيرة. ولعل أصل ذلك أنه استفهام عن النفي لقصد التقرير بالنفي. والتقدير: هل لا تجزون إلا ما كنتم تعملون، فلما اقترن به الاستثناء غالباً والحرف الزائد في النفي في بعض المواضع حذفوا النافي وأشربوا حرف الاستفهام معنى النفي اعتماداً على القرينة فصار مفاد الكلام نفياً وانسلخت (هل) عن الاستفهام فصارت مفيدة النفي. وقد أشرنا إلى هذه الآية عند قوله تعالى {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} في الأعراف (147).
{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92)}
أتت هذه السورة على كثير من مطاعن المشركين في القرآن وفيما جاء به من أصول الإسلام من التوحيد والبعث والوعيد بأفانين من التصريح والتضمن والتعريض بأحوال المكذبين السالفين مفصلاً ذلك تفصيلاً ابتداء من قوله {تلك ءايات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين} [النمل: 1، 2] إلى هنا، فلما كان في خلال ذلك إلحافهم على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بما وعدهم أو أن يعين لهم أجل ذلك ويقولون {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [النمل: 71].
وأتت على دحض مطاعنهم وتعللاتهم وتوركهم بمختلف الأدلة قياساً وتمثيلاً، وثبت الله رسوله بضروب من التثبيت ابتداء من قوله {إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً} [النمل: 7] وقوله {فتوكل على الله إنك على الحق المبين} [النمل: 79]، وما صاحب ذلك من ذكر ما لقيه الرسل السابقون. بعد ذلك كله استؤنف الكلام استئنافاً يكون فذلكة الحساب، وختاماً للسورة وفصل الخطاب، أفسد به على المشركين ازدهاءهم بما يحسبون أنهم أفحموا الرسول صلى الله عليه وسلم بما ألقوه عليه ويطير غراب غرورهم بما نظموه من سفسطة، وجاءوا به من خلبطة، ويزيد الرسول تثبيتاً وتطميناً بأنه أرضى ربه بأداء أمانة التبليغ وذلك بأن أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول لهم {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} فهذا تلقين للرسول صلى الله عليه وسلم والجملة مقول قول محذوف دل عليه ما عطف عليه في هذه الآية مرتين وهو {فقل إنما أنا من المنذرين وقل الحمد لله} [النمل: 92، 93] فإن الأول: مفرّع عليه فهو متصل به.
والثاني: معطوف على أول الكلام.
وافتتاح الكلام بأداة الحصر لإفادة حصر إضافي باعتبار ما تضمنته محاوراتهم السابقة من طلب تعجيب الوعيد، وما تطاولوا به من إنكار الحشر.
والمعنى: ما أمرت بشيء مما تبتغون من تعيين أجل الوعيد ولا من اقتلاع إحالة البعث من نفوسكم ولا بما سوى ذلك إلا بأن أثبت على عبادة رب واحد وأن أكون مسلماً وأن أتلو القرآن عليكم، ففيه البراهين الساطعة والدلالات القاطعة فمن اهتدى فلا يمن علي اهتداءه وإنما نفع به نفسه؛ ومن ضل فما أنا بقادر على اهتدائه، ولكني منذره كما أنذرت الرسل أقوامها فلم يملكوا لهم هدياً حتى أهلك الله الضالين. وهذا في معنى قوله تعالى {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} [آل عمران: 20].
وقد أدمج في خلال هذا تنويهاً بشأن مكة وتعريضاً بهم بكفرهم بالذي أسكنهم بها وحرمها فانتفعوا بتحريمها، وأشعرهم بأنهم لا يملكون تلك البلدة فكاشفهم الله بما تكنه صدورهم من خواطر إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من مكة وذلك من جملة ما اقتضاه قوله
{وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} [النمل: 74].
فلهذه النكت أجرى على الله صلة حرم تلك البلدة، دون أن يكون الموصول للبلدة فلذا لم يقل: التي حرمها الله، لما تتضمنه الصلة من التذكير بالنعمة عليهم ومن التعريض بضلالهم إذ عبدوا أصناماً لا تملك من البلدة شيئاً ولا أكسبتها فضلاً ومزية، وهذا كقوله {فليعبدوا رب هذا البيت} [قريش: 3].
والإشارة إلى البلدة التي هم بها لأنها حاضرة لديهم بحضور ما هو باد منها للأنظار. والإشارة إلى البقاع بهذا الاعتبار فاشية قال تعالى {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة} [هود: 60] وقال {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} [العنكبوت: 31].
والعدول عن ذكر مكة باسمها العلم إلى طريقة الإشارة لما تقتضيه الإشارة من التعظيم.
وتبيين اسم الإشارة بالبلدة لأن البلدة بهاء التأنيث اسم لطائفة من الأرض معينة معروفة محوزة فيشمل مكة وما حولها إلى نهاية حدود الحرم. ومعنى {حرمها} جعلها حراماً، والحرام الممنوع، والتحريم المنع. ويعلم متعلق المنع بسياق ما يناسب الشيء الممنوع. فالمراد من تحريم البلدة تحريم أن يدخل فيها ما يضاد صلاحها وصلاح ما بها من ساكن ودابة وشجر. فيدخل في ذلك منع غزو أهلها والاعتداء عليهم وظلمهم وإخافتهم ومنع صيدها وقطع شجرها على حدود معلومة. وهذا التحريم مما أوحى الله به إلى إبراهيم عليه السلام إذ أمره بأن يبني بيتاً لتوحيده وباستجابته لدعوة إبراهيم إذ قال {رب اجعل هذا بلداً ءامناً} [البقرة: 126].
فالتحريم يكون كمالاً للمحرم ويكون نقصاً على اختلاف اعتبار سبب التحريم وصفته، فتحريم المكان والزمان مزية وتفضيل، وتحريم الفواحش والميتة والدم والخمر تحقير لها، والمحرمات للنسل والرضاع والصهر زيادة في الحرمة.
فتحريم المكان: منع ما يضرّ بالحال فيه. وتحريم الزمان، كتحريم الأشهر الحرم: منع ما فيه ضر للموجودين فيه.
وتعقيب هذا بجملة {وله كل شيء} احتراس لئلا يتوهم من إضافة ربوبيته إلى البلدة اقتصار ملكه عليها ليعلم أن تلك الإضافة لتشريف المضاف إليه لا لتعريف المضاف بتعيين مظهر ملكه.
وتكرير (أمرت) في قوله {وأمرت أن أكون من المسلمين} للإشارة إلى الاختلاف بين الأمرين فإن الأول أمر يعمله في خاصة نفسه وهو أمر إلهام إذ عصمه الله من عبادة الأصنام من قبل الرسالة. والأمر الثاني أمر يقتضي الرسالة وقد شمل دعوة الخلق إلى التوحيد. ولهذه النكتة لم يكرر (أمرت) في قوله {وأن أتلوا القرءان} لأن كلاً من الإسلام والتلاوة من شؤون الرسالة.
وفي قوله {أن أكون من المسلمين} تنويه بهذه الأمة إذ جعل الله رسوله من آحادها، وذلك نكتة عن العدول عن أن يقول: أن أكون مسلماً.
والتلاوة: قراءة كلام معين على الناس، وقد تقدم في قوله تعالى {الذين ءاتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} [البقرة: 121]، وقوله {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} في سورة البقرة (102).
وحذف متعلق التلاوة لظهوره، أي أن أتلوا القرآن على الناس. وفرع على التلاوة ما يقتضي انقسام الناس إلى مهتد وضال، أي منتفع بتلاوة القرآن عليه وغير منتفع مبيناً أن من اهتدى فإنما كان اهتداؤه لفائدة نفسه. وهذا زيادة في تحريض السامعين على الاهتداء بهدي القرآن لأن فيه نفعه كما آذنت به اللام.
وإظهار فعل القول هنا لتأكيد أن حظ النبي صلى الله عليه وسلم ن دعوة المعرضين الضالين أن يبلغهم الإنذار فلا يطمعوا أن يحمله إعراضهم على أن يلح عليهم قبول دعوته. والمراد بالمنذرين: الرسل، أي إنما أنا واحد من الرسل ما كنت بدعاً من الرسل وسنتي سنة من أرسل من الرسل قبلي وهي التبليغ {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} [النحل: 35].
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)}
كان ما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله للمعاندين مشتملاً على أن الله هداه للدين الحق من التوحيد وشرائع الإسلام وأن الله هدى به الناس بما أنزل الله عليه من القرآن المتلو، وأنه جعله في عداد الرسل المنذرين، فكان ذلك من أعظم النعم عليه في الدنيا وأبشرها بأعظم درجة في الآخرة من أجل ذلك أمر بأن يحمد الله بالكلمة التي حمد الله بها نفسه وهي كلمة {الحمد لله} الجامعة لمعان من المحامد تقدم بيانها في أول سورة الفاتحة. وقد تقدم الكلام على قوله {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} في هذه السورة (59).
ثم استأنف بالاحتراس مما يتوهمه المعاندون حين يسمعون آيات التبرؤ من معرفة الغيب، وقصر مقام الرسالة على الدعوة إلى الحق من أن يكون في ذلك نقض للوعيد بالعذاب فختم الكلام بتحقيق أن الوعيد قريب لا محالة وأن الله لا يخلف وعده فتظهر لهم دلائل صدق الله في وعده. ولذلك عبر عن الوعيد بالآيات إشارة إلى أنهم سيحل بهم ما فيه تصديق لما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم حين يوقنون أن ما كان يقول لهم هو الحق، فمعنى {فتعرفونها} تعرفون دلالتها على ما بلغكم الرسول من النذارة لأن المعرفة لما علقت بها بعنوان أنها آيات الله كان متعلق المعرفة هو ما في عنوان الآيات من معنى الدلالة والعلامة.
والسين تؤذن بأنها إراءة قريبة، فالآيات حاصلة في الدنيا مثل الدخان، وانشقاق القمر، واستئصال صناديدهم يوم بدر، ومعرفتهم إياها تحصل عقب حصولها ولو في وقت النزع والغرغرة. وقد قال أبو سفيان ليلة الفتح: لقد علمت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئاً. وقال تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت: 53]. فمن الآيات في أنفسهم إعمال سيوف المؤمنين الذين كانوا يستضعفونهم في أعناق سادتهم وكبرائهم يوم بدر. قال أبو جهل وروحه في الغلصمة يوم بدر «وهل أعمد من رجل قتله قومه» يعني نفسه وهو ما لم يكن يخطر له على بال.
وقوله {وما ربك بغافل عما تعملون} قرأه نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر ويعقوب {تعملون} بتاء الخطاب فيكون ذلك من تمام ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يقوله للمشركين. وفيه زيادة إنذار بأن أعمالهم تستوجب ما سيرونه من الآيات. والمراد: ما يعملونه في جانب تلقي دعوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقرآنه لأن نفي الغفلة عن الله مستعمل في التعريض بأنه منهم بالمرصاد لا يغادر لهم من عملهم شيئاً.
وقرأ الباقون {يعملون} بياء الغيبة فهو عطف على {قل}، والمقصود تسلية الرسول عليه السلام بعدما أمر به من القول بأن الله أحصى أعمالهم وأنه مجازيهم عنها فلا ييأس من نصر الله.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire