{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)}
افتتاحها ب {الحمد لله} مؤذن بأن صفات من عظمة الله ستذكر فيها، وإجراء صفات الأفعال على اسم الجلالة مِن خلقِهِ السماوات والأرض وأفضللِ ما فيها من الملائكة والمرسلين مؤذن بأن السورة جاءت لإِثبات التوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وإيذان {الحمد لله} باستحقاق الله إياه دون غيره تقدم في أول سورة الفاتحة.
والفاطر: فاعل الفَطْر، وهو الخلق، وفيه معنى التكون سريعاً لأنه مشتق من الفطر وهو الشق، ومنه {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن} [الشورى: 5] {إذا السماء انفطرت} [الانفطار: 1]. وعن ابن عباس «كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض (أي لعدم جريان هذا اللفظ بينهم في زمانه) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتُها. وأحسب أن وصف الله ب {فاطر السماوات والأرض} مما سبق به القرآن، وقد تقدم عند قوله تعالى {فاطر السماوات والأرض} في سورة الأنعام (14)، وقوله: {وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض} في آخر سورة يوسف (101) فضُمَّه إلى ما هنا.
وأما جاعل} فيطلق بمعنى مكوِّن، وبمعنى مُصَيِّر، وعلى الاعتبارين يختلف موقع قوله: {رسلاً} بين أن يكون مفعولاً ثانياً ل {جاعل} أي جعل الله من الملائكة، أي ليكونوا رسلاً منه تعالى لما يريد أن يفعلوه بقوتهم الذاتية، وبين أن يكون حالاً من {الملائكة}، أي يجعل من أحوالهم أن يُرسَلوا. ولصلاحية المعنيين أُوثرت مادة الجعل دون أن يعطف على معمول {فاطر}.
وتخصيص ذكر الملائكة من بين مخلوقات السماوات والأرض لشرفهم بأنهم سكان السماوات وعظيم خلقهم.
وأجري عليهم صفة أنهم رُسل لمناسبة المقصود من إثبات الرسالة، أي جاعلهم رسلاً منه إلى المرسلين من البشر للوحي بما يراد تبليغهم إياه للناس.
وقوله {أولي أجنحة} يجوز أن يكون حالاً من {الملائكة}، فتكون الأجنحة ذاتيةً لهم من مقومات خلقتهم، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في {رسلاً} فيكون خاصة بحالة مَرسوليتهم.
و {أجنحة} جمع جَناح بفتح الجيم وهو ما يكون للطائر في موضع اليد للإِنسان فيحتمل أن إثبات الأجنحة للملائكة في هذه الآية وفي بعض الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة، ويحتمل أنه استعارة للقوة التي يخترقون بها الآفاق السماوية صعوداً ونزولاً لا يعلم كنهها إلا الله تعالى.
و {مثنى} وأخواتُه كلمات دالّة على معنى التكرير لاسم العدد التي تشتق منه ابتداء من الاثنين بصيغة مَثنى ثم الثلاثة والأربعة بصيغة ثُلاث ورُباع. والأكثر أنهم لا يتجاوزون بهذه الصيغة مادة الأربعة، وقيل: يجوز إلى العشرة. والمعنى: اثنين اثنين الخ. وتقدم قوله: {أن تقوموا لله مثنى وفرادى} في سورة سبأ (46).
والكلام على أولي} تقدم.
والمعنى: أنهم ذوو أجنحة بعضها مصففة جناحين جناحين في الصف، وبعضها ثلاثةً ثلاثة، وبعضها أربعةً أربعةً، وذلك قد تتعدد صفوفه فتبلغ أعداداً كثيرة فلا ينافي هذا ما ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح».
ويجوز أن تكون أعداد الأجنحة متغيرة لكل ملك في أوقات متغيرة على حسب المسافات التي يؤمرون باختراقها من السماوات والأرضين. والأظهر أن الأجنحة للملائكة من أحوال التشكل الذي يتشكلون به. وفي رواية الزهري أن جبريل قال للنبيء صلى الله عليه وسلم «لو رأيت إسرافيل إنّ له لاَثنَيْ عشرَ ألفَ جناح وإن العرش لعلى كاهله».
واعلم أن ماهية الملائكة تتحصل فيما ذكره سعد الدين في كتاب «المقاصد» «إنهم أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة، شأنهم الخير والطاعة، والعلم، والقدرة على الأعمال الشاقة، ومسكنُهم السماوات، وقال: هذا ظاهر الكتاب والسنة وهو قول أكثر الأمة». ا ه. ومعنى الأجسام اللطيفة أنها من قبيل الجوهر لا العرض وأنها جواهر مما يسمى عند الحكماء بالمجردات.
وعندي: أن تعريف صاحب «المقاصد» لحقيقة الملائكة لا يخلو عن تخليطٍ في ترتيب التعريف لأنه خلط في التعريف بين الذاتيات والعرضيات.
والوجه عندي في ترتيب التعريف أن يقال: أجسام لطيفة نورانية أخيار ذوو قوة عظيمة، ومن خصائصهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة، والعلم بما تتوقف عليه أعمالهم، ومقرهم السماوات ما لم يرسلوا إلى جهة من الأرض.
وهذا التشكل انكماش وتقبض في ذرات نورانيتهم وإعطاء صورة من صور الجسمانيات الكثيفة لذواتهم. دل على تشكلهم قوله تعالى لهم يوم بدر {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12]، وثبت تشكل جبريل عليه السلام للنبيء صلى الله عليه وسلم في صورة دِحْية الكلبي، وتشكله له ولعمر بن الخطاب في حديث السؤال عن الإِيمان والإِسلام والإِحسان والساعة في صورة «رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفَر، ولا يَعرفه منا أحد (أي من أهل المدينة) حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه» الحديث، وقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فارقهم الرجل " هل تدرون من السائل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " كما في «الصحيحين» عن عمر بن الخطاب.
وثبت حلول جبريل في غار حراء في بدء الوحي، وظهورهُ للنبيء صلى الله عليه وسلم على كرسي بين السماء والأرض بصورته التي رآه فيها في غار حراء كما ذلك في حديث نزول سورة المدثر، ورأى كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ بدر ناساً لا يعرفونهم على خيل يقاتلون معهم.
وجملة {يزيد في الخلق ما يشاء} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما ذكر من صفات الملائكة يثير تعجب السامع أن يتساءل عن هذه الصفة العجيبة، فأجيب بهذا الاستئناف بأن مشيئة الله تعالى لا تنحصر ولا تُوقَّت.
ولكل جنس من أجناس المخلوقات مقوماته وخواصه. فالمراد بالخلق: المخلوقات كُلّها، أي يزيد الله في بعضها ما ليس في خَلققٍ آخر. فيشمل زيادة قوة بعض الملائكة على بعض، وكل زيادة في شيء بين المخلوقات من المحاسن والفضائل من حصافة عقل وجمال صورة وشجاعة وذلقة لسان ولياقة كلام. ويجوز أن تكون جملة {يزيد في الخلق ما يشاء} صفة ثانية للملائكة، أي أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في خلقهم ما يشاء كأنه قيل: مثنى وثلاث ورباع وأكثر، فما في بعض الأحاديث من كثرة أجنحة جبريل يبين معنى {يزيد في الخلق ما يشاء}. وعليه فالمراد بالخلق ما خُلق عليه الملائكة من أن لبعضهم أجنحة زائدة على من لبعض آخر.
وجملة {إن الله على كل شيء قدير} تعليل لجملة {يزيد في الخلق ما يشاء}، وفي هذا تعريض بتسفيه عقول الذين أنكروا الرسالة وقالوا: {إن أنتم إلا بشر مثلنا} [إبراهيم: 10]، فأجيبوا بقول الرسل {إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على ما يشاء من عباده} [إبراهيم: 11].
{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)}
هذا من بقية تصدير السورة ب {الحمد لله فاطر السماوات والأرض} [فاطر: 1]، وهو عطف على {فاطر السماوات والأرض} الخ. والتقدير: وفاتح الرحمة للناس وممسكها عنهم فلا يقدر أحد على إمساك ما فتحه ولا على فتح ما أمسكه.
و {ما} شرطية، أي اسم فيه معنى الشرط. وأصلها اسم موصول ضُمِّن معنى الشرط. فانقلبت صلته إلى جملة شرطية وانقلبت جملة الخبر جواباً واقترنت بالفاء لذلك، فأصل {ما} الشرطية هو الموصولة. ومحل {ما} الابتداء وجواب الشرط أغنى عن الخبر.
و {من رحمة} بيان لإِبهام {ما} والرابط محذوف لأنه ضمير منصوب.
والفتح: تمثيلية لإِعطاء الرحمة إذ هي من النفائس التي تشبه المدخرات المتنافس فيها فكانت حالة إعطاء الله الرحمة شبيهة بحالة فتح الخزائن للعطاء، فأشير إلى هذا التمثيل بفعل الفتح، وبيانُه بقوله: {من رحمة} قرينة الاستعارة التمثيلية.
والإِمساك حقيقته: أخذ الشيء باليد مع الشدّ عليه بها لئلا يسقط أو ينفلت، وهو يتعدّى بنفسه، أو هو هنا مجاز عن الحبس والمنع ولذلك قوبل به الفتح.
وأما قولهم: أمسك بكذا، فالباء إمّا لتوكيد لصوق المفعول بفعله كقوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10]، وإمّا لتضمينه معنى الاعتصام كقوله تعالى: {فقد استمسك بالعروة الوثقى} [لقمان: 22].
وقد أوهم في «القاموس» و«اللسان» و«التاج» أنه لا يتعدى بنفسه.
فقوله هنا: {وما يمسك} حذف مفعوله لدلالة قوله: {ما يفتح الله للناس من رحمة} عليه. والتقدير: وما يمسكه من رحمة، ولم يُذكر له بيان استغناءً ببيانه من فعل.
والإِرسال: ضد الإِمساك، وتعدية الإِرسال باللام للتقوية لأن العامل هنا فرع في العمل.
و {من بعده} بمعنى: من دونه كقوله تعالى: {فمن يهديه من بعد الله} [الجاثية: 23] {فبأي حديث بعد الله} [الجاثية: 6]، أي فلا مرسل له دون الله، أي لا يقدر أحد على إبطال ما أراد الله من إعطاء أو منع والله يحكم لا معقب لحكمه. وتذكير الضمير في قوله: {فلا مرسل له} مراعاة للفظ {ما} لأنها لا بيان لها، وتأنيثه في قوله: {فلا ممسك لها} لِمراعاة بيان {ما} في قوله: {من رحمة} لقربه.
وعطف {وهو العزيز الحكيم} تذييل رجّح فيه جانب الإِخبار فعطف، وكان مقتضى الظاهر أن يكون مفصولاً لإِفادة أنه يفتح ويمسك لحكمة يعلمها، وأنه لا يستطيع أحد نقضَ ما أبْرَمَه في فتح الرحمة وغيره من تصرفاته لأن الله عزيز لا يمكن لغيره أن يغلبه، فأنّ نقض ما أبرم ضرب من الهوان والمذلّة. ولذلك كان من شعار صاحب السؤدد أنه يبرم وينقض قال الأعشى:
علقمَ ما أنت إلى عامر *** الناقِض الأوتار والواتر
وضمير {لها} وضمير {له} عائدان إلى {ما} من قوله: {ما يفتح الله للناس من رحمة}، روعي في تأنيث أحد الضميرين معنى {ما} فإنه اسم صادق على {رحمة} وقد بُيّن بها، وروعي في تذكير الضمير الآخر لفظ {ما} لأنه لفظ لا علامة تأنيث فيه. وهما اعتباران كثيران في مثله في فصيح الكلام، فالمتكلم بالخيار بين أيّ الاعتبارين شاء. والجمع بينهما في هذه الآية تفنن. وأوثر بالتأنيث ضمير {ما} لأنها مبيّنة بلفظ مؤنث وهو {من رحمة}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)}
{العزيز الحكيم * ياأيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السمآء والارض لاَ إله إِلاَّ}.
لما جرى ذكر رحمة الله التي تعم الناس كلهم أقبل على خطابهم بأن يتذكروا نعمة الله عليهم الخاصة وهي النعمة التي تخص كل واحد بخاصته فيأتلف منها مجموع الرحمة العامة للناس كلهم وما هي إلا بعض رحمة الله بمخلوقاته.
والمقصود من تذكر النعمة شكرها وقدرها قدرها. ومن أكبر تلك النعم نعمة الرسالة المحمدية التي هي وسيلة فوز الناس الذين يتبعونها بالنعيم الأبدي. فالمراد بالذكر هنا التذكر بالقلب وباللسان فهو من عموم المشترك أو من إرادة القدر المشترك فإن الذكر باللسان والذكر بالقلب يستلزم أحدُهما الآخرَ وإلا لكان الأول هذياناً والثاني كتماناً. قال عمر بن الخطاب: «أفضل من ذكر الله باللسان ذكرُ الله عند أمره ونهيه»، أي وفي كليهما فضل.
ووصفت النعمة ب {عليكم} لأن المقصود من التذكر التذكر الذي يترتب عليه الشكر، وليس المراد مطلق التذكر بمعنى الاعتبار والنظر في بديع فضل الله، فذلك له مقام آخر، على أن قوله: {هل من خالق غير الله يرزقكم} قد تضمن الدعوة إلى النظر في دليل الوحدانية والقدرة والفضل.
والاستفهام إنكاري في معنى النفي ولذلك اقتَرَن ما بعده ب {مِنْ} التي تُزاد لتأكيد النفي، واختير الاستفهام ب {هل} دون الهمزة لِما في أصل معنى {هل} من الدلالة على التحقيق والتصديق لأنها في الأصْل بمعنى (قد) وتفيد تأكيد النفي.
والاهتمام بهذا الاستثناء قُدّم في الذكر قبل ما هو في قوة المستثنى منه. وجعل صفة ل {خالق} لأن {غير} صالحة للاعتبارين ولذلك جرت القراءات المشهورة على اعتبار {غير} هنا وصفاً ل {خالق}، فجمهور القراء قرأوه برفع {غير} على اعتبار محلِّ {خالق} المجرور ب {من} لأن محله رفع بالابتداء. وإنما لم يظهر الرفع للاشتغال بحركة حرف الجر الزائد. وقرأه حمزة والكسائي وأبو جعفر وخَلف بالجر على إِتْباع اللفظ دون المحل. وهما استعمالان فصيحان في مثله اهتم بالتنبيه عليهما سيبويه في «كتابه».
وجملة {يرزقكم} يجوز أن تكون وصفاً ثانياً ل {خالق}. ويجوز أن تكون استئنافاً بيانياً.
وجُعل النفي متوجهاً إلى القيد وهو جملة الصفة كما هي سُنّته في الكلام المقيّد لأن المقصود التذكير بنعم الله تعالى ليشكروا، ويكون ذلك كناية عن الاستدلال على انتفاء وصف الخالقية عن غيره تعالى لأنه لو كان غيره خالقاً لكان رازقاً إذ الخلق بدون رزق قصور في الخالقية لأن المخلوق بدون رزق لا يلبث أن يصير إلى الهلاك والعدم فيكون خلقه عبثاً ينزه عنه الموصوف بالإِلهية المقتضية للحكمة فكانت الآية مذكرة بنعمتي الإِيجاد والإِمداد.
وزيادة {من السماء والأرض} تذكير بتعدد مصادر الأرزاق؛ فإن منها سماوية كالمطر الذي منه شراب، ومنه طُهور، وسبب نبات أشجار وكَلأٍ، وكالمَنّ الذي ينزل على شجر خاص من أندية في الجوّ، وكالضياء من الشمس، والاهتداء بالنجوم في الليل، وكذلك أنواع الطير الذي يُصَاد، كلّ ذلك من السماء.
ومن الأرض أرزاق كثيرة من حبوب وثمار وزيوت وفواكه ومعادن وكلأٍ وكمأة وأسماك البِحار والأنهار.
وفي هذا القيد فائدة أخرى وهي دفع توهم الغفّل أن أرزاقاً تأتيهم من غير الله من أنواع العطايا التي يعطيها بعضهم بعضاً، والمعاوضات التي يعاوضها بعضهم مع بعض فإنها لكثرة تداولها بينهم قد يلهيهم الشغل بها عن التدبر في أصول منابعها فإن أصول موادها من صنع الله تعالى فآل ما يُعطاه الناس منها إلى أنه من الله على نحو ما عرض للذي حاجَّ إبراهيم في ربه إذ قال له إبراهيم: {ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت} [البقرة: 258] فهذا رجل محكوم بقتله ها أنا ذا أعفو عنه فقد أحييتُه، وهذا رجل حيّ ها أنا ذا آمر به فيقتل فأنا أميت. فانتقل إبراهيم إلى أن قال له: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} [البقرة: 258].
{السمآء والارض لاَ إله إِلاَّ هُوَ}.
هذا نتيجة عقب ذكر الدليل إذ رتّب على انفراده بالخالقية والرازقية انفراده بالإِلهية لأن هذين الوصفين هما أظهر دلائل الإِلهية عند الناس فجملة {لا إله إلا هو} مستأنفة. وفرع عليه التعجيب من انصرافهم عن النظر في دلائل الوحدانية بجملة {فأنى تؤفكون}.
و {أنَّى} اسم استفهام يجيء بمعنى استفهام عن الحالة أو عن المكان أو عن الزمان. والاستفهام عن حالة انصرافهم هو المتعين هنا وهو استفهام مستعمل في التعجيب من انصرافهم عن الاعتراف بالوحدانية تبعاً لمن يصرفهم وهم أولياؤهم وكبراؤهم.
و {تؤفكون} مبنيّ للمجهول من أَفَكَه من باب ضربه، إذا صرفه وعدل به، فالمصروف مأفوك. وحذف الفاعل هنا لأن آفكيهم أصناف كثيرون، وتقدم في قوله تعالى: {قاتلهم الله أنى يؤفكون} في سورة براءة (30).
{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4)}
عطف على جملة {اذكروا نعمت الله عليكم} [فاطر: 3] أي وإن استمرّوا على انصرافهم عن قبول دعوتك ولم يشكروا النعمة ببعثك فلا عجب فقد كذب أقوام من قبلهم رسلاً من قبل. وهو انتقال من خطاب الناس إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لمناسبة جريان خطاب الناس على لسانه فهو مشاهد لخطابهم، فلا جرم أن يوجه إليه الخطاب بعد توجيهه إليهم إذ المقام واحد كقوله تعالى: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك} [يوسف: 29].
وإذ قد أبان لهم الحجة على انفراد الله تعالى بالإِلهية حين خاطبهم بذلك نُقِلَ الإِخبار عن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أنكروا قبوله منه فإنه لما استبان صدقه في ذلك بالحجة ناسب أن يُعرَّض إلى الذين كذبوه بمثل عاقبة الذين كذبوا الرسل من قبله وقد أدمج في خلال ذلك تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على تكذيب قومه إياه بأنه لم يكن مقامه في ذلك دون مقام الرسل السابقين.
وجيء في هذا الشرط بحرف {إِنْ} الذي أصله أن يعلق به شرط غير مقطوع بوقوعه تنزيلاً لهم بعد ما قدمت إليهم الحجة على وحدانية الله المصدقة لما جاءهم به الرسول عليه الصلاة والسلام فكذبوه فيه، منزلة من أيقن بصدق الرسول فلا يكون فرض استمرارهم على تكذيبه إلا كما يفرض المحال.
وهذا وجه إيثار الشرط هنا بالفعل المضارع الذي في حيّز الشرط يتمخض للاستقبال، أي إن حدث منهم تكذيب بعد ما قرع أسماعهم من البراهين الدامغة.
والمذكور جواباً للشرط إنما هو سبب لجواب محذوف إذ التقدير: وإن يكذبوك فلا يحزنك تكذيبهم إذ قد كذبت رسل من قبلك فاستُغني بالسبب عن المسبب لدلالته عليه.
وإنما لم يعرّف {رسل} وجيء به منكّراً لما في التنكير من الدلالة على تعظيم أولئك الرسل زيادة على جانب صفة الرسالة من جانب كثرتهم وتنوع آيات صدقهم ومع ذلك كذبهم أقوامهم.
وعطف على هذه التسلية والتعريض ما هو كالتأكيد لهما والتذكير بعاقبة مضمونها بأن أمر المكذبين قد آل إلى لقائهم جزاء تكذيبهم من لدن الذي ترجع إليه الأمور كلها، فكان أمر أولئك المكذبين وأمر أولئك الرسل في جملة عموم الأمور التي أرجعت إلى الله تعالى إذ لا تخرج أمورهم من نطاق عموم الأمور.
وقد اكتسبت هذه الجملة معنى التذييل بما فيها من العموم.
و {الأمور} جمع أمر وهو الشأن والحال، أي إلى الله ترجع الأحوال كلها يتصرف فيها كيف يشاء، فتكون الآية تهديداً للمكذبين وإنذاراً.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)}
أعيد خطاب الناس إعذاراً لهم وإنذاراً بتحقيق أن وعد الله الذي وعده من عقابه المكذبين في يوم البعث هو وعد واقع لا يتخلف وذلك بعد أن قدّم لهم التذكير بدلائل الوحدانية المشتملة عليْها، مع الدلالة على نعم الله عليهم ليعلموا أنه لا يستحق العبادة غيره وأنه لا يتصف بالإِلهية الحق غيره.
وبعد أن أشار إليهم بأن ما أنتجته تلك الدلائل هو ما أنبأهم به الرسول صلى الله عليه وسلم فيعلمون صدقه فيما أنبأهم من توحيد الله وهو أكبر ما قرع آذانهم وأحرج شيء لنفوسهم، فإذا تأيّد بالدليل البرهاني تمهّد السبيل لتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم به من وعد الله وهو يوم البعث لأنه لما تبين صدقه في الأولى يعلم صدقه في الثانية بحكم قياس المساواة.
والخطاب للمشركين، أوْ لَهم وللمؤمنين لأن ما تلاه صالح لموعظة الفريقين كل على حسب حاله.
وتأكيد الخبر ب {إنَّ} إمّا لأن الخطاب للمنكرين، وإمّا لتغليب فريق المنكرين على المؤمنين لأنهم أحوج إلى تقوية الموعظة.
والوعد مصدر، وهو الإِخبار عن فعل المخبِر شيئاً في المستقبل، والأكثر أن يكون فيما عدا الشر، ويُخص الشر منه باسم الوعيد، يعمهما وهو هنا مستعمل في القدر المشترك. وقد تقدم عند قوله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر} الآية في سورة البقرة (268).
وإضافته إلى الاسم الأعظم توطئة لكونه حقّاً لأن الله لا يأتي منه الباطل.
والحق هنا مقابل الكذب. والمعنى: أن وعد الله صادق. ووصفه بالمصدر مبالغة في حقيته.
والمراد به: الوعد بحلول يوم جزاء بعد انقضاء هذه الحياة كما دل عليه تفريع فلا تغرنكم الحياة الدنيا} الآية.
والغُرور بضم الغين ويقال التغرير: إيهام النفع والصلاح فيما هو ضرّ وفساد. وتقدم عند قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا} في سورة آل عمران (196) وعند قوله: {زخرف القول غروراً} في سورة الأنعام (112).
والمراد بالحياة: ما تشتمل عليه أحوال الحياة الدنيا من لهو وترف، وانتهائها بالموت والعدم مما يسول للناس أن ليس بعد هذه الحياةِ أخرى.
وإسناد التغرير إلى الحياة ولو مع تقدير المضاف إسناد مجازي لأن الغَارَّ للمرء هو نفسه المنخدعة بأحوال الحياة الدنيا فهو من إسناد الفعل إلى سببه والباعث عليه.
والنهي في الظاهر موجه إلى الناس والمنهي عنه من أحوال الحياة الدنيا، وليست الحياة الدنيا من فعل الناس، فتعين أن المقصود النهي عن لازم ذلك الإِسناد وهو الاغترار لمظاهر الحياة. ونظيره كثير في كلام العرب كقولهم: لا أعرفنَّك تفعل كذا، ولا أرَيَنَّك ههنا، {ولا يجرمنكم شنآن قوم} [المائدة: 2]، وتقدم نظيره في قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} آخر آل عمران (196).
وكذلك القول في قوله تعالى: ولا يغرنكم بالله الغرور}.
والغرور بفتح الغين: هو الشديد التغرير. والمراد به الشيطان، قال تعالى: {فدلاهما بغرور} [الأعراف: 22]. وهو يغير الناس بتزيين القبائح لهم تمويهاً بما يلوح عليها من محاسن تلائم نفوس الناس.
والباء في قول {بالله} للملابسة وهي داخلة على مضاف مقدر أي، بشأن الله، أي يتطرق إلى نقض هدى الله فإن فعل غرّ يتعدّى إلى مفعول واحد فإذا أريد تعديته إلى بعض متعلقاته عُدّي إليه بواسطة حرف الجرّ، فقد يعدّى بالباء وهي باء الملابسة كقوله تعالى: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} [الانفطار: 6] وقوله في سورة الحديد (14): {وغركم بالله الغرور} وذلك إذا أريد بيان من الغرور ملابس له على تقدير مضاف، أي بحال من أحواله. وتلك ملابسة الفعل للمفعول في الكلام على الإِيجاز. وليست هذه الباء باء السببية.
وقد تضمنت الآية غرورين: غروراً يغتَرّه المرء من تلقاء نفسه ويزيّن لنفسه من المظاهر الفاتنة التي تلوح له في هذه الدنيا ما يتوهمه خيراً ولا ينظر في عواقبه بحيث تخفى مضارّه في بادئ الرأي ولا يظنّ أنه من الشيطان.
وغروراً يتلقاه ممن يغرّه وهو الشيطان، وكذلك الغرور كله في هذا العالم بعضه يمليه المرء على نفسه وبعضه يتلقاه من شياطين الإِنس والجن، فتُرِك تفصيل الغرور الأول الآن اعتناء بالأصل والأهم، فإن كل غرور يرجع إلى غرور الشيطان. وسيأتي تفصيله عند قوله تعالى: {من كان يريد العزة فللّه العزة جميعاً} [فاطر: 10].
{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)}
لما كان في قوله: {ولا يغرنكم بالله الغرور} [فاطر: 5] إبهام مّا في المراد بالغَرور عُقب ذلك ببيانه بأن الغَرور هو الشيطان ليتقررَ المسند إليه بالبيان بعد الإِبهام. فجملة {إن الشيطان لكم عدو} تتنزل من جملة {ولا يغرنكم بالله الغرور منزلة البيان من المبيَّن فلذلك فصلت ولم تعطف، وهذا من دلالة ترتيب الكلام على إرادة المتكلم إذ يعلم السامع من وقوع وصف الشيطان عقب وصف الغَرور أن الغرور هو الشيطان.
وأُظهر اسم الشيطان في مقام الإِضمار للإِفصاح عن المراد بالغَرور أنه الشيطان وإثارةُ العداوة بين الناس والشيطان معنى من معاني القرآن تصريحاً وتضمّناً، وهو هنا صريح كما في قوله تعالى: {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو} [البقرة: 36].
وتلك عداوة مودَعة في جبلَّتِه كعداوة الكلب للهرّ لأن جبلة الشيطان موكولة بإيقاع الناس في الفساد وأسوأ العواقب في قوالب محسَّنة مزينة، وشواهد ذلك تظهر للإِنسان في نفسه وفي الحوادث حيثما عثر عليها وقد قال تعالى: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} [الأعراف: 27].
وتأكيد الخبر بحرف التأكيد لقصد تحقيقه لأنهم بغفلتهم عن عداوة الشيطان كحال من ينكر أن الشيطان عدوّ.
وتقديم {لكم} على متعلَّقة للاهتمام بهذا المتعلّق فرع عنه أن أمروا باتخاذه عدوّاً لأنهم إذا علموا أنه عدوّ لهم حقّ عليهم اتخاذه عدوّاً وإلا لكانوا في حماقة. وفيه تنبيه على وجوب عداوتهم الدعاة في الضلالة المستمدين من الشيطان.
والكلام على لفظ عدوّ تقدم عند قوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم} في سورة النساء (92).
واللام في لكم} لام الاختصاص وهي التي تتضمنها الإِضافة فلما قدم ما حقه أن يكون مضافاً إليه صرح باللام ليحصل معنى الإِضافة.
وإنما أمر الله باتخاذ العدوّ عدواً ولم يندب إلى العفو عنه والإِغضاء عن عداوته كما أمر في قوله: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40] ونحو ذلك مما تكرر في القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم لأن ما ندب إليه من العفو إنما هو فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض رجاء صلاح حال العدوّ لأن عداوة المسلم عارضة لأغراض يمكن زوالها ولها حدود لا يخشى معها المضار الفادحة كما قال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34] ولذلك لم يأمر الله تعالى بمثل ذلك مع أعداء الدين فقال: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1] الآية، بل لم يأمر الله تعالى بالعفو عن المحاربين من أهل الملّة لأن مناوأتهم غير عارضة بل هي لغرض ابتزاز الأموال ونحو ذلك فقال: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] فعداوة الشيطان لما كانت جبلّية لا يرجى زوالها مع من يعفو عنه لم يأمر الله إلا باتخاذه عدوّاً لأنه إذا لم يتخذ عدوّاً لم يراقب المسلم مكائده ومخادعته.
ومن لوازم اتخاذه عدوّاً العملُ بخلاف ما يدعو إليه لتجنب مكائده ولمقته بالعمل الصالح.
فالإِيقاع بالناس في الضرّ لا يسلم منه أولياؤه ولا أعداؤه ولكن أولياءه يضمِر لهم العداوة ويأنس بهم لأنه يقضي بهم وَطَره وأما أعداؤه فهو مع عداوته لهم يشمئزُّ وينفر ويغتاظ من مقاومتهم وساوِسَه إلى أن يبلغ حدّ الفرار من عظماء الأمة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: {إيه يا بنَ الخطاب ما رآك الشيطان سالكاً فَجًّا إلا سلك فجَّاً غير فَجِّك} وورد في «الصحيح» " إذا أقيمت الصلاة أدبر الشيطان " الحديث. وورد " أنه ما رِيءَ الشيطانُ أخسأ وأحقر منه في يوم عرفة لما يرى من الرحمة ".
وأعقب الأمر باتخاذ الشيطان عدوّاً بتحذير من قبُول دعوته وحثَ على وجوب اليقظة لتغريره وتجنب توليه بأنه يسعى في ضرّ أوليائه وحزبه فيدعوهم إلى ما يوقعهم في السعير. وهذا يؤكد الأمرَ باتخاذه عدوّاً لأن أشدّ الناس تضرراً به هم حزبه وأولياؤه.
وجملة {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} تعليل لجملة {فاتخذوه عدواً}. وجيء بها في صيغة حصر لانحصار دعوته في الغاية المذكورة عقبها بلام العلة كيلا يتوهم أن دعوته تخلو عن تلك الغاية ولو في وقت مّا. وبهذا العموم الذي يقتضيه الحصر صارت الجملة أيضاً في معنى التذييل لما قبلها كله.
ومقتضى وقوع فعل {يدعو} في حيّز القصر أن مفعوله وهو قوله: {حزبه} هو المقصود من القصر، أي أنه يدعو حزبه ولا يدعو غير حزبه، والشيطان يدعو الناس كلّهم سواء في ذلك حزبه ومن لم يركن إلى دعوته إلا أن أثر دعوته لا يظهر إلا في الذين يركنون له فيصيرون حزبه قال تعالى له: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42]. وحكى الله عن الشيطان بقوله: {لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} [الحجر: 39، 40] فتعين أن في الكلام إيجاز حذف. والتقدير: إنما يدعو حزبه دعوة بالغة مقصده. والقرينة هي ما تقدم من التحذير ولو كان لا يدعو إلا حزبه لما كان لتحذير غيرهم فائدة.
واللام في قوله: {ليكونوا من أصحاب السعير} يجوز أن تكون لام العلة فإن الشيطان قد يكون ساعياً لغاية إيقاع الآدميين في العذاب نكاية بهم، وهي علة للدعوة مخفية في خاطره الشيطاني وإن كان لا يجهر بها لأن إخفاءها من جملة كيده وتزيينه، ويجوز أن تكون اللام لام العاقبة والصيرورة مثل {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} [القصص: 8] قال ابن عطية: لأنه لم يدْعُهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك.
و {السعير}: النار الشديدة، وغلب في لسان الشرع على جنهم.
{الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7)}
استئناف ابتدائي يفيد مفاد الفذلكة والاستنتاج مما تقدم. وهذا الاستئناف يومئ إلى أن الذين كفروا هم حزب الشيطان لأنه لما ذكر أن حزبه من أصحاب السعير وحكم هنا بأن الذين كفروا لهم عذاب شديد علم أن الذين كفروا من أصحاب السعير إذ هو العذاب الشديد فعلم أنهم حزب الشيطان بطريقة قياس مطويّ، فالذين كفروا هم حزب الشيطان لعكوفهم على متابعته وإن لم يُعلنوا ذلك لاقتناعه منهم بملازمة ما يمليه عليهم.
وأما المؤمنون العصاة فليسوا من حزبه لأنهم يعلمون كيده ولكنهم يتبعون بعض وسوسته بدافع الشهوات وهم مع ذلك يلعنونه ويتبرأون منه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع «إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي منكم بما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم».
وذكر {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} تتميم بأن الذين لم يكونوا من حزبه قد فازوا بالخيرات.
وقد أشارت الآية إلى طرفين في الضلال والاهتداء وطوت ما بين ذينك من المراتب ليُعلم أن ما بين ذلك ينالهم نصيبهم من أشبه أحوالهم بأحوال أحد الفريقين على عادة القرآن في وضع المسلم بين الخوف والرجاء، والأمل والرهبة.
{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)}
لما جرى تحذير الناس من غرور الشيطان وإيقاظهم إلى عداوته للنوع الإِنساني، وتقسيم الناس إلى فريقين: فريق انطلت عليه مكائد الشيطان واغتروا بغروره ولم يناصبوه العداء، وفريق أخذوا حذرهم منه واحترسوا من كيده وتجنبوا السير في مسالكه، ثم تقسيمُهم إلى كافر معذب ومؤمن صالح مُنعم عليه، أعقب ذلك بالإِيماء إلى استحقاق حزب الشيطان عذاب السعير، وبتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على من لم يَخلُصوا من حبائل الشيطان من أمة دعوته بأسلوب الملاطفة في التسلية ففُرع على جميع ما تقدم قولُه: {أفمن زين له سوء عمله فراءه حسناً} إلى قوله: {بما يصنعون} فابتداؤه بفاء التفريع ربط له بما تقدم ليعود الذهن إلى ما حكي من أحوالهم، فالتفريع على قوله: {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6]، ثم بإبراز الكلام المفرّع في صورة الاستفهام الإِنكاري، واجتلاب الموصول الذي تومئ صلته إلى علة الخَبَر المقصود، فأشير إلى أن وقوعه في هذه الحالة ناشئ من تزيين الشيطان له سوء عمله، فالمزيِّن للأعمال السيئة هو الشيطان قال تعالى: {وزين لهم الشيطان أعمالهم} [النمل: 24] فرأوا أعمالهم السيئة حسنة فعكفوا عليها ولم يقبلوا فيها نصيحة ناصح، ولا رسالة مرسَل.
و {مَنْ} موصولة صادقة على جمع من الناس كما دل عليه قوله في آخر الكلام {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} بل ودل عليه تفريع هذا على قوله {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] و{مَن} في موضع رفع الابتداء والخبر عنه محذوف إيجازاً لدلالة ما قبله عليه وهو قوله: {الذين كفروا لهم عذاب شديد} [فاطر: 7] عَقِب قوله: {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. فتقديره بالنسبة لما استحقه حزب الشيطان من العذاب: أفأنت تَهدي من زيّن له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
وتقديره بالنسبة إلى تسلية النبي: لا يحزنك مصيره فإن الله مطلع عليه.
وفرع عليه: فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء}. وفرع على هذا قوله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي فلا تفعل ذلك، أي لا ينبغي لك ذلك فإنهم أوقعوا أنفسهم في تلك الحالة بتزيين الشيطان لهم ورؤيتهم ذلك حسناً وهو من فعل أنفسهم فلماذا تتحسر عليهم.
وهذا الخبر مما دلت عليه المقابلة في قوله: {الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير} [فاطر: 7] فقد دل ذلك على أن الكفر سوء وأن الإِيمان حسن، فيكون «من زين له سوء عمله» هو الكافر، ويكون ضده هو المؤمن، ونظير هذا التركيب قوله تعالى: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} في سورة الزمر (19)، وتقدم عند قوله تعالى:
{أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} في سورة الرعد (33).
والتزيين: تحسين ما ليس بحسن بعضه أو كله. وقد صرح هنا بضده في قوله: سوء عمله}، أي صورت لهم أعمالهم السيِئة بصورة حسنة ليُقْدِموا عليها بشرَه وتقدم في أوائل سورة النمل.
وجملة {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} مفرّعة، وهي تقرير للتسلية وتأييس من اهتداء من لم يخلق الله فيه أسباب الاهتداء إلى الحق من صحيح النظر وإنصاف المجادلة.
وإسناد الإِضلال والهداية إلى الله إسناد بواسطة أنه خالق أسباب الضلال والاهتداء، وذلك من تصرفه تعالى بالخلق وهو سر من الحكمة عظيم لا يدرك غوره وله أصول وضوابط سأبينها في «رسالة القضاء والقدر» إن شاء الله تعالى.
وجملة {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} مفرعة على المفرع على جملة {أفمن زين له سوء عمله} الخ فتؤول إلى التفريع على الجملتين فيؤول إلى أن يكون النظم هكذا: أفتتحسر على من زُيّن لهم سوء أعمالهم فرأوها حسناتتٍ واختاروا لأنفسهم طريق الضلال فإن الله أضلهم باختيارهم وهو قد تصرف بمشيئته فهو أضلهم وهدى غيرهم بمشيئته وإرادته التي شاء بها إيجاد الموجودات لا بأمره ورضاه الذي دعا به الناس إلى الرشاد، فلا تذهبْ نفسك عليهم حسرات وإنما حسرتهم على أنفسهم إذ رضوا لها باتباع الشيطان ونبذوا اتباع إرشاد الله كما دلّ على ذلك قوله: {إن الله عليم بما يصنعون} تسجيلاً عليهم أنهم ورطوا أنفسهم فيما أوقعوها فيه بصنعهم.
فالله أرشدهم بإرسال رسوله ليهديهم إلى ما يرضيه، والله أضلهم بتكوين نفوسهم نافرة عن الهدى تكويناً متسلسلاً من كائنات جمّة لا يحيط بها إلا علمه وكلها من مظاهر حكمته ولو شاء لجعل سلاسل الكائنات على غير هذا النظام فلهَدَى الناس جميعاً، وكلّهم ميسّر بتيْسيره إلى ما يعلم منهم فعدل عن النظم المألوف إلى هذا النظم العجيب. وصيغ بالاستفهام الإِنكاري والنهي التثبيتي، ونظير هذه الآية في هذا الأسلوب قوله تعالى: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} في سورة الزمر (19)، فإن أصل نظمها: أفمن حق عليه كلمة العذاب أنت تنقذه من النار، أفأنت تنقذ الذين في النار. إلا أن هذه الآية زادت بالاعتراض وكان المفرع الأخير فيها نهياً والأخرى عَريت عن الاعتراض وكان المفرع الأخير فيها استفهاماً إنكارياً.
والنهي موجه إلى نفس الرسول أن تذهب حسرات على الضالّين ولم يوجه إليه بأن يقال: فلا تذهب عليهم حسرات، والرسول ونفسه متحدان فتوجيه النهي إلى نفسه دون أن يقال فلا تذهب عليهم حسرات للإِشارة إلى أن الذهاب مستعار إلى التلف والانعدام كما يقال: طارت نفسه شعاعاً، ومثله في كلامهم كثير كقول الأعرابي من شعراء الحماسة:
أقول للنفس تأْساءٍ وتعْزية *** إحدى يديّ أصابتْني ولم تُرِد
لتحصل فائدة توزيع النهي والخطاب على شيئين في ظاهر الأمر فهو تكرير الخطاب والنهي لكليهما.
وهي طريقة التجريد المعدود في المحسنات، وفائدة التكرير الموجب تقرير الجملة في النفس. وقد تقدم قريب من هذا عند قوله تعالى: {وما يخادعون إلا أنفسهم} في سورة البقرة (9).
والحسرة تقدمت في قوله تعالى: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} من سورة مريم (39).
وانتصب حسرات} على المفعول لأجله، أي لا تَتْلِفْ نفسك لأجل الحسرة عليهم، وهو كقوله: {لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3]، وقوله: {وابيضت عيناه من الحزن} [يوسف: 84] أي من حُزن نفسه لا من حزن العينين.
وجُمعت الحسرات مع أن اسم الجنس صالح للدلالة على تكرار الأفراد قصداً للتنبيه على إرادة أفراد كثيرة من جنس الحسرة لأن تلف النفس يكون عند تعاقب الحسرات الواحدة تلوَ الأخرى لدوام المتحسّر منه فكل تحسر يترك حزازة وكمداً في النفس حتى يبلغ إلى الحد الذي لا تطيقه النفس فينفطر له القلب فإنه قد علم في الطب أن الموت من شدة الألم كالضرب المبرح وقطع الأعضاء سببه اختلال حركة القلب من توارد الآلام عليه.
وقرأ الجمهور {فلا تذهب نفسك} بفتح الفوقية والهاء ورفع {نفسك} على أنه نهي لنفسه وهو كناية ظاهرة عن نهيه. وقرأه أبو جعفر بضم الفوقية وكسر الهاء ونصب {نفسَك} على أنه نهي الرسول أن يذهب نفسَه.
وقد اشتملت هذه الآية على فاآت أربع كلها للسببية والتفريع وهي التي بلغ بها نظم الآية إلى هذا الإِيجاز البالغ حد الإِعجاز وفي اجتماعها محسن جمع النظائر.
وجملة {إن الله عليم بما يصنعون} تصلح لإفادة التصبر والتحلم، أي أن الله عليم بصنعهم في المخالفة عن أمره فكما أنه لحلمه لم يعجل بمؤاخذتهم فكن أنت مؤتسياً بالله ومتخلقاً بما تستطيعه من صفاته وفي ضمن هذا كناية عن عدم إفلاتهم من العذاب على سوء عملهم، وليس في هذه الجملة معنى التعليل لِجملة {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} لأن كَمَد نفس الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لأجل تأخير عقابهم ولكن لأجل عدم اهتدائهم.
وتأكيد الخبر ب {إنَّ} إما تمثيل لحال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال من أغفله التحسر عليهم عن التأمل في إمهال الله إياهم فأكد له الخبر ب {إن الله عليم بما يصنعون}، وإمّا لجعل التأكيد لمجرد الاهتمام بالخبر لتكون {إنّ} مغنية غناء فاء التفريع فتتمخض الجملة لتقرير التسلية والتعريض بالجزاء عن ذلك.
وعبر ب {يصنعون} دون: يعملون، للإِشارة إلى أنهم يدبرون مكائد للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين فيكون هذا الكلام إيذاناً بوجود باعث آخر على النزع عن الحسرة عليهم. وعن ابن عباس: أن المراد به أبو جهل وحزبه.
{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9)}
لما قدم في أول السورة الاستدلال بأن الله فطر السماوات والأرض وما في السماوات من أهلها وذلك أعظم دليل على تفرده بالإِلهية ثنّي هنا بالاستدلال بتصريف الأحوال بين السماء والأرض وذلك بإرسال الرياح وتكوين السحاب وإنزال المطر، فهذا عطف على قوله: {فاطر السماوات والأرض} [فاطر: 1].
وإظهار اسم الجلالة في مقام الإِضمار دون أن يقول وهو الذي أرسل الرياح فيعود الضمير إلى اسم الله من قوله: {إن الله عليم بما يصنعون} [فاطر: 8].
واختير من دلائل الوحدانية دلالة تجمع أسباب المطر ليفضي من ذلك إلى تنظير إحياء الأموات بعد أحوال الفناء بآثار ذلك الصنع العجيب وأن الذي خلق وسائل إحياء الأرض قادر على خلق وسائل إحياء الذين ضمنتهم الأرض على سبيل الإِدماج.
وإذ قد كان القصد من الاستدلال هو وقوع الإِحياء وتقرر وقوعه جيء بفعل الماضي في قوله: {أرسل}. وأما تغييره إلى المضارع في قوله: {فتثير سحاباً} فلحكاية الحال العجيبة التي تقع فيها إثارة الرياح السحابَ وهي طريقة للبلغاء في الفعل الذي فيه خصوصية بحال تستغرب وتهم السامع. وهو نظير قول تأبط شرًّا:
بأني قد لَقيت الغول تهوي *** بسَهب كالصحيفة صَحْصَحان
فأَضرِبُها بلا دهش فخرت *** صريعاً لليدين وللجِرَان
فابتدأ ب (لقيت) لإِفادة وقوع ذلك ثم ثنى ب (أضربها) لاستحضار تلك الصورة العجيبة من إقدامه وثباته حتى كأنهم يبصرونه في تلك الحالة. ولم يؤت بفعل الإِرسال في هذه الآية بصيغة المضارع بخلاف قوله في سورة الروم (48) {الله الذي يرسل الرياح} الآية لأن القصد هنا استدلال بما هو واقع إظهاراً لإِمكان نظيره وأما آية سورة الروم فالمقصود منها الاستدلال على تجديد صنع الله ونعمه.
والقول في الرياح والسحاب تقدم غير مرة أولاها في سورة البقرة.
وفي قوله: فسقناه} بعد قوله: {الله الذي أرسل الرياح} التفاوت من الغيبة إلى التكلم.
وقوله: {كذلك النشور} سبيله سبيل قوله: {يا أيها الناس إن وعد الله حق} [فاطر: 5] الآيات من إثبات البعث مع تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عنه، إلا أن ما قبله كان مأخوذاً من فحوى الدلالة لما ظهرت في برهان صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من توحيد أخذ من طريق دلالة التقريب لوقوع البعث إذ عسر على عقولهم تصديق إمكان الإِعادة بعد الفناء ليحصل من بارقة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وبارقة الإِمكان ما يسوق أذهانهم إلى استقامة التصديق بوقوع البعث.
والإِشارة في قوله: {كذلك النشور} إلى المذكور من قوله: {فأحيينا به الأرض}. والأظهر أن تكون الإِشارة إلى مجموع الحالة المصورة، أي مثل ذلك الصنع المحكم المتقن نصنع صنعاً يكون به النشور بأن يهيّئ الله حوادث سماوية أو أرضية أو مجموعة منهما حتى إذا استقامت آثارها وتهيأت أجسام لقبول أرواحها أمر الله بالنفخة الأولى والثانية فإذا الأجساد قائمة ماثلة نظير أمرِ الله بنفخ الأرواح في الأجنة عند استكمال تهيئها لقبول الأرواح.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم تقريب ذلك بمثل هذا مما رواه أحمد وابن أبي شيبة وقريب منه في «صحيح مسلم» عن عروة بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم " قيل لرسول الله: كيف يُحْيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: هل مررتَ بوادٍ أُهْلِكَ ممحلاً ثم مررتَ به يهتزُ خَضِراً؟ قيل: نعم. قال: فكذلك يَحيِي الله الموتى وتلك آيته في خلقه ". وفي بعض الروايات عن أبي رزين العقيلي أن السائل أبو رزين.
وقرأ الجمهور {الرياح} بصيغة الجمع. وقرأ حمزة والكسائي «الريح» بالإِفراد، والمعرّف بلام الجنس يستوي فيه المفرد والجمع.
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)}
{كَذَلِكَ النشور * مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ والذين يَمْكُرُونَ}.
مضى ذكر غرورين إجمالاً في قوله تعالى: {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} [فاطر: 5]، {ولا يغرنكم بالله الغرور} [فاطر: 5] فأُخذ في تفصيل الغرور الثاني من قوله تعالى: {إن الشيطان لكم عدو} [فاطر: 6] وما استتبعه من التنبيه على أَحجار كيده وانبعاث سموم مكره والحذرِ من مَصارع متابعته وإبداء الفرق بين الواقِعين في حبائله والمعافَيْن من أدوائه، بداراً بتفصيل الأهم والأصللِ، وأبقى تفصيل الغرور الأول إلى هنا.
وإذ قد كان أعظم غرور المشركين في شركهم ناشئاً عن قبول تعاليم كبرائهم وسادتهم وكان أعظم دواعي القادة إلى تضليل دهمائهم وصنائعهم، هو ما يجدونه من العزة والافتنان بحب الرئاسة فالقادة يجلبون العزة لأنفسهم والأتباعُ يعتزُّون بقوة قادتهم، لا جرم كانت إرادة العزّة مِلاك تكاتف المشركين بعضهم مع بعض، وتألبهم على مناوأة الإِسلام، فوُجّه الخطاب إليهم لكشففِ اغترارهم بطلبهم العزة في الدنيا، فكل مستمسك بحبل الشرك معرضضٍ عن التأمل في دعوة الإِسلام، لا يُمَسِّكُه بذلك إلا إرادة العزة، فلذلك نادى عليهم القرآن بأن من كان ذلك صارفَه عن الدين الحق فليعلم بأن العزة الحق في اتباع الإِسلام وأن ما هم فيه من العزةِ كالعدم.
و {مَن} شرطية، وجعل جوابها {فلله العزة جميعاً}، وليس ثبوت العزة لله بمرتب في الوجود على حصول هذا الشرط فتعين أن ما بعد فاء الجزاء هو علة الجواب أقيمت مُقامه واستُغني بها عن ذكره إيجازاً، وليحصل من استخراجه من مطاوي الكلام تقرُّره في ذهن السامع، والتقديرُ: من كان يريد العذاب فليستجِبْ إلى دعوة الإِسلام ففيها العزة لأن العزة كلها لله تعالى، فأما العزة التي يتشبثون بها فهي كخيط العنكبوت لأنها واهية بالية. وهذا أسلوب متبع في المقام الذي يراد فيه تنبيه المخاطب على خطإ في زعمه كما في قول الربيع بن زياد العبسي في مقتل مالك بن زهير العبسي:
من كَان مسروراً بمقتل مالك *** فليأتتِ نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبْنَه *** بالليل قبل تبلُّج الإِسفار
أراد أن من سَرَّه مقتل مالك فلا يتمتع بسروره ولا يحسب أنه نال مبتغاه لأنه إن أتى ساحة نسوتنا انقلب سروره غمّاً وحزناً إذ يجد دلائل أخذ الثأر من قاتِله بادية له، لأن العادة أن القتيل لا يندبه النساء إلا إذا أُخذ ثأره. هذا ما فسره المرزوقي وهو الذي تلقيتُه عن شيخنا الوزير وفي البيتين تفسير آخر.
وقد يكون بالعكس وهو تثبيت المخاطب على علمه كقوله تعالى: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآتٍ} [العنكبوت: 5].
وقريب من هذا الاستعمال ما يقصد به إظهار الفرق بين من اتصف بمضمون الشرط ومن اتصف بمضمون الجزاء كقول النابغة:
فمن يكن قد قضى من خُلّةٍ وطراً *** فإنني منككِ ما قضَّيْتُ أوطاري
وقول ضابئ بن الحارث:
ومن يك أمسى بالمدينة رَحله *** فإني وَقَيَّار بها لغريب
وقول الكلابي:
فمن يُكلَم يَغْرَضْ فإني ونَاقتي *** بحَجْرٍ إلى أهل الحِمى غَرِضَان
فتقديم المجرور يفيد قصراً وهو قصر ادعائي، لعدم الاعتداد بما للمشركين من عزة ضئيلة، أي فالعزة لله لا لهم.
ومنه ما يكون فيه ترتيب الجواب على الشرط في الوقوع، وهو الأصل كقوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء} [الإسراء: 18] الآية، وقوله: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} [هود: 15].
و {جميعاً} أفادت الإِحاطة فكانت بمنزلة التأكيد للقصر الادعائي فحصلت ثلاثة مؤكدات؛ فالقصر بمنزلة تأكيدين و{جميعاً} بمنزلة تأكيد. وهذا قريب من قوله {أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً} [النساء: 139] فإن فيه تأكيدين: تأكيداً ب (إنّ) وتأكيداً ب {جميعاً} لأن تلك الآية نَزَلت في وقت قوة الإِسلام فلم يحتج فيها إلى تقوية التأكيد. وتقدم الكلام على {جميعاً} عند قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً} في سورة سبأ (40).
وانتصب جميعاً} على الحال من {العزة} وَكأنه فعيل بمعنى مفعول، أي العزة كلها لله لا يَشذ شيء منها فيثبتُ لغيره، لأن العزة المتعارفة بين الناس كالعدم إذ لا يخلو صاحبها من احتياج ووهن والعزة الحق لله.
وتعريف {العزة} تعريف الجنس. والعزة: الشرف والحصانة من أن ينال بسوء. فالمعنى: من كان يريد العزة فانصرف عن دعوة الله إبقاء على ما يخاله لنفسه من عزة فهو مخطئ إذ لا عزة له فهو كمن أراق ماء للمع سراب. والعزة الحق لله الذي دعاهم على لسان رسوله. وعزة المولى ينالُ حِزبَه وأولياءَه حظ منها فلو اتبعوا أمر الله فالتحقوا بحزبه صارت لهم عزة الله وهي العزة الدائمة؛ فإن عزة المشركين يعقبها ذلّ الانهزام والقتل والأسر في الدنيا وذلّ الخزي والعذاب في الآخرة، وعزة المؤمنين في تزايد الدنيا ولها درجات كمال في الآخرة.
{العزة جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل}.
كما أتبع تفصيل غرور الشيطان بعواقبه في الآخرة بقوله: {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] الآية، وبذكر مقابل عواقبه من حال المؤمنين، كذلك أتبع تفصيل غرور الأنفس أهلها بعواقبه وبذكر مقابله أيضاً ليلتقيَ مآلُ الغرورين ومقابلهما في ملْتقىً واحدٍ، ولكن قدم في الأول عاقبة أهل الغرور بالشيطان ثم ذُكرت عاقبة أضدادهم، وعكس في ما هنا لجريان ذكر عزة الله فقدم ما هو المناسب لآثار عزة الله في حزبه وجنده.
وجملة {إليه يصعد الكلم الطيب} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً بمناسبة تفصيل الغرور الذي يوقع فيه.
والمقصود أن أعمال المؤمنين هي التي تنفع ليعلم الناس أن أعمال المشركين سعي باطل. والقربات كلُّها ترجع إلى أقوال وأعمال، فالأقوال ما كان ثناء على الله تعالى واستغفاراً ودعاء، ودعاء الناس إلى الأعمال الصالحة.
وتقدم ذكرها عند قوله تعالى: {وقولوا قولاً سديداً} في سورة الأحزاب (70). والأعمال فيها قربات كثيرة. وكان المشركون يتقربون إلى أصنامهم بالثناء والتمجيد كما قال أبو سفيان يوم أحد: اعْلُ هُبَل، وكانوا يتحنثون بأعمال من طواف وحج وإغاثة ملهوف وكان ذلك كله مشوباً بالإِشراك لأنهم ينوون بها التقرب إلى الآلهة فلذلك نصبوا أصناماً في الكعبة وجعلوا هُبَل وهو كبيرهم على سطح الكعبة، وجعلوا إِسافاً ونائلة فوق الصفا والمروة، لتكون مناسكهم لله مخلوطة بعبادة الآلهة تحقيقاً لمعنى الإِشراك في جميع أعمالهم.
فلما قدم المجرور من قوله: إليه يصعد الكلم الطيب} أفيد أن كل ما يقدم من الكلم الطيب إلى غير الله لا طائل تحته.
وأما قوله: {والعمل الصالح يرفعه} ف {العمل} مقابل {الكلم}، أي الأفعال التي ليست من الكلام، وضمير الرفع عائد إلى معاد الضمير المجرور في قوله: {إليه} وهو اسم الجلالة من قوله {فلله العزة جميعاً}. والضمير المنصوب من {يرفعه} عائد إلى {العمل الصالح} أي الله يرفع العمل الصالح.
والصعود: الإِذهاب في مكال عال. والرفع: نقل الشيء من مكان إلى مكان أعلى منه، فالصعود مستعار للبلوغ إلى عظيم القدر وهو كناية عن القبول لديه. والرفع: حقيقته نقل الجسم من مقرّه إلى أعلى منه وهو هنا كناية للقبول عند عظيم، لأن العظيم تتخيله التصورات رفيع المكان. فيكون كلٌّ من (يَصعد) و(يرفعُ) تبعتيْن قرينتي مكنية بأَن شُبه جانب القبول عند الله تعالى بمكان مرتفع لا يصله إلا ما يصعد إليه.
فقوله: {العمل} مبتدأ وخبره {يرفعه}، وفي بناء المسند الفعلي على المسند إليه ما يفيد تخصيص المسند إليه بالمسند، فإذا انضم إليه سياق جملته عقب سياق جملة القصر المشعرُ بسريان حكم القصر إليه بالقرينة لاتحاد المقام إذ لا يتوهم أن يقصر صعود الكلم الطيب على الجانب الإِلهي ثم يجعل لغيره شركة معه في رفع العمل الصالح، تعين معنى التخصيص، فصار المعنى: الله الذي يقبل من المؤمنين أقوالهم وأعمالهم الصالحة.
وإنما جيء في جانب العمل الصالح بالإِخبار عنه بجملة {يرفعه} ولم يعطف على {الكلم الطيب} في حكم الصعود إلى الله مع تساوي الخبرين لفائدتين:
أولاهما: الإِيماء إلى أن نوع العمل الصالح أهم من نوع الكلم الطيب على الجملة لأن معظم العمل الصالح أوسع نفعاً من معظم الكلم الطيب (عدا كلمة الشهادتين وما ورد تفضيله من الأقوال في السنة مثل دعاء يوم عرفة) فلذلك أسند إلى الله رفعه بنفسه كقول النبي صلى الله عليه وسلم «من تصدّق بصدقة من كسب طيّب ولا يقبل الله إلا طيباً تلقّاها الرحمان بيمينه، وكلتا يديه يمين، فيربيها له كما يربّي أحدكم فُلُوَّه حتى تصير مثل الجبل».
وثانيهما: أن الكلم الطيب يتكيف في الهواء فإسناد الصعود إليه مناسب لماهيته، وأما العمل الصالح فهو كيفيات عارضة لذوات فاعلة ومفعولة فلا يناسبه إسناد الصعود إليه وإنما يحسن أن يجعل متعلقاً لرفع يقع عليه ويسخره إلى الارتفاع.
{الصالح يَرْفَعُهُ والذين يَمْكُرُونَ السيئات لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أولئك}.
هذا فريق من الذين يريدون العزة من المشركين وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال: 30] الآية قاله أبو العالية فعطفهم على {من كان يريد العزة} تخصيص لهم بالذكر لما اختصوا به من تدبير المكر. وهو من عطف الخاص على العام للاهتمام بذكره.
والمكر: تدبيرُ إلحاققِ الضر بالغير في خفية لئلا يأخذ حذره، وفعله قاصر. وهو يتعلق بالمضرور بواسطة الباء التي للملابسة، يقال: مكر بفلان، ويتعلق بوسيلة المكر بباء السببية يقال: مكر بفلان بقتله؛ فانتصاب {السيئات} هنا على أنه وصف لمصدر المكر نائباً مناب المفعول المطلق المبيِّن لنوع الفعل فكأنه قيل والذين يمكرون المكر السيِّئ. وكان حقّ وصف المصدر أن يكون مفرداً كقوله تعالى: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [فاطر: 43] فلما أريد هنا التنبيه على أن أولياء الشيطان لهم أنواع من المكر عُدل عن الإِفراد إلى الجمع وأتي به جمع مؤنث للدلالة على معنى الفَعَلاَت من المكر، فكل واحدة من مكرهم هي سيئة، كما جاء ذلك في لفظ (صالحة) كقول جرير:
كيف الهجاء وما تنفك صالحة *** من آل لأم بظهر الغيب تأتيني
أي صالحات كثيرة، وأنواع مكراتهم هي ما جاء في قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال: 30].
والتعريف في {السيئات} تعريف الجنس. وجيء باسم الموصول للإِيماء إلى أن مضمون الصلة علّة فيما يرد بعدها من الحكم، أي لهم عذاب شديد جزاء مكرهم. وعبر بالمضارع في الصلة للدلالة على تجدد مكرهم واستمراره وأنه دَأبهم وهِجِّيراهم.
ولما توعدهم الله بالعذاب الشديد على مكرهم أنبأهم أن مكرهم لا يروج ولا ينفِق وأن الله سيبطله فلا ينتفعون منه في الدنيا، ويضرون بسببه في الآخرة فقال {ومكر أولئك هو يبور}.
وعبر عنهم باسم الإِشارة دون الضمير الذي هو مقتضى الظاهر لتمييزهم أكمل تمييز، فيكنى بذلك عن تمييز المكر المضاف إليهم ووضوحه في علم الله وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بما أعلمه الله به منه، فكأنما أشير إليهم وإلى مكرهم باسم إشارة واحد على سبيل الإِيجاز.
والضمير المتوسط بين {مكر أولئك} وبين {يبور} ضمير فصل إذ لا يحتمل غيره. ومثله قوله تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} [التوبة: 104].
والراجح من أقوال النحاة قول المازني: إن ضمير الفصل يليه الفعل المضارع، وحجته قوله: {ومكر أولئك هو يبور} دون غير المضارع، ووافقه عبد القاهر الجرجاني في «شرح الإِيضاح» لأبي على الفارسي، وخالفهما أبو حيان وقال: لم يذهب أحد إلى ذلك فيما علمنا.
وأقول: إن وجه وقوع الفعل المضارع بعد ضمير الفصل أن المضارع يدل على التجدد فإذا اقتضى المقام إرادة إفادة التجدد في حصول الفعل من إرادة الثبات والدوام في حصول النسبة الحكمية لم يكن إلى البليغ سبيل للجمع بين القصدين إلا أن يأتي بضمير الفصل ليفيد الثبات والتقوية لتعذر إفادة ذلك بالجملة الإسلامية. وقد تقدم القول في ذلك عند قوله: {وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5]، فالفصل هنا يفيد القصر، أي مكرهم يبور دون غيره، ومعلوم أن غيره هنا تعريض بأن الله يمكر بهم مكراً يصيب المحزّ منهم على حد قوله تعالى: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [آل عمران: 54].
والبوار حقيقته: كساد التجارة وعدم نَفاق السلعة، واستعير هنا لخيبة العمل بوجه الشبه بين ما دبروه من المكر مع حرصهم على إصابة النبي صلى الله عليه وسلم بضرّ وبين ما ينمِّقه التاجر وما يخرجه من عيابه ويرصفه على مِبْنَاتِه وسط اللَّطِيمة مع السلع لاجتلاب شَرَه المشترين. ثم لا يُقبِل عليه أحد من أهل السوق فيرجع من لطيمته لطيمَ كف الخيبة، فارغ الكف والعيبة.
{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)}
{هُوَ يَبُورُ * والله خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ}.
هذا عود إلى سوق دلائل الوحدانية بدلالة عليها من أنفس الناس بعد أن قدم لهم ما هو من دلالة الآفاق بقوله: {والله الذي أرسل الرياح} [فاطر: 9]. فهذا كقوله: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت: 53] وقوله: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21] فابتدأهم بتذكيرهم بأصل التكوين الأول من تراب وهو ما تقرر علمُه لدى جميع البشر من أن أصلهم وهو البشر الأول، خلق من طين فصار ذلك حقيقة مقررة في علم البشر وهي مما يعبر عنه في المنطق «بالأصول الموضوعة» القائمة مقام المحسوسات.
ثم استدرجهم إلى التكوين الثاني بدلالة خلق النسل من نطفة وذلك علم مستقر في النفوس بمشاهدة الحاضر وقياس الغائب على المشاهد، فكما يجزم المرء بأن نسله خلق من نطفته يجزم بأنه خلق من نطفة أبوية، وهكذا يصعد إلى تخلق أبناء آدم وحواء.
والنطفة تقدمت عند قوله تعالى: {أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة} في سورة الكهف (37).
وقوله: ثم جعلكم أزواجاً} يشير إلى حالة في التكوين الثاني وهو شرطه من الازدواج. ف {ثم} عاطفة الجملةَ فهي دالة على الترتيب الرتبي الذي هو أهمّ في الغرض أعني دلالة التكوين على بديع صنع الخالق سبحانه فذلك موزع على مضمون قوله: {ثم من نطفة}.
والمعنى: ثم من نطفة وقد جعلكم أزواجاً لتركيب تلك النطفة، فالاستدلال بدقة صنع النوع الإِنساني من أعظم الدلائل على وحدانية الصانع. وفيها غُنية عن النظر في تأمل صنع بقية الحيوان.
والأزواج: جمع زوج وهو الذي يصير بانضمام الفرد إليه زوجاً، أي شفعاً، وقد شاع إطلاقه على صنف الذكور مع صنف الإِناث لاحتياج الفرد الذكر من كل صنف إلى أنثاه من صنفه والعكس.
{جَعَلَكُمْ أزواجا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ}.
بعد الاستدلال بما في بدء التكوين الثاني من التلاقح بين النطفتين استدل بما ينشأ عن ذلك من الأطوار العارضة للنطفة في الرحم وهو أطوار الحمل من أوله إلى الوضع.
وأدمج في ذلك دليل التنبيه على إحاطة علم الله بالكائنات الخفية والظاهرة، ولكون العلم بالخفيّات أعلى قُدّم ذكر الحمل على ذكر الوضع، والمقصود من عطف الوضع أن يدفع توهم وقوف العلم عند الخفيّات التي هي من الغيب دون الظواهر بأن يشتغل عنها بتدبير خفيّاتها كما هو شأن عظماء العلماء من الخلق، لظهور استحالة توجه إرادة الخلق نحو مجهول عند مُريده.
والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال. والباء للملابسة. والمجرور في موضع الحال.
{إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كتاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى}.
لا جرم أن الحديث عن التكوين يستتبع ذكر الموت المكتوب على كل بشر فجاء بذكر علمه الآجال والأعمار للتنبيه على سعة العلم الإِلهي.
والتعمير: جعل الإِنسان عامراً، أي باقياً في الحياة، فإن العَمر هو مدة الحياة يقال: عَمِر فلان كفرح ونصر وضرب، إذا بقي زماناً، فمعْنى عمّره بالتضعيف: جعله باقياً مدة زائدة على المدة المتعارفة في أعمار الأجيال، ولذلك قوبل بالنقص من العمر، ولذلك لا يوصف بالتعمير صاحبه إلا بالمبني للمجهول فيقال: عُمِّر فلان فهو معمَّر. وقد غلب في هذه الأجيال أن يكون الموت بين الستين والسبعين فما بينهما، فهو عُمر متعارف، والمعمّر الذي يزيد عمره على السبعين، والمنقوص عمره الذي يموت دون الستين. ولذلك كان أرجح الأقوال في تعمير المفقود عند فقهاء المالكية هو الإِبلاغ به سبعين سنة من تاريخ ولادته ووقع القضاء في تونس بأنه ما تجاوز ثمانين سنة، قالوا: لأن الذين يعيشون إلى ثمانين سنة غير قليل فلا ينبغي الحكم باعتبار المفقود ميتاً إلا بعد ذلك لأنه يترتب عليه الميراث ولا ميراث بشك، ولأنه بعد الحكم باعتباره ميتاً تزوج امرأته، وشرط صحة التزوج أن تكون المرأة خليةً من عصمة، ولا يصح إعمال الشرط مع الشك فيه. وهو تخريج فيه نظر.
وضمير {من عمره} عائداً إلى {معمر} على تأويل {معمَّر} ب (أحد) كأنه قيل: وما يُعَمَّر من أحد ولا ينقص من عمره، أي عمر أحد وآخر. وهذا كلام جار على التسامح في مثله في الاستعمال واعتماداً على أن السامعين يفهمون المراد كقوله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 12] لظهور أنه لا ينقلب الميت وارثاً لمن قد ورثه ولا وارث ميتاً موروثاً لوارثه.
والكتاب كناية عن علم الله تعالى الذي لا يغيب عنه معلوم كما أن الشيء المكتوب لا يزاد فيه ولا ينقص، ويجوز أن يجعل الله موجودات هي كالكتب تسطر فيها الآجال مفصلة وذلك يسير في مخلوقات الله تعالى. ولذلك قال: {إن ذلك على الله يسير} أي لا يلحقه من هذا الضبط عُسر ولا كدّ.
وقد ورد هنا الإِشكال العام الناشئ عن التعارض بين أدلة جريان كل شيء على ما هو سابق في علم الله في الأزل، وبين إضافة الأشياء إلى أسباب وطلب اكتساب المرغوب من تلك الأسباب واجتناب المكروه منها فكيف يثبت في هذه الآية للأعمار زيادة ونقص مع كونها في كتاب وعلم لا يقبل التغيير، وكيف يرغَّب في الصدقة مثلاً بأنها تزيد في العمر، وأن صلة الرحم تزيد في العمر.
والمَخْلص من هذا ونحوه هو القاعدة الأصلية الفارقة بين كون الشيء معلوماً لله تعالى وبين كونه مراداً، فإن العلم يتعلق بالأشياء الموجودة والمعدومة، والإرادة تتعلق بإيجاد الأشياء على وفق العلم بأنها توجد، فالناس مخاطبون بالسعي لما تتعلق به الإِرادة فإذا تعلقت الإِرادة بالشيء علمنا أن الله علم وقوعه، وما تصرفات الناس ومساعيهم إلا أمارات على ما علمه الله لهم، فصدقة المتصدق أمارة على أن الله علم تعميره، والله تعالى يظهر معلوماته في مظاهر تكريم أو تحقير ليتم النظام الذي أسس الله عليه هذا العالم ويلتئم جميع ما أراده الله من هذا التكوين على وجوه لا يخلّ بعضها ببعض وكل ذلك مقتضى الحكمة العالية. ولا مَخلص من هذا الإِشكال إلا هذا الجواب وجميع ما سواه وإن أقنعَ ابتداءً فمآله إلى حيث ابتدأ الإِشكال.
{وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)}
انتقال من الاستدلال بالأحوال في الأجواء بين السماء والأرض على تفرد الله تعالى بالإِلهية إلى الاستدلال بما على الأرض من بحار وأنهار وما في صفاتها من دلالة زائدة على دلالة وجود أعيانها، على عظيم مخلوقات الله تعالى، فصيغ هذا الاستدلال على أسلوب بديع إذ اقتصر فيه على التنبيه على الحكمة الربانية في المخلوقات وهي ناموس تمايزها بخصائص مختلفة واتحاد أنواعها في خصائص متماثلة استدلالاً على دقيق صنع الله تعالى كقوله: {تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] ويتضمن ذلك الاستدلال بخلق البحرين أنفسهما لأن ذكر اختلاف مذاقهما يستلزم تذكر تكوينهما.
فالتقدير: وخلق البحرين العذب والأُجاج على صورة واحدة وخالف بين أعراضهما، ففي الكلام إيجاز حذف، وإنما قدم من هذا الكلام تفاوت البحرين في المذاق واقتصر عليه لأنه المقصود من الاستدلال بأفانين الدلائل على دقيق صنع الله تعالى.
وفي «الكشاف»: ضرب البحرين العذب والمالح مثلاً للمؤمن والكافر، ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطائه {ومن كل تأكلون لحماً طرياً}.
والبحر في كلام العرب: اسم للماء الكثير القار في سعة، فالفرات والدجلة بَحْران عذْبان وبحر خليج العجم ملح. وتقدم ذكر البحرين عند قوله تعالى: {وهو الذي مرج البحرين} في سورة الفرقان (53) وقد اتحدا في إخراج الحيتان والحلية، أي اللؤلؤ والمرجان، وهما يوجد أجودُهما في بحر العجم حيث مصبّ النهرين، ولماء النهرين العذب واختلاطه بماء البحر الملح أثر في جودة اللؤلؤ كما بيّناه فيما تقدم في سورة النحل، فقوله: ومن كل تأكلون لحماً طرياً} كُلِّيّةٌ، وقوله: {وتستخرجون حلية} كلُّ لاَ كلية لأن من مجموعها تستخرجون حلية. وكلمة {كل} صالحة للمعنيين، فعطف {وتستخرجون} من استعمال المشترك في معنييه.
فالاختلاف بين البحرين بالعذوبة والملوحة دليل على دقيق صنع الله. والتخالف في بعض مستخرجاتهما والتماثل في بعضها دليل آخر على دقيق الصنع وهذا من أفانين الاستدلال.
والعذب: الحلو حلاوة مقبولة في الذوق.
والملح بكسر الميم وسكون اللام: الشيء الموصوف بالملوحة بذاته لا بإلقاء ملح فيه، فأما الشيء الذي يلقى فيه الملح حتى يكتسب ملوحة فإنما يقال له: مَالح، ولا يقال: ملح.
ومَعنى: {سائغ شرابه} أن شربه لا يكلف النفس كراهة، وهو مشتق من الإِساغة وهي استطاعة ابتلاع المشروب دون غصة ولا كره. قال عبد الله بن يَعرب:
فساغ لي الشراب وكنت قبْلاً *** أكاد أغُصّ بالماء الحميم
والأجاج: الشديد الملوحة، وتقدم ذكر البحر في قوله تعالى: {ويعلم ما في البر والبحر} في سورة الأنعام (59)، وبقية الآية تقدم نظيره في أول سورة النحل.
وتقديم الظرف في قوله: فيه مواخر} على عكس آية سورة النحل، لأن هذه الآية مسوقة مساق الاستدلال على دقيق صنع الله تعالى في المخلوقات وأُدمج فيه الامتنان بقوله: {تأكلون.
... وتستخرجون حلية} وقوله: {لتبتغوا من فضله} فكان المقصد الأول من سياقها الاستدلال على عظيم الصنع فهو الأهم هنا. ولما كان طُفُو الفلك على الماء حتى لا يَغْرِق فيه أظهرَ في الاستدلال على عظيم الصنع من الذي ذكر من النعمة والامتنان قدم ما يدل عليه وهو الظرفية في البحر. والمخر في البحر آية صنع الله أيضاً بخلق وسائل ذلك والإِلهام له، إلاّ أن خطور السفر من ذلك الوصف أو ما يتبادر إلى الفهم فأخر هنا لأنه من مستتبعات الغرض لا من مقصده فهو يستتبع نعمة تيسير الأسفار لقطع المسافات التي لو قطعت بسير القوافل لطالت مدة الأسفار.
ومن هنا يلمعُ بارقُ الفرققِ بين هذه الآية وآية سورة النحل في كون فعل {لتبتغوا} غير معطوف بالواو هنا ومعطوفاً نظيره في آية النحل لأن الابتغاء علق هنا ب {مواخر} إيقافاً على الغرض من تقديم الظرف، وفي آية النحل ذكر المخر في عداد الامتنان لأنه به تيسيرَ الأسفار، ثم فصل بين {مواخر} وعلته بظرف {فيه}، فصار ما يؤمئ إليه الظرفُ فصلاً بغرض أُدمج إدماجاً وهو الاستدلال على عظيم الصنع بطُفوّ الفلك على الماء، فلما أريد الانتقال منه إلى غرض آخر وهو العود إلى الامتنان بالمخر لنعمة التجارة في البحر عطف المغاير في الغرض.
{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)}
{مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}.
استدلال عليهم بما في مظاهر السماوات من الدلائل على بديع صنع الله في أعظم المخلوقات ليتذكروا بذلك أنه الإِله الواحد.
وتقدم الكلام على نظير هذه الآية في سورة لقمان، سوى أن هذه الآية جاء فيها {كل يجري لأجل} فعدي فعل {يجري} باللام وجيء في آية سورة لقمان تعدية فعل {يجري} بحرف (إلى)، فقيل اللام تكون بمعنى (إلى) في الدلالة على الانتهاء، فالمخالفة بين الآيتين تفنن في النظم. وهذا أباه الزمخشري في سورة لقمان وردّه أغلظ ردّ فقال: ليس ذلك من تعاقب الحرفين ولا يَسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العَطن ولكن المعنيين أعني الانتهاء والاختصاص كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض لأن قولك: يجري إلى أجل مسمى معناه يبلغه، وقوله: {يجري لأجل} تريد لإِدراك أجل ا ه. وجعل اللام للاختصاص أي ويجري لأجْل أَجَل، أي لبلوغه واستيفائه، والانتهاء والاختصاص كل منهما ملائم للغرض، أي فمآل المعنيين واحد وإن كان طريقه مختلفاً، يعني فلا يعد الانتهاء معنى للام كما فعل ابن مالك وابن هشام، وهو وإن كان يرمي إلى تحقيق الفرق بين معاني الحروف وهو مما نميل إليه إلا أننا لا نستطيع أن ننكر كثرة ورود اللام في مقام معنى الانتهاء كثرة جعلت استعارة حرف التخصيص لمعنى الانتهاء من الكثرة إلى مساويه للحقيقة، اللهم إلا أن يكون الزمخشري يريد أن الأجل هنا هو أجل كل إنسان، أي عمره وأن الأجل في سورة لقمان هو أجل بقاء هذا العالم.
وهو على الاعتبارين إدماج للتذكير في خلال الاستدلال ففي هذه الآية ذكَّرهم بأن لأعمارهم نهاية تذكيراً مراداً به الإِنذار والوعيد على نحو قوله تعالى في سورة الأنعام (60) {ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى} واقتلاعُ الطغيان والكبرياء من نفوسهم.
ويريد ذلك أن معظم الخطاب في هذه الآية موجه إلى المشركين، ألا ترى إلى قوله بعدها: والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} وَفي سورة لقمان الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو عامّ لكل مخاطب من مؤمن وكافر فكان إدماج التذكير فيه بأن لهذا العالم انتهاء أنسب بالجميع ليستعدَّ له الذين آمنوا وليرغم الذين كفروا على العلم بوجود البعث لأنّ نهاية هذا العالم ابتداء لعالم آخر.
{لاَِجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ}.
استئناف موقعه موقع النتيجة من الأدلة بعد تفصيلها.
واسم الإِشارة موجه إلى من جرت عليه الصفات والأخبار السابقة من قوله: {والله الذي أرسل الرياح مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}
[فاطر: 9] الآيات فكان اسمه حريّاً بالإِشارة إليه بعد إجراء تلك الصفات إذ بذكرها يتميز عند السامعين أكمل تمييز حتى كأنه مشاهد لأبصارهم مع ما في اسم الإِشارة من البعد المستعمل كناية عن تعظيم المشار إليه، ومع ما يقتضيه إيراد اسم الإِشارة عقب أوصاف كثيرة من التنبيه على أنه حقيق بما سيرد بعد الإِشارة من أجل تلك الصفات فأخبر عنه بأنه صاحب الاسم المختص به الذي لا يجهلونه، وأخبر عنه بأنه رب الخلائق بعد أن سجل عليهم ما لا قبل لهم بإنكاره من أنه الذي خلقهم خلقاً من بعد خلق، وأن خلقهم من تراب، وقدر آجالهم وأوجد ما هو أعظم منهم من الأحوال السماوية والأرضية مما يدل على أنه لا يعجزه شيء فهو الرب دون غيره وهو الذي الملكُ والسلطان له لا لغيره أفاد ذلك كله قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم له الملك}، فانتهض الدليل.
وعطف عليه التصريح بأن أصنامهم لا يملكون من الملك شيئاً ولو حقيراً وهو الممثَّل بالقطمير.
والقطمير: القشرة التي في شَقّ النواة كالخيط الدقيق. فالمعنى: لا يملكون شيئاً ولو حقيراً، فكونهم لا يملكون أعظَم من القطمير معلوم بفحوى الخطاب، وذلك حاصل بالمشاهدة فإن أصنامهم حجارة جاثمة لا تملك شيئاً بتكسب ولا تحوزه بهبة، فإذا انتفى أنها تملك شيئاً انتفى عنها وصف الإِلهية بطريق الأوْلى، فنُفي ما كانوا يزعمونه من أنها تشفع لهم.
وجملة {إن تدعوهم} خبر ثان عن {الذين تدعون من دونه} [فاطر: 13]. والمقصد منها تنبيه المشركين إلى عجز أصنامهم بأنها لا تسمع، وليس ذلك استدلالاً فإنهم كانوا يزعمون أن الأصنام تسمع منهم فلذلك كانوا يكلمونها ويوجهون إليها محامدهم ومدائحهم، ولكنه تمهيد للجملة المعطوفة على الخبر وهي جملة {ولو سمعوا ما استجابوا لكم} فإنها معطوفة على جملة {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم}، وليست الواو اعتراضية، أي ولو سمعوا على سبيل الفرض والتقدير ومجاراة مزاعمكم حين تدعونها فإنها لا تستجيب لدعوتكم، أي لا ترد عليكم بقبول، وهذا استدلال سنده المشاهدة، فطالما دَعُوا الأصنام فلم يسمعوا منها جواباً وطالما دَعَوْها فلم يحصل ما دعوها لتحصيله مع أنها حاضرة بمرأى منهم غير محجوبة، فعدم إجابتها دليل على أنها لا تسمع، لأن شأن العظيم أن يستجيب لأوليائه الذين يسعون في مرضاته، فقد لزمهم إمّا عجزُها وإما أنها لا تفقه إذ ليس في أوليائها مغمز بأنهم غير مُرْضِينَ لهذا. وهذا من أبدع الاستدلال الموطّأ بمقدمة متفق عليها.
وقوله: {ما استجابوا} يجوز أن يكون بمعنى إجابة المنادي بكلمات الجواب. ويجوز أن يكون بمعنى إجابة السائل بتنويله ما سأله. وهذا من استعمال المشترك في معنييه.
ولما كشف حال الأصنام في الدنيا بما فيه تأييس من انتفاعهم بها فيها كمِّل كشف أمرها في الآخرة بأن تلك الأصنام ينطقها الله فتتبرأ من شركهم، أي تتبرأ من أن تكون دعت له أو رضيت به.
والكفر: جحد في كراهة.
والشرك أضيف إلى فاعله، أي بشرككم إياهم في الإِلهية مع الله تعالى.
وأجري على الأصنام موصول العاقل وضمائرَ العقلاء {والذين تدعون} [فاطر: 13] إلى قوله: {يكفرون بشرككم} على تنزيل الأصنام منزلة العقلاء مجاراة للمردود عليهم على طريقة التهكم.
وقوله: {ولا ينبئك مثل خبير} تذييل لتحقيق هذه الأخبار بأن المخبِر بها هو الخبير بها وبغيرها ولا يخبرك أحد مثل ما يخبرك هو.
وعُبّر بفعل الإِنباء لأن النبأ هو الخبر عن حدث خطير مهمّ.
والخطاب في قوله: {ينبئك} لكل من يصح منه سماع هذا الكلام لأن هذه الجملة أرسلت مُرسَل الأمثال فلا ينبغي تخصيص مضمونها بمخاطَب معين.
و {خبير} صفة مشبهة مشتقة من خَبُر، بضم الباء، فلان الأمرَ، إذا علمه علماً لا شك فيه. والمراد ب {خبير} جنس الخبير، فلما أرسل هذا القول مثلاً وكان شأن الأمثال أن تكون موجزة صيغ على أسلوب الإِيجاز فحذف منه متعلِّق فعل (يُنَبِّئ) ومتعلِّق وصف {خبير}، ولم يذكر وجه المماثلة لعلمه من المقام. وجعل {خبير} نكرة مع أن المراد به خبير معيَّن وهو المتكلم فكان حقه التعريف، فعدل إلى تنكيره لقصد التعميم في سياق النفي لأن إضافة كلمة {مثل} إلى خبير لا تفيده تعريفاً. وجعل نفي فعل الإِنباء كناية عن نفي المنبئ. ولعل التركيب: ولا يوجد أحد ينبئك بهذا الخبر يماثل هذا الخبير الذي أنبأك به، فإذا أردف مُخبر خبره بهذا المثل كان ذلك كناية عن كون المخبِر بالخبر المخصوص يريد ب {خبير} نفسَه للتلازم بين معنى هذا المثل وبين تمثل المتكلم منه. فالمعنى: ولا ينبئك بهذا الخبر مثلي لأني خَبَرتُه، فهذا تأويل هذا التركيب وقد أغفل المفسّرون بيان هذا التركيب.
والمِثل بكسر الميم وسكون المثلثة: المساوي؛ إما في قدر فيكون بمعنى ضِعف، وإما المساوي في صفة فيكون بمعنى شبيه وهو بوزن فِعل بمعنى فاعل وهو قليل. ومنه قولهم: شِبْه، ونِدّ، وخِدْن.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)}
لما أشبع المقام أدلّةً، ومواعظَ، وتذكيراتتٍ، مما فيه مقنع لمن نصب نفسه منصب الانتفاع والاقتناع، ولم يظهر مع ذلك كله من أحوال القوم ما يتوسم منه نزعهم عن ضلالهم وربما أحدث ذلك في نفوس أهل العزّة منهم إعجاباً بأنفسهم واغتراراً بأنهم مرغوب في انضمامهم إلى جماعة المسلمين فيزيدهم ذلك الغرورُ قبولاً لتسويل مكائد الشيطان لهم أن يعتصموا بشركهم، ناسب أن ينبئهم الله بأنه غني عنهم وأن دينه لا يعْتزّ بأمثالهم وأنه مُصيِّرهم إلى الفناء وآت بناس يعتز بهم الإِسلام.
فالمراد ب {يا أيها الناس} هم المشركون كما هو غالب اصطلاح القرآن، وهم المخاطبون بقوله آنفاً {ذلكم الله ربكم له الملك} [فاطر: 13] الآيات.
وقبل أن يوجه إليهم الإِعلام بأن الله غنيّ عنهم وجه إليهم إعلام بأنهم الفقراء إلى الله لأن ذلك أدخل للذلة على عظمتهم من الشعور بأن الله غنيّ عنهم فإنهم يوقنون بأنهم فقراء إلى الله ولكنهم لا يُوقنون بالمقصد الذي يفضي إليه علمهم بذلك، فأريد إبلاغ ذلك إليهم لا على وجه الاستدلال ولكن على وجه قرع أسماعهم بما لم تكن تقرع به من قبل عسى أن يستفيقوا من غفلتهم ويتكعكعوا عن غرور أنفسهم، على أنهم لا يخلو جمعهم من أصحاب عقول صالحة للوصول إلى حقائق الحق فأولئك إذا قرعت أسماعَهم بما لم يكونوا يسمعونه من قبل ازدادوا يقيناً بمشاهدة ما كان محجوباً عن بصائرهم بأستار الاشتغال بفتنة ضلالهم عسى أن يؤمن من هيّأه الله بفطرته للإِيمان، فمن بقي على كفره كان بقاؤه مشوباً بحيرة ومرَّ طعْمُ الحياة عنده، فأيْنَ ما كانت تتلقاه مسامعهم من قبل تمجيدهم وتمجيد آبائهم وتمجيد آلهتهم، ألا ترى أنهم لما عاتبوا النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مراجعتهم عَدُّوا عليه شتم آبائهم، فحصل بهذه الآية فائدتان.
وجملة {أنتم الفقراء} تفيد القصر لتعريف جزأيْها، أي قصر صفة الفقر على الناس المخاطبين قصراً إضافياً بالنسبة إلى الله، أي أنتم المفتقرون إليه وليس هو بمفتقر إليكم وهذا في معنى قوله تعالى: {إن تكفروا فإن اللَّه غني عنكم} [الزمر: 7] المشعر بأنهم يحسبون أنهم يغيظون النبي صلى الله عليه وسلم بعدم قبول دعوته. فالوجه حمل القصر المستفاد من جملة {أنتم الفقراء} على القصر الإِضافي، وهو قصر قلب، وأما حمل القصر الحقيقي ثم تكلف أنه ادعائي فلا داعي إليه.
وإتباع صفة {الغني} ب {الحميد} تكميل، فهو احتراس لدفع توهمهم أنه لما كان غنياً عن استجابتهم وعبادتهم فهم معذورون في أن لا يعبدوه، فنبه على أنه موصوف بالحمد لمن عبده واستجاب لدعوته كما أتبع الآية الآخرى {إن تكفروا فإن اللَّه غني عنكم} [الزمر: 7] بقوله: {وإن تشكروا يرضه لكم} [الزمر: 7]. ومن المحسنات وقوع {الحميد} في مقابلة قوله: {إلى الله} كما وقع {الغني} في مقابلة قوله: {الفقراء} لأنه لما قيد فقرهم بالكون إلى الله قيدّ غنى الله تعالى بوصف {الحميد} لإفادة أن غناه تعالى مقترن بجوده فهو يحمد من يتوجه إليه.
{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)}
واقع موقع البيان لما تضمنته جملة {وهو الغني الحميد} [فاطر: 15] من معنى قلة الاكتراث بإعراضهم عن الإِسلام، ومن معنى رضاه على من يعبده فهو تعالى لغناه عنهم وغضبه عليهم لو شاء لأبادهم وأتى بخلق آخرين يعبدونه فخلصَ العالَم من عصاة أمر الله وذلك في قدرته ولكنه أمهلهم إعمالاً لصفة الحلم.
فالمشيئة هنا المشيئة الناشئة عن الاستحقاق، أي أنهم استحقوا أن يشاء الله إهلاكهم ولكنه أمهلهم، لا أصل المشيئة التي هي كونه مختاراً في فعله لا مُكره له لأنها لا يحتاج إلى الإِعلام بها.
والإِذهاب مستعمل في الإِهلاك، أي الإِعدام من هذا العالم، أي إن يشأ يسلط عليهم موتاً يعمهم فكأنه أذهبهم من مكان إلى مكان لأنه يأتي بهم إلى الدار الآخرة.
والإِتيان بخلق جديد مستعمل في إحداث ناس لم يكونوا موجودين ولا مترقباً وجودهم، أي يوجد خلقاً من الناس يؤمنون بالله.
فالخلق هنا بمعنى المخلوق مثل قوله تعالى: {هذا خلقُ اللَّه فأروني ماذا خلَق الذين من دونه} [لقمان: 11]. وهذا في معنى قوله: {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالَكم} [محمد: 38].
وليس المعنى: أنه إن يشأ يعجلْ بموتهم فيأتي جيل أبنائهم مؤمنين لأن قوله: {وما ذلك على الله بعزيز} ينبُو عنه.
وعطف عليه الإِعلام بأن ذلك لو شاء لكان هيّناً عليه وما هو عليه بعزيز.
والعزيز: الممتنع الغالِب، وهذا زيادة في الإِرهاب والتهديد ليكونوا متوقعين حلول هذا بهم.
ومفعول فعل المشيئة محذوف استغناء بما دل عليه جواب الشرط وهو {يذهبكم} أي إن يشأ إذهابكم، ومثل هذا الحذف لمفعول المشيئة كثير في الكلام.
والإِشارة في قوله: {وما ذلك} عائدة إلى الإِذهاب المدلول عليه ب {يذهبكم} أو إلى ما تقدم بتأويل المذكور.
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)}
{الله بِعَزِيزٍ * وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ}.
لما كان ما قبل هذه الآية مسوقاً في غرض التهديد وكان الخطاب للناس أريدت طمْأنة المسلمين من عواقب التهديد، فعقب بأن من لم يأت وزراً لا يناله جزاء الوَازر في الآخرة قال تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً} [مريم: 72]. وقد يكون وعداً بالإِنجاء من عذاب الدنيا إذا نزل بالمهدَّدين الإِذهابُ والإِهلاكُ مثلما أهلك فريقَ الكفار يوم بدر وأنجى فريق المؤمنين، فيكون هذا وعداً خاصاً لا يعارضه قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] وما ورد في حديث أمّ سلمة قالت: «يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخُبْث».
فموقع قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} كموقع قوله تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} [يوسف: 110]. ولهذا فالظاهر أن هذا تأمين للمسلمين من الاستئصال كقوله تعالى: {وما كان اللَّه معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] بقرينة قوله عقبه {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} وهو تأمين من تعميم العقاب في الآخرة بطريق الأوْلى ويجوز أن يكون المراد: ولا تزر وازرة وزر أخرى يوم القيامة، أي إن يشأ يذهبكم جميعاً ولا يعذب المؤمنين في الآخرة، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم «ثم يحشرون على نياتهم».
والوجه الأول أعم وأحسن. وأيَّامًّا كان فإن قضية {ولا تزر وازرة وزر أخرى} كلية عامة فكيف وقد قال الله تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} في سورة العنكبوت (13)، فالجمع بين الآيتين أن هذه الآية نفَت أن يحمل أحد وزر آخر لا مشاركةَ له للحامل على اقتراف الوزر، وأما آية سورة العنكبوت فموردها في زعماء المشركين الذين موّهوا الضلالة وثبتوا عليها، فإن أول تلك الآية {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتَّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} [العنكبوت: 12]، وكانوا يقولون ذلك لكل من يستروحون منه الإِقبال على الإِيمان بالأحرى.
وأصل الوِزر بكسر الواو: هو الوِقْر بوزنه ومعناه. وهو الحِمل بكسر الحاء، أي ما يحمل، ويقال: وَزَر إذا حمل. فالمعنى: ولا تحمل حاملة حِمل أخرى، أي لا يحمل الله نفساً حملاً جعله لنفس أخرى عدلاً منه تعالى لأن الله يحب العدل وقد نفى عن شأنه الظلم وإن كان تصرفه إنما هو في مخلوقاته.
وجرى وصف الوازرة على التأنيث لأنه أريد به النفس.
ووجه اختيار الإِسناد إلى المؤنث بتأويل النفس دون أن يجري الإِضمار على التذكير بتأويل الشخص، لأن معنى النفس هو المتبادر للأذهان عند ذكر الاكتساب كما في قوله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها}
في سورة الأنعام (164)، وقوله: {كل نفس بما كسبت رهينة} في سورة المدثر (38)، وغير ذلك من الآيات.
ثم نبّه على أن هذا الحكم العادل مطرد مستمر حتى لو استغاثت نفس مثقلة بالأوزار مَن ينتدب لحمل أوزارها أو بعضها لم تجد من يحمل عنها شيئاً، لئلا يقيس الناس الذين في الدنيا أحوال الآخرة على ما تعارفوه، فإن العرب تعارفوا النجدة إذا استنجدوا ولو كان لأمر يُضر بالمنجد. ومن أمثالهم لو دُعي الكريم إلى حتفه لأجاب، وقال ودّاك بن ثُمَيْل المازني:
إذا استُنْجدوا لم يَسألوا من دَعاهُم *** لأَيَّة حرب أم بأي مكان
ولذلك سمي طلب الحمل هنا دعاء لأن في الدعاء معنى الاستغاثة.
وحذف مفعول تدع} لقصْد العموم. والتقدير: وإن تدع مثقلة أيَّ مدعوّ.
وقوله: {إلى حملها} متعلق ب {تدع}، وجعل الدعاء إلى الحمل لأن الحمل سبب الدعاء وعلته. فالتقدير: وإن تدع مثقلة أحداً إليها لأجل أن يَحمل عنها حملها، فحذف أحدُ متعلقي الفعل المجرور باللام لدلالة الفعل ومتعلقه المذكور على المحذوف.
وهذا إشارة إلى ما سيكون في الآخرة، أي لو استصرخت نفس مَن يحمل عنها شيئاً من أوزارها، كما كانوا يزعمون أن أصنامهم تشفع لهم أو غيرهم، لا تجد من يجيبها لذلك.
وقوله: {ولو كان ذا قربى} في موضع الحال من {مثقلة}. و{لو} وصلية كالتي في قوله تعالى: {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به} في سورة آل عمران (91).
والضمير المستتر في كان} عائد إلى مفعول {تدع} المحذوف، إذ تقديره: وإن تدع مثقلة أحداً إلى حِملها كما ذكرنا. فيصير التقدير: ولو كان المدعوّ ذَا قربى، فإن العموم الشمولي الذي اقتضته النكرة في سياق الشرط يصير في سياق الإِثبات عموماً بَدَليًّا.
ووجه ما اقتضته المبالغة من {لو} الوصلية أن ذا القربى أرق وَأشفق على قريبه، فقد يُظن أنه يغني عنه في الآخرة بأن يقاسمه الثقل الذي يؤدي به إلى العذاب فيخف عنه العذاب بالاقتسام.
والإِطلاق في القربى يشمل قريب القرابة كالأبوين والزوجين كما قال تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه} [عبس: 34، 35].
وهذا إبطال لاعتقاد الغَناء الذاتي بالتضامن والتحامل فقد كان المشركون يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيعلّلون أنفسهم إذا هُدّدوا بالبعث بأنه إن صح فإن لهم يومئذٍ شفعاء وأنصاراً، فهذا سياق توجيه هذا إلى المشركين ثم هو بعمومه ينسحب حكمهُ على جميع أهل المحشر، فلا يحمل أحد عن أحد إثمه. وهذا لا ينافي الشفاعة الواردة في الحديث، كما تقدم في سورة سبأ، فإنها إنما تكون بإذن الله تعالى إظهاراً لكرامة نبيئه محمد صلى الله عليه وسلم ولا ينافي ما جعله الله للمؤمنين من مكفّرات للذنوب كما ورد أن أفراط المؤمنين يشفعون لأمهاتهم، فتلك شفاعة جعلية جعلها الله كرامة للأمهات المصابة من المؤمنات.
{ذَا قربى إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب وَأَقَامُواْ الصلاة وَمَن تزكى فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ وَإِلَى}.
استئناف بياني لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يخطر في نفسه التعجب من عدم تأثر أكثر المشركين بإنذاره فأجيب بإن إنذاره ينتفع به المؤمنون ومن تهيّأوا للإِيمان.
وإيراد هذه الآية عقب التي قبلها يؤكد أن المقصد الأول من التي قبلها موعظة المشركين وتخويفهم، وإبلاغ الحقيقة إليهم لاقتلاع مزاعمهم وأوهامهم في أمر البعث والحساب والجزاء. فأقبل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بالخطاب ليشعر بأن تلك المواعظ لم تُجْدِ فيهم وأنها إنما ينتفع بها المسلمون، وهو أيضاً يؤكد ما في الآية الأولى من التعريض بتأمين المسلمين بما اقتضاه عموم الإِنذار والوعيد.
وأطلق الإِنذار هنا على حصول أثره، وهو الانكفاف أو التصديق به، وليس المراد حقيقة الإِنذار، وهو الإِخبار عن توقع مكروه لأن القرينة صادقة عن المعنى الحقيقي وهي قرينةُ تكرر الإِنذار للمشركين الفيْنَة بعد الفيْنة وما هو ببعيد عن هذه الآية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أنذر المشركين طول مدة دعوته، فتعين أن تعلق الفعل المقصور عليه ب {الذين يخشون ربهم بالغيب} تعلّقٌ على معنى حصول أثر الفعل.
فالمقصود من القصر أنه قصر قلب لأن المقصود التنبيه على أن لا يظُنّ النبي صلى الله عليه وسلم انتفاع الذين لا يؤمنون بنذارته، وإن كانت صيغة القصر صالحة لِمعنى القصر الحقيقي لكن اعتبار المقام يعين اعتبار القصر الإِضافي. ونظير هذه الآية قوله في سورة يس (11) {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} وقوله: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} في سورة ق (45)، مع أن التذكير بالقرآن يعم الناس كلهم.
والغيب: ما غاب عنك، أي الذين يخشون ربهم في خلواتهم وعند غيبتهم عن العيان، أي الذين آمنوا حقاً غير مرائين أحداً.
وأقاموا الصلاة} أي لم يفرطوا في صلاة كما يؤذن به فعل الإِقامة كما تقدم في أول سورة البقرة.
ولما كانت هاتان الصفتان من خصائص المسلمين صار المعنى: إنما تنذر المؤمنين، فعُدل عن استحضارهم بأشهر ألقابهم مع ما فيه من الإِيجاز إلى استحضارهم بصلتين مع ما فيهما من الإِطناب، تذرعاً بذكر هاتين الصّلتين إلى الثناء عليهم بإخلاص الإِيمان في الاعتقاد والعمل.
وجملة {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه} تذييل جار مجرى المثل. وذكر التذييل عقب المذيل يؤذن بأن ما تضمنه المذيَّل داخل في التذييل بادئ ذي بدء مثل دخول سبب العام في عمومه من أول وهلة دون أن يُخص العام به، فالمعنى: أن الذين خَشُوا ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة هم ممّن تزكى فانتفعوا بتزكيتهم، فالمعنى: إنما ينتفع بالنذارة الذين يخشون ربهم بالغيب فأولئك تزكوا بها ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه.
والمقصود من القصر في قوله: {فإنما يتزكى لنفسه} أن قبولهم النذارة كان لفائدة أنفسهم، ففيه تعريض بأن الذين لم يعبأوا بنذارته تركوا تزكية أنفسهم بها فكان تركهم ضراً على أنفسهم.
وجملة {وإلى الله المصير} تكميل للتذييل، والتعريف في {المصير} للجنس، أي المصير كله إلى الله سواء فيه مصير المتزكّي ومصير غير المتزكي، أي وكل يُجازَى بما يناسبه.
وتقديم المجرور في قوله: {وإلى الله المصير} للاهتمام للتنبيه على أنه مصير إلى من اقتضى اسمه الجليل الصفات المناسبة لإِقامة العدل وإفاضة الفضل مع الرعاية على الفاصلة.
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23)}
} لله الله المصير * وَمَا يَسْتَوِى الاعمى والبصير * وَلاَ الظلمات وَلاَ النور * وَلاَ الظل وَلاَ الحرور * وَمَا يَسْتَوِى الاحيآء وَلاَ الاموات إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى القبور}.
أربعة أمثال للمؤمنين والكافرين، وللإِيمان والكفر، شبه الكافر بالأعمى، والكُفر بالظلمات، والحرور والكافر بالميّت، وشبه المؤمن بالبصير وشبه الإِيمان بالنور والظل، وشبه المؤمن بالحي تشبيه المعقول بالمحسوس. فبعد أن بيّن قلة نفع النذارة للكافرين وأنها لا ينتفع بها غير المؤمنين ضرب للفريقين أمثالاً كاشفة عن اختلاف حاليهما، وروعي في هذه الأشباه توزيعها على صفة الكافر والمؤمن، وعلى حالة الكفر والإِيمان، وعلى أثر الإِيمان وأثر الكفر.
وقدم تشبيه حال الكافر وكفره على تشبيه حال المؤمن وإيمانه ابتداء لأن الغرض الأهم من هذا التشبيه هو تفظيع حال الكافر ثم الانتقالُ إلى حسن حال ضده لأن هذا التشبيه جاء لإِيضاح ما أفاده القصر في قوله: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} [فاطر: 18] كما تقدم آنفاً من أنه قصر إضافي قصرَ قلب، فالكافر شبيه بالأعمى في اختلاط أمره بين عقل وجهالة، كاختلاط أمر الأعمى بين إدراك وعدمه.
والمقصود: أن الكافر وإن كان ذا عقل يدرك به الأمور فإن عقله تمحض لإِدراك أحوال الحياة الدنيا وكان كالعدم في أحوال الآخرة كقوله تعالى: {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} [الروم: 7]، فحاله المقسم بين انتفاع بالعقل وعدمه يشبه حال الأعمى في إدراكه أشياء وعدم إدراكه.
والعمى يعبر به عن الضلال، قال ابن رواحة:
أرانا الهدى بعد العَمَى فقلوبنا *** به موقنات أن ما قال واقع
ثم شبه الكفر بالظلمات في أنه يجعل الذي أحاط هو به غير متبيّن للأشياء، فإن من خصائص الظلمة إخفاء الأشياء، والكافر خفيت عنه الحقائق الاعتقادية، وكلما بينها له القرآن لم ينتقل إلى أجلى، كما لو وصفت الطريق للسائر في الظلام.
وجي في {الظلمات} بلفظ الجمع لأنه الغالب في الاستعمال فهم لا يذكرون الظلمة إلا بصيغة الجمع. وقد تقدم في قوله: {وجعل الظلمات والنور} في الأنعام (1).
وضُرِب الظِلّ مَثَلاً لأثر الإِيمان، وضدُّه وهو الحرور مثلاً لأثر الكفر؛ فالظل مكان نعيم في عرف السامعين الأولين، وهم العرب أهل البلاد الحارة التي تتطلب الظل للنعيم غالباً إلا في بعض فصل الشتاء، وقوبل بالحَرور لأنه مُؤْلِم ومعذّب في عرفهم كما علمت، وفي مقابلته بالحرور إيذان بأن المراد تشبيهه بالظل في حالة استطابته.
والحرور} حر الشمس، ويطلق أيضاً على الريح الحارة وهي السموم، أو الحَرور: الريح الحارة التي تهب بليل والسموم تهب بالنهار.
وقدم في هذه الفقرة ما هو من حال المؤمنين على عكس الفقرات الثلاث التي قبلها لأجل الرعاية على الفاصلة بكلمة {الحرور}.
وفواصل القرآن من متممات فصاحته، فلها حظ من الإِعجاز.
فحال المؤمن يشبه حال الظل تطمئن فيه المشاعر، وتصدر فيه الأعمال عن تبصر وتريّث وإتقان. وحال الكافر يشبه الحَرور تضطرب فيه النفوس ولا تتمكن معه العقول من التأمل والتبصر وتصدر فيها الآراء والمساعي معجَّلة متفككة.
وأعلم أن تركيب الآية عجيب فقد احتوت على واوات عطْف وأدوات نفي؛ فكلّ من الواوين اللذين في قوله: {ولا الظلمات} الخ، وقوله: {الظل} الخ عاطف جملة على جملة وعاطف تشبيهات ثلاثة بل تشبيه منها يجمع الفريقين. والتقدير: ولا تستوي الظلمات والنور ولا يستوي الظِّل والحرور، وقد صرح بالمقدر أخيراً في قوله: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات}.
وأما الواوات الثلاثة في قوله: {والبصير} {ولا النور} {ولا الحرور} فكل واو عاطف مفرداً على مفرد، فهي ستة تشبيهات موزعة على كل فريق؛ ف {البصير} عطف على {الأعمى}، و{النور} عطف على {الظلمات}، و{الحرور} عطف على {الظل}، ولذلك أعيد حرف النفي.
وأما أدوات النفي فاثنان منها مؤكدان للتغلب الموجه إلى الجملتين المعطوفتين المحذوف فعلاهما {ولا الظلمات ولا الظل}، واثنان مؤكدان لتوجه النفي إلى المفردين المعطوفين على مفردين في سياق نفي التسوية بينهما وبين ما عطفا عليهما وهما واو {ولا النور}، وواو {ولا الحرور}، والتوكيد بعضه بالمثل وهو حرف {لا} وبعضه بالمرادف وهو حرف {ما} ولم يؤت بأداة نفي في نفي الاستواء الأول لأنه الذي ابتدئ به نفي الاستواء المؤكد من بعد فهو كله تأييس. وهو استعمال قرآني بديع في عطف المنفيات من المفردات والجمل، ومنه قوله تعالى: {لا تستوي الحسنة ولا السيئة} في سورة فصّلت (34).
وجملة وما يستوي الأحياء ولا الأموات} أظهر في هذه الجملة الفعل الذي قدّر في الجملتين اللتين قبلها وهو فعل {يستوي} لأن التمثيل هنا عاد إلى تشبيه حال المسلمين والكافرين إذ شبه حال المسلم بحال الأحياء وحال الكافرين بحال الأموات، فهذا ارتقاء في تشبيه الحالين من تشبيه المؤمن بالبصير والكافر بالأعمى إلى تشبيه المؤمن بالحي والكافر بالميّت، ونظيره في إعادة فعل الاستواء قوله تعالى في سورة الرعد (16): {قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور.} فلما كانت الحياة هي مبعث المدارك والمساعي كلها وكان الموت قاطعاً للمدارك والمساعي شبه الإِيمان بالحياة في انبعاث خير الدنيا والآخرة منه وفي تلقي ذلك وفهمه، وشبه الكفر بالموت في الانقطاع عن الأعمال والمدركات النافعة كلها وفي عدم تلقي ما يلقى إلى صاحبه فصار المؤمن شبيهاً بالحي مشابهة كاملة لمَّا خرج من الكفر إلى الإِيمان، فكأنه بالإِيمان نفخت فيه الحياة بعد الموت كما أشار إليه قوله تعالى في سورة الأنعام (122) {أو من كان ميّتاً فأحييناه} وكان الكافر شبيهاً بالميت ما دام على كفره.
واكتُفي بتشبيه الكافر والمؤمن في موضعين عن تشبيه الكفر والإِيمان وبالعكس لتلازمهما، وأوتي تشبيه الكافر والمؤمن في موضعين لكون وجه الشبه في الكافر والمؤمن أوضح، وعُكس ذلك في موضعين لأن وجه الشبه أوضح في الموضعين الآخرين.
وَلاَ الاموات إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى القبور * إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ}.
لما كان أعظم حرمان نشأ عن الكفر هو حرمان الانتفاع بأبلغ كلام وأصدقه وهو القرآن كان حال الكافر الشبيهُ بالموت أوضح شبهاً به في عدم انتفاعه بالقرآن وإعراضه عن سماعه {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والْغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت: 26]، وكان حال المؤمنين بعكس ذلك إذ تَلَقّوا القرآن ودرسوه وتفقهوا فيه {الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أولئك الذين هداهم اللَّه} [الزمر: 18]، وأعقب تمثيل حال المؤمنين والكافرين بحال الأحياء والأموات بتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم معذرة له في التبليغ للفريقين، وفي عدم قبول تبليغه لدى أحد الفريقين، وتسلية له عن ضياع وابل نصحه في سباخ قلوب الكافرين فقيل له: إن قبول الذين قبلوا الهدى واستمعوا إليه كان بتهيئة الله تعالى نفوسَهم لقبول الذكر والعلم، وإن عدم انتفاع المعرضين بذلك هو بسبب موت قلوبهم فكأنهم الأموات في القبور وأنت لا تستطيع أن تُسمع الأموات، فجاء قوله: {إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور} على مقابلة قوله: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} مقابلة اللفِّ بالنشر المرتب.
فجملة {إن الله يسمع من يشاء} تعليل لجملة {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} [فاطر: 18]، لأن معنى القصر ينحلّ إلى إثبات ونفي فكان مفيداً فريقين: فريقاً انتفع بالإِنذار، وفريقاً لم ينتفع، فعلل ذلك ب {إن الله يسمع من يشاء}.
وقوله: {وما أنت بمسمع من في القبور} إشارة إلى الذين لم يشأ الله أن يسمعهم إنذارك.
واستعير {من في القبور} للذين لم تنفع فيهم النذر، وعبر عن الأموات ب {من في القبور} لأن من في القبور أعرق في الابتعاد عن بلوغ الأصوات لأن بينهم وبين المنادي حاجز الأرض. فهذا إطناب أفاد معنى لا يفيده الإِيجاز بأن يقال: وما أنت بمسمع الموتى.
وجيء بصيغة الجمع {الأحياء} و{الأموات} تفنناً في الكلام بعد أن أورد الأعمى والبصير بالإِفراد لأن المفرد والجمع في المعرف بلام الجنس سواء إذا كان اسماً له أفراد بخلاف النور والظل والحرور، وأما جمع {الظلمات} فقد علمت وجهه آنفاً.
وجملة {إن أنت إلا نذير} أفادت قصراً إضافياً بالنسبة إلى معالجة تسميعهم الحقَ، أي أنت نذير للمشابهين مَن في القبور ولسْت بمُدْخِل الإِيمان في قلوبهم، وهذا مسوق مساق المعذرة للنبيء صلى الله عليه وسلم وتسليته إذ كان مهتَمًّا من عدم إيمانهم.
والنذير: المنبئ عن توقع حدوث مكروه أو مؤلم.
والاقتصار على وصفه بالنذير لأن مساق الكلام على المصمِّمين على الكفر.
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24)}
استئناف ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وتنويه به وبالإِسلام. وفيه دفع توهم أن يكون قصره على النذارة قصراً حقيقاً لتبيّن أن قصره على النذارة بالنسبة للمشركين الذين شابَه حالُهم حالَ أصحاب القبور، أي أن رسالتك تجمع بشارة ونذارة؛ فالبشارة لمن قَبِل الهدى، والنذارة لمن أعرض عنه، وكل ذلك حقّ لأن الجزاء على حسب القبول، فهي رسالة ملابسة للحق ووضع الأشياء مواضعها.
فقوله: {بالحق} إما حال من ضمير المتكلم في {أرسلناك} أي مُحقّين غير لاَعبين، أو من كاف الخطاب، أي مُحِقّاً أنتَ غير كاذب، أو صفةٌ لمصدر محذوف، أي إرسالاً ملابساً بالحق لا يشوبه شيء من الباطل. وتقدم نظير هذه الجملة في سورة البقرة.
وقوله: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} إبطال لاستبعاد المشركين أن يرسل الله إلى الناس بشراً منهم، فإن تلك الشبهة كانت من أعظم ما صدّهم عن التصديق به، فلذلك أُتبعت دلائل الرسالة بإبطال الشبهة الحاجبة على حدّ قوله تعالى: {قل ما كنت بدعاً من الرسل} [الأحقاف: 9].
وأيضاً في ذلك تسفيه لأحلامهم إذ رضُوا أن يكونوا دون غيرهم من الأمم التي شُرّفت بالرسالة.
ووجه الاقتصار على وصف النذير هنا دون الجمع بينه وبين وصف البشير هو مراعاة العموم الذي في قوله: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}، فإن من الأمم من لم تحصل لها بشارة لأنها لم يؤمن منها أحد، ففي الحديث: «عُرضت عليّ الأمم فجَعَل النبي يمرّ معه الرهط، والنبي يمرّ معه الرجل الواحد، والنبي يمرّ وحده» الحديث، فإن الأنبياء الذين مرّوا وحدهم هم الأنبياء الذين لم يستجب لهم أحد من قومهم، وقد يكون عدم ذكر وصف البشارة للاكتفاء بذكر قرينة اكتفاء بدلالة ما قبله عليه، وأُوثر وصف النذير بالذكر لأنه أشد مناسبة لمقام خطاب المكذبين.
ومعنى الأمة هنا: الجذم العظيم من أهل نسب ينتهي إلى جدّ واحد جامع لقبائل كثيرة لها مواطن متجاورة مثل أمة الفُرس وأمة الروم وأمة الصين وأمة الهند وأمة اليونان وأمة إسرائيل وأمة العرب وأمة البرْبر؛ فما من أمة من هؤلاء إلا وقد سبق فيها نذير، أي رسول أو نبيء يُنذرهم بالمهلكات وعذاب الآخرة. فمن المنذِرين من علمناهم، ومنهم من أنذروا وانقرضوا ولم يبق خبرهم قال تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصُصْ عليك} [غافر: 78].
والحكمة في الإِنذار أن لا يبقى الضلال رائجاً وأن يتخول الله عباده بالدعوة إلى الحق سواء عملوا بها أو لم يعملوا فإنها لا تخلو من أثر صالح فيهم. وإنما لم يسم القرآن إلا الأنبياء والرسل الذين كانوا في الأمم الساميّة القاطنة في بلاد العرب وما جاورها لأن القرآن حين نزوله ابتدأ بخطاب العرب ولهم علم بهؤلاء الأقوام فقد علموا أخبارهم وشهدوا آثارهم فكان الاعتبار بهم أوقع، ولو ذكرت لهم رسل أمم لا يعرفونهم لكان إخبارهم عنهم مجرد حكاية ولم يكن فيه استدلال واعتبار.
{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26)}
أعقب الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم بتسليته على تكذيب قومه وتأنيسه بأن تلك سنة الرسل مع أممهم.
وإذ قد كان سياق الحديث في شأن الأمم جعلت التسلية في هذه الآية بحال الأمم مع رسلهم عكس ما في آية آل عمران (184): {فإن كذبوك فقد كذّب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير} لأن سياق آية آل عمران كان في ردّ محاولة أهل الكتاب إفحام الرسول لأن قبلها {الذين قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار} [آل عمران: 183].
وقد خولف أيضاً في هذه الآية أسلوب آية آل عمران إذ قرن كل من «الزبر والكتاب المنير» هنا بالباء، وجُرّدا منها في آية آل عمران وذلك لأن آية آل عمران جرت في سياق زعم اليهود أن لا تقبل معجزة رسول إلا معجزة قُربان تأكله النار، فقيل في التفرد ببهتانهم: قد كُذّبت الرسل الذين جاء الواحد منهم بأصناف المعجزات مثل عيسى عليه السلام ومن معجزاتهم قرابين تأكلها النار فكذبتموهم، فترك إعادة الباء هنالك إشارة إلى أن الرُسل جاءوا بالأنواع الثلاثة.
ولما كان المقام هنا لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ناسب أن يذكر ابتلاء الرسل بتكذيب أممهم على اختلاف أحوال الرسل؛ فمنهم الذين أتَوا بآيات، أي خوارق عادات فقط مثل صالح وهود ولوط، ومنهم من أتوا بالزبر وهي المواعظ التي يؤمر بكتابتها وزَبرها، أي تخطيطها لتكون محفوظة وتردد على الألسن كزبور داود وكتب أصحاب الكتب من أنبياء بني إسرائيل مثل أرمياء وإيلياء، ومنهم من جاءوا بالكتاب المنير، يعني كتاب الشرائع مثل إبراهيم وموسى وعيسى، فذكر الباء مشير إلى توزيع أصناف المعجزات على أصناف الرسل.
فزبور إبراهيم صُحُفه المذكورة في قوله تعالى: {صحف إبراهيم وموسى} [الأعلى: 19].
وزبور موسى كلامه في المواعظ الذي ليس فيه تبليغ عن الله مثل دعائه الذي دعا به في قادش المذكور في الإِصحاح التاسع من سفر التثنية، ووصيته في عَبر الأردن التي في الإِصحاح السابع والعشرين من السفر المذكور، ومثل نشيده الوعظي الذي نطق به وأمر بني إسرائيل بحفظه والترنّم به في الإِصحاح الثاني والثلاثين منه، ومثل الدعاء الذي بارك به أسباط إسرائيل في عَربات مُؤاب في آخر حياته في الإِصحاح الثالث والثلاثين منه.
وزبور عيسى أقواله المأثورة في الأناجيل مما لم يكن منسوباً إلى الوحي.
فالضمير في «جاءوا» للرسل وهو على التوزيع، أي جاء مجموعهم بهذه الأصناف من الآيات، ولا يلزم أن يجيء كل فرد منهم بجميعها كما يقال بنو فلان قتلوا فلاناً.
وجواب {إن يكذبوك} محذوف دلت عليه علته وهي قوله: {فقد كذبت رسل من قبلك}
[فاطر: 4]. والتقدير: إن يكذبوك فلا تحزن، ولا تحسبهم مفلِتين من العقاب على ذلك إذ قد كذب الأقوام الذين جاءتهم رسل من قبل هؤلاء وقد عاقبناهم على تكذيبهم.
فالفاء في قوله: {فقد كذب الذين من قبلهم} فاء فصيحة أو تفريع على المحذوف.
وجملة {جاءتهم} صلة {الذين}، و{من قبلهم} في موضع الحال من اسم الموصول مقدّم عليه أو متعلق ب {جاءتهم}.
و {ثمّ} عاطفة جملة {أخذت} على جملة {جاءتهم} أي ثمّ أخذتهم، وأُظهر {الذين كفروا} في موضع ضمير الغيبة للإِيماء إلى أن أخذهم لأجل ما تضمنته صلة الموصول من أنهم كفروا.
والأخذ مستعار للاستئصال والإِفناء؛ شبه إهلاكهم جزاءً على تكذيبهم بإتلاف المغيرين على عدوّهم يقتلونهم ويغنمون أموالهم فتبقى ديارهم بَلْقَعاً كأنهم أخذوا منها.
و (كيف) استفهام مستعمل في التعجيب من حالهم وهو مفرع بالفاء على {أخذت الذين كفروا}، والمعنى: أخذتهم أخذاً عجيباً كيف ترون أعجوبته. وأصل (كيف) أن يستفهم به عن الحال فلما استعمل في التعجيب من حال أخذهم لزم أن يكون حالهم معروفاً، أي يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم وكلّ من بلغتْه أخبارهم فعلى تلك المعرفة المشهورة بني التعجيب.
والنَّكير: اسم لشدة الإِنكار، وهو هنا كناية عن شدة العقاب لأن الإِنكار يستلزم الجزاء على الفعل المنكر بالعقاب.
وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً ولرعاية الفواصل في الوقف لأن الفواصل يعتبر فيها الوقت، وتقدم في سبأ.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27)}
{كَانَ نَكِيرِ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ}.
استئناف فيه إيضاح ما سبقه من اختلاف أحوال الناس في قبول الهدى ورفضه بسبب ما تهيأت خِلقة النفوس إليه ليظهر به أن الاختلاف بين أفراد الأصناف والأنواع ناموس جِبلِّي فَطر الله عليه مخلوقات هذا العالم الأرضي.
والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ليدفع عنه اغتمامه من مشاهدة عدم انتفاع المشركين بالقرآن.
وضُرب اختلاف الظواهر في أفراد الصنف الواحد مثلاً لاختلاف البواطن تقريباً للأفهام، فكان هذا الاستئناف من الاستئناف البياني لأن مثل هذا التقريب مما تشرئِبُّ إليه الأفهام عند سماع قوله: {إن الله يسمع من يشاء} [فاطر: 22].
والرؤية بصرية، والاستفهام تقريري، وجاء التقرير على النفي على ما هو المستعمل كما بيناه عند قوله تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم} في سورة الأعراف (148) وفي آيات أخرى.
وضمير فأخرجنا} التفات من الغيبة إلى التكلم.
والألوان: جمع لون وهو عَرَض، أي كيفية تعرض لسطوح الأجسام يكيِّفه النورُ كيفيات مختلفة على اختلاف ما يحصل منها عند انعكاسها إلى عدسات الأعين من شبه الظلمة وهو لون السواد وشِبه الصبح هو لون البياض، فهما الأصلان للألوان، وتنشق منها ألوان كثيرة وضعت لها أسماء اصطلاحية وتشبيهية. وتقدم عند قوله تعالى: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها} في سورة البقرة (69)، وتقدم في سورة النحل.
والمقصود من الاعتبار هو اختلاف ألوان الأصناف من النوع الواحد كاختلاف ألوان التفاح مع ألوان السفرجل، وألوان العنب مع ألوان التين، واختلاف ألوان الأفراد من الصنف الواحد تارات كاختلاف ألوان التمور والزيتون والأعناب والتفاح والرمان.
وذكر إنزال الماء من السماء إدماج في الغرض للاعتبار بقدرة الله مع ما فيه من اتحاد أصل نشأة الأصناف والأنواع كقوله تعالى: {تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] وذلك أرعى للاعتبار.
وجيء بالجملتين الفعليتين في {أنزل} و«أخرجنا» لأن إنزال الماء وإخراج الثمرات متجدد آنا فآنا.
والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: {أنزل} وقوله: «أخرجنا» لأن الاسم الظاهر أنسب بمقام الاستدلال على القدرة لأنه الاسم الجامع لمعاني الصفات.
وضمير التكلم أنسب بِما فيهِ امتنان.
وقدم الاعتبار باختلاف أحوال الثمرات لأن في اختلافها سعة تشبه سعة اختلاف الناس في المنافع والمدارك والعقائد. وفي الحديث: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمْرة طعمُها طيّب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحُها طيّب وطعمها مُرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مرّ ولا ريح لها ".
وجرد {مختلفاً} من علامة التأنيث مع أن فاعله جمع وشأنُ النعت السَببي أن يوافق مرفوعه في التذكر وضده والإِفراد وضده، ولا يوافق في ذلك منعوته، لأنه لما كان الفاعل جمعاً لما لا يعقل وهو الألوان كان حذف التاء في مثله جائزاً في الاستعمال، وآثره القرآن إيثاراً للإِيجاز.
والمراد بالثمرات: ثمرات النخيل والأعناب وغيرها، فثمرات النخيل أكثر الثمرات ألواناً، فإن ألوانها تختلف باختلاف أطوارها، فمنها الأخضر والأصفر والأحمر والأسود.
{مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها}.
عطف على جملة {ألم تر أن الله} فهي مثلها مستأنفة، وعطفها عليها للمناسبة الظاهرة.
و {جدد} مبتدأ {ومن الجبال} خبره. وتقديم الخبر للاهتمام وللتشويق لذكر المبتدأ حثّاً على التأمل والنظر.
و {من} تبعيضية على معنى: وبعض تراب الجبال جُدَد، ففي الجبل الواحد توجد جُدد مختلفة، وقد يكون بعض الجُدَد بعضها في بعض الجبال وبعض آخر في بعض آخر.
و {جُدَد}: جمع جُدّة بضم الجيم، وهي الطريقة والخطة في الشيء تكون واضحة فيه. يقال للخطة السوداء التي على ظهر الحمار جُدّة، وللظبي جدّتان مسكيّتا اللون تفصلان بين لوني ظهره وبطنه، والجدد البيض التي في الجبال هي ما كانت صخوراً بيضاء مثل المروة، أو كانت تقرب من البياض فإن من التراب ما يصير في لون الأصهب فيقال: تراب أبيض، ولا يعنون أنه أبيض كالجير والجص بل يعنون أنه مخالف لغالب ألوان التراب، والجُدَد الحُمر هي ذات الحجارة الحمراء في الجبال.
و {غرابيبُ} جمع غربيب، والغربيبُ: اسم للشيء الأسود الحالك سواده، ولا تعرف له مادة مشتق هو منها، وأحسب أنه مأخوذ من الجامد، وهو الغراب لشهرة الغراب بالسواد.
{وسود} جمع أسود وهو الذي لونه السواد.
فالغربيب يدل على أشد من معنى أسود، فكان مقتضى الظاهر أن يكون {غرابيب} متأخراً عن {سود} لأن الغالب أنهم يقولون: أسود غربيب، كما يقولون: أبيض يقق وأصفر فاقع وأحمر قان، ولا يقولون: غربيب أسود وإنما خولف ذلك للرعاية على الفواصل المبنية على الواو والياء الساكنتين ابتداءً من قوله: {واللَّه هو الغني الحميد} [فاطر: 15]، على أن في دعوى أن يكون غربيباً تابعاً لأسود نظراً والآية تؤيد هذا النظر، ودعوى كون {غرابيب} صفة لمحذوف يدل عليه {سود} تكلف واضح، وكذلك دعوى الفراء: أن الكلام على التقديم والتأخير، وغرض التوكيد حاصل على كل حال.
{وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)}
{وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ الناس والدوآب والانعام مُخْتَلِفٌ ألوانه كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ}.
موقعه كموقع قوله: {ومن الجبال جدد} [فاطر: 27]، ولا يلزم أن يكون مسوغ الابتداء بالنكرة غير مفيد معنى آخر فإن تقديم الخبر هنا سوغ الابتداء بالنكرة.
واختلاف ألوان الناس منه اختلاف عام وهو ألوان أصناف البشر وهي الأبيض والأسود والأصفر والأحمر حسب الاصطلاح الجغرافي. وللعرب في كلامهم تقسيم آخر لألوان أصناف البشر، وقد تقدم عند قوله: {واختلاف ألسنتكم وألوانكم} في سورة الروم (22).
ومن} تبعيضية. والمعنى: أن المختلف ألوانه بعض من الناس، ومجموع المختلفات كله هو الناس كلهم وكذلك الدواب والأنعام، وهو نظم دقيق دعا إليه الإِيجاز.
وجيء في جملة {ومن الجبال جدد} [فاطر: 27] و{من الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه} بالاسمية دون الفعلية كما في الجملة السابقة لأن اختلاف ألوان الجبال والحيوان الدال على اختلاف أحوال الإِيجاد اختلافاً دائماً لا يتغير وإنما يحصل مرة واحدة عند الخلق وعند تولد النسل.
{مُخْتَلِفٌ ألوانه كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله}.
الأظهر عندي أن {كذلك} ابتداء كلام يتنزل منزلة الإِخبار بالنتيجة عقب ذكر الدليل. والمعنى: كذلك أمر الاختلاف في ظواهر الأشياء المشاهد في اختلاف ألوانها وهو توطئة لما يرد بعده من تفصيل الاستنتاج بقوله: {إنما يخشى الله من عباده} أي إنما يخشى الله من البشر المختلفة ألوانهم العلماء منهم، فجملة {إنما يخشى الله من عباده العلماء} مستأنفة عن جملة {كذلك}. وإذا علم ذلك دل بالالتزام على أن غير العلماء لا تتأتّى منهم خشية الله فدلّ على أن البشر في أحوال قلوبهم ومداركهم مختلفون. وهذا مثل قوله: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} [فاطر: 18].
وأوثر هذا الأسلوب في الدلالة تخلصاً للتنويه بأهل العلم والإِيمان لينتقل إلى تفصيل ذلك بقوله: {إن الذين يتلون كتاب الله} [فاطر: 29] الآية...
فقوله: {كذلك} خبر لمبتدأ محذوف دل عليه المقام. والتقدير: كذلك الاختلاف، أو كذلك الأمر على نحو قوله تعالى في سورة الكهف (91): {كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً} وهو من فصل الخطاب كما علمت هنالك ولذلك يحسن الوقف على ما قبله ويستأنف ما بعده.
وأما جعل كذلك} من توابع الكلام السابق فلا يناسب نظم القرآن لضعفه.
والقصر المستفاد من {إنما} قصر إضافي، أي لا يخشاه الجهال، وهم أهل الشرك فإن من أخص أوصافهم أنهم أهل الجاهلية، أي عدم العلم؛ فالمؤمنون يومئذٍ هم العلماء، والمشركون جاهلون نفيت عنهم خشية الله. ثم إن العلماء في مراتب الخشية متفاوتون في الدرجات تفاوتاً كثيراً. وتقديم مفعول {يخشى} على فاعله لأن المحصور فيهم خشية الله هم العلماء فوجب تأخيره على سنة تأخير المحصور فيه.
والمراد بالعلماء: العلماء بالله وبالشريعة، وعلى حسب مقدار العلم في ذلك تقْوَى الخشية؛ فأما العلماء بعلوم لا تتعلق بمعرفة الله وثوابه وعقابه معرفة على وجهها فليست علومهم بمقربة لهم من خشية الله، ذلك لأن العالم بالشريعة لا تلتبس عليه حقائق الأسماء الشرعية فهو يفهم مواقعها حق الفهم ويرعاها في مواقعها ويعلم عواقبها من خير أو شر، فهو يأتي ويدع من الأعمال ما فيه مراد الله ومقصدُ شرعه، فإنْ هو خالف ما دعت إليه الشريعة في بعض الأحوال أو في بعض الأوقات لداعي شهوة أو هوى أو تعجل نفع دنيوي كان في حال المخالفة موقناً أنه مورَّط فيما لا تحمد عقباه، فذلك الإِيقان لا يلبث أن ينصرف به عن الاسترسال في المخالفة بالإِقلاع أو الإِقلال.
وغير العالم إن اهتدى بالعلماء فسعيه مثل سعي العلماء وخشيته متولدة عن خشية العلماء. قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد «والعلم دليل على الخيرات وقائد إليها، وأقرب العلماء إلى الله أولاهم به وأكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة».
وجملة {إن الله عزيز غفور} تكميل للدلالة على استغناء الله تعالى عن إيمان المشركين ولكنه يريد لهم الخير. ولما كان في هذا الوصف ضرب من الإِعراض عنهم مما قد يحدث يأساً في نفوس المقاربين منهم، أُلِّفَتْ قلوبهم بإتباع وصف {عزيز}، بوصف {غفور} أي فهو يقبل التوبة منهم إن تابوا إلى ما دعاهم الله إليه على أن في صفة {غفور} حظاً عظيماً لأحد طرفي القصر وهم العلماء، أي غفور لهم.
{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)}
استئناف لبيان جملة {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] الآية، فالذين يتلون كتاب الله هم المراد بالعلماء، وقد تخلّص إلى بيان فوز المؤمنين الذين اتَّبعوا الذكر وخشوا الرحمان بالغيب فإن حالهم مضادّ لحال الذين لم يسمعوا القرآن وكانوا عند تذكيرهم به كحال أهل القبور لا يسمعون شيئاً. فبعد أن أثنى عليهم ثناء إجمالياً بقوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، وأجمل حسن جزائهم بذكر صفة {غفور} [فاطر: 28] ولذلك ختمت هذه الآية بقوله: {إنه غفور شكور} فُصِّل ذلك الثناء وذكرت آثاره ومنافعه.
فالمراد ب {الذين يتلون كتاب الله} المؤمنون به لأنهم اشتهروا بذلك وعُرفوا به وهم المراد بالعلماء. قال تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: 49]. وهو أيضاً كناية عن إيمانهم لأنه لا يتلو الكتاب إلا من صدّق به وتلقاه باعتناء. وتضمن هذا أنهم يكتسبون من العلم الشرعي من العقائد والأخلاق والتكاليف، فقد أشعر الفعل المضارع بتجدد تلاوتهم فإن نزول القرآن متجدد فكلما نزل منه مقدار تلقوه وتدارسوه.
وكتاب الله القرآن وعدل عن اسمه العلم إلى اسم الجنس المضاف لاسم الجلالة لما في إضافته إليه من تعظيم شأنه.
وأتبع ما هو علامة قبول الإِيمان والعلم به بعلامة أخرى وهي إقامة الصلاة كما تقدم في سورة البقرة (2) {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} فإنها أعظم الأعمال البدنية، ثم أتبعت بعمل عظيم من الأعمال في المال وهي الإِنفاق، والمراد بالإِنفاق حيثما أطلق في القرآن هو الصدقات واجبها ومستحبها وما ورد الإِنفاق في السور المكية إلا والمراد به الصدقات المستحبة إذ لم تكن الزكاة قد فرضت أيامئذ؛ على أنه قد تكون الصدقة مفروضة دون نُصب ولا تَحديد ثم حدِّدت بالنصب والمقادير.
وجيء في جانب إقامة الصلاة والإِنفاق بفعل المضي لأن فرض الصلاة والصدقة قد تقرر وعملوا به فلا تجدد فيه، وامتثال الذي كلفوا به يقتضي أنهم مداومون عليه.
وقوله: مما رزقناهم} إدماج للامتنان وإيماء إلى أنه إنفاق شكر على نعمة الله عليهم بالرزق فهم يعطون منه أهل الحاجة.
ووقع الالتفات من الغيبة من قوله: {كتاب الله} إلى التكلم في قوله: {مما رزقناهم} لأنه المناسب للامتنان.
وانتصب {سراً وعلانية} على الصفة لمصدر {أنفقوا} محذوففٍ، أي إنفاق سر وإنفاق علانية والمصدر مبين للنوع.
والمعنى: أنهم لا يريدون من الإِنفاق إلا مرضاة الله تعالى لا يراءون به، فهم ينفقون حيث لا يراهم أحد وينفقون بمرأى من الناس فلا يصدهم مشاهدة الناس عن الإِنفاق.
وفي تقديم السر إشارة إلى أنه أفضل لانقطاع شائبة الرياء منه، وذكر العلانية للإِشارة إلى أنهم لا يصدهم مرأى المشركين عن الإِنفاق فهم قد أعلنوا بالإِيمان وشرائعه حبّ من حبّ أو كره من كره.
و {يرجون تجارة} هو خبر {إن}.
والخبر مستعمل في إنشاء التبشير كأنه قيل: لِيرجُوا تجارة، وزاده التعليلُ بقوله: {ليوفيهم أجورهم} قرينةً على إرادة التبشير.
والتجارة مستعارة لأعمالهم من تلاوة وصلاة وإنفاق.
ووجه الشبه مشابهة ترتب الثواب على أعمالهم بترتب الربح على التجارة.
والمعنى: ليرجوا أن تكون أعمالهم كتجارة رابحة.
والبوار: الهلاك. وهلاك التجارة: خسارة التاجر. فمعنى {لن تبور} أنها رابحة. و{لن تبور} صفة {تجارة}. والمعنى: أنهم يرجون عدم بوار التجارة.
فالصفة مناط التبشير والرجاء لا أصل التجارة لأن مشابهة العمل الفظيع لعمل التاجر شيء معلوم.
و {ليوفيهم} متعلق ب {يرجون}، أي بشرناهم بذلك وقدَّرناه لهم لنوفيهم أجورهم. ووقع الالتفات من التكلم في قوله: {مما رزقناهم} إلى الغيبة رجوعاً إلى سياق الغيبة من قوله: {يتلون كتاب الله} أي ليوفي الله الذين يتلون كتابه.
والتوفية: جعل الشيء وافِياً، أي تامّاً لا نقيصة فيه ولا غبن.
وأسْجلَ عليهم الفضل بأنه يزيدهم على ما تستحقه أعمالهم ثواباً من فضله، أي كرمه، وهو مضاعفة الحسنات الواردة في قوله تعالى: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} [البقرة: 261] الآية.
وذيل هذا الوعد بما يحققه وهو أن الغفران والشكران من شأنه، فإنّ من صفاته الغفور الشكور، أي الكثير المغفرة والشديد الشكر.
فالمغفرة تأتي على تقصير العباد المطيعين، فإن طاعة الله الحقّ التي هي بالقلب والعمل والخواطر لا يبلغ حق الوفاء بها إلا المعصوم ولكن الله تجاوز عن الأمة فيما حدّثت به أنفسها، وفيما همت به ولم تفعله، وفي اللمم، وفي محو الذنوب الماضية بالتوبة، والشكر كناية عن مضاعفة الحسنات على أعمالهم فهو شكر بالعمل لأن الذي يجازي على عمل المجزيّ بجزاء وافر يدل جزاؤه على أنه حمد للفاعل فعله.
وأكد هذا الخبر بحرف التأكيد زيادة في تحقيقه، ولما في التأكيد من الإِيذان بكون ذلك علة لتوفية الأجور والزيادة فيها.
وفي الآية ما يشمل ثواب قُرَّاء القرآن، فإنهم يصدق عنهم أنهم من الذين يتلون كتاب الله ويقيمون الصلاة ولو لم يصاحبهم التدبر في القرآن فإن للتلاوة حظها من الثواب والتنوّر بأنوار كلام الله.
{وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31)}
{غَفُورٌ شَكُورٌ * والذى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق}.
لما كان المبدأ به من أسباب ثواب المؤمنين هو تلاوتهم كتاب الله أعقب التنويه بهم بالتنويه بالقرآن للتذكير بذلك، ولأن في التذكير بجلال القرآن وشرفه إيماء إلى علة استحقاق الذين يتلونه ما استحَقوا. وابتدئ التنويه به بأنه وحي من الله إلى رسوله، وناهيك بهذه الصلة تنويهاً بالكتاب، وهو يتضمن تنويهاً بشأن الذي أنزل عليه من قوله: {والذي أوحينا إليك}، ففي هذا مسرة للنبيء صلى الله عليه وسلم وبشارة له بأنه أفضل الرسل وأن كتابه أفضل الكتب.
وهذه نكتة تعريف المسند إليه باسم الموصول لما في الصلة من الإِيماء إلى وجه كونه الحق الكامل، دون الإِضمار الذي هو مقتضى الظاهر بأن يقال: وهو الكتاب الحق.
فالتعريف في {الكتاب} تعريف العهد.
و {مِن} بيانية لما في الموصول من الإِبهام، والتقدير: والكتاب الذي أوحينا إليك هو الحقّ. فقدم الموصول الذي حقه أن يَقع صفة للكتاب تقديماً للتشويق بالإِبهام ليقع بعده التفصيل فيتمكن من الذهن فضْلَ تمكن.
فجملة {والذي أوحينا إليك من الكتاب} معطوفة على جملة {إن الذين يتلون كتاب الله} [فاطر: 29] فهي مثلها في حكم الاستئناف.
وضمير {هو} ضمير فصل، وهو تأكيد لما أفاده تعريفَ المسند من القصر.
والتعريف في {الحق} تعريف الجنس. وأفاد تعريفُ الجزأين قصر المسند على المسند إليه، أي قصر جنس الحق على {الذي أوحينا إليك}، وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بحقيّة ما عداه من الكتب.
فأما الكتب غير الإِلهية مثل (الزند فسْتَا) كتاب (زرادشت) ومثل كتب الصابئة فلأنَّ ما فيها من قليل الحق قد غمر بالباطل والأوهام.
وأما الكتب الإِلهية كالتوراة والإِنجيل وما تضمنته كتب الأنبياء كالزبور وكتاب أرميا من الوحي الإِلهي، فما شهد القرآن بحقيته فقد دخل في شهادة قوله: {مصدقاً لما بين يديه}، وما جاء نسخُه بالقرآن فقد بين النسخ تحديد صلاحيته في القرآن. وذلك أيضاً تصديق لها لأنه يدفع موهم بطلانها عند من يجد خلافها في القرآن وما عسى أن يكون قد نقل على تحريف أو تأويل فقد دخل فيما أخرجه القصر. وقد بين القرآن معظمهُ وكشف عن مواقعه كقوله: {وهو محرم عليكم إخراجهم} [البقرة: 85].
ومعنى «ما بين يديه» ما سبقه لأن السابق يجيء متقدِّماً على المسبوق فكأنه يمشي بين يديه كقوله تعالى: {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} [سبأ: 46]. والمراد بما بين يديه ما قبله من الشرائع، وأهمها شريعة موسى وشريعة عيسى عليهما السلام.
وانتصب {مصدقاً} على الحال من {الكتاب} والعامل في الحال فعل {أوحينا} ليفيد أنه مع كونه حقّاً بالغاً في الحقيَّة فهو مصدق للكتب الحقّة، ومقرر لما اشتملت عليه من الحق.
{بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ الله بِعِبَادِهِ}.
تذييل جامع لما تضمنته الآيات قبله من تفضيل بعض عباد الله على بعض ومن انطواء ضمائرهم على الخشية وعدمها، وإقبال بعضهم على الطاعات وإعراض بعض، ومن تفضيل بعض كتب الله على بعض المقتضي أيضاً تفضيل بعض المرسلين بها على بعض، فموقع قوله: {إن الله بعباده لخبير بصير} موقع إقناع السامعين بأن الله عليم بعباده وهو يعاملهم بحسب ما يعلم منهم، ويصطفي منهم من علم أنه خلقه كفئاً لاصطفائه، فأَلْقَمَ بهذا الذين قالوا: {أأنزل عليه الذكر من بيننا} [ص: 8] حَجراً، وكأولئك أيضاً الذين ينكرون القرآن من أهل الكتاب بعلة أنه جاء مبطلاً لكتابهم.
والخبير: العالم بدقائق الأمور المعقولة والمحسوسة والظاهرة والخفية.
والبصير: العالم بالأمور المبصرة. وتقديم الخبير على البصير لأنه أشمل. وذكر البصير عقبه للعناية بالأعمال التي هي من المبصرات وهي غالب شرائع الإِسلام، وقد تكرر إرداف الخبير بالبصير في مواضع كثيرة من القرآن.
والتأكيد ب {إنَّ} واللام للاهتمام بالمقصود من هذا الخبر.
{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)}
{ثمّ} للترتيب الرتبي كما هو شأنها في عطفها الجمل فهي هنا لعطف الجمل عطفاً ذكرياً، فالمتعاطفات بها بمنزلة المستأنفات، فهذه الجملة كالمستأنفة، و{ثم} للترقي في الاستئناف. وهذا ارتقاء في التنويه بالقرآن المتضمن التنويه بالرسول صلى الله عليه وسلم وعروج في مسرّته وتبشيره، فبعد أن ذُكِّر بفضيلة كتابه وهو أمر قد تقرر لديه زيد تبشيراً بدوام كتابه وإيتائه أمة هم المصطَفون من عباد الله تعالى، وتبشيره بأنهم يعملون به ولا يتركونه كما ترك أمم من قبله كتبهم ورسلهم، لقوله: {فمنهم ظالم لنفسه} الآية، فهذه البشارة أهم عند النبي صلى الله عليه وسلم من الإخبار بأن القرآن حق مصدق لما بين يديه، لأن هذه البشارة لم تكن معلومة عنده فوقعها أهمّ.
وحمل الزمخشري {ثم} هنا على التراخي الزمني فاحتاج إلى تكلف في إقامة المعنى.
والمراد ب {الكتاب} الكتاب المعهود وهو الذي سبق ذكره في قوله: {والذي أوحينا إليك من الكتاب} [فاطر: 31] أي القرآن.
و {أورثنا} جعلنا وارثِين. يقال: ورث، إذا صار إليه مال ميت قريب. ويستعمل بمعنى الكسب عن غير اكتساب ولا عوض، فيكون معناه: جعلناهم آخذين الكتاب منا، أو نَجعَل الإِيراث مستعملاً في الأمر بالتلقي، أي أمرنا المسلمين بأن يرثوا القرآن، أي يتلقوه من الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى الاحتمالين ففي الإِيراث معنى الإِعطاء فيكون فعل {أورثنا} حقيقاً بأن ينصب مفعولين. وكان مقتضى الظاهر أن يكون أحد المفعولين الذي هو الآخذُ في المعنى هو المفعولَ الأول والآخر ثانياً، وإنما خولف هنا فقُدِّم المفعول الثاني لأمْننِ اللبس قصداً للاهتمام بالكتاب المعطى. وأما التنويه بآخذي الكتاب فقد حصل من الصلة.
والمراد بالذين اصطفاهم الله: المؤمنون كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} إلى قوله: {هو اجتباكم} [الحج: 77، 78]. وقد اختار الله للإِيمان والإِسلام أفضل أمة من الناس، وقد رويت أحاديث كثيرة تؤيد هذا المعنى في مسند أحمد بن حنبل وغيره ذكرها ابن كثير في «تفسيره».
ولما أريد تعميم البشارة مع بيان أنهم مراتب فيما بُشروا به جيء بالتفريع في قوله: {فمنهم ظالم لنفسه} إلى آخره، فهو تفصيل لمراتب المصطفَيْن لتشمل البشارة جميع أصنافهم ولا يظن أن الظالم لنفسه محروم منها، فمناط الاصطفاء هو الإِيمان والإِسلام وهو الانقياد بالقول والاستسلام.
وقدم في التفصيل ذكر الظالم لنفسه لدفع توهم حرمانه من الجنة وتعجيلاً لمسرَّته.
والفاء في قوله: {فمنهم ظالم لنفسه} الخ تفصيل لأحوال الذين أورثوا الكتاب أي أعطوا القرآن. وضمير «منهم» الأظهر أنه عائد إلى {الذين اصطفينا}، وذلك قول الحسن وعليه فالظالم لنفسه من المصطفَيْن. وقيل هو عائد إلى {عبادنا} أي ومن عبادنا علمه والإطلاق. وهو قول ابن عباس وعكرمة وقتادة والضحاك، وعليه فالظالم لنفسه هو الكافر.
ويسري أثر هذا الخلاف في محْمل ضمير {جنات عدن يدخلونها} [فاطر: 33] ولذلك يكون قول الحسن جارياً على وفاق ما روي عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي الدرداء وعقبة بن عمرو وما هو مروي عن عائشة وهو الراجح.
والظالمون لأنفسهم هم الذين يجرُّون أنفسهم إلى ارتكاب المعصية فإن معصية المرء ربَّه ظلم لنفسه لأنه يورطها في العقوبة المعينة للمعاصي على تفصيلها وذلك ظلم للنفس لأنه اعتداء عليها إذ قصر بها عن شيء من الخيرات قليل أو كثير، وورطها فيما تجد جزاء ذميماً عليه. قال تعالى حكاية عن آدم وحواء حين خالفا ما نُهِيا عنه من أكل الشجرة {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} [الأعراف: 23] وقال: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} [النساء: 110] وقال: {إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم} في سورة النمل (11)، وقال: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه إن اللَّه يغفر الذنوب جميعاً} في سورة الزمر (53).
واللام في لنفسه} لام التقوية لأن العامل فرع في العمل إذ هو اسم فاعل.
والمقتصد: هو غير الظالم نفسه كما تقتضيه المقابلة، فهم الذين اتقوا الكبار ولم يحرموا أنفسهم من الخيرات المأمور بها وقد يلمون باللمم المعفو عنه من الله، ولم يأتوا بمنتهى القربات الرافعة للدرجات، فالاقتصاد افتعال من القصد وهو ارتكاب القصد وهو الوسط بين طرفين يبينه المقام، فلما ذكر هنا في مقابلة الظالم والسابق عُلم أنه مرتكب حالة بين تينك الحالتين فهو ليس بظالم لنفسه وليس بسابق.
والسابق أصله: الواصل إلى غاية معينة قبلَ غيره من الماشين إليها. وهو هنا مجاز لإِحراز الفضل لأن السابق يحرز السَبق (بفتح الباء)، أو مجاز في بذل العناية لنوال رضى الله، وعلى الاعتبارين في المجاز فهو مكنّى عن الإِكثار من الخير لأن السبْق يستلزم إسراع الخطوات، والإِسراع إكثار. وفي هذا السبق تفاوت أيضاً كخيل الحلبة.
والخيرات: جمع خير على غير قياس، والخير: النافع. والمراد بها هنا الطاعات لأنها أعمال صالحة نافعة لعاملها وللناس بآثارها.
والباء للظرفية، أي في الخيرات كقوله: {يسارعون في الإِثم والعدوان} [المائدة: 62].
وفي ذكر الخيرات في القسم الآخر دلالة على أنها مرادة في القسمين الأولين فيؤول إلى معنى ظالم لنفسه في الخيرات ومقتصد في الخيرات أيضاً، ولك أن تجعل معنى {ظالم لنفسه} أنه ناقصها من الخيرات كقوله: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلِم منه شيئاً أي لم تنقص عن معتادها في الإِثمار} في سورة الكهف (33).
والإِذن مستعمل في التيسير على سبيل المجاز، والباء للسببية متعلقة بسابق}، وليس المراد به الأمر لأن الله أمر الناس كلهم بفعل الخير سواء منهم من أتى به ومن قصّر به.
ولك أن تجعل الباء للملابسة وتجعلها ظرفاً مستقراً في موضع الحال من {سابق} أي متلبساً بإذن الله ويكون الإِذن مصدراً بمعنى المفعول، أي سابق ملابس لما أذن الله به، أي لم يخالفه.
وعلى الوجه الأول هو تنويه بالسابقين بأن سبقهم كان بعون من الله وتيسير منه.
وفيما رأيتَ من تفسير هذه المراتب الثلاث في الآية المأخوذِ من كلام الأيمة، مع ضميمةٍ لا بد منها. تستغني عن التيه في مهامه أقوال كثيرة في تفسيرها تجاوزت الأربعين قولاً.
والإِشارة في قوله: {ذلك هو الفضل الكبير} إلى الاصطفاء المفهوم من {اصطفينا} أو إلى المذكور من الاصطفاء وإيراث الكتاب.
و {الفضل}: الزيادة في الخير، و{الكبيرُ} مراد به ذو العظم المعنوي وهو الشرف وهو فضل الخروج من الكفر إلى الإِيمان والإِسلام. وهذا الفضل مراتب في الشرف كما أشار إليه تقسيم أصحابه إلى: ظالم، ومقتصد، وسابق. وضمير الفصل لتأكيد القصر الحاصل من تعريف الجزأين، وهو حقيقي لأن الفضل الكبير منحصر في المشار إليه بذلك لأن كل فضل هو غير كبير إلا ذلك الفضل.
ووجه هذا الانحصار أن هذا الاصطفاء وإيراث الكتاب جمع فضيلة الدنيا وفضل الآخرة قال تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97]، وقال: {وعد اللَّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً} [النور: 55].
{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)}
الأظهر أنه بدل اشتمال من قوله: {ذلك هو الفضل الكبير} [فاطر: 32] فإن مما يشتمل عليه الفضل دخولهم الجنة كما علمت وتخصيص هذا الفضل من بين أصنافه لأنه أعظم الفضل لأنه أمارة على رضوان الله عنهم حين إدخالهم الجنة، {ورضوانٌ من الله أكبر} [التوبة: 72].
ويجوز أن يكون استئنافاً بيانياً لبيان الفضل الكبير وقد بيّن بأعظم أصنافه. والمعنى واحد.
وضمير الجماعة في {يدخلونها} راجع إلى {الذين اصطفينا} [فاطر: 32] المقسم إلى ثلاثة أقسام: ظالممٍ، ومقتصدٍ، وسابققٍ، أي هؤلاء كلهم يدخلون الجنة لأن المؤمنين كلهم مآلهم الجنة كما دلت عليه الأخبار التي تكاثرت. وقد روى الترمذي بسند فيه مجهولان عن أبي سعيد الخدري «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] قال: " هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة ". قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال أبو بكر بن العربي في «العارضة»: من الناس من قال: إن هذه الأصناف الثلاثة هم الذين في سورة الواقعة (8 10): {أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون} وهذا فاسد لأن أصحاب المشأمة في النار الحامية، وأصحاب سورة فاطر في جنة عالية لأن الله ذكرهم بين فاتحة وخاتمة فأما الفاتحة فهي قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] فجعلهم مصطفَيْن. ثم قال في آخرهم {جنات عدن يدخلونها} [فاطر: 33] ولا يصطفَى إلا من يدخل الجنة، ولكن أهل الجنة ظالم لنفسه فقال: {فمنهم ظالم لنفسه} [فاطر: 32] وهو العاصي والظالم المطلق هو الكافر، وقيل عنه: الظالم لنفسه رفقاً به، وقيل للآخر: السابق بإذن الله إنباء أن ذلك بنعمة الله وفضله لا من حال العبد ا ه.
وفي الإِخبار بالمسند الفعلي عن المسنْد إليه إفادة تقوي الحكم وصوَغ الفعل بصيغة المضارع لأنه مستقبل، وكذلك صوغ {يحلون} وهو خبر ثاننٍ عن {جنات عدن}. وتقدم نظيرها في سورة الحج فانظره.
وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر {ولؤلؤاً} بالنصب عطفاً على محل {أساور} لأنه لما جر بحرف الجر الزائد كان في موضع نصب على المفعول الثاني لفعل {يحلون} فجاز في المعطوف أن ينصب على مراعاة محل المعطوف عليه. وقرأه الباقون بالجر على مراعاة اللفظ، وهما وجهان.
{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)}
الأظهر أن جملة {وقالوا} في موضع الحال من ضمير {يحلون} [فاطر: 33] لئلا يلزم تأويل الماضي بتحقيق الوقوع مع أنه لم يقصد في قوله: {يدخلونها} [فاطر: 33]. وتلك المقالة مقارنة للتحلية واللباس، وهو كلام يجري بينهم ساعتئذ لإِنشاء الثناء على الله على ما خوّلهم من دخول الجنة، ولما فيه من الكرامة.
وإذهاب الحزن مجاز في الإِنجاء منه فتصدق بإزالته بعد حصوله ويصدق بعدم حصوله.
و {الحزن} الأسف. والمراد: أنهم لمّا أعطوا ما أعطوه زال عنهم ما كانوا فيه قبلُ من هول الموقف ومن خشية العقاب بالنسبة للسابقين والمقتصدين ومما كانوا فيه من عقاب بالنسبة لظالمي أنفسهم.
وجملة {إن ربنا لغفور شكور} استئنافُ ثناء على الله شكروا به نعمة السلامة أثنوا عليه بالمغفرة لما تجاوز عما اقترفوه من اللمم وحديثثِ الأنفس ونحو ذلك مما تجاوز الله عنه بالنسبة للمقتصدين والسابقين، ولما تجاوز عنه من تطويل العذاب وقبول الشفاعة بالنسبة لمختلف أحوال الظالمين أنفسهم وأثنوا على الله بأنه شكور لما رأوا من إفاضته الخيرات عليهم ومُضاعفة الحسنات مما هو أكثر من صالحات أعمالهم. وهذا على نحو ما تقدم في قوله: {ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور} [فاطر: 30].
و {المُقَامة} مصدر ميمي من أقام بالمكان إذا قطنه. والمراد: دار الخلود. وانتصب {دار المقامة} على المفعول الثاني ل {أحلنا} أي أسكننا.
و {مِن} في قوله: {من فضله} ابتدائية في موضع الحال من {دار المقامة}.
والفضل: العطاء، وهو أخُو التفضل في أنه عطاء منّة وكرم.
ومن فضل الله أن جعل لهم الجنة جزاء على الأعمال الصالحة لأنه لو شاء لما جعل للصالحات عطاء ولكان جزاؤها مجرد السلامة من العقاب، وكان أمر مَن لم يستحق الخلود في النار كفافاً، أي لا عقاب ولا ثواب فيبقى كالسوائم، وإنما أرادوا من هذا تمام الشكر والمبالغة في التأدب.
وجملة {لا يمسنا فيها نصب} حال ثانية.
والمسّ: الإِصابة في ابتداء أمرها، والنصب: التعب من نحو شدّة حر وشدة برد. واللغوب: الإِعياء من جراء عمل أو جري.
وإعادة الفعل المنفي في قوله: {ولا يمسنا فيها لغوب} لتأكيد انتفاء المسّ.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)}
مقابلة الأقسام الثلاثة للذين أُورثوا الكتاب بذكر الكافرين يزيدنا يقيناً بأن تلك الأقسام أقسام المؤمنين، ومقابلة جزاء الكافرين بنار جهنم يوضح أن الجنة دار للأقسام الثلاثة على تفاوت في الزمان والمكان.
وفي قوله تعالى في الكفار: {ولا يخفف عنهم من عذابها} إيماء إلى أن نار عقاب المؤمنين خفيفة عن نار المشركين.
فجملة {والذين كفروا} معطوفة على جملة {جنات عدن يدخلونها} [فاطر: 33].
ووقع الإِخبار عن نار جهنم بأنها {لهم} بلام الاستحقاق للدلالة على أنها أعدت لجزاء أعمالهم كقوله تعالى: {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} في سورة البقرة (24) وقوله: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} في سورة آل عمران (131)، فنار عقاب عصاة المؤمنين نار مخالفة أو أنها أعدت للكافرين.
وإنما دخل فيها من أدخل من المؤمنين الذين ظلموا أنفسهم لاقترافهم الأعمال السيئة التي شأنها أن تكون للكافرين.
وقدم المجرور في لهم نار جهنم} على المسند إليه للتشويق إلى ذكر المسند إليه حتى إذا سمعه السامعون تمكن من نفوسهم تمام التمكن.
وجملة {لا يقضى عليهم} بدل اشتمال من جملة {لهم نار جهنم}، والقضاء: حقيقته الحكم، ومنه قضاء الله حكمه وما أوجده في مخلوقاته. وقد يستعمل بمعنى أماته كقوله تعالى: {فوكزه موسى فقضى عليه} [القصص: 15]. وهو هنا محتمل للحقيقة، أي لا يقدرُ الله موتهم، فقوله: {فيموتوا} مسبب على القضاء. والمعنى: لا يقضى عليهم بالموت فيموتوا، ومحتمل للمجاز وهو الموت. وتفريع {فيموتوا} على هذا الوجه أنهم لا يموتون إلا الإِماتة التي يتسبب عليها الموت الحقيقي الذي يزول عنده الإِحساس، فيفيد أنهم يُماتون مَوتاً ليس فيه من الموت إلا آلامه دون راحته، قال تعالى: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون} [الزخرف: 77] وقال تعالى: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب} [النساء: 56].
وضمير {عذابها} عائد إلى جهنم ليشمل ما ورد من أن المعذبين يعذبون بالنار ويعذبون بالزمهرير وهو شدة البرد وكل ذلك من عذاب جهنم.
ووقع {كذلك} موقع المفعول المطلق لقوله: {نجزي} أي نجزيهم جزاء كذلك الجزاء، وتقدم عند قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} في سورة البقرة (143).
وجملة كذلك نجزي كل كفور} تذييل. والكفور: الشديد الكفر، وهو المشرك.
وقرأ الجمهور {نجزي} بنون العظمة ونصب {كل}. وقرأه أبو عمرو وحده {يُجزَى} بياء الغائب والبناء للنائب ورفع {كل}.
{وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)}
{كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن}.
الضمير إلى {الذين كفروا} [فاطر: 36] والجملة عطف على جملة {لهم نار جهنم} [فاطر: 36] ولا تجعل حالاً لأن التذييل آذنَ بانتهاء الكلام وباستقبال كلام جديد.
و {يصطرخون} مبالغة في (يصرخون) لأنه افتعال من الصراخ وهو الصياح بشدة وجهد، فالاصطراخ مبالغة فيه، أي يصيحون من شدة ما نابهم.
وجملة {ربنا أخرجنا} بيان لجملة {يصطرخون}، يحسبون أن رفع الأصوات أقرب إلى علم الله بندائهم ولإِظهار عدم إطاقة ما هم فيه.
وقولهم: {نعمل صالحاً} وعدٌ بالتدارك لما فاتهم من الأعمال الصالحة ولكنها إنابة بعد إبانها.
ولإِرادة الوعد جُزم {نعمل صالحاً} في جواب الدعاء. والتقدير: إن تخرجنا نعملْ صالحاً.
و {غير الذي كنا نعمل} نعت ل {صالحاً}، أي عملاً مغايراً لما كنا نعمله في الدنيا وهذا ندامة على ما كانوا يعملونه لأنهم أيقنوا بفساد عملهم وضره فإن ذلك العالَم عالم الحقائق.
{كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النذير فَذُوقُواْ فَمَا للظالمين}.
الواو عاطفة فعل قول محذوفاً لعلمه من السياق بحسب الضمير في {نعمركم} معطوفاً على جملة {وهم يصطرخون فيها} فإن صراخهم كلام منهم، والتقدير: يقولون ربنا أخرجنا ونقول ألم نعمركم.
والاستفهام تقريع للتوبيخ، وجُعل التقرير على النفي توطئة ليُنكره المقرَّر حتى إذا قال: بلى علم أنه لم يسعه الإِنكار حتى مع تمهيد وطاء الإِنكار إليه.
والتعمير: تطويل العمر. وقد تقدم غير مرة، منها عند قوله تعالى: {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} في سورة البقرة (96)، وقوله: {وما يعمر من معمر} في هذه السورة (11).
وما} ظرفية مصدرية، أي زمان تعمير مُعَمَّر.
وجملة {يتذكر فيه من تذكر} صفة ل {ما}، أي زماناً كافياً بامتداده للتذكّر والتبصير.
و {النذير} الرسول محمد صلى الله عليه وسلم
وجملة {وجاءكم النذير} عطف على جملة «ألم نعمركم» لأن معناها الخبر فعطف عليها الخبر، على أن عطف الخبر على الإِنشاء جائز على التحقيق وهو هنا حسن.
ووصف الرسول بالنذير لأن الأهم من شأنه بالنسبة إليهم هو النذارة.
والفاء في {فذوقوا} للتفريع. وحذف مفعول «ذوقوا» لدلالة المقام عليه، أي ذوقوا العذاب.
والأمر في قوله {فذوقوا} مستعمل في معنى الدوام وهو كناية عن عدم الخلاص من العذاب.
وقوله: {فما للظالمين من نصير} تفريع على ما سبق من الحكاية. فيجوز أن يكون من جملة الكلام الذي وبخهم الله به فهو تذييل له وتفريع عليه لتأييسهم من الخلاص يعني: فأين الذين زعمتم أنهم أولياؤكم ونصراؤكم فما لكم من نصير.
وعدل عن ضمير الخطاب أن يقال: فما لكم من نصير، إلى الاسم الظاهر بوصف «الظالمين» لإِفادة سبب انتفاء النصير عنهم؛ ففي الكلام إيجاز، أي لأنكم ظالمون وما للظالمين من نصير، فالمقصود ابتداء نفي النصير عنهم ويتبعه التعميم بنفي النصير عن كل من كان مثلهم من المشركين.
ويجوز أن يكون كلاماً مستقلاً مفرعاً على القصة ذُيّلت به للسامعين من قوله: {والذين كفروا لهم نار جهنم} [فاطر: 36]، فليس فيه عدول عن الإِضمار إلى الإِظهار لأن المقصود إفادة شمول هذا الحكم لكل ظالم فيدخل الذين كفروا المتحدث عنهم في العموم.
والظلم: هو الاعتداء على حق صاحب حق، وأعظمه الشرك لأنه اعتداء على الله بإنكار صفته النفيسة وهي الوحدانية، واعتداء المشرك على نفسه إذْ أقحمها في العذاب قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13].
وتعميم «الظالمين» وتعميم «النصير» يقتضي أن نصر الظالم تجاوزٌ للحق، لأن الحق أن لا يكون للظالم نصير، إذ واجب الحكمة والحقِّ أن يأخذ المقتدر على يد كل ظالم لأن الأمة مكلفة بدفع الفساد عن جماعتها.
وفي هذا إبطال لخُلُق أهل الجاهلية القائلين في أمثالهم " انصُرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً ". وقد ألقى النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه إبطال ذلك فساق لهم هذا المثلَ حتى سألوا عنه ثم أصلح معناه مع بقاء لفظه فقال: " إذا كان ظالماً تنصره على نفسه فتكفه عن ظلمه ".
{إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39)}
جملة {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} استئناف واصل بين جملة {إن الله بعباده لخبير بصير} [فاطر: 31] وبين جملة {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض} [فاطر: 40] الآية، فتسلسلت معانيه فعاد إلى فذلكة الغرض السالف المنتقل عنه من قوله: {وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم} إلى قوله: {إن اللَّه بعباده لخبير بصير} [فاطر: 25 31]، فكانت جملة {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} كالتذييل لجملة {إن اللَّه بعباده لخبير بصير}.
وفي هذا إيماء إلى أن الله يجازي كل ذي نية على حسب ما أضمره ليزداد النبي صلى الله عليه وسلم يقيناً بأن الله غير عالم بما يكنه المشركون.
وجملة {إنه عليم بذات الصدور} مستأنفة هي كالنتيجة لِجملة {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} لأن ما في الصدور من الأمور المغيبة فيلزم من علم الله بغيب السموات والأرض علمه بما في صدور الناس.
و «ذات الصدور» ضمائر الناس ونِيَّاتهم، وتقدم عند قوله تعالى: {إنه عليم بذات الصدور} في سورة الأنفال (43).
وجيء في الإِخبار بعلم الله بالغيب بصيغة اسم الفاعل، وفي الإِخبار بعلمه بذات الصدور بصيغة المبالغة لأن المقصود من إخبار المخاطبين تنبيههم على أنه كناية عن انتفاء أن يفوت علمَه تعالى شيءٌ. وذلك كناية عن الجزاء عليه فهي كناية رمزية.
وجملة هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} معترضة بين جملة {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} الآية وبين جملة {فمن كفر فعليه كفره}.
والخلائف: جمع خليفة، وهو الذي يخلف غيره في أمرٍ كانَ لذلك الغير، كما تقدم عند قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} في سورة البقرة (30)، فيجوز أن يكون بعدَ أمم مضت كما في قوله: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم} في سورة يونس (14) فيَكون هذا بياناً لقوله: إن الله عالم غيب السماوات والأرض} أي هو الذي أوجدكم في الأرض فكيف لا يعلم ما غاب في قلوبكم كما قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] ويكون مَا صْدَف ضمير جماعة المخاطبين شاملاً للمؤمنين وغيرهم من الناس.
ويجوز أن يكون المعنى: هو الذي جعلكم متصرفين في الأرض، كقوله تعالى: {ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} [الأعراف: 129]، فيكون الكلام بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله قدّر أن يَكون المسلمون أهل سلطان في الأرض بعد أمم تداولت سيادة العالم ويُظهر بذلك دين الإِسلام على الدين كله.
والجملة الاسمية مفيدة تقوّي الحكم الذي هو جعل الله المخاطبين خلائف في الأرض.
وقد تفرّع على قوله: {عليم بذات الصدور} قولُه: {فمن كفر فعليه كفره} وهو شرط مستعمل كناية عن عدم الاهتمام بأمر دَوامهم على الكفر.
وجملة {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً} بيان لجملة {فمن كفر فعليه كفره} وكان مقتضى ظاهر هذا المعنى أن لا تعطف عليها لأن البيان لا يعطف على المبيَّن، وإنما خولف ذلك للدلالة على الاهتمام بهذا البيان فجعل مستقلاً بالقصد إلى الإِخبار به فعطفت على الجملة المبيَّنة بمضمونها تنبيهاً على ذلك الاستقلال، وهذا مقصد يفوت لو ترك العطف، أما ما تفيده مِن البيان فهو أمر لا يفوت لأنه تقتضيه نسبة معنى الجملة الثانية من معنى الجملة الأولى.
والمقت: البغض مع خزي وصغار، وتقدم عند قوله تعالى: {إنه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلاً} في سورة النساء (22)، أي يزيدهم مقتَ الله إياهم، ومقت الله مجاز عن لازمه وهو إمساك لطفه عنهم وجزاؤهم بأشد العقاب.
وتركيب جملة ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً} تركيب عجيب لأن ظاهره يقتضي أن الكافرين كانوا قبل الكفر ممقوتين عند الله فلما كفروا زادهم كفرهم مقتاً عنده، في حال أن الكفر هو سبب مقت الله إياهم، ولو لم يكفروا لما مقتهم الله. فتأويل الآية: أنهم لمَّا وصفوا بالكفر ابتداءً ثم أخبر بأن كفرهم يزيدهم مقتاً عُلم أن المراد بكفرهم الثاني الدوام على الكفر يوماً بعد يوم، وقد كان المشركون يتكبّرون على المسلمين ويُشاقونهم ويؤيسونهم من الطماعية في أن يقبَلوا الإِسلام بأنهم أعظم من أن يتبعوهم وأنهم لا يفارقون دين آبائهم، ويحسبون ذلك مقتاً منهم للمسلمين فجازاهم الله بزيادة المقت على استمرار الكفر، قال تعالى: {إن الذين كفروا ينادون لمقت اللَّه أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} [غافر: 10]، يعني: ينادَون في المحشر، وكذلك القول في معنى قوله: {ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً}.
والخَسار: مصدر خسر مثل الخسارة، وهو: نقصان التجارة. واستعير لخيبة العمل؛ شبه عملهم في الكفر بعمل التاجر والخاسر، أي الذي بارت سلعته فباع بأقل مما اشتراها به فأصابه الخسار فكلما زاد بيعاً زادت خسارته حتى تفضي به إلى الإِفلاس، وقد تقدم ذلك في آيات كثيرة منها ما في سورة البقرة.
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40)}
لم يزل الكلام موجهاً لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم
ولما جرى ذكر المشركين وتعنتهم وحسبان أنهم مقتوا المسلمين عاد إلى الاحتجاج عليهم في بطلان إلهية آلهتهم بحجة أنها لا يوجد في الأرض شيء يدَّعي أنها خلقته، ولا في السماوات شيء لها فيه شرك مع الله فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحاجهم ويوجه الخطاب إليهم بانتفاء صفة الإِلهية عن أصنامهم، وذلك بعد أن نفى استحقاقها لعبادتهم بأنها لا ترزقهم كما في أول السورة، وبعد أن أثبت الله التصرف في مظاهر الأحداث الجوية والأرضية واختلاف أحوالها من قوله: {واللَّه الذي أرسل الرياح} [فاطر: 9]، وذكرهم بخلقهم وخلق أصلهم وقال عقب ذلك {ذلكم اللَّه ربكم له الملك} [فاطر: 13] الآية عاد إلى بطلان إلهية الأصنام.
وبنيت الحجة على مقدمة مُشاهدة انتفاء خصائص الإِلهية عن الأصنام، وهي خصوصية خلق الموجودات وانتفاء الحجة النقلية بطريقة الاستفهام التقريري في قوله: {أرأيتم شركاءكم} يعني: إن كنتم رأيتموهم فلا سبيل لكم إلا الإِقرار بأنهم لم يخلقوا شيئاً.
والمستفهم عن رؤيته في مثل هذا التركيب في الاستعمال هو أحوال المرئي وإناطة البصر بها، أي أن أمر المستفهم عنه واضح بادٍ لكل من يراهُ كقوله: {أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم} [الماعون: 1، 2] وقوله: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته} [الإسراء: 62] الخ.. والأكثر أن يكون ذلك توطئة لكلام يأتي بعده يكون هو كالدليل عليه أو الإِيضاح له أو نحو ذلك، فيؤول معناه بما يتصل به من كلام بعده، ففي قوله هنا: {أرأيتم شركاءكم} تمهيد لأن يطلب منهم الإِخبار عن شيء خلقه شركاؤهم فصار المراد من {أرأيتم شركاءكم} انظروا ما تخبرونني به من أحوال خلقهم شيئاً من الأرض، فحصل في قوله: {أرأيتم شركاءكم} إجمال فصّله قوله: {أروني ماذا خلقوا من الأرض} فتكون جملة {أروني ماذا خلقوا} بدلاً من جملة {أرأيتم شركاءكم} بدل اشتمال أو بدل مفصل من مجمل.
والمراد بالشركاء من زعموهم شركاء الله في الإِلهية فلذلك أضيف الشركاء إلى ضمير المخاطبين، أي الشركاء عندكم، لظهور أن ليس المراد أن الأصنام شركاء مع المخاطبين بشيء فتمحضت الإِضافة لمعنى مُدَّعَيْكُم شركاء لله.
والموصول والصلة في قوله: {الذين تدعون من دون الله} للتنبيه على الخطإ في تلك الدعوة كقول عبدة بن الطبيب:
إن الذين ترونهم إخوانكم *** يشفي غليل صدورهم أن تُصرْعَوا
وقرينة التخطئة تعقيبه بقوله: {أروني ماذا خلقوا من الأرض}، فإنه أمر للتعجيز إذ لا يستطيعون أن يُرُوه شيئاً خلقته الأصنام، فيكون الأمر التعجيزي في قوة نفي أن خلقوا شيئاً مّا، كما كان الخبر في بيْت عبدة الوارد بعد الصلة قرينة على كون الصلة للتنبيه على خطأ المخاطبين.
وفعل الرؤية قلبي بمعنى الإِعلام والإِنباء، أي أنبئُوني شيئاً مخلوقاً للذين تدْعُون من دون الله في الأرض.
و {ماذا} كلمة مركبة من (ما) الاستفهامية و(ذا) التي بمعنى الذي حين تقع بعد اسم استفهام، وفعل الإِراءة معلَّق عن العمل في المفعول الثاني والثالث بالاستفهام. والتقدير: أروني شيئاً خلقوه مما على الأرض.
و {مِن} ابتدائية، أي شيئاً ناشئاً من الأرض، أو تبعيضية على أن المراد بالأرض ما عليها كإطلاق القرية على سكانها في قوله: {واسأل القرية} [يوسف: 82].
و {أم} منقطعة للإِضراب الانتقالي، وهي تؤذن باستفهام بعدها. والمعنى: بل ألهم شرك في السماوات.
والشرك بكسر الشين: اسم للنصيب المشترك به في ملك شيء.
والمعنى: ألهم شرك مع الله في ملك السموات وتصريف أحوالها كسير الكواكب وتعاقب الليل والنهار وتسخير الرياح وإنزال المطر.
ولما كان مقرُّ الأصنام في الأرض كان من الراجح أن تتخيَّل لهم الأوهام تصرفاً كاملاً في الأرض فكأنهم آلهة أرضية، وقد كانت مزاعم العرب واعتقاداتهم أفانين شتى مختلطة من اعتقاد الصابئة ومن اعتقاد الفُرس واعتقاد الروم فكانوا أشباها لهم فلذلك قيل لأشباههم في الإِشراك {أروني ماذا خلقوا من الأرض}، أي فكان تصرفهم في ذلك تصرف الخالقية، فأما السماوات فقلما يخطر ببال المشركين أن للأصنام تصرفاً في شؤونها، ولعلهم لم يدّعوا ذلك ولكن جاء قوله: {أم لهم شرك في السماوات} مَجيء تكملة الدليل على الفرض والاحتمال، كما يقال في آداب البحث «فإن قلتَ». وقد كانوا ينسبون للأصنام بنوة لله تعالى قال تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذن قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللَّه بها من سلطان} [النجم: 19 23].
فمِن أجل ذلك جيء في جانب الاستدلال على انتفاء تأثير الأصنام في العوالم السماوية بإبطال أن يكون لها شرك في السماوات لأنهم لا يدَّعُون لها في مزاعمهم أكثر من ذلك.
ولما قضي حق البرهان العقلي على انتفاء إلهية الذين يدعون من دون الله انتقل إلى انتفاء الحجة السمعية من الله تعالى المثبتة آلهة دونه لأن الله أعلم بشركائه وأنداده لو كانوا، فقال تعالى: {أم آتيناهم كتاباً فهم على بينات منه} المعنى: بل آتيناهم كتاباً فهم يتمكنون من حجة فيه تصرح بإلهية هذه الآلهة المزعومة.
وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم {على بينات} بصيغة الجمع. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب {على بَينة} بصيغة الإِفراد. فأما قراءة الجمع فوجهها أن شأن الكتاب أن يشتمل على أحكام عديدة ومواعظ مكررة ليتقرر المراد من إيتاء الكتب من الدلالة القاطعة بحيث لا تحتمل تأويلاً ولا مبالغة ولا نحوها على حدّ قول علماء الأصول في دلالة الأخبار المتواترة دلالة قطعية، وأما قراءة الإِفراد فالمراد منها جنس البينة الصادق بأفراد كثيرة.
ووصف البينات أو البينة ب {منه} للدلالة على أن المراد كون الكتاب المفروض إيتاؤه إياهم مشتملاً على حجة لهم تثبت إلهية الأصنام. وليس مطلق كتاب يُؤتَوْنه أمارة من الله على أنه راضضٍ منهم بما هم عليه كدلالة المعجزات على صدق الرسول، وليست الخوارق ناطقة بأنه صادق فأريد: أآتيناهم كتاباً ناطقاً مثل ما آتينا المسلمين القرآن.
ثم كرّ على ذلك كله الإِبطال بواسطة {بل}، بأن ذلك كله منتف وأنهم لا باعث لهم على مزاعمهم الباطلة إلا وعد بعضهم بعضاً مواعيد كاذبة يغرّ بعضهم بها بعضاً.
والمراد بالذين يَعِدُونهم رؤساء المشركين وقادتهم بالموعودين عامتهم ودهماؤهم، أو أريد أن كلا الفريقين واعد وموعود في الرؤساء وأيمة الكفر يَعِدُون العامة نفعَ الأصنام وشفاعتها وتقريبها إلى الله ونصرها غروراً بالعامة والعامة تَعِدُ رؤساءها التصميم على الشرك قال تعالى حكاية عنهم: {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها} [الفرقان: 42].
و {إن} نافية، والاستثناء مفرّع عن جنس الوعد محذوفاً.
وانتصب {غروراً} على أنه صفة للمستثنى المحذوف. والتقدير: إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً وعداً إلا وعداً غروراً.
والغرور تقدم معناه عند قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} في آل عمران (196).
{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)}
انتقال من نفي أن يكون لشركائهم خلق أو شركة تصرف في الكائنات التي في السماء والأرض إلى إثبات أنه تعالى هو القيّوم على السماوات والأرض لتبقَيَا موجودتَيْن فهو الحافظ بقدرته نظام بقائهما. وهذا الإِمساك هو الذي يعبر عنه في علم الهيئة بنظام الجاذبية بحيث لا يعْتريه خلل.
وعبر عن ذلك الحفظ بالإِمساك على طريقة التمثيل.
وحقيقة الإِمساك: القبض باليد على الشيء بحيث لا ينفلت ولا يتفرق، فمُثل حال حفظ نظام السماوات والأرض بحال استقرار الشيء الذي يُمسكه الممسك بيده، ولمّا كان في الإِمساك معنى المنع عُدّي إلى الزوال ب {مِن}، وحذفت كما هو شأن حروف الجر مع {أنْ} و{أنَّ} في الغالب، وأكد هذا الخبر بحرف التوكيد لتحقيق معناه وأنه لا تسامح فيه ولا مبالغة، وتقدم عند قوله تعالى: {ويمسك السماء} في سورة الحج (65). ثم أشير إلى أن شأن الممكنات المصير إلى الزوال والتحول ولو بعد أدهار فعطف عليه قوله: ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده}، فالزوال المفروض أيضاً مراد به اختلال نظامهما الذي يؤدي إلى تطاحنهما.
والزوال يطلق على العدم، ويطلق على التحول من مكان إلى مكان، ومنه زوال الشمس عن كبد السماء، وتقدم آخِرَ سورة إبراهيم.
وقد اختير هذا الفعل دون غيره لأن المقصود معناه المشترك فإن الله يُمسكهما من أن يُعْدما، ويمسكهما من أن يتحول نظام حركتهما، كما قال تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار} [يس: 40]. فالله مريد استمرار انتظام حركة الكواكب والأرض على هذا النظام المشاهد المسمى بالنظام الشمسي وكذلك نظام الكواكب الأخرى الخارجة عنه إلى فلك الثوابت، أي إذا أراد الله انقراض تلك العوالم أو بعضِها قيّض فيها طوارئ الخلل والفساد والخَرْق بعد الالتئام والفتق بعد الرتق، فتفككت وانتشرت إلى ما لا يَعلم مصيره إلا الله تعالى وحينئذٍ لا يستطيع غيره مدافعة ذلك ولا إرجاعها إلى نظامها السابق فربما اضمحلت أو اضمحل بعضها، وربما أخذت مسالك جديدة من البقاء.
وفي هذا إيقاظ للبصائر لتَعلم ذلك علماً إجمالياً وتتدبر في انتساق هذا النظام البديع.
فاللام موطئة للقسم. والشرط وجوابه مقسم عليه، أي محقق تعليق الجواب بالشرط ووقوعه عنده، وجواب الشرط هو الجملة المنفية ب {إن} النافية وهي أيضاً سادّة مسدّ جواب القسم.
وإذ قد تحقق بالجملة السابقة أن الله ممسكهما عن الزوال علم أن زوالهما المفروض لا يكون إلا بإرادة الله تعالى زوالهما وإلا لبطل أنه ممسكهما من الزوال.
وأسند فعل {زالتا} إلى {السماوات والأرض} على تأويل السماوات بسماء واحدة. وأسند الزوال إليهما للعلم بأن الله هو الذي يزيلهما لقوله: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا}.
وجيء في نفي إمساك أحد بحرف {مِن} المؤكدة للنفي تنصيصاً على عموم النكرة في سياق النفي، أي لا يستطيع أحد كائناً من كان إمساكهما وإرجاعهما.
و«من بعد» صفة {أحد} و{من} ابتدائية، أي أحد ناشئ أو كائن من زمان بعده، لأن حقيقة (بعدٍ) تأخر زمان أحد عن زمن غيره المضاففِ إليه (بعد) وهو هنا مجاز عن المغايرة بطريق المجاز المرسل لأن بعدية الزمان المضاف تقتضي مغايرة صاحب تلك البعدية، كقوله تعالى: {فمن يهديه من بعد اللَّه} [الجاثية: 23]، أي غير الله فالضمير المضاف إليه (بعد) عائد إلى الله تعالى.
وهذا نظير استعمال (وراءٍ) بمعنى (دون) أو بمعنى (غير) أيضاً في قول النابغة:
وليس وراءَ الله للمرءِ مذهب ***
وفي ذكر إمساك السماوات عن الزوال بعد الإِطناب في محاجة المشركين وتفظيع غرورهم تعريض بأن ما يدْعون إليه من الفظاعة من شأنه أن يزلزل الأرضين ويسقط السماء كسفاً لولا أن الله أراد بقاءهما لحكمة، كما في قوله تعالى: {لقد جئتم شيئاً إداً يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً} [مريم: 89، 90]. وهذه دلالة من مستتبعات التراكيب باعتبار مثار مقامات التكلم بها، وهو أيضاً تعريض بالتهديد.
ولذلك أتبع بالتذييل بوصف الله تعالى بالحلم والمغفرة لما يشمله صفة الحليم من حلمه على المؤمنين أن لا يزعجهم بفجائع عظيمة، وعلى المشركين بتأخير مؤاخذتهم فإن التأخير من أثر الحلم، وما تقتضيه صفة الغفور من أن في الإِمهال إعذاراً للظالمين لعلهم يرجعون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " لعل الله أن يُخرج من أصلابهم مَن يعبده " لما رأى مَلَك الجبال فقال له: " إن شئتَ أن أطبق عليهم الأَخشَبين ".
وفعل {كان} المخبر به عن ضمير الجلالة مفيد لتقرر الاتصاف بالصفتين الحسنيين.
{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)}
{حَلِيماً غَفُوراً * وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الامم فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ} {إِلاَّ نُفُوراً * استكبارا فِى الارض وَمَكْرَ السيئ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلاَْوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ}.
هذا شيء حكاه القرآن عن المشركين فهو حكاية قول صدر عنهم لا محالة، ولم يروَ خبر عن السلَف يعين صدور مقالتهم هذه، ولا قائلها سوى كلام أثر عن الضحاك هو أشبه بتفسير الضمير من {أقسموا}، وتفسير المراد {من إحدى الأمم} ولم يقل إنه سبب نزول.
وقال كثير من المُفسرين: إن هذه المقالة صدرت عنهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا بلغهم أن اليهود والنصارى كذَّبوا الرسل. والذي يلوح لي: أن هذه المقالة صدرت عنهم في مجاري المحاورة أو المفاخرة بينهم وبين بعض أهل الكتاب ممن يقدم عليهم بمكة، أو يقدمون هم عليهم في أسفارهم إلى يثرب أو إلى بلاد الشام، فربما كان أهل تلك البلدان يدعون المشركين إلى اتباع اليهودية أو النصرانية ويصغرون الشرك في نفوسهم، فكان المشركون لا يجرأون على تكذيبهم لأنهم كانوا مرموقين عندهم بعين الوقار إذ كانوا يفضُلُونهم بمعرفة الديانة وبأنهم ليسوا أميين وهم يأبون أن يتركوا دين الشرك فكانوا يعتذرون بأن رسول القوم الذين يدعونهم إلى دينهم لم يكن مرسلاً إلى العرب ولو جاءنا رسول لكنا أهدى منكم، كما قال تعالى: {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} [الأنعام: 157]. والأظهر أن يكون الداعون لهم هم النصارى لأن الدعاء إلى النصرانية من شعار أصحاب عيسى عليه السلام فإنهم يقولون: إن عيسى أوصاهم أن يرشدوا بني الإِنسان إلى الحق وكانت الدعوة إلى النصرانية فأشبه في بلاد العرب أيام الجاهلية وتنصرت قبائل كثيرة مثل تغلب، ولخم، وكلب، ونجران، فكانت هذه الدعوة إن صح إِيصَاء عيسى عليه السلام بها دعوةَ إرشاد إلى التوحيد لا دعوة تشريع، فإذا ثبتت هذه الوصية فما أراها إلا توطئة لدين يجيء تعمّ دعوته سائر البشر، فكانت وصيته وسطاً بين أحوال الرسل الماضين إذ كانت دعوتهم خاصة وبين حالة الرسالة المحمدية العامة لكافة الناس عزماً.
أما اليهود فلم يكونوا يدعون الناس إلى اليهودية ولكنهم يقبلون من يتهود كما تهود عرب اليمن.:
وأحسب أن الدعوة إلى نبذ عبادة الأصنام، أو تشهير أنها لا تستحق العبادة، لا يخلو عنها علماءُ موحِّدون، وبهذا الاعتبار يصح أن يكون بعض النصاح من أحبار يهود يثرب يعرض لقريش إذا مروا على يثرب بأنهم على ضلال من الشرك فيعتذرون بما في هذه الآية. وهي تساوق قوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنّا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة}
[الأنعام: 155 157].
فيتضح بهذا أن هذه الآية معطوفة على ما قبلها من أخبار ضلال المشركين في شأن الربوبية وفي شأن الرسالة والتديّن، وأن ما حكي فيها هو من ضلالاتهم ومجازفتهم.
والقَسَم بين أهل الجاهلية أكثره بالله، وقد يقسمون بالأصنام وبآبائهم وعَمرهم.
والغالب في ذلك أن يقولوا: باللات والعزى، ولذلك جاء في الحديث: " مَن حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله " أي من جرى على لسانه ذلك جريَ الكلام الغالب وذلك في صدر انتشار الإِسلام.
وجَهد اليمين: أبلغها وأقواهَا. وأصله من الجَهد وهو التعب، يقال: بلغ كذَا مِنِّي الجَهد، أي عملته حتى بلغ عملُه مني تعبي، كناية عن شدة عزمه في العمل. فَجهْد الأيمان هنا كناية عن تأكيدها، وتقدم نظيره في قوله تعالى: {أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم} في سورة [العقود: 53]، وتقدم في سورة الأنعام وسورة النحل وسورة النور.
وانتصب جهد} على النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع لأنه صفة لِما كان حقه أن يكون مفعولاً مطلقاً وهو {أيمانهم} إذ هو جمع يمين وهو الحلف فهو مرادف ل {أقَسموا}، فتقديره: وأقسموا بالله قسماً جهداً، وهو صفة بالمصدر أضيفت إلى موصوفها.
وجملة {لئن جاءهم نذير} الخ بيان لجملة {أقسموا} كقوله تعالى: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم الآية} [طه: 120].
وعبر عن الرسول بالنذير لأن مجادلة أهل الكتاب إياهم كانت مشتملة على تخويف وإنذار، ولذلك لم يقتصر على وصف النذير في قوله تعالى: {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير} [المائدة: 19]. وهذا يرجح أن تكون المجادلة جرت بينهم وبين بعض النصارى لأن الإِنجيل معظمه نذارة.
و {إحدى الأمم} أمة من الأمم ذات الدين؛ فإن عنوا بها أمة معروفة: إمّا الأمة النصرانية، وإما الأمة اليهودية، أو الصابئة كان التعبير عنها ب {إحدى الأمم} إبهاماً لها يحتمل أن يكون إبهاماً من كلام المقسمين تجنباً لمجابهة تلك الأمة بصريح التفضيل عليها، ويحتمل أن يكون إبهاماً من كلام القرآن على عادة القرآن في الترفع عما لا فائدة في تعيينه إذ المقصود أنهم أشهدوا الله على أنهم إن جاءهم رسول يكونوا أسبق من غيرهم اهتداء فإذا هم لم يشموا رائحة الاهتداء. ويحتمل أن يكون فريق من المشركين نظَّروا في قَسَمهم بهدي اليهود، وفريق نظَّروا بهدي النصارى، وفريق بهدي الصابئة، فجَمعت عبارة القرآن ذلك بقوله: {من إحدى الأمم} ليأتي على مقالة كل فريق مع الإِيجاز.
وذكر في «الكشاف» وجهاً آخر أن يكون {إحدى الأمم} بمعنى أفضل الأمم، فيكون من تعبير المقسمين، أي أهدى من أفضل الأمم، ولكنه بناه على التنظير بما ليس له نظير، وهو قولهم: إحدى الإِحَد (بكسر الهمزة وفتح الحاء في الإِحَد) ولا يتم التنظير لأن قولهم: إحدى الإِحَد، جرى مجرى المثل في استعظام الأمر في الشرّ أو الخير.
وقرينة إرادة الاستعظام إضافة «إحدى» إلى اسم من لفظها فلا يقتضي أنه معنى يراد في حالة تجرد {إحدى} عن الإضافة.
وبين: {أهدى} و{إحدى} الجناس المحرِّف.
وهذه الآية وغيرها وما يؤثر من تنصُّر بعض العرب ومن اتساع بعضهم في التحنف يدل على أنهم كانوا يعلمون رسالة الرسل، وأما ما حكي عنهم في قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91]، فذلك صدر منهم في الملاجّة والمحاجّة لما لزمتهم الحجة بأن الرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا من البشر وكانت أحوالهم أحوال البشر مثل قوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} [الفرقان: 20] فلجأوا إلى إنكار أن يوحي الله إلى بشر شيئاً.
وأما ما حكي عنهم هنا فهو شأنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم
والنذير: المنذر بكلامه. فالمعنى: فلما جاءهم رسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن جاءهم رسول قبله كما قال تعالى: {لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك} [القصص: 46] وهذا غير القسم المحكي في قوله تعالى: «وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها».
والزيادة: أصلها نماء وتوفر في ذوات. وقد يراد بها القوة في الصفات على وجه الاستعارة كقوله تعالى: {فزادتهم رجساً إلى رجسهم} [التوبة: 125]. ومن ثمة تطلق الزيادة أيضاً على طروّ حال على حال، أو تغيير حال إلى غيره كقوله تعالى: {فلن نزيدكم إلا عذاباً} [النبأ: 30].
وتطلق على ما يطرأ من الخير على الإِنسان وإن لم يكن نوعه عنده من قبل كقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]، أي وعطاء يزيد في خيرهم.
ولما كان مجيء الرسول يقتضي تغير أحوال المرسل إليهم إلى ما هو أحسن كان الظنّ بهم لَمَّا أقسموا قسمهم ذلك أنهم إذا جاءهم النذير اهتَدوا وازدَادُوا من الخير أن كانوا على شأن من الخير فإن البشر لا يخلو من جانب من الخير قوي أو ضعيف فإذا بهم صاروا نافرين من الدين الذي جاءهم.
والاستثناء مفرع من مفعول {زادهم} المحذوف، أي ما أفادهم صلاحاً وحالاً أو نحو ذلك إلا نفوراً فيكون الاستثناء في قوله: {إلا نفوراً} من تأكيد الشيء بما يُشبه ضده لأنهم لم يكونوا نافرين من قبل.
ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما أقسموا: {لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى} كان حالهم حال النفور من قبول دعوة النصارى إياهم إلى دينهم أو من الاتعاظ بمواعظ اليهود في تقبيح الشرك فأقسموا ذلك القسم تفصياً من المجادلة، وباعثهم عليه النفور من مفارقة الشرك، فلما جاءهم الرسول ما زادهم شيئاً وإنما زادهم نفوراً، فالزيادة بمعنى التغيير والاستثناء تأكيد للشيء بما يشبه ضده.
والنفور هو نفورهم السابق، فالمعنى لم يزدهم شيئاً وحَالهم هي هي.
وضمير {زادهم} عائد إلى رسول أو إلى المجيء المأخوذ من {جاءهم}. وإسناد الزيادة إليه على كلا الاعتبارين مجاز عقلي لأن الرسول أو مجيئه ليس هو يزيدهم ولكنه سبب تقوية نفورهم أو استمرار نفورهم.
و {استكبارا} بدل اشتمال من {نفوراً} أو مفعول لأجله، لأن النفور في معنى الفعل فصحّ إعماله في المفعول له. والتقدير: نفروا لأجل الاستكبار في الأرض.
والاستكبار: شدة التكبر، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استجاب.
والأرض: موطن القوم كما في قوله تعالى: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} [الأعراف: 88] أي بلدنا، فالتعريف في {الأرض} للعهد. والمعنى: أنهم استكبروا في قومهم أن يتبعوا واحداً منهم.
{ومكر السيئ} عطف على {استكباراً} بالوجوه الثلاثة، وإضافة {مكر} إلى {السيئ} من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل: عِشَاء الآخرة. وأصله: أن يمكروا المكر السيّئ بقرينة قوله: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله}.
والمكر: إخفاء الأذى وهو سيِّئ لأنه من الغدر وهو مناف للخلق الكريم، فوصفه بالسيّئ وصف كاشف، ولَعل التنبيهَ إلى أنه وصف كاشف هو مقتضى إضافة الموصوف إلى الوصف لإِظهار ملازمة الوَصف للموصوف فلم يقل: ومكراً سيئاً (ولم يرخص في المكر إلا في الحرب لأنها مدخول فيها على مثله) أي مكراً بالنذير وأتباعه وهو مكر ذميم لأنه مقابلة المتسبب في صلاحهم بإضمار ضره.
وقد تبين كذبهم في قسمهم إذ قالوا: «لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى منهم» وأنهم ما أرادوا به إلا التفصّي من اللوم.
وجملة {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} تذييل أو موعظة. و{يحيق}: ينزل به شيء مكروه حاق به، أي نزل وأَحاط إحاطة سوء، أي لا يقع أثره إلا على أهله. وفيه حذف مضاف تقديره: ضر المكر السيّئ أو سوء المكر السيئ كما دل عليه فعل {يحيق}؛ فإن كان التعريف في {المكر} للجنس كان المراد ب «أهله» كل ماكر. وهذا هو الأنسب بموقع الجملة ومحملِها على التذييل ليعم كل مكر وكل ماكر، فيدخل فيه الماكرون بالمسلمين من المشركين، فيكون القصر الذي في الجملة قصراً ادعائياً مبنيّاً على عدم الاعتداد بالضر القليل الذي يحيق بالممكور به بالنسبة لما أعده الله للماكر في قدره من ملاقاة جزائه على مَكره فيكون ذلك من النواميس التي قدَّرها القدر لنظام هذا العالم لأن أمثال هذه المعاملات الضارة تؤول إلى ارتفاع ثقة الناس بعضهم ببعض والله بنى نظام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض لأن الإِنسان مدني بالطبع، فإذا لم يأمن أفراد الإنسان بعضهم بعضاً تنكَّر بعضهم لبعض وتبادروا الإِضرار والإِهلاك ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يَقع فيه فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم والله لا يحب الفساد، ولا ضر عبيده إلا حيث تأذن شرائعه بشيء، ولهذا قيل في المثل: «وما ظالم إلا سيُبلى بظالم».
وقال الشاعر:
لكل شيء آفة من جنسه *** حتى الحديدُ سطا عليه المِبْرَد
وكم في هذا العالم من نواميس مغفول عنها، وقد قال الله تعالى: {والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205]. وفي كتاب ابن المبارك في الزهد بسنده عن الزهري بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تمكر ولا تُعِن ماكراً فإن الله يقول {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} " ومن كلام العرب «من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً»، ومن كلام عامة أهل تونس (يا حافرْ حُفرة السَّوْء ما تحفر إلا قِيَاسكَ».
وإذا كان تعريف {المكر} تعريف العهد كان المعنى: ولا يحيق هذا المكر إلا بأهله، أي الذين جاءهم النذير فازدادوا نفوراً، فيكون موقع قوله: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} موقع الوعيد بأن الله يدفع عن رسوله صلى الله عليه وسلم مكرهم ويحيق ضر مكرهم بهم بأن يسلط عليهم رسوله على غفلة منهم كما كان يوم بدر ويوم الفتح، فيكون على نحو قوله تعالى: {ومكروا ومكر اللَّه واللَّه خير الماكرين} [آل عمران: 54] فالقصر حقيقي.
فكم انهالت من خلال هذه الآية من آداب عمرانية ومعجزات قرآنية ومعجزات نبوية خفية.
واعلم أن قوله تعالى: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} قد جُعل في علم المعاني مثالاً للكلام الجاري على أسلوب المساواة دون إيجاز ولا إطناب. وأول من رأيْته مثَّل بهذه الآية للمساواة هو الخطيب القزويني في «الإِيضاح» وفي «تلخيص المفتاح»، وهو مما زاده على ما في «المفتاح» ولم يمثل صاحب «المفتاح» للمساواة بشيء ولم أدر من أين أخذه القزويني فإن الشيخ عبد القاهر لم يذكر الإِيجاز والإِطناب في كتابه.
وإذ قد صرح صاحب «المفتاح» «أن المساواة هي متعارف الأوساط وأنه لا يحمد في باب البلاغة ولا يذم» فقد وجب القطع بأن المساواة لا تقع في الكلام البليغ بَلْه المعجز. ومن العجيب إقرار العلامة التفتزاني كلام صاحب «تلخيص المفتاح» وكيف يكون هذا من المساواة وفيه جملة ذات قصر والقصر من الإِيجاز لأنه قائم مقام جملتين: جملة إثبات للمقصود، وجملة نفيه عما سواه، فالمساواة أن يقال: يحيق المكر السيّئ بالماكرين دون غيرهم، فما عدل عن ذلك إلى صيغة القصر فقد سلك طريقة الإِيجاز.
وفيه أيضاً حذف مضاف إذ التقدير: ولا يحيق ضر المكر السيّئ إلا بأهله على أن في قوله: {بأهله} إيجازاً لأنه عوض عن أن يقال: بالذين تقلدوه. والوجه أن المساواة لم تقع في القرآن وإنما مواقعها في محادثات الناس التي لا يعبأ فيها بمراعاة آداب اللغة.
وقرأ حمزة وحده {ومكر السيئ} بسكون الهمزة في حالة الوصل إجراء للوصل مجرى الوقف.
{إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلاَْوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ}.
تفريع على جملة {فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً} الآية.
ويجوز أن يكون تفريعاً على جملة {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} على الوجه الثاني في تعريف {المكر} وفي المراد ب {بأهله}، أي كما مكر الذين من قبلهم فحاق بهم مكرُهم كذلك هؤلاء.
و {ينظرون} هنا من النظر بمعنى الانتظار. كقول ذي الرُّمة:
وشُعثثٍ ينظُرون إلى بِلال *** كما نَظَر العِطاش حَيَا الغمام
فقوله: «إلى» مفرد مضاف، وهو النعمة وجمعه آلاء.
ومعنى الانتظار هنا: أنهم يستقبلون ما حلّ بالمكذبين قَبلهم، فشبه لزوم حلول العذاب بهم بالشيء المعلوم لهم المنتظر منهم على وجه الاستعارة.
والسُّنَّة: العادة: والأوّلون: هم السابقون من الأمم الذين كذبوا رسلهم، بقرينة سياق الكلام. و{سنة} مفعول {ينظرون} وهو على حذف مضاف. تقديره: مِثلَ أو قِياسَ، وهذا كقوله تعالى: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} [يونس: 102].
والفاء في قوله: {فلن تجد لسنت اللَّه تبديلاً} فاء فصيحة لأن ما قبلها لمّا ذكّر الناس بسنة الله في المكذبين أفصح عن اطّراد سنن الله تعالى في خلقه. والتقدير: إذا علموا ذلك فلن تجد لسنة الله تبديلاً.
و {لن} لتأكيد النفي.
والخطاب في {تجد} لغير معيّن فيعم كل مخاطب، وبذلك يتسنّى أن يسير هذا الخبر مسير الأمثال. وفي هذا تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وتهديد للمشركين.
والتبديل: تغيير شيء وتقدم عند قوله تعالى: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} في سورة [النساء: 2].
والتحويل: نقل الشيء من مكان إلى غيره، وكأنه مشتق من الحَوْل وهو الجانب.
والمعنى: أنه لا تقع الكرامة في موقع العقاب، ولا يترك عقاب الجاني. وفي هذا المعنى قول الحكماء: ما بالطبع لا يتخلف ولا يختلف.
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44)}
{الله تَحْوِيلاً * أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الارض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ وكانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَئ فِى السماوات وَلاَ فِى}.
عطف على جملة {فهل ينظرون إلا سنت الأولين} [فاطر: 43] استدلالاً على أن مساواتهم للأولين تنذر بأن سيحل بهم ما حلّ بأولئك من نوع ما يشاهدونه من آثار استئصالهم في ديارهم.
وجملة {وكانوا أشد منهم قوة} في موضع الحال، أي كان عاقبتهم الاضمحلال مع أنهم أشد قوة من هؤلاء فيكون استئصال هؤلاء أقرب.
وجيء بهذه الحال في هذه الآية لما يفيده موقع الحال من استحضار صورة تلك القوة إيثاراً للإِيجاز لاقتراب ختم السورة. ولذلك لم يؤت في نظائرها بجملة الحال ولكن أتى فيها بجملة وصففٍ في قوله في سورة غافر (21): {الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض} وفي سورة الروم (9) {الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض} حيث أوثر فيهما الإِطناب بتعداد بعض مظاهر تلك القوة.
مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَئ فِى السماوات وَلاَ فِى الارض إِنَّهُ كَانَ}.
لما عَرَض وصف الأمم السابقة بأنهم أشد قوة من قريش في معرض التمثيل بالأولين تهديداً واستعداداً لتلقّي مثل عذابهم أتبع ذلك بالاحتراس عن الطماعية في النجاة من مثل عذابهم بعلة أن لهم من المنجيات ما لم يكن للأمم الخالية كزعمهم: أن لهم آلهة تمنعهم من عذاب الله بشفاعتها أو دفاعها فقيل: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض}، أي هَبكم أقوى من الأولين أو أشدّ حِيلة منهم أو لكم من الأنصار ما ليس لهم، فما أنتم بمفلَتين من عذاب الله لأن الله لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء كقوله: {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون اللَّه من ولي ولا نصير} [العنكبوت: 22].
وجيء بلام الجحود مع {كان} المنفية لإِفادة تأكيد نفي كل شيء يحول دون قدرة الله وإرادته، فهذه الجملة كالاحتراس.
ومعنى «يعجِزه»: يجعله عاجزاً عن تحقيق مراده فيه فيفلت أحد عن مراد الله منه.
وجملة {إنه كان عليماً قديراً} تعليل لانتفاء شيء يغالب مراد الله بأن الله شديد العلم واسعه لا يخفى عليه شيء وبأنه شديد القدرة.
وقد حصر هذان الوصفان انتفاء أن يكون شيء يعجز الله لأن عجز المريد عن تحقيق إرادته: إما أن يكون سببه خفاء موضع تحقق الإِرادة، وهذا ينافي إحاطة العلم، أو عدم استطاعة التمكن منه وهذا ينافي عموم القدرة.
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)}
تذكير لهم عن أن يغرهم تأخير المؤاخذة فيحسبوه عجزاً أو رضى من الله بما هم فيه فهم الذين قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمْطِرْ علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] فعلَّمهم أن لعذاب الله آجالاً اقتضتها حِكمتهُ، فيها رَعْي مصالح أمم آخرين، أو استبقاءُ أجيال آتين. فالمراد ب {الناس} مجموع الأمة، وضمير «ما كسبوا» وضمير {يؤخرهم} عائد إلى {أجل}.
ونظير هذه الآية تقدم في سورة النحل إلى قوله: {فإذا جاء أجلهم} إلا أن هذه الآية جاء فيها {بما كسبوا} وهنالك جاء فيها {بظلمهم} [النحل: 61] لأن ما كسبوا يعم الظلم وغيره. وأوثر في سورة النحل {بظلمهم} لأنها جاءت عقب تشنيع ظلم عظيم من ظلمهم وهو ظلم بناتهم المَوْءُودَات وإلا أن هنالك قال: {ما ترك عليها} [النحل: 61] وهنا {ما ترك على ظهرها} وهو تفنن تبعه المعري في قوله:
وإن شئت فازعم أن مَن فوق ظهرها *** عبيدُك واستشهدْ إلهاك يَشْهَدِ
والضمير للأرض هنا وهناك في البيت لأنها معلومة من المقام. والظهر: حقيقته متن الدابة الذي يظهر منها، وهو ما يعلو الصلب من الجسد وهو مقابل البطن فأطلق على ظهر الإِنسان أيضاً وإن كان غير ظاهر لأن الذي يظهر من الإِنسان صدره وبطنه. وظهر الأرض مستعار لبسطها الذي يستقر عليه مخلوقات الأرض تشبيهاً للأرض بالدابة المركوبة على طريقة المكنية. ثم شاع ذلك فصار من الحقيقة.
فأما قوله هنا: {فإن اللَّه كان بعباده بصيراً}، وقد قال هنالك {لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [النحل: 61]، فما هنا إيماء إلى الحكمة في تأخيرهم إلى أجل مسمى. والتقدير: فإذا جاء أجلهم آخذَهم بما كسبوا فإن الله كان بعباده بصيراً، أي عليماً في حالي التأخير ومجيء الأجل، ولهذا فقوله: {فإن اللَّه كان بعباده بصيراً} دليل جواب (إذَا) وليس هو جوابها، ولذلك كان حقيقاً بقرنه بفاء التسبب، وأما ما في سورة النحل فهو الجواب وهو تهديد بأنهم إذا جاء أجلهم وقع بهم العذاب دون إمهال.
وقوله: {فإن اللَّه كان بعباده بصيراً} هو أيضاً جواب عن سؤال مقدر أن يقال: ماذا جنت الدوابّ حتى يستأصلها الله بسبب ما كسب الناس، وكيف يهلك كل من على الأرض وفيهم المؤمنون والصالحون، فأفيد أن الله أعلم بعدله. فأما الدواب فإنها مخلوقة لأجل الإِنسان كما قال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29]، فإهلاكها قد يكون إنذاراً للناس لعلهم يقلعون عن إجرامهم، وأما حال المؤمنين في حين إهلاك الكفار فالله أعلم بهم فلعل الله أن يجعل لهم طريقاً إلى النجاة كما نجّى هوداً ومن معه، ولعله إن أهلكهم أن يعوض لهم حسن الدار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «ثم يحشرون على نياتهم».
{يس (1)}
القول فيه كالقول في الحروف المقَطَّعة الواقعة في أوائل السور، ومن جملتها أنه اسم من أسماء الله تعالى، رواه أشهب عن مالك قاله ابن العربي، وفيه عن ابن عباس أنه: يا إنسان، بلسان الحبشة. وعنه أنها كذلك بلغة طيء، ولا أحسب هذا يصح عنه لأن كتابتها في المصاحف على حرفين تنافي ذلك.
ومن الناس من يدعي أن يس من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وبنى عليه إسماعيل بن بكر الحِميري شاعر الرافضة المشهور عندهم بالسيد الحِميري قوله:
يا نفْسسِ لا تَمْحضِي بالودّ جَاهدة *** على المَودة إلاَّ آل ياسِينا
ولعله أخذه من قوله تعالى في سورة الصافات (130) {سلام على آل ياسين} فقد قيل إنه يعني آل محمد صلى الله عليه وسلم
ومن الناس من قال: إن يس اختزال: يا سيد، خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم ويوهنه نطق القراء بها بنون.
ومن الناس من يسمّي ابنه بهذه الكلمة وهو كثير في البلاد المصرية والشامية ومنهم الشيخ يس بن زين الدين العُليمي الحمصي المتوفى سنة 1061 صاحب التعاليق القيمة فإنما يكتب اسمه بحسب ما ينطق به لا بحروف التهجي وإن كان الناس يغفلون فيكتبونه بحرفين كما يكتب أول هذه السورة.
قال ابن العربي قال أشهب: سألت مالكاً هل ينبغي لأحد أن يسمي يس؟ قال: ما أراه ينبغي لقول الله تعالى: {يس والقرآن الحكيم} [يس: 1، 2] يقول هذا: اسمي يس. قال ابن العربي: وهو كلام بديع لأن العبد لا يجوز أن يسمّى باسم الله إذا كان فيه معنى منه كقوله: عالم وقادر، وإنما منع مالك من التسمية بهذا لأنه اسم من أسماء الله لا يُدرَى معناه فربما كان معناه ينفرد به الرب فلا يجوز أن يقدم عليه العبْد فيقدم على خطر فاقتضى النظر رفعه عنه ا ه. وفيه نظر.
والنطق باسم (يا) بدون مد تخفيف كما في كهيعص.
{وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)}
القسَم بالقرآن كناية عن شرف قدره وتعظيمه عند الله تعالى، وذلك هو المقصود من الآيات الأُوَل من هذه السورة. والمقصود من هذا القَسَم تأكيد الخبر مع ذلك التنويه.
و {القرآن} علَم بالغلبة على الكتاب الموحَى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم من وقت مبعثه إلى وفاته للإِعجاز والتشريع، وقد تقدم في قوله تعالى: {وما تتلو منه من قرآن} في سورة يونس (61).
والحكيم} يجوز أن يكون بمعنى المُحْكَم بفتح الكاف، أي المجعول ذا إحكام، والإِحكام: الإِتقان بماهية الشيء فيما يراد منه.
ويجوز أن يكون بمعنى صاحب الحِكمة، ووصفه بذلك مجاز عقلي لأنه محتوٍ عليها.
وجملة {إنك لمن المرسلين} جواب القسم، وتأكيد هذا الخبر بالقسم وحرف التأكيد ولاممِ الابتداء باعتبار كونه مراداً به التعريض بالمشركين الذين كذبوا بالرسالة فهو تأنيس للنبيء صلى الله عليه وسلم وتعريض بالمشركين، فالتأكيد بالنسبة إليه زيادةُ تقرير وبالنسبة للمعنى الكنائي لرد إنكارهم، والنكت لا تتزاحم.
{على صراط مستقيم} خبر ثان ل (إنّ)، أو حال من اسم (إنّ). والمقصود منه: الإِيقاظ إلى عظمة شريعته بعد إثبات أنه مرسل كغيره من الرسل.
و {على} للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى التمكُّن كما تقدم في قوله: {أولئك على هدى من ربهم} في سورة البقرة (5). وليس الغرض من الإِخبار به عن المخاطب إفادة كونه على صراط مستقيم لأن ذلك معلوم حصوله من الأخبار من كونه أحد المرسلين. فقد علم أن المراد من المرسلين المرسلون من عند الله، ولكن الغرض الجمع بين حال الرسول عليه الصلاة والسلام وبين حال دينه ليكون العِلم بأن دينه صراط مستقيم عِلماً مُستقلاً لا ضِمنياً.
والصراط المستقيم: الهدى الموصل إلى الفوز في الآخرة، وهو الدين الذي بعث به النبي، والخُلُق الذي لَقنه الله، شبه بطريق مستقيم لا اعوجاج فيه في أنه موثوق به في الإِيصال إلى المقصود دون أن يتردد السائر فيه.
فالإِسلام فيه الهدى في الحياتين فمتَّبِعه كالسائر في صراط مستقيم لا حيرة في سيره تعتريه حتى يبلغ المكان المراد.
والقرآن حاوي الدين فكان القرآن من الصراط المستقيم.
وتنكير صراط} للتوصل إلى تعظيمه.
{تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)}
راجع إلى {القرآن الحكيم} [يس: 2] إذ هو المنزل من عند الله، فبعد أن استوفى القسم جوابه رجع الكلام إلى بعض المقصود من القسم وهو تشريف المقسم به فوسم بأنه {تنزيل العزيز الرحيم}.
وقد قرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف للعلم به، وهذا من مواقع حذف المسند إليه الذي سماه السكاكي الحذف الجاري على متابعة الاستعمال في أمثاله. وذلك أنهم إذا أجروا حديثاً على شيء ثم أخبروا عنه التزموا حذف ضميره الذي هو مسند إليه إشارة إلى التنويه به كأنه لا يخفى كقول إبراهيم الصّولي، أو عبد الله بن الزَّبير الأَسدي أو محمد بن سعيد الكاتب، وهي من أبيات الحماسة في باب الأضياف:
سأشكر عَمْراً إن تراختْ منيتي *** أيَاديَ لم تمنن وإن هي جَلّتِ
فتىً غيرُ محجوب الغنى عن صديقه *** ولاَ مظهرِ الشكوى إذ النعل زلَّتِ
تقديره: هو فتى.
وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بنصب {تنزيل} على تقدير: أعني. والمعنى: أعني من قسمي قرآناً نَزَّلتُه، وتلك العناية زيادة في التنويه بشأنه وهي تعادل حذف المسند إليه الذي في قراءة الرفع.
والتنزيل: مصدر بمعنى المفعول أخبر عنه بالمصدر للمبالغة في تحقيق كونه منزلاً.
وأضيف التنزيل إلى الله بعنوان صفتي {العزيز الرحيم} لأن ما اشتمل عليه القرآن لا يعدُو أن يكون من آثار عزة الله تعالى، وهو ما فيه من حمل الناس على الحق وسلوك طريق الهدى دون مصانعة ولا ضعف مع ما فيه من الإِنذار والوعيد على العصيان والكفران.
وأن يكون من آثار رحمته وهو ما في القرآن من نَصْب الأدلة وتقريب البعيد وكشف الحقائق للناظرين، مع ما فيه من البشارة للذين يكونون عند مرضاة الله تعالى، وذلك هو ما ورد بيانه بعدُ إجمالاً من قوله: {لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} [يس: 6] ثم تفصيلاً بقوله: {لقد حق القول على أكثرهم} [يس: 7] وبقوله: {إنما تُنذر من اتَّبع الذكر وخَشِيَ الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم} [يس: 11].
فاللام في {لتنذر} متعلقة ب {تنزيل} وهي لام التعليل تعليلاً لإِنزال القرآن.
واقتصر على الإِنذار لأن أول ما ابتدئ به القومُ من التبليغ إنذارهم جميعاً بما تضمنته أول سورة نزلت من قوله: {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} [العلق: 6، 7] الآية. وما تضمنته سورة المدثر لأن القوم جميعاً كانوا على حالة لا ترضي الله تعالى فكان حالهم يقتضي الإِنذار ليسرعوا إلى الإِقلاع عما هم فيه مرتبكون.
والقوم الموصوفون بأنهم لم تنذر آباؤهم: إما العرب العدنانيون فإنهم مضت قرون لم يأتهم فيها نذير، ومضى آباؤهم لم يسمعوا نذيراً، وإنما يُبتدأ عدُّ آبائهم من جدّهم الأعلى في عمود نسبهم الذين تميزوا به جذماً وهو عدنان، لأنه جذم العرب المستعربة، أو أريد أهل مكة.
وإنما باشر النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء بعثته دعوة أهل مكة وما حولها فكانوا هم الذين أراد الله أن يتلقّوا الدين وأن تتأصل منهم جامعة الإِسلام ثم كانوا هم حملة الشريعة وأعوان الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ دعوته وتأييده. فانضمّ إليهم أهل يثرب وهم قحطانيون فكانوا أنصاراً ثم تتابع إيمان قبائل العرب.
وفرع عليه قوله: {فهم غافلون} أي فتسبب على عدم إنذار آبائهم أنهم متصفون بالغفلة وصفاً ثابتاً، أي فهم غافلون عما تأتي به الرسل والشرائع فهم في جهالة وغواية إذ تراكمت الضلالات فيهم عاماً فعاماً وجيلاً فجيلاً.
فهذه الحالة تشمل جميع من دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم سواء من آمن بعدُ ومن لم يؤمن.
والغفلة: صريحها الذهول عن شيء وعدم تذكره، وهي هنا كناية عن الإِهمال والإِعراض عما يحق التنبيه إليه كقول النابغة:
يقول أناس يجهلون خليقتي *** لعلّ زياداً لا أباك غافل
{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)}
هذا تفصيل لحال القوم الذين أُرسل محمد صلى الله عليه وسلم لينذرهم، فهم قسمان: قسم لم تنفع فيهم النذارة، وقسم اتبعوا الذكر وخافوا الله فانتفعوا بالنذارة. وبيَّن أن أكثر القوم حقت عليهم كلمة العذاب، أي عَلِم الله أنهم لا يؤمنون بما جَبَل عليه عقولهم من النفور عن الخير، فحقق في علمه وكَتب أنهم لا يؤمنون، فالفاء لتفريع انتفاء إيمان أكثرهم على القول الذي حق على أكثرهم.
و {حَق}: بمعنى ثبت ووقع فَلا يقبل نقضاً. و{القول}: مصدر أريد به ما أراده الله تعالى بهم فهو قول من قبيل الكلام النفسي، أو مما أوحى الله به إلى رسله.
والتعريف في {القول} تعريف الجنس، والمقول محذوف لدلالة تفريعه عليه.
والتقدير: {لقد حق} القول، أي القول النفسي وهو المكتوب في علمه تعالى أنهم لا يؤمنون فهم لا يؤمنون.
{إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)}
هذه الجملة بدل اشتمال من جملة {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} [يس: 7] فإن انتفاء إيمانهم يشتمل على مَا تضمنته هذه الآية من جعل أغلال في أعناقهم حقيقة أو تمثيلاً.
والجعل: تكوين الشيء، أي جعلنا حالهم كحال من في أعناقهم أغلال فهي إلى الأذقان فهم مقمحون، فيجوز أن يكون تمثيلاً بأن شُبهت حالة إعراضهم عن التدبر في القرآن ودعوة الإِسلام والتأمل في حججه الواضحة بحال قوم جعلت في أعناقهم أغلال غليظة ترتفع إلى أذقانهم فيكونون كالمقمحين، أي الرافعين رؤوسهم الغاضِّين أبصارهم لا يلتفتون يميناً ولا شِمالاً فلا ينظرون إلى شيء مما حولهم فتكون تمثيلية.
وذِكر {فهي إلى الأذقان} لتحقيق كون الأغلال ملزوزة إلى عظام الأذقان بحيث إذا أراد المغلول منهم الالتفات أو أن يطاطئ رأسه وجِعَه ذقنه فلازم السكون وهذه حالة تخييل هذه الأغلال وليس كل الأغلال مثل هذه الحالة.
وهذا التمثيل قابل لتوزيع أجزاء المركب التمثيلي إلى تشبيه كل جزء من الحالين بجزء من الحالة الأخرى بأن يشبه ما في نفوسهم من النفور عن الخير بالأَغلال، ويشبه إعراضهم عن التأمل والإِنصاف بالإِقماح.
فالفاء في قوله: {فهي إلى الأذقان} عطف على جملة {جعلنا في أعناقهم أغلالاً}، أي جعلنا أغلالاً، أي فأبلغناها إلى الأذقان.
والجعل: هنا حقيقة وهو ما خلق في نفوسهم من خلق التكبر والمكابرة.
والأغلال: جمع غُلّ بضم الغين، وهو حلقة عريضة من حديد كالقلادة ذات أضلاع من إحدى جهاتها وطرفين يقابلان أضلاعهما فيهما أثقاب متوازية تشد الحلقة من طرفيها على رقبة المغلول بعمود من حديد له رأس كالكرة الصغيرة يسقط ذلك العمُود في الأثقاب فإذا انتهى إلى رأسه الذي كالكرة استقرّ ليمنع الغُلّ من الانحلال والتفلّت، وتقدم عند قوله تعالى: {وأولئك الأغلال في أعناقهم} في سورة الرعد (5).
والفاء في قوله: فهم مقمحون} تفريع على جملة {فهي إلى الأذقان}.
والمقمَح: بصيغة اسم المفعول المجعول قامحاً، أي رافعاً رأسه ناظراً إلى فوقه يقال: قمحه الغُلّ، إذا جعل رأسه مرفوعاً وغضّ بصره، فمدلوله مركب من شيئين. والأذقان: جمع ذَقَن بالتحريك، وهو مجتمع اللحيين. وتقدم في الإِسراء.
ويجوز أن يكون قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} الخ وعيداً بما سيحلّ بهم يوم القيامة حين يساقون إلى جهنم في الأغلال كما أشار إليه قوله تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون} في سورة غافر (71، 72)، فيكون فعل جعلنا} مستقبلاً وعبر عنه بصيغة الماضي لتحقيق وقوعه كقوله تعالى: {أتى أمر اللَّه} [النحل: 1]، أي سنجعل في أعناقهم أغلالاً.
{وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)}
{فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فأغشيناهم}.
هذا ارتقاء في حرمانهم من الاهتداء لو أرادوا تأملاً بأنّ فظاظة قلوبهم لا تقبل الاستنتاج من الأدلة والحجج بحيث لا يتحولون عما هم فيه، فمُثّلت حالهم بحالة من جُعلوا بين سدَّيْن، أي جدارين: سداً أمامهم، وسداً خلفهم، فلو راموا تحوّلاً عن مكانهم وسعيهم إلى مرادهم لما استطاعوه كقوله تعالى: {فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون} [يس: 67]، وقول أبي الشيص:
وقف الهوى بي حيث أنتتِ فليس لي *** متأخَّر عنه ولا مُتَقَدَّم
وقد صرح بذلك في قول...:
ومن الحوادث لا أبالك أنني *** ضربتُ على الأرض بالأسداد
لا أهتدي فيها لموضع تَلْعة *** بين العُذيب وبين أرض مُراد
وتقدم السدّ في سورة الكهف.
وفي «مفاتيح الغيب»: مانع الإِيمان: إما أن يكون في النفس، وإما أن يكون خارجاً عنها. ولهم المانعان جميعاً: أما في النفس فالغُلّ، وأما من الخارج فالسد فلا يقع نظرهم على أنفسهم فيروا الآيات التي في أنفسهم لأن المُقْمَح لا يرى نفسه ولا يقع نظرهم على الآفاق لأن مَن بين السدّين لا يبصرون الآفاق فلا تتبين لهم الآيات كما قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} [فصلت: 53].
وإعادة فعل {وجعلنا} على الوجه الأول في معنى قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} [يس: 8] الآية، تأكيد لهذا الجعل، وأما على الوجه الثاني في معنى {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} فإعادة فعل {وجعلنا} لأنه جَعْل حاصل في الدُّنيا فهو مغاير للجعل الحاصل يوم القيامة.
وقرأ الجمهور {سداً} بالضم وهو اسم الجدار الذي يَسُدّ بين داخل وخارج.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالفتح وهو مصدر سمي به ما يُسد به.
{خَلْفِهِمْ سَدّاً فأغشيناهم فَهُمْ}.
تفريع على كلا الفعلين {جعلنا في أعناقهم أغلالاً} [يس: 8] و{جعلنا من بين أيديهم سُدّاً ومن خلفهم سداً} لأن في كلا الفعلين مانعاً من أحوال النظر.
وفي الكلام اكتفاء عن ذكر ما يتفرع ثانياً على تمثيلهم بمن جعلوا بين سُدين من عدم استطاعة التحول عمّا هم عليه.
والإِغشاء: وضع الغشاء. وهو ما يغطي الشيء. والمراد: أغشينا أبصارهم، ففي الكلام حذف مضاف دلّ عليه السياق وأكّده التفريع بقوله: {فهم لا يبصرون}. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي لإِفادة تقوي الحكم، أي تحقيق عدم إبصارهم.
{وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10)}
عطف على جملة {لا يبصرون} [يس: 9]، أي إنذارَك وعدمه سواء بالنسبة إليهم، فحرف (على) معناه الاستعلاء المجازي وهو هنا الملابسة، متعلق ب {سواء} الدال على معنى (استوى)، وتقدم نظيرها في أول سورة البقرة.
وهمزة التسوية أصلها الاستفهام ثم استعملت في التسوية على سبيل المجاز المرسل، وشاع ذلك حتى عدّت التسوية من معاني الهمزة لكثرة استعمالها في ذلك مع كلمة سواء وهي تفيد المصدرية. ولما استعملت الهمزة في معنى التسوية استعملت {أم} في معنى الواو، وقد جاء على الاستعمال الحقيقي قول بُثيْنة:
سواء علينا يا جميلُ بن مَعمر *** إذَا مِتَّ بأساءُ الحياةِ ولينُها
وجملة {لا يؤمنون} مبيّنة استواء الإِنذار وعدمِه بالنسبة إليهم.
{إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)}
لما تضمن قوله: {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} [يس: 10] أن الإِنذار في جانب الذين حق عليهم القول أنهم لا يؤمنون هو وعدمه سواء وكان ذلك قد يُوهم انتفاء الجدوى من الغير وبعض من فضل أهل الإِيمان أعقب ببيان جدوى الإِنذار بالنسبة لمن اتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب.
و {الذكر} القرآن.
والاتّباع: حقيقته الاقتفاء والسَّيْر وراء سائر، وهو هنا مستعار للإِقبال على الشيء والعناية به لأن المتبع شيئاً يعتني باقتفائه، فاتباع الذكر تصديقُه والإِيمانُ بما فيه لأن التدبر فيه يفضي إلى العمل به، كما ورد في قصة إيمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه وجد لَوْحاً فيه سورة طه عند أخته فأخذ يقرأُ ويتدّبر فآمن.
وكان المشركون يُعرضون عن سماع القرآن ويصُدُّون الناس عن سماعه، ويبين ذلك ما في قصة عبد الله بن أُبيّ ابن سَلول في مبدأ حلول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بمجلس عبد الله بن أُبَيّ فنزل فسلم وتلا عليهم القرآن حتى إذا فرغ قال عبدُ الله بن أُبَيّ: يا هذا إنه لا أحسن من حديثك إن كان حقاً، فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدّثْه ومن لم يأتك فلا تَغُتَّه به ". ولما كان الإِقبال على سماع القرآن مُفضياً إلى الإِيمان بما فيه لأنه يداخل القلب كما قال الوليد بن المغيرة «إن له لَحَلاوة، وإن عليه لَطَلاوة، وإن أسفله لمُغْدِق، وإن أعلاه لمُثمر». أُتبعت صلة {اتبع الذكر} بجملة {وخشي الرحمان بالغيب}، فكان المراد من اتّباع الذكر أكمل أنواعه الذي لا يعقبه إعراض فهو مؤدَ إلى امتثال المتبِعين ما يدعوهم إليه.
وخشية الرحمان: تقواه في خويصة أنفسهم، وهؤلاء هم المؤمنون تنويهاً بشأنهم وبشأن الإِنذار، فهذا قسيم قوله: {لقد حق القول على أكثرهم} [يس: 7] وهو بقية تفصِيل قوله: {لتنذر قوماً} [يس: 6]. والغرض تقوية داعية الرسول صلى الله عليه وسلم في الإِنذار، والثناءُ على الذين قَبِلوا نذارته فآمنوا.
فمعنى فعل {تنذر} هو الإِنذار المترتب عليه أثره من الخشية والامتثال، كأنه قيل: إنما تنذر فينتذر مَن اتبع الذكر، أي مَن ذلك شأنهم لأنهم آمنوا ويتقون.
والتعبير بفعل المضيّ للدلالة على تحقيق الاتّباع والخشية. والمراد: ابتداءً الاتّباع.
ثم فرع على هذا التنويه الأمر بتبشير هؤلاء بمغفرة ما كان منهم في زمن الجاهلية وما يقترفون من اللمم.
والجمع بين {تنذر} و«بشر» فيه محسن الطِباق، مع بيان أن أول أمرهم الإِنذار وعاقبته التبشير.
والأجر: الثواب على الإِيمان والطاعات، ووصفه بالكريم لأنه الأفضل في نوعه كما تقدم عند قوله تعالى: {إني ألقي إلي كتاب كريم} في سورة النمل (29).
والتعبير بوصف الرحمان} دون اسم الجلالة لوجهين: أحدهما: أن المشركين كانوا ينكرون اسم الرحمان، كما قال تعالى: {قالوا وما الرحمان} [الفرقان: 60]. والثاني: الإِشارة إلى أن رحمته لا تقتضي عدم خشيته فالمؤمن يخشى الله مع علمه برحمته فهو يرجو الرحمة.
فالقصر المستفاد من قوله: {إنما تنذر من اتبع الذكر} وهو قصر الإِنذار على التعلّق ب {من اتبع الذكر} وخشِي الله هو بالتأويل الذي تُؤُوّل به معنى فعل {تنذر}، أي حصول فائدة الإِنذار يكون قصراً حقيقياً، وإن أبيت إلا إبقاء فعل {تنذر} على ظاهر استعمال الأفعال وهو الدلالة على وقوع مصادرها فالقصر ادعائي بتنزيل إنذار الذين لم يتبعوا الذكر ولم يخشوا منزلة عدم الإِنذار في انتفاء فائدته.
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)}
لما اقتضى القصر في قوله: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} [يس: 11] نفى أن يتعلق الإِنذار بالذين لم يتبعوا الذكر ولم يخشوا الرحمان، وكان في ذلك كناية تعريضية بأن الذين لم ينتفعوا بالإِنذار بمنزلة الأموات لعدم انتفاعهم بما ينفع كل عاقل، كما قال تعالى: {لتنذر من كان حياً} [يس: 70] وكما قال: {إنك لا تسمع الموتى} [النمل: 80] استطرد عقب ذلك بالتخلّص إلى إثبات البعث فإن التوفيق الذي حفّ بمن اتبع الذكر وخشي الرحمان هو كإحياء الميت لأن حالة الشرك حالة ضلال يشبه الموت، والإِخراج منه كإحياء الميت؛ فهذه الآية اشتملت بصريحها على علم بتحقيق البعث واشتملت بتعريضها على رمز واستعارتيْن ضمنيتين: استعارة الموتى للمشركين، واستعارة الإحياء للإِنقاذ من الشرك، والقرينة هي الانتقال من كلام إلى كلام لما يومئ إليه الانتقال من سبق الحضور في المخيلة فيشمل المتكلم مما كان يتكلم في شأنه إلى الكلام فيما خطر له. وهذه الدلالة من مستتبعات المقام وليست من لوازم معنى التركيب. وهذا من أدق التخلص بحرف (إنَّ) لأن المناسبة بين المنتقل منه والمنتقل إليه تحتاج إلى فطْنة، وهذا مقام خطاب الذكِيّ المذكور في مقدمة علم المعاني.
فيكون موقع جملة «إنا نحيي الموتى» استئنافاً ابتدائياً لِقصد إنذار الذين لم يتبعوا الذكر، ولم يخشوا الرحمان، وهم الذين اقتضاهم جانب النفي في صيغة القصر.
ويجوز أن يكون الإِحياء مستعاراً للإنقاذ من الشرك، والموتى: استعارة لأهل الشكر، فإحياء الموتى توفيق من آمن من الناس إلى الإِيمان كما قال تعالى: {أفمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات} [الأنعام: 122] الآية.
فتكون الجملة امتناناً على المؤمنين بتيسير الإِيمان لهم، قال تعالى: {فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام} [الأنعام: 125]، وموقع الجملة موقع التعليل لقوله: {فبشره بمغفرة وأجر كريم} [يس: 11].
والمراد بكتابة ما قدموا الكناية عن الوعد بالثواب على أعمالهم الصالحة والثواب على آثارهم.
وهذا الاعتبار يناسبه الاستئناف الابتدائي ليكون الانتقال بابتداء كلاممٍ منبهاً السامعَ إلى ما اعتبره المتكلم في مطاوي كلامه.
والتأكيد بحرف (إنّ) منظور فيه إلى معنى الصريح كما هو الشأن، و{نحن} ضمير فصل للتقوية وهو زيادة تأكيد. والمعنى: نحييهم للجزاء، فلذلك عطف {ونكتب ما قدموا}، أي نُحْصي لهم أعمالهم من خير وشر قدموها في الدنيا لنجازيهم.
وعطفُ ذلك إدماج للإِنذار والتهديدِ بأنهم محاسبون على أعمالهم ومجازَون عليها.
والكناية: كناية عن الإِحصاء وعدم إفلات شيء من أعمالهم أو إغفاله. وهي ما يعبر عنه بصحائف الأعمال التي يسجلها الكِرام الكاتبون.
فالمراد ب {ما قدموا} ما عملوا من الأعمال قبل الموت؛ شبهت أعمالهم في الحياة الدنيا بأشياء يقدمونها إلى الدار الآخرة كما يقدم المسافر ثَقله وأحماله.
وأما الآثار فهي آثار الأعمال وليست عينَ الأعمال بقرينة مقابلته ب {ما قدموا} مثل ما يتركون من خير أو يثير بين الناس وفي النفوس.
والمقصود بذلك ما عملوه موافقاً للتكاليف الشرعية أو مخالفاً لها وآثارهم كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سَنَّ سُنة حسنة فله أجْرُها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة ومَن سَنّ سنة سيئة فعليه وزرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة لا يَنقص ذلك من أعمالهم شيئاً».
فالآثار مسببات أسباب عملوا بها. وليس المراد كتابة كل ما عملوه لأن ذلك لا تحصل منه فائدة دينية يترتب عليها الجزاء. فهذا وعد ووعيد كلٌّ يأخذ بحظه منه.
وقد ورد عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني سلمة أرادوا أن يتحوّلوا من منازلهم في أقصى المدينة إلى قُرب المسجد وقالوا: البقاع خالية، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «يا بني سَلِمة ديارَكم تُكتبْ آثاركم» مرتين رواه مسلم. ويعني آثار أرجلهم في المشي إلى صلاة الجماعة.
وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد زاد: أنَّه قرأ عليهم: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} فجعل الآثار عامّاً للحسية والمعنوية، وهذا يلاقي الوجه الثاني في موقع جملة {إنا نحن نحيى الموتى}. وهو جار على ما أسسناه في المقدمة التاسعة. وتوهَّم راوي الحديث عن الترمذي أن هذه الآية نزلت في ذلك وسياق الآية يخالفه ومكيتها تنافيه.
والإِحصاء: حقيقته العدّ والحساب وهو هنا كناية عن الإِحاطة والضبط وعدم تخلف شيء عن الذكر والتعيين لأن الإِحصاء والحساب يستلزم أن لا يفوت واحد من المحسوبات.
والإِمام: ما يُؤتم به في الاقتداء ويُعمَل على حسب ما يَدلّ عليه، قال النابغة:
بنوا مجد الحياة على إمام ***
أطلق الإِمام على الكتاب لأن الكتاب يتّبع ما فيه من الأخبار والشروط، قال الحارث بن حلزة:
حذر الجور والتطاخي وهل ين *** قض ما في المهارق الأهواء
والمراد ب {كل شيء} بحسب الظاهر هو كل شيء من أعمال الناس كما دل عليه السياق، فذكر {كل شيء} لإِفادة الإِحاطة والعموم لما قدموا وآثارهم من كبيرة وصَغيرة. فكلمة {كلّ} نص على العموم من اسم الموصول ومن الجمع المعرّف بالإِضافة، فتكون جملة {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} مؤكدة لجملة {ونكتب ما قدموا وآثارهم}، ومبينة لمُجملها، ويكون عطفها دون فصلها مراعىً فيه ما اشتملت عليه من زيادة الفائدة.
ويجوز أن يكون المراد ب {كل شيء} كل ما يوجد من الذوات والأعمال، ويكون الإحصَاء إحصاء علم، أي تعلق العلم بالمعلومات عند حدوثها، ويكون الإِمام المبين علم الله تعالى. والظرفية ظرفية إحاطة، أي عدم تفلت شيء عن علمه كما لا ينفلت المظروف عن الظرف.
وجعل علم الله إماماً لأنه تجري على وفقه تعلقات الإِرادة الربانية والقدرةِ فتكون جملة {وكل شيء أحصيناه} على هذا تذييلاً مفيداً أن الكتابة لا تختص بأعمال الناس الجارية على وفق التكاليف أو ضدها بل تعمّ جميع الكائنات. وإذ قد كان الشيء يرادف الموجود جاز أن يراد ب {كل شيء} الموجود بالفعل أو ما يقبل الإِيجاد وهو الممكن، فيكون إحصاؤه هو العلم بأنه يكون أو لا يكون ومقادير كونه وأحواله، كقوله تعالى: {وأحصى كلّ شيء عدداً} [الجن: 28].
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)}
أعقب وصف إعراضهم وغفلتهم عن الانتفاع بهدي القرآن بتهديدهم بعذاب الدنيا إذ قد جاء في آخر هذه القصة قوله: {إن كانت إلا صيحةً واحدةً فإذا هم خامدون} [يس: 29].
والضرب مجاز مشهور في معنى الوضع والجعل، ومنه: ضرب ختمه. وضربتْ بيتاً، وهو هنا في الجعل وتقدم عند قوله تعالى: {إن اللَّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً مَّا} في سورة البقرة (26).
والمعنى: اجعل أصحاب القرية والمرسلين إليهم شَبهاً لأهل مكة وإرسالك إليهم.
ولهم} يجوز أن يتعلق ب {اضرب} أي اضرب مثلاً لأجلهم، أي لأجل أن يعتبروا كقوله تعالى: {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم} [الروم: 28]. ويجوز أن يكون {لهم} صفة ل (مثَل)، أي اضرب شبيهاً لهم كقوله تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74].
والمثل: الشبيه، فقوله: {واضرب لهم مثلاً} معناه ونظّرْ مثلاً، أي شَبِّه حالهم في تكذيبهم بك بشبيه من السابقين، ولما غلب المثل في المشابه في الحال وكان الضرب أعم جُعل {مثلاً} مفعولاً ل {اضرب}، أي نظّر حالهم بمشابه فيها فحصل الاختلاف بين {اضرب}، و{مثلاً} بالاعتبار. وانتصب {مثلاً} على الحال.
وانتصب {أصحاب القرية} على البيان ل {مثلاً}، أو بدل، ويجوز أن يكون مفعولاً أول ل {اضرب} و{مثلاً} مفعولاً ثانياً كقوله تعالى: {ضرب اللَّه مثلاً قرية} [النحل: 112].
والمعنى: أن حال المشركين من أهل مكة كحال أصحاب القرية الممثل بهم.
و {القرية} قال المفسرون عن ابن عباس: هي (أنطاكية) وهي مدينة بالشام متاخمة لبلاد اليونان.
والمرسلون إليها قال قتادة: هم من الحواريين بعثهم عيسى عليه السلام وكان ذلك حين رُفِع عيسى. وذكروا أسماءهم على اختلاف في ذلك.
وتحقيق القصة: أن عيسى عليه السلام لم يدْعُ إلى دينه غير بني إسرائيل ولم يكن الدين الذي أرسل به إلا تكملة لما اقتضت الحكمة الإِلهية إكماله من شريعة التوراة، ولكن عيسى أوصى الحواريين أن لا يغفلوا عن نهي الناس عن عبادة الأصنام فكانوا إذا رأوا رؤيا أو خطر لهم خاطر بالتوجه إلى بلد من بلاد إسرائيل أو مما جاورها، أو خطر في نفوسهم إلهام بالتوجه إلى بلد علموا أن ذلك وحي من الله لتحقيق وصية عيسى عليه السلام. وكان ذلك في حدود سنة أربعين بعد مولد عيسى عليه السلام.
ووقعت اختلافات للمفسرين في تعيين الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أهل أنطاكية وتحريفات في الأسماء، والذي ينطبق على ما في كتاب أعمال الرسل من كتب العهد الجديد أن (برنابا) و(شاول) المدعو (بُولس) من تلاميذ الحواريين ووُصِفا بأنهما من الأنبياء، كانا في أنطاكية مرسلَيْن للتعليم، وأنهما عُززا بالتلميذ (سيلا). وذكر المفسرون أن الثالث هو (شمعون)، لكن ليس في سفر الأعمال ما يقتضي أن بُولس وبرنابا عزّزا بسمعان. ووقع في الإِصحاح الثالث عشر منه أنه كان نبيء في أنطاكية اسمه (سمعان).
والمكذبون هم من كانوا سكاناً بأنطاكية من اليهود واليونان، وليس في أعمال الرسل سوى كلمات مجملة عن التكذيب والمحاورة التي جرت بين المرسلين وبين المرسل إليهم، فذكر أنه كان هنالك نفر من اليهود يطعنون في صدق دعوة بولس وبرنابا ويثيرون عليهما نساء الذين يؤمنون بعيسى من وجوه المدينة من اليونان وغيرهم، حتى اضطر (بولس وبرنابا) إلى أن خرجا من أنطاكية وقصدا أيقونية وما جاورها وقاومهما يهود بعض تلك المدن، وأن أحبار النصارى في تلك المدائن رأوا أن يعيدون بولس وبرنابا إلى أنطاكية. وبعد عودتهما حصل لهما ما حصل لهما في الأولى وبالخصوص في قضية وجوب الختان على من يدخل في الدين، فذهب بولس وبرنابا إلى أورشليم لمراجعة الحواريين فرأى أحبار أورشليم أن يؤيدوهما برجلين من الأنبياء هما (برسابا) و(سيلا). فأما (برسابا) فلم يمكث. وأما (سيلا) فبقي مع (بولس وبرنابا) يعظون الناس، ولعل ذلك كان بوحي من الله إليهم وإلى أصحابهم من الحواريين. فهذا معنى قوله تعالى: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} إذ أسند الإرسال والتعزيز إلى الله.
والتعزيز: التقوية، وفي هذه المادة معنى جعل المقوَّى عزيزاً فالأحسن أن التعزيز هو النصر.
وقرأ أبو بكر عن عاصم {فعززنا} بتخفيف الزاي الأولى، وفعل عزّ بمعنى يحيي مرادفاً لعزّز كما قالوا شدّ وشدّد.
وتأكيد قولهم: {إنا إليكم مرسلون} لأجل تكذيبهم إياهم فأكدوا الخبر تأكيداً وسطاً، ويسمى هذا ضرباً طلبياً.
وتقديم المجرور للاهتمام بأمر المرسل إليهم المقصود إيمانهم بعيسى.
{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15)}
كان أهل (أنطاكية) والمدن المجاورة لها خليطاً من اليهود وعبدة الأصنام من اليونان، فقوله: {ما أنتم إلا بشر مثلنا} صالح لأن يصدر من عبدة الأوثان وهو ظاهر لظنهم أن الآلهة لا تبعث الرسل ولا تُوحي إلى أحد، ولذلك جاء في سفر أعمال الرسل أن بعض اليونان من أهل مدينة (لسترة) رأوا معجزة من بولس النبي فقالوا بلسان يوناني: إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا فكانوا يدعون (برنابا) (زفسَ). أي كوكب المشتري، و(بولسَ) (هُرمسَ) أي كوكب عطارد وجاءهما كاهن (زفس) بثيران ليذبحها لهما، وأكاليل ليضعها عليهما، فلما رأى ذلك (بولس وبرنابا) مزّقا ثيابهما وصرخا: «نحن بشر مثلكم نعظكم أن ترجعوا عن هذه الأباطيل إلى الإِله الحي الذي خلق السماوات والأرض» الخ.
وصالح لأن يصدر من اليهود الذين لم يتنصّروا لأن ذلك القول يقتضي أنهما وبقية اليهود سواء وأن لا فضل لهما بما يزعمون من النبوءة ويقتضي إنكار أن يكون الله أنزل شيئاً، أي بعد التوراة. فمن إعجاز القرآن جمع مقالة الفريقين في هاتين الجملتين.
واختيار وصف {الرحمان} في حكاية قول الكفرة {وما أنزل الرحمان من شيء} لكونه صالحاً لعقيدة الفريقين لأن اليونان لا يعرفون اسم الله، وربُّ الأرباب عندهم هو (زفس) وهو مصدر الرحمة في اعتقادهم، واليهود كانوا يتجنبون النطق باسم الله الذي هو في لغتهم (يَهْوَه) فيعوضونه بالصفات.
والاستثناء في {إن أنتم إلا تكذبون} استفهام مفرغ من أخبار محذوفة فجملة {تكذبون} في موضع الخبر عن ضمير {أنتم}.
{قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17)}
حكيت هذه المحاورة على سنن حكاية المحاورات بحكاية أقوال المتحاورين دون عطف.
و {ربنا يعلم} قَسَم لأنه استشهاد بالله على صدق مقالتهم، وهو يمين قديمة انتقلها العرب في الجاهلية فقال الحارث بن عَبَّاد:
لم أكن من جُناتِها عَلِم الل *** ه وإنِي لِحرّها اليومَ صالي
ويظهر أنه كان مغلّظاً عندهم لقلة وروده في كلامهم ولا يَكاد يقع إلا في مقام مهم. وهو عند علماء المسلمين يمين كسائر الأيمان فيها كفارة عند الحِنث. وقال بعض علماء الحنفية: إن لهم قولاً بأن الحالف به كاذباً تلزمه الردّة لأنه نسب إلى علم الله ما هو مخالف للواقع، فآل إلى جعل علم الله جهلاً. وهذا يرمي إلى التغليظ والتحذير وإلا فكيف يكفر أحد بلوازم بعيدة.
واضطرهم إلى شدّة التوكيد بالقسم ما رأوا من تصميم كثير من أهل القرية على تكذيبهم. ويسمى هذا المقدار من التأكيد ضرباً إنكاريّاً.
وأما قولهم: {وما علينا إلا البالغ المبين} فذلك وعظ وعظوا به القوم ليعلموا أنهم لا منفعة تنجرّ لهم من إيمان القوم وإعلان لهم بالتبرُّؤ من عهدة بقاء القوم على الشرك وذلك من شأنه أن يثير النظر الفكري في نفوس القوم.
و {البلاغ} اسم مصدر من أبلغ إذا أوصل خبراً، قال تعالى: {إن عليك إلا البلاغ} [الشورى: 48] وقال: {هذا بلاغ للناس} [إبراهيم: 52]. ولا يستعمل البلاغ في إيصال الذوات. والفقهاء يقولون في كراء السفن والرواحل: إن منه ما هو على البلاغ. يريدون على الوصول إلى مكان معيَّن بين المكري والمكتري.
و {المبين} وصف للبلاغ، أي البلاغ الواضح دلالة وهو الذي لا إيهام فيه ولا مواربة.
{قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)}
لما غلبتهم الحجة من كل جانب وبلغ قول الرسل {وما علينا إلا البلاغ المبين} [يس: 17] من نفوس أصحاب القرية مبلغ الخجل والاستكانة من إخفاق الحجة والاتسام بميسم المكابرة والمنابذة للذين يبتغون نفعهم انصرفوا إلى ستر خجلهم وانفحامهم بتلفيف السبب لرفض دعوتهم بما حسبوه مقنعاً للرسل بترك دعوتهم ظنّاً منهم أن يدَّعونه شيء خفي لا قِبل لغير مخترعه بالمنازعة فيه، وذلك بأن زعموا أنهم تطيّروا بهم ولحقهم منهم شُؤْم، ولا بد للمغلوب من بارد العذر.
والتطير في الأصل: تكلف معرفة دلالة الطير على خير أو شر من تعرض نوع الطير ومن صفة اندفاعه أو مجيئه، ثم أطلق على كل حدث يَتوهم منه أحد أنه كان سبباً في لحاق شر به فصار مرادفاً للتشاؤم.
وفي الحديث: «لا عَدوى ولا طِيَرَة وإنما الطِيرَة على من تَطير» وبهذا المعنى أطلق في هذه الآية، أي قالوا: إنا تشاءمنا بكم.
ومعنى {بكم} بدعوتكم، وليسوا يريدون أن القرية حلّ بها حادث سوء يعمّ الناس كلهم من قحط أو وباء أو نحو ذلك من الضرّ العام مقارن لحلول الرسل أو لدعوتهم، وقد جوزه بعض المفسرين، وإنما معْنى ذلك: أن أحداً لا يخلو في هذه الحياة من أن يناله مكروه. ومن عادة أصحاب الأوهام السخيفة والعقول المأفونة أن يسندوا الأحداث إلى مقارناتها دون معرفة أسبابها ثم أن يتخيروا في تعيين مقارنات الشؤم أموراً لا تلائم شهواتهم وما ينفرون منه، وأن يعينوا من المقارنات للتيمن ما يرغبون فيه وتقبله طباعهم يغالطون بذلك أنفسهم شأن أهل العقول الضعيفة، فمرجع العلل كلها لديهم إلى أحوال نفوسهم ورغائبهم كما حكى الله تعالى عن قوم فرعون: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يَطَّيَّروا بموسى ومن معه} [الأعراف: 131] وحكَى عن مشركي مكة {وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} [النساء: 78].
ويجوز أن يكونوا أرادوا بالشؤم أن دعوتهم أحدثت مشاجرات واختلافاً بين أهل القرية فلما تمالأت نفوس أهل القرية على أن تعليل كل حدث مكروه يصيب أحدهم بأنه من جراء هؤلاء الرسل اتفقت كلمتهم على ذلك فقالوا: {إنا تطيرنا بكم} أي يقولها الواحد منهم أو الجمع فيوافقهم على ذلك جميع أهل القرية.
ثم انتقلوا إلى المطالبة بالانتهاء عن هذه الدعوة فقالوا: {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم} وبذلك ألجأوا (بولس) و(برنابا) إلى الخروج من أنطاكية فخرجا إلى أيقونية وظهرت كرامة (بولس) في أيقونية ثم في (لسترة) ثم في (دربة). ولم يزل اليهود في كل مدينة من هذه المدن يشاقّون الرسل ويضطهدونهم ويثيرون الناس عليهم ويَلحقونهم إلى كل بلد يحلّون به ليشغبوا عليهم، فمسّهم من ذلك عذاب وضرّ ورُجم (بولس) في مدينة (لسترة) حتى حسبوا أن قد مات.
ولام {لئن لم تنتهوا} موطئة للقسم حكي بها ما صدر منهم من قسم بكلامهم.
{قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)}
حكي قول الرسل بما يرادفه ويؤدي معناه بأسلوب عربي تعريضاً بأهل الشرك من قريش الذين ضربت القرية مثلاً لهم، فالرسل لم يذكروا مادة الطيرة والطير وإنما أتوا بما يدل على أن شؤم القوم متصل بذواتهم لا جاءٍ من المرسلين إليهم فحكي بما يوافقه في كلام العرب تعريضاً بمشركي مكة وهذا بمنزلة التجريد لضرب المثل لهم بأن لوحظ في حكاية القصة ما هو من شؤون المشبَّهين بأصحاب القصة.
ولما كانت الطيرة بمعنى الشؤم مشتقة من اسم الطير لوحظ فيها مادة الاشتقاق.
وقد جاء إطلاق الطائر على معنى الشؤم في قوله تعالى في سورة الأعراف (131): {ألا إنما طائرهم عند اللَّه} على طريقة المشاكلة.
ومعنى طائركم معكم} الطائر الذي تنسبون إليه الشؤم هو معكم، أي في نفوسكم، أرادوا أنكم لو تدبرتم لوجدتم أن سبب ما سميتموه شؤماً هو كفركم وسوء سمعكم للمواعظ، فإن الذين استمعوا أحسن القول اتبعوه ولم يعْتَدُوا عليكم، وأنتم الذين آثرتم الفتنة وأسعرتم البغضاء والإِحن فلا جرم أنتم سبب سوء الحالة التي حدثت في المدينة.
وأشار آخرُ كلامهم إلى هذا إذ قالوا: {أإن ذكرتم} بطريقة الاستفهام الإِنكاري الداخل على {إِنْ} الشرطية، فهو استفهام على محذوف دلّ عليه الكلام السابق، وقُيّد ذلك المحذوف بالشرط الذي حذف جوابه أيضاً استغناء عنه بالاستفهام عنه، وهما بمعنى واحد، إلا أن سيبويه يرجّح إذا اجتمع الاستفهام والشرط أن يؤتى بما يناسب الاستفهام لو صرح به، فكذلك لمَّا حُذف يكون المقدَّر مناسباً للاستفهام. والتقدير: أتتشاءمون بالتذكير إنْ ذُكرتم، لما يدل عليه قول أهل القرية {إنا تطيرنا بكم} [يس: 18]، أي بكلامكم وأبطلوا أن يكون الشؤم من تذكيرهم بقولهم: {بل أنتم قوم مسرفون} أي لا طيرة فيما زعمتم ولكنكم قوم كافرون غشيت عقولكم الأوهام فظننتم ما فيه نفعكم ضرّاً لكم، ونُطتم الأشياء بغير أسبابها من إغراقكم في الجهالة والكفر وفساد الاعتقاد. ومن إسرافكم اعتقادكم بالشؤم والبخت.
وقرأ الجمهور {أإن ذكرتم} بهمزة استفهام داخلة على {إنْ} المكسورة الهمزة الشرطية وتشديد الكاف. وقرأه أبو جعفر {أأن ذكرتم} بفتح كلتا الهمزتين وبتخفيف الكاف من {ذكرتم}. والاستفهام تقرير، أي ألأجْللِ إن ذكرنا أسماءَكم حين دعوناكم حلّ الشؤم بينكم كناية عن كونهم أهلاً لأن تكون أسماؤهم شؤماً.
وفي ذكر كلمة {قوم} إيذان بأن الإِسراف متمكن منهم وبه قِوام قوميتهم كما تقدم في قوله: {لآيات لقوم يعقلون} في سورة البقرة (164).
{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)}
عطف على قصة التحاور الجاري بين أصحاب القرية والرسل الثلاثة لبيان البون بين حال المعاندين من أهل القرية وحاللِ الرجل المؤمن منهم الذي وعظهم بموعظة بالغة وهو من نفر قليل من أهل القرية.
فلك أن تجعل جملة {وجاء من أقصا المدينة} عطفاً على جملة {جاءها المرسلون} [يس: 13] ولك أن تجعلها عطفاً على جملة {فقالوا إنا إليكم مرسلون} [يس: 14].
والمراد بالمدينة هنا نفس القرية المذكورة في قوله: {أصحاب القرية} [يس: 13] عُبر عنها هنا بالمدينة تفنناً، فيكون {أقصا} صفة لمحذوف هو المضاف في المعنى إلى المدينة. والتقدير: من بَعيد المدينة، أي طرف المدينة، وفائدة ذكر أنه جاء من أقصى المدينة الإِشارة إلى أن الإِيمان بالله ظهر في أهل ربض المدينة قبل ظهوره في قلب المدينة لأن قلب المدينة هو مسكن حكامها وأحبار اليهود وهم أبعد عن الإِنصاف والنظر في صحة ما يدعوهم إليه الرسل، وعامة سكانها تبع لعظمائها لتعلقهم بهم وخشيتهم بأسهم بخلاف سكان أطراف المدينة فهم أقرب إلى الاستقلال بالنظر وقلة اكتراثثٍ بالآخرين لأن سكان الأطراف غالبهم عملة أنفسهم لقربهم من البدو.
وبهذا يظهر وجه تقديم {من أقصا المدينة} على {رجل} للاهتمام بالثناء على أهل أقصى المدينة. وأنه قد يوجد الخير في الأطراف ما لا يوجد في الوسط، وأن الإِيمان يسبق إليه الضعفاء لأنهم لا يصدهم عن الحق ما فيه أهل السيادة من ترف وعظمة إذ المعتاد أنهم يسكنون وسط المدينة، قال أبو تمام:
كانت هي الوسطَ المحميّ فاتصلت *** بها الحوادث حتى أصبحت طرَفا
وأما قوله تعالى في سورة القصص (20) {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى} فجاء النظم على الترتيب الأصلي إذ لا داعي إلى التقديم إذ كان ذلك الرجل ناصحاً ولم يكن داعياً للإِيمان.
وعلى هذا فهذا الرجل غير مذكور في سفر أعمال الرسل وهو مما امتاز القرآن بالإعلام به. وعن ابن عباس وأصحابه وجد أن اسمه حبيب بن مرة قيل: كان نجاراً وقيل غير ذلك فلما أشرف الرسل على المدينة رآهم ورأى معجزة لهم أو كرامة فآمن. وقيل: كان مُؤمناً من قبل، ولا يبعد أن يكون هذا الرجل الذي وصفه المفسرون بالنِجّار أنه هو (سمعان) الذي يدعى (بالنيجر) المذكور في الإِصحاح الحادي عشر من سفر أعمال الرسل وأن وصف النجار محرف عن (نيجر) فقد جاء في الأسماء التي جرت في كلام المفسرين عن ابن عباس اسم شمعون الصفا أو سمعان. وليس هذا الاسم موجوداً في كتاب أعمال الرسل.
ووصفُ الرجل بالسعي يفيد أنه جاء مسرعاً وأنه بلغه همُّ أهل المدينة برجم الرسل أو تعذيبهم، فأراد أن ينصحهم خشيةً عليهم وعلى الرسل، وهذا ثناء على هذا الرجل يفيد أنه ممن يُقتدَى به في الإِسراع إلى تغيير المنكر.
وجملة قال يا قوم} بدل اشتمال من جملة «جاء رجل» لأن مجيئه لما كان لهذا الغرض كان مما اشتمل عليه المجيء المذكور.
وافتتاح خطابه إياهم بندائهم بوصف القومية له قُصد منه أن في كلامه الإِيماء إلى أن ما سيخاطبهم به هو محْض نصيحة لأنه يحِب لقومه ما يحِب لنفسه.
والاتباع: الامتثال، استعير له الاتّباع تشبيهاً للآخِذِ برأي غيره بالمتبععِ له في سيره.
والتعريف في {المرسلين} للعهد.
وجملة {اتبعوا من لا يسألكم أجراً} مؤكدة لجملة {اتبعوا المرسلين} مع زيادة الإِيماء إلى علة اتّباعهم بلوائح علامات الصدق والنصح على رسالتهم إذ هم يَدْعُون إلى هُدى ولا نفع ينجرّ لهم من ذلك فتمحّضت دعوتهم لقصد هداية المرسَل إليهم، وهذه كلمة حكمة جامعة، أي اتبعوا من لا تخسرون معهم شيئاً من دنياكم وتربحون صحة دينكم.
وإنما قدم في الصلة عدم سؤال الأجر على الاهتداء لأن القوم كانوا في شك من صدق المرسلين وكان من دواعي تكذيبهم اتّهامهم بأنهم يجرّون لأنفسهم نفعاً من ذلك لأن القوم لما غلب عليهم التعلق بحب المال وصاروا بعداء عن إدراك المقاصد السامية كانوا يَعُدّون كل سعي يلوح على امرئ إنما يسعى به إلى نفعه. فقدم ما يزيل عنهم هذه الاسترابة وليَتهَيّؤوا إلى التأمل فيما يدعونهم إليه، ولأن هذا من قبيل التخلية بالنسبة للمرسلين والمرسل إليهم، والتخلية تُقدَّم على التحلية، فكانت جملة {لا يسألكم أجراً} أهم في صلة الموصول.
والأجر يصدق بكل نفع دنيوي يحصل لأحد من عمله فيشمل المال والجاه والرئاسة. فلما نفي عنهم أن يسألوا أجراً فقد نفي عنهم أن يكونوا يرمون من دعوتهم إلى نفع دنيوي يحصل لهم.
وبعد ذلك تهيّأ الموقع لجملة {وهُم مهتدون}، أي وهم متّصفون بالاهتداء إلى ما يأتي بالسعادة الأبدية، وهم إنما يدعونكم إلى أن تسيروا سِيرتهم فإذا كانوا هم مهتدين فإن ما يدعونكم إليه من الاقتداء بهم دعوة إلى الهدى، فتضمنت هذه الجملة بموقعها بعد التي قبلها ثناء على المرسلين وعلى ما يدعون إليه وترغيباً في متابعتهم.
وأعلم أن هذه الآية قد مثل بها القزويني في «الإِيضاح» و«التلخيص» للإِطناب المسمى بالإِيغال وهو أن يُوتَى بعد تمام المعنى المقصود بكلام آخر يتمّ المعنى بدونه لنكتة، وقد تبين لك مما فسّرنا به أن قوله: {وهم مهتدون} لم يكن مجرد زيادة بل كان لتوقف الموعظة عليها، وكان قوله: {من لا يسألكم أجراً} كالتوطئة له. ونعتذر لصاحب «التلخيص» بأن المثال يكفي فيه الفرض والتقدير.
وجاءت الجملة الأولى من الصلة فعلية منفية لأن المقصود نفي أن يحدث منهم سؤال أجر فضلاً عن دوامه وثباته، وجاءت الجملة الثانية اسمية لإِفادة إثبات اهتدائهم ودوامه بحيث لا يخشى من يتبعهم أن يكون في وقت من الأوقات غير مهتد.
وقوله: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} عطف على جملة {اتبعوا المرسلين} قَصد إشعارهم بأنه اتَّبع المرسلين وخلع عبادة الأوثان، وأبرز الكلام في صورة استفهام إنكاري وبصيغة: ما لي لاَ أفعل، التي شأنها أن يوردها المتكلم في ردَ على من أنكر عليه فعلاً، أو ملكه العجب من فعله أو يوردها من يقدر ذلك في قلبه، ففيه إشعار بأنهم كانوا منكرين عليه الدعوة إلى تصديق الرسل الذين جاؤوا بتوحيد الله فإن ذلك يقتضي أنه سبقهم بما أمرهم به.
و {ما} استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والمجرور من قوله: {لي} خبر عن {ما} الاستفهامية.
وجملة {لا أعبد} حال من الضمير. والمعنى: وما يكون لي في حال لا أعبد الذي فطرني، أي لا شيء يمنعني من عبادة الذي خلقني، وهذا الخبر مستعمل في التعريض بهم كأنه يقول: وما لي لا أعبد وما لكم لا تعبدون الذي فطركم بقرينة قوله: {وإليه ترجعون}، إذ جعل الإِسناد إلى ضميرهم تقوية لمعنى التعرض، وإنما ابتدأه بإِسناد الخبر إلى نفسه لإِبرازه في معرض المناصحة لنفسه وهو مريد مناصحتهم ليتلَطَّف بهم ويدارئهم فيسمعهم الحق على وجه لا يثير غضبهم ويكون أعون على قبولهم إياه حين يرون أنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه.
ثُمّ أتبعه بإبطال عبادة الأصنام فرجع إلى طريقة التعريض بقوله: {أأتخذ من دونه آلهة} وهي جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لاستشعار سؤال عن وقوع الانتفاع بشفاعة تلك الآلهة عند الذي فطره، والاستفهام إنكاري، أي أنكر على نفسي أن أتخذ من دونه آلهة، أي لا أتخذ آلهة.
والاتخاذ: افتعال من الأخذ وهو التناول، والتناول يشعر بتحصيل ما لم يكن قبل، فالاتخاذ مشعر بأنه صُنع وذلك من تمام التعريض بالمخاطبين أنهم جعلوا الأوثان آلهة وليست بآلهة لأن الإِله الحق لا يُجعل جعلاً ولكنه مستحق الإلهية بالذات.
ووصف الآلهة المزعومة المفروضة الاتخاذَ بجملة الشرط بقوله: {إن يردن الرحمان بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون}. والمقصود: التعريض بالمخاطبين في اتخاذهم تلك الآلهة بعلة أنها تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى. وقد علم من انتفاء دفعهم الضر أنهم عاجزون عن جلب نفع لأن دواعي دفع الضر عن المَولى أقوى وأهم، ولحاق العار بالوَليّ في عجزه عنه أشد.
وجاء بوصف {الرحمان} دون اسم الجلالة للوجه المتقدم آنفاً عند قوله تعالى: {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء} [يس: 15].
والإِنقاذ: التخليص من غلب أو كرب أو حيرة، أي لا تنفعني شفاعتهم عند الله الذي أرادني بضر ولا ينقذونني من الضر إذا أصابني.
وإذ قد نفي عن شفاعتهم النفع للمشفوع فيه فقد نفي عنهم أن يشفعوا بطريق الالتزام لأن من يعلم أنه لا يُشفع لا يشْفّع، فكأنه قال: آتخذ من دونه آلهة لا شفاعة لهم عند الله، لإبطال اعتقادهم أنهم شفعاء مقبولو الشفاعة.
وإذ كانت شفاعتهم لا تنفع لعجزهم وعدم مساواتهم لله الذي يضرّ وينفع في صفات الإِلهية كان انتفاء أن ينقِذوا أولى. وإنما ذكر العدول عن دلالة الفحوى إلى دلالة المنطوق لأن المقام مقام تصريح لتعلقه بالإِيمان وهو أساس الصلاح.
وجملة {إني إذا لفي ضلال مبين} جواب للاستفهام الإِنكاري. فحرْف {إذن} جزاء للمنفي لا للنفي، أي إن اتخذتُ من دون الله آلهة أكُنْ في ضلال مبين.
وجملة {إني آمنت بربكم فاسمعون} واقعة موقع الغاية من الخطاب والنتيجة من الدليل. وهذا إعلان لإِيمانه وتسجيل عليهم بأن الله هو ربهم لا تلك الأصنام.
وأكد الإِعلان بتفريع {فاسمعون} استدعاءً لتحقيق أسماعهم إن كانوا في غفلة.
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)}
استئناف بياني لما ينتظره سامع القصة من معرفة ما لقيه من قومه بعد أن واجههم بذلك الخطاب الجَزل. وهل اهتدوا بهديه أو أعرضوا عنه وتركوه أو آذوه كما يُؤذَى أمثاله من الداعين إلى الحق المخالفين هوَى الدهمَاء فيجاب بما دل عليه قوله: {قيل ادخل الجنة} وهو الأهم عند المسلمين وهم من المقصودين بمعرفة مثل هذا ليزدادوا يقيناً وثباتاً في إيمانهم، وأما المشركون فحظهم من المَثل ما تقدم وما يأتي من قوله: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} [يس: 29].
وفي قوله: {قيل ادخل الجنة} كناية عن قتله شهيداً في إعلاء كلمة الله لأن تعقيب موعظته بأمره بدخول الجنة دفعة بلا انتقال يفيد بدلالة الاقتضاء أنه مات وأنهم قتلوه لمخالفته دينهم، قال بعض المفسرين: قتلوه رجماً بالحجارة، وقال بعضهم: أحرقوه، وقال بعضهم: حفروا له حفرة وردموه فيها حيّاً.
وإن هذا الرجل المؤمن قد أُدخل الجنة عقب موته لأنه كان من الشهداء والشهداء لهم مزية التعجيل بدخول الجنة دخولاً غير موسع. ففي الحديث: «إن أرواحَ الشهداء في حواصل طيور خُضرٍ تأكل من ثمار الجنة».
والقائل: {ادخل الجنة} هو الله تعالى.
والمقولُ له هو الرجل الذي جاء من أقصى المدينة وإنما لم يذكر ضمير المقول له مجروراً باللام لأن القول المذكور هنا قول تكويني لا يقصد منه المخاطب به بل يقصد حكاية حصوله لأنه إذا حصل حصل أثره كقوله تعالى: {أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40].
وإذ لم يقَصَّ في المثَل أنه غادر مَقامه الذي قام فيه بالموعظة كان ذلك إشارة إلى أنه مات في مقامه ذلك، ويفهم منه أنه مات قتيلاً في ذلك الوقت أو بإثره.
وإنما سلك في هذا المعنى طريق الكناية ولم يصرح بأنهم قتلوه إغماضاً لهذا المعنى عن المشركين كيلا يسرّهم أن قومه قتلوه فيجعلوه من جملة ما ضرب به المثل لهم وللرسول صلى الله عليه وسلم فيطمعوا فيه أنهم يقتلون الرسول صلى الله عليه وسلم فهذه الكناية لا يفهمها إلا أهل الإِسلام الذين تقرر عندهم التلازم بين الشهادة في سبيل الله ودخول الجنة، أما المشركون فيحسبون أن ذلك في الآخرة. وقد تكون في الكلام البليغ خصائص يختص بنفعها بعض السامعين.
وجملة {قال يا ليت قومي يعلمون} مستأنفة أيضاً استئنافاً بيانياً لأن السامع يترقب ماذا قال حين غمره الفرح بدخول الجنة. والمعنى: أنه لم يُلهِه دخوله الجنة عن حال قومه، فتمنى أن يعلموا ماذا لقي من ربه ليعلموا فضيلة الإِيمان فيؤمنوا وما تمنّى هلاكهم ولا الشماتة بهم فكان متّسِماً بكظم الغيظ وبالحلم على أهل الجهل، وذلك لأن عالم الحقائق لا تتوجه فيه النفس إلا إلى الصلاح المحض ولا قيمة للحظوظ الدنية وسفساف الأمور.
وأدخلت الباء على مفعول {يعلمون} لتضمينه معنى: يُخبَرون، لأنه لا مطمع في أن يحصل لهم علم ذلك بالنظر والاستدلال.
و (ما) من قوله: {بما غفر لي ربي} مصدرية، أي يعلمون بغفران ربي وجعله إياي من المكرمين.
والمراد بالمكرمين: الذين تلحقهم كرامة الله تعالى وهم الملائكة والأنبياء وأفضل الصالحين قال تعالى: {بل عباد مكرمون} [الأنبياء: 26] يعني الملائكة وعيسى عليهم السلام.
{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)}
رجوع إلى قصة أصحاب القرية بعد أن انقطع الحديث عنهم بذكر الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ناصحاً لهم وكان هذا الرجوع بمناسبة أن القوم قومُ ذلك الرجل.
فجملة {وما أنزلنا على قومه} الخ عطف على جملة {قيل ادخُل الجَنَّة} [يس: 26] فهي مستأنفة أيضاً استئنافاً بيانياً لأن السامع يتشوف إلى معرفة ما كان من هذا الرجل ومِن أمر قومه الذين نصحهم فلم ينتصحوا فلما بيّن للسامع ما كان من أمره عطف عليه بيان ما كان من أمر القوم بعدَه.
وافتتاح قصة عقابهم في الدنيا بنفي صورة من صُور الانتقام تمهيد للمقصود من أنهم ما حلّ بهم إلا مثل ما حلّ بأمثالهم من عذاب الاستئصال، أي لم ننزل جنوداً من السماء مخلوقة لقتال قومه، أو لم ننزل جنوداً من الملائكة من السماء لإِهلاكهم، وما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة من مَلَك واحد أهلكتهم جميعاً.
و {مِن} في قوله: {مِن بَعْدِهِ} مزيدة في الظرف لتأكيد اتصال المظروف بالظرف وأصلها {مِن} الابتدائية، وإضافة {بعد} إلى ضمير الرجل على تقدير مضاف شائع الحذف، أي بعدَ موته كقوله تعالى: {إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي} [البقرة: 133].
و {مِن} في قوله: {مِن جُندٍ} مؤكدة لعموم {جُنْدٍ} في سياق النفي، و{مِن} في قوله: {مِنَ السَّمَاءِ} ابتدائية وفي الإِتيان بحرف {مِن} ثلاثَ مرات مع اختلاف المعنى مُحسّن الجناس. وفي هذا تعريض بالمشركين من أهل مكة إذ قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم {أو تأتَي بالله والملائكة قبيلاً} [الإسراء: 92] أي تأتي بالله الذي تدّعي أنه أرسلك ومعه جنده من الملائكة ليثأر لك.
فجملة {وما كُنَّا مُنزِلينَ} معترضة بين نوعي العقاب المنفي والمثبَت، لقصد الرد على المشركين بأن سنة الله تعالى لم تجر بإنزال الجنود على المكذبين وشأن العاصين أَدْوَنُ من هذا الاهتمام.
والصيحة: المرة من الصياح، بوزن فعلَة، فوصفها بواحدة تأكيد لمعنى الوحدة لئلا يتوهم أن المراد الجنس المفرد من بين الأجناس، و{صَيْحَةً} منصوب على أنه خبر {كَانَتْ} بعد الاستثناء المفرّغ، ولحاق تاء التأنيث بالفعل مع نصب {صَيْحَةً} مشير إلى أن المستثنى منه المحذوف العقوبة أو الصيحة التي دلت عليها {صيحة واحِدةً،} أي لم تكن العقوبة أو الصيحة إلا صيحةً من صفتها أنها واحدة إلى آخره. وقرأ أبو جعفر برفع {صَيْحَةٌ} على أن «كان» تامة، أي ما وقعت إلا صيحة واحدة.
ومجيء «إذا» الفجائية في الجملة المفرعة على {إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحدة} لإِفادة سرعة الخمود إليهم بتلك الصيحة. وهذه الصيحة صاعقة كما قال تعالى حكاية عن ثمود: {فأخذتهم الصيحة} [الحجر: 73].
والخمود: انطفاء النار، استعير للموت بعد الحياة المليئة بالقوة والطغيان، ليتضمن الكلام تشبيه حال حياتهم بشبوب النار وحال موتهم بخمود النار فحصل لذلك استعارتان إحداهما صريحة مصرحة، وأخرى ضمنية مكنية ورمزها الأُولى، وهما الاستعارتان اللتان تضمنهما قول لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه *** يَحور رماداً بعد إذ هو ساطع
وتقدم قوله تعالى: {حتى جعلناهم حصيداً خامدين} في سورة الأنبياء} (15)، فكان هذا الإِيجاز في الآية بديعاً لحصول معنى بيت لبيد في ثلاث كلمات. وهذا يشير إلى حدث عظيم حدث بأهل أنطاكية عقب دعوة المرسلين وهو كرامة لشهداءِ أتباع عيسى عليه السلام، فإن كانت الصيحة صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود كان الذين خمدوا بها جميعَ أهل القرية فلعلهم كانوا كفاراً كلهم بعد موت الرجل الذي وعظهم وبعد مغادرة الرسل القرية. ولكن مثل هذا الحادث لم يذكر التاريخ حدوثه في أنطاكية، فيجوز أن يهمل التاريخ بعض الحوادث وخاصة في أزمنة الاضطراب والفتنة.
{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30)}
(30) ياحسرة عَلَى العباد مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ}.
تذييل وهو من كلام الله تعالى واقع موقع الرثاء للأمم المكذبة الرسل شامل للأمة المقصودة بسوق الأمثال السابقة من قوله: {واضْرِبْ لَهُم مَثَلاً أصحابَ القرية} [يس: 13]، واطراد هذا السَنن القبيح فيهم. فالتعريف في {العباد} تعريف الجنس المستعمل في الاستغراق وهو استغراق ادعائي روعي فيه حال الأغلب على الأمم التي يأتيها رسول لعدم الاعتداء في هذا المقام بقلة الذين صدَّقوا الرسل ونصروهم فكأنَّهم كلهم قد كذبوا.
و {العباد}: اسم للبشر وهو جمع عبد. والعبد: الممْلوك وجميع الناس عبيد الله تعالى لأنه خالقهم والمتصرف فيهم قال تعالى: {رزقاً للعباد} [ق: 11]، وقال المغيرة بن حبناء:
أمسَى العباد بشَرَ لا غياث لهم *** إلا المهلب بعد الله والمطرُ
ويجمع على عبيد وعباد وغلب الجمع الأول على عبد بمعنى مملوك، والجمع الثاني على عبد بمعنى آدمي، وهو تخصيص حسن من الاستعمال العربي.
والحسرة: شدة الندم مشوباً بتلهف على نفع فائت. وحرف النداء هنا لمجرد التنبيه على خطر ما بعده ليصغي إليه السامع وكثر دخوله في الجمل المقصود منها إنشاء معنى في نفس المتكلم دون الإِخبار فيكون اقتران ذلك الإِنشاء بحرف التنبيه إعلاناً بما في نفس المتكلم من مدلول الإِنشاء كقولهم: يا خيبة، ويا لعنة، ويا ويلي، ويا فرحي، ويا ليتني، ونحو ذلك، قالت امرأة من طي من أبيات الحماسة:
فيا ضَيعَةَ الفتيان إذ يعتلونه *** ببطن الشرا مثل الفنيق المسدّم
وبيت الكتاب:
يا لعنةَ الله والأقوام كلّهم *** والصالحين على سِمْعانَ من جار
وقد يقع النداء في مثل ذلك بالهمزة كقول جعفر بن علبة الحارثي:
أَلهْفَى بقُرَّى سَحْبللٍ حين أجلبت *** علينا الولايا والعدوُّ المباسل
وأصل هذا النداء أنه على تنزيل المعنى المثير للإِنشاء منزلة العاقل فيقصد اسمه بالنداء لطلب حضوره فكأن المتكلم يقول: هذا مقامك فاحْضر، كما ينادَى من يقصد في أمر عظيم، ويُنتقل من ذلك إلى الكتابة عما لحق المتكلم من حاجة إلى ذلك المنادي ثم كثر ذلك وشاع حتى تنوسي ما فيه من الاستعارة والكناية وصار لمجرد التنبيه على ما يجيء بعده، والاهتمام حاصل في الحالين.
وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {يا ليتني كنت معهم} في سورَة النساء} (73)، وقوله: {يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً} في سورة الفرقان} (28).
وموقع مثله في كلام الله تعالى تمثيل لحال عباد الله تعالى في تكذيبهم رسل الله بحال من يَرثي له أهله وقوعه في هلاك أرادوا منه تجنبه.
وجملة {ما يأتِيهِم مِن رَسُولٍ} بيان لوجه التحسّر عليهم لأن قوله: {ياحسرة على العِبَادِ} وإن كان قد وقع بعد ذكر أهل القرية فإنه لما عمّم على جميع العباد حدث إيهام في وجه العموم. فوقع بيانه بأن جميع العباد مساوون لمن ضُرب بهم المثل ومن ضُرب لهم في تلك الحالة الممثل بها ولم تنفعهم المواعظ والنذر البالغة إليهم من الرسول المرسل إلى كل أمة منهم ومن مشاهدة القرون الذين كذبوا الرسل فهلكوا، فعُلم وجه الحسرة عليهم إجمالاً من هذه الآية ثم تفصيلاً من قوله بعد: {ألم يروا كم أهلكنا} [يس: 31] الخ.
والاستثناء في قوله: {إلاَّ كانوا به يَستهزئون} مفرغ من أحوال عامة من الضمير في {يَأتِيهِم} أي لا يأتيهم رسول في حال من أحوالهم إلا في حال استهزائهم به.
وتقديم المجرور على {يَسْتَهْزئونَ} للاهتمام بالرسول المشعر باستفظاع الاستهزاء به مع تأتِّي الفاصلة بهذا التقديم فحصل منه غرضان من المعاني ومن البديع.
{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)}
هذه الجملة بيان لجملة {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئؤن} [يس: 30] لما فيها من تفصيل الإِجمال المستفاد من قوله: {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون فإن عاقبة ذلك الاستهزاء بالرسول كانت هلاك المستهزئين، فعدمُ اعتبار كل أمة كذبت رسولها بعاقبة المكذبين قبلها يثير الحسرة عليها وعلى نظرائها كما أثارها استهزاؤهم بالرسول وقلة التبصر في دعوته ونذارته ودلائل صدقه.
وضمير يَرَوا} عائد إلى العباد كما يقتضيه تناسق الضمائر. والمعاد فيه عموم ادعائي كما تقدم آنفاً، فيتعين أن تخص منه أول أمة كذبت رسولها وهم قوم نوح فإنهم لم يسبق قبلهم هلاك أمة كذبت رسولَها، فهذا من التخصيص بدليل العقل لأن قوله: {قَبْلَهُم} يرشد بالتأمل إلى عدم شموله أول أمة أرسل إليها.
وقيل: يجوز أن يكون ضمير {أَلم يَروا} عائداً إلى ما عاد إليه ضمير {واضْرِب لهُمْ مَثَلاً} [يس: 13] ويكون المثَل قد انتهى بجملة {ياحَسْرَةً على العِبَادِ} [يس: 30] الآية. وهذا بعيد لأنه كان يقتضي أن تعطف الجملة على جملة {واضْرِب لهم مَثَلاً} كما عطفت جملة {وءَايَةٌ لهم الأرض الميتة أحييناها} [يس: 33] الآية، وجملة {وءاية لهم اللَّيْل نسلَخُ منه النهار} [يس: 37]، وجملة {وءايةٌ لهم أنَّا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} [يس: 41]، ولا مُلجئ إلى هذا الاعتبار في المعاد، وقد علمت توجيه الاعتبار الأول لتصحيح العموم.
والاستفهام يجوز أن يكون إنكارياً؛ نزلت غفلتهم عن إهلاك القرون منزلة عدم العلم فأنكر عليهم عدم العلم بذلك وهو أمر معلوم مشهور، ويجوز كون الاستفهام تقريرياً بُني التقرير على نفي العلم بإهلاك القرآن استقصاء لمعذرتهم حتى لا يسعهم إلا الإِقرار بأنهم عالمون فيكون إقرارهم أشد لزوماً لهم لأنهم استفهموا على النفي فكان يسعهم أن ينفوا ذلك.
والرؤية على التقديرين علمية وليست بصرية لأن إهلاك القرون لم يكن مشهوداً لأمة جاءت بعد الأمة التي أهلكت قبلها. وفعل الرؤية معلق عن العمل بورود {كم} لأن {كم} لها صدر الكلام سواء كانت استفهاماً أم خبراً، فإن {كم} الخبرية منقولة من الاستفهامية وما له صدر الكلام لا يعمل ما قبله فيما بعده.
و {كم} في موضع نصب ب {أَهْلَكْنَا:} ومفادها كثرة مبهمة فسّرت بقوله: {مِنَ القُرُونِ} ووقعت {كم} في موضع المفعول لقوله: {أَهْلَكنا}.
و {قَبْلَهُم} ظرف ل {أهْلَكْنَا} ومعنى {قَبْلَهُم:} قبل وجودهم.
وقوله: {أنَّهُم إليهم لا يَرْجِعون} بدل اشتمال من جملة {أهلكنا} لأن الإِهلاك يشتمل على عدم الرجوع؛ أبدل المصدر المنسبك من «أنَّ» وما بعدها من معنى جملة {كم أهلكنا قبلهم من القرون} لأن معنى تلك الجملة كثرة الإِهلاك أو كثرة المهلكين. وفعل الرؤية عامل في {أنَّهم إليهِم لا يَرْجِعُونَ} بالتبعية لتسلط معنى الفعل على جملة {كَمْ أهْلَكْنَا} لأن التعليق يبطل العمل في اللفظ لا في المحل.
وفائدة هذا البدل تقرير تصوير الإِهلاك لزيادة التخويف، ولاستحضار تلك الصورة في الإِهلاك أي إهلاكاً لا طماعية معه لرجوع إلى الدنيا، فإن ما يشتمل عليه الإِهلاك من عدم الرجوع إلى الأهل والأحباب مما يزيد الحسرة اتضاحاً.
و {إلَيْهِم} متعلق ب {يَرجِعون} وتقديمه على متعلقه للرعاية على الفاصلة.
وضمير {إليهم} عائد إلى {العِبَادِ} [يس: 30]، وضمير {أنَّهُمْ} عائد إلى {القُرُونِ.
{وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32)}
أرى أن عطفه على جملة {أنهم إليهم لا يرجعون} [يس: 31] واقعٌ موقع الاحتراس من توهم المخاطبين بالقرآن أن قوله: {أنهم إليهم لا يرجعون} مؤيد اعتقادهم انتفاء البعث.
و {إِنْ} يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة والأفصح إهمالها عن العمل فيما بعدها، والأكثر أن يقترن خبر الاسم بعدها بلام تسمّى اللام الفارقة لأنها تفرق بين {إِنْ} المخففة من الثقيلة وبين {إِنْ} النافية لئلا يلتبس الخبر المؤكد بالخبر المنفي فيناقض مقصد المتكلم، وعلى هذا الوجه يكون قوله: {لَما} مخفف الميم كما قرأ الجمهور {لَمَا جَمِيعٌ} بتخفيف ميم {لَمَّا}، فهي مركبة من اللام الفارقة و(ما) الزائدة للتأكيد، ويجوز أن تكون {إنْ} نافية بمعنى (لا) ويكون {لَمَّا} بتشديد الميم على أنها حرف استثناء بمعنى (إلا) تقع بعد النفي ونحوه كالقسم. وكذلك قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر. والتقدير: وما كلهم إلا مُحْضَرُون لدينا.
و {كُلٌّ} مبتدأ وتنوينه تنوين العوض عما أضيف إليه (كل)، أي كل القرون، أو كل المذكورين من القرون والمخاطبين.
و {جَمِيعٌ} اسم على وزن فعيل، أي مجموع، وهو ضد المتفرق. يقال: جمع أشياءَ كَذا، إذا جعلها متقاربة متصلة بعد أن كانت مشتتة ومتباعدة.
والمعنى: أن كل القرون محضرون لدينا مجتمعين، أي ليس إحضارهم في أوقات مختلفة ولا في أمكنة متعددة؛ فكلمة {كل} أفادت أن الإِحضار محيط بهم بحيث لا ينفلت فريق منهم، وكلمة {جميع} أفادت أنهم محضرون مجتمعين فليست إحدى الكلمتين بمغنية عن ذكر الأخرى، ألا ترى أنه لو قيل: وإن أكثرهم لما جميع لدينا محضرون، لما كان تناف بين «أكثرهم» وبين «جميعهم» أي أكثرهم يحضر مجتمعين؛ فارتفع {جَمِيعٌ} على الخبرية في قراءات تخفيف {لمَا} وعلى الاستثناء على قراءات تشديد {لمَّا}. و{مُحْضَرُونَ} نعت ل {جَمِيعٌ} على القراءتين. وروعي في النعت معنى المنعوت فألحقت به علامة الجماعة، كقول لبيد:
عَرِيتْ وكان بها الجَميع فأبكروا *** منها وغُودر نُؤيها وثُمامها
والإِحضار: الإِحضار للحساب والجزاء والعقاب.
{وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)}
عطف على قصة {واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية} [يس: 13] فإنه ضرب لهم مثلاً لحال إعراضهم وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما تشتمل عليه تلك الحال من إشراك وإنكار للبعث وأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وعاقبة ذلك كله. ثم أعقب ذلك بالتفصيل لإِبطال ما اشتملت عليه تلك الاعتقادات من إنكار البعث ومن الإِشراك بالله.
وابتدئ بدلالة تقريب البعث لمناسبة الانتقال من قوله: {وإن كُلٌّ لَما جَمِيعٌ لدينا مُحْضَرُون} [يس: 32] على أن هذه لا تخلو من دلالتها على الانفراد بالتصرف، وفي ذلك إثبات الوحدانية.
و {وءَايَةٌ} مبتدأ و{لَّهُمُ} صفة {آية}، و{الأرْضُ} خبر {آية}، و{المَيْتَةُ} صفة {الأرْضُ}. وجملة {أحْيَيْناهَا} في موضع الحال من {الأرْضُ} وهي حال مقيدة لأن إحياء الأرض هو مناط الدلالة على إمكان البعث بعد الموت، أو يكون جملة {أحْيَيْناها} بياناً لجملة {آية لهم الأرض} لبيان موقع الآية فيها، أو بدل اشتمال من جملة {آية لهم الأرض}، أو استئنافاً بيانياً كأنّ سائلاً سأل: كيف كانت الأرض الميتة؟
وموت الأرض: جفافها وجَرازتها لخلوّها من حياة النبات فيها، وإحياؤها: خروج النبات منها من العشب والكلأ والزرع.
وقرأ نافع وأبو جعفر {المَيِّتَةُ} بتشديد الياء. وقرأ الباقون بتخفيف الياء، والمعنى واحد وهما سواء في الاستعمال.
والحبّ: اسم جمع حبّة، وهو بَزرة النبت مثل البُرّة والشعيرة. وقد تقدم عند قوله تعالى: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} في سورة البقرة (261).
وإخراج الحب من الأرض: هو إخراجه من نباتها فهو جاء منها بواسطة. وهذا إدماج للامتنان في ضمن الاستدلال ولذلك فرّع عليه {فَمِنْهُ يأكلون.} وتقديم {منه} على {يأكُلُونَ} للاهتمام تنبيهاً على النعمة ولرعاية الفاصلة.
{وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)}
هذا من إحياء الأرض بإنبات الأشجار ذات الثمار، وهو إحياء أعجب وأبقى وإن كان الإِحياء بإنبات الزرع والكلأ أوضح دلالة لأنه سريع الحصول.
وتقدم ذكر {جنات} في أول سورة الرعد} (4).
وتفجير العيون تقدم عند قوله تعالى: {وإن من الحجارة لمَا يتفجر منه الأنهار في سورة البقرة} (74).
والثَّمَر بفتحتين وبضمتين: ما يغلّه النخل والأعناب من أصناف الثمر وأصناف العنب والثمرة بمنزلة الحبّ للسنبل. وقرأ الجمهور: {ثَمَرِهِ} بفتحتين. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بضمتين. والنخيل: اسم جمع نخل.
والأعناب جمع عنب، وهو يطلق على شجرة الكرم وعلى ثمرها. وجمع النخيل والأعناب باعتبار تعدد أصناف شجره المثمر أصنافاً من ثمره.
وضمير {مِن ثَمَرِهِ} عائد إلى المذكور، أي من ثمر ما ذكرنا، كقول رُؤبة:
فيها خطوط من سواد وبلق *** كأنه في الجلد توليع البهق
فقيل له: هلا قلت: كأنها؟ فقال: أردت كأن ذلك ويْلَك. وتقدم عند قوله تعالى: {عوان بين ذلك} في سورة البقرة} (68).
ويجوز أن يعود الضمير على النخيل وتترك الأعناب للعلم بأنها مثل النخيل. كقول الأزرق بن طرفة بن العمود القراطي الباهلي:
رماني بذنب كنتُ منه ووالدي *** بريئاً ومن أجْل الطويِّ رّماني
فلم يقل: بريئين، للعلم بأن والده مثله.
ويجوز أن تكون {ما} في قوله: {وما عَمِلَتْهُ أيدِيهم} موصولة معطوفة على {ثَمَرهِ،} أي ليأكلوا من ثمر ما أخرجناه ومن ثمر ما عملته أيديهم، فيكون إدماجاً للإِرشاد إلى إقامة الجنات بالخدمة والسقي والتعهد ليكون ذلك أوفر لأغلالها. وضمير {عَمِلَتْهُ} على هذا عائد إلى اسم الموصول. ويجوز أن يكون {ما} نافية والضمير عائد إلى ما ذكر من الحب والنخيل والأعناب. والمعنى: أن ذلك لم يخلقوه. وهذا أوفر في الامتنان وأنسب بسياق الآية مساق الاستدلال. وقرأ الجمهور: {وما عَمِلَتْهُ} بإثبات هاء الضمير عائداً إلى المذكور من الحب والنخيل والأعناب. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف {وما عملت} بدون هاء، وكذلك هو مرسوم في المصحف الكوفي وهو جار على حذف المفعول إن كان معلوماً. ويجوز أن يكون من حذف المفعول لإرادة العموم. والتقدير: وما عملت أيديهم شيئاً من ذلك. وكلا الحذفين شائع.
وفرع عليه استفهام الإنكار لعدم شكرهم بأن اتخذوا للذي أوجد هذا الصنع العجيب أنداداً. وجيء بالمضارع مبالغة في إنكار كفرهم بأن الله حقيق بأن يكرروا شكره فكيف يستمرون على الإِشراك به.
{سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)}
اعتراض بين جملة {وءاية لهم الأرض} [يس: 33] وجملة {وءاية لهم الليل} [يس: 37]، أثارُه ذكر إحياء الأرض وإخراج الحبّ والشجر منها فإن ذلك أحوالاً وإبداعاً عجيباً يذكّر بتعظيم مُودِع تلك الصنائع بحكمته وذلك تضمن الاستدلال بخلق الأزواج على طريقة الإِدماج. و{سبحان} هنا لإِنشاء تنزيه الله تعالى عن أحوال المشركين تنزيهاً عن كل ما لا يليق بإلهيته وأعظمه الإِشراك به وهو المقصود هنا. وإجراء الموصول على الذات العلية للإِيماء إلى وجه إنشاء التنزيه والتعظيم. وقد مضى الكلام على {سُبْحَانَ في سورة البقرة وغيرها.
والأزواج}: جمع زوج وهو يطلق على كل من الذكر والأنثى من الحيوان، ويطلق الزوج على معنى الصنف المتميز بخواصه من نوع الموجودات تشبيهاً له بصنف الذكر وصنف الأنثى كما في قوله تعالى: {فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى} وتقدم في سورة طه} (53)، والإِطلاق الأول هو الكثير كما يؤخذ من كلام الراغب، وهو الذي يناسبه نقل اللفظ من الزوج الذي يكون ثانِياً لآخرَ، فيجوز أن يحمل {للأزْواجَ} في هذه الآية على المعنى الأول فيكون تذكيراً بخلق أصناف الحيوان الذي منه الذكر والأنثى، وتكون {مِن} في المواضع الثلاثة ابتدائية متعلقة بفعل {خَلَقَ.
وهذا إدماج لذكر آية أخرى من آيات الانفراد بالخَلق، فخلْق الحيوان بما فيه من القوى لتناسله وحماية نوعه وإنتاج منافعه، هو أدق الخلق صنعاً وأعمقه حكمة، وأدخله في المنة على الإِنسان، بأن جعلت منافع الحيوان له كما في آية سورة المؤمنين. فمن أجل ذلك خصّ من بين الخلق الآخر بقَرْنه بالتسبيح لخالقه تنويهاً بشأنه وتفنناً في سرد أعظم المواليد الناشئة عن إيداع قوة الحياة للأرض وانبثاق أنواع الأحياء وأصنافها منها، كما أشار إليه الابتداء بذكر مِمَّا تُنبِتُ الأرْضُ} قبلَ غيره من مبادئ التخلق لأنه الأسبق في تكوين مواد حياة الحيوان فإنه يتولد من النطف الذكور والإِناث، وتتولد النطف من قوى الأغذية الحاصلة من تناول النبات فذلك من معنى قوله: {مما تنبت الأرض ومن أنفسهم} أي ومما يتكون فيهم من أجزائهم الحيوانية.
وجيء بضمير جماعة العقلاء تغليباً لنوع الإِنسان نظراً لكونه المقصود بالعبرة بهذه الآية، وللتخلص إلى تخصيصه بالعبرة في قوله: {ومِمَّا لاَ يَعْلمُونَ}.
وإشارة قوله تعالى: {ومِمَّا لاَ يَعْلمونَ} إلى أسرار مودعة في خلق أنواع الحيوان وأصنافه هي التي ميزت أنواعه عن بعض وميزت أصنافه وذكورَه عن إناثه، وأودعت فيه الروح الذي امتاز به عن النبات بتدبير شؤونه على حسب استعداد كل نوع وكل صنف حتى يبلغ في الارتقاء إلى أشرف الأنواع وهو نوع الإِنسان، فمعنى {ومِمَّا لاَ يَعْلمُونَ}: مما لا يعلمونه تفصيلاً وإن كانوا قد يشعرون به إجمالاً، فإن المتأمل يعلم أن في المخلوقات أسراراً خفية لم تصل أفهامهم إلى إدراك كنهها، ومن ذلك الروح فقد قال تعالى:
{قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} [الإسراء: 85].
وقد يتفاضل الناس في إدراك بعض تلك الخصائص إجمالاً وتفصيلاً ثم يستوون في عدم العلم ببعضها، وقد يمتاز بعض الطوائف أو الأجيال بمعرفة شيء من دقائق الخلق بسبب اكتشاف أو تجربة أو تقضي آثار لم يكن يعرفها غير أولئك ثم يستوون فيما بقي تحت طيّ الخفاء من دقائق التكوين، فبهذا الشعور الإجمالي بها وقع عدّها في ضمن الاعتبار بآية خلق الأزواج من جميع النواحي.
وإذا حمل {الأزواج} في قوله: {سبحان الذي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّهَا} على المعنى الثاني لهذا اللفظ وهو إطلاقه على الأصناف والأنواع المتمايزة كما في قوله: {فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى} [طه: 53] كانت {من في المواضع الثلاثة بيانية، والمجرور بها في فحوى عطف البيان، أو بدل مفصل من مجمل من قوله: الأزواج} والمعنى: الأزواج كلها التي هي: ما تنبت الأرض، وأنفسهم، وما لا يعلمون. ويدل قوله {ومِمَّا لاَ يَعْلمُونَ} على محذوف تقديره: وما يعلمون، وذلك من دلالة الإِشارة.
فخص بالذكر أصناف النبات لأن بها قوام معاش الناس ومعاش أنعامهم ودوابهم، وأصناف أنفس الناس لأن العبرة بها أقوى، قال تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21]. ثم ذكر ما يعمّ المخلوقات مما يعلمه الناس وما لا يعلمونه في مختلف الأقطار والأجيال والعصور. وقدم ذكر النبات إيثاراً له بالأهمية في هذا المقام لأنه أشبه بالبعث الذي أومأ إليه قوله: {وإن كُلٌّ لما جَميعٌ لدينا مُحْضَرُونَ} [يس: 32].
وتكرير حرف {مِن} بعد واو العطف للتوكيد على كلا التفسيرين.
وضمير {أنفسهم} عائد إلى {العِبَادِ} في قوله: {يا حَسْرَةً على العِباد} [يس: 30]. والمراد بهم: المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم
{وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)}
انتقال إلى دلالة مظاهر العوالم العلوية على دقيق نظام الخالق فيها مما تؤذن به المشاهدة مع التبصر. وابتدئ منها بنظام الليل والنهار لتكرر وقوعه أمام المشاهدة لكل راءٍ. وجملة {نسلخ منه النهار} تحتمل جميع الوجوه التي ذكرناها في جملة {أحْيَيناهَا} [يس: 33] آنفاً.
والسلخ: إزالة الجلد عن حيوانه، وفعله يتعدّى إلى الجلد المزال بنفسه على المفعولية، ولذلك يقال للجلد المزال من جسم الحيوان: سِلخ (بكسر السين وسكون اللام) بمعنى مسلوخ، ولا يقال للجسم الذي أزيل جلده: سلخ. ويتعدّى فعل سلَخ إلى الجسم الذي أزيل جلده بحرف الجر، والأكثر أنه (مِن) الابتدائية، ويتعدى بحرف (عن) أيضاً لما في السلخ من معنى المباعدة والمجاوزة بعد الاتصال. فمفعول {نَسْلَخُ} هنا هو {النَّهَارَ} بلا ريب، وعدي السلخ إلى ضمير {اللَّيْلُ ب (من) فصار المعنى: الليل آية لهم في حال إزالةِ غشاء نور النهار عنه فيبقى عليهم الليل، فشبه النهار بجلد الشاة ونحوها يغطي ما تحته منها كما يغطي النهار ظلمةَ الليل في الصباح. وشبه كشف النهار وإزالته بسلخ الجلد عن نحو الشاة فصار الليل بمنزلة جسم الحيوان المسلوخ منه جلده، وليس الليل بمقصود بالتشبيه وإنما المقصود تشبيه زوال النهار عنه فاستتبع ذلك أن الليل يبقى شبه الجسم المسلوخ عنه جلده. ووجه ذلك أن الظلمة هي الحالة السابقة للعوالم قبل خلق النور في الأجسام النيّرة لأن الظلمة عدم والنور وجود، وكانت الموجودات في ظلمة قبل أن يخلق الله الكواكب النيّرة ويُوصِل نورها إلى الأجسام التي تستقبلها كالأرض والقمر.
وإذا كانت الظلمة هي الحالة الأصلية للموجودات فليس يلزم أن تكون أصلية للأرض لأن الظاهر أن الأرض انفصلت عن الشمس نيرة وإنما ظلمة نصف الكرة الأرضية إذا غشيها نور الشمس معتبرة كالجسم الذي غشيه جلده فإذا أزيل النور عادت الظلمة فشبه ذلك بسلخ الجلد عن الحيوان كما قال تعالى في مقابله في سورة الرعد (3): {يغشي الليل النهار} فليس في الآية دليل على أن أصل أحوال العالم الأرضي هو الظلمة ولكنها ساقت للناس اعتباراً ودلالة بحالةٍ مشاهدة لديهم ففرع عليه فإذا هم مُظلمونَ} بناء على ما هو متعارف. وقد اعتبر أيمة البلاغة الاستعارة في الآية أصلية تبعية ولم يجعلوها تمثيلية لما قدمناه من أن المقصود بالتشبيه هو حالة زوال نور النهار عن الأفق فتخلفها ظلمة الليل لقوله: {فَإذَا هُم مُظلمونَ}.
وإسناد {مُظْلِمُونَ} إلى الناس من إسناد إفعال الذي الهمزة فيه للدخول في الشيء مثل أصبح وأمسى.
{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)}
{الشمس} يجوز أن يكون معطوفاً على {اللَّيْلُ} من قوله: {وءايَةٌ لهم اللَّيْلُ} [يس: 37] عطفَ مفرد على مفرد ويقدر له خبر مماثل لخبر الليل، والتقدير: والشمس آية لهم، وتكون جملة {تَجْرِي} حالاً من {الشمس} مثل جملة {نَسْلَخُ منه النَّهَارَ} [يس: 37].
ويجوز أن يكون عطفَ جملة على جملة ويكون قوله: {تَجْرِي} خبراً عن {الشمس}. وأيَّاما كان فهو تفصيل لإِجمال جملة {وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار} [يس: 37] الخ كما دل عليه قوله الآتي: {ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} [يس: 40]، وكان مقتضى الظاهر من كونه تفصيلاً أن لا يعطف فيقال: الشمسُ تجري لمستقر لها، فخولف مقتضى الظاهر لأن في هذا التفصيل آيةً خاصة وهي آية سير الشمس والقمر.
وقدم التنبيه على آية الليل والنهار لما ذكرناه هنالك؛ فكانت آية الشمس المذكورة هنا مراداً بها دليل آخر على عظيم صنع الله تعالى وهو نظام الفصول.
وجملة {تَجْرِي لِمُسْتقر لها} يحتمل الوجوه التي ذكرناها في جملة {أحييناها} [يس: 33] من كونها حالاً أو بياناً لجملة {وءَايَةٌ لهُم} [يس: 37] أو بدل اشتمال من {وءَايَةٌ.
والجري حقيقته: السير السريع وهو لذوات الأرْجل، وأطلق مجازاً على تنقل الجسم من مكان إلى مكان تنقلاً سريعاً بالنسبة لتنقل أمثال ذلك الجسم، وغلب هذا الإِطلاق فساوى الحقيقة وأريد به السير في مسافات متباعدة جِدَّ التباعد فتقطعها في مدة قصيرة بالنسبة لتباعد الأرض حول الشمس. وهذا استدلال بآثار ذلك السير المعروفةِ للناس معرفةً إجمالية بما يحسبون من الوقت وامتداد الليل والنهار وهي المعرفة لأهل المعرفة بمراقبة أحوالها من خاصة الناس وهم الذين يرقبون منازل تنقلها المسماة بالبروج الاثني عشر، والمعروفةِ لأهل العلم بالهيئة تفصيلاً واستدلالاً وكل هؤلاء مخاطبون بالاعتبار بما بلغه علمهم.
والمستقر: مكان الاستقرار، أي القرار أو زمانه، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل: استجاب بمعنى أجاب. واللام في لِمُستَقَرٍ} يجوز أن تكون لام التعليل على ظاهرها، أي تجري لأجل أن تستقر، أي لأجل أن ينتهي جريها كما ينتهي سير المسافر إذا بلغ إلى مكانه فاستقر فيه، وهو متعلق ب {تجري} على أنه نهاية له لأن سير الشمس لما كانت نهايته انقطاعَه نُزّل الانقطاع عنه منزلة العلة كما يقال: «لِدُوا للموت وابنوا للخراب».
وتنزيل النهاية منزلة العلة مستعمل في الكلام، ومنه قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} [القصص: 8]. والمعنى: أنها تسير سيراً دائباً مشاهداً إلى أن تبلغ الاحتجاب عن الأنظار.
ويجوز أن تكون اللام بمعنى (إلى)، أي تجري إلى مكان استقرارها وهو مكان الغروب، شبه غروبها عن الأبصار بالمستقَر والمأوَى الذي يأوي إليه المرء في آخر النهار بعد الأعمال. وقد ورد تقريب ذلك في حديث أبي ذر الهروي في صحيحي «البخاري» و«مسلم» و«جامع الترمذي» بروايات مختلفة حاصل ترتيبها أنه قال:
" كنتُ مع رسول الله في المسجد عند غروب الشمس فسألته (أو فقال): إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرَّ ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها فذلك مستقرّ لها ومستقرها تحت العرش فذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها} " وهذا تمثيل وتقريب لسير الشمس اليومي الذي يبتدئ بشروقها على بعض الكرة الأرضية وينتهي بغروبها على بعض الكرة الأرضية، في خطوط دقيقة، وبتكرر طلوعها وغروبها تتكون السنة الشمسية.
وقد جعل الموضع الذي ينتهي إليه سيرها هو المعبر عنه بتحت العرش وهو سمت معيّن لا قبل للناس بمعرفته، وهو منتهى مسافة سيرها اليومي، وعنده ينقطع سيرها في إبان انقطاعه وذلك حين تطلع من مغربها، أي حين ينقطع سير الأرض حول شعاعها لأن حركة الأجرام التابعة لنظامها تنقطع تبعاً لانقطاع حركتها هي وذلك نهاية بقاء هذا العالم الدنيوي.
واللام في قوله {لها} لام الاختصاص وهو صفة {لِمُسْتَقَر}. وعُدل عن إضافة مستقر لضمير الشمس المغنية عن إظهار اللام إلى الإِتيان باللام ليتأتى تنكير «مستقر» تنكيراً مشعراً بتعظيم ذلك المستقر.
وكلام النبي صلى الله عليه وسلم هذا تمثيل لحال الغروب والشروق اليوميين. وجعل سجود الشمس تمثيلاً لتسخرها لتسخير الله إياها كما جعل القول تمثيلاً له في آية {فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11].
واعلم أن قوله: {لِمُستقر لها} إدماج للتعليم في التذكير وليس من آية الشمس للناس لأن الناس لا يشعرون به فهو كقوله تعالى: {ليقضى أجل مسمى} [الأنعام: 60] عقب الامتنان بقوله: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم} [الأنعام: 60].
والإشارة ب {ذلك تقديرُ العَزِيزِ العلِيمِ} إلى المذكور: إما من قوله: {والشَّمْسُ تَجْرِي} أي ذلك الجري، وإما منه ومن قوله: {وءايَة لهم اللَّيْلُ} [يس: 37] أي ذلك المذكور من تعاقب الليل والنهار.
وذكر صفتي {العَزِيزِ العَلِيمِ} لمناسبة معناهما للتعلق بنظام سير الكواكب، فالعزة تناسب تسخير هذا الكوكب العظيم، والعلم يناسب النظام البديع الدقيق، وتقدم تفصيله عند قوله تعالى: {تبارك الذي جعل في السماء بروجاً} في سورة الفرقان} (61).
{وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39)}
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وروححِ عن يعقوب برفع {والقَمَرُ} فهو إما معطوف على {والشمس تجري} [يس: 38] عطفَ المفردات، وإما مبتدأ والعطف من عطف الجمل.
وجملة {قَدَّرْناهُ} إما حال وإما خبر. وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورويس عن يعقوب وخلَفٌ بنصب {القمرَ} على الاشتغال فهو إذن من عطف الجمل.
وتقدّم تفسير منازل القمر عند قوله تعالى: {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} في سورة يونس} (5).
والتقدير: يطلق على جعل الأشياء بقدْر ونظام محكم، ويطلق على تحديد المقدار من شيء تطلب معرفة مقداره مثل تقدير الأوقات وتقدير الكميات من الموزونات والمعدودات، وكلا الإِطلاقين مراد هنا. فإن الله قدّر للشمس والقمر نظامَ سيرهما وقدّر بذلك حساب الفصول السنوية والأشهر والأيام والليالي.
وعُدّي فعل {قَدَّرْناهُ} إلى ضمير {القمر} الذي هو عبارة عن ذاته وإنما التقدير لسيره ولكن عدي التقدير إلى اسم ذاته دون ذكر المضاف مبالغة في لزوم السَّير له من وقت خَلقه حتى كأنَّ تقدير سيره تقدير لذاته.
وانتصب {مَنَازِلَ} على الظرفية المكانية مثل: سرت أميالاً، أي قدرنا سيره في منازل ينتقل بسيره فيها منزلة بعد أخرى.
و {حتى} ابتدائية، أي ليست حرف جر فإن ما بعدها جملة. ومعنى الغاية لا يفارق {حتى} فآذن ما فيها من معنى الغاية بمغيّا محذوف فالغاية تستلزم ابتداء شيء. والتقدير: فابتدأ ضوؤه وأخذ في الازدياد ليلة قليلة ثم أخذ في التناقص حتى عاد، أي صار كالعرجون القديم، أي شبيهاً به. وعبر عنه بهذا التشبيه إذ ليس لضوء القمر في أواخر لياليه اسم يعرف به بخلاف أول أجزاء ضوئه المسمّى هلالاً، ولأن هذا التشبيه يماثل حالة استهلاله كما يماثل حالة انتهائه.
و {عَادَ} بمعنى صار شكله للرائي كالعرجون. والعرجون: العود الذي تخرجه النخلة فيكون الثمر في منتهاه وهو الذي يبقى متصلاً بالنخلة بعد قطع الكَبَاسَة منه وهي مجتمع أعواد التمر.
و {القديم}: هو البالي لأنه إذا انقطع الثمر تَقوس واصفَارّ وتضاءل فأشبه صورة ما يواجه الأرض من ضوء القمر في آخر ليالي الشهر وفي أول ليلة منه، وتركيب {عَادَ كالعُرجُوننِ القَدِيمِ} صالح لصورة القمر في الليلة الأخيرة وهي التي يعقبها المحاق ولصورته في الليلة الأولى من الشهر هو الهلال. وقد بُسط لهم بيان سير القمر ومنازله لأنهم كانوا يتقنون علمه بخلاف سير الشمس.
{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)}
لما جرى ذكر الشمس والقمر في معرض الآيات الدالة على انفراده تعالى بالخلق والتدبير وعلى صفات إلهيته التي من متعلِّقاتها تعلق صفة القدرة بآية الشمس وسيرها، والقمر وسيره، وقد سمّاها بعض المتكلمين صفات الأفعال وكان الناس يعرفون تقارب الشمس والقمر فيما يراه الراءون، وكانوا يقدرون سيرهما بأسمات معلَّمة بعلامات نجومية تسمى بُروجاً بالنسبة لسير الشمس، وتسمى منازل بالنسبة لسير القمر، وكانوا يعلمون شدة قرب المنازل القمرية من البروج الشمسية فإن كل برج تسامته منزلتان أو ثلاث منازل، وبعض نجوم المنازل هي أجزاء من نجوم البروج، زادهم الله عبرة وتعليماً بأن للشمس سيراً لا يلاقي سير القمر، وللقمر سيراً لا يلاقي سير الشمس ولا يمر أحدهما بطرائق مسير الآخر وأن ما يتراءى للناس من مشاهدة الشمس والقمر في جو واحد وفي حجمين متقاربين، وما يتراءى لهم من تقارب نجوم بروج الشمس ونجوم منازل القمر، إن هو إلا من تخيلات الأبصار وتفاوت المقادير بين الأجرام والأبعاد.
فالكرة العظيمة كالشمس تبدو مقاربة لكرة القمر في المرأى وإنما ذلك من تباعد الأبعاد فأبعاد فلك الشمس تفوت أبعاد فلك القمر بمئات الملايين من الأميال، حتى يلوح لنا حجم الشمس مقارباً لحجم القمر. فبين الله أنه نظم سير الشمس والقمر على نظام يستحيل معه اتصال إحدى الكرتين بالأخرى لشدة الأبعاد بين مداريهما.
فمعنى: {لا الشَّمْسُ يَنْبغي لها أن تُدْرِكَ القَمَر} نفي انبغاء ذلك، أي نفي تأتِّيه، لأن انبغى مطاوع بغى الذي هو بمعنى طلب، فانبغى يفيد أن الشيء طُلب فحصل للذي طَلبه، يقال: بغاه فانبغَى له، فإثبات الانبغاء يفيد التمكن من الشيء فلا يقتضي وجوباً، ونفي الانبغاء يفيد نفي إمكانه ولذلك يكنى به عن الشيء المحظور. يقال: لا ينبغي لك كذا، ففرقٌ ما بين قولك: ينبغي أن لا تفعل كذا، وبين قولك: لا ينبغي لك أن تفعل كذا، قال تعالى: {قالوا سبحانك ما كان ينبغي أن نتخذ من دونك من أولياء} [الفرقان: 18] وتقدم قوله تعالى: {وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً} في سورة مريم (92)، ومنه قوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} [يس: 69] في هذه السورة.
والإِدراك: اللحاق والوصول إلى البُغية فقوله: {أن تُدرك} فاعل {يَنْبَغِي} فأفاد الكلام نفي انبغاء إدراك الشمسسِ القمرَ. والمعنى: نفي أن تصطَدم الشمس بالقمر، خلافاً لما يبدو من قرب منازلهما فإن ذلك من المسامتة لا من الاقتراب. وصوغ هذا بصيغة الإِخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي لإِفادة تقوّي حكم النفي فذلك أبلغ في الانتفاء مما لو قيل: لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر.
وافتتاح الجملة بحرف النفي قبل ذكر الفعل المنفي ليكون النفي متقرراً في ذهن السامع أقوى مما لو قيل: الشمسُ لا ينبغي لها أن تدرك القمر، فكان في قوله: {لا الشَّمْسُ ينبغي لها أن تُدْرِكَ القَمَر} خُصوصيتان.
ولمَّا ذكر الشمس والقمر وكانت الشمس مقارنة للنهار في مخيلات البشر، وكان القمر مقارناً لليل، وكان في نظام الليل والنهار منافع للناس اعترض بذكر نظام الشمس والقمر أثناء الاعتبار بنظام الليل والنهار.
ومعنى: {ولاَ الليْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} أن الليل ليس بمفلتتٍ للنهار، فالسبق بمعنى التخلص والنجاة، كقول مُرة بن عَدَّاء الفقعسي:
كأنَّكَ لم تَسبَقْ من الدهر مَرَّةً *** إذا أنتَ أدركت الذي كنتَ تطلب
{أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} في سورة العنكبوت} (4)، والمعنى: أن انسلاخ النهار على الليل أمر مسخّر لا قبل لليل أن يتخلف عنه.
ولا يستقيم تفسير السبق هنا بمعناه المشهور وهو الأوَّلية بالسير لأن ذلك لا يُتصور في تداول الليل والنهار، ولا أن يكون المراد بالسبق ابتداءَ التكوين إذ لا يتعلق بذلك غرض مهم في الآية، على أن الشأن أن تكون الظلمة أسبق في التكوين. والغرض التذكير بنعمة الليل ونعمة النهار فإن لكليهما فوائد للناس فلو تخلص أحدهما من الآخرِ فاستقرّ في الأفق لتعطلت منافع جمّة من حياة الناس والحيوان.
وفي الكلام اكتفاء، أي لأن التقدير: ولا القمرُ يدرك الشمسَ، ولا النهارُ سابق الليل.
وقوله: {وكُلٌّ في فَلَككٍ يَسْبَحُونَ} عطف على جملة {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر}. والواو عاطفة ترجيحاً لِجانب الإِخبار بهذه الحقيقة على جانب التذييل، وإلا فحقّ التذييل الفصل. وما أضيف إليه {كلّ} محذوف، وتنوين {كل} تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوففِ، فالتقدير: وكلّ الكواكب.
وزيدت قرينة السياق تأكيداً بضمير الجمع في قوله: {يَسْبَحُونَ} مع أن المذكور من قبل شيئان لا أشياء، وبهذا التعميم صارت الجملة في معنى التذييل.
والفَلَك: الدائرة المفروضة في الخلاء الجوّي لسير أحد الكواكب سيراً مطّرداً لا يحيد عنه، فإن أهل الأرصاد الأقدمين لما رصدوا تلك المدارات وجدوها لا تتغير ووجدوا نهايتها تتصل بمبتداها فتوهموها طرائق مستديرة تسير فيها الكواكب كما تتقلب الكرة على الأرض وربما توسعوا في التوهم فظنوها طرائق صلبة ترتكز عليها الكواكب في سيرها وبعض الأمم يتوهمون الشمس في سيرها مجرورة بسلاسل وكلاليب وكان ذلك في معتقد القبط بمصر.
وسمّى العرب تلك الطرائق أفلاكاً واحدها فَلَك اشتقوا له اسماً من اسم فَلْكَة المِغْزَل، وهي عُود في أعلاه خشبة مستديرة متبطحة مثل التفاحة الكبيرة تلفُّ المرأة عليها خيوط غزلها التي تفتلها لتديرها بكفّيها فتلتف عليها خيوط الغزل، فتوهموا الفلك جسماً كُرويا وتوهموا الكواكب موضوعة عليه تدور بدورته ولذلك قدروا الزمان بأنه حركة الفَلَك. وسمّوا ما بين مبدأ المُدّتين حتى ينتهي إلى حيث ابتدأ دورة الفلك. ولكن القرآن جاراهم في الاسم اللغوي لأن ذلك مبلغ اللغة وأصلح لهم ما توهموا بقوله: {يَسْبَحُونَ}، فبطل أن تكون أجرام الكواكب ملتصقة بأفلاكها ولزم من كونها سابحة أن طرائق سيرها دوائر وهمية لأن السبح هنا سبح في الهواء لا في الماء، والهواء لا تخطط فيه الخطوط ولا الأخاديد.
وجيء بضمير {يَسْبَحُونَ} ضمير جمع مع أن المتقدم ذِكره شيئان هما الشمس والقمر لأن المراد إفادة تعميم هذا الحكم للشمس والقمر وجميع الكواكب وهي حقيقة علمية سبق بها القرآن.
وجملة {كل في فلك} فيها محسن الطرد والعكس فإنها تقرأ من آخرها كما تقرأ من أولها.
{وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)}
انتقال من عدّ آيات في الأرض وفي السماء إلى عد آية في البحر تجمع بين العبرة والمنة وهي آية تسخير الفُلْك أن تسير على الماء وتسخير الماء لتطفو عليه دون أن يغرقها.
وقد ذكَّر الله الناس بآية عظيمة اشتهرت حتى كانت كالمشاهدة عندهم وهي آية إلهام نوح صنع السفينة ليحمل الناس الذين آمنوا ويحمل من كل أنواع الحيوان زوجين لينجي الأنواع من الهلاك والاضمحلال بالغرق في حادث الطوفان. ولما كانت هذه الآية حاصلة لفائدة حمل أزواج من أنواع الحيوان جُعلت الآية نفس الحمل إدماجاً للمنة في ضمن العبرة فكأنه قيل: وآية لهم صنع الفُلك لنحمل ذرياتهم فيه فحملناهم.
وأطلق الحَمل على الإِنجاء من الغرق على وجه المجاز المرسل لعلاقة السببية والمسببية، أي أنجينا ذرياتهم من الغرق بحملهم في الفُلك حين الطوفان.
والذريات: جمع ذرية وهي نسل الإِنسان. و{الفلك المشحون}: هو المعهود بين البشر في قصة الطوفان، وهو هنا مفرد بقرينة وصفه بالمفرد وهو {المَشْحُونِ} ولم يقل: المشحونة كما قال: {وترى الفلك فيه مواخر} [فاطر: 12] وهو فلك نوح فقد اشتهر بهذا الوصف في القرآن كما في سورة الشعراء (119) {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} ولم يوصف غير فلك نوح بهذا الوصف.
وتعدية حَمَلْنَا} إلى الذريات تعدية على المفعولية المجازية وهو مجاز عقلي فإن المجاز العقلي لا يختص بالإِسناد بل يكون المجاز في التعليق فإن المحمول أصول الذريات لا الذريات وأصولها ملابسة لها.
ولما كانت ذريات المخاطبين مما أراد الله بقاءه في الأرض حين أمر نوحاً بصنع الفلك لإِنجاء الأنواع وأمره بحمل أزواج من الناس هم الذين تولد منهم البشر بعد الطوفان نُزّل البشر كله منزلة محمولين في الفلك المشحون في زمن نوح، وذكر الذريات يقتضي أن أصولهم محمولون بطريق الكناية إيجازاً في الكلام، وأن أنفسهم محمولون كذلك كأنه قيل: إنا حملنا أُصولهم وحملناهم وحملنا ذرياتهم، إذ لولا نجاة الأصول ما جاءت الذريّات، وكانت الحكمة في حمل الأصول بقاء الذريات فكانت النعمة شاملة للكل، وهذا كالامتنان في قوله: {إنّا لمّا طغى الماءُ حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة} [الحاقة: 11، 12].
وضمير {ذُرَّيَاتَهُم} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {لَهُمْ} أي العباد المراد بهم المشركون من أهل مكة لكنهمْ لوحظوا هنا بعنوان كونهم من جملة البشر، فالمعنى: آية لهم أنا حملنا ذريات البشر في سفينة نوح وذلك حين أمر الله نوحاً بأن يحمل فيها أهله والذين آمنوا من قومه لبقاء ذريات البشر فكان ذلك حملاً لذرياتهم ما تسلسلت كما تقدم آنفاً.
هذا هو تأويل هذه الآية قال القرطبي: وهي من أشكل ما في السورة، وقال ابن عطية: «قد خلط بعض الناس حتى قالوا: الذرية تطلق على الآباء وهذا لا يعرف من اللغة» وتقدم قوله:
{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم} في سورة الأعراف (172).
وقرأ نافع وابن عامر {ذرياتهم} بلفظ الجمع. وقرأه الباقون بدون ألف بصيغة اسم الجمع، والمعنى واحد. وقد فهم من دلالة قوله: {أنَّا حَمَلْنَا ذُرِيَّاتَهُمْ} صريحاً وكناية أن هذه الآية مستمرة لكل ناظر إذ يشهدون أسفارهم وأسفار أمثالهم في البحر وخاصة سكان الشطوط والسواحل مثل أهل جُدة وأهل يُنْبُع إذ يسافرون إلى بلاد اليمن وبلاد الحبشة فيفهم منه: أنا حملنا ونحمل وسنحمل أسلافهم وأنفسهم وذرياتهم. وقد وصف طرفة السفن في معلّقته.
وجملة {وخَلَقْنَا لهُمْ مِن مِثْلِهِ ما يركَبُونَ} معترضة في خلال آية البحر اقتضتها مراعاة النظير تذكيراً بنعمة خلق الإِبل صالحة للأسفار فحُكيت آية الإِلهام بصنع الفلك من حيث الحكمة العظيمة في الإِلهام وتسخير البحر لها وإيجادها في وقت الحاجة لحفظ النوع، فلذلك لم يؤت في جانبها بفعل الخلق المختص بالإِيجاد دون صنع الناس. وحكيت آية اتخاذ الرواحل بفعل {خلقنا}، ونظير هذه المقارنة قوله تعالى: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} [الزخرف: 12]، فَمَا صدْق {مَا يَركَبُونَ} هنا هو الرواحل خاصة لأنها التي تشبه الفلك في جعلها قادرة على قطع الرمال كما جعل الفلك صالحاً لمخْر البحار، وقد سمت العرب الرواحل سفائن البرّ و{مِن} التي في قوله: {مِن مِثلِهِ} بيانية بتقديم البيان على المبين وهو جائز على الأصح، أو مؤكدة ومجرورها أصله حال من {ما} الموصولة في قوله: {ما يركَبُون}. والمراد المماثلة في العظمة وقوة الحمل ومداومة السير وفي الشكل.
وجملة {وإن نَشَأْ نُغْرِقهُم} عطف على جملة {أنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّاتَهُم} باعتبار دلالتها الكنائية على استمرار هذه الآية وهذه المنة تذكيراً بأن الله تعالى الذي امتنّ عليهم إذا شاء جعل فيما هو نعمة على الناس نقمة لهم لحكمة يعلمها. وهذا جرى على عادة القرآن في تعقيب الترغيب بالترهيب وعكسِه لئلا يبطر الناس بالنعمة ولا ييأسوا من الرحمة. وقرينة ذلك أنه جيء في هذه الجملة بالمضارع المتمحّض في سياق الشرط لكونه مستقبلاً، وهذا كقوله تعالى: {أفأمِنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ثم لا تجدوا لكم وكيلاً أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً} [الإسراء: 6869].
والصريخ: الصارخ وهو المستغيث المستنجد تقول العرب: جاءهم الصريخ، أي المنكوب المستنجد لينقذوه، وهو فعيل بمعنى فاعل. ويطلق الصريخ على المغيث فعيل بمعنى مفعول، وذلك أن المنجد إذا صرخ به المستنجد صرخ هو مجيباً بما يطمئن له من النصر. وقد جمع المعنيين قول سلامة بن جندل أنشده المبرد في «الكامل»:
إنا إذا أتانا صارخ فزع *** كان الصُراخ له قَرع الظَنابيب
والظنابيب: جمع ظُنبوب وهو مسمار يكون في جُبة السنان. وقرع الظنابيب تفقد الأسنة استعداداً للخروج.
والمعنى: لا يجدون من يستصرخون به وهم في لُجج البحر ولا ينقذهم أحد من الغرق.
والإنقاذ: الانتشال من الماء.
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: {ولا هم يُنقَذُونَ} لإِفادة تقوّي الحكم وهو نفي إنقاذ أحدٍ إياهم.
والاستثناء في قوله: {إلاَّ رَحْمَةً} منقطع فإن الرحمة ليست من الصريخ ولا من المنقذ وإنما هي إسعاف الله تعالى إياهم بسكون البحر وتمكينهم من السبح على أعواد الفلك.
و {وَمَتاعاً} عَطف على {رَحْمَةً}، أي إلاّ رحمة هي تمتيع إلى أجل معلوم فإن كل حي صائر إلى الموت فإذا نجا من موته استقبلته موتة أخرى ولكن الله أودع في فطرة الإِنسان حبّ زيادة الحياة مع علمه بأنه لا محيد له عن الموت.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46)}
تخلص الكلام من عدم انتفاعهم بالآيات الدالة على وحدانية الله إلى عدم انتفاعهم بالأقوال المبلَّغة إليهم في القرآن من الموعظة، والتذكير بما حلّ بالأمم المكذبة أن يصيبهم مثلُ ما أصابهم، وبعدم انتفاعهم بتذكير القرآن إياهم بالأدلة على وحدانية الله، وعلى البعث.
وبناء فعل {قِيلَ} للمجهول لظهور أن القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه عن الله تعالى، أي قيل لهم في القرآن.
وما بين الأيدي يراد منه المستقبل، وما هو خلف يراد منه الماضي، قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: {مصدقاً لما بين يديَّ من التوراة} [آل عمران: 50]، أي ما تقدمني. وذلك أن أصل هذين التركيبين تمثيلان فتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف إليه بسائر إلى مكان فالذي بين يديه هو ما سيرد هو عليه، والذي من ورائه هو ما خلَّفه خلْفه في سيره، وتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف بسائر، فهو إذا كان بين يدي المضاف إليه فقد سبقه في السير فهو سَابق له وإذا كان خلف المضاف إليه فقد تأخر عنه فهو وارد بعده.
وقد فسرت هذه الآية بالوجهين فقيل: ما بين أيديكم من أمر الآخرة وما خلفكم من أحوال الأمم في الدنيا، وهو عن مجاهد وابن جبير عن ابن عباس. وقيل: ما بين أيديكم أحوال الأمم في الدنيا وما خلفكم من أحوال الآخرة وهو عن قتادة وسفيان. ومتى حمل أحد الموصولَين على ما سبق من أحوال الأمم وجب تقدير مضافين قبل {ما} الموصولة هما المفعول، أي اتقوا مثلَ أحوال ما بين أيديكم، أو مثل أحوال ما خلفكم، ولا يقدر مضافان في مقابله لأن مَا صْدَق {ما} الموصولة فيه حينئذٍ هو عذاب الآخرة فهو مفعول {اتَّقُوا}. وتقدم قوله تعالى: {فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها} في سورة البقرة (66).
و (لعلّ) للرجاء، أي ترجى لكم رحمة الله، لأنهم إذا اتقوا حذروا ما يوقع في المتقى فارتكبوا واجتنبوا وبادروا بالتوبة فيما فرط فرضي ربهم عنهم فرحِمهم بالثواب وجنّبهم العقاب. والكلام في (لعل) الواردة في كلام الله تعالى تقدم عند قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} في سورة البقرة (21).
وجواب {إذا} محذوف دل عليه قوله في الجملة المعطوفة {إلاَّ كَانُوا عنها مُعْرِضِينَ}. فالتقدير هنا: كانوا معرضين.
وجملة {ما تأتِيهم من ءايَةٍ من ءاياتت ربِهم إلاَّ كانوا عَنها مُعْرِضين} واقعة موقع التذييل لما قبلها، ففيها تعميم أحوالهم وأحواللِ ما يُبلَّغونه من القرآن؛ فكأنه قيل: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا، والإِعراض دأبهم في كل ما يقال لهم.
والآيات: آيات القرآن التي تنزل فيقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فأطلق على بلوغها إليهم فعل الإِتيان ووصفها بأنها من آيات ربهم للتنويه بالآيات والتشنيع عليهم بالإِعراض عن كلام ربهم كفراً بنعمة خلقه إياهم.
و {ما} نافية، والاستثناء من أحوال محذوفة، أي ما تأتيهم آية في حال من أحوالهم إلا كانوا عنها معرضين. وجملة {كانُوا عنها مُعْرِضِينَ} في موضع الحال.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47)}
كانوا مع ما هم عليه من الكرم يشحّون على فقراء المسلمين فيمنعونهم البذل تشفّياً منهم فإذا سمعوا من القرآن ما فيه الأمر بالإِنفاق أو سألهم فقراء المسلمين من فضول أموالهم أو أن يعطوهم ما كانوا يجعلونه لله من أموالهم الذي حكاه الله عنهم بقوله: {وجعلوا للَّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً} [الأنعام: 136] فلعل من أسلم من الفقراء سألوا المشركين ما اعتادوا يعطونهم قَبْل إسلامهم فيقولون أعطوا مما رزقكم الله وقد سمعوا منهم كلمات إسلامية لم يكونوا يسمعونها من قبل، وربما كانوا يحاجونهم بأن الله هو الرزاق ولا يقع في الكون كائن إلا بإرادته فجعل المشركون يتعللون لمنعهم بالاستهزاء فيقولون: لا نُطعم من لو يشاء الله لأطعمه، وإذا كان هذا رزقناه الله فلماذا لم يرزقكم، فلو شاء الله لأطعمكم كما أطعمنا. وقد يقول بعضهم ذلك جهلاً فإنهم كانوا يجهلون وضع صفات الله في مواضعها كما حكى الله عنهم: {وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم} [الزخرف: 20].
وإظهار الموصول من قوله: {قَالَ الذيِنَ كَفَرُوا} في مقام الإِضمار مع أن مقتضى الظاهر أن يقال: قالوا أنطعم الخ لنكتة الإِيماء إلى أن صدور هذا القول منهم إنما هو لأجل كفرهم ولأجل إيمان الذين سئل الإِنفاق عليهم.
روى ابنُ عطية: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المشركين بالإِنفاق على المساكين في شدة أصابت الناس فشحّ فيها الأغنياء على المساكين ومنعوهم ما كانوا يعطونهم.
واللام في قوله: {لِلَّذِينَ ءَامَنُوا} يجوز أن تكون لتعدية فعل القول إلى المخاطب به أي خاطبوا المؤمنين بقولهم: {أنُطعِمُ مَن لو يَشاءُ الله أطعَمَهُ}، ويجوز أن تكون اللام للعلة، أي قال الذين كفروا لأجل الذين آمنوا، أي قالوا في شأن الذين آمنوا كقوله تعالى: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} [آل عمران: 168] وقوله: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه} [الأحقاف: 11] أي قالوا ذلك تعلة لعدم الإِنفاق على فقراء المؤمنين.
والاستفهام في {أنُطْعِمُ} إنكاري، أي لا نطعم من لو شاء الله لأطعمهم بحسب اعتقادكم أن الله هو المطعم.
والتعبير في جوابهم بالإِطعام مع أن المطلوب هو الإِنفاق: إمّا لمجرد التفنن تجنباً لإِعادة اللفظ فإن الإِنفاق يراد منه الإِطعام، وإمّا لأنهم سئلوا الإِنفاق وهو أعمّ من الإِطعام لأنه يشمل الإِكساء والإِسكان فأجابوا بإمساك الطعام وهو أيسر أنواع الإِنفاق، ولأنهم كانوا يعيّرون من يشحّ بإطعام الطعام وإذا منعوا المؤمنين الطعام كان منعهم ما هو فوقه أحرى.
وجملة {إنْ أنتُمْ إلاَّ في ضَلاللٍ مُبِينٍ} من قول المشركين يخاطبون المؤمنين، أي ما أنتم في قولكم: {أنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} وما في معناه من اعتقاد أن الله متصرف في أحوالنا إلا متمكن منكم الضلال الواضح. وجعلوه ضلالاً لجهلهم بصفات الله، وجعلوه مبيناً لأنهم يحكمون الظواهر من أسباب اكتساب المال وعدمه.
والجملة تعليل للإِنكار المستفاد من الاستفهام.
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)}
ذكر عقب استهزائهم بالمؤمنين لمّا منعوهم الإِنفاق بعلة أن الله لو شاء لأطعمهم استهزاء آخر بالمؤمنين في تهديدهم المشركين بعذاب يحلّ بهم فكانوا يسألونهم هذا الوعد استهزاء بهم بقرينة قوله: {إن كنتم صادِقِينَ}، فالاستفهام مستعمل كناية عن التهكم والتكذيب. وأطلق الوعد على الإِنذار والتهديد بالشر لأن الوعد أعمّ ويتعين للخير والشر بالقرينة. واسم الإِشارة للوعد مستعمل في الاستخفاف بوعد العذاب كما في قول قيس بن الخطيم:
متى يأت هذا الموتُ لا يُلف حاجة *** لنفسي إلا قد قضيتُ قضاءها
وإذا قد كان استهزاؤهم هذا يسوء المسلمين أعلم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن الوعد واقع لا محالة وأنهم ما ينتظرون إلا صيحة تأخذهم فلا يُفلتون من أخذتها.
وفعل {يَنظُرُونَ} مشتق من النَّظِرة وهو الترقب، وتقدم في قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة في سورة} [الأنعام: 158].
والصيحة: الصوت الشديد الخارج من حلق الإِنسان لزجر، أو استغاثة. وأطلقت الصيحة في مواضع في القرآن على صوت الصاعقة كما في قوله تعالى في شأن ثمود: {فأخذتهم الصيحة} [الحجر: 73]. فالصيحة هنا تحتمل المجاز، أي ما ينتظرون إلا صعقة أو نفخة عظيمة. والمراد النفخة الأولى التي ينقضي بها نظام الحياة في هذا العالم، والأخرى تنشأ عنها النشأة الثانية وهي الحياة الأبدية، فيكون أسلوب الكلام خارجاً على الأسلوب الحكيم إعراضاً عن جوابهم لأنهم لم يقصدوا حَقيقة الاستفهام فأجيبوا بأن ما أعد لهم من العذاب هو الأجدر بأن ينتظروه.
ومعنى {تأخُذُهُم} تُهلكهم فجأة، شبه حلول صيحة العقاب بحلول المُغِيرين على الحيّ لأخذ أنعامه وسَبْي نِسائه، فأطلق على ذلك الحلوللِ فعل {تأخُذُهُم} كقوله تعالى: {فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية} [الحاقة: 10] أي تحلّ بهم وهم يختصمون. وإسناد الأخذ إلى الصيحة حقيقة عقلية لأنهم يهلكون بصعقتها.
ويحتمل أن تكون الصيحة على حقيقتها وهي صيحة صائحين، أي ما ينتظرون إلا أن يصاح بهم صيحة تنذر بحلول القتل، فيكون إنذاراً بعذاب الدنيا. ولعلها صيحة الصارخ الذي جاءهم بخبر تعَرّض المسلمين لركب تجارة قريش في بدر.
و {يَخصّمُونَ} من الخصومة والخصام وهو الجدال، وتقدم في قوله: {ولا تكن للخائنين خصيماً} في سورة النساء} (105)، وقوله: {هذان خصمان} في سورة الحج} (19). وأصله: يختصمون فوقع إبدالُ التاء ضاداً لقرب مخرجيهما طلباً للتخفيف بالإِدغام.
واختلَف القراء في كيفية النطق بها، فقرأه الجميع بفتح الياء واختلفوا فيما عدا ذلك: فقرأ ورش عن نافع وابنُ كثير وأبو عمرو في رواية عنه {يَخصّمُونَ} بتشديد الصاد مكسورة على اعتبار التاء المبدلة صاداً والمسَكَّنةُ لأجل الإِدغام، ألقيت حركتُها على الخاء التي كانت ساكنة. وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو في المشهور عنه بسكون الخاء سكوناً مختلَساً (بالفتح) لأجل التخلص من التقاء الساكنين وبكسر الصاد مشدّدة.
وقرأه عاصم والكسائي وابنُ ذكوان عن ابن عامر ويعقوبُ وخلف {يَخصّمُونَ} بكسر الخاء وكسر الصاد مشدّدة. وقرأه حمزة {يخْصِمون} بسكون الخاء وكسر الصاد مخففة مضارع (خَصم) قيل بمعنى جادل. وقرأ أبو جعفر {يخْصِّمون} بإسكان الخاء وبكسر الصاد مشددة على الجمع بين الساكنين.
والاختصام: اختصامهم في الخروج إلى بدر أو في تعيين من يخرج لما حلّ بهم من مفاجآت لهم وهم يختصمون بين مصدق ومكذب للنذير. وإسناد الأخذ إلى الصيحة على هذا التأويل مجاز عقلي لأن الصيحة وقت الأخذ وإنما تأخذهم سيوف المسلمين. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: {وهُمْ يَخصّمُونَ} لإِفادة تقوّي الحكم وهو أن الصيحة تأخذهم.
وفرع على {تأخُذُهُمْ} جملة {فَلا يَسْتَطِيعونَ توصِيَةً} أي لا يتمكنون من توصية على أهليهم وأموالهم من بعدهم كما هو شأن المحْتضَر، فإن كان المراد من الصيحة صيحة الواقعة كان قوله: {فَلا يَسْتَطِيعونَ توصِيَةً} كناية عن شدة السرعة بين الصيحة وهلاكهم، إذ لا يكون المراد مدلوله الصريح لأنهم لا يتركون غيرهم بعدهم إذ الهلاك يأتي على جميع الناس.
وإن كان المراد من الصيحة صيحة القتال كان المعنى: أنهم يفزعون إلى مواقع القتال يوم بدر، أو إلى ترقب وصول جيش الفتح يوم الفتح فلا يتمكنون من الحديث مع من يُوصُونه بأهليهم.
والتوصية: مصدر وَصَّى المضاعف وتنكيرها للتقليل، أي لا يستطيعون توصية ما.
وقوله: {وَلاَ إلى أهْلِهِم يَرْجِعُونَ} يجوز أن يكون عطفاً على {تَوْصِيَةً}، أي لا يستطيعون الرجوع إلى أهلهم كشأن الذي يفاجئه ذعْر فيبادر بافتقاد حال أهله من ذلك.
ويجوز أن يكون عطفاً على جملة «لا يستطيعون» فيكون مما شمله التفريع بالفاء، أي فلا يرجعون إلى أهلهم، أي هم هالكون على الاحتمالين، إلا أنه على احتمال أن يراد صيحة الحرب يخصص ضمير {يَرْجِعُونَ} بكبراء قريش الذين هلكوا يوم بدر لأنهم هم المتولُّون كِبْر التكذيب والعناد، أو الذين أكملوا بالهلاك يوم الفتح مثل عبد الله بن خطل الذي قتل يوم الفتح.
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51)}
يجوز أن تكون الواو للحال والجملة موضع الحال، أي ما ينظرون إلا صيحة واحدة وقد نفخ في الصور الخ.. ويجوز أن تكون الواو اعتراضية، وهذا الاعتراض واقع بين جملة {ما ينظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً} [يس: 49] الخ... وجملة {ولو نشاء لطمسنا} [يس: 66].
والمقصود: وعظهم بالبعث الذي أنكروه وبما وراءه.
والماضي مستعمل في تحقق الوقوع مثل {أتى أمر الله} [النحل: 1]. والمعنى: وينفخ في الصور، أي ويَنفخ نافخ في الصور، وهو الملَك الموكّل به، واسمه إسرافيل. وهذه النفخة الثانية التي في قوله تعالى: {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68].
و«إذا» للمفاجأة وهي حصول مضمون الجملة التي بعدها سريعاً وبدون تهيّؤ. وضمير {هم} عائد إلى ما عادت إليه الضمائر السابقة. ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام، أي فإذا الناس كلّهم ومنهم المتحدث عنهم.
و {الأجداث}: جمع جَدَث بالتحريك، وهو القبر.
و {يَنسِلُونَ} يمشون مشياً سريعاً. وفعله من باب ضَرب وورد من باب نصر قليلاً. والمصدر: النسَلان، على وزن الغليان لما في معنى الفعل من التقليب والاضطراب، وتقدم في آخر سورة الأنبياء. وهذا يقتضي أنهم قُبِروا بعد الصيحة التي أخذتهم فإن كانت الصيحة صيحة الواقعة فالأجداث هي ما يعلوهم من التراب في المدة التي بين الصيحة والنفخة. وقد ورد أن بينهما أربعين سنة إذ لا يبقى بعد تلك الصيحة أحد من البشر ليَدفِن من هلَك منهم، وإن كانت الصيحة صيحة الفزع إلى القتل فالأجداث على حقيقتها مثل قليب بدر.
ومعنى: {إلى ربّهِم} إلى حكم ربهم وحسابه، وهو متعلق ب {يَنسِلُونَ}.
{قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)}
استئناف بياني لأن وصف هذه الحال بعد حكاية إنكارهم البعث وإحالتهم إياه يثير سؤال من يسأل عن مقالهم حينما يرون حقية البعث.
و {يا وَيْلَنَا} كلمة يقولها الواقع في مصيبة أو المُتحسِّر. والويل: سوء الحال، وإنما قالوا ذلك لأنهم رأوا ما أُعدّ لهم من العذاب عندما بعثوا. وقد تقدم عند قوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} في سورة البقرة (79).
وحكي قولهم بصيغة الماضي اتباعاً لحكاية ما قبله بصيغة المضيّ لتحقيق الوقوع.
وحرف النداء الداخل على {ويلنا} للتنبيه وتنزيل الويل منزلة من يسمع فيُنادَى ليحضر، وقد تقدم عند قوله تعالى: {قالت يا ويلتى} في سورة هود (72).
و {مَن} استفهام عن فاعل البعث مستعمل في التعجّب والتحسّر من حصول البعث. ولما كان البعث عندهم محالاً كنّوا عن التعجب من حصوله بالتعجب من فاعله لأن الأفعال الغريبة تتوجه العقول إلى معرفة فاعلها لأنهم لما بُعثوا وأزْجي بهم إلى العذاب علموا أنه بعثٌ فعَله من أراد تعذيبهم.
والمَرْقَد: مكان الرقاد. وحقيقة الرقاد: النوم. وأطلقوا الرقاد على الموت والاضطجاععِ في القبور تشبيهاً بحالة الراقد.
ثم لم يلبثوا أن استحضرت نفوسهم ما كانوا يُنذرون به في الدنيا فاستأنفوا عن تعجبهم قولهم: {هذا ما وَعَدَ الرحمن وصَدَقَ المُرْسَلُونَ}. وهذا الكلام خبر مستعمل في لازم الفائدة وهو أنهم علموا سبب ما تعجبوا منه فبطل العجب، فيجوز أن يكونوا يقولون ذلك كما يتكلم المتحسّر بينه وبين نفسه، وأن يقوله بعضهم لبعض كل يظن أن صاحبه لم يتفطن للسبب فيريد أن يعلمه به.
وأتوا في التعبير عن اسم الجلالة بصفة الرحمان إكمالاً للتحسر على تكذيبهم بالبعث بذكر ما كان مقارناً للبعث في تكذيبهم وهو إنكار هذا الاسم كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان} [الفرقان: 60].
والإِشارة بقوله: {هذا} إشارة إلى الحالة المرْئية لِجميعهم وهي حالة خروجهم من الأرض.
وجملة {وصَدَقَ المُرْسَلُونَ} عطف على جملة {هذا ما وعَدَ الرحمن} وهو مستعمل في التحسّر على أن كذبوا الرسل.
وجَمع المرسلين مع أن المحكي كلامُ المشركين الذين يقولون {متى هذا الوعد} [يس: 48] إمّا لأنهم استحضروا أن تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم كان باعثَه إحالتُهم أن يكون الله يرسل بَشراً رسولاً، فكان ذلك لأنهم لا يصدقون أحداً يأتي برسالة من الله كما حكى عنهم قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] فلما تحسروا على خطئهم ذكَروه بما يشمله ويشمل سبَبَه كقوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} من سورة الشعراء (105)، وقوله في سورة الفرقان (37) {وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم}، وإما لأن ذلك القول صدر عن جميع الكفار المبعوثين من جميع الأمم فعلِمت كل أمة خطأها في تكذيب رسولها وخطأ غيرها في تكذيب رسلهم فنطقوا جميعاً بما يفصح عن الخطأيْن، وقد مضى أن ضمير {فَإذَا هُم جَمِيعٌ} [يس: 53] يجوز أن يعود على جميع الناس.
ومن المفسرين من جعل قوله: {هذا ما وعد الرحمن وصَدَقَ المُرْسَلُونَ} من كلام الملائكة يجيبون به قول الكفار {مَنْ بعَثَنا مِن مَرْقَدِنا} فهذا جواب يتضمن بيان مَن بعثهم مع تنديمهم على تكذيبهم به في الحياة الدنيا حين أبلغهم الرسل ذلك عن الله تعالى. واسم {الرحمن} حينئذٍ من كلام الملائكة لزيادة توبيخ الكفار على تجاهلهم به في الدنيا.
{إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53)}
فذلكة لجملة {ما ينظرون إلا صيحة واحِدَة} [يس: 49] إلى قوله: {وصدق المرسلون} [يس: 52] لأن النفخ مرادف للصيحة في إطلاقها المجازي، فاقتران فعل كانت بتاء التأنيث لِتأويل النفي مأخوذ من {ونُفِخَ في الصُّورِ} [يس: 51] بمعنى النفخة ينظر إلى الإِخبار عنه ب {صيحة}. ووصفها ب {واحِدةً} لأن ذلك الوصف هو المقصود من الاسْتِثناء المفرّغ، أي ما كان ذلك النفخ إلاّ صيحة واحدة لا يكرر استدعاؤهم للحضور بل النفخ الواحد يخرجهم من القبور ويسير بهم ويُحضرهم للحساب.
وأما قوله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68] فتلك نفخة سابقة تقع على الناس في الدنيا فيفنى بها الناس وسيأتي ذكرها في سورة الزمر.
ولما كان قوله: {إن كانت إلا صيحة واحِدَة} في قوة التكرير والتوكيد لقوله {ونُفِخَ في الصُّورِ} [يس: 51] كان ما تفرع عليه من قوله: {فإذَا هُم جَمِيعٌ لدينا مُحْضَرُونَ} بمنزلة العطف على قوله: {فإذا هم من الأجْدَاثثِ إلى ربّهم يَنسِلُونَ} [يس: 51] فكأنه مثل {ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذَا هُم مِنَ الأجْدَاثثِ إلى ربهم يَنسلُون} [يس: 51] و{فإذا هم جميع لدينا محضرون}، وإعادة حرف المفاجأة إيماء إلى حصول مضمون الجملتين المقترنتين بحرف المفاجأة في مثل لمح البصر حتى كأن كليهما مفاجأ في وقت واحد. وتقدم الكلام على نظير هذا التركيب آنفاً.
و {جَمِيعٌ} نعت للمبتدأ، أي هم جميعهم، فالتنوين في {جميع} عوض المضاف إليه الرابط للنعت بالمنعوت، أي مجتمعون لا يحضرون أفواجاً وزرافات، وقد تقدم قوله تعالى: {وإن كُلٌّ لمَا جَميعٌ لدينا مُحْضَرُونَ} [يس: 32] في هذه السورة.
وقرأ الجمهور بنصب {صَيْحَةً}. وقرأه أبو جعفر بالرفع على أن «كان» تامة، وتقدم نظيره في أوائل السورة.
{فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)}
إن كان قوله تعالى: {هذا ما وعَدَ الرحمن} [يس: 52] حكاية لكلام الكفار يوم البعث كان هذا كلاماً من قبل الله تعالى بواسطة الملائكة وكانت الفاء في قوله: {فاليوم لا تُظلمُ نفسٌ شَيْئاً} فاء فصيحة وهي التي تفصح وتنبئ عن كلام مقدّر نشأ عن قوله: {فإذا هم جميع لدينا محضرون} [يس: 53] فهو خطاب للذين قالوا: {من بعثنا من مرقدنا} [يس: 52]. والمعنى: فقد أيقنتم أن وعد الله حق وأن الرسل صدقوا فاليوم يوم الجزاء كما كان الرسل ينذرونكم.
وإن كان قوله: {هذا ما وعَدَ الرحمن} [يس: 52] من كلام الملائكة كانت الفاء تفريعاً عليه وكانت جملة {إن كانَتْ إلاَّ صيحَةً واحِدَةً} [يس: 53] الخ معترضة بين المفرع والمفرع عليه.
و«اليوم» ظرف وتعريفه للعهد، وهو عهد حضور يعني يوم الجزاء. وفائدة ذكر التنويه بذلك اليوم بأنه يوم العدل.
وأشعر قوله: {لا تُظلم نفسٌ شيئاً} بالتعريض بأنهم سيلقون جزاء قاسياً لكنه عادل لا ظلم فيه لأن نفي الظلم يشعر بأن الجزاء مما يُخال أنه متجاوز معادَلَةَ الجريمة، وهو معنى {ولاَ تُجْزونَ إلاَّ ما كنتم تعملون} أي إلا على وفاق ما كنتم تعملون وعلى مقداره. وانتصب {شيئاً} على المفعول المطلق، أي شيئاً من الظلم.
ووقوع {نَفْسٌ} و{شَيْئاً} وهما نكرتان في سياق النفي يعمّ انتفاء كل ذلك عن كل نفس وانتفاء كل شيء من حقيقة الظلم وذلك يعمّ جميع الأنفس.. ولكن المقصود أنفس المعاقَبين، أي أن جزاءهم على حسب سيّئاتهم جزاء عادل. وإذ قد كان تقديره من الله تعالى وهو العليم بكل شيء كانت حقيقة العدل محققة في مقدار جزائهم إذ كلّ عدل غير عدل الله معرض للزيادة والنقصان في نفس الأمر ولكنه يجري على حسب اجتهاد الحاكمين، والله لم يكلف الحاكم إلاّ ببذل جهده في إصابة الحق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ".
{إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57)}
هذا من الكلام الذي يُلْقى من الملائكة، والجملة مستأنفة، وهذا مما يقال لمن حق عليهم العذاب إعلاماً لهم بنزول مرتبتهم عن مراتب أهل الجنة إعلاناً بالحقائق لأن ذلك عالم الحقائق وإدخالاً للندامة عليهم على ما فرطوا فيه من طلب الفوز في الآخرة. وهذا يؤذن بأن أهل الجنة عجل بهم إلى النعيم قبل أن يبعث إلى النار أهلها، وأن أهل الجنة غير حاضرين ذلك المحضر.
وتعريف {اليَوْمَ} للعهد كما تقدم. وفائدة ذكر الظرف وهو {اليَوْمَ} التنويه بذلك اليوم بأنه يوم الفضل على المؤمنين المتقين.
والشغل: مصدر شغله، إذا ألهاه. يقال: شغله بكذا عن كذا فاشتغل به. والظرفية مجازية؛ جعل تلبسهم بالشغل كأنهم مظروفون فيه، أي أحاط بهم شغل عن مشاهدة موقف أهل العذاب صرفهم الله عن منظر المزعجات لأن مشاهدتها لا تخلو من انقباض النفوس، ولكون هذا هو المقصود عدل عن ذكر ما يشغلهم إذ لا غرض في ذكره، فقوله: {في شُغُلٍ} خبر {إن} و{فاكِهُونَ} خبر ثان.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب {شُغْلٍ} بضم فسكون. وقرأه الباقون بضمتين وهما لغتان فيه.
والفاكِه: ذو الفُكاهة بضم الفاء، وهي المزاح بالكلام المُسِرّ والمضحك، وهي اسم مصدر: فكِه بكسر الكاف، إذا مَزح وسُرّ. وعن بعض أهل اللغة: أنه لم يسمع له فعل من الثلاثي، وكأنه يعني قلة استعماله، وأما الأفعال غير الثلاثية من هذه المادة فقد جاء في المثل: لا تُفاكه أَمَهْ ولا تَبُل على أكمه، وقال تعالى: {فظلتم تفكهون} [الواقعة: 65].
وقرأ الجمهور {فاكِهُونَ} بصيغة اسم الفاعل. وقرأه أبو جعفر بدون ألف بصيغة مثال المبالغة.
وجملة {هُمْ وأزْواجُهُمْ في ظِلالٍ} إلى آخرها واقعة موقع البيان لجملة {إنَّ أصحابَ الجَنَّةِ} الخ. والمراد بأزواجهم: الأزواج اللاتي أُعِدّت لهم في الجنة. ومنهن من كُنَّ أزواجاً لهم في الدنيا إن كنّ غير ممنوعات من الجنة قال تعالى: {جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} [الرعد: 23].
والظلال قرأه الجمهور بوزن فِعال بكسر أوله على أنه جمع ظلّ، أي ظلّ الجنات. وقرأه حمزة والكسائي وخلف {ظُلَل} بضم الظاء وفتح اللام جمع (ظُلة) وهي ما يظل كالقِباب. وجمع الظلال على القراءتين لأجل مقابلته بالجمع وهم أصحاب الجنة، فكلّ منهم في ظل أو في ظلة.
و {الأرائك}: جمع أريكة، والأريكة: اسم لمجموع السرير والحَجَلة، فإذا كان السرير في الحَجَلة سمي الجميع أريكة. وهذا من الكلمات الدالة على شيء مركب من شيئين مثل المائدة اسم للخِوان الذي عليه طعام.
والاتكاء: هيئة بين الاضطجاع والجلوس وهو اضطجاع على جنب دون وضع الرأس والكتف على الفراش. وهو افتعال من وكأ المهموز، إذا اعتمد، أبدلت واوه تاء كما أبدلت في تُجاه وتُراث، وأخذ منه فعل اتكأ لأن المتّكئ يشد قعدته ويرسخها بضرب من الاضطجاع.
والاسم منه التُّكَأة بوزن هُمَزة، وهو جلوس المتطلب للراحة والإِطالة وهو جلسة أهل الرفاهية، وقد تقدم عند قوله تعالى: {وأعتدت لهن متكأ} في سورة يوسف (31). وكان المترفهون من الأمم المتحضرة يأكلون متّكئين كان ذلك عادة سادة الفرس والروم ومن يتشبه بهم من العرب ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم «أمَّا أنا فلا آكل متكئاً» وذلك لأن الاتكاء يعين على امتداد المعدة فتقبل زيادة الطعام ولذلك كان الاتكاء في الطعام مكروهاً للإِفراط في الرفاهية. وأما الاتكاء في غير حال الأكل فقد اتكأ النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه كما في حديث ضِمام بن ثعلبة وافِد بني سعد بن بكر: أنه دخل المسجد فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: «هو ذلك الأزهر المتكئ».
والفاكهة: ما يؤكل للتلذذ لا للشبع كالثمار والنقول وإنما خصت بالذكر لأنها عزيزة النوال للناس في الدنيا ولأنها استجلبها ذكر الاتكاء لأن شأن المتكئين أن يشتغلوا بتناول الفواكه.
ثم عَمم ما أعد لهم بقوله: {ولهم ما يدَّعُونَ} و{يَدَّعُونَ} يجوز أن يكون متصرفاً من الدعاء أو من الادعاء، أي ما يَدْعون إليه أو ما يدَّعون في أنفسهم أنه لهم بإلهام إلهي. وصيغ له وزن الافتعال للمبالغة، فوزن {يَدَّعُونَ} يفتعلون. أصله يدتَعيُون نقلت حركة الياء إلى العين طلباً للتخفيف لأن الضم على الياء ثقيل بعد حذف حركة العين فبقيت الياء ساكنة وبعدها واو الجماعة لأنه مفيد معنَى الإِسنادِ إلى الجمع.
وهذا الافتعال لك أن تجعله من (دعا)، والافتعال هنا يجعل فعل (دعا) قاصراً فينبغي تعليق مجرور به. والتقدير: ما يدعون لأنفسهم، كقول لبيد:
فاشتوى ليلة ريح واجتمل ***
اشتوى إذا شوى لنفسه واجتمل إذا جمل لنفسه، أي جمع الجميل وهو الشحم المذاب وهو الإِهالة.
وإن جعلته من الادعاء فمعناه: أنهم يدعون ذلك حقاً لهم، أي تتحدث أنفسهم بذلك فيؤول إلى معنى: ويتمنون في أنفسهم دون احتياج إلى أن يسألوا بالقول فلذلك قيل معنى {يَدَّعُونَ} يتمنون. يقال: ادع عليّ ما شئت، أي تمنّ عليّ، وفلان في خير ما ادّعى، أي في خير ما يتمنى، ومنه قوله تعالى: {ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون} في سورة فصِّلت (31).
{سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)}
استئناف قطع عن أن يعطف على ما قبله للاهتمام بمضمونه، وهو الدلالة على الكرامة والعناية بأهل الجنة من جانب القدس إذ يوجه إليهم سلام الله بكلام يعرفون أنه قول من الله: إمّا بواسطة الملائكة، وإما بخلق أصوات يُوقنون بأنها مجعولة لأجل إسماعهم كما سمع موسى كلام الله حين ناداه من جانب الطور من الشجرة فبعد أن أخبر بما حباهم به من النعيم مشيراً إلى أصول أصنافه، أخبر بأن لهم ما هو أسمى وأعلى وهو التكريم بالتسليم عليهم قال تعالى: {ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72].
و {سَلامٌ} مرفوع في جميع القراءات المشهورة. وهو مبتدأ وتنكيره للتعظيم ورفعه للدلالة على الدوام والتحقق، فإن أصله النصب على المفعولية المطلقة نيابة عن الفعل مثل قوله: {فقالوا سلاماً} [الذاريات: 25]. فلما أريدت الدلالة على الدوام جيء به مرفوعاً مثل قوله: {قال سلام} [هود: 69]، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {الحَمدُ لله رَبّ العالمين} [الفاتحة: 2].
وحذف خبر {سَلامٌ} لنيابة المفعول المطلق وهو قوله {قَوْلاً} عن الخبر لأن تقديره: سلام يقال لهم قولاً من الله، والذي اقتضى حذف الفعل ونيابة المصدر عنه هو استعداد المصدر لقبول التنوين الدال على التعظيم، والذي اقتضى أن يكون المصدر منصوباً دون أن يؤتى به مرفوعاً هو ما يشعر به النصب من كون المصدر جاء بدلاً عن الفعل.
و {من} ابتدائية. وتنوين {رَّبّ} للتعظيم، ولأجل ذلك عدل عن إضافة {رب} إلى ضميرهم، واختير في التعبير عن الذات العلية بوصف الرب لشدة مناسبته للإِكرام والرضى عنهم بذكر أنهم عبدوه في الدنيا فاعترفوا بربوبيته.
{وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)}
يجوز أن يكون عطفاً على جملة {إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليوم في شُغُللٍ فاكِهُونَ} [يس: 55] ويجوز أن يعطف على {سَلامٌ قَوْلاً} [يس: 58]، أي ويقال: امتازوا اليوم أيها المجرمون، على الضد مما يقال لأصحاب الجنة. والتقدير: سلام يقال لأهل الجنة قولاً، ويقال للمجرمين: امتازوا، فتكون من توزيع الخطابين على مخاطَبيْن في مقام واحد كقوله تعالى: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك} [يوسف: 29].
وامتاز مطاوع مَازه، إذا أفرده عما كان مختلطاً معه، وُجِّه الأمر إليهم بأن يمتازُوا مبالغة في الإِسراع بحصول الميز لأن هذا الأمر أمر تكوين فعبر عن معنى. فيكونُ الميز بصوغ الأمر من مادة المطاوعة، فإن قولك: لتنكَسِرْ الزجاجةُ أشد في الإِسراع بحصول الكسر فيها من أن تقول: اكسروا الزجاجة. والمراد: امتيازهم بالابتعَاد عن الجنة، وذلك بأن يصيروا إلى النار فيؤول إلى معنى: ادخلوا النار. وهذا يقتضي أنهم كانوا في المحشر ينتظرون ماذا يفعل بهم كما أشرنا إليه عند قوله تعالى آنفاً: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} [يس: 55]، فلما حُكي ما فيه أصحاب الجنة من النعيم حين يقال لأصحاب النار: {فاليوم لا تظلم نفس شيئاً} [يس: 54]، حُكي ذلك ثم قيل للمشركين {وامتازوا اليوم أيُّها المُجرمون}.
وتكرير كلمة {اليَوْمَ} ثلاث مرات في هذه الحكاية للتعريض بالمخاطبين فيه وهم الكفار الذين كانوا يجحدون وقوع ذلك اليوم مع تأكيد ذكره على أسماعهم بقوله: {فاليوم لا تُظلمُ نفسٌ} [يس: 54] وقوله: {إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليومَ في شُغُل} [يس: 55] وقوله: {امتازوا اليوم أيها المجرمون}.
ونداؤهم بعنوان: {المجرمون} للإِيماء إلى علة ميزهم عن أهل الجنة بأنهم مجرمون، فاللام في {المُجْرِمُونَ} موصولة، أي أيها الذين أجرموا.
{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62)}
إقبال على جميع البشر الذين جَمَعهم المحشر غير أهل الجنة الذين عُجلوا إلى الجنة، فيشمل هذا جميع أهل الضلالة من مشركين وغيرهم، ولعله شامل لأهل الأعراف، وهو إشهاد على المشركين وتوبيخ لهم.
والاستفهام تقريري، وخوطبوا بعنوان {بني آدم} لأن مقام التوبيخ على عبادتهم الشيطان يقتضي تذكيرهم بأنهم أبناء الذي جعله الشيطان عدوّاً له، كقول النابغة:
لئن كان للقبرين قبرٍ بجلق *** وقبر بصيدا الذي عند حارب
وللحارث الجفني سيد قومه *** ليلتمس بالجيش دار المحارب
يعني بلاد من حارب أصوله.
والعهد: الوصاية، ووصاية الله بني آدم بألا يعبدوا الشيطان هي ما تقرر واشتهر في الأمم بما جاء به الرسل في العصور الماضية فلا يسع إنكاره. وبهذا الاعتبار صح الإِنكار عليهم في حالهم الشبيهة بحال من يجحد هذا العهد.
واعلم أن في قوله تعالى: {أعْهَدْ} توالي العين والهاء وهما حرفان متقاربا المخرج من حروف الحلق إلاّ أن تواليهما لم يحدث ثقلاً في النطق بالكلمة ينافي الفصاحة بموجب تنافر الحروف لأن انتقال النطق في مخرج العين من وسط الحلق إلى مخرج الهاء من أقصى الحلق خفف النطق بهما، وكذلك الانتقال من سكون إلى حركة زاد ذلك خفة. ومثله قوله تعالى: {وسبحه} [الإنسان: 26] المشتمل على حاء وهي من وسط الحلق وهاء وهي من أقصاه إلا أن الأولى ساكنة والثانية متحركة وهما متقاربا المخرج، ولا يعد هذا من تنافر الحروف، ومثل له بقول أبي تمام:
كريم متى أمْدَحْهُ أُمْدَحْهُ والورى *** معي وإذا ما لمته لمته وحدي
فإن كلمة (أمْدَحْه) لا تُعَدّ متنافرة الحروف على أن تكريرها أحدث عليها ثقلاً ما فلا يكون ذلك مثل قول امرئ القيس:
غدائرهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إلى العُلى ***
المجعول مثالاً للتنافر فإن تنافر حروفه انجرّ إليه من تعاقب ثلاثة حروف: السين والشين والزاي، ولولا الفصل بين السين والشين بالتاء لكان أشد تنافراً.
وموجبات التنافر كثيرة ومرجعها إلى سرعة انتقال اللسان في مخارج حروف شديدة التقارب أو التباعد مع عوارض تعرض لها من صفات الحروف من: جهر وهمس، أو شدة ورخو، أو استعلاء واستفال، أو انفتاح وانطباق، أو إصمات وانذلاق. ومن حركاتها وسكناتها وليس لذلك ضابط مطرد ولكنه مما يُرجع فيه إلى ذوق الفصحاء. وقد حاول ابن سِنان الخفاجي إرجاعه إلى تقارب مخارج الحروف فردّه ابن الأثير عليه بما لا مخلص منه.
وإذا اقتضى الحال من حقّ البلاغة إيثار كلمة بالذكر إذ لا يعدِلُها غيرها فعرض من تصاريفها عارض ثقل لا يكون حقُّ مقتضى الحال البلاغي موجباً إيرادها.
و {أنْ} تفسيرية، فسرت إجمال العهد لأن العهد فيه معنى القول دون حروفه ف {أَنْ} الواقعة بعده تفسيرية.
وعبادة الشيطان: عبادة ما يأمر بعبادته من الأصنام ونحوها.
وجملة {لكُم عدوٌّ مُبِينٌ} تعليل لجملة {لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ} وقد أغنت {أن} عن فاء السببية كما تقدم غير مرة.
و {مُبِينٌ} اسم فاعل من أبان بمعنى بان للمبالغة، أي عداوته واضحة، ووجه وضوحها أن المرء إذا راقب عواقب الأعمال التي توسوسها له نفسه واتهمها وعرضها على وصايا الأنبياء والحكماء وجدها عواقب نحسة، فوضح له أنها من الشيطان بالوسوسة وأن الذي وسوس بها عدوّ له لأنه لو كان ودوداً لما أوقعه في الكوارث ولا يظن به الإِيقاع في ذلك عن غير بصيرة لأن تكرر أمثال تلك الوساوس للمرء ولأمثاله ممن يبوح له بأحواله يدل ذلك التكرر على أنها وساوس مقصودة للإِيقاع في المهالك فعلم أن المشير بها عدوّ ألد، ولعل هذا المعنى هو المشار إليه بقوله تعالى: {ولقد أضلَّ مِنكم جِبلاً كثِيراً أفَلَم تكُونوا تَعْقِلون}.
وجملة {وأننِ اعْبُدُوني} عطف على {أن لا تعْبُدُوا الشَّيْطانَ} بإعادة {أن} التفسيرية فهما جملتان مفسرتان لعهدين.
وعدل عن الإِتيان بصيغة قصر لأن في الإِتيان بهاتين الجملتين زيادة فائدة لأن من أهل الضلالة الدهريين والمعطلين فهم وإن لم يعبدوا الشيطان ولكنهم لم يعبدوا الله فكانوا خاسئين بالعهد.
والإِشارة في قوله: {هذا صِراطٌ مستقيم} للعهد المفهوم من فعل {أعْهَد} أو للمذكور في «تفسيره» من جملتي {لا تعبدوا الشيطان} {وأننِ اعْبُدُوني}، أي هذا المذكور صراط مستقيم، أي كالطريق القويم في الإِبلاغ إلى المقصود. والتنوين للتعظيم.
وقوله تعالى: {ولقد أضَلَّ مِنكم جِبِلاً كثيراً} عطف على {إنَّهُ لكم عدوٌّ مبين} فعداوته واضحة بدليل التجربة فكانت علة للنهي عن عبادة ما يأمرهم بعبادتهم.
والمعنى: إن عداوته واضحة وضوح الصراط المستقيم لأنها تقررت بين الناس وشهدت بها العصور والأجيال فإنه لم يزل يُضلّ الناس إضلالاً تواتر أمره وتعذر إنكاره.
والجِبِلّ: بكسر الجيم وكسر الموحدة وتشديد اللام كما قرأه نافع وعاصم وأبو جعفر. وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بضم الجيم وضم الباء الموحدة وتخفيف اللام. وقرأه ابن عامر وأبو بكر بضم الجيم وسكون الباء.
والجبلّ: الجمع العظيم، وهو مشتق من الجَبْل بسكون الباء بمعنى الخلق. وفرع عليه توبيخهم بقلة العقول بقوله: {أفَلَم تكونوا تَعْقِلونَ}، فالاستفهام إنكاري عن عدم كونهم يعقلون، أي يدركون، إذ لو كانوا يعقلون لتفطنوا إلى إيقاع الشيطان بهم في مهاوي الهلاك. وزيادة فعل الكون للإِيماء إلى أن العقل لم يتكون فيهم ولا هم كائنون به.
{هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64)}
إقبال على خطاب الذين عبدوا معبودات يسوّلها لهم الشيطان، إذ تبدو لهم جهنم بحيث يشار إليها ويعرفون أنها هي جهنّم التي كانوا في الدنيا يُنذرون بها وتُذكر لهم في الوعيد مدة الحياة. والأمر بقوله: {اصلَوْهَا} مستعمل في الإِهانة والتنكير.
و {اصلوها} أمر من صلي يصلى، إذا استدفأ بحرّ النار، وإطلاق الصلْي على الإِحراق تهكّم.
والتعريف في {اليومَ} تعريف العهد، أي هذا اليوم الحاضر وأريد به جواب ما كانوا يقولون في الحياة الدنيا من استبطاء الوعد والتكذيب إذ يقولون {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [يونس: 48].
والباء في {بِما كنتم تَكْفُرونَ} سببية، أي بسبب كفركم في الدنيا.
{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)}
الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وقوله: {اليَوْمَ} ظرف متعلق ب {نَخْتِمُ}.
والقول في لفظ {اليوم} كالقول في نظائره الثلاثة المتقدمة، وهو تنويه بذكره بحصول هذا الحال العجيب فيه، وهو انتقال النطق من موضعه المعتاد إلى الأيدي والأرجل.
وضمائر الغيبة في {أفواههم أيديهم أرجلهم يكسبون عائدة على الذين خوطبوا بقوله: {هذه جهنَّمُ التي كُنتم تُوعَدُون} [يس: 63] على طريقة الالتفات. وأصل النظم: اليوم نختم على أفواهكم وتكلمنا أيديكم وتشهد أرجلكم بما كنتم تكسبون. ومواجهتهم بهذا الإِعلام تأييس لهم بأنهم لا ينفعهم إنكار ما أُطلعوا عليه من صحائف أعمالهم كما قال تعالى: {إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} [الإسراء: 14].
وقد طوي في هذه الآية ما ورد تفصيله في آي آخر فقد قال تعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 2223] وقال: {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين} [يونس: 2829].
وفي «صحيح مسلم» عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يخاطب العبد ربّه يقول: يا رب ألم تُجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول الله: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، فيُخْتم على فيه. فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله ثم يخلّى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكنَّ وسُحْقاً فعنكُنّ كنتُ أناضل " وإنما طُوِي ذكر الداعي إلى خطابهم بهذا الكلام لأنه لم يتعلق به غرض هنا فاقتصر على المقصود.
وقد يخيل تعارض بين هذه الآية وبين قوله: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} [النور: 24]. ولا تعارض لأن آية يس في أحوال المشركين وآية سورة النور في أحوال المنافقين. والمراد بتكلم الأيدي تكلمها بالشهادة، والمراد بشهادة الأرجل نطقها بالشهادة، ففي كلتا الجملتين احتباك. والتقدير: وتكلمنا أيديهم فتشهد وتكلمنا أرجلهم فتشهد.
ويتعلق {بِمَا كانُوا يَكْسِبون} بكل من فعلي {تكلمنا وتشهد} على وجه التنازع. وما يكسبونه: هو الشرك وفروعه. وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما ألحقوا به من الأذى.
{وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67)}
عطف على جملة {ويقولون متى هذا الوعد} [يس: 48]. وموقع هاتين الآيَتَين من التي قبلهما أنه لما ذكر الله إلجاءهم إلى الاعتراف بالشرك بعد إنكاره يوم القيامة كان ذلك مثيراً لأن يهجس في نفوس المؤمنين أن يتمنوا لو سلك الله بهم في الدنيا مِثل هذا الإِلجاء فألجأهم إلى الإِقرار بوحدانيته وإلى تصديق رسوله واتباع دينه، فأفاد الله أنه لو تعلقت إرادته بذلك في الدنيا لفعل، إيماء إلى أن إرادته تعالى تجري تعلقاتها على وفق علمه تعالى وحكمته. فهو قد جعل نظام الدنيا جارياً على حصول الأشياء عن أسبابها التي وكل الله إليها إنتاج مسبباتها وآثارها وتوالداتِها حتى إذا بَدَّل هذا العالم بعالم الحقيقة أجرى الأمور كلها على المهيع الحق الذي لا ينبغي غيره في مجاري العقل والحكمة. والمعنى أنّا ألجأناهم إلى الإِقرار في الآخرة بأن ما كانوا عليه في الدنيا شرك وباطل ولو نشاء لأريناهم آياتنا في الدنيا ليرتدعوا ويرجعوا عن كفرهم وسوء إنكارهم.
ولما كانت {لو} تقتضي امتناعاً لامتناع فهي تقتضي معنى: لكنّا لم نشأ ذلك فتركناهم على شأنهم استدراجاً وتمييزاً بين الخبيث والطيّب. فهذا كلام موجه إلى المسلمين ومراد منه تبصرة المؤمنين وإرشادهم إلى الصبر على ما يلاقونه من المشركين حتى يأتي نصر الله.
فالطمس والمسخ المعلقان على الشرط الامتناعي طمس ومسخ في الدنيا لا في الآخرة. والطمس: مسخ شواهد العين بإزالة سوادها وبياضها أو اختلاطهما وهو العمى أو العَور، ويقال: طريق مطموسة، إذا لم تكن فيها آثار السائرين ليقْفُوَهَا السائر. وحرف الاستعلاء للدلالة على تمكن الطمس وإلا فإن طَمسَ يتعدى بنفسه.
والاستباق: افتعال من السبق والافتعال دال على التكلف والاجتهاد في الفعل أي فبادروا.
و {الصراط}: الطريق الذي يُمشى فيه، وتعدية فعل الاستباق إليه على حذف (إلى) بطريقة الحذف والإِيصال، قال الشاعر وهو من شواهد الكتاب:
تَمرُّون الديار ولم تَعُوجُوا
أراد: تمرون على الديار.
أو على تضمين «استبقوا» معنى ابتدروا، أي ابتدروا الصراط متسابقين، أي مسرعين لِما دهمهم رجاءَ أن يصلوا إلى بيوتهم قبل أن يهلكوا فلم يبصروا الطريق. وتقدم قوله تعالى: {إنا ذهبنا نستبق} في سورة يوسف} (17).
و«أنَّى» استفهام بمعنى (كيف) وهو مستعمل في الإِنكار، أي لا يبصرون وقد طمست أعينهم، أي لو شئنا لعجلنا لهم عقوبة في الدنيا يرتدعون بها فيقلعوا عن إشراكهم.
والمسخ: تصيير جسم الإِنسان في صورة جسم من غير نوعه، وقد تقدم القول فيه عند قوله تعالى: {فقلنا لهما كونوا قِرَدة خاسئين} في سورة البقرة} (65).
وعن ابن عباس أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام وعليه فلا شيء من الأشياء الموجودة الآن ببقية مسخ.
والمكانة: تأنيث المكان على تأويله بالبقعة كما قالوا: مقام ومقامة، ودار ودارة، أي لو نشاء لمسخنا الكافرين في الدنيا في مكانهم الذي أظهروا فيه التكذيب بالرسل فما استطاعوا انصرافاً إلى ما خرجوا إليه ولا رجوعاً إلى ما أتوا منه بل لزموا مكانهم لزوال العقل الإِنساني منهم بسبب المسخ.
وكان مقتضى المقابلة أن يقال: ولا رجوعاً، ولكن عدل إلى {ولا يرجِعُونَ} لرعاية الفاصلة فجعل قوله {ولاَ يَرْجِعُونَ} عطفاً على جملة «ما استطاعوا» وليس عطفاً على {مُضِيّاً} لأن فعل استطاع لا ينصب الجمل. والتقدير: فما مضَوْا ولا رجعوا فجعلنا لهم العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة وأرحنا منهم المؤمنين وتركناهم عبرة وموعظة لمن بعدهم.
{وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)}
قد يلوح في بادئ الرأي أن موقع هذه الآية كالغريب عن السياق فيظن ظانّ أنها كلام مستأنف انتقل به من غرض الحديث عن المشركين وأحوالهم والإِملاء لهم إلى التذكير بأمر عجيب من صنع الله حتى يخال أن الذي اقتضى وقوع هذه الآية في هذا الموقع أنها نزلت في تِباع نزول الآيات قبلها لسبب اقتضى نزولها.
فجعل كثير من المفسرين موقعها موقع الاستدلال على أن قدرة الله تعالى لا يستصعب عليها طمس أعينهم ولا مسخهم كما غيّر خلقة المعمرين من قوة إلى ضعف، فيكون قياس تقريب من قبيل ما يسمى في أصول الفقه بالقياس الخَفيّ وبالأدْوَن، فيكون معطوفاً على علة مقدرة في الكلام كأنه قيل: لو نشاء لطمسنا الخ لأنا قادرون على قلب الأحوال، ألا يرون كيف نقلب خلق الإِنسان فنجعله على غير ما خلقناه أولاً. وبعد هذا كله فموقع واو العطف غير شديد الانتظام. وجعلها بعض المفسرين واقعة موقع الاستدلال على المكان البعيد، أي أن الذي قدر على تغيير خلقهم من شباب إلى هرم قادر على أن يبعثهم بعد الموت فهو أيضاً قياس تقريب بالخفيّ وبالأدون.
ومنهم من تكلم عليها معرضاً عما قبلها فتكلموا على معناها وما فيها من العبرة ولم يبيّنوا وجه اتصالها بما قبلها. ومنهم من جعلها لقطع معذرة المشركين في ذلك اليوم أن يقولوا: ما لبثنا في الدنيا إلاّ عمراً قليلاً ولو عُمِّرنا طويلاً لما كان منا تقصير، وهو بعيد عن مقتضى قوله: {نَنْكُسْهُ في الخَلْقِ}. وكل هذه التفاسير تحوم حول جعل الخلق بالمعنى المصدري، أي في خلقته أو في أثر خلقه.
وكل هذه التفسيرات بعيد عن نظم الكلام، فالذي يظهر أن الذي دفع المفسرين إلى ذلك هو ما ألِفه الناس من إطلاق التعمير على طول عمر المُعمّر، فلما تأولوه بهذا المعنى ألحقوا تأويل {نَنْكُسْهُ في الخَلْقِ} على ما يناسب ذلك.
والوجه عندي أن لكون جملة {ومَن نُعَمِرهُ} عطفاً على جملة {ولو نشَاءُ لمَسخْناهُم على مكانتِهم} [يس: 67] فهي جملة شرطية عطفت على جملة شرطية، فالمعطوف عليها جملة شرط امتناعي والمعطوفة جملة شرط تعليقي، والجملة الأولى أفادت إمهالهم والإِملاء لهم، والجملة المعطوفة أفادت إنذارهم بعاقبة غير محمودة ووعيدَهم بحلولها بهم، أي إن كنا لم نمسخهم ولم نطمس على عيونهم فقد أبقيناهم ليكونوا مغلوبين أذلة، فمعنى {ومَن نُّعَمِرْهُ} من نعمره منهم.
فالتعمير بمعنى الإبقاء، أي من نُبْقِيه منهم ولا نستأصله منهم، أي من المشركين فجعله بين الأمم دليلاً، فالتعمير المرادُ هنا كالتعمير الذي في قوله تعالى: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} [فاطر: 37]، بأن معناها: ألم نبقكم مدة من الحياة تكفي المتأمل وهو المقدر بقوله: {ما يتذكر فيه من تذكر}.
وليس المراد من التعمير فيها طول الحياة وإدراك الهرم كالذي في قولهم: فلان من المُعَمَّرين، فإن ذلك لم يقع بجميع أهل النار الذين خوطبوا بقوله: {أولم نعمركم. وقد طويت في الكلام جملة تقديرها: ولو نشاء لأهلكناهم، يدل عليها قوله: ومن نعمره} أي نبقه حياً.
والنكس: حقيقته قلب الأعلى أسفل أو ما يقرب من الأسفل، قال تعالى: {ناكسوا رؤوسهم} [السجدة: 12]. ويطلق مجازاً على الرجوع من حال حسنة إلى سيئة، ولذلك يقال: فلان نكِس، إذا كان ضعيفاً لا يرجى لنجدة، وهو فَعِل بمعنى مفعول كأنه منكوس في خلائق الرجولة، ف {ننكسْهُ} مجاز لا محالة إلا أنا نجعله مجازاً في الإِذلال بعد العزة وسوء الحالة بعد زهرتها.
و {الخلق}: مصدر خلقه، ويطلق على المخلوق كثيراً وعلى الناس. وفي حديث عائشة عن الكنيسة التي رأتها أم سلمة وأم حبيبة بالحبشة قال النبي صلى الله عليه وسلم «وأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» أي شرار الناس.
ووقوع حرف {في} هنا يعين أن الخلق هنا مراد به الناس، أي تجعله دليلاً في الناس وهو أليق بهذا المعنى دون معنى في خلقته لأن الإِنكاس لا يكون في أصل الخلقة وإنما يكون في أطوارها، وقد فسر بذلك قوله تعالى: {وزادكم في الخلق بسطة} [الأعراف: 69] أي زادكم قوة وسعة في الأمم، أي في الأمم المعاصرة لكم، فهو وعيد لهم ووعد للمؤمنين بالنصر على المشركين ووقوعهم تحت نفوذ المسلمين، فإن أولئك الذين كانوا رؤوساً للمشركين في الجاهلية صاروا في أسر المسلمين يوم بدر وفي حكمهم يوم الفتح فكانوا يُدْعَون الطلقاء.
وقرأ الجمهور: {نَنْكُسْه بفتح النون الأولى وسكون النون الثانية وضمّ الكاف مخففة وهو مضارع نكس المتعدّي، يقال: نكس رأسه. وقرأه عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح النون الثانية وكسر الكاف مشددة مضارع نكس المضاعف.
وفرّع على الجمل الشرطية الثلاث وما تفرع عليها قوله: أفَلاَ يَعْقِلُونَ} استئنافاً إنكارياً لعدم تأملهم في عظيم قدرة الله تعالى الدالة على أنه لو شاء لطمَس على أعينهم ولو شاء لمسخهم على مكانتهم، وأنه إن لم يفعل ذلك فإنهم لا يسلمون من نصره المسلمين عليهم لأنهم لو قاسوا مقدورات الله تعالى المشاهدة لهم لعلموا أن قدرته على مسخهم فما دونه من إنزال مكروه بهم أيسر من قدرته على إيجاد المخلوقات العظيمة المتقنة وأنه لا حائل بين تعلق قدرته بمسخهم إلا عدم إرادته ذلك لحكمة علمها فإن القدرة إنما تتعلق بالمقدورات على وفق الإرادة.
وقرأ نافع وابن ذكوان عن أبي عامر وأبو جعفر {أَفَلا تَعْقلُونَ} بتاء الخطاب وهو خطاب للذين وجه إليهم قوله: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم} [يس: 66] الآية. وقرأ الباقون بياء الغيبة لأن تلك الجمل الشرطية لا تخلو من مواجهة بالتعريض للمتحدث عنهم فكانوا أحرياء أن يعقلوا مغزاها ويتفهموا معناها.
{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)}
هذه الآية ترجع إلى ما تضمنه قوله تعالى: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} [يس: 46] فقد بيّنا أن المراد بالآيات آيات القرآن، فإعراضهم عن القرآن له أحوالٌ شتى: بعضها بعدم الامتثال لما يأمرهم به من الخير مع الاستهزاء بالمسلمين وهو قوله تعالى: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله} [يس: 47] الآية، وبعضها بالتكذيب لما يُنذِرهم به من الجزاء، وهو قوله: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [يس: 48]. ومن إعراضهم عنه طعنُهم في آيات القرآن بأقوال شتّى منها قولهم: هو قول شاعر، فلما تصدّى القرآن لإِبطال تكذيبهم بوعيد بالجزاء يوم الحشر بما تعاقب من الكلام على ذلك عاد هنا إلى طعنهم في ألفاظ القرآن من قولهم: {بل افتراه بل هو شاعر} [الأنبياء: 5]، فقولهم {بل هو شاعر يقتضي لا محالة أنهم يقولون: القرآن شعر.
فالجملة معطوفة على جملة {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [الأنبياء: 38]، عطف القصة على القصة والغرضضِ على الغرضضِ. ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ويكون الواو للاستئناف، ولذلك اقتصر هنا على تنزيه القرآن عن أن يكون شعراً والنبي صلى الله عليه وسلم عن أن يكون شاعراً دون التعرض لتنزيهه عن أن يكون ساحراً، أو أن يكون مجنوناً لأن الغَرض الرد على إعراضهم عن القرآن، ألا ترى أنه لما قصد إبطال مقالات لهم في القرآن قال في الآية الأخرى: {وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون} [الحاقة: 41، 42].
وضمير {عَلَّمْناهُ} عائد إلى معلوم من مقام الردّ وليس عائداً إلى مذكور إذ لم يتقدم له معاد.
وبني الرد عليهم على طريقة الكناية بنفي تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الشعر لما في ذلك من إفادة أن القرآن معلَّم للنبيء صلى الله عليه وسلم من قِبَل الله تعالى وأنه ليس بشعر وأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر. وانتصب {الشّعْرَ} على أن مفعول ثاننٍ لفعل {عَلَّمْناهُ}، وهذا الفعل من أفعال العلم، ومُجرَّدُه يتعدّى إلى مفعول واحد غالباً نحو عَلِم المسألةَ. ويتعدّى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فإذا دخله التضعيف صار متعدياً إلى مفعولين فقط اعتداداً بأن مجرده متعدّ إلى واحد كقوله تعالى: {وإذ علمتك الكتاب والحكمة} [المائدة: 110] في سورة العقود، وقوله: {وما علَّمناهُ الشعر} في هذه السورة يس وهذه تفرقة في الاستعمال موكولة إلى اختيار أهل اللسان نبّه عليه الرضيّ في «شرح الكافية» في باب تعدية أفعال القلوب إلى مفعولين بأن أصله متعدّ إلى واحد. فتقدير المعنى: نحن علمناه القرآن وما علمناه الشعر، فالقرآن موحىً إليه بتعليم من الله والذي أوحى به إليه ليس بشعر، وإذن فالمعنى: أن القرآن ليس من الشعر في شيء، فكانت هاته الجملة ردّاً على قولهم: هو شاعر على طريقة الكناية لأنها انتقال من اللازم إلى الملزوم.
ودل على أن هذا هو المقصود من قوله: {وما علمناهُ الشعر} قوله عقبه {إن هُوَ إلاَّ ذِكرٌ وقُرءانٌ مبين}، أي ليس الذي علمناه إياه إلا ذكراً وقرآناً وما هو بشعر. والتعليم هنا بمعنى الوحي، أي وما أوحينا إليه الشعر فقد أطلق التعليم على الوحي في قوله تعالى: {إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى} [النجم: 4، 5] وقال: {وعلمك ما لم تكن تعلم} [النساء: 113].
وكيف يكون القرآن شعراً والشعر كلام موزون مقفّى له معان مناسبة لأغراضه التي أكثرها هزل وفكاهة، فأين الوزن في القرآن، وأين التقفية، وأين المعاني التي ينتجها الشعراء، وأين نظم كلامهم من نظمه، وأساليبهم من أساليبه. ومن العجيب في الوقاحة أن يصدر عن أهل اللسان والبلاغة قول مثل هذا ولا شبهة لهم فيه بحال، فما قولهم ذلك إلا بهتان.
وما بني عليه أسلوب القرآن من تساوي الفواصل لا يجعلها موازية للقوافي كما يعلمه أهل الصناعة منهم وكل من زاول مبادئ القافية من المولدين، ولا أحسبهم دَعوهُ شعراً إلا تعجلاً في الإِبطال، أو تمويهاً على الإِغفال، فأشاعوا في العرب أن محمداً صلى الله عليه وسلم شاعر، وأن كلامه شعر. وينبَني عن هذا الظن خبر أنيس بن جُنَادة الغفاري أخي أبي ذرّ، فقد روى البخاري عن ابن عباس، ومسلم عن عبد الله بن الصامت، يزيد أحدهما على الآخر قالا: «قال أبو ذر لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء واستمع من قوله ثم ائتني، فانطلقَ الأخ حتى قدم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاماً ما هو بالشعر. قال أبو ذر: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر كاهن، ساحر. وكان أُنيس أحد الشعراء، قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون» ثم اقتص الخبر عن إسلام أبي ذر، ويظهر أن ذلك كان في أول البعثة.
ومثله خبر الوليد بن المغيرة الذي رواه البيهقي وابن إسحاق «أنه جمع قريشاً عند حضور الموسم ليتشاوروا في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إن وفود العَرب ترد عليكم فأجمعوا فيه رأياً لا يُكذب بعضكم بعضاً، فقالوا: نقول كاهن؟ فقال: والله ما هو بكاهن، ما هو بزمزمته ولا بسجعه، قالوا: نقول مجنون؟ فقال: والله ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا وسوسته، فذكر ترددهم في وصفه إلى أن قالوا: نقول شاعر؟ قال: ما هو بشاعر، قد عرفت الشعر كله رجزَه وهزجَه وقريضه ومبسوطَه ومقبوضه وما هو بشاعر. إلى آخر القصة
فمعنى (وما علمناه الشعر): وما أوحينا إليه شعرا علمناه إياه
وليس المراد أن الله لم يجعل في طبع النبي القدرة على نظم الشعر لأن تلك المقدرة لا تسمى تعليما حتى تنفى وإنما يستفاد هذا المعنى من قوله بعده (وما ينبغي له) وسنتكلم عليه قريبا
وقد اقتضت الآية نفي أن يكون القرآن شعرا وهذا الاقتضاء قد أثار مطاعن للملحدين ومشاكل للمخلصين وإذ وجدت فقرات قرآنية استكملت ميزان بحور من البحور الشعرية بعضها يلتئم منه بيت كامل وبعضها يتقوم منه مصراع واحد ولا تجد أكثر من ذلك فهذا يلزم منه وقوع الشعر. في آي القرآن
صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام وقد أثار الملاحدة هذا المطعن فلذلك تعرض أبو بكر الباقلاني إلى دحضه في كتابه إعجاز القرآن وتبعه السكاكي وأبو بكر بن العربي فأما الباقلاني فانفرد برد قال فيه: إن البيت المفرد لا يسمى شعرا بله المصراع الذي لا يكمل به بيت. وأرى هذا غير كاف هنا لأنه لا يستطاع نفي مسمى الشعر عن المصراع وأولى عن وقال السكاكي في آخر مبحث رد المطاعن عن القرآن من كتاب مفتاح العلوم «إنهم يقولون أنتم في دعواكم أن القرآن كلام الله وقد علمه محمدا صلى الله عليه وسلم على أحد أمرين: إما أن الله تعالى جاهل لا يعلم ما الشعر وإما أن الدعوى باطلة وذلك أن في قرآنكم (وما علمناه الشعر) وأنه يستدعي أن لا يكون فيما علمه شعر»
ثم إن في القرآن من جميع البحور شعرا: فمن الطويل من صحيحه (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
ومن مخرومه (منها خلقناكم وفيها نعيدكم)
ومن بحر المديد (واصنع الفلك بأعيننا)
ومن بحر الوافر (ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين)
ومن بحر الكامل: (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)
ومن بحر الهجز من مخرومه: (تالله لقد آثرك الله علينا)
ومن بحر الرجز (دانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا)
ومن بحر الرمل (وجفان كالجواري وقدرو راسيات) ونظيره (ورفعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك)
ومن بحر المنسرح (إنا خلقنا الإنسان من نطفة)
ومن بحر الخفيف (أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم) ومنه (لا يكادون يفقهون حديثا) ونحوه (قال يا قوم هؤلاء بناتي)
ومن بحر المضارع من مخرومه (يوم التناد يوم تولون مدبرين)
ومن بحر المقتضب (في قلوبهم مرض)
ومن بحر المتقارب (وأملي لهم إن كيدي متين)
فيقال لهم من قبل النظر فيها أوردوه: هل حرفوا بزيادة أو نقصان حركة أو حرفا أم لا. وقبل أن ننظر هل راعوا أحكام علم العروض في الأعاريض والضروب التي سبق ذكرها أم لا.
ومن قَبل أن ننظر هل عملوا بالمنصور من المذهبين في معنى الشعر على نحو ما سبق أم لا (يعني المذهبين مذهب الذين قالوا لا يكون الشعر شعراً إلا إذا قصد قائله أن يكون موزوناً، ومذهب الذين قالوا: إن تعمُّد الوزن ليس بواجب بل يكفي أن يلفى موزوناً ولو بدون قصد قائله للوزن وقد نصر المذهب الأول) يا سبحان الله قدروا جميع ذلك أشعاراً، أليس يصح بحكم التغليب أن لا يلتفت إلى ما أوردتموه لقلته، ويُجرى ذلك القرآن مُجرى الخالي عن الشعر فيقال بناء على مقتضى البلاغة: {وما علمناه الشعر} ا ه. كلامه، وقد نحا به نحو أمرين:
أحدهما: أن ما وقع في القرآن من الكلام المتّزن ليس بمقصود منه الوزن، فلا يكون شعراً على رأي الأكثر من اشتراط القصد إلى الوزن لأن الله تعالى لم يعبأ باتزانه.
الثاني: إن سلمنا عدم اشتراط القصد فإن نفي كون القرآن شعراً جرى على الغالب. فلا يعدّ قائله كاذباً ولا جاهلاً فلا ينافي اليقين بأن القرآن من عند الله علمه محمداً صلى الله عليه وسلم
ومَال ابن العربي في «أحكام القرآن» إلى أن ما تكلفوه من استخراج فقرات من القرآن على موازين شعرية لا يستقيم إلا بأحد أمور مثل بتر الكلام أو زيادة ساكن أو نقص حرف أو حرفين، وذكر أمثلة لذلك في بعضها ما لا يتم له فراجعْهُ.
ولا محيص من الاعتراف باشتمال القرآن على فقرات متزنة يلتئم منها بيت أو مصراع، فأما ما يقلّ عن بيت فهو كالعدم إذ لا يكون الشعر أقل من بيت، ولا فائدة في الاستكثار من جلب ما يلفى متزناً فإن وقوع ما يساوي بيتاً تاماً من بحر من بحور الشعر العربي ولو نادراً أو مُزَحَّفاً أو مُعَلاّ كاف في بقاء الإِشكال، فلا حاجة إلى ما سلك ابن العربي في رده ولا كفاية لما سلكه السكاكي في كتابه، لأن المردود عليهم في سعة من الأخذ بما يلائم نحلتهم من أضعف المذاهب في حقيقة الشعر وفي زحافِه وعلله. وبعد ذلك فإن الباقلاني والسكاكي لم يغوصَا على اقتلاع ما يثيره الجواب الثاني في كلامِهما بعدم القصد إلى الوزن، من لزوم خفاء ذلك على علم الله تعالى فلماذا لا تُجعل في موضع تلك الفقرات المتزنة فقرات سليمة من الاتّزان.
ولم أر لأحد من المفسرين والخائضين في وجوه إعجاز القرآن التصدي لاقتلاع هذه الشبهة، وقد مضت عليها من الزمان برهة، وكنت غير مقتنع بتلك الردود ولا أرضاها، وأراها غير بالغة من غاية خيل الحلبة منتهاها.
فالذي بدا لي أن نقول: إن القرآن نزل بأفصح لغات البشر التي تواضعوا واصطلحوا عليها ولو أن كلاماً كان أفصح من كلام العرب أو أمة كانت أسلم طباعاً من الأمة العربية لاختارها الله لظهور أفضل الشرائع وأشرف الرسل وأعز الكتب الشرعية.
ومعلوم أن القرآن جاء معجزاً لبلغاء العرب فكانت تراكيبه ومعانيها بالغَيْن حدًّا يقصر عنه كل بليغ من بلغائهم على مبلغ ما تتسع له اللغة العربية فصاحةً وبلاغة فإذا كانت نهاية مقتضى الحال في مقام من مقامات الكلام تتطلب لإيفاء حقّ الفصاحة والبلاغة ألفاظاً وتركيباً ونظماً فاتفق أن كان لمجموع حركاتها وسكوناتها ما كان جارياً على ميزان الشعر العربي في أعاريضه وضروبه لم يكن ذَلك الكلام معدوداً من الشعر لوْ وقَعَ مثلُه في كلاممٍ عن غير قصد فوقوعه في كلام البشر قد لا يتفطن إليه قائله ولو تفطن له لم يعسر تغييره لأنه ليس غاية ما يقتضيه الحال، اللهم إلاّ أن يكون قصد به تفنناً في الإِتيان بكلام ظاهره نثر وتفكيكه نظم.
فأما وقوعه في كلام الله تعالى فخارج عن ذلك كله من ثلاثة وجوه:
أحدها: أن الله لا يخفى عليه وقوعه في كلام أوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم
الثاني: أنه لا يجوز تبديل ذلك المجموع من الألفاظ بغيره لأن مجموعها هو جميع ما اقتضاه الحال وبلغ حد الإِعجاز.
الثالث: أن الله لا يريد أن يشتمل الكلام الموحَى به من عنده على محسِّن الجمع بين النثر والنظم لأنه أراد تنزيه كلامه عن شائبة الشعر.
واعلم أن الحكمة في أن لا يكون القرآن من الشعر مع أن المتحدَّيْن به بلغاء العرب وجلُّهم شعراء وبلاغتهم مُودَعة في أشعارهم هي الجمع بين الإِعجاز وبين سدّ باب الشبهة التي تعرض لهم لو جاء القرآن على موازين الشعر، وهي شبهة الغلط أو المغالطة بعدِّهم النبي صلى الله عليه وسلم في زمرة الشعراء فيحسب جمهور الناس الذين لا تغوص مدركاتهم على الحقائق أن ما جاء به الرسول ليس بالعجيب، وأن هذا الجائي به ليس بنبيء ولكنه شاعر، فكان القرآن معجزاً لبلغاء العرب بكونه من نوع كلامهم لا يستطيعون جحوداً لذلك، ولكنه ليس من الصنف المسمّى بالشعر بل هو فائق على شعرهم في محاسنه البلاغية وَليس هو في أسلوب الشعر بالأوزان التي ألفوها بل هو في أسلوب الكتب السماوية والذكر.
ولقد ظهرت حكمة علاّم الغيوب في ذلك فإن المشركين لمّا سمعوا القرآن ابتدروا إلى الطعن في كونه منزّلاً من عند الله بقولهم في الرسول: هو شاعر، أي أن كلامه شعر حتى أفاقهم من غفلتهم عقلاؤهم مثل الوليد بن المغيرة، وأُنيس بن جُنادة الغفاري، وحتى قرعهم القرآن بهذه الآية: {وما علمْناهُ الشعر وما ينبغي له إن هُوَ إلاَّ ذِكرٌ وقُرءَانٌ مبينٌ.
وبعد هذا فإن إقامة الشعر لا يَخلو الشاعر فيها من أن يتصرف في ترتيب الكلام تارات بما لا تقضيه الفصاحة مثل ما وقع لبعض الشعراء من التعقيد اللفظي، ومثل تقديم وتأخير على خلاف مقتضى الحال فيعتذر لوقوعه بعذر الضرورة الشعرية، فإذا جاء القرآن شعراً قصَّر في بعض المواضع عن إيفاء جميع مقتضى الحال حقّه.
وسنذكر عند تفسير قوله تعالى: وما ينبغي له} وجوهاً ينطبق معظمها على ما أشار إليه قوله تعالى هنا: {وما علمناهُ الشِّعر}. وقد قال ابن عطية: إن الضمير المجرور باللام في قوله: {وما ينبغي له} يجوز أن يعود على القرآن كما سيأتي.
وقوله: {وما ينبغي له} جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين قصد منها اتباع نفي أن يكون القرآن الموحَى به للنبيء صلى الله عليه وسلم شعراً بنفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شاعراً فيما يقوله من غير ما أوحى به إليه أي فطر الله النبي صلى الله عليه وسلم على النفرة بين ملكته الكلامية والملكة الشاعرية، أي لم يجعل له ملكة أصحاب قرض الشعر لأنه أراد أن يقطع من نفوس المكذّبين دابر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شاعراً وأن يكون قرآنه شعراً ليتضح بهتانهم عند من له أدنى مسكة من تمييز للكلام وكثير ما هم بين العرب رجالهم وكثير من نسائهم غير زوج عبد الله بن رواحة ونظيراتها، والواو اعتراضية.
وضمير {ينبغي} عائد إلى الشعر، وضمير {لَهُ} يجوز أن يكون عائداً إلى ما عاد إليه ضمير الغائب في قوله: {علمناه} وهو الظاهر. وجوّز ابن عطية أن يعود إلى القرآن الذي يتضمنه فعل {عَلَّمْناهُ} فجعل جملة {وما ينبغي له} بمنزلة التعليل لِجملة {وما علمْناهُ الشِّعر}.
ومعنى {وما ينبغي له} ما يتأتّى له الشعر، وقد تقدم عند قوله تعالى: {وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً} [مريم: 92] تفصيل ذلك في سورة مريم، وتقدم قريباً عند قوله: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} [يس: 40]. فأصل معنى {ينبغي} يستجيب للبغي، أي الطلب، وهو يُشعر بالطلب الملحّ. ثم غلب في معنى يتأتّى ويستقيم فتنوسي منه معنى المطاوعة وصار {ينبغي} بمعنى يتأتّى يقال: لا ينبغي كذا، أي لا يتأتى. قال الطيبي: روي عن الزمخشري أنه قال في «كتاب سيبويه» «كل فعل فيه علاج يأتي مطاوعه على الانفعال: كضرب وطلب وعَلِم، وما ليس فيه علاج: كعَدِم وفقَد لا يأتي في مطاوعه الانفعال البتة» ا ه.
ومعنى كون الشعر لا ينبغي له: أن قول الشعر لا ينبغي له لأن الشعر صنف من القول له موازين وقواففٍ، فالنبي صلى الله عليه وسلم منزّه عن قرض الشعر وتأليفه، أي ليست مِن طباع ملكته إقامة الموازين الشعرية، وليس المراد أنه لا ينشد الشعر لأن إنشاد الشعر غير تعلّمه، وكم من راوية للأشعار ومن نَقَّادٍ للشعر لا يستطيع قول الشعر وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتقد الشعر، ونبه على بعض مزايا فيه، وفضّل بعض الشعراء على بعض وهو مع ذلك لا يقرض شعراً.
وربما أنشد البيت فغفل عن ترتيب كلماته فربما اختلّ وزنه في إنشاده وذلك من تمام المنافرة بين ملكة بلاغته وملكة الشعراء، ألا ترى أنه لم يكن مطّرداً فربما أنشد البيت موزوناً.
هذا من جانب نظم الشعر وموازينه، وكذلك أيضاً جانب قوام الشعر ومعانيه فإن للشعر طرائق من الأغراض كالغزل والنسيب والهجاء والمديح والمُلَح، وطرائق من المعاني كالمبالغة البالغة حدّ الإِغراق وكادّعاء الشاعر أحوالاً لنفسه في غرام أو سير أو شجاعة هو خِلوٌ من حقائقها فهو كذب مغتفر في صناعة الشعر. وذلك لا يليق بأرفع مقام لكمالات النفس، وهو مقام أعظم الرسل صلوات الله عليه وعليهم فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم قرض الشعر ولم يأت في شعره بأفانين الشعراء لعدّ غضاضة في شعره وكانت تلك الغضاضة داعية للتناول من حُرمة كماله في أنفس قومه يستوي فيها العدوّ والصديق. على أن الشعراء في ذلك الزمان كانت أحوالهم غير مرضية عند أهل المروءة والشرف لما فيهم من الخلاعة والإِقبال على السُكر والميسر والنساء ونحو ذلك. وحسبك ما هو معلوم من قضية خلع حُجر الكِندي ابنه امرأ القيس وقد قال تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون} [الشعراء: 224] الآية. فلو جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالشعر أو قاله لرمقه الناس بالعين التي لا يرمق بها قدره الجليل وشرفه النبيل، والمنظور إليه في هذا الشأن هو الغالب الشائع وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن من الشعر لحكمة» وقال: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ***
فتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الشعر من قبيل حياطة معجزة القرآن وحياطة مقام الرسالة مثل تنزيهه عن معرفة الكتابة.
قال أبو بكر بن العربي: هذه الآية ليست من عيب الشعر كما لم يكن قوله تعالى: {وما كنت تتْلُو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48] من عيب الخط. فلما لم تكن الأمية من عيب الخط كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي صلى الله عليه وسلم من عيب الشعر.
ومن أجل ما للشعر من الفائدة والتأثير في شيوع دعوة الإِسلام أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حساناً وعبد الله بن رواحة بقوله، وأظهر استحسانه لكعب بن زهير حين أنشده القصيدة المشهورة: بانت سعادُ.
والقول في ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من كلام موزون مثل قوله يوم أحد:
أنا النبيُ لا كَذِبْ *** أنا ابنُ عبد المطلبْ
كالقول فيما وقع في القرآن من شبيه ذلك مما بيناه آنفاً.
وجملة {إن هو إلا ذِكرٌ وقُرءَانٌ مُبينٌ} استئناف بياني لأن نفي الشعر عن القرآن يثير سؤال متطلب يقول: فما هو هذا الذي أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكان قوله: {إن هو إلا ذكر} جواباً لطلبته.
وضمير {هُوَ} للقرآن المفهوم من {عَلَّمْناهُ}، أي ليس الذي عُلِّمه الرسول إلا ذكراً وقرآناً أو للشيء الذي علمناه، أي للشيء المعلّم الذي تضمنه {علمناهُ}، أو عائد إلى {ذِكْرٌ} في قوله: {إلاَّ ذِكْرٌ} الذي هو {مُبِينٌ}. وهذا من مواضع عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة لأن البيان كالبدل. وتقدم نظيره في قوله تعالى: {إن هي إلا حياتنا الدنيا} في سورة [المؤمنين: 37].
وجيء بصيغة القصر المفيدة قصر الوحي على الاتصاف بالكون ذكراً وقرآناً قصر قلب، أي ليس شعراً كما زعمتم. فحصل بذلك استقصاء الرد عليهم وتأكيدُ قوله: {ومَا عَلَّمْناهُ الشِّعر} من كون القرآن شعراً.
والذكر: مصدر وصف به الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وصفاً للمبالغة، أي إن هو إلا مُذكّر للناس بما نسوه أو جهلوه. وقد تقدم الكلام على الذكر عند قوله تعالى: {وقالوا يأيها الذين نزل عليه الذكر إنك لمجنون} في سورة [الحجر: 6].
والقرآن: مصدر قرأ، أطلق على اسم المفعول، أي الكلام المقروء، وتقدم بيانه عند قوله تعالى: {وما تتلو منه من قرآن} في سورة [يونس 61].
والمبين: هو الذي أبان المراد بفصاحة وبلاغة.
ويتعلق قوله: {لِتْنذِرَ} بقوله: {عَلَّمْناهُ} باعتبار ما اتصل به من نفي كونه شعراً ثم إثباتتِ كونه ذكراً وقرآناً، أي لأن جملة {إن هو إلا ذكر} بيان لما قبلها في قوة أن لو قيل: وما علمناه إلا ذكراً وقرآناً مبيناً لينذر أو لتنذر. وجعلهُ ابن عطية متعلقاً ب {مُبِينٌ}.
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب {لَتُنذِرَ} بتاء الخطاب على الالتفات من ضمير الغيبة في قوله: {عَلَّمْناهُ} إلى ضمير الخطاب. وقرأه الباقون بياء الغائب، أي لينذر النبي الذي علمناه.
والإِنذار: الإِعلام بأمر يجب التوقي منه.
والحيّ: مستعار لكامل العقل وصائب الإِدراك، وهذا تشبيه بليغ، أي مَن كان مثل الحي في الفهم.
والمقصود منه: التعريض بالمُعرِضين عن دلائل القرآن بأنهم كالأموات لا انتفاع لهم بعقولهم كقوله تعالى: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين} [النمل: 80].
وعطف {ويَحِقَّ القولُ على الكافِرِينَ} على {لِتُنذِرَ} عطفَ المجاز على الحقيقة لأن اللام النائب عنه واو العطف ليس لام تعليل ولكنه لام عاقبة كاللام في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} [القصص: 8]. ففي الواو استعارة تبعية، وهذا قريب من استعمال المشترك في معنييه. وفي هذه العاقبة احتباك إذ التقدير: لتنذر من كان حيّاً فيزداد حياة بامتثال الذكر فيفوز ومن كان ميتاً فلا ينتفع بالإِنذار فيحق عليه القول، كما قال تعالى في أول السورة
{إنَّما تُنذِرُ مَن اتَّبَعَ الذِّكر وخَشِيَ الرحمن بالغيببِ فبشرْهُ بمغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11]، فجمع له بين الإِنذار ابتداء والبشارة آخراً.
و {القول}: هو الكلام الذي جاء بوعيد من لم ينتفعوا بإنذار الرسول صلى الله عليه وسلم
والمراد بالكافرين: المستمرون على كفرهم وإلا فإن الإِنذار ورد للناس أول ما ورد وكلهم من الكافرين.
وفي ذكر الإِنذار عوْد إلى ما ابتدئت به السورة من قوله: {لتنذر قوماً ما أُنذِرَ ءَاباؤُهم فهم غافِلُونَ} [يس: 6] فهو كرد العجز على الصدر، وبذلك تمّ مجال الاستدلال عليهم وإبطال شبههم وتخلص إلى الامتنان الآتي في قوله: {أوّلَمْ يَروا أنَّا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعَاماً} [يس: 71] إلى قوله: {أفلا يشكرون} [يس: 73].
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)}
بعد أن انقضى إبطال معاقد شرك المشركين أخذ الكلام يتطرق غرضَ تذكيرهم بنعم الله تعالى عليهم وكيف قابلوها بكفران النعمة وأعرضوا عن شكر المنعم وعبادته واتخذوا لعبادتهم آلهة زعماً بأنها تنفعهم وتدفع عنهم وأدمج في ذلك التذكير بأن الأنعام مخلوقة بقدرة الله. فالجملة معطوفة عطف الغرض على الغرض.
والاستفهام: إنكار وتعجيب من عدم رؤيتهم شواهد النعمة، فإن كانت الرؤية قلبية كان الإِنكار جارياً على مقتضى الظاهر، وإن كانت الرؤية بصرية فالإِنكار على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل مشاهدتهم تلك المذكورات منزلةَ عدم الرؤية لعدم جريهم على مقتضى العلم بتلك المشاهدات الذي ينشأ عن رؤيتها ورؤية أحوالها، وعلى الاحتمالين فجملة الفعل المنسبك بالمصدر سادَّة مسدّ المفعولين للرؤية القلبية، أو المصدر المنسبك منها مفعول للرؤية البصرية.
وفي خلال هذا الامتنان إدماج شيء من دلائل الانفراد بالتصرف في الخلق المبطلة لإِشراكهم إياه غيره في العبادة وذلك في قوله: {أنَّا خلقنا} وقوله: {مما عملت أيدينا} وقوله: {وذَلَّلْناهَا} وقوله: {ولهم فيها منافِعُ ومشَارِبُ}، لأن معناه: أودعنا لهم في أضراعها ألباناً يشربونها وفي أبدانها أوباراً وأشعاراً ينتفعون بها.
وقوله: {لهم} هو محل الامتنان، أي لأجلهم، فإن جميع المنافع التي على الأرض خلقها الله لأجل انتفاع الإِنسان بها تكرمة له، كما تقدم في قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} في سورة البقرة} (29).
واستعير عمل الأيدي الذي هو المتعارف في الصنع إلى إيجاد أصول الأجناس بدون سابق منشأ من توالد أو نحوه فأسند ذلك إلى أيدي الله تعالى لظهور أن تلك الأصول لم تتولد عن سبب كقوله: {والسماء بنيناها بأيد} [الذاريات: 47]، ف (من) في قوله: {مما عَمِلتْ} ابتدائية لأن الأنعام التي لهم متولدة من أصول حتى تنتهي إلى أصولها الأصلية التي خلقها الله كما خلق آدم، فعبر عن ذلك الخلق بأنه بيد الله استعارة تمثيلية لتقريب شأن الخلق الخفيّ البديع مثل قوله: {لما خلقت بيدي} [ص: 75]. وقرينة هذه الاستعارة ما تقرّر من أن ليس كمثله شيء وأنه لا يشبه المخلوقات، فذلك من العقائد القطعية في الإسلام. فأما الذين رأوا الإِمساك عن تأويل أمثال هذه الاستعارات فسمّوها المتشابه وإنما أرادوا أننا لم نصل إلى حقيقة ما نعبر عنه بالكنه، وأما الذين تأوّلوها بطريقة المجاز فهم معترفون بأن تأويلها تقريب وإساغة لغصص العبارة. فأما الذين أثبتوا وصف الله تعالى بظواهرها فباعثهم فرط الخشية، وكان للسلف في ذلك عذر لا يسع أهل العصُور التي فشَا فيها الإِلحاد والكفر فهم عن إقناع السائلين بمعزل، وقلم التطويل في ذلك مَغْزِل.
والأنعام: الإِبل والبقر والغنم والمعز. وفرع على خلقها للناس أنهم لها مالكون قادرون على استعمالها فيما يشاءُون لأن الملك هو أنواع التصرف.
قال الربيع بن ضَبُع الفزاري من شعراء الجاهلية المعمَّرين:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا *** أملِك رأسَ البعير إن نفرا
وهذا إدماج للامتنان في أثناء التذكير.
وتقديم {لَهَا} على {مالكون} الذي هو متعلَّقه لزيادة استحضار الأنعام عند السامعين قبل سماع متعلّقه ليقع كلاهما أمكن وَقع بالتقديم وبالتشويق، وقضى بذلك أيضاً رَعي الفاصلة.
وعدل عن أن يقال: فهُم مالكوها، إلى {فهم لها مالكون} ليتأتّى التنكير فيفيدَ بتعظيم المالكين للأنعام الكنايةَ عن تعظيم الملك، أي بكثرة الانتفاع وهو ما أشار إليه تفصيلاً وإجمالاً قوله تعالى: {وذللناها لهم} إلى قوله: {ولهم فيها منافِعُ ومشارِبُ}. وأن إضافة الوصف المُشبه الفعل وإن كانت لا تكسَب المضاف تعريفاً لكنها لا تنسلخ منها خصائص التنكير مثل التنوين. وجيء بالجملة الاسمية لإِفادة ثبات هذا الملك ودوامه.
والتذليل: جعل الشيء ذليلاً، والذليل ضد العزيز وهو الذي لا يدفع عن نفسه ما يكرهه. ومعنى تذليل الأنعام خلق مهانتها للإِنسان في جبلتها بحيث لا تُقدم على مدافعة ما يريد منها فإنها ذات قُوات يدفع بعضها بعضاً عن نفسه بها فإذا زجرها الإِنسان أو أمرها ذلّت له وطاعت مع كراهيتها ما يريده منها، من سير أو حمل أو حلب أو أخذ نسل أو ذبح. وقد أشار إلى ذلك قوله: {فمنها ركوبهم ومنها يأكلون}.
والرَّكوب بفتح الراء: المركوب مثل الحلوب وهو فعول بمعنى مفعول، فلذلك يطابق موصوفه يقال: بعير رَكوب وناقةٌ حَلوبة.
و {مِن} تبعيضية، أي وبعضها غير ذلك مثل الحرث والقتال كما قال: {ولهم فيها منافِعُ ومشَارِبُ} والمشارب: جمع مشرب، وهو مصدر ميمي بمعنى: الشرب، أريد به المفعول، أي مشروبات.
وتقديم المجروريْن ب (مِن) على ما حقهما أن يتأخرا عنهما للوجه الذي ذكر في قوله: {فهم لها مالِكُون}.
وفرع على هذا التذكير والامتنان قوله: {أفلا يَشْكُرونَ} استفهاماً تعجيبياً لتركهم تكرير الشكر على هذه النعم العِدّة فلذلك جيء بالمضارع المفيد للتجديد والاستمرار لأن تلك النعم متتالية متعاقبة في كل حين، وإذ قد عُجِب من عدم تكريرهم الشكر كانت إفادة التعجيب من عدم الشكر من أصله بالفحوى ولذلك أعقبه بقوله: {واتخذوا من دُوننِ الله ءَالِهَةً} [يس: 74].
{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75)}
عطف على جملة {أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً} [يس: 71]، أي ألم يروا دلائل الوحدانية ولم يتأملوا جلائل النعمة، واتخذوا آلهة من دون الله المنعِم والمنفرد بالخلق. ولك أن تجعله عطفاً على الجملتين المفرعتين، والمقصود من الإِخبار باتخاذهم آلهة من دون الله التعجيب من جريانهم على خلاف حقّ النعمة ثم مخالفةِ مقتضى دليل الوحدانية المدمَج في ذكر النعم.
والإِتيان باسم الجلالة العَلَم دون ضميرٍ إظهارٌ في مقام الإِضمار لما يشعر به اسمه العلم من عظمة الإِلهية إيماء إلى أن اتخاذهم آلهة من دونه جراءة عظيمة ليكون ذلك توطئة لقوله بعده {فلا يحزنك قولهم} [يس: 76] أي فإنهم قالوا ما هو أشد نكراً.
وأما الإِضمار في قوله في سورة الفرقان (3): {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون} فلأنه تقدم ذكر انفراده بالإِلهية صريحاً من قوله: {الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً} [الفرقان: 2].
وقوله: {لعلَّهم يُنصرون} وقعت (لعلّ) فيه موقعاً غير مألوف لأن شأن (لعلّ) أن تفيد إنشاء رجاء المتكلم بها وذلك غير مستقيم هنا. وقد أغفل المفسرون التعرض لتفسيره، وأهمله علماء النحو واللغةِ من استعمال (لعلّ)، فيتعين: إما أن تكون (لعلّ) تمثيلية مكنية بأن شبه شأن الله فيما أخبر عنهم بحال من يرجو من المخبرَ عنهم أن يحصُل لهم خبرُ (لعلّ)، وذكر حرف (لعلّ) رمز لرديف المشبه به فتكون جملة {لعلهم ينصرون} معترضة بين {ءَالِهَةً} وبين صفته وهي جملة {لا يستطيعون نصرهم}، وإما أن يكون الكلام جرى على معنى الاستفهام وهو استفهام إنكاري أو تهكمي والجملة معترضة أيضاً، وإما أن يجعل الرجاء منصرفاً إلى رجاء المخبر عنهم، أي راجين أن تنصرهم تلك الآلهة وعلى تقدير قول محذوف، أي قائلين: لعلنا نُنصر، وحكي {يُنصَرون} بالمعنى على أحد وجهين في حكاية الأقوال تقول: قال أفعَلُ كذا، وقال يَفعلُ كذا، وتكون جملة {لا يستطيعون نصرهم} استئنافاً للرد عليهم. وإما أن تجعل (لعلّ) للتعليل على مذهب الكسائي فتكون جملة {لا يستطيعون نصرهم} استئنافاً.
والمقصود: الإِشارة إلى أن الكفار يزعمون أن الأصنام تشفع لهم عند الله في أمور الدنيا ويقولون: {هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه} [يونس: 18] وهم سالكون في هذا الزعم مسلك ما يألفونه من الاعتزاز بالموالاة والحلف بين القبائل والانتماء إلى قادتهم، فبمقدار كثرة الموالي تكون عزّة القبيلة فقاسوا شؤونهم مع ربهم على شؤونهم الجارية بينهم وقياس أمور الإِلهية على أحوال البشر من أعمق مهاوي الضلالة.
وأجري على الأصنام ضمير جمع العقلاء في قوله: {لا يستطيعون} لأنهم سموهم بأسماء العقلاء وزعموا لهم إدراكاً.
وضمير {وهُمْ} يجوز أن يعود إلى {ءَالِهَة} تبعاً لضمير {لا يستطيعون}.
وضمير {لَهُم} للمشركين، أي والأصنام للمشركين جند محضَرون، والجند العدد الكثير. والمحضر الذي جيء به ليحضر مشهداً. والمعنى: أنهم لا يستطيعون النصر مع حضورهم في موقف المشركين لمشاهدة تعذيبهم ومع كونهم عدداً كثيراً ولا يقدرون على نصر المتمسكين بهم، أي هم عاجزون عن ذلك، وهذا تأييس للمشركين من نفع أصنامهم. ويجوز العكس، أي والمشركون جند لأصنامهم محضرون لخدمتها. ويجوز أن يكون هذا إخباراً عن حالهم مع أصنامهم في الدنيا وفي الآخرة.
وينبغي أن تكون جملة {وهم لهم جندٌ مُحضرونَ} في موضع الحال، والواو واو الحال من ضمير {يستطيعون}، أي ليس عدم استطاعتهم نصرهم لبعد مكانهم وتأخر الصريخ لهم ولكنهم لا يستطيعون وهم حاضرون لهم، واللام في {لَهُم} للأجَل، أي أن الله يحضر الأصنام حين حشر عبدتها إلى النار ليُري المشركين خطَل رأيهم وخيبة أملهم، فهذا وعيد بعذاب لا يجدون منه ملجأ.
{فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76)}
{جُندٌ مٌّحْضَرُونَ * فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا}.
فرّع على قوله: {واتَّخذوا من دُوننِ الله ءَالِهَةً} [يس: 74] صرفُ أن تحزن أقوالهم النبي صلى الله عليه وسلم أي تحذيره من أن يحزِن لأقوالهم فيه فإنهم قالوا في شأن الله ما هو أفظع.
و {قولهم} من إضافة اسم الجنس فيعم، أي فلا تحزنك أقوالهم في الإِشراك وإنكار البعث والتكذيب والأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ولذلك حذف المقول، أي لا يحزنك قولهم الذي من شأنه أن يحزنك.
والنهي عن الحزن نهي عن سببه وهو اشتغال بال الرسول بإعراضهم عن قبول الدين الحق، وهو يستلزم الأمر بالأسباب الصارفة للحزن عن نفسه من التسلّي بعناية الله تعالى وعقابه من ناووه وعادوه.
{يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ}.
تعليل للنهي عن الحزن لقولهم.
والخبر كناية عن مؤاخذتهم بما يقولون، أي إنا محصون عليهم أقوالهم وما تسرّه أنفسهم مما لا يجهرون به فنؤاخذهم بذلك كله بما يكافئه من عقابهم ونصرِك عليهم ونحو ذلك. وفي قوله: {ما يُسِرُّونَ وما يُعلنون} تعميم لجعل التعليل تذييلاً أيضاً.
و«إنّ» مغنية عن فاء التسبب في مقام ورودها لمجرد الاهتمام بالتأكيد المخبر بالجملة ليست مستأنفة ولكنها مترتبة.
وقرأ نافع {يُحزِنكَ} بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه إذا أدخل عليه حزناً. وقرأه الباقون بفتح الياء وضم الزاي من حَزَنه بفتح الزاي بمعنى أحزنه وهما بمعنى واحد.
وقدم الإِسرار للاهتمام به لأنه أشدّ دلالة على إحاطة علم الله بأحوالهم، وذكر بعده الإِعلان لأنه محل الخبر، وللدلالة على استيعاب علم الله تعالى بجزئيات الأمور وكلياتها.
والوقف عند قوله: {ولا يحزنك قولهم} مع الابتداء بقوله: {إنَّا نعلم} أَحسنُ من الوصل لأنه أوضح للمعنى، وليس بمتعيّن إذ لا يخطر ببال سامع أنهم يقولون: إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ولو قالوه لما كان مما يحزن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف ينهى عن الحزن منه.
{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)}
لما أُبطلت شبه المشركين في إشراكهم بعبادة الله وإحالتهم قدرته على البعث وتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم في إنبائه بذلك إبطالاً كليّاً، عطف الكلام إلى جانب تسفيه أقوال جزئية لزعماء المكذبين بالبعث توبيخاً لهم على وقاحتهم وكفرهم بنعمة ربهم وهم رجال من أهل مكة أحسب أنهم كانوا يموهون الدلائل ويزينون الجدال للناس ويأتون لهم بأقوال إقناعية جارية على وفق أفهام العامة، فقيل أريد ب {الإِنسان} أُبيّ بن خلف. وقيل أريد به العاصي بنُ وائل، وقيل أبو جهل، وفي ذلك روايات بأسانيد، ولعل ذلك تكرر مرات تولى كلُّ واحد من هؤلاء بعضها.
قالوا في الروايات: جاء أحد هؤلاء الثلاثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده عَظْم إنسان رميم ففتّه وذرَاه في الريح وقال: يا محمد أتزعم أن الله يُحيي هذا بعد ما أَرَمَّ (أي بَلِيَ) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نعم يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم.
فالتعريف في {الإنْسانُ} تعريف العهد وهو الإِنسان المعيّن المعروف بهذه المقالة يومئذٍ. وقد تقدم في سورة مريم (66) أن قوله تعالى: {ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً} نزل في أحدِ هؤلاء، وذُكر معهم الوليد بن المغيرة. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه} في سورة القيامة} (3).
ووجه حمل التعريف هنا على التعريف العهدي أنه لا يستقيم حملها على غير ذلك لأن جعله للجنس يقتضي أن جنس الإِنسان ينكرون البعث، كيف وفيهم المؤمنون وأهلُ الملل، وحملها على الاستغراق أبعد إلا أن يراد الاستغراق العُرفي وليس مثل هذا المقام من مواقعه. فأما قوله تعالى في سورة النحل (4) {: {خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين} فهو تعريف الاستغراق، أي خلق كلَّ إنسان لأن المقام مقام الاستغراق الحقيقي.
والمراد بخَصِيمٌ في تلك الآية: أنه شديد الشكيمة بعد أن كان أصله نطفة، فالجملة معطوفة على جملة {أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم} [يس: 71] الآية. والاستفهام كالاستفهام في الجملة المعطوففِ عليها. والرؤية هنا قلبية. وجملة {أَنَّا خَلَقْناهُ} سادّة مسدّ المفعولين كما تقدم في قوله تعالى: {أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم مما عَمِلت أيدينا أنْعاماً} [يس: 71].
و«إذا» للمفاجأة. ووجه المفاجأة أن ذلك الإِنسان خلق ليعبد الله ويعلم ما يليق به فإذا لم يجر على ذلك فكأنه فاجأ بما لم يكن مترقباً منه مع إفادة أن الخصومة في شؤون الإِلهية كانت بما بادرَ به حين عقَل.
والخصيم فعيل مبالغة في معنى مفاعل، أي مخاصم شديد الخصام.
والمبين: من أبان بمعنى بان، أي ظاهر في ذلك.
وضرب المثل: إيجاده، كما يقال: ضَرب خيمة، وضَرب ديناراً، وتقدم بيانه عند قوله تعالى:
{إن اللَّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما} في سورة البقرة} (26).
والمَثل: تمثيل الحالة، فالمعنى: وأظهر للناس وأتى لهم بتشبيه حال قدرتنا بحال عجز الناس إذ أحال إحياءنا العظام بعد أن أرَمَّت فهو كقوله تعالى: {فلا تضربوا للَّه الأمثال} [النحل: 74]، أي لا تُشَبِّهوه بخلقه فتجعلوا له شركاء لوقوعه بعد {ويعبدون من دون اللَّه ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئا} [النحل: 73].
والاستفهام في قوله: {من يحي العظام} إنكاري. و{من} عامة في كل من يسند إليه الخبر. فالمعنى: لا أحد يحيي العظام وهي رميم. فشمل عمومه إنكارهم أن يكون الله تعالى محيياً للعظام وهي رميم، أي في حال كونها رميماً.
وجملة {قال مَن يُحي العِظامَ} بيان لجملة {ضرب لنا مثلاً} كقوله تعالى: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم} [طه: 120] الآية، فجملة {قال يا آدم بيان لجملة وسوس.
والنسيان في قوله: ونَسِيَ خلقه} مستعار لانتفاء العلم من أصله، أي لعدم الاهتداء إلى كيفية الخلق الأول، أي نسي أننا خلقناه من نطفة، أي لم يهتد إلى أن ذلك أعجب من إعادة عظمه كقوله تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لَبْس من خلق جديد} [ق: 15].
وذكر النطفة هنا تمهيد للمفاجأة بكونه خصيماً مبيناً عقب خلقه، أي ذلك الهيِّنُ المنشأ قد أصبح خصيماً عنيداً، وليبني عليه قوله بعد: {ونَسِيَ خَلْقَهُ} أي نسي خلقه الضعيف فتطاول وجاوز، ولأن خلقه من النطفة أعجب من إحيائه وهو عَظْم مجاراة لزعمه في مقدار الإِمكان، وإن كان الله يحيي ما هو أضعف من العظام فيحيي الإِنسان من رَماده، ومن ترابه، ومن عَجْب ذَنَبه، ومن لا شيء باقياً منه.
والرميم: البالي، يقال: رَمَّ العظمُ وأَرَمَّ، إذا بَلِي فهو فعيل بمعنى المصدر، يقال: رمّ العظمُ رميماً، فهو خبر بالمصدر، ولذلك لم يطابق المخبر عنه في الجمعية وهي بِلىً.
وأُمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول له {يحييها الذي أنشأها} أمر بجواب على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل استفهام القائل على خلاف مراده لأنه لما قال: {من يُحي العظامَ وهي رميمٌ} لم يكن قاصداً تطلب تعيين المحيي وإنما أراد الاستحالة، فأجيب جواب مَن هو متطلبٌ علماً. فقيل له: {يُحييهَا الذي أنشأها أوَّلَ مرةٍ}. فلذلك بني الجواب على فعل الإِحياء مسنداً للمُحيي، على أن الجواب صالح لأن يكون إبطالاً للنفي المراد من الاستفهام الإِنكاري كأنه قيل: بل يحييها الذي أنشأها أول مرة. ولم يُبنَ الجواب على بيان إمكان الإِحياء وإنما جعل بيانُ الإِمكان في جعل المسند إليه موصولاً لتدل الصلة على الإِمكان فيحصل الغرضان، فالموصول هنا إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو يحييها، أي يحييها لأنه أنشأها أول مرة فهو قادر على إنشائها ثاني مرة كما أنشأها أول مرة. قال تعالى: {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} [الواقعة: 62]، وقال: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}
[الروم: 27].
وذيل هذا الاستدلال بجملة {وهو بكل خلققٍ علِيمٌ} أي واسع العلم محيط بكل وسائل الخلق التي لا نعلمها: كالخلق من نطفة، والخلق من ذرة، والخلق من أجزاء النبات المغلقة كسُوس الفول وسُوس الخشب، فتلك أعجب من تكوين الإِنسان من عظامه.
وفي تعليق الإِحياء بالعظام دلالة على أن عظام الحيّ تحلّها الحياة كلحمه ودمه، وليست بمنزلة القصب والخشب وهو قول مالك وأبي حنيفة ولذلك تنجس عظام الحيوان الذي مات دون ذكاة. وعن الشافعي: أنّ العظم لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت. قال ابن العربي: وقد اضطرب أرباب المذاهب فيه. والصحيح ما ذكرناه، يعني أن بعضهم نسب إلى الشافعي موافقة قول مالك وهو قول أحمد فيصير اتفاقاً وعلماء الطب يثبتون الحياة في العظام والإِحساسَ. وقال ابن زُهر الحكيم الأندلسي في كتاب «التيسير»: إن جالينوس اضطرب كلامه في العظام هل لها إحساساً والذي ظهر لي أن لها إحساساً بطيئاً.
{الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)}
بدل من {الذي أنشأها} [يس: 79] بدلاً مطابقاً، وإنما لم تعطف الصلة على الصلة فيكتفى بالعطف عن إعادة اسم الموصول لأن في إعادة الموصول تأكيداً للأول واهتماماً بالثاني حتى تستشرف نفس السامع لتلقّي ما يرِدُ بعده فيفطن بما في هذا الخلق من الغرابة إذ هو إيجاد الضد وهو نهاية الحرارة من ضده وهو الرطوبة. وهذا هو وجه وصف الشجر بالأخضر إذ ليس المراد من الأخضر اللون وإنما المراد لازمه وهو الرطوبة لأن الشجر أخضر اللون ما دام حياً فإذا جفّ وزالت منه الحياة استحال لونه إلى الغُبرة فصارت الخضرة كناية عن رطوبة النبت وحياته. قال ذو الرمة:
ولما تمنَّتْ تأكل الرِّمَّ لم تَدَعْ *** ذَوابل مما يجمعون ولا خضرا
ووصف الشجر وهو اسم جمع شجرة وهو مؤنث المعنى ب {الأخْضَرِ} بدون تأنيثثٍ مراعاة للفظ الموصوف بخلوّه عن علامة تأنيث وهذه لغة أهل نجد، وأما أهل الحجاز فيقولون: شَجَر خضراء على اعتبار معنى الجمع، وقد جاء القرآن بهما في قوله: {لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم} [الواقعة: 5254].
والمراد بالشجر هنا: شجر المَرْخ (بفتح الميم وسكون الراء) وشجر العَفَار (بفتح العين المهملة وفتح الفاء) فهما شجران يقتدح بأغصانهما يؤخذ غصن من هذا وغصن من الآخر بمقدار المِسواك وهما خضْرَاوَاننِ يقطر منهما الماء فيسحق المَرْخ على العَفار فتنقدح النار، قيل: يجعل العَفار أعلى والمَرْخ أسفل، وقيل العكس لأن الجوهري وابن السيد في «المخصص» قالا: العَفار هو الزّند وهو الذكَر والمَرْخ الأنثى وهو الزندة. وقال الزمخشري في «الكشاف»: المَرْخ الذكر والعَفَار الأنثى، والنار هي سِقط الزَّنْد، وهو ما يخرج عند الاقتداح مشتعلاً فيوضع تحته شيء قابل للالتهاب من تبن أو ثوب به زيت فتخطف فيه النار.
والمفاجأة المستفادة مِن {فإذا أنتم منه تُوقِدُونَ} دالة على عجيب إلهام الله البشر لاستعمال الاقتداح بالشجر الأخضر واهتدائهم إلى خاصيته.
والإيقاد: إشعال النار يقال: أَوقد، ويقال: وَقَد بمعنى.
وجيء بالمسند فعلاً مضارعاً لإِفادة تكرر ذلك واستمراره.
{أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81)}
عطف هذا التقرير على الاحتجاجات المتقدمة على الإِنسان المعني من قوله تعالى: {أو لم ير الإنسانُ أنَّا خلقناهُ مِن نُطْفَةٍ} [يس: 77]، وذلك أنه لما تبيّن الاستدلال بخلق أشياء على إمكان خَلق أمثالها ارتُقِي في هذه الآية إلى الاستدلال بخلق مخلوقات عظيمة على إمكان خلق مَا دونها.
وجيء في هذا الدليل بطريقة التقرير الذي دل عليه الاستفهام التقريري لأن هذا الدليل لوضوحه لا يسع المُقِرّ إلا الإِقرار به فإن البديهة قاضية بأن مَن خلق السماوات والأرض هو على خلق نَاس بعد الموت أقدر. وإنما وجه التقرير إلى نفي المقرَّر بثبوته توسعة على المقرَّر إن أراد إنكاراً مع تحقق أنه لا يسعه الإِنكار فيكون إقراره بعد توجيه التقرير إليه على نفي المقصود، شاهداً على أنه لا يستطيع إلا أن يقرّ، وأمثال هذا الاستفهام التقريري كثيرة.
وقرأ الجمهور {بقادر} بالباء الموحدة وبألف بعد القاف وجرّ الاسم بالباء المزيدة في النفي لتأكيده. وقرأه رويس عن يعقوب بتحتية بصيغة المضارع {يَقدر}. ولكون ذلك كذلك عقب التقرير بجواب عن المقرر بكلمة {بلى} التي هي لنقض النفي، أي بلى هو قادر على أن يخلق مثلهم.
وضمير {مِثلَهُم} عائد إلى {الإنْسانُ} في قوله: {أو لم ير الإنسانُ} [يس: 77] على تأويله بالناس سواء كان المراد بالإِنسان في قوله: {أو لم ير الإنسانُ أنَّا خلقناهُ من نُطْفة} [يس: 77] شخصاً معيّناً أم غير شخص، فالمقصود هو وأمثاله من المشايعين له على اعتقاده وهم المشركون بمكة، أي قادر على أن يخلق أمثالهم، أي أجساداً على صورهم وشَبههم لأن الأجسام المخلوقة للبعث هي أمثال الناس الذين كانوا في الدنيا مركبين من أجزائهم فإن إعادة الخلق لا يلزم أن تكون بجمع متفرق الأجسام بل يجوز كونها عن عدمها، ولعل ذلك كيفيات، فالأموات الباقية أجسادها تُبثّ فيها الحياة، والأموات الذين تفرقت أوصالهم وتفسخت يعاد تصويرها، والأجساد التي لم تبق منها باقية تعاد أجساد على صورها لتودع فيها أرواحهم، ألا ترى أن جسد الإِنسان يتغير على حالته عند الولادة ويكبر وتتغير ملامحه، ويجدّد كل يوم من الدم واللحم بقدر ما اضمحلّ وتبخّر ولا يعتبر ذلك التغير تبديلاً لذاته فهو يُحسّ بأنه هو هو والناس يميّزونه عن غيره بسبب عدم تغير الروح. وفي آيات القرآن ما يدل على هذه الأحوال للمعاد، ولذلك اختلف علماء السنّة في أن البعث عن عدم أو عن تفريق كما أشار إليه سيف الدين الآمدي في «أبْكار الأفكار» ومودعة فيها أرواحهم التي كانت تدبر أجسامهم فإن الأرواح باقية بعد فناء الأجساد.
وجملة {وهُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ} مُعترضة في آخر الكلام، والواو اعتراضية، أي هو يخلق خلائق كثيرة وواسع العلم بأحوالها ودقائق ترتيبها.
{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)}
هذه فذلكة الاستدلال، وفصل المقال، فلذلك فصلت عما قبلها كما تفصل جملة النتيجة عن جملتي القياس، فقد نتج مما تقدم أنه تعالى إذا أراد شيئاً تعلّقت قدرتُه بإيجاده بالأمر التكويني المعبر عن تقريبه ب {كُن} وهو أخصر كلمة تعبر عن الأمر بالكون، أي الاتصاف بالوجود.
والأمر في قوله: {إنَّما أمرُهُ} بمعنى الشأن لأنه المناسب لإِنكارهم قدرته على إحياء الرميم، أي لا شأن لله في وقت إرادته تكوين كائن إلا تقديره بأن يوجده، فعبر عن ذلك التقدير الذي ينطاع له المقدور بقول: {كُن} ليعلم أن لا يباشر صنعه بيد ولا بآلة ولا بعَجن مادة مَا يخلق منه كما يفعل الصنّاع والمهندسون، لأن المشركين نشأ لهم توّهم استحالة المعاد من انعدام المواد فضلاً عن إعدادها وتصويرها، فالقصر إضافي لقلب اعتقادهم أنه يحتاج إلى جمْع مادة وتكييفها ومُضيّ مدة لإِتمامها.
و {إذا} ظرف زمان في موضع نصب على المفعول فيه، أي حين إرادته شيئاً.
وقرأ الجمهور {فَيَكُونُ} مرفوعاً على تقدير: أن يقولَ له كن فهو يكون. وقرأه ابن عامر والكسائي بالنصب عطفاً على {يَقُولَ} المنصوب.
{فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)}
الفاء فصيحة، أي إذا ظهر كل ما سمعتم من الدلائل على عظيم قدرة الله وتفرده بالإِلهية وأنه يعيدكم بعد الموت فينشأ تنزيهه عن أقوالهم في شأنه المفضية إلى نقص عظمته لأن بيده الملك الأتم لكل موجود.
والملكوت: مبالغة في الملك (بكسر الميم) فإن مادة فعلوت وردت بقلة في اللغة العربية. من ذلك قولهم: رَهبوت ورحَموت، ومن أقوالهم الشبيهة بالأمثال «رَهبوت خير من رحموت» أي لأن يرهبَك الناسُ خير من أن يرحموك، أي لأن تكونَ عزيزاً يُخشى بأسك خير من أن تكون هيّناً يَرقّ لك الناس، وتقدم عند قوله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} في سورة الأنعام} (75).
وجملة {وإليهِ تُرجعُونَ} عطف على جملة التسبيح عطفَ الخبر على الإِنشاء فهو مما شملته الفصيحة. والمعنى: قد اتضح أنكم صائرون إليه غير خارجين من قبضة ملكه وذلك بإعادة خلقكم بعد الموت.
وتقديم {إليه} على {تُرْجَعُونَ} للاهتمام ورعاية الفاصلة لأنهم لم يكونوا يزعمون أن ثمة رجعة إلى غيره ولكنهم ينكرون المعاد من أصل.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire