{الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2)}
هذه آية واحدة عند جمهور العادِّين. ووقع في المصاحف التي برواية حفص عن عاصم علامةُ آية عقب كلمة {الرحمن}، إذ عدّها قراء الكوفة آية فلذلك عد أهل الكوفة آي هذه السورة ثمانياً وسبعين. فإذا جعل اسم {الرحمن} آية تعين أن يكون اسم «الرحمن»: إما خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: هو الرحمن، أو مبتدأ خبره محذوف يقدر بما يناسب المقام.
ويجوز أن يكون واقعاً موقع الكلمات التي يراد لفظها للتنبيه على غلط المشركين إذ أنكروا هذا الاسم قال تعالى: {قالوا وما الرحمن} كما تقدم في سورة الفرقان (60)، فيكون موقعه شبيهاً بموقع الحروف المقطَّعة التي يُتَهجّى بها في أوائل بعض السور على أظهر الوجوه في تأويلها وهو التعريض بالمخاطبين بأنهم أخطأوا في إنكارهم الحقائق.
وافتتح {باسم الرحمن} فكان فيه تشويق جميع السامعين إلى الخبر الذي يخبر به عنه إذ كان المشركون لا يألفون هذا الاسم قال تعالى: {قالوا وما الرحمن} [الفرقان: 60]، فهم إذا سمعوا هذه الفاتحة ترقبوا ما سيرد من الخبر عنه، والمؤمنون إذا طرق أسماعهم هذا الاسم استشرفوا لما سيرد من الخبر المناسب لوصفه هذا مما هم متشوقون إليه من آثار رحمته.
على أنه قد قيل: إن هذه السورة نزلت بسبب قول المشركين في النبي صلى الله عليه وسلم {إنما يعلمه بشر} [النحل: 103]، أي يعلمه القرآن فكان الاهتمام بذكر الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أقوى من الاهتمام بالتعليم.
وأوثر استحضار الجلالة باسم {الرحمن} دون غيره من الأسماء لأن المشركين يأبون ذكره فجمع في هذه الجملة بين ردَّين عليهم مع ما للجملة الاسمية من الدلالة على ثبات الخبر، ولأن معظم هذه السورة تعداد للنعم والآلاء فافتتاحها باسم {الرحمن} براعة استهلال.
وقد أُخبر عن هذا الاسم بأربعة أخبار متتالية غير متعاطفة رابعها هو جملة {الشمس والقمر بحسبان} [الرحمن: 5] كما سيأتي لأنها جيء بها على نمط التعديد في مقام الامتنان والتوقيف على الحقائق والتبكيت للخصم في إنكارهم صريح بعضها، وإعراضهم عن لوازم بعضها كما سيأتي، ففصل جملتي {خلق الإنسان علمه البيان} [الرحمن: 3، 4] عن جملة {علم القرآن} خلاف مقتضى الظاهر لنكتة التعديد للتبكيت.
وعطف عليها أربعة أُخر بحرف العطف من قوله: {والنجم والشجر يسجدان} إلى قوله: {والأرض وضعها للأنام} [الرحمن: 6 10] وكلها دالة على تصرفات الله ليعلمهم أن الاسم الذي استنكروه هو اسم الله وأن المسمى واحد.
وجيء بالمسند فعلاً مؤخراً عن المسند إليه لإِفادة التخصيص، أي هو علَّم القرآن لا بشرٌ علمه وحذف المفعول الأول لفعل {علم القرآن} لظهوره، والتقدير: علّم محمداً صلى الله عليه وسلم لأنهم ادعوا أنه معلَّم وإنما أنكروا أن يكون معلِّمه القرآن هو الله تعالى وهذا تبكيت أول.
وانتصب {القرآن} على أنه مفعول ثان لفعل {علم}، وهذا الفعل هنا معدَى إلى مفعولين فقط لأنه ورد على أصل ما يفيده التضعيف من زيادة مفعول آخر مع فاعل فعلِه المجرد، وهذا المفعول هنا يصلح أن يتعلق به التعليم إذ هو اسم لشيء متعلق به التعليم وهو القرآن، فهو كقول معن بن أوس:
أعلِّمه الرماية كلَّ يوم
وقوله تعالى: {وإذ علمتك الكتاب} في سورة العقود (110) وقوله: {وما علمناه الشعر} في سورة يس (69)، ولا يقال: علّمته زيداً صديقاً، وإنما يقال: أعلمته زيداً صديقاً، ففعل عَلِم إذا ضُعّف كان بمعنى تحصيل التعليم بخلافه إذ عُدّي بالهمزة فإنه يكون لتحصيل الإِخبار والإِنباء.
وقد عدد الله في هذه السورة نعماً عظيمة على الناس كلهم في الدنيا، وعلى المؤمنين خاصة في الآخرة وقدم أعظمها وهو نعمة الدين لأن به صلاح الناس في الدنيا، وباتباعهم إياه يحصل لهم الفوز في الآخرة. ولما كان دين الإسلام أفضل الأديان، وكان هو المنزّل للناس في هذا الإِبَّان، وكان متلقى من أفضل الوحي والكتب الإِلهية وهو القرآن، قدمه في الإِعلام وجعله مؤذناً بما يتضمنه من الدين ومشيراً إلى النعم الحاصلة بما بين يديه من الأديان كما قال: {هذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه} [الأنعام: 92].
ومناسبة اسم {الرحمن} لهذه الاعتبارات منتزعة من قوله: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107].
و {القرآن}: اسم غلب على الوحي اللفظي الذي أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم للإِعجاز بسورة منه وتعبُّد ألفاظه.
{خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3)}
خبر ثان، والمراد بالإِنسان جنس الإِنسان وهذا تمهيد للخبر الآتي وهو {علمه البيان} [الرحمن: 4].
وهذه قضية لا ينازعون فيها ولكنهم لما أعرضوا عن موجَبها وهو إفرادُ الله تعالى بالعبادة، سيق لهم الخبر بها على أسلوب التعديد بدون عطف كالذي يَعُد للمخاطب مواقع أخطائه وغفلته، وهذا تبكيت ثاننٍ.
ففي خلق الإِنسان دلالتان: أولاهما: الدلالة على تفرد الله تعالى بالإِلهية، وثانيتهما: الدلالة على نعمة الله على الإِنسان.
والخلق: نعمة عظيمة لأن فيها تشريفاً للمخلوق بإخراجه من غياهب العدم إلى مَبْرَز الوجود في الأعيان، وقُدّم خلق الإِنسان على خلق السماوات والأرض لما علمت آنفاً من مناسبة إردافه بتعليم القرآن.
ومجيء المسند فعلاً بعد المسند إليه يفيد تقوّي الحكم. ولك أن تجعله للتخصيص بتنزيلهم منزلة من ينكر أن الله خلق الإنسان لأنهم عبدوا غيره.
{عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)}
خبر ثالث تضمن الاعتبار بنعمة الإِبانة عن المراد والامتنان بها بعد الامتنان بنعمة الإِيجاد، أي علّم جنس الإِنسان أن يُبين عما في نفسه ليفيده غيره ويستفيد هو.
والبيان: الإِعراب عما في الضمير من المقاصد والأغراض وهو النطق وبه تميز الإِنسان عن بقية أنواع الحيوان فهو من أعظم النعم.
وأما البيان بغير النطق من إشارة وإيماء ولمح النظر فهو أيضاً من مميزات الإنسان وإن كان دون بيان النطق.
ومعنى تعليم الله الإِنسان البيانَ: أنه خلق فيه الاستعداد لعلم ذلك وألهمه وضع اللغة للتعارف، وقد تقدم عند قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} في سورة البقرة (31).
وفيه الإِشارة إلى أن نعمة البيان أجل النعم على الإنسان، فعدّ نعمة التكاليف الدينية وفيه تنويه بالعلوم الزائدة في بيان الإنسان وهي خصائص اللغة وآدابها.
ومجيء المسند فعلاً بعد المسند إليه لإِفادة تقوّي الحكم.
وفيه من التبكيت ما علمته آنفاً، ووجهه أنهم لم يشكروه على نعمة البيان إذ صرفوا جزءاً كبيراً من بيانهم فيما يلهيهم عن إفراد الله بالعبادة وفيما ينازعون به من يدعوهم إلى الهدى.
{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5)}
جملة هي خبر رابع عن الرحمن وإلاّ كان ذِكره هنا بدون مناسبة فينقلب اعتراضاً. ورابط الجملة بالمبتدأ تقديره: بحسبانه، أي حسبان الرحمن وضبطه.
وهذا استدلال على التفرد بخلق كوكب الشمس وكرة القمر وامتنان بما أودع فيهما من منافع للناس، ونظام سيرهما الذي به تدقيق نظام معاملات الناس واستعدادهم لما يحتاجون إليه عند تغيرات أجْوَائِهم وأرزاقهم. ويتضمن الامتنان بما في ذلك من منافعهم. وفي كون هذا الخبر جارياً على أسلوب التعديد ما قد علمت آنفاً من التبكيت، ووجهه أنهم غفلوا عما في نظام الشمس والقمر من الحكمة وما يَدل عليه ذلك النظام من تفرد الله بتقديره، فاشتغل بعضهم بعبادة الشمس وبعضهم بعبادة القمر كما قال تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37].
وجيء بهذه الجملة اسمية للتهويل بالابتداء باسم الشمس والقمر، وللدلالة على أن حسبانهما ثابت لا يتغير منذ بدء الخلق مؤذن بحكمة الخالق. واستغني بجعل اسم الشمس والقمر مسنداً إليهما عن تفكيك المسند إلى مسندين: أحدهما: يدل على الاستدلال، والآخر يدل على الامتنان، كما وقع في قوله: {خلق الإنسان علمه البيان} [الرحمن: 3، 4].
والحُسبان: مصدر حسَب بمعنى عد مثل الغفران.
والباء للملابسة وهي ظرف مستقر هو خبر عن الشمس والقمر، والتقدير: كائنان بحسبان، أي بملابسة حسبان، أي لحساب الناس مواقع سيرهما.
وإسناد هذه الملابسة إلى الشمس والقمر مجازي عقلي لأن الشمس والقمر سبب لتلبس الناس بحسابهما كما تقول: أنتَ بعنايةٍ مني، جعلت عنايتك ملابسة للمخاطب ملابسةً اعتبارية، وقوله تعالى: {فإنك بأعيننا} [الطور: 48]، وقد تقدم في قوله تعالى: {والشمس والقمر حسباناً} في سورة الأنعام (96). والحُسبان كناية عن انتظام سيرهما انتظاماً مطرداً لا يختل حساب الناس له والتوقيت به.
واقتصر على ذكر الشمس والقمر دون بقية الكواكب وإن كان فيها حسبان الأنواء، والحَرّ والبرد، مثللِ الجوزاء، والشِعرى، ومنزلة الأسد، والثريا، لأن هذين الكوكبين هما الباديان لجميع الناس لا يحتاج تعقل أحوالهما إلى تعليم توقيت مثل الكواكب الأخرى.
ولأن السورة هذه بنيت على ذكر الأمور المزدوجة والشمس والقمر مزدوجان في معارف عموم الناس فالشمس: كوكب سماوي لأنه أعلى من الأرض والأرض تدور حوله وداخلة في النظام الشمسي. والقمر: كوكب أرضي لأنه دون الأرض وتابع لها كبقية أقمار الكواكب فذكر الشمس والقمر كذكر السماء، والأرض، والمشرق، والمغرب، والبحرين.
{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6)}
عطف على جملة {الشمس والقمر بحسبان} [الرحمن: 5] عطف الخبر على الخبر للوجه الذي تقدم لأن سجود الشمس والقَمر لله تعالى وهو انتقال من الامتنان بما في السماء من المنافع إلى الامتنان بما في الأرض، وجعل لفظ {النجم} واسطة الانتقال لصلاحيته لأنه يراد منه نجوم السماء وما يسمى نجماً من نبات الأرض كما يأتي.
وعطفت جملة {والنجم والشجر يسجدان} ولم تفصل فخرجت من أسلوب تعداد الأخبار إلى أسلوب عطف بعض الأخبار على بعض لأن الأخبار الواردة بعد حروف العطف لم يقصد بها التعداد إذ ليس فيها تعريض بتوبيخ المشركين، فالإِخبار بسجود النجم والشجر أريد به الإِيقاظ إلى ما في هذا من الدلالة على عظيم القدرة دلالة رمزية، ولأنه لما اقتضى المقام جمع النظائر من المزاوجات بَعد ذكر الشمس والقمر، كان ذلك مقتضياً سلوك طريقة الوصل بالعطف بجامع التضاد.
وجُعلت الجملة مفتَتَحة بالمسند إليه لتكون على صورة فاتحة الجملة التي عطفت هي عليها. وأتي بالمسند فعلاً مضارعاً للدلالة على تجدد هذا السجود وتكرره على معنى قوله تعالى: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال} [الرعد: 15].
و {النجم} يطلق: اسمَ جمع على نجوم السماء قال تعالى: {والنجم إذا هوى} [النجم: 1]، ويطلق مفرداً فيُجمع على نجوم، قال تعالى: {وإدبار النجوم} [الطور: 49]. وعن مجاهد تفسيره هنا بنجوم السماء.
ويطلق النجم على النبات والحشيش الذي لا سُوق له فهو متصل بالتراب. وعن ابن عباس تفسير النجم في هذه الآية بالنبات الذي لا ساق له. والشجر: النبات الذي له ساق وارتفاعٌ عن وجه الأرض. وهذان ينتفع بهما الإِنسان والحيوان.
فحصل من قوله: {والنجم والشجر يسجدان} بعد قوله: {الشمس والقمر بحسبان} [الرحمن: 5] قرينتان متوازيتان في الحركة والسكون وهذا من المحسنات البديعية الكاملة.
والسجود: يطلق على وضع الوجه على الأرض بقصد التعظيم، ويطلق على الوقوع على الأرض مجازاً مرسلاً بعلاقة الإِطلاق، أو استعارة ومنه قولهم: «نخلة ساجدة» إذا أمالها حِمْلُها، فسجود نجوم السماء نزولها إلى جهات غروبها، وسجود نجم الأرض التصاقه بالتراب كالساجد، وسجود الشجر تطأطؤه بهبوب الرياح ودنوّ أغصانه للجانين لثماره والخابطين لورقه، ففعل {يسجدان} مستعمل في معنيين مجازيين وهما الدنو للمتناول والدلالة على عظمة الله تعالى بأن شبه ارتسام ظِلالهما على الأرض بالسجود كما قال تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طَوعاً وكرهاً وظِلالهم بالغدوّ والآصال} في سورة الرعد (15)، وكما قال امرؤ القيس:
يَكُبُّ على الأذ *** قان وْحَ الكَنَهْبَلِ
فقال: على الأذقان، ليكون الانكباب مشبهاً بسقوط الإنسان على الأرض بوجهه ففيه استعارة مكنية، وذكر الأذقان تخييل، وعليه يكون فعل يسجدان} هنا مستعملاً في مجازه، وذلك يفيد أن الله خلق في الموجودات دلالات عِدَّةً على أن الله مُوجدها ومُسخرها، ففي جميعها دلالات عقلية، وفي بعضها أو معظمها دلالات أخرى رمزية وخيالية لتفيد منها العقول المتفاوتة في الاستدلال.
{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)}
اطّرد في هذه الآية أسلوب المقابلة بين ما يُشبه الضدين بعد مقابلةِ ذِكر الشمس والقمرِ بذِكر النجممِ والشجر، فجيء بِذكر خلق السماء وخلق الأرض.
وعاد الكلام إلى طريقة الإِخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي كما في قوله: {الرحمن علم القرآن} [الرحمن: 1، 2]، وهذا معطوف على الخبر فهو في معناه.
ورفع السماء يقتضي خلقَها. وذُكر رفعها لأنه محل العبرة بالخلق العجيب. ومعنى رفعها: خلقُها مرفوعة إذ كانت مرفوعة بغير أعمدة كما يقال للخياط: وسّع جيب القميص، أي خِطْه واسعاً على أن في مجرد الرفع إيذاناً بسموّ المنزلة وشرفها لأن فيها منشأَ أحكام الله ومصدرَ قضائه، ولأنها مكان الملائكة، وهذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه.
وتقديم السماء على الفعل الناصب له زيادةٌ في الاهتمام بالاعتبار بخلقها.
و {الميزان}: أصله اسمُ آلة الوزن، والوزن تقديرُ تعادُللِ الأشياء وضبط مقادير ثقلها وهو مِفعال من الوزن، وقد تقدم في قوله تعالى: {والوزن يومئذٍ الحق فمن ثقلت موازينه} في سورة الأعراف (8)، وشاع إطلاق الميزان على العدل باستعارة لفظ الميزان للعدل على وجه تشبيه المعقول بالمحسوس.
والميزان هنا مراد به العدل، مثل الذي في قوله تعالى: {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} [الحديد: 25] لأنه الذي وضعه الله، أي عيّنه لإِقامة نظام الخلق، فالوضع هنا مستعار للجعل فهو كالإِنزال في قوله: {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان}. ومنه قول أبي طلحة الأنصاري «وإنّ أحبَّ أموالي إليّ بئرحاءٍ وأنها صدقة لله فضَعْهَا يا رسول الله حيثُ أراكَ الله» أي اجعلها وعينها لما يدُلُّك الله عليه فإطلاق الوضع في الآية بعد ذكر رفع السماء مشاكلة ضِدية وإيهامُ طباق مع قوله: {رفعها} ففيه محسِّنان بديعيان.
وقرن ذلك مع رفع السماء تنويهاً بشأن العدل بأن نسب إلى العالم العلوي وهو عالم الحق والفضائل، وأنه نزل إلى الأرض من السماء أي هو مما أمر الله به، ولذلك تكرر ذلك العدل مع ذكر خلق السماء كما في قوله تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق} في سورة يونس (5)، وقوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} في سورة الحجر (85)، وقوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق} في سورة الدخان (38، 39). وهذا يصدّق القول المأثور: بالعدل قامت السماوات والأرض. وإذ قد كان الأمر بإقامة العدل من أهم ما أوصى الله به إلى رسوله قُرن ذكر جعله بذكر خلق السماء فكأنه قيل ووضع فيها الميزان.
و (أنْ) في قوله: ألا تطغوا} يجوز أن تكون تفسيرية لأن فعل وضع الميزان فيه معنى أمر الناس بالعدل. وفي الأمر معنى القول دون حروفه فهو حقيق بأن يأتي تفسيرُه بحرف (أنْ) التفسيرية.
فكان النهي عن إضاعة العدل في أكثر المعاملات تفسيراً لذلك. فتكون (لا) ناهية.
ويجوز أن تكون (أنْ) مصدرية بتقدير لاَم الجر محذوفة قبلَها. والتقدير: لئلا تَطْغَوْا في الميزان، وعلى كلا الاحتمالين يراد بالميزان ما يشمل العدل ويشمل ما به تقدير الأشياء الموزونة ونحوها في البيع والشراء، أي من فوائد تنزيل الأمر بالعدل أن تجتنبوا الطغيان في إقامة الوزن في المعاملة. وتكون (لا) نافية، وفعْل {تطغوا} منصوباً ب (أن) المصدرية.
ولفظ {الميزان} يسمح بإرادة المعنيين على طريقة استعمال المشترك في معنييه. وفي لفظ الميزان وما قارنه من فعل {وضع} وفعلي {لا تَطْغَوْا} و{أقيموا} وحرف الباء في قوله: {بالقسط} وحرف {في} من قوله: {في الميزان} ولفظ {القسط}، كل هذه تظاهرت على إفادة هذه المعاني وهذا من إعجاز القرآن.
والطغيان: دحض الحق عمداً واحتقاراً لأصحابه، فمعنى الطغيان في العدل الاستخفاف بإضاعته وضعف الوازع عن الظلم. ومعنى الطغيان في وزن المقدرات تطفيفه.
و {في} من قوله: {في الميزان} ظرفية مجازية تفيد النهي عن أقل طغيان على الميزان، أي ليس النهي عن إضاعة الميزان كله بل النهي عن كل طغيان يتعلق به على نحو الظرفية في قوله تعالى: {وارزقوهم فيها واكسوهم} [النساء: 5]، أي ارزقوهم من بعضها وقول سَبرة بننِ عَمْرو الفقعسي:
سَبرةَ بننِ عَمْرو الفقعسي *** ونَشرب في أثمانها ونُقامر
إذْ أراد أنهم يشربون الخمر ببعض أثمان إبلهم ويقامرون، أي أن لهم فيها منافع أخرى وهي العطاء والأكل منها لقوله في صدر البيت:
نُحابي بها أكفاءنا ونُهينُها ***
وقوله تعالى: {وأقيموا الوزن بالقسط} عطف على جملة {ألا تطغوا في الميزان} على احتمال كون المعطوف عليها تفسيرية. وعلى جملة {ووضع الميزان} على احتمال كون المعطوف عليها تعليلاً.
والإِقامة: جعل الشيء قائماً، وهو تمثيل للإِتيان به على أكمل ما يراد له وقد تقدم عند قوله: {ويقيمون الصلاة} في سورة البقرة (3).
والوزن حقيقته: تحقيق تعادل الأجسام في الثقل، وهو هنا مراد به ما يشمل تقدير الكميات وهو الكيل والمقياس. ٍ
والقسط: العدل وهو معرب من الرومية وأصله قسطاس ثم اختصر في العربية فقالوا مرة: قسطاس، ومرة: قسط، وتقدم في قوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} في سورة الأنبياء (47).
والباء للمصاحبة. والمعنى: اجعلوا العدل ملازماً لما تقوّمونه من أموركم كما قال تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} [الأنعام: 152] وكما قال: {ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا} [المائدة: 8]، فيكون قوله: {بالقسط} ظرفاً مستقراً في موضع الحال، أو الباء للسببية، أي راعوا في إقامة التمحيص ما يقتضيه العدل، فيكون قوله: {بالقسط} طرفاً لغواً متعلقاً، وقد كان المشركون يعهدون إلى التطفيف في الوزن كما جاء في قوله تعالى: {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} [المطففين: 1 3].
فلما كان التطفيف سنة من سنن المشركين تصدت للآية للتنبيه عليه، ويجيء على الاعتبارين تفسير قوله: {ولا تخسروا الميزان} فإن حُمل الميزان فيه على معنى العدل كان المعنى النهي عن التهاون بالعدل لغفلة أو تسامح بعد أن نهى عن الطغيان فيه، ويكون إظهار لفظ الميزان في مقام ضميره تنبيهاً على شدة عناية الله بالعدل، وإنْ حُمل فيه على آلة الوزن كان المعنى النهي عن غبن الناس في الوزن لهم كما قال تعالى في سورة المطففين (3) {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} والإِخسار: جعل الغير خاسرا والخسارة النقص.
فعلى حمل الميزان على معنى العدل يكون الإِخسار جعل صاحب الحق خاسراً مغبوناً؛ ويكون الميزان} منصوباً على نزع الخافص، وعلى حمل الميزان على معنى آلة الوزن يكون الإِخسار بمعنى النقص، أي لا تجعلوا الميزان ناقصاً كما قال تعالى: {ولا تنقصوا المكيال والميزان} [هود: 84]، وقد علمت هذا النظم البديع في الآية الصالح لهذه المحامل.
{وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12)}
عطف على {والسماء رفعها} [الرحمن: 7] وهو مقابلُهُ في المزاوجة والوضع يقابل الرفع، فحصل محسِّن الطباق مرتين، ومعنى {وضعها} خفضها لهم، أي جعلها تحت أقدامهم وجُنوبهم لتمكينهم من الانتفاع بها بجميع ما لهم فيها من منافع ومعالجات.
واللام في {للأنام} لَلأجْل. والأنام: اختلفت أقوال أهللِ اللغة والتفسير فيه، فلم يذكره الجوهري ولا الراغب في «مفردات القرآن» ولا ابن الأثير في «النهاية» ولا أبو البقاء الكفوي في «الكليات». وفسره الزمخشري بقوله: «الخلق وهو كل ما ظهر على وجه الأرض من دابة فيها روح». وهذا مروي عن ابن عباس وجمععٍ من التابعين. وعن ابن عباس أيضاً: أنه الإِنسان فقط. وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه.
وسياق الآية يرجح أن المراد به الإنسان، لأنه في مقام الامتنان والاعتناء بالبشر كقوله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29].
والظاهر أنه اسم غير مشتق وفيه لغات: أنام كسحاب، وآنام كساباط، وأنيم كأمير.
وجملة {فيها فاكهة} إلى آخرها مبينة لجملة {والأرض وضعها للأنام} وتقديم {فيها} على المبتدأ للاهتمام بما تحتوي عليه الأرض.
ولما كان قوله: {وضعها للأنام} يتضمن وضعاً وعِلة لذلك الوضْع كانت الجملة المبينة له مشتملة على ما فيه العبرة والامتنان.
والفاكهة: اسم لما يؤكل تفكهاً لا قوتاً مشتقة من فَكِه كفرح، إذا طابت نفسه بالحديث والضحك، قال تعالى: {فظلتم تفكَّهون} [الواقعة: 65] لأن أكل ما يلذ للأكل وليس بضروري له إنما يكون في حال الانبساط.
والفاكهة: مثل الثمار والنُقول من لَوز وجوز وفستق.
وعطف على الفاكهة النخل وهو شجر التمر، وهو أهم شجر الفاكهة عند العرب الذين نزل القرآن فيهم، وهو يثمر أصنافاً من الفاكهة من رُطب وبُسر ومن تمر وهو فاكهة وقوتٌ.
ووصف النخل ب {ذات الأكمام} وصف للتحسين فهو اعتبار بأطوار ثمر النخل، وامتنان بجماله وحسنه كقوله تعالى: {ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون} [النحل: 6] فامتنّ بمنافعها وبحسن منظرها.
و {الأكمام}: جمع كِمّ بكسر الكاف وهو وعاء ثمر النخلة ويقال له: الكُفُرَّى، فليست الأكمام مما ينتفع به فتعينّ أن ذكرها مع النخل للتحسين.
و {والحب ذو العصف}: هو الحب الذي لنباته سنابل ولها ورق وقصب فيصير تبناً، وذلك الورق والقصب هو العصف، أي الذي تعصفه الرياح وهذا وصف لحبّ الشعير والحنطة وبهما قوام حياة معظم الناس وكذلك ما أشبههما من نحو السلت والأرُز.
وسمي العصف عصفاً لأن الرياح تعصفه، أي تحركه ووصفُ الحب بأنه {ذو العصف} للتحسين وللتذكير بمنة جمال الزرع حين ظهوره في سنبله في حقوله نظير وصف النخل بذات الأكمام ولأن في الموصوف ووصفه أقوات البشر وحيوانهم.
وقرأ الجمهور {والحب ذو العصف والريحان} برفع {الحبُّ} ورفع {الريحان} ورفع {ذو}، وقرأه حمزة والكسائي وخلف برفع {الحب} و{ذو} وبجر {الريحان} عطفاً على {العصف}. وقرأه ابن عامر بنصب الأسماء الثلاثة وعلامة نصب {ذا العصف} الألف. وكذلك كتب في مصحف الشام عطفاً على {الأرض} أو هو على الاختصاص.
و {الريحانُ}: ما له رائحة ذكية من الأزهار والحشائش وهو فَعْلان من الرائحة، وإنما سمي به ما له رائحة طيبة. وهذا اعتبار وامتنان بالنبات المودعة فيه الأطياب مثل الورد والياسمين وما يسمى بالريحان الأخضر.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)}
الفاء للتفريع على ما تقدم من المنن المدمجة مع دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحقّية وَحي القرآن، ودلائل عظمة الله تعالى وحكمته باستفهام عن تعيين نعمة من نعم الله يتأتى لهم إنكارها، وهو تذييل لما قبله.
و (أيِّ) استفهام عن تعيين واحد من الجنس الذي تضاف إليه وهي هنا مستعملة في التقرير بذكر ضِدّ ما يقربه مثل قوله: {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 1]. وقد بينته عند قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} في سورة الأنعام (130)، أي لا يستطيع أحد منكم أن يجحد نعم الله.
والآلاء: النعم جمع: إلْي بكسر الهمزة وسكون اللام، وأَلْي بفتح الهمزة وسكون اللام وياء في آخره ويقال أَلْوُ بواو عوض الياء وهو النعمة.
وضمير المثنى في ربكما تكذبان} خطاب لفريقين من المخاطبين بالقرآن. والوجه عندي أنه خطاب للمؤمنين والكافرين الذين ينقسم إليهما جنس الإِنسان المذكور في قوله: {خلق الإنسان} [الرحمن: 3] وهم المخاطبون بقوله: {ألا تطغوا في الميزان} [الرحمن: 8] الآية والمنقسم إليهما الأنام المتقدم ذكره، أي أن نعم الله على الناس لا يجحدها كافر بَلْهَ المؤمن، وكل فريق يتوجه إليه الاستفهام بالمعنى الذي يناسب حاله.
والمقصود الأصلي: التعريض بالمشركين وتوبيخهم على أن أشركوا في العبادة مع المنعِم غيرَ المنعِم، والشهادةُ عليهم بتوحيد المؤمنين، والتكذيب مستعمل في الجحود والإِنكار.
وقيل التثنية جرت على طريقة في الكلام العربي أن يخاطبوا الواحد بصيغة المثنى كقوله تعالى: {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} [ق: 24] ذكر ذلك الطبري والنسفي.
ويجوز أن تكون التثنية قائمة مقام تكرير اللفظ لتأكيد المعنى مثل: لَبيك وسعديك، ومعنى هذا أن الخطاب لواحد وهو الإنسان.
وقال جمهور المفسرين: هو خطاب للإنس والجن، وهذا بعيد لأن القرآن نزل لخطاب الناس ووعظهم ولم يأت لخطاب الجن، فلا يتعرض القرآن لخطابهم، وما ورد في القرآن من وقوع اهتداء نفر من الجن بالقرآن في سورة الأحقاف وفي سورة الجن يحمل على أن الله كلّف الجن باتباع ما يتبين لهم في إدراكهم، وقد يُكلف الله أصنافاً بما هم أهل له دون غيرهم، كما كلّف أهل العلم بالنظر في العقائد وكما كلّفهم بالاجتهاد في الفروع ولم يكلف العامة بذلك، فما جاء في القرآن من ذكر الجن فهو في سياق الحكاية عن تصرفات الله فيهم وليس لتوجيه العمل بالشريعة.
وأما ما رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله الأنصاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن وهم ساكتون فقال لهم " لقد قرأتُها على الجن ليلةَ الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: {فبأي ألاء ربكما تكذبان} قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ". قال الترمذي: هو حديث غريب وفي سنده زهير بن محمد وقد ضعفه البخاري وأحمد بن حنبل.
وهذا الحديث لو صح فليس تفسيراً لضمير التثنية لأن الجن سمعوا ذلك بعد نزوله فلا يقتضي أنهم المخاطبون به وإنما كانوا مقتدين بالذين خاطبهم الله، وقيل الخطاب للذكور والإِناث وهو بعيد.
والتكذيب مستعمل في معنى الجحد والإِنكار مجازاً لتشنيع هذا الجحد.
وتكذيب الآلاء كناية عن الإِشراك بالله في الإِلهية. والمعنى: فبأي نعمة من نعم الله عليكم تنكرون أنها نعمة عليكم فأشركتم فيها غيره بَلْه إنكار جميع نعمه إذ تعبدون غيره دواماً.
{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15)}
هذا انتقال إلى الاعتبار بخلق الله الإِنسان وخلقه الجن.
والقول في مجيء المسند فعلاً كالقول في قوله: {علم القرآن} [الرحمن: 2].
والمراد بالإِنسان آدم وهو أصل الجنس وقوله: {من صلصال} تقدم نظيره في سورة الحجر (2).
والصلصال: الطين اليابس.
والفخار: الطين المطبوخ بالنار ويُسمى الخزَف. وظاهر كلام المفسرين أن قوله: {كالفخار} صفة ل {صلصال}. وصرح بذلك الكواشي في «تلخيص التبصرة» ولم يعرجوا على فائدة هذا الوصف. والذي يظهر لي أن يكون كالفخار حالاً من {الإنسان}، أي خلقه من صلصال فصار الإِنسان كالفخار في صورة خاصة وصلابة.
والمعنى أنه صلصال يابس يشبه يبس الطين المطبوخ والمشبه غير المشبه به، وقد عبر عنه بالحمأ المسنون، والطين اللازب، والتراب.
و {الجانُّ}: الجن والمراد به إبليس وما خرج عنه من الشياطين، وقد حكى الله عنه قوله: {خلقتني من نار وخلقته من طين} [ص: 76].
والمارج: هو المختلط وهو اسم فاعل بمعنى اسم المفعول مثل دافق، وعيشة راضية، أي خلق الجان من خليط من النار، أي مختلط بعناصر أخرى إلا أن الناس أغلَب عليه كما كان التراب أغلب على تكوين الإنسان مع ما فيه من عنصر النار وهو الحرارة الغريزية والمقصود هنا هو خلق الإنسان بقرينة تذييله بقوله: {فبأي ألاء ربكما تكذبان} [الرحمن: 16] وإنما قُرن بخلق الجان إظهاراً لكمال النعمة في خلق الإنسان من مادة لَينة قابلاً للتهذيب والكمال وصدور الرفق بالموجودات التي معه على وجه الأرض.
وهو أيضاً تذكير وموعظة بمظهر من مظاهر قدرة الله وحكمته في خلق نوع الإِنسان وجنس الجان.
وفيه إيماء إلى ما سبق في القرآن النازِل قبل هذه السورة من تفضيل الإنسان على الجان إذ أمر الله الجانّ بالسجود للإِنسان، وما ينطوي في ذلك من وفرة مصالح الإِنسان على مصالح الجان، ومِن تأهله لعمران العالم لكونه مخلوقاً من طينته إذ الفضيلة تحصل من مجموع أوصاف لا من خصوصيات مفردة.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16)}
هذا توبيخ على عدم الاعتراف بنعم الله تعالى، جيء فيه بمثل ما جيء به في نظيره الذي سبقه ليكون التوبيخ بكلام مثللِ سابقه، وذلك تكريرٌ من أسلوب التوبيخ ونحوه أن يكون بمثل الكلام السابق، فحق هذا أن يسمى بالتعداد لا بالتكرار، لأنه ليس تكريراً لمجرد التأكيد، فالفاء من قوله: {فبأي ألاء ربكما} هنا تفريع على قوله: {رب المشرقين ورب المغربين} [الرحمن: 17] لأن ربوبيته تقتضي الاعتراف له بنعمة الإِيجاد والإِمداد وتحصل من تماثل الجمل المكررة فائدة التأكيد والتقرير أيضاً فيكون للتكرير غرضان كما قدمناه في الكلام على أول السورة.
وفائدة التكرير توكيد التقرير بما لله تعالى من نعم على المخاطبين وتعريض بتوبيخهم على إشراكهم بالله أصناماً لا نعمة لها على أحد، وكلها دلائل على تفرد الإِلهية. وعن ابن قتيبة «أن الله عدّد في هذه السورة نعماء، وذكر خلقه آلاءه ثم أتبع كل خلة وَصَفها، ونعمة وضعها بهذه، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها» اه. وقال الحسين بن الفضل: التكرير طرد للغفلة وتأكيد للحجة.
وقال الشريف المرتضى في مجالسه وأماله المسمّى «الدرر والغرر»: وهذا كثير في كلام العرب وأشعارهم، قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليباً:
على أن ليس عدلاً من كليب *** إذا طرد اليتيم عن الجزور
وذكر المصراع الأول ثماني مرات في أوائل أبيات متتابعة. وقال الحارث بن عياد:
قَرِّبَا مربط النعامة مني *** لقحت حرب وائل عن حبال
ثم كرر قوله: قرِّبا مربط النعامة مني، في أبيات كثيرة من القصيد.
وهكذا القول في نظائر قوله: {فبأي ألاء ربكما تكذبان} المذكور هنا إلى ما في آخر السورة.
{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)}
استنئاف ابتدائي فيه بيان لجملة {الشمس والقمر بحسبان} [الرحمن: 5] وعطف {ورب المغربين} لأجل ما ذكرته آنفاً من مراعاة المزاوجة.
وحذف المسند إليه على الطريقة التي سماها السكاكي باتباع الاستعمال الوارد على تركه أو ترك نظائره وتقدم غير مرة.
والمشرق: جهة شروق الشمس، والمغرب: جهة غروبها. وتثنية المشرقين والمغربين باعتبار أن الشمس تطلع في فصلي الشتاء والربيع من سمت وفي فصلي الصيف والخريف من سمت آخر وبمراعاة وقت الطول ووقت القصر وكذلك غروبها وهي فيما بين هذين المشرقين والمغربين ينتقل طلوعها وغروبها في درجات متقاربة فقد يعتبر ذلك فيقال: المشارق والمغارب كما في قوله تعالى: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنّا لقادرون} في سورة المعارج (40).
ومن زعم أن تثنية المشرقين لمراعاة مشرق الشمس والقمر وكذلك تثنية المغربين لم يغص على معنى كبير.
وعلى ما فسّر به الجمهور المشرقين} و{المغربين} بمشرقي الشمس ومغربيها فالمراد ب {المشرقين} النصف الشرقي من الأرض، وب {المغربين} النصف الغربي منها.
وربوبية الله تعالى للمشرقين والمغربين بمعنى الخلق والتصرف.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18)}
تكرير كما علمت آنفاً.
{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20)}
خبر آخر عن {الرحمن} [الرحمن: 1] قصد منه العبرة بخلق البحار والأنهار، وذلك خلق عجيب دال على عظمة قدرة الله وعلمه وحكمته.
ومناسبة ذكره عقب ما قبله أنه لما ذُكر أنه سبحانه رب المشرقين ورب المغربين وكانت الأبحر والأنهار في جهات الأرض ناسب الانتقال إلى الاعتبار بخلقهما والامتنان بما أودعهما من منافع الناس.
والمرج: له معان كثيرة، وأولاها في هذا الكلام إنه الإِرسال من قولهم: «مرج الدابة» إذا أرسلها ترعى في المَرج، وهو الأرض الواسعة ذات الكلأ الذي لا مالك له، أي: تركها تذهب حيث تشاء.
والمعنى: أرسل البحرين لا يحبس ماءهما عن الجري حاجز. وهذا تهيئة لقوله بعد {يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان}.
والمراد: أنه خَلَقهما ومرَجَهما، لأنه ما مَرَجَهما إلا عقب أن خلقهما.
ويلتقيان: يتصلان بحيث يصب أحدهما في الآخر.
والبحر: الماء الغامر جزءاً عظيماً من الأرض يطلق على المالح والعذب.
والمراد تثنية نوعي البحر وهما البحر الملح والبحر العذب. كما في قوله تعالى: {وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج} [فاطر: 12] والتعريف تعريف العهد الجنسي.
فالمقصود ما يعرفه العرب من هذين النوعين وهما نهر الفرات وبحر العجم المسمّى اليوم بالخليج الفارسي. والتقاؤهما انصباب ماء الفُرات في الخليج الفارسي. في شاطئ البَصرة، والبلادُ التي على الشاطئ العربي من الخليج الفارسي تعرف عند العرب ببلاد البَحْريْن لذلك.
والمراد بالبرزخ الذي بينهما: الفاصل بين الماءين الحلو والملح بحيث لا يغير أحد البحرين طعم الآخر بجواره. وذلك بما في كل ماء منهما من خصائص تدفع عنه اختلاط الآخر به. وهذا من مسائل الثقل النوعي. وذكر البرزخ تشبيه بليغ، أي بينهما مثل البرزخ وهو معنى {لا يبغيان}، أي لا يبغي أحدهما على الآخر، أي لا يغلب عليه فيُفسدَ طعمه فاستعير لهذه الغلبة لفظ البغي الذي حقيقته الاعتداء والتظلم.
ويجوز أن تكون التثنية تثنية بحرَيْن ملحين معينين، والتعريف حينئذٍ تعريف العهد الحضوري، فالمراد: بحران معروفان للعرب. فالأظهر أن المراد: البحر الأحمر الذي عليه شطوط تهامة مثل: جُدّة ويُنبع النخل، وبحر عُمان وهو بحر العرب الذي عليه حَضْرموت وعَدَن من بلاد اليمن.
والبرزخ: الحاجز الفاصل، والبرزخ الذي بين هذين البحرين هو مضيق باب المَنْدبَ حيث يقع مرسى عَدَن ومرسى زَيلع.
ولما كان في خلق البحرين نعم على الناس عظيمة منها معروفة عند جميعهم فإنهم يسيرون فيهما كما قال تعالى: {وترى الفلك مواخر فيه} [النحل: 14] وقال: {هو الذي يسيرّكم في البر والبحر} [يونس: 22] واستخراج سمكه والتطهر بمائه. ومنها معروفة عند العلماء وهي مَا لأَمْلاَححِ البحر من تأثير في تنقية هواء الأرض واستجلاب الأمطار وتلقي الأجرام التي تنزل من الشهب وغير ذلك.
وجملة {يلتقيان} وجملة {بينهما برزخ} حالان من {البحرين}.
وجملة {لا يبغيان} مبينة لجملة {بينهما برزخ}.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)}
تكرير كما علمته مما تقدم، ووقع هنا اعتراضاً بين أحوال البحرين.
{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23)}
حال ثالثة. ثم إن كان المراد بالبحرين: بحرين معروفين من البحار الملحة تكون (من) في قوله: {منهما} ابتدائية لأن اللؤلؤ والمرجان يكونان في البحر الملح.
وإن كان المراد بالبحرين: البحر الملح، والبحر العذب كانت (من) في قوله: {منهما} للسببية كما في قوله تعالى: {فمن نفسك} في سورة النساء (79)، أي يخرج اللؤلؤ والمرجان بسببهما، أي بسبب مجموعهما. أما اللؤلؤ فأجْودُهُ ما كان في مصبّ الفرات على خليج فارس، قال الرماني: لما كان الماء العذب كاللقاح للماء الملح في إخراج اللؤلؤ، قيل: يخرج منهما كما يقال: يتخلق الولد من الذكر والأنثى، وقد تقدم بيان تَكون اللؤلؤ في البحار في سورة الحج.
وقال الزجّاج: قد ذكرهما الله فإذا خرج من أحدهما شيء فقد خرج منهما وهو كقوله تعالى: {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً} [نوح: 15، 16]، والقمر في السماء الدنيا. وقال أبو علي الفارسي: هو من باب حذف المضاف، أي من أحدهما كقوله تعالى: {على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] أي من إحداهما.
و {المرجان}: حيوان بحري ذو أصابع دقيقة ينشأ ليّناً ثُمَّ يتحجّر ويتلوّن بلون الحمرة ويتصلب كلما طال مكثه في البحر فيستخرج منه كالعروق تتخذ منه حلية ويسمى بالفارسية (بسَذ). وقد تتفاوت البحار في الجيّد من مرجانها. ويوجد ببحر طَبرقَة على البحر المتوسط في شمال البلاد التونسية.
و {المرجان}: لا يخرج من ملتقى البحرين الملح والعذب بل من البحر الملح.
وقيل: المرجان اسم لصغار الدرّ، واللؤلؤ كباره فلا إشكال في قوله منهما.
وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب {يخرج} بضم الياء وفتح الراء على البناء للمجهول. وقرأ الباقون {يخرج بفتح الياء وضم الراء لأنهما إذا أخرجهما الغوّاصون فقد خرجا.
وبين قوله: {مرج} [الرحمن: 19] وقوله: {والمرجان} الجناس المذيّل.
{وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24)}
الجملة عطف على جملة {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] لأن هذا من أحوال البحرين وقد أغنت إعادة لفظ البحر عن ذكر ضمير البحرين الرابط لجملة الحال بصاحبها.
واللام للملك وهو مِلك تسخير السير فيها، قال تعالى: {ومن آياته الجوارِ في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا} [الشورى: 32 34]. فالمعنى: أن الجواري في البحر في تصرفه تعالى، قال تعالى: {والفلك تجري في البحر بأمره} [الحج: 65].
والإِخبار عن الجواري بأنها له للتنبيه على أن إنشاء البحر للسفن لا يخرجها عن ملك الله.
والجوارِ صفة لموصوف محذوف دل عليه متعلقه وهو قوله: {في البحر}. والتقدير: السفن الجواري إذ لا يجري في البحر غير السفن.
وكتب في المصحف الإِمام {الجوار} براء في آخره دون ياء وقياس رسمه أن يكون بياء في آخره، فكتب بدون ياء اعتداداً بحالة النطق به في الوصل إذ لا يقف القارئ عليه ولذلك قرأه جميع العشرة بدون ياء في حالة الوصل والوقف لأن الوقف عليه نادر في حال قراءة القارئين.
وقرأ الجمهور {المنشئات} بفتح الشين، فهو اسم مفعول، إذا أُوجد وصُنع، أي التي أنشأها الناس بإلهام من الله فحصل من الكلام مِنَّتان مِنة تسخير السفن للسير في البحر ومنّة إلهام الناس لإِنشائها.
وقرأه حمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر الشين فهو اسم فاعل.
فيجوز أن يكون المنشئات مشتقاً من أنشأ السير إذا أسرع، أي التي يسير بها الناس سيراً سريعاً. قال مجاهد: المنشئات التي رفعت قلوعها. والآية تحتمل المعنيين على القراءتين باستعمال الاشتقاق في معنيي المشتق منه ويكون في ذلك تذكيراً بنعمة إلهام الناس إلى اختراع الشراع لإِسراع سير السفن وهي مما اخترع بعد صنع سفينة نوح.
ووصفت الجَوَارِي بأنها كالأعلام، أي الجبال وصفاً يفيد تعظيم شأنها في صنعها المقتضي بداعة إلهام عقول البشر لصنعها، والمقتضى عظم المِنّة بها لأن السفن العظيمة أمكن لحمل العدد الكثير من الناس والمتاع.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25)}
{فَبِأَىِّ ءَالاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
تكرير لنظيره المتقدم أولاً.
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)}
لما كان قوله: {وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام} [الرحمن: 24] مؤذناً بنعمة إيجاد أسباب النجاة من الهلاك وأسباب السعي لتحصيل ما به إقامة العيش إذ يَسَّر للناس السفن عوناً للناس على الأسفار وقضاء الأوطار مع السلامة من طغيان ماء البحار، وكان وصف السفن بأنها كالأعلام توسعة في هذه النعمة أتبعه بالموعظة بأن هذا لا يحول بين الناس وبين ما قدره الله لهم من الفناء، على عادة القرآن في الفُرص للموعظة والتذكير كقوله: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78]. وفائدة هذا أن لا ينسوا الاستعداد للحياة الباقية بفعل الصالحات، وأن يتفكروا في عظيم قدرة الله تعالى ويقبلوا على توحيده وطلب مرضاته.
ووقوع هذه الجملة عقب ما عدد من النعم فيه إيماء إلى أن مصير نعم الدنيا إلى الفناء.
والجملة استئناف ابتدائي.
وضمير {عليها} مراد به الأرض بقرينة المقام مثل {حتى توارت بالحجاب} [ص: 32]، أي الشمس ومثله في القرآن وكثير وفي كلام البلغاء.
ومعنى {فانٍ}: أنه صائر إلى الفناء، فهذا من استعمال اسم الفاعل لزمان الاستقبال بالقرينة مثل {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30].
والمراد ب {من عليها}: الناس لأنهم المقصود بهذه العبر، ولذلك جيء ب (من) الموصولة الخاصة بالعقلاء.
والمعنى: أن مصير جميع من على الأرض إلى الفناء، وهذا تذكير بالموت وما بعده من الجزاء.
و {وجه ربك}: ذاته، فذكر الوجه هنا جار على عرف كلام العرب. قال في «الكشاف»: والوجه يعبر به عن الجملة والذات ا ه.
وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعان مختلفة منها ما هنا ومنها قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] وقوله: {إنما نطعمكم لوجه الله} [الإنسان: 9].
وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي وهو الجزء الذي في الرأس.
واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجاً إلى أن اتضح وجه التأويل بالجرْي على قواعد علم المعاني فزال الخفاء، واندفع الجفاء، وكلا الفريقين خيرة الحنفاء.
وضمير المخاطب في قوله: {وجه ربك} خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وفيه تعظيم لقدر النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم غير مرة.
والمقصود تبليغه إلى الذين يتلى عليهم القرآن ليذكَّروا ويعتبروا. ويجوز أن يكون خطاباً لغير معينّ ليعمّ كل مخاطب.
ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف ب {ذو الجلال}، أي العظمة و{الإكرام}، أي المنعم على عباده وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإِكرام في عرف اللغة، وإنما يضاف للإِكرام اليد، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه، وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص وفي الإِكرام جميع صفات الكمال الوجودية وصفات الجمال كالإِحسان.
وتفريع {فبأي آلاء ربكما تكذبان} إنما هو تفريع على جملة {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} كما علمت من أنه يتضمن معاملة خلقه معاملة العظيم الذي لا تصدر عنه السفاسف، الكريم الذي لا يقطع إنعامه، وذلك من الآلاء العظيمة.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28)}
تكرير كما تقدم وهذا الموقع ينادي على أن ليست هذه الجملة تذييلاً لجملة {كل من عليها فان} [الرحمن: 26]، ولا أن جملة {كل من عليها فان} تتضمن نعمة إذ ليس في الفناء نعمة.
{يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)}
{يَسْأَلُهُ مَن فِى السماوات والأرْض}.
استئناف، والمعنى أن الناس تنقرض منهم أجيال وتبقى أجيال وكلُ باققٍ محتاج إلى أسباب بقائه وصلاح أحواله فهم في حاجة إلى الذي لا يفنى وهو غير محتاج إليهم. ولما أفضى الإِخبار إلى حاجة الناس إليه تعالى أتبع بأن الاحتياج عام أهل الأرض وأهل السماء. فالجميع يسألونه، فسؤال أهل السماوات وهم الملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ويسألون رضى الله تعالى، ومَنْ في الأرض وهم البشر يسألونه نعم الحياة والنجاة في الآخرة ورفع الدرجات في الآخرة. وحذف مفعول {يسئله} لإِفادة التعميم، أي يسألونه حوائجهم ومهامهم من طلوع الشمس إلى غروبها.
{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَانٍ}.
يجوز أن تكون الجملة حالاً من ضمير النصب في {يسئله} أو تذييلاً لجملة {يسئله من في السموات والأرض}، أي كلّ يوم هو في شأن من الشؤون للسائلين وغيرهم فهو تعالى يُبرم شؤوناً مختلفة من أحوال الموجودات دواماً، ويكون {كل يوم} ظرفاً متعلقاً بالاستقرار في قوله: {هو في شأن}، وقدم على ما فيه متعلّقهُ للاهتمام بإفادة تكرر ذلك ودوامه. والمعنى: في شأن من شؤون من في السماوات والأرض من استجابة سُؤللٍ، ومن زيادة، ومن حرمان، ومن تأخير الاستجابة، ومن تعويض عن المسؤول بثواب، كما ورد في أحاديث الدعاء أن استجابته تكون مختلفة، وتقدم عند قوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60].
ومعنى {في} على هذا التفسير تقويَة ثبوت الشؤون لله تعالى وهي شؤون تصرّفه ومظاهر قدرته، كما قال الحسين بن الفضل النيسابوري: «شؤون يبديها لا شؤون يبتديها».
و {يوم} مستعمل مجازاً في الوقت بعلاقة الإِطلاق، إذ المعنى: كل وقت من الأوقات ولو لحظة، وليس المراد باليوم الوقت الخاص الذي يمتد من الفجر إلى الغروب.
وإطلاق اليوم ونحوه على مطلق الزمان كثير في كلام العرب كقولهم: الدهر يومان يوم نُعُم ويوم بُؤس، وقال عمرو بن كلثوم:
وإنّ غَداً وإن اليومَ رهن *** وبَعد غَدٍ لِمَا لا تعلمين
أراد الزمان المستقبل والحاضر والمستقبل البعيد وإلا فأي فرق بين غد وبعد غد.
والشأن: الشيء العظيم والحدث المهم من مخلوقات وأعمال من السماوات والأرض، وفي الحديث " أنه تعالى كل يوم يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع أقواماً ويضع آخرين " وهو تعالى يأمر وينهي ويحيي ويميت ويعطي ويمنع ونحو ذلك وإذا كان في تصرفه كل شأن فما هو أقل من الشأن أولى بكونه من تصرفه.
والظرفية المستعملة فيها حرف {في} ظرفية مجازية مستعارة لشدة التلبس والتعلق بتصرفات الله تعالى بمنزلة إحاطة الظرف بالمظروف أو بأسئلة المخلوقات الذين في السماء والأرض.
والمعنى: أنه تعالى كل يوم تتعلق قدرته بأمور يبرزها ويتعلق أمره التكويني بأمور من إيجاد وإعدامٍ.
ومن أحاسن الكلم في تفسير هذه الآية قول الحسين بن الفضل لما سأله عبد الله بن طاهر قائلاً: قد أشكل عليّ قوله هذا: وقد صح أن القلم جفّ بما هو كائن إلى يوم القيامة. فقال: «إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها» وقد أجمل الحُسين بن الفضل الجواب بما يقنع أمثال عبد الله بن طاهر، وإن كان الإِشكال غير وارد إذ ليس في الآية أن الشؤون تخالف ما سطره قلم العلم الإِلهي، على أن هذا الجواب لا يجري إلا على أحد الوجوه في تفسير قوله: {كل يوم هو في شأن} كما علمت آنفاً.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30)}
تكرير لنظائره.
{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (31)}
هذا تخلّص من الاعتبار بأحوال الحياة العاجلة إلى التذكير بأحوال الآخرة والجزاء فيها انتُقل إليه بمناسبة اشتمال ما سَبق من دلائل سعة قدرة الله تعالى، على تعريض بأن فاعل ذلك أهلّ للتوحيد بالإِلهية، ومستحق الإِفراد بالعبادة، وإذ قد كان المخاطبون بذلك مشركين مع الله في العبادة انتُقل إلى تهديدهم بأنهم وأولياءَهم من الجن المسوِّلين لهم عبادة الأصنام سيعرضون على حكم الله فيهم.
وحرف التنفيس مستعمل في مطلق التقريب المكنَّى به عن التحقيق، كما تقدم في قوله تعالى: {قال سوف أستغفر لكم ربي} في سورة يوسف (98).
والفراغ للشيء: الخلوُ عما يشغل عنه، وهو تمثيل للاعتناء بالشيء، شبّه حال المقبل على عمل دون عمللٍ آخر بحال الوعاء الذي أُفْرغَ مما فيه ليُملأ بشيء آخر.
وهذا التمثيل صالح للاستعمال في الاعتناء كما في قول أبي بكر الصديق لابنه عبد الرحمان افْرُغْ إلى أضيافك (أي تخل عن كل شغل لتشتغل بأضيافك وتتوفر على قِراهم) وصالح للاستعمال في الوعيد، كقول جرير:
أَلاَنَ وقد فرغت إلى نَمير *** فهذا حين كنتُ لها عذاباً
والمناسب لسياق الآية باعتبار السابق واللاحق، أن تحمل على معنى الإِقبال على أمور الثقلين في الآخرة، لأن بعده {يعرف المجرمون بسيماهم} [الرحمن: 41]، وهذا لكفار الثقلين وهم الأكثر في حين نزول هذه الآية.
و {الثقلان}: تثنية ثَقَل، وهذا المثنى اسم مفرد لمجموع الإِنس والجن.
وأحسب أن الثّقَل هو الإِنسان لأنه محمول على الأرض، فهو كالثقل على الدابة، وأن إطلاق هذا المثنى على الإنس والجن من باب التغليب، وقيل غير هذا مما لا يرتضيه المتأمل. وقد عد هذا اللفظ بهذا المعنى مما يستعمل إلا بصيغة التثنية فلا يطلق على نوع الإنسان بانفراده اسم الثقل ولذلك فهو مثنى اللفظ مفرد الإطلاق. وأظن أن هذا اللفظ لم يطلق على مجموع النوعين قبل القرآن فهو من أعلام الأجناس بالغلبة، ثم استعمله أهل الإسلام، قال ذو الرمة:
وميَّة أحسن الثقلين وَجها *** وسَالِفَةً وأحسنُهُ قَذالاً
أراد وأحسن الثقلين، وجعل الضمير له مفرداً. وقد أخطأ في استعماله إذ لا علاقة للجن في شيء من غرضه.
وقرأ الجمهور {سنفرغ} بالنون. وقرأه حمزة والكسائي بالياء المفتوحة على أن الضمير عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات.
وكُتب {أيه} في المصحف بهاء ليس بعدها ألف وهو رسم مراعى فيه حال النطق بالكلمة في الوصل إذ لا يوقف على مثله، فقرأها الجمهور بفتحة على الهاء دون ألف في حالتي الوصل والوقف. وقرأها أبو عمرو والكسائي بألف بعد الهاء في الوقف. وقرأه ابن عامر بضم الهاء تبعاً لضم الياء التي قبلها وهذا من الإِتباع.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)}
تكرير لنظائره وليس هو خطاباً للثقلين ولا تذييلاً للجملة التي قبله إذ ليس في الجملة التي قبله ذكر نعمة على الثقلين بل هي تهديد لهما.
{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)}
هذا مقول قول محذوف يدل عليه سياق الكلام السابققِ واللاحق، وليس خطاباً للإِنس والجنّ في الحياة الدنيا. والتقدير: فنقول لكم كما في قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس} [الأنعام: 128] الآية، أي فنقول: يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس، وتقدم في سورة الأنعام.
والمعشر: اسم للجمع الكثير الذي يُعد عشرةً عشرةً دون آحاد.
وهذا إعلان لهم بأنهم في قبضة الله تعالى لا يجدون منجىً منها، وهو ترويع للضالين والمضلّين من الجن والإِنس بما يترقبهم من الجزاء السيّء لأن مثل هذا لا يقال لجمع مختلط إلا والمقصود أهل الجناية منهم فقوله: {يا معشر الجن والإنس} عام مراد به الخصوص بقرينة قوله بعده {يرسل عليكما شواظ} [الرحمن: 35] الخ.
والنفوذ والنفاذ: جواز شيء عن شيء وخروجُه منه. والشرط مستعمل في التعجيز، وكذلك الأمر الذي هو جواب هذا الشرط من قوله: {فانفذوا}، أي وأنتم لا تستطيعون الهروب.
والمعنى: إن قَدَرْتُم على الانفلات من هذا الموقف فافلتوا. وهذا مؤذن بالتعريض بالتخويف مما سيظهر في ذلك الموقف من العقاب لأهل التضليل.
والأقطار: جمع قُطر بضم القاف وسكون الطاء وهو الناحية الواسعة من المكان الأوسع، وتقدم في قوله تعالى: {ولو دخلت عليهم من أقطارها} في سورة الأحزاب (14).
وذكر السماوات والأرض لتحقيق إحاطة الجهات كلها تحقيقاً للتعجيز، أي فهذه السماوات والأرض أمامكم فإن استطعتم فاخرجوا من جهة منها فراراً من موقفكم هذا، وذلك أن تعدد الأمكنة يسهل الهروب من إحدى جهاتها.
والأرض المذكورة هنا إما أن تكون الأرض التي في الدنيا وذلك حين البعث، وإما أن تكون أرض الحشر وهي التي سماها القرآن الساهرة في سورة النازعات (14)، وقال تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} [إبراهيم: 48]، وإما أن يكون ذلك جارياً مجرى المثل المستعمل للمبالغة في إحاطة الجهات كقول أبي بكر الصديق: «أيُّ أرض تقلني، وأيُّ سماء تُظلني».
وهذه المعاني لا تتنافى، وهي من حدّ إعجاز القرآن.
وجملة {لا تنفذون إلاَّ بسلطان} بيان للتعجيز الذي في الجملة قبله فإن السلطان: القدرة، أي لا تنفذون من هذا المأزق إلا بقدرة عظيمة تفوق قدرة الله الذي حشركم لهذا الموقف، وأنَّى لكم هاته القوة.
وهذا على طريق قوله: {وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون} [الشعراء: 210، 211]، أي ما صعدوا إلى السماء فيتنزَّلوا به.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34)}
القول فيه كالقول في نظيره المذكور قبله.
{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35)}
استئناف بياني عن جملة {إن استطعتم أن تنفذوا} [الرحمن: 33] الخ لأن ذلك الإِشعار بالتهديد يثير في نفوسهم تساؤلاً عمّا وَراءه.
وضمير {عليكما} راجع إلى الجنّ والإِنس فهو عام مراد به الخصوص بالقرينة، وهي قوله بعده: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46] الآيات. وهذا تصريح بأنهم معاقبون بعد أن عُرض لهم بذلك تعريضاً بقوله: {إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا} [الرحمن: 33].
ومعنى {يرسل عليكما} أن ذلك يعترضهم قبل أن يَلجوا في جهنم، أي تقذفون بشُواظ من نار تعجيلاً للسوء. والمضارع للحال، أي ويرسل عليكما الآن شواظ.
والشواظ بضم الشين وكسرها: اللهب الذي لا يخالطه دخان لأنه قد كمل اشتعاله وذلك أشد إحراقاً. وقرأه الجمهور بضم الشين. وقرأه ابن كثير بكسرها.
والنّحاس: يطلق على الدخان الذي لا لهب معه. وبه فسر ابن عباس وسعيد بن جبير وتبعهما الخليل.
والمعنى عليه: أن الدخان الذي لم تلحقهم مضرته والاختناق به بسبب شدة لهب الشواظ يضاف إلى ذلك الشواظ على حياله فلا يفلتون من الأمريننِ.
ويطلق النحاس على الصُّفْر وهو القِطر. وبه فسر مجاهد وقتادة، وروي عن ابن عباس أيضاً. فالمعنى: أنه يصبّ عليهم الصُّفْر المُذاب.
وقرأ الجمهور {ونحاس} بالرفع عطفاً على {شواظ}. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وروْح عن يعقوب مجروراً عطفاً على {نار} فيكون الشواظ منه أيضاً، أي شواظ لهب من نار، ولهب من نحاس ملتهب. وهذه نار خارقة للعادة مثل قوله تعالى: {وقودها الناس والحجارة} [البقرة: 24].
ومعنى {فلا تنتصران}: فلا تجدان مخلصاً من ذلك ولا تجدان ناصراً.
والناصر: هنا مراد منه حقيقته ومجازه، أي لا تجدان من يدفع عنكما ذلك ولا ملجأ تتّقيان به.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36)}
تكرير كالقول في الذي وقع قبله قريباً.
{فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40)}
تفريع إخبار على إخبار فرع على بعض الخبر المجمل في قوله: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} [الرحمن: 31] إلى آخره، تفصيل لذلك الإجمال بتعيين وقته وشيء من أهوال ما يقع فيه للمجرمين وبشائر ما يعطاه المتّقون من النعيم والحبور.
وقوله: {فكانت وردة} تشبيه بليغ، أي كانت كوَرْدة.
والوَرْدَة: واحدة الورد، وهو زهر أحمر من شجرة دقيقة ذات أغصان شائكة تظهر في فصل الربيع وهو مشهور. ووجه الشبه قيل هو شدة الحمرة، أي يتغير لون السماء المعروف أنه أزرق إلى البياض، فيصير لونها أحمر قال تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} [إبراهيم: 48]. ويجوز عندي: أن يكون وجه الشبه كثرة الشقوق كأوراق الوردة.
والدهان، بكسر الدال: دردي الزيت. وهذا تشبيه ثان للسماء في التموج والاضطراب.
وجملة {فبأي ألاء ربكما تكذبان} معترضة بين جملة الشرط وجملة الجواب وقد مثّل بها في «مغني اللبيب» للاعتراض بين الشرط وجوابه، وعينّ كونها معترضة لا حالية، وهذه الجملة معترضة تكرير للتقرير والتوبيخ كما هو بيّن، وانشقاق السماء من أحوال الحشر، أي فإذا قامت القيامة وانشقت السماء. كما قال تعالى: {فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء} [الحاقة: 15، 16] أن قوله: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} [الحاقة: 18]. وهذا هو الانشقاق المذكور في قوله: {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً الملك يومئذ الحق للرحمن} في سورة الفرقان (25، 26).
وجملة {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه} الخ جواب شرط (إذا). واقترن بالفاء لأنها صُدرت باسم زمان وهو {يومئذٍ} وذلك لا يصلح لدخول (إذا) عليه.
ومعنى {لا يسئل عن ذنبه}: نفي السؤال الذي يريد به السائل معرفة حصول الأمر المتردّد فيه، وهذا مثل قوله تعالى: {ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون} [القصص: 78]. وليس هو الذي في قوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين عمّا كانوا يعملون} [الحجر: 92، 93] وقوله: {وقفوهم إنهم مسؤولون} [الصافات: 24]، فإن ذلك للتقرير والتوبيخ فإن يوم القيامة متسع الزمان، ففيه مواطن لا يسأل أهل الذنوب عن ذنوبهم، وفيه مواطن يسألون فيها سؤالاً تقرير وتوبيخ.
وجملة {فبأي ألاء ربكما تكذبان} تكرير للتقرير والتوبيخ.
{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41)}
هذا استئناف بياني ناشئ عن قوله: {فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان} [الرحمن: 39]، أي يستغنى عن سؤالهم بظهور علاماتهم للملائكة ويعرفونهم بسيماهم فيؤخذون أخذ عقاب ويساقون إلى الجزاء.
والسيما: العلامة. وتقدمت في قوله تعالى: {تعرفهم بسيماهم} في آخر سورة البقرة (273).
و (آل) في {بالنواصي والأقدام} عوض عن المضاف إليه، أي بنواصيهم وأقدامهم وهو استعمال كثير في القرآن. 6
والنواصي: جمع ناصية وهي الشعَر الذي في مقدّم الرأس، وتقدم في قوله تعالى: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} في سورة هود (56).
والأخذ بالناصية أخذ تمكّن لا يفلت منه، كما قال تعالى: {لئن لم ينته لنسفعن بالناصية} [العلق: 15].
والأقدام: جَمع قَدَم، وهو ظاهر السَّاق من حيث تمسك اليد رجل الهارب فلا يستطيع انفلاتاً وفيه أيضاً يوضع القيد، قال النابغة:
أوْ حرة كمهاة الرمل قد كُبِلت *** فوقَ المعاصم منها والعراقيب
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42)}
تكرير كما تقدم في نظيرها الذي قبلها.
{هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ (44)}
هذا مما يقال يوم القيامة على رؤوس الملأ.
ووصف {جهنم} ب {التي يكذب بها المجرمون} تسفيه للمجرمين وفضح لهم. وجملة {يطوفون} حال من {المجرمون}، أي قد تبين سفه تكذيبهم بجهنم اتضاحاً بيناً بظهورها للناس وبأنهم يترددون خلالها كما ترددوا في إثباتها حين أنذروا بها في الدنيا.
والطواف: ترداد المشي والإِكثار منه، يقال: طاف به، وطاف عليه، ومنه الطواف بالكعبة، والطواف بالصفا والمروة، قال تعالى: {فلا جناح عليه أن يطَّوف بهما} وتقدم في سورة البقرة (158).
والحميمُ: الماء المغلَّى الشديد الحرارة.
والمعنى: يمشون بين مكان النار وبين الحميم فإذا أصابهم حرّ النار طلبوا التبرد فلاح لهم الماء فذهبوا إليه فأصابهم حرُّه فانصرفوا إلى النار دَوَاليْك وهذا كقوله: {وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل} [الكهف: 29].
وآنٍ: اسم فاعل من أنَى، إذا اشتدت حرارته.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45)}
مثل موقع الذي قبله في التكرير.
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53)}
انتقال من وصف جزاء المجرمين إلى ثواب المتقين. والجملة عطف على جملة {يعرف المجرمون بسيماهم} [الرحمن: 41] إلى آخرها، وهو أظهر لأن قوله في آخرها {يطوفون بينها وبين حميم آنٍ يفيد معنى أنهم فيها.
واللام في لمن خاف} لام الملك، أي يعطي من خاف ربه ويملك جنتين، ولا شبهة في أن من خاف مقام ربه جنس الخائفين لا خائف معيّن فهو من صيغ العموم البدلي بمنزلة قولك: وللخائف مقام ربه. وعليه فيجيء النظر في تأويل تثنية {جنتان} فيجوز أن يكون المراد: جنسين من الجنات.
وقد ذكرت الجنات في القرآن بصيغة الجمع غير مرة وسيجيء بعد هذا قوله: {ومن دونهما جنتان} [الرحمن: 62] فالمراد جنسان من الجنات.
ويجوز أن تكون التثنية مستعملة كناية عن التعدد، وهو استعمال موجود في الكلام الفصيح وفي القرآن قال الله تعالى: {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسِئاً وهو حسير} [الملك: 4] ومنه قولهم: لبَّيْك وسعَديك ودواليك، كقول القوّال الطائي من شعر الحماسة:
فقولا لهذا المرء ذُو جاء ساعياً *** هَلمّ فإن المشرفيَّ الفرائض
أي فقولوا: يا قوممِ، وتقدم عند قوله تعالى: {سنعذبهم مرتين} في سورة التوبة (101). وإيثار صيغة التثنية هنا لمراعاة الفواصل السابقة واللاحقة فقد بنيت قرائن السورة عليها والقرينة ظاهرة وإليه يميل كلام الفراء، وعلى هذا فجميع ما أجري بصيغة التثنية في شأن الجنتين فمراد به الجمع.
وقيل: أريد جنتان لكل متقّ تحفان بقصره في الجنة كما قال تعالى في صفة جنات الدنيا {جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب} [الكهف: 32] الآية، وقال: {لقد كان لسبإ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال} [سبأ: 15] فهما جنتان باعتبار يمنة القصر ويسرته والقصر فاصل بينهما.
والمقام: أصله محل القيام ومصدر ميمي للقيام وعلى الوجهين يستعمل مجازاً في الحالة والتلبس كقولك لمن تستجيره: هذا مقام العائذ بك، ويطلق على الشأن والعظمة، فإضافة {مقام} إلى {ربه} هنا إن كانت على اعتبار المقام للخائف فهو بمعنى الحال، وإضافته إلى {ربه} تُشبِه إضافة المصدر إلى المفعول، أي مقامه من ربه، أي بين يديه.
وإن كانت على اعتبار المقام لله تعالى فهو بمعنى الشأن والعظمة. وإضافتُه كالإضافة إلى الفاعل، ويحتمل الوجهين قوله تعالى: {ذلك لمن خاف مقامي} في سورة إبراهيم (14) وقولُه: {وأما من خاف مقام ربه} في سورة النازعات (40).
وجملة {فبأي ألاء ربكما تكذبان} معترضة بين الموصوف والصفة وهي تكرير لنظائرها.
وَذَواتا: تثنية ذات، والواو أصلية لأن أصل ذات: ذَوة، والألف التي بعد الواو إشباع للفتحة لازم للكلمة. وقيل: الألف أصلية وأن أصل (ذات): ذوات فخففت في الإِفراد وردّتها التثنية إلى أصلها وقد تقدم في قوله تعالى: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط} في سورة سبأ (16). وأما الألف التي بعد التاء المثناة الفوقية فهي علامة رفع نائبة عن الضمة.
والأفنان: جمع فَنَن بفتحتين، وهو الغصن. والمقصود هنا: أفنان عظيمة كثيرة الإِيراق والإِثمار بقرينة أنّ الأفنان لا تخلو عنها الجنات فلا يحتاج إلى ذكر الأفنان لولا قصد ما في التنكير من التعظيم.
وتثنية عينان} جار على نحو ما تقدم في تثنية {جنتان}، وكذلك تثنية ضميري {فيهما} وضمير {تجريان} تبع لتثنية مَعَادهما في اللفظ.
فإن كان الجنتان اثنتين لكل من خَاف مقام ربه فلكل جنة منهما عين فهما عينان لكل من خاف مقام ربه، وإن كان الجنتان جنسين فالتثنية مستعملة في إرادة الجمع، أي عيون على عدد الجنات، وكذلك إذا كان المراد من تثنية {جنتان} الكثرة كما تثنيه {عينان} للكثرة.
وفصل بين الأفنان وبين ذكر الفاكهة بذكر العينين مع أن الفاكهة بالأفنان أنسب، لأنه لما جرى ذكر الأفنان، وهي من جمال منظر الجنة أعقب بما هو من محاسن الجنات وهو عيون الماء جمعاً للنظيرين، ثم أعقب ذلك بما هو من جمال المنظر، أعني: الفواكه في أفنانها ومن ملذات الذوق.
وأما تثنية زوجان فإن الزوج هنا النوع، وأنواع فواكه الجنة كثيرة وليس لكل فاكهة نوعان: فإمّا أن نجعل التثنية بمعنى الجمع ونجعل إيثار صيغة التثنية لمراعاة الفاصلة ولأجل المزاوجة مع نظائرها من قوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} إلى هنا.
وإما أن نجعل تثنية {زوجان} لكون الفواكه بعضها يؤكل رطباً وبعضها يؤكل يابساً مثل الرطب والتمر والعنب والزبيب، وأخص الجوز واللوز وجافهما.
و {من كل فاكهة} بيان ل {زوجان} مقدّم على المبيّن لرعي الفاصلة.
وتخلل هذه الآيات الثلاث بآيات {فبأي ألاء ربكما تكذبان} جار على وجه الاعتراض وعلى أنه مجرد تكرير كما تقدم أولاها.
{مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54)}
حال من {لمن خاف مقام ربه} وجيء بالحال صيغةَ جمع باعتبار معنى صاحب الحال وصلاحية لفظه للواحد والمتعدد، لا باعتبار وقوع صلته بصيغة الإِفراد فإن ذلك اعتبار بكون (مَن) مفردة اللفظ.
والمعنى: أُعطوا الجنان واستقرُّوا بها واتكأوا على فرش.
والاتكاء: افتعال من الوَكْءِ مهموز اللام وهو الاعتماد، فصار الاتكاء اسماً لاعتمادِ الجالس ومرفقه إلى الأرض وجنبه إلى الأرض وهي هيئة بين الاضطجاع على الجنب والقعودِ، وتقدم في قوله: {وأعتدت لهن متكئاً} في سورة يوسف (31)، وتقدم أيضاً في سورة الصافات.
وفُرش: جمع فراش ككتاب وكُتب. والفِراش أصله ما يفرش، أي يبسط على الأرض للنوم والاضطجاع.
ثم أطلق الفراش على السرير المرتفع على الأرض بسُوققٍ لأنه يوضع عليه ما شأنه أن يفرش على الأرض تسمية باسم ما جعل فيه، ولذلك ورد ذكره في سورة الواقعة (15، 16) في قوله: {على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين} وفي سورة الصافات (44) على سرر متقابلين.
والمعبر عنه في هذه الآيات واحد يدلّ على أن المراد بالفرش في هذه الآية السرر التي عليها الفرش.
والاتكاء: جِلسة أهل الترف المخدومين لأنها جلسة راحة وعدم احتياج إلى النهوض للتناول نحوه وتقدم في سورة الكهف.
والبطائن: جمع بِطانة بكسر الباء وهي مشتقة من البطن ضد الظهر من كل شيء، وهو هنا مجاز عن الأسفل. يقال للجهة السفلى: بطن، وللجهة العليا ظهر، فيقال: بَطَّنْت ثوبي بآخر إذا جعل تحت ثوبه آخرَ، فبطانة الثوب داخله وما لا يَبدو منه، وضد البطانة الظِّهارة بكسر الظاء، ومن كلامهم: أفرشني ظهر أمره وبطنه، أي علانيته وسِرّه، شبهت العلانية بظهر الفراش والسِرّ ببطن الفراش وهما الظِهارة والبطانة، ولذلك أتبع هذا التشبيه باستعارة فعل: أفرشني. فالبطانة: هي الثوب الذي يجعل على الفراش والظهارة: الثوب الذي يجعل فوق البطانة ليظهر لرؤية الداخل للبيت فتكون الظهارة أحسن من البطانة في الفراش الواحد.
والعرب كانوا يجعلون الفراش حَشية، أي شيئاً محشواً بصوف أو قطن أو ليف ليكون أوثر للجنب، قال عنترة يصف تنعم عَبلة:
تُمسي وتُصبح فوق ظهر حشِيّةٍ *** وأَبِيتُ فوقَ سَراة أدهم مُلجم
فإذا وضعوا على الحشية ثوباً أو خاطوها بثوب فهو البطانة، وإذا غطوا ذلك بثوب أحسن منه فهو الظِهارة.
فالمعنى هنا: أن بطائن فرش الجنة من استبرق فلا تَسأل عن ظهائرها فإنها أجود من ذلك، ولا ثوب في الثياب المعروفة عند الناس في الدنيا أنفس من الاستبرق البطائن بالذكر كناية عن نفاسة وصف ظهائر الفرش.
والاستبرق: صنف رفيع من الديباج الغليظ. والديباجُ: نسيج غليظ من حرير والاستبرق ينسج بخيوط الذهب. قال الفخر: وهو معرب عن الفارسية عن كلمة (سْتبرك) بكاف في آخره علامة تصغير (ستبر) بمعنى ثخين، وقد تقدم في سورة الكهف (31)، فأبدلوا الكاف قافاً خشية اشتباه الكاف بكاف الخطاب، والذي في القاموس}: الإِستبرق: الديباج الغليظ معرب (اسْتَرْوَه)، وقد تبين أن الإِستبرق: صنف من الديباج، والديباج: ثوب منسوج من الحرير منقوش وهو أجود أنواع الثياب.
ومن {جنى الجنتين}: ما يجنى من ثمارهما، وهو بفتح الجيم ما يقطف من الثمر. والمعنى: أن ثمر الجنة داننٍ منهم وهم على فرشهم فمتى شاءوا اقتطفوا منه.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55)}
هو مثل نظائره.
{فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58)}
ضمير {فيهن} عائد إلى فرش وهو سبب تأخير نعم أهل الجنة بلذة التأنّس بالنساء عن ما في الجنات من الأفنان والعيون والفواكه والفرش، ليكون ذكر الفرش مناسباً للانتقال إلى الأوانس في تلك الفرش وليجيء هذا الضمير مفيداً معنى كثيراً من لفظ قليل، وذلك من خصائص الترتيب في هذا التركيب.
ف {قاصرات الطرف} كائنة في الجنة وكائنة على الفُرش مع أزواجهن قال تعالى: {وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً} [الواقعة: 34 36] الآية.
و {قاصرات الطرف}: صفة لموصوف محذوف تقديره نساء، وشاع المدح بهذا الوصف في الكلام حتى نُزّل منزلة الاسم ف {قاصرات الطرف} نساء في نظرهن مثل القصور والغضِّ خِلقة فيهن، وهذا نظير ما يقول الشعراء من المولّدين مراض العيون، أي: مثل المراض خِلقة. والقصور: مثل الغضِّ من صفات عيون المها والظباء، قال كعب بن زهير:
وما سعاد غداةَ البين إذْ رحلُوا *** إلاّ أَغَنُّ غَضِيضُ الطرف مكحول
أي: كغضيض الطرف وهو الظبي.
والطمْث بفتح الطاء وسكون الميم مسيس الأنثى البِكر، أي من أبكار. وعُبِّر عن البكارة ب {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} إطناباً في التحسين، وقد جاء في الآية الأخرى {فجعلناهن أبكاراً} [الواقعة: 36]. وهؤلاء هن نساء الجنة لا أزواج المؤمنين اللآئي كُنَّ لهم في الدنيا لأنهن قد يكنّ طمثهم أزواج فإن الزوجة في الجنة تكون لآخر من تزوجها في الدنيا.
وقرأ الجمهور {يطمثهن} هنا، وفي نظيره الآتي بكسر الميم. وقرأه الدُوري عن الكسائي بضم الميم وهما لغتان في مضارع طمث. ونقل عن الكسائي: التخييرُ بين الضم والكسر.
وقوله: {إنس قبلهم} أي لم يطمثهن أحد قبل، وقوله: {ولا جان} تتميم واحتراس وهو إطناب دعا إليه أن الجنة دار ثواب لصالحي الإِنس والجن فلما ذكر {إنس} نشأ توهم أن يمَسهن جن فدفع ذلك التوهم بهذا الاحتراس.
وجملة {كأنهن الياقوت والمرجان} نعت أو حال من {قاصرات الطرف}.
ووجه الشبه بالياقوت والمرجان في لون الحمرة المحمودة، أي حمرة الخدود كما يشبه الخد بالورد، ويطلق الأحمر على الأبيض فمنه حديث «بعثتُ إلى الأحمر والأسود» وقال عبد بني الحساس:
فلو كنت ورَداً لونُه لعشقتني *** ولكن ربي شَانني بسواديا
ويجوز أن يكون التشبيه بهما في الصفاء واللمعان.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59)}
كرر {فبأي آلاء ربكما تكذبان} فيما علمت سابقاً.
{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)}
تذييل للجمل المبدوءة بقوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46]، أي لأنهم أحسنوا فجازاهم ربهم بالإِحسان.
والإِحسان الأول: الفعلُ الحَسن، والإِحسان الثاني: إعطاء الحَسن، وهو الخَير، فالأول من قولهم: أَحسن في كذا، والثاني من قولهم: أحسن إلى فلان.
والاستفهام مستعمل في النفي، ولذلك عقب بالاستثناء فأفاد حصر مجازاة الإِحسان في أنها إحسان، وهذا الحصر إخبار عن كونه الجزاء الحقَّ ومقتضى الحكمة والعدل، وإلا فقد يتخلف ذلك لدى الظالمين، قال تعالى: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] وقال: {فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما} [الأعراف: 190].
وعلم منه أن جزاء الإِساءة السوء قال تعالى: {جزاءً وفاقاً} [النبأ: 26].
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)}
القول فيه مثل القول في نظائره.
{وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69)}
عطف على قوله: {جنتان} [الرحمن: 46]، أي ومن دون تينك الجنتين جنتان، أي لمن خاف مقام ربه.
ومعنى {من دونهما} يحتمل أن (دون) بمعنى (غير)، أي ولمن خاف مقام ربه جنتان وجنتان أخريان غيرهما، كقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]. ووُصف ما في هاتين الجنتين بما يقارب ما وصف به ما في الجنتين الأوليين وصفاً سُلك فيه مسلك الإِطناب أيضاً لبيان حسنهما ترغيباً في السعي لنيلهما بتقوى الله تعالى فذلك موجب تكرير بعض الأوصاف أو ما يقرب من التكرير بالمترادفات.
ويكون لكل الجنات الأربع حُور مقصورات لا ينتقلن من قصورهن، ويجوز أن تكون (دون) بمعنى أقل، أي لنزول المرتبة، أي ولمن خاف مقام ربه جنتان أقلّ من الأولين فيقتضي ذلك أن هاتين الجنتين لطائفة أخرى ممن خافوا مقام ربهم هم أقل من الأولين في درجة مخافة الله تعالى.
ولعل هاتين الجنتين لأصحاب اليمين الذين ورد ذكرهم في سورة الواقعة والجنتين المذكورتين قبلهما في قوله: {جنتان... ذواتا أفنان} [الرحمن: 46، 48] إلى آخر الوصف جنتا السابقين الوارد ذكرهم قوله في سورة الواقعة (10) {والسابقون السابقون} الآيات.
ومدهامتان} وصف مشتق من الدُّهمة بضم الدال وهي لون السواد. ووصف الجنتين بالسواد مبالغة في شدة خضرة أشجارهما حتى تكونا بالتفاف أشجارها وقوة خضرتها كالسوداوين لأن الشجر إذا كان ريّان اشتدت خضرة أوراقه حتى تقرب من السواد، وقد أخذ هذا المعنى أبو تمام وركَّب عليه فقال:
يا صاحبيَّ تقصَّيَا نَظَريكُما *** تَريا وجوهَ الأرض كيف تَصوَّر
تريا نهاراً مشمِساً قد شابَهُ *** زَهْرُ الرُّبى فكأنما هو مقمر
و {نضاختان}: فوّارتان بالماء، والنضخ بخاء معجمة في آخره أقوى من النضح بالحاء المهملة الذي هو الرَّش.
وقد وصف العينان هنا بغير ما وصف به العينان في الجنتين المذكورتين، فقِيل: هما صنفان مختلفان في أوصاف الحسن يُشير اختلافهما إلى أن هاتين الجنتين دون الأولَيْن في المحاسن ولذلك جاء هنا {فيهما فاكهة ونخل ورمان}، وجاء فيما تقدم {فيهما من كل فاكهة زوجان} [الرحمن: 52]. وقيل: الوصفان سواء، وعليه فالمخالفة بين الصنفين من الأوصاف تفنّن.
وعطف {ونخل ورمان} على {فاكهة} من باب عطف الجزئي على الكلّي تنويهاً ببعض أفراد الجنتين كما قال تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} في سورة البقرة (98).
وجاءت جمل فبأي آلاء ربكما تكذبان} معترضات بين {جنتان} وصفاتها اعتراضاً للازدياد من تكرير التقرير والتوبيخ لمن حرموا من تلك الجنات.
{فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74)}
ضمير {فيهن} عائد إلى الجنات الأربع الجنتين الأوليين والجنتين اللتين من دونهما فيجوز أن يكون لصاحب الجنتين الأُوَلَيْن جنتان أخريان فصارت له أربع جنات. ويجوز أن يكون توزيعاً على من خافوا ربهم كما تقدم.
و {وخيرات} صفة لمحذوف يناسب صيغة الوصف، أي نساء خَيْرات، وخيرات مخفف من خيرات بتشديد الياء مؤنث خيّر وهو المختص بأن صفته الخير ضد الشر. وخفف في الآية طلباً لخفة اللفظ مع السلامة من اللبس بما أتبع به من وصف {حسان} الذي هو جمع حسناء كما خفف هين ولين في قول الشاعر:
هَيْنُون لَيْنُون ***
ومعنى {خيرات} أنهن فاضلات النفس كرائم الأخلاق.
ومعنى حِسان: أنهم حسان الخَلْق، أي صفات الذوات.
و {حور} بدل من {خيرات}. والحُور: جمع حَوراء وهي ذات الحَوَر بفتح الواو، وهو وصف مركب من مجموع شدة بياض أبيض العين وشدة سواد أسودها وهو من محاسن النساء، وتقدم عند قوله تعالى: {وزوجناهم بحور عين} في سورة الدخان (54).
ووصف نساء الجنتين الأوليين بقاصرات الطرف}. ووصف نساء الجنات الأربع بأنهن {حور مقصورات} في الخيام، فعلم أن الصفات الثابتة لنساء الجنتين واحدة.
والمقصورات: اللاَّءِ قُصِرت على أزواجهن لا يعدون الأنس مع أزواجهن، وهو من صفات الترف في نساء الدنيا فهنّ اللاء لا يحتجن إلى مغادرة بيوتهن لخدمة أو وِرد أو اقتطاف ثمار، أي هن مخدومات مكرمات كما قال أبو قيس بن الأسلت:
ويكرمها جاراتها فيزرْنَها *** وتَعْتَلَّ عن إتيانهن فتُعذر
والخيام: جمع خَيمة وهي البيت، وأكثر ما تقال على البيت من أدم أو شعر تقام على العَمَد وقد تطلق على بيت البناء.
واعترض بجملة {فبأي آلاء ربكما تكذبان} بين البدل والمبدل منه وبين الصفتين لقصد التكرير في كل مكان يقتضيه.
وتقدم القول في {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} آنفاً (56).
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75)}
تكرير في آخر الأوصاف لزيادة التقرير والتوبيخ.
{مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76)}
و {متكئين}: حال من {ولمن خاف مقام ربه} كررت بدون عطف لأنها في مقام تعداد النعم وهو مقام يقتضي التكرير استئنافاً.
والرفرف: ضرب من البسط، وهو اسم جمع رَفرفة، وهي ما يبسط على الفراش ليُنام عليه، وهي تنسج على شبه الرياض ويغلب عليها اللون الأخضر، ولذلك شبه ذو الرمة الرياض بالبسط العبقرية في قوله:
حتّى كأنَّ رياض القُف ألبسَها *** مِن وَشْي عَبقَرَ تجْليل وتنجيد
فوصفها في الآية بأنها {خضر} وصف كاشف لاستحضار اللون الأخضر لأنه يسرّ الناظر.
وكانت الثياب الخضر عزيزة وهي لباس الملوك والكبراء، قال النابغة:
يصونون أجساداً قديماً نعيمُها *** بخالصة الأرْدَان خُضْرِ المناكب
وكانت الثياب المصبوغة بالألوان الثابتة التي لا يزيلها الغسل نادرة لقلة الأصباغ الثابتة ولا تكاد تعدو الأخضر والأحمر ويسمّى الأرجواني.
وأما المتداول من إصباغ الثياب عند العرب فهو ما صُبغ بالورس والزعفران فيكون أصفر، وما عدا ذلك فإنما لونه لون ما ينسج منه من صوف الغنم أبيض أو أسود أو من وبر أو من كتان أبيض أو كان من شَعَر المعز الأسود.
و {حسان}: جمع حسناء وهو صفة ل {رفرف} إذ هو اسم جمع.
وعبقري: وصف لما كان فائقاً في صنفه عزيز الوجود وهو نسبة إلى عبقر بفتح فسكون ففتح اسم بلاد الجنّ في معتقد العرب فَنَسَبوا إليه كل ما تجاوز العادة في الإِتقان والحسن، حتى كأنه ليس من الأصناف المعروفة في أرض البشر، قال زهير:
بِخَيْل عليها جِنة عبقرية *** جديرون يوماً أن ينَالوا ويسْتَعْلُوا
فشاع ذلك فصار العبقري وصفاً للفائق في صنفه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما حكاه من رؤيا القليب الذي استسقَى منه «ثم أخذها (أي الذَنوبَ) عُمر فاستحالت غَرباً فلم أَرَ عَبقَريًّا يَفري فَرِيَّة». وإلى هذا أشار المعري بقوله:
وقد كان أرباب الفصاحة كلما *** رَأوا حَسَناً عَدُّوه من صنعَة الجن
فضربه القرآن مثلاً لما هو مألوف عند العرب في إطلاقه.
{فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77)}
هذه الجملة آخر الجمل المكررة وبها انتهى الكلام المسوق للاستدلال على تفرد الله بالإِنعام والتصرف.
{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)}
إيذان بانتهاء الكلام وفذلكة لما بنيت عليه السورة من التذكير بعظمة الله تعالى ونعمائه في الدنيا والآخرة.
والكلام: إنشاء ثناء على الله تعالى مبالغ فيه بصيغة التفعل التي إذا كان فعلها غير صادر من اثنين فالمقصود منها المبالغة.
والمعنى: وصفه تعالى بكمال البركة، والبركة: الخير العظيم والنفع، وقد تطلق البركة على علو الشأن، وقد تقدم ذلك في أول سورة الفرقان.
والاسم ما دل على ذات سواء كان علَماً مثل لفظ «الله» أو كان صفة مثل الصفات العُلى وهي الأسماء الحسنى، فأيّ اسم قدرت من أسماء الله فهو دال على ذات الله تعالى.
وأسند {تبارك} إلى {اسم} وهو ما يُعرف به المسمى دون أن يقول: تبارك ربك، كما قال: {تبارك الذي نزل الفرقان} [الفرقان: 1] وكما قال: {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] لقصد المبالغة في وصفه تعالى بصفة البركة على طريقة الكناية لأنها أبلغ من التصريح كما هو مقرر في علم المعاني، وأطبق عليه البلغاء لأنه إذا كان اسمه قد تبارك فإن ذاته تباركت لا محالة لأن الاسم دال على المسمى، وهذا على طريقة قوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] فإنه إذا كان التنزيه متعلقاً باسمه فتعلق التنزيه بذاته أَولى ومنه قوله تعالى: {وثيابك فطهر} [المدثر: 4] على التأويل الشَّامل، وقول عنترة:
فشككت بالرمح الأصمّ ثيابه *** ليسَ الكريم على القنا بمحرم
أراد: فشككتْهُ بالرمح.
وأما قوله: {فسبح باسم ربك العظيم} [الواقعة: 96] فهو يحتمل أن يكون من قبيل {فسبح بحمد ربك} [النصر: 3] على أن المراد أن يقول كلاماً فيه تنزيه الله فيكون من قبيل قوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ويحتمل زيادة الباء فيكون مساوياً لقوله: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1].
وهذه الكناية من دقائق الكلام كقولهم: لا يتعلق الشك بأطرافه وقول:
يبيت بنجاةٍ من اللؤم بيتُها *** إذا ما بيوت بالملامة حُلّت
ونظير هذا في التنزيه أن القرآن يَقْرأ ألفاظه من ليس بمتوضئ ولا يمسك المصحف إلا المتوضئ عند جمهور الفقهاء.
فذكر {اسم} في قوله: {تبارك اسم ربك} مراعىً فيه أن ما عُدّد من شؤون الله تعالى ونعمه وإفضاله لا تحيط به العبارة، فعبّر عنه بهذه المبالغة إذ هي أقصى ما تسمح به اللغة في التعبير، ليعلم الناس أنهم محقوقون لله تعالى بشكرٍ يوازي عظم نعمه عليهم.
وفي استحضار الجلالة بعنوان (رب) مضافاً إلى ضمير المخاطب وهو النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ما في معنى الرب من السيادة المشوبة بالرأفة والتنمية، وإلى ما في الإضافة من التنويه بشأن المضاف إليه وإلى كون النبي صلى الله عليه وسلم هو الواسطة في حصول تلك الخيرات للذين خافوا مقام ربهم بما بلغهم النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى.
وقرأ الجمهور {ذي الجلال} بالياء مجروراً صفة ل {ربك} وهو كذلك مرسوم في غير المصحف الشامي.
وقرأه ابن عامر {ذو الجلال} صفة ل {اسم} كما في قوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27]. وكذلك هو مرسوم في غير مصحف أهل الشام. والمعنى واحد على الاعتبارين.
ولكن إجماع القراء على رفع {ذو الجلال} الواقع موقع {ويبقى وجه ربك} واختلاف الرواية في جرّ {ذي الجلال} هنا يشعر بأن لفظ {وجه} أقوى دلالة على الذات من لفظ {اسم} لما علمت من جواز أن يكون المعنى جريان البركة على التلفظ بأسماء الله بخلاف قوله: {ويبقى وجه ربك} فذلك من حكمة إنزال القرآن على سبعة أحرف.
والجلال: العظمة، وهو جامع لصفات الكمال اللائقة به تعالى.
والإكرام: إسداء النعمة والخير، فهو إذن حقيق بالثناء والشكر.
{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)}
افتتاح السورة بالظرف المتضمننِ الشرط، افتتاح بديع لأنه يسترعي الألباب لترقب ما بعد هذا الشرط الزماني مع ما في الاسم المسند إليه من التهويل بتوقع حدث عظيم يحدث.
و {إذا} ظرف زمان وهو متعلق بالكون المقدر في قوله: {في جنات النعيم} [الواقعة: 12] الخ وقوله: {في سدر مخضود} [الواقعة: 28] الخ وقوله: {في سموم وحميم} [الواقعة: 42] الخ. وضمّن {إذا} معنى الشرط.
وجملة {ليس لوقعتها كاذبة} استئناف بياني ناشئ عن قوله: {إذا وقعت الواقعة} إلخ وهو اعتراض بين جملى {إذا وقعت الواقعة} وبين جملة {فأصحاب الميمنة} [الواقعة: 8] الخ.
والجواب قوله: {فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة} [الواقعة: 8، 9]، فيفد جواباً للشرط ويفيد تفصيل جملة {وكنتم أزواجاً ثلاثة} [الواقعة: 7]، وتكون الفاء مستعملة في معنيين: ربطِ الجواب، والتفريع، وتكون جملة {ليس لوقعتها كاذبة} وما بعده اعتراضاً.
والواقعة أصلها: الحادثة التي وقعت، أي حصلت، يقال: وقع أمر، أي حصل كما يقال: صِدْق الخبرِ مطابقتُه للواقع، أي كون المعنى المفهوم منه موافقاً لمسمى ذلك المعنى في الوجود الحاصل أو المتوقع على حسب ذلك المعنى، ومن ذلك حادثة الحرب يقال: واقعة ذي قار، وواقعة القادسية.
فراعوا في تأنيثها معنى الحادث أو الكائنة أو الساعة، وهو تأنيث كثير في اللغة جار على ألسنة العرب لا يكونون راعوا فيه إلا معنى الحادثة أو الساعة أو نحو ذلك، وقريب منه قولهم: دارت عليه الدائرة، قال تعالى: {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} [المائدة: 52] وقال: {عليهم دائرةُ السَّوْء} [التوبة: 98].
والمراد بالواقعة هنا القيامة فجعل هذا الوصف علماً لها بالغلبة في اصطلاح القرآن قال تعالى: {فيومئذٍ وقعت الواقعة} [الحاقة: 15] كما سميت الصاخّة والطامّة والآزفة، أي الساعة الواقعة. وبهذا الاعتبار صار في قوله: {إذا وقعت الواقعة} محسن التجنيس.
و {الواقعة}: الموصوفةُ بالوقوع، وهو الحدوث.
و {كاذبة} يجوز أن يكون اسم فاعل من كذب المجرد، جرى على التأنيث للدلالة على أنه وصف لمحذوف مؤنث اللفظ. وتقديره هنا نفس، أي تنتفي كل نفس كاذبة، فيجوز أن يكون من كَذَب اللازم إذا قال خلاف ما في نفس الأمر وذلك أن منكري القيامة يقولون: لا تقع القيامة فيكذبون في ذلك فإذا وقعت آمنت النفوس كلها بوقوعها فلم تبق نفس تكذب، أي في شأنها أو في الإِخبار عنها. وذلك التقدير كله مما يدل عليه المقام.
ويجوز أن يكون من كذَب المتعدي مثل الذي في قولهم كذبتْ فلاناً نفسه، أي حدثتْه نفسه، أيْ رَأيه بحديث كذب وذلك أن اعتقاد المنكر للبعث اعتقاد سوَّله له عقله القاصر فكأنَّ نفسه حدثته حديثاً كذَبته به، ويقولون: كذبتْ فلاناً نفسه في الخطب العظيم، إذا أقْدم عليه فأخفق كأنَّ نفسه لما شجعته على اقتحامه قد قالت له: إنك تطيقه فتعرَّضْ له ولا تبال به فإنك مُذَلِّلُه فإذا تبين له عجزه فكأنَّ نفسه أخبرته بما لا يكون فقد كذبته، كما يقال: كذبته عينه إذا تخيّل مرئياً ولم يكن.
والمعنى: إذا وقعت القيامة تحقق منكروها ذلك فأقلعوا عن اعتقادهم أنها لا تقع وعلموا أنهم ضلّوا في استدلالهم وهذا وعيد بتحذير المنكرين للقيامة من خزي الخيبة وسفاهة الرأي بين أهل الحشر.
وإطلاق وصف الكذب في جميع هذا استعارة بتشبيه السبب للفعل غير المثمر بالمخبر بحديث كذب أو تشبيه التسبب بالقول قال أبو علي الفارسي: الكذب ضرب من القول فكما جاز أن يتسع في القول في غير نطق نحو قول أبي النجم:
قد قالت الأنساع للبطن الحق ***
جاز في الكذب أن يجعل في غير نطق نحو:
بأَنْ كذَبَ القراطف والقروف ***
واللام في {لوقعتها} لام التوقيت نحو {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] وقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]. وقولهم: كتبتُه لكذا من شهر كذا، وهي بمعنى (عند) وأصلها لام الاختصاص شاع استعمالها في اختصاص الموقَّت بوقته كقوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا} [الأعراف: 143]. وهو توسع في معنى الاختصاص بحيث تنوسي أصل المعنى. وفي الحديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم «أي الأعمال أفضل فقال: الصلاة لوقتها». وهذا الاستعمال غير الاستعمال الذي في قوله تعالى: {ليس لهم طعام إلا من ضريع} [الغاشية: 6].
{خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)}
خبراننِ لمبتدأ محذوف ضمير {الواقعة} [الواقعة: 1]، أي هي خافضة رافعة، أي يحصل عندها خفض أقواممٍ كانوا مرتفعين ورَفْع أقوام كانوا منخفضين وذلك بخفض الجبابرة والمفسدين الذين كانوا في الدنيا في رفعة وسيادة، وبرفع الصالحين الذين كانوا في الدنيا لا يعبأون بأكثرهم، وهي أيضاً خافضة جهات كانت مرتفعة كالجبال والصوامع، رافعة ما كان منخفضاً بسبب الانقلاب بالرجّات الأرضية.
وإسناد الخفض والرفع إلى الواقعة مجاز عقلي إذ هي وقت ظهور ذلك. وفي قوله: {خافضة رافعة} محسن الطباق مع الإِغراب بثبوت الضدّين لشيء واحد.
{إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7)}
{إذا رجت الأرض} بدل من جملة {إذ وقعت الواقعة} [الواقعة: 1] وهو بدل اشتمال.
والرّج: الاضطراب والتحرك الشديد، فمعنى: {رجت} رَجّهَا رَاجٌّ، وهو ما يطرأ فيها من الزلازل والخسف ونحو ذلك.
وتأكيده بالمصدر للدلالة على تحققه وليتأتى التنوين المشعر بالتعظيم والتهويل.
والبَسُّ يطلق بمعنى التفتت وهو تفرّق الأجزاء المجموعة، ومنه البسيسة من أسماء السويق أي فتِّتَتْ الجبال ونسفت فيكون كقوله تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً فيذَرها قاعاً صفصفاً} [طه: 105، 106].
ويطلق البسّ أيضاً على السّوق للماشية، يقال: بَسّ الغنم، إذا ساقها. وفي الحديث: «فيأتي قوم يَبِسُّون بأموالهم وأهليهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» فهو في معنى قوله تعالى: {ويوم نسيّر الجبال} [الكهف: 47]، وقوله: {وسيرت الجبال} [النبأ: 20] وتأكيده بقوله: {بساً} كالتأكيد في قوله: {رجاً} لإِفادة التعظيم بالتنوين.
وتفريع {فكانت هباءً منبثاً} على {بُسّت الجبال} لائق بمعنيي البسّ لأن الجبال إذا سيّرت فإنما تُسيّر تسييراً يفتتها ويفرقها، أي تسييرَ بَعْثَرَة وارتطام.
والهباء: ما يلوح في خيوط شعاع الشمس من دقيق الغبار، وتقدم عند قوله تعالى: {فجعلناه هباء منثوراً} في سورة الفرقان (23).
والمنْبَثُّ: اسم فاعل انبثَّ، مطاوع بثَّه، إذا فرّقه. واختير هذا المطاوع لمناسبته مع قوله: وبست الجبال} في أن المبني للنائب معناه كالمطاوعة، وقوله: {فكانت هباءً منبثاً} تشبيه بليغ، أي فكانت كالهباء المنبث.
والخطاب في: {وكنتم أزواجاً ثلاثة} للناس كلهم، وهذا تخلص للمقصود من السورة وهو الموعظة.
والأزواج: الأصناف. والزوج يطلق على الصنف والنوع كقوله تعالى: {فيهما من كل فاكهة زوجان} [الرحمن: 52] ووجه ذلك أن الصنف إذا ذكر يذكر معه نظيره غالباً فيكون زوجاً.
{فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)}
قد علمت عند تفسير قوله تعالى: {إذا وقعت الواقعة} [الواقعة: 1] الوجه في متعلق {إذا} وإذ قد وقع قوله: {وكنتم أزواجاً ثلاثة} [الواقعة: 7] عطفاً على الجمل التي أضيف إليها (إذَا) من قوله: {إذا رجت الأرض رجا} [الواقعة: 4] كان هو محط القصد من التوقيت ب (إذا) الثانية الواقعة بدلاً من (إذا) الأولى وكلتاهما مضمن معنى الشرط، فكان هذا في معنى الجزاء، فلك أن تجعل الفاء لربط الجزاء مع التفصيل للإجمال، وتكون جملة {فأصحاب الميمنة} جواباً ل (إذا) الثانية آئلاً إلى كونه جواباً ل (إذا) الأولى لأن الثانية مبدلة منها، ولذلك جاز أن يكون هذا هو جواب (إذا) الأولى فتكون الفاء مستعملة في معنييها كما تقدم عند قوله تعالى: {ليس لوقعتها كاذبة} [الواقعة: 2].
وقد أفاد التفصيل أن الأصناف ثلاثة:
صنفٌ منهم أصحاب الميمنة، وهم الذين يجعلون في الجهة اليمنى في الجنة أو في المحشر. واليمين جهة عناية وكرامة في العرف، واشتقت من اليمْن، أي البركة.
وصنف أصحاب المشأمة، وهي اسم جهة مشتقة من الشؤم، وهو ضد اليمن فهو الضر وعدم النفع وقد سميا في الآية الآتية {أصحابَ اليمين} [الواقعة: 27] و{أصحاب الشمال} [الواقعة: 41]، فجعل الشمال ضدَّ اليمين كما جُعل المشأمة هنا ضد الميمنة إشعاراً بأن حالهم حال شؤم وسوء، وكل ذلك مستعار لما عرف في كلام العرب من إطلاق هذين اللفظين على هذا المعنى الكنائي الذي شاع حتى ساوى الصريح، وأصله جاءٍ من الزجر والعيافة إذ كانوا يتوقعون حصول خير من أغراضهم من مرور الطير أو الوحش من يمين الزاجر إلى يساره ويتوقعون الشر من مروره بعكس ذلك، وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى: {قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} في سورة الصافات (28)، وتقدم شيء منه عند قوله تعالى: {يَطَّيَّروا بموسى ومن معه} في سورة الأعراف (131)، وعند قوله تعالى: {قالوا إنا تَطيرنا بكم} في سورة يس (18).
ولذلك استغني هنا عن الإخبار عن كلا الفريقين بخبر فيه وصف بعض حاليهما بذكر ما هو إجمال لحاليهما مما يشعر به ما أضيف إليه أصحابه من لفظي الميمنة والمشأمة بطريقة الاستفهام المستعمل في التعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة، وهو تعجيب ترك على إبهامه هنا لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن من الخير والشر، ف (ما) في الموضعين اسم استفهام.
و (أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة) خبرَانِ عن (مَا) في الموضعين كقوله تعالى: {الحاقة ما الحاقة} [الحاقة: 1، 2] وقوله: {القارعة ما القارعة} [القارعة: 1، 2].
وإظهار لفظي {أصحاب الميمنة} و{أصحاب المشئمة} بعد الاستفهامين دون الإِتيان بضميريْهما. لأن مقام التعجيب والتشهير يقتضي الإظهار بخلاف مقام قوله تعالى: {وما أدراك ماهية} [القارعة: 10].
وقوله: {والسابقون} هذا الصنفُ الثالث في العدّ وهم الصنف الأفضل من الأصناف الثلاثة، ووصفُهم بالسبق يقتضي أنهم سابقون أمثالهم من المحسنين الذين عبر عنهم بأصحاب الميمنة فهم سابقون إلى الخير، فالناس لا يتسابقون إلا لنوال نفيس مرغوب لكل الناس، وأما الشر والضرّ فهم يتكعكون عنه.
وحقيقة السبق: وصول أحد مكاناً قبل وصول أحد آخر. وهو هنا مستعمل على سبيل الاستعارة، وقد جمع المعنيين قول النابغة:
سَبقتَ الرجال الباهشين إلى العُلا *** كسبق الجواد اصطاد قبل الظوارد
فيجوز أن يكون {السابقون} مستعملاً في المبادرة والإسراع إلى الخير في الدين كما في قوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} في سورة براءة (100).
ويجوز أن يكون مستعملاً في المغالبة في تحصيل الخير كقوله تعالى: {أولئك يسارعون في الخيران وهم لها سابقون} في سورة المؤمنين (61).
وقوله: {السابقون} ثانياً يجوز جعله خبراً عن {السابقون} الأول كما أُخبر عن أصحاب الميمنة بأنهم {ما أصحاب الميمنة} لأنه يدل على وصفهم بشيء لا يكتنه كنهه بحيث لا يفي به التعبير بعبارة غير تلك الصفة إذ هي أقصى ما يسعه التعبير، فإذا أراد السامع أن يتصور صفاتهم فعليه أن يتدبر حالهم، وهذا على طريقه قوله: {أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 157]. ويجوز جعله تأكيداً للأول فمآل جملة {ما أصحاب الميمنة} ونظيرتها وجملة {والسابقون السابقون} هو التعجيب من حالهم وطريقُه هو الكناية ولكنّ بين الكنايتين فرقاً بأن إحداهما كانت من طريق السؤال عن الوصف، والأخرى من طريق تعذر التعبير بغير ذلك الوصف.
والمعنى: أن حالهم بلغت منتهى الفضل والرفعة بحيث لا يجد المتكلم خبراً يُخبر به عنهم أدلّ على مرتبتهم مِن اسم {السابقون} فهذا الخبر أبلغ في الدلالة على شرف قدرهم من الإِخبار ب {ما} الاستفهامية التعجيبية في قوله: {ماأصحاب الميمنة}، وهذا مثل قول أبي الطمحان القفيني:
وإني من القوم الذين هُمُو هُمُو *** إذا مات منهم سيد قام صاحبه
مع ما في اشتقاق لقبهم من «السبق» من الدلالة على بلوغهم أقصى ما يطلبه الطالبون.
وحذف متعلق {السابقون} في الآية لقصد جعل وصف {السابقون} بمنزلة اللقب لهم، وليفيد العموم، أي أنهم سابقون في كل ميدان تتسابق إليه النفوس الزكية كقوله تعالى: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطففين: 26]، فهؤلاء هم السابقون إلى الإِيمان بالرسل وهم الذين صحبوا الرسل والأنبياء وتلقوا منهم شرائعهم، وهذا الصنف يوجد في جميع العصور من القدم، ومستمر في الأمم إلى الأمة المحمدية وليس صنفاً قد انقضى وسبقَ الأمةَ المحمدية. وأُخِّر {السابقون} في الذكر عن أصحاب اليمين لتشويق السامعين إلى معرفة صنفهم بعد أن ذكر الصنفان الآخران من الأصناف الثلاثة ترغيباً في الاقتداء.
وجملة {أولئك المقربون في جنات النعيم}، مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنها جواب عما يثيره قوله: {والسابقون السابقون} من تساؤل السامع عن أثر التنويه بهم.
وبذلك كان هذا ابتداء تفصيل لجزاء الأصناف الثلاثة على طريقة النشرِ بعد اللف، نشراً مشوَّشاً تشويشاً اقتضته مناسبة اتصال المعاني بالنسبة إلى كل صنف أقربَ ذِكراً، ثم مراعاةُ الأهمّ بالنسبة إلى الصنفين الباقيين فكان بعض الكلام آخذاً بحُجز بعض.
والمقرَّب: أبلغ من القريب لدلالة صيغته على الاصطفاء والاجتباء، وذلك قُرب مجازي، أي شُبه بالقرب في ملابسة القريب والاهتمام بشؤونه فإن المطيع بمجاهدته في الطاعة يكون كالمتقرب إلى الله، أي طالب القرب منه فإذا بلغ مرتبة عالية من ذلك قرّبه الله، أي عامله معاملة المقرّب المحبوب، كما جاء: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحِبَّه فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به وبصَره الذي يُبصر به ويدَه التي يبطش بها ورجلَه الذي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه» وكل هذه الأوصاف مجازيه تقريباً لمعنى التقريب.
ولم يُذكَر متعلِّق {المقربون} لظهور أنه مقرب من الله، أي من عنايته وتفضيله، وكذلك لم يذكر زَمان التقريب ولا مكانُه لقصد تعميم الأزمان والبقاع الاعتبارية في الدنيا والآخرة.
وفي جعل المسند إليه اسم إشارة تنبيه على أنهم أحرياء بما يخبر عنه من أجل الوصف الوارد قبل اسم الإشارة وهو أنهم السابقون على نحو ما تقدم في قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم} في سورة البقرة (5).
وقوله: {في جنات النعيم} خبر ثاننٍ عن {أولئك المقربون} أو حال منه.
وإيقاعه بعد وصف {المقربون} مشير إلى أن مضمونه من آثار التقريب المذكور.
{ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)}
اعتراض بين جملة {في جنات النعيم} [الواقعة: 12] وجملة على {سرر موضونة} [الواقعة: 15].
و {ثلة} خبر عن مبتدأ محذوف، تقديره: هم ثلة، ومعاد الضمير المقدر «السابقون»، أي السابقون ثلة من الأولين وقليل من الآخرين.
وهذا الاعتراض يقصد منه التنويه بصنف السابقين وتفضيلهم بطريق الكناية عن ذلك بلفظي {ثلة} و{قليل} المشعرَيْن بأنهم قُلٌّ من كثر، فيستلزم ذلك أنهم صنف عزيز نفيس لما عهد في العرف من قلة الأشياء النفيسة وكقول السموأل وقيل غيرِه:
تعيرنا أنّا قليل عديدنا *** فقلت لها: إن الكرام قليل
مع بشارة المسلمين بأن حظهم في هذا الصنف كحظ المؤمنين السالفين أصحاب الرسل لأن المسلمين كانوا قد سمعوا في القرآن وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تنويهاً بثبات المؤمنين السالفين مع الرسل ومجاهدتهم فربما خامر نفوسهم أن تلك صفة لا تُنال بعدهم فبشرهم الله بأن لهم حظاً منها مثل قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتهم على أعقابكم} إلى قوله: {وكأين من نبي قاتل معه ربّيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضَعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} [آل عمران: 144 146] وغيرها، تلهيباً للمسلمين وإذكاء لهممهم في الأخذ بما يُلحقهم بأمثال السابقين من الأولين فيستكثروا من تلك الأعمال. وفي الحديث: " لقَد كان من قبلكم يوضع المِئْشار على أحدهم فينشر إلى عظمه لا يصده ذلك عن دينه ". والثُلَّة: بضم الثاء لا غير: اسم للجماعة من الناس مطلقاً قليلاً كانوا أو كثيراً، وهذا هو قول الفراء وأهل اللغة والراغب وصاحب «لسان العرب» وصاحب «القاموس» والزمخشري في «الأساس»، وقال الزمخشري في «الكشاف» إن الثلة: الأمة الكثيرة من الناس ومحمله على أنه أراد به تفسير معناها في هذه الآية لا تفسير الكلمة في اللغة.
ولما في هذا الاعتراض من الإِشعار بالعزة قدم على ذكر ما لهم من النعيم للإِشارة إلى عظيم كيفيته المناسبةِ لوصفهم ب (السابقين) بخلاف ما يأتي في أصحاب اليمين.
ومعنى: {الأولين} قوم متقدمون على غيرهم في الزمان لأن الأول هو الذي تقدم في صفة مَّا كالوجود أو الأحوال على غير الذي هو الآخِر أو الثاني، فالأوّلية أمر نسبي يبيّنه سياق الكلام حيثما وقع.
فالظاهر أن {الأولين} هنا مراد بهم الأمم السابقة قبل الإسلام بناء على ما تقدم من أن الخطاب في قوله: {وكنتم أزواجاً ثلاثة} [الواقعة: 7] خطاب لجميع الناس بعنوان أنهم ناس لأن المنقرضين الذين يتقدمون من أمة أو قبيلة أو أهل نحلة يُدعون بالأوليين كما قال الفرزدق:
ومهلهل الشعراء ذاك الأوّل ***
وقال تعالى: {أو آباؤنا الأوّلون} [الواقعة: 48] الذين هم يخلفونهم ويكونون موجودين، أو في تقدير الموجودين يُدعون الآخرين.
وقد وُصف أهل الإسلام بالآخرين في حديث فضل الجمعة " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بَيد أنهم أُوتوا الكتاب مِن قبلنا " الحديث. وإذ قد وُصف السابقون بما دل على أنهم أهل السبق إلى الخير ووصفت حالهم في القيامة عَقِبَ ذلك فقد عُلم أنهم أفضل الصالحين من أصحاب الأديان الإِلهية ابتداء من عصر آدم إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهم الذين جاء فيهم قوله تعالى: {مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69].
فلا جرم أن المراد ب {الأولين} الأممُ الأولى كلها، وكان معظم تلك الأمم أهل عناد وكفر ولم يكن المؤمنون فيهم إلا قليلاً كما تنبئ به آيات كثيرة من القرآن.
ووصف المؤمنون من بعض الأمم عند أقوامهم بالمستضعفين، وبالأرذلين، وبالأقلين.
ولا جرم أن المراد بالآخرين الأمة الأخيرة وهم المسلمون.
فالسابقون طائفتان طائفة من الأمم الماضين ومجموع عددها في ماضي القرون كثير مثل أصحاب موسى عليه السلام الذين رافقوه في التيه، ومثل أصحاب أنبياء بني إسرائيل، ومثل الحواريين، وطائفة قليلة من الأمة الإسلامية وهم الذين أسرعوا للدخول في الإسلام وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} [التوبة: 100]، وإذ قد كانت هذه الآية نزلت قبل الهجرة فهي لا يتحقق مفادها إلا في المسلمين الذين بمكة.
و {مِن} تبعيضية كما هو بيّن، فاقتضى أن السابقين في الأزمنة الماضية وزمان الإسلام حاضِره ومستقبله بعض من كلًّ، والبعضية تقتضي القلة النسبية ولفظ {ثلة} مشعر بذلك ولفظ {قليل} صريح فيه.
وإنما قوبل لفظ {ثلة} بلفظ {قليل} للإِشارة إلى أن الثلة أكثر منه. وعن الحسن أنه قال: سابقو من مضى أكثر من سابقينا.
وروي عن أبي هريرة " أنه لما نزلت: {ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} شقّ ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وحزنوا وقالوا: إذن لا يكون من أمة محمد إلا قليل، فنزلت نصف النهار {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة: 39، 40] فنسخت: {وقليل من الآخرين} ". وهذا الحديث مشكل ومجمل فإن هنا قسمين مشتبهين، والآية التي فيها {وثلّة من الآخرين} [الواقعة: 40] ليست واردة في شأن السابقين فليس في الحديث دليل على أن عدد أهل مرتبة السابقين في الأمم الماضية مساوٍ لعدد أهل تلك المرتبة في المسلمين، وأن قول أبي هريرة: «فنَسخت {وقليل من الآخرين}» يريد نسخت هذه الكلمة. فمراده أنها أبطلت أن يكون التفوق مطرداً في عدد الصالحين فبقي التفوق في العدد خاصاً بالسابقين من الفريقين دون الصالحين الذين هم أصحاب اليمين، والمتقدمون يطلقون النسخ على ما يشمل البيان فإنه مورد آية: {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة: 39، 40] في شأن صنف أصحاب اليمين ومورد الآية التي فيها: {وقليل من الآخرين} هو صنف السابقين فلا يتصور معنى النسخ بالمعنى الاصطلاحي مع تغاير مورد الناسخ والمنسوخ ولكنه أريد به البيان وهو بيان بالمعنى الأعم.
{عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)}
الجار والمجرور خبر ثالث عن {أولئك المقربون} [الواقعة: 11] أو حال ثانية من اسم الإِشارة. وهذا تبشير ببعض ما لهم من النعيم مما تشتاق إليه النفوس في هذه الحياة الدنيا لتشويقهم إلى هذا المصير فيسعوا لنواله بصالح الأعمال، وليس الاقتصار على المذكور هنا بمقتض حصر النعيم فيما ذكر فقد قال الله تعالى: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين} [الزخرف: 71].
والسُرر: جمع سرير، وهو كرسي طويل متسع يجلس عليه المتكئ والمضطجع، له سُوق أربع مرتفع على الأرض بنحو ذراع يُتخذ من مختلف الأعواد ويتخذه الملوك من ذهب ومن فضة ومن عاج ومن نفيس العود كالأبنوس ويتخذه العظماء المترفهون من الحديد الصرف ومن الحديد الملون أو المزين بالذهب. والسرير مجلس العظماء والملوك. وتقدم في قوله تعالى: {على سرر متقابلين} في سورة الصافات (44).
والموضونة: المسبوك بعضها ببعض كما تسبك حلق الدروع وإنما توضن سطوحها وهي ما بين سوقها الأربع حيث تلقى عليها الطنافس أو الزرابي للجلوس والاضطجاععِ ليكون ذلك المَفْرَش وثيراً فلا يؤلم المضطجع ولا الجالس. وفسر بعضهم موضونة} بمرمولة، أي منسوجة بقضبان الذهب.
والاتكاء: اضطجاع مع تباعد أعلى الجنب، والاعتمادِ على المرفق، وتقدم في سورة الرحمن.
والتقابل: من تمام النعيم لما فيه من الأنس بمشاهدة الأصحاب والحديث معهم.
وقوله: {يطوف عليهم ولدان مخلدون} بيان لجملة {في جنات النعيم} [الواقعة: 12] وتقدم قريب منه في سورة الصافات.
والطواف: المشي المكرر حول شيء وهو يقتضي الملازمة للشيء. ووصف الولدان بالمخلدين، أي دائمين على الطواف عليهم ومناولتهم لا ينقطعون عن ذلك. وإذ قد ألفوا رؤيتهم فمن النعمة دوامهم معهم. وقد فسر {مخلدون} بأنهم مخلدون في صفة الولدان، أي بالشباب والغضاضة، أي ليسوا كولدان الدنيا يصيرون قريباً فتياناً فكهولاً فشيوخاً.
وفسره أبو عبيدة بأنهم مقرطون بالأقراط. والقرط يسمى خُلْداً وخَلَدا وجمعه خِلَدَة كقِردة وهي لغة حميرية استعملها العرب كلهم وكانوا يحسِّنون غلمانهم بالأقراط في الآذان.
والأكواب: جمع كوب، وهو إناء الخمر لا عروة له وله خرطوم وفيه استدارة متسعٌ موضعُ الشرب منه فهو كالقَدَح.
والأباريق: جمع إبريق وهو إناء تحمل فيه الخمر للشاربين فتُصب في الأكواب، والإِبريق له خرطوم وعروة.
والكأس: إناء للخمر كالكوب إلا أنه مستطيل ضيق المَشرب وتقدم في سورة الصافات.
والكأس جنس يصدق بالواحد والمتعدد فليس إفراده هنا للوحدة فإن المراد كؤوس كثيرة كما اقتضاه جمع أكواب وأباريق، فإذا كانت آنية حمل الخمر كثيرة كانت كؤوس الشاربين أكثر، وإنما أوثرت صيغة المفرد لأن في لفظ كؤوس ثقلاً بوجود همزة مضمومة في وسطه مع ثقل صيغة الجمع.
والمعين: الجاري، والمراد به الخمر التي لكثرتها تجري في المجاري كما يجري الماء وليست قليلة عزيزة كما هي في الدنيا، قال تعالى:
{وأنهارٌ من خمر لذة للشاربين} [محمد: 15].
وليس المراد بالمَعين الماء لأن الكأس ليست من آنية الماء وإنما آنيتهما الأقداح، وقد تقدم في سورة الصافات (45، 47) {يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غَول ولا هم عنها ينزفون} وتلك صفات الخمر.
والتصديع: الإِصابة بالصُداع، وهو وجع الرأس من الخُمار الناشئ عن السكر، أي لا تصيبهم الخمر بصُداع.
ومعنى (عنها) مجاوزين لها، أي لا يقع لهم صداع ناشئ عنها، أي فهي منزهة عن ذلك بخلاف خمور الدنيا فاستعملت (عن) في معنى السببية.
وعُطف ولا ينزفون} على {لا يصدعون عنها} فيقدر له متعلق دل عليه متعلق {لا يصدعون} فقد قال في سورة الصافات (47)، {ولا هم عنها ينزفون} أي لا يعتريهم نَزْف بسببها كما يحصل للشاربين في الدنيا.
والنزْف: اختلاط العقل، وفعله مبني للمجهول يقال: نُزف عقله مثل: عُني فهو منزوف.
وقرأ الجمهور يُنزَفون} بفتح الزاي من أنزف الذي همزته للتعدية. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بكسر الزاي من أنزف المهموز القاصر إذا سَكر وذهر عقله.
والفاكهة: الثمار والنقول كاللوز والفستق، وتقدم في سورة الرحمن. وعطف {فاكهة} على {أكواب}، أي ويطوفون عليهم بفاكهة وذلك أَدْخل في الدعة وألذّ من التناول بأيديهم، على أنهم إن اشتهوا اقتطافها بالأيدي دنت لهم الأغصان فإن المرء قد يشتهي تناول الثمرة من أغصانها.
و {ما يتخيرون}: الجنس الذي يختارونه ويشتهونه، أي يطوفون عليهم بفاكهة من الأنواع التي يختارونها، ففعل {يتخيرون} يفيد قوة الاختيار.
و«لحم الطير»: هو أرفع اللحوم وأشْهاها وأعزها.
وعطف {ولحم طير} على {فاكهة} كعطف {فاكهة} على (أكواب).
والاشتهاء: مصدر اشتهى، وهو افتعال من الشهوة التي هي محبة نيل شيء مرغوب فيه من محسوسات ومعنويات، يقال: شَهِي كَرضِي، وشَهَا كدعا. والأكثر أن يقال: اشتهى، والافتعال فيه للمبالغة.
وتقديم ذكر الفاكهة على ذكر اللحم قد يكون لأن الفواكه أعزّ. وبهذا يظهر وجه المخالفة بين الفاكهة ولحم طير فجُعل التخيُّر للأول. والاشتهاءُ للثاني ولأن الاشتهاء أعلق بالطعام منه بالفواكه، فلذة كَسْر الشاهية بالطعام لذة زائدة على لذة حسن طَعمه، وكثرة التخيّر للفاكهة هي لذة تلوين الأصناف.
و {حور عين} عطف على {ولدان مخلدون}، أي ويطوف عليهم حور عين.
والحور العين: النساء ذوات الحَوَر، وتقدم في سورة الرحمن. وذوات العَين وهو سعة العين وتقدم في سورة الصافات.
وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر {وحورٍ عينٍ} بالكسر فيهما على أن {حور} عطف على {أكواب} عطفَ معنى من باب قوله:
وزجَّجن الحَواجب والعيونا ***
بتقدير: وكَحَّلْن العيون، أو يعطف على {جنات}، أي وفي حور عين، أي هم في حور عين أو محاطون بهن ومحدقون بهن.
والمراد: أزواج السابقين في الجنة وهن المقصورات في الخيام.
والأمثال: الأشباه. ودخول كاف التشبيه على (أمثال) للتأكيد مثل قوله تعالى:
{ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]. والمعنى: هن أمثالُ اللؤلؤ المكنون.
و {اللؤلؤ}: الدرّ، وتقدم تبيينه عند قوله تعالى: {يُحَلَّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً} في سورة الحج (23).
والمكنون}: المخزون المخبأ لنفاسته، وتقدم في سورة الصافات.
وانتصب {جزاء} على المفعول لأجله لفعل مقدر دل عليه قوله: {المقربون} [الواقعة: 11]، أي أعطيناهم ذلك جزاء، ويجوز أن يكون {جزاء} مصدراً جاء بدلاً عن فعله، والتقدير: جازيناهم جزاءً.
والجملة على التقديرين اعتراض تفيد إظهار كرامتهم بحيث جعلت أصناف النعيم الذين حُظُوا به جزاء على عمل قدّموه وذلك إتمام لكونهم مقربين.
ثم أكمل وصف النعيم بقوله: {لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً}، وهي نعمة روحية فإن سلامة النفس من سماع ما لا يُحَب سماعه ومن سماع ما يكره سماعه من الأذى نعمة براحة البال وشغله بسماع المحبوب.
واللغو: الكلام الذي لا يعتدّ به كالهذيان، والكلام الذي لا محصل له.
والتأثيم: اللَّوم والإِنكار، وهو مصدر أَثَّم، إذا نسب غيره إلى الإثم.
وضمير {فيها} عائد إلى {جنات النعيم} [الواقعة: 12].
وأتبع ذكر هذه النعمة بذكر نعمة أخرى من الأنعام بالمسموع الذي يفيد الكرامة لأن الإِكرام لذة رُوحية يُكسب النفس عزة وإدلالاً بقوله: {إلا قيلاً سلاماً سلاماً}. وهو استثناء من {لغواً وتأثيماً} بطريقة تأكيد الشيء بما يشبه ضده المشتهر في البديع باسم تأكيد المدح لما يشبه الذم، وله موقع عظيم من البلاغة كقوله النابغة:
ولا عيب فيهم غيرَ أنّ سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب
فالاستثناء متصل إدعاءً وهو المعبر عنه بالاستثناء المنقطع بحسب حاصل المعنى، وعليه فإن انتصاب {قيلاً} على الاستثناء لا على البدلية من {لغواً}.
و {سلاماً} الأول مقول {قيلاً} أي هذا اللفظ الذي تقديره: سَلمنا سَلاماً، فهو جملة محكية بالقول.
و {سلاماً} الثاني تكرير ل {سلاماً} الأول تكريراً ليس للتأكيد بل لإِفادة التعاقب، أي سلاماً إثر سلام، كقوله تعالى: {كلا إذا دكت الأرض دَكَّاً دَكاً} [الفجر: 21] وقولهم: قرأت النحو باباً باباً، أو مشاراً به إلى كثرة المسلِّمين فهو مؤذن مع الكرامة بأنهم معظمون مبجلون، والفرق بين الوجهين أن الأول يفيد التكرير بتكرير الأزمنة، والثاني يفيد التكرار بتكرار المسلِّمين.
وهذا القيل يتلقونه من الملائكة الموكلين بالجنة، قال تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم} [الرعد: 23، 24] ويتلقاه بعضهم من بعض كما قال تعالى: {وتحيتهم فيها سلام} [يونس: 10].
وإنما جيء بلفظ: {سلاماً} منصوباً دون الرفع مع كون الرفع أدل على المبالغة كما ذكروه في قوله: {قالوا سَلاماً قال سلام} في سورة هود (69) وسورة الذاريات (25) لأنه أريد جعله بدلاً من {قيلاً}.
{وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34)}
عود إلى نشر ما وقع لفُّه في قوله: {وكنتم أزواجاً ثلاثة} [الواقعة: 7] كما تقدم عند قوله: {فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة} [الواقعة: 8].
وعبر عنهم هنا ب {أصحاب اليمين} وهنالك ب {أصحاب الميمنة} للتفنن.
فجملة {وأصحاب اليمين} عطف على جملة {أولئك المقربون} [الواقعة: 8] عطف القصة على القصة.
وجملة {ما أصحاب اليمين} خبر عن {أصحاب اليمين} بإبهام يفيد التنويه بهم كما تقدم في قوله: {فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة} [الواقعة: 8]. وأتبع هذا الإِبهام بما يبين بعضه بقوله: {في سدر مخضود} الخ.
والسدر: شجر من شجر العِضاه ذو ورق عريض مدوَّر وهو صنفان: عُبْرِي بضم العين وسكون الموحدة وياء نسب نسبة إلى العِبر بكسر العين وسكون الموحدة على غير قياس وهو عِبر النهي، أي ضفته، له شوك ضعيف في غصونه لا يضير.
والصنف الثاني الضَّالُ (بضاد ساقطة ولام مخففة) وهو ذُو شوك. وأجود السدر الذي ينبت على الماء وهو يشبه شجر العُناب، وورقه كورق العناب وورقه يجعل غسولاً ينظف به، يخرج مع الماء رغوة كالصابون.
وثمر هذا الصنف هو النبق بفتح النون وكسر الموحدة وقاف يشبه ثمر العناب إلا أنه أصفر مُزّ (بالزاي) يفوح الفم ويفوح الثياب ويتفكه به، وأما الضال وهو السدر البري الذي لا ينبت على الماء فلا يصلح ورقه للغسول وثمره عَفِصٌ لا يسوغ في الحلق ولا ينتفع به ويخبِط الرعاةُ ورقه للراعية، وأجود ثمر السدر ثمر سدر هَجَر أشد نَبِق حلاوة وأطيبه رائحة.
ولما كان السدر من شجر البادية وكان محبوباً للعرب ولم يكونوا مستطيعين أن يجعلوا منه في جناتهم وحوائطهم لأنه لا يعيش إلا في البادية فلا ينبت في جناتهم خص بالذكر من بين شجر الجنة إغراباً به وبمحاسنه التي كان محروماً منها من لا يسكن البوادي وبوفرة ظله وتهدل أغصانه ونكهة ثمره.
ووصف بالمخضود، أي المزال شوكه فقد كملت محاسنه بانتفاء ما فيه من أذًى.
والطلح: شجر من شجر العضاه واحدهُ طلحة، وهو من شجر الحجاز ينبت في بطون الأودية، شديد الطُّول، غليظ الساق. من أصلب شجر العِضاه عُوداً، وأغصانه طوال عظام شديدة الارتفاع في الجو ولها شوك كثير قليلةُ الورق شديدة الخُضرة كثيرة الظل من التفاف أغصانها، وصمغها جيّد وشوكها أقل الشوك أذًى، ولها نَور طيب الرائحة، وتسمى هذه الشجرة أمّ غَيلان، وتسمى في صفاقس غيلان وفي أحواز تونس تسمى مِسْكَ صَنادِق.
والمنضود: المتراصّ المتراكب بالأغصان ليست له سوق بارزة، أو المنضد بالحمل، أي النُوَّار فتكثر رائحته.
وعلى ظاهر هذا اللفظ يكون القول في البشارة لأصحاب اليمين بالطلح على نحو ما قرر في قوله: {في سدر مخضود} ويعتاض عن نعمة نكهة ثمر السدر بنعمة عَرْف نَوْر الطلح.
وفُسر الطلح بشجر الموز روي ذلك عن ابن عباس وابن كثير، ونسب إلى علي بن أبي طالب.
والامتنان به على هذا التفسير امتنان بثمره لأنه ثمر طيب لذيد ولشجره من حسن المنظر، ولم يكن شائعاً في بلاد العرب لاحتياجه إلى كثرة الماء.
والظل الممدود: الذي لا يتقلص كظل الدنيا، وهو ظل حاصل من التفاف أشجار الجنة وكثرة أوراقها.
وسَكْب الماء: صبّه، وأطلق هنا على جريه بقوة يشبه السَّكْب وهو ماء أنهار الجنة.
والفاكهة: تقدمت آنفاً.
ووصفت ب {لا مقطوعة ولا ممنوعة} وصفاً بانتفاء ضد المطلوب إذ المطلوب أنها دائمة مبذولة لهم. والنفي هنا أوقع من الإثبات لأنه بمنزلة وصففٍ وتوكيده، وهم لا يصفون بالنفي إلا مع التكرير بالعطف كقوله تعالى: {زيتونة لا شَرقِيَّة ولا غربية} [النور: 35]. وفي حديث أم زرع: «قالت المرأة الرابعة: زوجي كلَيل تِهامة لاَ حَرّ ولا قُرٌّ ولا مَخافةٌ ولا سآمةٌ».
ثم تارة يقصد به إثبات حالة وسطى بين حالي الوصفين المنفيين كما في قول أم زرع: «لا حَرّ ولا قَرّ»، وفي آية: {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] وهذا هو الغالب وتارة يقصد به نفي الحالين لإثبات ضديهما كما في قوله: {لا مقطوعة ولا ممنوعة} وقوله الآتي: {لا بارد ولا كريم} [الواقعة: 44]، وقول المرأة الرابعة في حديث أمّ زرع: «ولا مخافة ولا سآمة».
وجمع بين الوصفين لأن فاكهة الدنيا لا تخلو من أحد ضدي هذين الوصفين فإن أصحابها يمنعونها فإن لم يمنعوها فإن لها إباناً تنقطع فيه.
والفُرش: جمع فِراش بكسر الفاء وهو ما يفرش وتقدم في سورة الرحمن. و{مرفوعة}: وصف ل {فرش}، أي مرفوعة على الأسرة، أي ليست مفروشة في الأرض.
ويجوز أن يراد بالفُرُش الأسرّة من تسمية الشيء باسم ما يحل فيه.
{إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38)}
لما جرى ذكر الفُرش وهي مما يعد للاتكاء والاضطجاع وقت الراحة في المنزل يخطر بالبال بادئ ذي بدء مصاحبة الحُور العين معهم في تلك الفرش فيتشوف إلى وصفهن، فكانت جملة: {إنا أنشأناهن إنشاءً} بياناً لأن الخاطر بمنزلة السؤال عن صفات الرفيقات.
فضمير المؤنث من {أنشأناهن} عائد إلى غير مذكور في الكلام ولكنه ملحوظ في الأفهام كقول أبي تمام في طالع قصيدة:
هُنّ عوادي يوسفٍ وصواحبه ***
ومنه قوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} [ص: 32]. وهذا أحسن وجه في تفسير الآية، فيكون لفظ {فرش} [الواقعة: 34] في الآية مستعملاً في معنييه ويكون {مرفوعة} [الواقعة: 34] مستعملاً في حقيقته ومجازه، أي في الرفع الحسي والرفع المعنوي.
والإِنشاء: الخَلق والإِيجاد فيشمل إعادة ما كان موجوداً وعُدم، فقد سمّى الله الإِعادة إنشاء في قوله تعالى: {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} [العنكبوت: 20] فيدخل نساء المؤمنين اللاءِ كُنّ في الدنيا أزواجاً لمن صاروا إلى الجنة ويشمل إيجادَ نساء أُنُفاً يُخلقن في الجنة لنعيم أهلها.
وقوله: {فجعلناهن أبكاراً} شامل للصنفين.
والعُرُب: جمع عَروب بفتح العين، ويقال: عَرِبه بفتح فكسر فيجمع على عَرِبات كذلك، وهو اسم خاص بالمرأة. وقد اختلفت أقوال أهل اللغة في تفسيره. وأحسن ما يجمعها أن العَروب: المرأة المتحببة إلى الرجل، أو التي لها كيفية المتحببة، وإن لم تقصد التحبّب، بأن تكثر الضحك بمرأى الرجل أو المزاحَ أو اللهو أو الخضوع في القول أو اللثغ في الكلام بدون علة أو التغزل في الرجل والمساهلة في مجالسته والتدلل وإظهار معاكسة أميال الرجل لعِباً لا جِدًّا وإظهار أذاه كذلك كالمغاضبة من غير غصب بل للتورك على الرجل، قال نبيه بن الحجاج:
تلك عريسي غضبى تريد زيالي *** أَلَبيْننٍ أردتتِ أم لدلال
الشاهد في قوله: أم لدلال، قال تعالى: {فلا تَخْضَعْن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً} [الأحزاب: 32]، وقال: {ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يُخفِين من زينتهن} [النور: 31]. وإنما فسروها بالمتحببة لأنهم لما رأوا هاته الأعمال تجلب محبة الرجل للمرأة ظنوا أن المرأة تفعلها لاكتساب محبة الرجل. ولذلك فسر بعضهم: العَروب بأنها المغتلمة، وإنما تلك حالة من أحوال بعض العروب. وعن عكرمة العروب: الملِقة.
والعروب: اسم لهذه المعاني مجتمعة أو مفترقة أجرَوْه مجرى الأسماء الدالة على الأوصاف دون المشتقة من الأفعال فلذلك لم يذكروا له فعلاً ولا مصدراً وهو في الأصل مأخوذ من الإِعراب والتعريب وهو التكلم بالكلام الفحش.
والعِرابة: بكسر العين: اسم من التعريب وفعله: عَرَّبت وأعربتْ، فهو مما يسند إلى ضمير المرأة غالباً. كأنهم اعتبروه إفصاحاً عما شأنه أن لا يفصح عنه ثم تنوسي هذا الأخذ فعومل العَروب معاملة الأسماء غير المشتقة، ويقال: عَرِبَة. مثل عروب. وجمع العَروب عُرُب وجمع عَرِبة عَرِبات.
ويقال للعروب بلغة أهل مكة العَرِبة والشَّكِلَةُ. ويقال لها بلغة أهل المدينة: الغَنجَة. وبلغة العراق: الشّكِلة، أي ذات الشَّكَل بفتح الكاف وهو الدلال والتعرُّبُ.
والأَتراب: جمع تِرْب بكسر المثناة الفوقية وسكون الراء وهي المرأة التي ساوى سنها سنّ من تضاف هي إليه من النساء، وقد قيل: إن الترب خاص بالمرأة، وأما المساوي في السن من الرجال فيقال له: قرن ولدة.
فالمعنى: أنهن جُعلن في سن متساوية لا تفاوت بينهن، أي هن في سن الشباب المستوي فتكون محاسنهن غير متفاوتة في جميع جهات الحُسن، وعلى هذا فنساء الجنة هن الموصوفات بأنهن «أتراب» بعضهن لبعض.
وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم وخلفُ {عرْبا} بسكون الراء سكون تخفيف وهو ملتزم في لغة تميم في هذا اللفظ.
واللام في {لأصحاب اليمين} يتنازعها {أنشأناهن} و{جعلناهن} لإِفادة توكيد الاعتناء بأصحاب اليمين المستفاد من المقام من قوله: {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين} [الواقعة: 27] الآية.
واعلم أن ما أعطي لأصحاب اليمين ليس مخالفاً لأنواع ما أعطي للسابقين ولا أن ما أعطي للسابقين مخالف لما أعطي أصحاب اليمين فإن الظل والماء المسكوب وكون أزواجهم عُرباً أتراباً لم يذكر مثله للسابقين وهو ثابت لهم لا محالة إذ لا يَقْصرون عن أصحاب اليمين، وكذلك ما ذكر للسابقين من الولدان وأكوابِهم وأباريقهم ولحم الطير وكون أزواجهم حوراً عيناً وأنهم لا يسمعون إلا قيلاً سلاماً سلاماً، لم يذكر مثله لأصحاب اليمين مع أن لأهل الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وقد ذكر في آيات كثيرة أنهم أعطوا أشياء لم يذكر إعطاؤها لهم في هذه الآية مثل قوله: {وتحيتهم فيها سلام} [يونس: 10]، فليس المقصود توزيع النعيم ولا قصره ولكن المقصود تعداده والتشويق إليه مع أنه قد علم أن السابقين أعلى مقاماً من أصحاب اليمين بمقتضى السياق. وقد أشار إلى تفاوت المقامين أنه ذكر في نعيم السابقين أنه جزاء بما كانوا يعملون للوجه الذي بيناه فيها ولم يذكر مثله في نعيم أصحاب اليمين وجُماع الغرض من ذلك التنويه بكلا الفريقين.
{ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (40)}
أي أصحاب اليمين: {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين}، والكلام فيه كالكلام في قوله: {ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} [الواقعة: 13، 14] فاذكره. وفي «تفسير القرطبي» عن أبي بكر الصديق: أن كلتا الثلتين من الأمة المحمدية ثلة من صدرها وثلة من بقيتها ولم ينبه على سند هذا النقل.
وإنما أخر هذا عن ذكر ما لهم من النعيم للإِشعار بأن عزة هذا الصنف وقلته دون عزة صنف السابقين، فالسابقون أعز، وهذه الدلالة من مستتبعات التراكيب المستفادة من ترتيب نظم الكلام.
{وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)}
إفضاء إلى الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة، وهم أصحاب المشاقّة. والقول في جملة: {ما أصحاب الشمال} وموقع جملة {في سموم} بعدها كالقول في جملة {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود} [الواقعة: 27، 28].
والسموم: الريح الشديد الحرارة الذي لا بلل معه وكأنه مأخوذ من السُّمّ، وهو ما يهلك إذ لاقى البدن.
والحميم: الماء الشديد الحرارة.
واليحموم: الدخان الأسود على وزن يفعول مشتق من الحُمَم بوزن صُرَد اسم للفحم. والحُممة: الفحمة، فجاءت زنة يفعول فيه اسماً ملحوظاً فيه هذا الاشتقاق وليس ينقاس.
وحرف {مِن} بيانية إذ الظل هنا أريد به نفس اليحموم، أي الدخان الأسود.
ووصف {ظل} بأنه {من يحموم} للإِشعار بأنه ظل دخان لَهب جهنم، والدخان الكثيف له ظل لأنه بكثافته يحجب ضوء الشمس، وإنما ذكر من الدخان ظله لمقابلته بالظل الممدود المُعدّ لأصحاب اليمين في قوله: {وظل ممدود} [الواقعة: 30]، أي لا ظل لأصحاب الشمال سِوى ظِل اليحموم. وهذا من قبيل التهكم.
ولتحقيق معنى التهكم وصف هذا الظل بما يفيد نفي البرد عنه ونفي الكرم، فبرد الظلّ ما يحصل في مكانه من دفع حرارة الشمس، وكرمُ الظلّ ما فيه من الصفات الحسنة في الظلال مثل سلامته من هبوب السموم عليه، وسلامة الموضع الذي يظله من الحشرات والأوساخ، وسلامة أرضه من الحجارة ونحو ذلك إذ الكريم من كل نوع هو الجامع لأكثر محاسن نوعه، كما تقدم في قوله تعالى: {إني ألقي إليّ كتاب كريم} في سورة سليمان (29)، فوُصف ظلّ اليحموم بوصف خاص وهو انتفاء البرودة عنه واتبع بوصف عام وهو انتفاء كرامة الظلال عنه، ففي الصفة بنفي محاسن الظلال تذكير للسامعين بما حُرم منه أصحاب الشمال عسى أن يحذروا أسباب الوقوع في الحرمان، ولإفادة هذا التذكير عدل عن وصف الظلّ بالحرارة والمضرّة إلى وصفه بنفي البرد ونفي الكرم.
{إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48)}
تعليل لما يلقاه أصحاب الشمال من العذاب، فيتعيّن أن ما تضمنه هذا التعليل كان من أحوال كفرهم وأنه مما له أثر في إلحاق العذاب بهم بقرينة عطف {وكانوا يصرون على الحنث... وكانوا يقولون} الخ عليه.
فأمّا إصرارهم على الحنث وإنكارهم البعث فلا يخفى تسببه في العذاب لأن الله توعدهم عليه فلم يقلعوا عنه، وإنما يبقى النظر في قوله: {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين} فإن الترف في العيش ليس جريمة في ذاته وكم من مؤمن عاش في ترف، وليس كل كافر مُترفاً في عيشه، فلا يكون الترف سبباً مستقلاً في تسبب الجزاء الذي عوملوا به.
فتأويل هذا التعليل: إما بأن يكون الإتراف سبباً باعتبار ضميمة ما ذُكر بعده إليه بأن كان إصرارهم على الحنث وتكذيبهم بالبعث جريمتين عظمتين لأنهما محفوفتان بكفر نعمة الترف التي خولهم الله إياها على نحو قوله تعالى: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] فيكون الإِتراف جُزءَ سبب وليس سبباً مستقلاً، وفي هذا من معنى قوله تعالى: {وذَرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً} [المزمل: 11].
وإما بأن يراد أن الترف في العيش عَلّق قلوبهم بالدنيا واطمأنوا بها فكان ذلك مُملياً على خواطرهم إنكار الحياة الآخرة، فيكون المراد الترف الذي هذا الإِنكار عارض له وشديد الملازمة له، فوزانه وزان قوله تعالى: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} [محمد: 12].
وفسر {مترفين} بمعنى متكبرين عن قبول الحقّ. والمترف: اسم مفعول من أترفه، أي جعله ذا ترفة بضم التاء وسكون الراء، أي نعمة واسعة، وبناؤه للمجهول لعدم الإحاطة بالفاعل الحقيقي للإتراف كشأن الأفعال التي التزم فيها الإسناد المجازي العقلي الذي ليس لمثله حقيقة عقلية، ولا يقدّر بنحو: أترفه الله، لأن العرب لم يكونوا يقدّرون ذلك فهذا من باب: قال قائل، وسأل سائل.
وإنما جعل أهل الشمال مترَفين لأنهم لا يخلو واحد منهم عن ترف ولو في بعض أحواله وأزمانه من نعم الأكل والشرب والنساء والخمر، وكل ذلك جدير بالشكر لواهبه، وهم قد لابسوا ذلك بالإشراك في جميع أحوالهم، أو لأنهم لما قصروا انظارهم على التفكير في العيشة العاجلة صرفهم ذلك عن النظر والاستدلال على صحة ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا وجه جعل الترف في الدنيا من أسباب جزائهم الجزاء المذكور.
والإِشارة في قوله: {قبل ذلك} إلى {سموم وحميم وظل من يحموم} [الواقعة: 42، 43] بتأويلها بالمذكور، أي كانوا قبل اليوم وهو ما كانوا عليه في الحياة الدنيا.
والحِنث: الذنب والمعصية وما يتخرج منه، ومنه قولهم: حنث في يمينه، أي أهمل ما حلف عليه فجر لنفسه حرجاً.
ويجوز أن يكون الحنث حنث اليمين فإنهم كانوا يقسمون على أن لا بَعثَ، قال تعالى:
{وأقسَموا بالله جَهدَ أيمانهم لا يبعثُ الله من يموت} [النحل: 38]، فذلك من الحنث العظيم، وقال تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليومنن بها} [الأنعام: 109] وقد جاءتهم آية إعجاز القرآن فلم يؤمنوا به.
والعظيم: القوي في نوعه، أي الذنب الشديد والحنث العظيم هو الإِشراك بالله. وفي حديث ابن مسعود أنه قال: «قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك» وقال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13].
ومعنى {يصرون}: يثبتون عليه لا يقبلون زحزحة عنه، أي لا يضعون للدعوة إلى النظر في بطلان عقيدة الشرك.
وصيغة المضارع في {يصرون} و{يقولون} تفيد تكرر الإصرار والقول منهم. وذكر فعل {كانوا} لإِفادة أن ذلك ديدنهم.
والمراد من قوله: {وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً} الخ أنهم كانوا يعتقدون استحالة البعث بعد تلك الحالة. ويناظرون في ذلك بأن القول ذلك يستلزم أنهم يعتقدون استحالة البعث.
والاستفهام إنكاري كناية عن الإحالة والاستبعاد، وتقدم نظير: {أإذا متنا وكنا تراباً} الخ في سورة الصافات.
وقرأ الجمهور {أإذا متنا} بإثبات الاستفهام الأول والثاني، أي إذا متنا أإنا. وقرأه نافع والكسائي وأبو جعفر بالاستفهام في {أإذا متنا} والإِخبار في {إنّا لمبعوثون}.
وقرأ الجمهور: {أو آباؤنا}، بفتح الواو على أنها واو عطف عطفت استفهاماً على استفهام، وقدمت همزة الاستفهام على حرف العطف لصدارة الاستفهام، وأعيد الاستفهام توكيداً للاستبعاد. والمراد بالقول في قوله: {وكانوا يقولون} الخ انهم يعتقدون استجابة مدلول ذلك الاستفهام.
{قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50)}
لما جرى تعليل ما يلاقيه أصحاب الشمال من العذاب بما كانوا عليه من كفران النعمة، وكان المقصود من ذلك وعيد المشركين وكان إنكارهم البعث أدخلَ في استمرارهم على الكفر أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بتحقيق وقوع البعث وشموله لهم ولآبائهم ولجميع الناس، أي أنبئهم بأن الأولين والآخرين، أي هم وآباؤهم يبعثون في اليوم المعين عند الله، فقد انتهى الخبر عن حالهم يوم تُرَجُّ الأرض وما يتبعه.
وافتتح الكلام بالأمر بالقول للاهتمام به كما افتتح به نظائره في آيات كثيرة ليكون ذلك تبليغاً عن الله تعالى. فيكون قوله: {قل إن الأولين} الخ استئنافاً ابتدائياً لمناسبة حكاية قولهم: {أئذا متنا وكنا تراباً} [الواقعة: 47] الآية.
والمراد ب {الأولين}: من يصدق عليه وصف (أول) بالنسبة لمن بعدهم، والمراد ب {الآخرين}: من يصدق عليه وصف آخر بالنسبة لمن قبله.
ومعنى {مجموعون}: أنهم يبعثون ويحشرون جميعاً، وليس البعث على أفواج في أزمان مختلفة كما كان موت الناس بل يبعث الأولون والآخرون في يوم واحد. وهذا إبطال لما اقتضاه عطف {أو آباؤنا الأولون} في كلامهم من استنتاج استبعاد البعث لأنهم عدُّوا سَبْقَ من سبق موتُهم أدل على تعذر بعثهم بعد أن مضت عليهم القرون ولم يبعث فريق منهم إلى يوم هذا القيل، فالمعنى: أنكم.
وتأكيد الخبر ب (إن) واللام لرد إنكارهم مضمونَه.
والميقات: هنا لمعنى الوقت والأجل، وأصله اسم آلة للوقت وتوسعوا فيه فأطلقوه على الوقت نفسه بحيث تعتبر الميم والألف غير دَالّتين على معنًى، وتوسعوا فيه توسعاً آخر فأطلقوه على مكان لعمللٍ مّا. ولعل ذلك متفرع على اعتبار ما في التوقيت من التحديد والضبط، ومنه مواقيت الحج، وهي أماكن يُحرم الحاج بالحج عندها لا يتجاوزها حلالاً. ومنه قول ابن عباس: «لم يوقت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الخمر حَدًّا معيَّناً».
ويصح حمله في هذه الآية على معنى المكان.
وقد ضمن {مَجْمُوعون} معنى مسوقون، فتعلق به مجرورهُ بحرف {إلى} للانتهاء، وإلا فإن ظاهر {مجموعون} أن يعدّى بحرف (في).
وأفاد تعليق مجروره به بواسطة (إلى) أنه مسير إليه حتى ينتهي إليه، فدل على مكان. وهذا من الإِيجاز.
وإضافة {ميقات} إلى {يوم معلوم} لأن التجمع واقع في ذلك اليوم. وإذ كان التجمع الواقع في اليوم واقعاً في ذلك الميقات كانت بين الميقات واليوم ملابسة صححت إضافة الميقات إليه لأدنى ملابسة وهذا أدقّ من جعل الإِضافة بيانية. وهذا تعريض بالوعيد بما يلقونه في ذلك اليوم الذي جحدوه.
{ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55)}
هذا من جملة ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم.
و {ثم} للترتيب الرتبي فإن في التصريح بتفصيل جزائهم في ذلك اليوم ما هو أعظم وقعاً في النفوس من التعريض الإِجمالي بالوعيد الذي استفيد من قوله: {إن الأولين والآخرين لمجموعون} [الواقعة: 49، 50].
وهذا التراخي الرتبي مثل الذي في قوله تعالى: {قل بلى وربي لتبعثن ثم لَتُنَبّؤنَّ بما عملتم} [التغابن: 7] بمنزلة الاعتراض بين جملة {إن الأولين والآخرين} [الواقعة: 49] وجملة: {خلقناكم فلولا تصدقون} [الواقعة: 57].
والخطاب موجه للمقول إليهم ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم فليس في هذا الخطاب التفات كما قد يتوهم، وفي ندائهم بهذين الوصفين إيماء إلى أنهما سبب ما لحقهم من الجزاء السَّيّئ، ووصفهم بأنهم: ضالون مكذّبون، ناظر إلى قولهم: {أئذا متنا وكنا تراباً} [الواقعة: 47] الخ.
وقدم وصف {الضالون} على وصف {المكذبون} مراعاة لترتيب الحصول لأنهم ضلّوا عن الحق فكذبوا بالبعث ليحذروا من الضلال ويتدبروا في دلائل البعث وذلك مقتضى خطابهم بهذا الإنذار بالعذاب المتوقع.
وشجر الزقوم: من شجر العذاب، تقدم في سورة الدخان.
والحميم: الماء الشديد الغليان، وقد تقدم في قوله تعالى: {لهم شراب من حميم} في سورة الأنعام (70) وتقدم قريباً في هذه السورة.
والمقصود من قوله: {فمالئون منها البطون} تفظيع حالهم في جزائهم على ما كانوا عليه من الترف في الدنيا بملء بطونهم بالطعام والشراب ملْئاً أنساهم إقبالهم عليه وشرْبهم من التفكرَ في مصيرهم.
وقد زيد تفظيعاً بالتشبيه في قوله: {فشاربون شرب الهيم}، كما سيأتي، وإعادة فعل (شاربون) للتأكيد وتكرير استحضار تلك الصورة الفظيعة. ومعنى {شاربون عليه} يجوز أن يكون (على) فيه للاستعلاء، أي شاربون فوقه الحميم، ويجوز مع ذلك استفادة معنى (مع) من حرف (على) تعجيباً من فظاعة حالهم، أي يشربون هذا الماء المحرق مع ما طعموه من شجر الزقوم الموصوفة في آية أخرى بأنها {يغلي في البطون كغَلي الحميم} [الدخان: 45، 46] فيفيد أنهم يتجرعونه ولا يستطيعون امتناعاً.
و {مِن} الداخلة على {شجر} ابتدائية، أي آكلون أكلاً يؤخذ من شجر الزقوم، و{من} الثانية الداخلة على {زقوم} بيانية لأن الشجر هو المسمى بالزقوم.
وتأنيث ضمير الشجر في قوله: {فمالئون منها البطون} لأن ضمائر الجمع لغير العاقل تأتي مؤنثة غالباً.
وأما ضمير {عليه} فإنما جاء بصيغة المذكر لأنه عائد على الأكل المستفاد من قوله: {لآكلون}، أي على ذلك الأكل بتأويل المصدر باسم المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق.
والهِيم: جمع أهيم، وهو البعير الذي أصابه الهُيام بضم الهاء، وهو داء يصيب الإِبل يورثها حُمى في الأمعاء فلا تزال تشرب ولا تروَى، أي شاربون من الحميم شرباً لا ينقطع فهو مستمرة آلامه.
وقرأ نافع وعاصم وحمزة وأبو جعفر {شُرب} بضم الشين اسمَ مصدر شرب، وقرأ الباقون بفتح الشين وهو المصدر لشَرِب.
ورويت عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صححه الحاكم، وخبر الواحد لا يزيد المتواترَ قُوة فكلتا القراءتين متواتر.
والفاء في قوله: {فشاربون عليه من الحميم} عطف على {لآكلون} لإِفادة تعقيب أكل الزقوم ب {شرب الهيم} دون فترة ولا استراحة.
وإعادة {فشاربون} توكيد لفظي لنظيره، وفائدة هذا التوكيد زيادة تقرير ما في هذا الشرب من الأعجوبة وهي أنه مع كراهته يزدادون منه كما ترى الأهيم، فيزيدهم تفظيعاً لأمعائهم لإِفادة التعجيب من حالهم تعجيباً ثانياً بعد الأول، فإن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة أمر عجيب، وشربهم له كما تَشرَب الإِبل الهِيم في الإِكثار أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين.
{هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56)}
اعتراض بين جمل الخطاب موجه إلى السامعين غيرهم فليس في ضمير الغيبة التفات.
والإِشارة بقوله: {هذا} إلى ما ذكر من أكل الزقوم وشرب الهيم.
والنُزلُ بضم النون وضم الزاي وسُكونَها ما يُقدم للضيف من طعام. وهو هنا تشبيه تهكّمي كالاستعارة التهكمية في قول عمرو بن كلثوم:
نزلتم منزل الأضياف منا *** فعجَّلنا القِرى أن تشتمونا
قرينانكم فعجلنا قراكم *** قبيل الصبح مرداة طحونا
وقول أبي الشّعر الضبيّ، واسمه موسى بن سحيم:
وكنا إذا الجبّار بالجيش ضَافنا *** جعلنا القَنا والمُرهفات له نُزْلا
و {يوم الدين} يوم الجزاء، أي هذا جزاؤهم على أعمالهم نظير قوله آنفاً {جزاء بما كانوا يعملون} [الواقعة: 24]. وجعل يوم الدين وقتاً لنزلهم مؤذن بأن ذلك الذي عبر عنه بالنزل جزاء على أعمالهم. وهذا تجريد للتشبيه التهكمي وهو قرينة على التهكم كقول عمرو بن كلثوم: «مرداةً طحونا».
{نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57)}
أعقب إبطال نفيهم البعث بالاستدلال على إمكانه وتقريب كيفية الإعادة التي أحالوها فاستدل على إمكان إعادة الخلق بأن الله خلقهم أول مرة فلا يبعد أن يعيد خلقهم، قال تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104] لأنهم لم يكونوا ينكرون ذلك، وليس المقصود إثبات أن الله خلقهم.
وهذا الكلام يجوز أن يكون من تمام ما أمر بأن يقوله لهم، ويجوز أن يكون استئنافاً مستقلاً. والخطاب على كلا الوجهين موجّه للسامعين فليس في ضمير {خلقناكم} التفات.
وتقدم المسند إليه على المسند الفعلي لإِفادة تقوّي الحكم ردّاً على إحالتهم أن يكون الله قادراً على إعادة خلقهم بعد فناء معظم أجسادهم حين يكونون تراباً وعظاماً، فهذا تذكير لهم بما ذهلوا عنه بأن الله هو خلقهم أول مرة وهو الذي يعيد خلقهم ثاني مرة، فإنهم وإن كانوا يعلمون أن الله خلقهم لمّا لم يجروا على موجَب ذلك العلم بإحالتهم إعادة الخلق نُزلوا منزلة من يشك في أن الله خلقهم، فالمقصود بتقوّي الحكم الإِفضاء إلى ما سيفرع عنه من قوله: {أفرأيتم ما تمنون إلى قوله: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم} [الواقعة: 58 61]. ونظير هذه الآية في نسج نظمها والترتيب عليها قوله تعالى: {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً} في سورة الإنسان (28).
وموقعها استدلال وعلة لمضمون جملة {إن الأولين والأخرين لمجموعون} [الواقعة: 49، 50] ولذلك لم تعطف.
وفُرع على هذا التذكير تحضيضهم على التصديق، أي بالخلق الثاني وهو البعث فإن ذلك هو الذي لم يصدقوا به.
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59)}
تفريع على {نحن خلقناكم} [الواقعة: 57]، أي خلقناكم الخلقَ الذي لم تَروه ولكنكم توقنون بأنا خلقناكم فتدبروا في خلق النسل لتعلموا أن إعادة الخلق تشبه ابتداء الخلق. وذكرت كائنات خمسة مختلفة الأحوال متحدة المآل إذ في كلها تكوين لموجود مما كان عدماً، وفي جميعها حصول وجود متدرّج إلى أن تتقوم بها الحياة وابتدئ بإيجاد النسل من ماء ميت، ولعله مادة الحياة بنسلكم في الأرحام من النطف تكويناً مسبوقاً بالعدم.
والاستفهام للتقرير بتعيين خالق الجنين من النطفة إذ لا يسعهم إلا أن يقرّوا بأن الله خالق النسل من النطفة وذلك يستلزم قدرته على ما هو من نوع إعادة الخلق.
وإنما ابتدئ الاستدلال بتقديم جملة {أأنتم تخلقونه} زيادة في إبطال شبهتهم إذ قاسوا الأحوال المغيبة على المشاهدة في قلوبهم لا نُعاد بعد أن كنا تراباً وعظاماً، وكان حقهم أن يقيسوا على تخلق الجنين من مبدأ ماء النطفة فيقولوا: لا تتخلق من النطفة الميتة أجسام حية كما قالوا: لا تصير العظام البالية ذواتاً حيّة، وإلا فإنهم لم يدّعوا قط أنهم خالقون، فكان قوله: {أأنتم تخلقونه} تمهيداً للاستدلال على أن الله هو خالق الأجنة بقدرته، وأن تلك القدرة لا تقصر عن الخلق الثاني عند البعث.
وفعل الرؤية في «أرأيتم» من باب (ظن) لأنه ليس رؤية عين. وقال الرضيّ: هو في مثله منقول من رأيت، بمعنى أبصرت أو عرفتَ، كأنه قيل: أأبصرت حاله العجيبة أو أعرفتها، أخبرني عنها، فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة لشيء اه، أي لأن أصل فعل الرؤية من أفعال الجوارح لا من أفعال العقل.
و {ما تمنون} مفعول أول لفعل {أفرأيتم}. وفي تعدية فعل «أرأيتم» إليه إجمال إذ مورد فعل العلم على حال من أحوال ما تمنون، ففعل «رأيتم» غير وارد على نفس {ما تمنون}. فكانت جملة {أأنتم تخلقونه} بياناً لجملة {أفرأيتم ما تمنون}، وأعيد حرف الاستفهام ليطابِق البيانُ مبيَّنَه.
وبهذا الاستفهام صار فعل {أرأيتم} معلقاً عن العمل في مفعول ثان لوجود موجب التعليق وهو الاستفهام. قال الرضيّ: إذ صُدر المفعول الثاني بكلمة الاستفهام فالأوْلى أن لا يعلق فعل القلب عن المفعول الأول نحو: علمْت زيداً أي من هو». اه.
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في {أأنتم تخلقونه} لإِفادة التقويّ لأنهم لما نُزلوا منزلة من يزعم ذلك كما علمتَ صيغت جملة نفيه بصيغة دالة على زعمهم تمكن التصرف في تكوين النسل.
وقد حصل من نفي الخلق عنهم وإثباته لله تعالى معنى قصر الخلق على الله تعالى.
و {أم} متصلة معادلة الهمزة، وما بعدها معطوف لأن الغالب أن لا يذكر له خبر اكتفاء بدلالة خبر المعطوف عليه على الخبر المحذوف، وههنا أعيد الخبر في قوله: {أم نحن الخالقون} زيادة في تقرير إسناد الخلق إلى الله في المعنى وللإِيفاء بالفاصلة وامتداد نفس الوقف، ويجوز أن نجعل {أم} منقطعة بمعنى (بل) لأن الاستفهام ليس بحقيقي فليس من غرضه طلب تعيين الفاعل ويكون الكلام قد تم عند قوله: {تخلقونه}.
والمعنى: أتظنون أنفسكم خالقين النسمَة مما تمنون.
{نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61)}
{نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت}.
استدلال بإماتة الأحياء على أنها مقدورة لله تعالى ضرورة أنهم موقنون بها ومشاهدونها ووادُّون دفعها أو تأخيرها، فإن الذي قدر على خلق الموت بعد الحياة قادر على الإِحياء بعد الموت إذ القدرة على حصول شيء تقتضي القدرة على ضده فلا جرم أن القادر على خلق حيّ مما ليس فيه حياة وعلى إماتته بعد الحياة قدير على التصرف في حالتي إحيائه وإماتته، وما الإحياء بعد الإِماتة إلا حالة من تينك الحقيقتين، فوضح دليل إمكان البعث، وهذا مثل قوله تعالى: {وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإِنسان لكفور} [الحج: 66].
هذا أصل المفاد من قوله: {نحن قدرنا بينكم الموت} ثم هو مع ذلك تنبيه على أن الموت جعله الله طوراً من أطوار الإنسان لحكمة الانتقال به إلى الحياة الأبدية بعد إعداده لها بما تهيئُه له أسباب الكمال المؤهلة لتلك الحياة لتتم المناسبة بين ذلك العالم وبين عامريه. وقد مضى الكلام على ذلك عند تفسير قوله تعالى: {أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون} في سورة المؤمنين (115).
فهذا وجه التعبير ب {قدرنا بينكم الموت} دون: نحن نميتكم، أي أن الموت مجعول على تقدير معلوم مراد، مع ما في مادة {قدرنا} من التذكير بالعلم والقدرة والإرادة لتتوجه أنظار العقول إلى ما في طيّ ذلك من دقائق وهي كثيرة، وخاصة في تقدير موت الإنسان الذي هو سبيل إلى الحياة الكاملة إنْ أخذ لها أسبابها.
وفي كلمة {بينكم} معنى آخر، وهو أن الموت يأتي على آحادهم تداولاً وتناوباً، فلا يفلت واحد منهم ولا يتعين لحلوله صنف ولا عُمُرٌ فآذن ظرف (بين) بأن الموت كالشيء الموضوع للتوزيع لا يدري أحد متى يصيبه قسطه منه، فالناس كمن دعوا إلى قسمة مال أو ثمر أو نعم لا يدري أحد متى ينادى عليه ليأخذ قسمه، أو متى يطير إليه قِطُّه ولكنه يوقن بأنه نائله لا محاله.
وبهذا كان في قوله: {بينكم الموت} استعارة مكنية إذ شبه الموت بمقسوم ورمز إلى المشبه به بكلمة {بينكم} الشائع استعمالها في القسمة، قال تعالى: {أن الماء قسمة بينهم} [القمر: 28]. وفي هذه الاستعارة كناية عن كون الموت فائدة ومصلحة للناس إما في الدنيا لئلا تضيق بهم الأرض والأرزاق وإما في الآخرة فللجزاء الوفاق.
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي لإِفادة تقوّي الحكم وتحقيقه، والتحقيق راجع إلى ما اشتمل عليه التركيب من فعل {قدرنا} وظرف {بينكم} في دلالتهما على ما في خلق الموت من الحكمة التي أشرنا إليها.
وقرأ الجمهور {قدّرنا} بتشديد الدال. وقرأه ابن كثير بالتخفيف وهما بمعنى واحد، فالتشديد مصدره التقدير، والتخفيف مصدره القَدر.
{وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * على أَن نُّبَدِّلَ أمثالكم وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لا تَعْلَمُونَ}.
هذا نتيجة لما سبق من الاستدلال على أن الله قادر على الإِحياء بعد الموت فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بفاء التفريع ويترك عطفه فعدل عن الأمرين، وعطف بالواو عطف الجمل فيكون جملة مستقلة مقصوداً لذاته لأن مضمونه يفيد النتيجة، ويفيد تعليماً اعتقادياً، فيحصل الإعلام به تصريحاً وتعريضاً، فالصريح منه التذكير بتمام قدرة الله تعالى وأنه لا يغلبه غالب ولا تضيق قدرته عن شيء، وأنه يبدلهم خلقاً آخر في البعث مماثلاً لخلقهم في الدنيا، ويفيد تعريضاً بالتهديد باستئصالهم وتعويضهم بأمة أخرى كقوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم ويأتتِ بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز} [إبراهيم: 19، 20] ولو جيء بالفاء لضاقت دلالة الكلام عن المعنيين الآخرين.
والسبق: مجاز من الغلبة والتعجيز لأن السبق يستلزم ان السابق غالب للمسبوق، فالمعنى: وما نحن بمغلوبين، قال الفقعسي مُرّةُ بن عداء:
كأنّك لم تُسبق من الدهر مَرة *** إذا أنتَ أدركتَ الذي كنت تطلُب
ويتعلق {على أن نبدل أمثالكم} ب {مسبوقين} لأنه يقال: غلبه على كذا، إذا حال بينه وبين نواله، وأصله: غلبه على كذا، أي تمكن من كذا دونه قال تعالى: {والله غالب على أمره} [يوسف: 21]. ويكون الوقف على قوله: {أمثالكم}.
ويجوز أن يكون {على أن نبدل أمثالكم} في موضع الحال من ضمير {قدرنا} [الواقعة: 60]، أي قدرنا الموت على أن نحييكم فيما بعدُ إدماجاً لإِبطال قولهم: {أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون} [الواقعة: 47] فتكون (على) بمعنى (مع) وتكون حالاً مقدرة، وهذا كقول الواعظ: «على شرط النقض رُفع البنيان، وعلى شرط الخروج دخلتْ الأرواح للأبدان» ويكون متعلق (مسبوقين) محذوفاً دالاً عليه المقام، أي ما نحن بمغلوبين فيما قدّرناه من خلقكم وإماتتكم، ويجعل الوقف على (مسبوقين).
ويفيد قوله: {نحن قدرنا بينكم الموت} الخ وراء ذلك عبرة بحال الموت بعد الحياة فإن في تقلب ذيْنك الحالين عبرة وتدبراً في عظيم قدرة الله وتصرفه فيكون من هذه الجهة وزانُه وزان قوله الآتي: {لو نشاء لجعلناه حطاماً} [الواقعة: 65] وقوله: {لو نشاء جعلناه أجاجاً} [الواقعة: 70] وقوله: {نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين} [الواقعة: 73].
ومعنى: {أن نبدل أمثالكم}: نبدل بكم أمثالكم، أي نجعل أمثالكم بدلاً.
وفعل (بدّل) ينصب مفعولاً واحداً ويتعدى إلى ما هو في معنى المفعول الثاني بحرف الباء، وهو الغالب أو ب (مِن) البدلية فإن مفعول (بدّل) صالح لأن يكون مُبدَلاً ومبدَلا منه، وقد تقدم في سورة البقرة (61) قوله تعالى: {أتستبدلون الذي هو أدنى} وفي سورة النساء (2) عند قوله: ولا تَتَبَدّلوا الخبيث بالطّيب، فالتقدير هنا: على أن نبدّل منكم أمثالكم، فحذف، متعلق نبدل} وأبقي المفعول لأن المجرور أولى بالحذف.
والأمثال: جمع مِثْل بكسر الميم وسكون المثلثة وهو النظير، أي نخلق ذوات مماثلة لذواتكم التي كانت في الدنيا ونودع فيها أرواحكم.
وهذا يؤذن بأن الإِعادة عن عدم لا عن تفريق. وقد تردد في تعيين ذلك علماء السنة والكلام.
ويجوز أن يفيد معنى التهديد بالاستئصال، أي لو شئنا استئصالكم لما أعجزتمونا فيكون إدماجاً للتهديد في أثناء الاستدلال ويكون من باب قوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} [إبراهيم: 19].
{وننشئكم} عطف على {نبدل}، أي ما نحن بمغلوبين على إنشائكم.
وهذا العطف يحتمل أن يكون عطف مغاير بالذات فيكون إنشاؤهم شيئاً آخر غير تبديل أمثالهم، أي نحن قادرون على الأمرين جميعاً، فتبديل أمثالهم خلق أجساد أخرى تودع فيها الأرواح، وأما إنشاؤهم فهو نفخ الأرواح في الأجساد الميتة الكاملة وفي الأجساد البالية بعد إعادتها بجمع متفرقها أو بإنشاء أمثالها من ذواتها مثل: عَجب الذنب، وهذا إبطال لاستبعادهم البعث بعد استقرار صور شبهتهم الباعثة على إنكار البعث.
ويحتمل أن يكون عطف مغاير بالوصف بأن يراد من قوله: {وننشئكم في ما لا تعلمون} الإِشارة إلى كيفية التبديل إشارة على وجه الإِبهام.
وعطف بالواو دون الفاء لأنه بمفرده تصوير لقدرة الله تعالى وحكمته بعدما أفاده قوله: {أن نبدل أمثالكم} من إثبات أن الله قادر على البعث.
و {ما} من قوله: {في ما لا تعلمون} صادقة على الكيفية، أو الهيئة التي يتكيّف بها الإنشاء، أي في كيفية لا تعلمونها إذ لم تحيطوا علماً بخفايا الخلقة. وهذا الإجمال جامع لجميع الصور التي يفرضها الإمكان في بعث الأجساد لإيداع الأرواح.
والظرفية المستفادة من {في} ظرفية مجازية معناها قوة الملابسة الشبيهة بإحاطة الظرف بالمظروف كقوله: {فعدلك في أي صورة ما شاء ركّبك} [الانفطار: 7، 8].
ومعنى {لا تعلمون}: أنهم لا يعلمون تفاصيل تلك الأحوال.
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62)}
أعقب دليل إمكان البعث المستند للتنبيه على صلاحية القدرة الإِلهية لذلك ولسد منافذ الشبهة بدليل من قياس التمثيل، وهو تشبيه النشأة الثانية بالنشأة الأولى المعلومة عندهم بالضرورة، فنبهوا ليقيسوا عليها النشأة الثانية في أنها إنشاء من أثر قدرة الله وعلمه، وفي أنهم لا يحيطون علماً بدقائق حصولها.
فالعلم المنفي في قوله: {فيما لا تعلمون} [الواقعة: 61]، هو العلم التفصيلي، والعلم المثبت في قوله: {ولقد علمتم النشأة الأولى} هو العلم الإجمالي، والإجمالي كاففٍ في الدلالة على التفصيلي إذ لا أثر للتفصيل في الاعتقاد.
وفي المقابلة بين قوله: {في ما لا تعلمون} [الواقعة: 61] بقوله: {ولقد علمتم} محسّن الطباق.
ولما كان علمهم بالنشأة الأولى كافياً لهم في إبطال إحالتهم النشأة الثانية رتب عليه من التوبيخ ما لم يرتب مثله على قوله: {وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون} [الواقعة: 60، 61] فقال: {فلولا تذكرون}، أي هلا تذكرتم بذلك فأمسكتم عن الجحد، وهذا تجهيل لهم في تركهم قياس الأشباه على أشباهها، ومثله قوله آنفاً: {نحن خلقناكم فلولا تصدقون} [الواقعة: 57].
وجيء بالمضارع في قوله: {تذكرون} للتنبيه على أن باب التذكر مفتوح فإن فاتهم التذكر فيما مضى فليتداركوه الآن.
وقرأ الجمهور {النشأة} بسكون الشين تليها همزة مفتوحة مصدر نشأ على وزن المرة وهي مرة للجنس. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحده بفتح الشين بعدها ألف تليها همزة، وهو مصدر على وزن الفَعَالة على غير قياس، وقد تقدم في سورة العنكبوت.
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)}
انتقال إلى دليل آخر على إمكان البعث وصلاحية قدرة الله له بضرب آخر من ضروب الإِنشاء بعد العدم.
فالفاء لتفريع ما بعدها على جملة: {نحن خلقناكم فلولا تصدقون} [الواقعة: 57] كما فرع عليه قوله: {أفرأيتم ما تمنون} [الواقعة: 58] ليكون الغرض من هذه الجمل متحداً وهو الاستدلال على إمكان البعث، فقصد تكرير الاستدلال وتعداده بإعادة جملة {أفرأيتم} وإن كان مفعول فعل الرؤية مختلفاً وسيجيء نظيره في قوله بعده {أفرأيتم الماء الذي تشربون} [الواقعة: 68] وقوله: {أفرأيتم النار التي تُورُون} [الواقعة: 71].
وإن شئت جعلت الفاء لتفريع مجرد استدلال على استدلال لا لتفريع معنى معطوفها على معنى المعطوف عليه، على أنه لما آل الاستدلال السابق إلى عموم صلاحية القدرة الإِلهية جاز أيضاً أن تكون هذه الجملة مراداً بها تمثيل بنوع عجيب من أنواع تعلقات القدرة بالإيجاد دون إرادة الاستدلال على خصوص البعث فيصح جعل الفاء تفريعاً على جملة {أفرأيتم ما تمنون} من حيث إنها اقتضت سعة القدرة الإِلهية.
ومناسبة الانتقال من الاستدلال بخلق النسل إلى الاستدلال بنبات الزرع هي التشابه البيّن بين تكوين الإنسان وتكوين النبات، قال تعالى: {والله أنبتكم من الأرض نباتاً} [نوح: 17].
والقول في {أفرأيتم ما تحرثون} نظير قوله: {أفرأيتم ما تمنون} [الواقعة: 58].
و {ما تحرثون} موصول وصلة والعائد محذوف.
والحرث: شق الأرض ليزرع فيها أو يغرس.
وظاهر قوله: {ما تحرثون} أنه الأرض إلا أن هذا لا يلائم ضمير {تزرعونه} فتعين تأويل {ما تحرثون} بأن يقدر: ما تحرثون له، أي لأجله على طريقة الحذف والإيصال، والذي يحرثون لأجله هو النبات، وقد دل على هذا ضمير النصب في {أأنتم تزرعونه} لأنه استفهام في معنى النفي والذي ينفَى هو ما ينبت من الحب لا بذره.
فإن فعل (زرع) يطلق بمعنى: أنبت، قال الراغب: الزرع: الإِنبات، لقوله تعالى: {أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} فنفى عنهم الزرع ونسبه إلى نفسه اه واقتصر عليه، ويطلق فعل (زرع) بمعنى: بذر الحب في الأرض لقول صاحب «لسان العرب»: زرعَ الحب: بذره، أي ومنه سمي الحب الذي يبذر في الأرض زريعة لكن لا ينبغي حمل الآية على هذا الإطلاق. فالمعنى: أفرأيتم الذي تحرثون الأرض لأجله، وهو النبات ما أنتم تنبتونه بل نحن ننبته.
وجملة {أأنتم تزرعونه} الخ بيان لجملة {أفرأيتم ما تحرثون} كما تقدم في {أأنتم تخلقونه} [الواقعة: 59] والاستفهام في {أأنتم تزرعونه} إنكاري كالذي في قوله: {أأنتم تخلقونه.
والقول في موقع {أم} من قوله: {أم نحن الزارعون} كالقول في موقع نظيرتها من قوله: {أم نحن الخالقون} [الواقعة: 59] أي أن (أم) منقطعة للإضراب.
وكذلك القول في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: {أأنتم تزرعونه} مثل ما في قوله: {أأنتم تخلقونه} [الواقعة: 59].
وكذلك القول في نفي الزرع عنهم وإثباته لله تعالى يفيد معنى قصر الزَّرع، أي الإِنبات على الله تعالى، أي دونهم، وهو قصر مبالغة لعدم الاعتداد بزرع الناس.
ويؤخذ من الآية إيماء لتمثيل خلق الأجسام خلقاً ثانياً مع الانتساب بين الأجسام البالية والأجسام المجددة منها بنبات الزرع من الحبة التي هي منتسبة إلى سنبلة زرع أخذت هي منها فتأتي هي بسنبلة مثلها.
{لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67)}
جملة {لو نشاء لجعلناه حطاماً}، موقعها كموقع جملة: {نحن قدّرنا بينكم الموت} [الواقعة: 60] في أنها استدلال بإفنائه ما أوجده على انفراده بالتصرف إيجاداً وإعداماً، تكلمة لدليل إمكان البعث.
واللام في قوله: {لجعلناه} مفيدة للتأكيد. ويكثر اقتران جواب (لو) بهذه اللام إذا كان ماضياً مثبتاً كما يكثر تجرده عنها كما سيجيء في الآية الموالية لهذه.
والحُطام: الشيء الذي حَطمه حاطم، أي كَسره ودقّه فهو بمعنى المحطوم، كما تدل عليه زنة فُعال مثل الفُتات والجُذاد والدُقاق، وكذلك المقترن منه بهاء التأنيث كالقُصاصة والقُلاَمة والكُناسة والقُمامة.
والمعنى: لو نشاء لجعلنا ما ينبت بعد خروجه من الأرض حُطاماً بأن نسلط عليه ما يحطمه من بَرَد أو ريح أو حشرات قبل أن تنتفعوا به، فالمراد جعله حطاماً قبل الانتفاع به. وأما أن يُؤول إلى الكَون حطاماً فذلك معلوم فلا يكون مشروطاً بحرف (لو) الامتناعية.
وقوله: {فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون} تفريع على جملة {لجعلناه حطاماً} أي يتفرع على جعله حطاماً أن تصيروا تقولون: إنا لمغرمون بل نحن محرومون، ففعل (ظَلّتُم) هنا بمعنى: صرتم، وعلى هذا حَمَله جميع المفسرين.
وأعضل وَقْع فعل {تفكهون}، فعن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: تفكهون تعجبون، وعن عكرمة: تتلاومون، وعن الحسن وقتادة: تندمون، وقال ابن كيسان: تحزنون، وقال الكسائي: هو تلهف على ما فات، وهو أي فعل {تفكهون} من الأضداد تقول العرب: تفكهت، أي تنعمت، وتفكهتُ، أي حزِنتُ اه.
ذلك أن فعل {تفكهون} من مادة فَكِه والمشهور أن هذه المادة تدل على المسرة والفرح ولكن السياق سياق ضد المسرة، وبيانه بقوله: {إنا لمغرمون بل نحن محرومون} يؤيد ذلك، فالفُكاهة: المسرة والانبساط، وادعى الكسائي أنها من أسماء الأضداد واعتمده في «القاموس» إذ قال: وتفكه، أكل الفاكهة وتجنب عن الفاكهة ضده. قال ابن عطية: وهذا كله أي ما روي عن ابن عباس وغيره في تفسير {فظلتم تفكهون} لا يخص اللفظة (أي هو تفسير بحاصل المعنى دون معاني الألفاظ) والذي يخص اللفظة هو تطرحون الفاكهة (كذا ولعل صوابه الفكاهة) عن أنفسكم وهي المسرة والجذل، ورجل فَكِه، إذا كان منبسط النفس غير مكترث بشيء اه. يعني أن صيغة التفعُّل فيه مطاوعة فعَّل الذي تضعيفه للإزالة مثل قَشَّر العود وقَرَّد البعير وأثبت صاحب «القاموس» هذا القول ونسبه إلى ابن عطية.
وجعلوا جملة {إنا لمغرمون} تندماً وتحسراً، أي تعلمون أن حطم زرعِكُم حرمانٌ من الله جزاء لكفركم، ومعنى {مغرمون} من الغرام وهو الهلاك كما في قوله تعالى: {إن عَذابها كان غراماً} [الفرقان: 65]. وهذا شبيه بما في سورة القلم من قوله تعالى: {فلما رأوها قالوا إنا لضالّون إلى قوله: إنا كنا طاغين} [القلم: 26 31].
فتحصل أن معنى الآية يجوز أن يكون جارياً على ظاهر مادة فعل {تفكهون} ويكون ذلك تهكماً بهم حملاً لهم على معتاد أخلاقهم من الهزْل بآيات الله، وقرينة التهكم ما بعده من قوله عنهم {إنا لمغرمون بل نحن محرومون.
ويجوز أن يكون محمل الآية على جعل تفكهون} بمعنى تندمون وتحزنون، ولذلك كان لفعل {تفكهون} هنا وقع يعوضه غيره.
وجملة {إنا لمغرمون} مقول قول محذوف هو حال من ضمير {تفكهون}.
وقرأ الجمهور {إنا لمغرمون} بهمزة واحدة وهي همزة (إنّ)، وقرأه أبو بكر عن عاصم {أإنا} بهمزيتن همزة استفهام وهمزة (إنِ).
{أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69)}
هذا على طريقة قوله: {أفرأيتم ما تحرثون} [الواقعة: 63] الآية، تفريعاً واستفهاماً، وفعلَ رؤية.
ومناسبةُ الانتقال أن الحرث إنما ينبت زرعه وشجره بالماء فانتقل من الاستدلال بتكوين النبات إلى الاستدلال بتكوين الماء الذي به حياة الزرع والشجر. ووصفُ {الماء} ب {الذي تشربون} إدماجٌ للمنة في الاستدلال، أي الماء العذب الذي تشربونه، فإن شرب الماء من أعظم النعم على الإنسان ليقابَل بقوله بعده: {لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون} [الواقعة: 70].
والمراد ماء المطر ولذلك قال: {أأنتم أنزلتموه من المزن}، والمراد: أنزلتموه على بلادكم وحروثكم. وماء المطر هو معظم شراب العرب المخاطبين حينئذٍ ولذلك يقال للعرب: بنو ماء السماء.
والمزن: اسم جمع مُزنة وهي السحابة.
ووجه الاستدلال إنشاء ما به الحياة بعد أن كان معدوماً بأن كوّنه الله في السحاب بحكمة تكوين الماء. فكما استُدل بإيجاد الحي من أجزاء ميتة في خلق الإنسان والنبات استُدل بإيجاد ما به الحياة عن عدم تقريباً لإِعادة الأجسام بحكمة دقيقة خفية، أي يجوز أن يمطر الله مطراً على ذوات الأجساد الإنسانية يكون سبباً في تخلقها أجساداً كاملة كما كانت أصولها، كما تتكوّن الشجرة من نواةِ أصلِها، وقد تم الاستدلال على البعث عند قوله: {أم نحن المنزلون}.
وقوله: {أأنتم أنزلتموه من المزن} جعل استدلالاً منوطاً بإنزال الماء من المزن، على طريقة الكناية بإنزاله، عن تكوينه صالحاً للشراب، لأن إنزاله هو الذي يحصل منه الانتفاع به ولذلك وصف بقوله: {الذي تشربون}. وأعقب بقوله {لو نشاء جعلناه أجاجاً} [الواقعة: 70] فحصل بين الجملتين احتباك كأنه قيل: أأنتم خلقتموه عَذْباً صالحاً للشرب وأنزلتموه من المزن لو نشاء جعلناه أجاجاً ولأمسكناه في سحاباته أو أنزلناه على البحار أو الخلاء فلم تنتفعوا به.
{لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)}
موقعها كموقع جملة {لو نشاء لجعلناه حطاماً} [الواقعة: 65] والمعنى: لو نشاء جعلناه غير نافع لكم. فهذا استدلال بأنه قادر على نقض ما في الماء من الصلاحية للنفع بعد وجود صورة المائية فيه. فوزان هذا وزانُ قوله: {نحن قدرنا بينكم الموت} [الواقعة: 60] وقوله: {لو نشاء لجعلناه حطاماً} [الواقعة: 65].
وتخلص من هذا التتميم إلى الامتنان بقوله: {فلولا تشكرون} تحْضيضاً لهم على الشكر ونبذ الكفر والشرك.
وحذفت اللام التي شأنها أن تدخل على جواب {لو} الماضي المثبت لأنها لام زائدة لا تفيد إلا التوكيد فكان حذفها إيجازاً في الكلام.
وذكّر الشيخ محمد بن سعيد الحجري التونسي في حاشيته على شرح الأشموني للألفية المسماة «زواهر الكواكب» عن كتاب «البرهان في إعجاز القرآن» هذا الاسم سمي به كتابان أحدهما لكمال الدين محمد المعروف بابن الزملكاني والثاني: لابن أبي الأصبع أنه قال: فإن قيل لِمَ أكد الفعل باللام في الزرع ولم يؤكد، في الماء؟ قلت: لأن الزرع ونباته وجفافه بعد النضارة حتى يعود حطاماً مما يحتمل أنه من فعل الزارع أو أنه من سَقي الماء، وجفافه من عدم السقي، فأخبر سبحانه أنه الفاعل لذلك على الحقيقة وأنه قادر على جعله حُطاماً في حال نموه لو شاء، وإنزالُ الماء من السماء مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه غير الله تعالى اه.
وحذفُ هذه اللام قليل إلا إذا وقعت {لو} وشرطها صلة لموصول فيكثر حذف هذه اللام للطول وهو الذي جزم به ابن مالك في «التسهيل» وتبعه الرضي كقوله تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم} [النساء: 9] وإن قال المرادي والدماميني في «شرحيهما»: إن هذا لا يعرف لغير المصنف، قال الرضي: وكذلك إذا طال الشرط بذيوله كقوله تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} [لقمان: 27]، أي وأما في غير ذلك فحذف اللام قليل ولكنه تكرر في القرآن في عدة مواضع منها هذه الآية. وللفخر كلام في ضابط حذف هذه اللام، ليس له تمام.
{أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72)}
هو مثل سابقه في نظم الكلام.
ومناسبةُ الانتقال من الاستدلال بخلق الماء إلى الاستدلال بخلق النار هي ما تقدم في مناسبة الانتقال إلى خلق الماء من الاستدلال بخلق الزرع والشجر، فإن النار تخرج من الشجر بالاقتداح وتذكى بالشجر في الاشتعال والالتهاب.
وهذا استدلال على تقريب كيفية الإحياء للبعث من حيث إن الاقتداح إخراج والزند الذي به إيقاد النار يخرج من أعواد الاقتداح وهي ميتة.
وفي قوله: {التي تورون} إدماج للامتنان في الاستدلال بما تقدم في قوله: {أفرأيتم الماء الذي تشربون} [الواقعة: 68].
وهو أيضاً وصف للمقصود من الدليل وهو النار التي تقتدح من الزند لا النار الملتهبة. وضمير شجرتها عائد إلى النار.
وشجرة النار: هي جنس الشجر الذي فيه حُرَّاق، أي ما يقتدح منه النار وهو شجر الزَّنْد أو الزِّنَاد وأشجار النار كثيرة منها المَرْخ (بفتح فسكون) والعَفار (بفتح العين) والعُشَر (بضم ففتح) والكَلْخ (بفتح فسكون) ومن الأمثال «في كل شجر نار، واستَمْجَدَ المَرْخُ والعفار» أي أكثر من النار.
و {تُورُون}: مضارع أورى الزَّنْد إذا حكَّه بمثله يستخرج منه النار كانوا يضعون عوداً من شجر النار ويحكّونه من أعلاه بعود مثله فتخرج النار من العود الأسفل ويسمى العُودُ الأعلى زَنداً (بفتح الزاي وسكون النون) وزناداً (بكسر الزاي) ويسمى الأسفل زَندة بهاء تأنيث في آخره، شبّهوا العود الأعلى بالفحل وشبهوا العود الأسفل بالطروقة وقد تابع ذو الرمة هذا المعنى في وصفه الاقتداح للنار فقال على شبه الإِلغاز:
وسِقطٍ كعين الديك عاورتُ صاحبي *** أبَاها وهيَّأْنا لموقعها وكْرا
مشهَّرة لا تُمكنُ الفحلَ أُمَّها *** إذا نَحن لم نمسك بأطرافها قسرا
وحذف العائد على الموصول لأن ضمير النصب يكثر حذفه من الصلة، وتقديره: التي تورونها.
وتعدية {تورون} إلى ضمير {النار} تعدية على تقدير مضاف، أي تورون شجرتها كما دل عليه قوله: {أأنتم أنشأتم شجرتها}، وقد شاع هذا الحذف في الكلام فقالوا: أورى النار كما قالوا: أورى الزناد.
وجملة {أأنتم أنشأتم شجرتها} الخ بيان لجملة {أفرأيتم النار} الخ كما تقدم في قوله: {أأنتم تخلقونه} [الواقعة: 59].
{نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73)}
الجملة بدل اشتمال من جملة {أم نحن المنشئون} [الواقعة: 72]، أي أنَّ إنشاء النار كان لفوائد وحِكماً منها أن تكون تذكرة للناس يذكرون بها نار جهنم ويوازنون بين إحراقها وإحراق جهنم التي يعلمون أنها أشد من نارهم.
والمتاع: ما يُتمتع، أي ينتفع به زماناً، وتقدم في قوله: {قل متاع الدنيا قليل} في سورة النساء (77).
والمُقوِي: الداخل في القَواء (بفتح القاف والمد) وهي القفر، ويطلق المُقوي على الجائع لأن جوفه أقوت، أي خلقت من الطعام إذ كلا الفعلين مشتق من القَوى وهو الخلاء. وفراغ البطن: قواء وقوى. فإيثار هذا الوصف في هذه الآية ليجمع المعنيين فإن النار متاع للمسافرين يستضيئون بها في مناخهم ويصطلون بها في البَرد ويراها السائر ليلاً في القَفر فيهتدي إلى مكان النُّزَّل فيأوي إليهم، ومتاع للجائعين يطبخون بها طعامهم في الحضر والسفر، وهذا إدماج للامتنان في خلال الاستدلال. واختير هذان الوصفان لأن احتياج أصحابهما إلى النار أشد من احتياج غيرهما.
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)}
رتب على ما مضى من الكلام المشتمل على دلائل عظمة القدرة الإِلهية وعلى أمثال لتقريب البعث الذي أنكروا خبره، وعلى جلائل النعم المدمجة في أثناء ذلك أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ينزهه تنزيهاً خاصاً معقِّباً لما تفيضه عليه تلك الأوصاف الجليلة الماضية من تذكر جديد يكون التنزيه عقبه ضرباً من التذكر في جلال ذاته والتشكر لآلائه فإن للعبادات مواقع تكون هي فيها أكمل منها في دونها، فيكون لها من الفضل ما يجزل ثوابه فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يخلو عن تسبيح ربه والتفكرِ في عظمة شأنه ولكن لاختلاف التسبيح والتفكر من تجدد ملاحظة النفس ما يجعل لكل حال من التفكر مزايا تكسبه خصائص وتزيده ثواباً.
فالجملة عطف على جملة {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى قوله: ومتاعاً للمقوين} [الواقعة: 49 73]، وهي تذييل.
والتسبيح: التنزيه، وقد تقدم عند قوله تعالى: {ونحن نسبح بحمدك} في سورة البقرة (30).
واسم الرب: هو ما يدل على ذاته وجُماع صفاته وهو اسم الجلالة، أي بأن يقول: سبحان الله، فالتسبيح لفظ يتعلق بالألفاظ.
ولما كان الكلام موضوعاً للدلالة على ما في النفس كان تسبيح الاسم مقتضياً تنزيه مُسماه وكان أيضاً مقتضياً أن يكون التسبيح باللفظ مع الاعتقاد لا مجرد الاعتقاد لأن التسبيح لما علق بلفظ اسم تعين أنه تسبيح لفظي، أي قُلْ كلاماً فيه معنى التنزيه، وعلّقه باسم ربك، فكل كلام يدل على تنزيه الله مشمول لهذا الأمر ولكن محاكاة لفظ القرآن أولى وأجمع بأن يقول: سُبحان الله. ويؤيد هذا ما قالته عائشة رضي الله عنها إنه لما نزل قوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره} [النصر: 3] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن» أي يتأوله على إرادة ألفاظه.
والباء الداخلة على {اسم} زائدة لتوكيد اللصوق، أي اتصاللِ الفعل بمفعوله وذلك لوقوع الأمر بالتسبيح عقب ذكر عدة أمور تقتضيه حسبما دلت عليه فاء الترتيب فكان حقيقاً بالتقوية والحث عليه، وهذا بخلاف قوله: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] لوقوعه في صدر جملته كقوله: {يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً} [الأحزاب: 41، 42].
وهذا الأمر شامل للمسلمين بقرينة أن القرآن متلوّ لهم وأن ما تفرع الأمر عليه لا يختص علمه بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما أُمر بالتسبيح لأجله فكذلك من عَلمه من المسلمين.
والمعنى: إذ علمتم ما أنزلنا من الدلائل وتذكرتم ما في ذلك من النعم فنزهوا الله وعظّموه بقُصارى ما تستطيعون.
و {العظيم} صَالح لأن يجعل وصفاً ل {ربك}، وهو عظيم بمعنى ثبوت جميع الكمال له وهذا مجاز شائع ملحق بالحقيقة؛ وصالح لأن يكون وصفاً ل {اسم} والاسم عظيم عظمة مجازية ليُمْنه ولعظمة المسمّى به.
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80)}
تفريع على جملة {قل إن الأولين والأخرين لمجموعون} [الواقعة: 49، 50] يُعرِب عن خطاب من الله تعالى موجه إلى المكذبين بالبعث القائلين: {أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً إنّا لمبعوثون} [الواقعة: 47]، انتقل به إلى التنويه بالقرآن لأنهم لما كذبوا بالبعث وكان إثباتُ البعث من أهم ما جاء به القرآن وكان مما أغراهُم بتكذيب القرآن اشتمالُه على إثبات البعث الذي عَدُّوه محالاً، زيادة على تكذيبهم به في غير ذلك مما جاء به من إبطال شركهم وأكاذيبهم، فلما قامت الحجة على خطئهم في تكذيبهم، فقد تبين صدق ما أنبأهم به القرآن فثبت صدقه ولذلك تهيّأ المقام للتنويه بشأنه.
والفاء لتفريع القَسم على ما سبق من أدلة وقوع البعث فإن قوله: {قل إن الأولين والأخرين لمجموعون} [الواقعة: 49، 50]، إخبار بيوم البعث وإنذار لهم به وهم قد أنكروه، ولأجل استحالته في نظرهم القاصر كذبوا القرآن وكذّبوا من جاء به، ففرع على تحقيق وقوع البعث والإِنذار به تحقيق أن القرآن منزه عن النقائص وأنه تنزيل من الله وأن الذي جاء به مبلغ عن الله.
فتفريع القسم تفريع معنويُّ باعتبار المقسم عليه، وهو أيضاً تفريع ذِكري باعتبار إنشاء القسم إن قالوا لكم: أقسم بمواقع النجوم.
وقد جاء تفريع القَسم على ما قبله بالفاء تفريعاً في مجرد الذكر في قول زهير:
فأقسمت بالبيت الذي طَافَ حوله *** رجال بَنَوْه من قريش وجُرهم
عقب أبيات النسِيب من معلَّقته، وليس بين النسيب وبين ما تفرع عنه من القسم مناسبة وإنما أراد أن ما بعد الفاء هو المقصود من القصيد، وإنما قدم له النسيب تنشيطاً للسامع وبذلك يظهر البَون في النظم بين الآية وبين بيت زهير.
و {لا أقسم} بمعنى: أقسم، و(لا) مزيدة للتوكيد، وأصلها نافية تدل على أن القائل لا يقدم على القسم بما أقسم به خشية سوء عاقبة الكذب في القسم.
وبمعنى أنه غير محتاج إلى القسم لأن الأمر واضح الثبوت، ثم كثر هذا الاستعمال فصار مراداً تأكيد الخبر فساوى القسم بدليل قوله عقبه: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم}، وهذا الوجه الثاني هو الأنسب بما وقع من مثله في القرآن.
وعلى الوجهين فهو إدماج للتنويه بشأن ما لو كان مُقسِماً لأقسم به. وعلى الوجه الثاني يكون قوله: {وإنه لقسم} بمعنى: وإن المذكور لشيء عظيم يُقسم به المقسمون، فإطلاق قسم عليه من إطلاق المصدر وإرادة المفعول كالخلق بمعنى المخلوق.
وعن سعيد بن جبير وبعض المفسرين: أنهم جعلوا (لا) حرفاً مستقلاً عن فعل {أقسم} واقعاً جواباً لكلام مقدر يدل عليه بعده من قوله: {إنه لقرآن كريم} ردّاً على أقوالهم في القرآن أنه شعر، أو سحر، أو أساطير الأولين، أو قول كاهن، وجعلوا قوله: {أقسم} استئنافاً.
وعليه بمعنى الكلام مع فاء التفريع أنه تفرع على ما سَطع من أدلة إمكان البعث ما يبطل قولكم في القرآن فهو ليس كما تزعمون بل هو قرآن كريم الخ.
و {مواقع النجوم} جمع موقع يجوز أن يكون مكان الوقوع، أي محالُّ وقوعها من ثوابت وسيارة. والوقوع يطلق على السقوط، أي الهوى، فمواقع النجوم مواضع غُروبها فيكون في معنى قوله تعالى: {والنجم إذا هوى} [النجم: 1] والقسم بذلك مما شمله قوله تعالى: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} [المعارج: 40]. وجعل {مواقع النجوم} بهذا المعنى مقسماً به لأن تلك المساقط في حال سقوط النجوم عندها تذكِّر بالنظام البديع المجعول لسير الكواكب كلَّ ليلة لا يختل ولا يتخلف، وتذكِّر بعظمة الكواكب وبتداولها خِلفة بعد أخرى، وذلك أمر عظيم يحق القسم به الراجع إلى القسم بمُبدعه.
ويطلق الوقوع على الحلول في المكان، يقال: وقعت الإِبل، إذا بركت، ووقعت الغنم في مرابضها، ومنه جاء اسم الواقعة للحادثة كما تقدم، فالمواقع: محالُّ وقوعها وخطوط سيرها فيكون قريباً من قوله: {والسماء ذات البروج} [البروج: 1].
والمواقع هي: أفلاك النجوم المضبوطة السير في أفق السماء، وكذلك بروجها ومنازلها.
وذكر (مواقع النجوم) على كلا المعنيين تنويه بها وتعظيم لأمرها لدلالة أحوالها على دقائق حكمة الله تعالى في نظام سيرها وبدائع قدرته على تسخيرها.
ويجوز أن يكون (مواقع) جمع موقع المصدر الميمي للوقوع.
ومن المفسرين من تأول النجوم أنها جمع نجم وهو القِسط الشيء من مال وغيره كما يقال: نجومُ الديات والغرامات وجعلوا النجوم، أي الطوائف من الآيات التي تنزل من القرآن وهو عن ابن عباس وعكرمة فيؤول إلى القسم بالقرآن على حقيقته على نحو ما تقدم في قوله تعالى: {والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً} [الزخرف: 2، 3].
وجملة {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} معترضة بين القسم وجوابه.
وضمير {إنه} عائد إلى القَسم المذكور في {لا أقسم بمواقع النجوم}، أو عائداً إلى مواقع النجوم بتأويله بالمذكور فيكون قسم بمعنى مقسم به كما علمت آنفاً.
ويجوز أن يعود إلى المقسم عليه وهو ما تضمنه جواب القسم من قوله: {إنه لقرآن كريم}.
وجملة {لو تعلمون} معترضة بين الموصوف وصفته وهي اعتراض في اعتراض.
والعلْمُ الذي اقتضى شرطُ {لو} الامتناعية عدمَ حصوله لهم إن جعلت ضمير {إنه} عائداً على القسم هو العِلم التفصيلي بأحوال مواقع النجوم، فإن المشركين لا يخلون من علم إجمالي متفاوت بأن في تلك المواقع عبرة للناظرين، أو نُزّل ذلك العلم الإجمالي منزلة العدم لأنهم بكفرهم لم يجروا على موجَب ذلك العلم من توحيد الله فلو علِموا ما اشتملت عليه أحوال مواقع النجوم من متعلقات صفات الله تعالى لعلموا أنها مواقع قدسية لا يَحْلف بها إلا بارٌّ في يمينه ولكنهم بمعزل عن هذا العلم، فإن جلالة المقسم به مما يزع الحالف عن الكذب في يمينه.
ودليل انتفاء علمهم بعظمته أنهم لم يدركوا دلالة ذلك على توحيد الله بالإِلهية فأثبوا له شركاء لم يخلقوا شيئاً من ذلك ولا ما يدانيه فتلك آية أنهم لم يدركوا ما في طي ذلك من دلائل حتى استوى عندهم خالق ما في تلك المواقع وغير خالقها.
فأما إن جعلت ضمير {وإنه لقسم} عائداً إلى المقسم عليه فالمعنى: لو تعلمون ذلك لما احتجتم إلى القسم.
وقرأ الجمهور {بمواقع} بصيغة الجمع بفتح الواو وبعدها ألف، وقرأه حمزة والكسائي وخلق {بموقع} سكون الواو دون ألف بعدها بصيغة المفرد على أنه مصدر ميمي، أي بوقوعها، أي غروبها، أو هو اسم لجهة غروبها كقوله: {رب المشرق والمغرب} [المزمل: 9].
ومفعول {تعلمون} محذوف دل عليه الكلام، أي لو تعلمون عظمته، أي دلائل عظمته، ولك أن تجعل فعل {تعلمون} منزّلاً منزلة اللازم، أي لو كان لكم علم لكنكم لا تتصفون بالعلم.
وضمير {إنه لقرآن كريم} راجع إلى غير مذكور في الكلام لكونه معلوماً مستحضراً لهم.
والقرآن: الكلام المقروء، أي المتلوّ المكرر، أي هو كلام متعظ به محل تدبر وتلاوة، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: {وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن} في سورة يونس (61).
والكريم: النفيس الرفيع في نوعه كما تقدم عند قوله تعالى: {إني ألقي إلي كتاب كريم} في سورة النمل (29).
وهذا تفضيل للقرآن على أفراد نوعه من الكُتب الإِلهية مثل التوراة والإنجيل والزبور ومجلة لقمان، وفضلُه عليها بأنه فاقها في استيفاء أغراض الدين وأحوال المعاش والمعاد وإثبات المعتقدات بدلائل التكوين. والإِبلاغ في دحض الباطل دحضاً لم يشتمل على مثله كتاب سابق، وخاصة الاعتقاد، وفي وضوح معانيه، وفي كثرة دلالته مع قلة ألفاظه، وفي فصاحته، وفي حسن آياته، وحسن مواقعها في السمع وذلك من آثار ما أراد الله به من عموم الهداية به، والصلاحية لكل أمة، ولكل زمان، فهذا وصف للقرآن بالرفعة على جميع الكتب حقاً لا يستطيع المخالف طعناً فيه.
وبعد أن وصف القرآن بكريم}، وصف وصفاً ثانياً بأنه {في كتاب مكنون} وذلك وصف كرامة لا محالة، فليس لفظ {كتاب} ولا وصف {مكنون} مراداً بهما الحقيقة إذ ليس في حمل ذلك على الحقيقة تكريم، فحرف (في) للظرفية المجازية.
والكتاب المكنون: مستعار لموافقة ألفاظ القرآن ومعانيه ما في علم الله تعالى وإرادته وأمرِه الملك بتبليغه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتلك شؤون محجوبة عنّا فلذلك وصف الكتاب بالمكنون اشتقاقاً من الاكتنان وهو الاستتار، أي محجوب عن أنظار الناس فهو أمر مغيّب لا يعلم كنهه إلا الله.
وحاصل ما يفيده معنى هذه الآية: أن القرآن الذي بلَغَهم وسمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم هو موافق لما أراد الله إعلام الناس به وما تعلقت قدرته بإيجاد نظمه المعجز، ليكمل له وصف أنه كلام الله تعالى وأنه لم يصنعه بشر.
ونظير هذه الظرفية قوله تعالى: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها إلى قوله: {إلا في كتاب مبين} في سورة الأنعام (59)، وقوله: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [فاطر: 11] أي إلا جارياً على وفق ما علمه الله وجَرى به قَدَره، فكذلك قوله هنا: {في كتاب مكنون}، فاستعير حرف الظرفية لمعنى مطابقةِ ما هو عند الله، تشبيهاً لتلك المطابقة باتحاد المظروف بالظرف. وقريب منه قوله تعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى} [الأعلى: 18، 19] وهذا أولى من اعتبار المجاز في إسناد الوصف بالكون في كتاب مكنون إلى قرآن كريم على طريقة المجاز العقلي باعتبار أن حقيقة هذا المجاز وصف مماثل القرآن ومطابقه لأن المماثل ملابس لمماثله.
واستعير الكتاب للأمر الثابت المحقق الذي لا يقبل التغيير، فالتأم من استعارة الظرفية لمعنى المطابقة، ومن استعارة الكتاب للثابت المحقق معنى موافقة معاني هذا القرآن لما عند الله من متعلّق علمه ومتعلّق إرادته وقدرته وموافقة ألفاظه لما أمر الله بخلقه من الكلام الدال على تلك المعاني على أبلغ وجه، وقريب من هذه الاستعارة قول بشر بن أبي حازم أو الطرمَّاح:
وجدنا في كتاب بني تميم *** أحق الخيل بالركض المعار
وليس لبني تميم كتاب ولكنه أطلق الكتاب على ما تقرر من عوائدهم ومعرفتهم.
وجملة {لا يمسه إلا المطهرون} صفة ثانية ل {كتاب}.
و {المطهّرون}: الملائكة، والمراد الطهارة النفسانية وهي الزكاء. وهذا قول جمهور المفسرين وفي «الموطأ» قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية {ا يمسه إلا المطهرون} أنها بمنزلة هذه الآية التي في عبس وتولى (11 16) قول الله تبارك وتعالى: {لكلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة اه. يريد أن المطهرون} هم السفرة الكرام البررة وليسوا الناس الذين يتطهرون.
ومعنى المسّ: الأخذ وفي الحديث: «مَس من طيبة»، أي أخذ. ويطلق المسّ على المخالطة والمطالعة قال يزيد بن الحكم الكلابي:
مسِسْنا من الآباء شيئاً فكلُّنا *** إلى حسَب في قومه غير واضع
قال المرزوقي في شرح هذا البيت من «الحماسة»: «مسسنا» يجوز أن يكون بمعنى أصبنا واختبرنا لأن المس باليد يقصد به الاختبار. ويجوز أن يكون بمعنى طلبنا ا ه. فالمعنى: أن الكتاب لا يباشر نقل ما يحتوي عليه لتبليغه إلا الملائكة.
والمقصود من هذا أن القرآن ليس كما يزعم المشركون قول كاهن فإنهم يزعمون أن الكاهن يتلقى من الجن والشياطين ما يسترِقونه من أخبار السماء بزعمهم، ولا هو قول شاعر إذ كانوا يزعمون أن لكل شاعر شيطاناً يملي عليه الشعر، ولا هو أساطير الأولين، لأنهم يعنون بها الحكايات المكذوبة التي يَتلهى بها أهلُ الأسمار، فقال الله: إن هذا القرآن مطابق لما عند الله الذي لا يشاهده إلا الملائكة المطهرون.
وجملة {تنزيل من رب العالمين} مبينة لجملة {في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون} فهي تابعة لصفة القرآن، أي فبلوغه إليكم كان بتنزيل من الله، أي نزل به الملائكة.
وفي معنى نظم هذه الآية قوله تعالى: {وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون تنزيل من رب العالمين} [الحاقة: 41 43].
وإذ قد ثبتت هذه المرتبة الشريفة للقرآن كان حقيقاً بأن تعظم تلاوته وكتابته، ولذلك كان من المأمور به أن لا يمَس مكتوبَ القرآن إلا المتطهِّرُ تشبهاً بحال الملائكة في تناول القرآن بحيث يكون ممسك القرآن على حالة تطهر ديني وهو المعنى الذي تومئ إليه مشروعية الطهارة لمن يريد الصلاة نظير ما في الحديث " المصلي يناجي ربه ". وقد دلت آثار على هذا أوضحها ما رواه مالك في «الموطأ» مرسلاً «أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أقيال ذي رعين وقعافر وهمذان وبعثها به مع عمرو بن حزم " أن لا يمس القرآن إلا طاهر ". وروى الطبراني عن عبد الله بن عُمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمس القرآن إلا طاهر»، قال المناوي: وسنده صحيح وجعله السيوطي في مرتبة الحسن.
وفي كتب السيرة أن عمر بن الخطاب قبل أن يُسلم دخل على اخته وهي امرأة سعيد بن زيد فوجدها تقرأ القرآن من صحيفة مكتوب فيها سورة طه فدعا بالصحيفة ليقرأها فقالت له: لا يمسه إلا المطهّرون فقام فاغتسل وقرأ السورة فأسلم، فهذه الآية ليست دليلاً لحكم مسّ القرآن بأيدي الناس ولكن ذكر الله إياها لا يخلو من إرادة أن يقاس الناسُ على الملائكة في أنهم لا يمسّون القرآن إلا إذا كانوا طاهرين كالملائكة، أي بقدر الإِمكان من طهارة الآدميين.
فثبت بهذا أن الأمر بالتطهر لمن يمسك مكتوباً من القرآن قد تقرر بين المسلمين من صدر الإِسلام في مكة.
وإنما اختلف الفقهاء في مقتضى هذا الأمر من وجوب أو ندب، فالجمهور رأوا وجوب أن يكون ممسك مكتوب القرآن على وضوء وهو قول علي وابن مسعود وسعد وسعيد وعطاء والزهري ومالك والشافعي، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقال فريق: إن هذا أمر ندب وهو قول ابن عباس والشعبي، وروي عن أبي حنيفة وهو قول أحمد وداود الظاهري.
قال مالك في «الموطأ» " ولا يحمل أحد المصحف لا بعلاقته ولا على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن وتعظيماً له ". وفي سماع ابن القاسم من كتاب الوضوء من «العتبية» في المسألة السادسة «سئل مالك عن اللوح فيه القرآن أيمس على غير وضوء؟ فقال: أما للصبيان الذين يتعلمون فلا رأى به بأساً، فقيل له: فالرجل يتعلم فيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفاً، فقيل لابن القاسم: فالمُعلِّمُ يشكِّل ألواح الصبيان وهو على غير وضوء، قال: أرى ذلك خفيفاً».
قال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: «لما يلحقه في ذلك من المشقة فيكون ذلك سبباً إلى المنع من تعلمه. وهذه هي العلة في تخفيف ذلك للصبيان. وأشار الباجي في «المنتقى» إلى أن إباحة مسّ القرآن للمتعلم والمعلم هي لأجل ضرورة التعلم.
وقد اعتبروا هذا حكماً لما كتب فيه القرآن بقصد كونه مصحفاً أو جزءاً من مصحف أو لَوحاً للقرآن ولم يعتبروه لما يكتب من آي القرآن على وجه الاقتباس أو التضمين أو الاحتجاج ومن ذلك ما يكتب على الدنانير والدراهم وفي الخواتيم.
والمراد بالطهارة عند القائلين بوجوبها الطهارة الصغرى، أي الوضوء، وقال ابن عباس والشعبي: يجوز مسّ القرآن بالطهارة الكبرى وإن لم تكن الصغرى.
ومما يلتحق بهذه المسألة مسألة قراءة غير المتطهّر القرآن وليست مما شملته الآية ظاهراً ولكن لمّا كان النهي عن أن يمسّ المصحف غير متطهّر لعله أن المس ملابسة لمكتوب القرآن فقد يكون النهي عن تلاوة ألفاظ القرآن حاصلاً بمفهوم الموافقة المساوي أو الأحرى، إذ النطق ملابسة كملابسة إمساك المكتوب منه أو أشد وأحسب أن ذلك مثار اختلافهم في تلاوة القرآن لغير المتطهّر. وإجماع العلماء على أن غير المتوضئ يقرأ القرآن مع اختلافهم في مسّ المصحف لغير المتوضئ يشعر بأن مس المصحف في نظرهم أشدُّ ملابسة من النطق بآيات القرآن.
قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يجوز للجنب قراءة القرآن ويجوز لغير المتوضئ. وقلت: شاع بين المسلمين من عهد الصحابة العمل بأن لا يتلو القرآن من كان جنباً ولم يُوثر عنهم إفتاء بذلك. وقال أحمد وداود: تجوز قراءة القرآن للجنب. ورخص مالك في قراءة اليسير منه كالآية والآيتين، ولم يشترط أحد من أهل العلم الوضوء على قارئ القرآن.
واختلف في قراءته للحائض والنفساء. وعن مالك في ذلك روايتان، وأحسب أن رواية الجواز مراعى فيها أن انتقاض طهارتهما تطول مدته فكان ذلك سبباً في الترخيص.
{أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81)}
الفاء تفريع على ما سِيق لأجله الكلام الذي قبلها في غرضه من التنويه بشأن القرآن، وهو الذي بِحذو الفاء، أو من إثبات البعث والجزاء وهو الذي حواه معظم السورة، وكان التنويهُ بالقرآن من مسبَّبَاته.
وأطبق المفسرون عدا الفخر على أن اسم الإشارة وبيانه بقوله: {فبهذا الحديث} مشير إلى القرآن لمناسبة الانتقال من التنويه بشأنه إلى الإِنكار على المكذبين به. فالتفريع على قوله: {إنه لقرآن كريم} [الواقعة: 77] الآية.
والمراد ب {الحديث} إخبار الله تعالى بالقرآن وإرادة القرآن من مثل قوله: {أفبهذا الحديث} واردة في القرآن، أي في قوله في سورة القلم (44) {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} وقوله في سورة النجم (59) {أفمن هذا الحديث تعجبون} ويكون العدول عن الإضمار إلى اسم الإشارة بقوله: {أفبهذا الحديث} دون أن يقول: أفَبِهِ أنتم مُدْهنون، إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر لتحصل باسم الإشارة زيادة التنويه بالقرآن.
وأما الفخر فجعل الإِشارة من قوله: {أفبهذا الحديث} إشارة إلى ما تحدثوا به من قبل في قوله تعالى: {وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً إنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون} [الواقعة: 47، 48]، فإن الله رد عليهم ذلك بقوله: {قل إن الأولين والآخرين} [الواقعة: 49] الآية. وبين أن ذلك كله إخبار من الله بقوله: {إنه لقرآن كريم} [الواقعة: 77] ثم عاد إلى كلامهم فقال: أفبهذا الحديث الذي تتحدثون به أنتم مدهنون لأصحابكم اه، أي على معنى قوله تعالى: {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا} [العنكبوت: 25].
وإنه لكلام جيّد ولو جَعل المراد من (هذا الحديث) جميع ما تقدم من أول السورة أصلاً وتفريعاً، أي من هذا الكلام الذي قرع أسماعكم، لكان أجود. وإطلاق الحديث على خبر البعث أوضح لأن الحديث يراد به الخبر الذي صار حديثاً للقوم.
والتعريف في {الحديث} على كلا التفسيرين تعريف العهد.
والمُدهِن: الذي يُظهر خلاف ما يبطن، يقال: أدهن، ويقال: دَاهنَ، وفسر أيضاً بالتهاون وعدم الأخذ بالحزم، وفسر بالتكذيب.
والاستفهام على كل التفاسير مستعمل في التوبيخ، أي كلامكم لا ينبغي إلا أن يكون مداهنة كما يقال لأحد قال كلاماً باطلاً: أتهزأ، أي قد نهض برهان صدق القرآن بحيث لا يكذب به مكذب إلا وهو لا يعتقد أنه كذب لأن حصول العلم بما قام عليه البرهان لا يستطيع صاحبُه دفعه عن نفسه، فليس إصراركم على التكذيب بعد ذلك إلا مداهنة لقومكم تخشون إن صدّقتم بهذا الحديث أن تزول رئاستكم فيكون في معنى قوله تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33].
وعلى تفسير {مدهنون} بمعنى الإِلانة، فالمعنى: لا تتراخوا في هذا الحديث وتدبروه وخذوا بالفور في اتباعه.
وإن فسر {مدهنون} بمعنى: تكذبون، فالمعنى واضح.
وتقديم المجرور للاهتمام، وصوغ الجملة الاسمية في {أنتم مدهنون} لأن المقرّر عليه إدْهان ثابت مستمرّ.
{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87)}
إذا جرينا على ما فَسر به المفسرون تكون هذه الجملة عطفاً على جملة {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} [الواقعة: 81] عطفَ الجملة على الجملة فتكون داخلة في حيّز الاستفهام ومستقلة بمعناها.
والمعنى: أفتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، وهو تفريع على ما تضمنه الاستدلال بتكوين نسل الإنسان وخلق الحَب، والماء في المزن، والنار من أعواد الاقتداح، فإن في مجموع ذلك حصول مقومات الأقوات وهي رزق، والنسل رزق، يقال: رُزق فلان ولَداً، لأن الرزق يطلق على العطاء النافع، قال لبيد:
رُزقتْ مرابيعَ النجوممِ وصَابها *** وَدْقُ الرواعد جَوْدُها فرهامها
أي أعطيتْ وقال تعالى: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} [الذاريات: 57] فعطف الإِطعام على الرزق والعطف يقتضي المغايرة.
والاستفهام المقدر بعد العاطف إنكاري، وإذ كان التكذيب لا يصح أن يجعل رزقاً تعين بدلالة الاقتضاء تقدير محذوف يفيده الكلام فقدره المفسرون: شُكْر رزقكم، أو نحوه، أي تجعلون شكر الله على رزقه إياكم أن تكذبوا بقدرته على إعادة الحياة، لأنهم عدلوا عن شكر الله تعالى فيما أنعم به عليهم فاستنقصوا قدرته على إعادة الأجسام، ونسبوا الزرع لأنفسهم، وزعموا أن المطر تمطره النجوم المسماة بالأنواء فلذلك قال ابن عباس: نزلت في قولهم: مُطرنا بنوء كذا، أي لأنهم يقولونه عن اعتقاد تأثير الأنواء في خَلْق المطر، فمعنى قول ابن عباس: نزلت في قولهم: مطرنا بنوء كذا، أنه مراد من معنى الآية.
قال ابن عطية: أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله الله رزقاً: هذا بنوء كذا وكذا اه.
أشار هذا إلى ما روي في «الموطأ» عن زيد بن خالد الجهني قال: صلّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثْر سماء فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قالَ: قَال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بِنَوْءِ كذا ونوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب، وليس فيه زيادة فنزلت هذه الآية ولو كان نزولها يومئذٍ لقاله الصحابي الحاضر ذلك اليوم.
ووقع في «صحيح مسلم» عن ابن عباس أنه قال: «مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صَدق نَوْء كذا وكذا. قال فنزلت: {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] حتى بلغ {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} فزاد على ما في حديث زيد بن خالد قوله فنزلت: {فلا أقسم} الخ.
وزيادة الراوي مختلف في قبولها بدون شرط أو بشرط عدم اتحاد المجلس، أو بشرط أن لا يكون ممن لا يغفل مثلُه عن مثل تلك الزيادة عادةً وهي أقوال لأئمة الحديث وأصول الفقه، وابن عباس لم يكن في سن أهل الرواية في مدة نزول هذه السورة بمكة فعل قوله: فنزلت تأويل منه، لأنه أراد أن الناس مُطرواً في مكة في صدر الإسلام فقال المؤمنون قولاً وقال المشركون قولاً فنزلت آية {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} تنديداً على المشركين منهم بعقيدة من العقائد التي أنكرها الله عليهم وأن ما وقع في الحديبية مطر آخر لأن السورة نزلت قبل الهجرة.
ولم يرو أن هذه الآية ألحقت بالسورة بعد نزول السورة.
ولعل الراوي عنه لم يحسن التعبير عن كلامه فأوهم بقوله فنزلت {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] بأن يكون ابن عباس قال: فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {فلا أقسم بمواقع النجوم، أو نحو تلك العبارة. وقد تكرر مثل هذا الإِيهام في أخبار أسباب النزول ويتأكد هذا صيغة تكذبون} لأن قولهم: مطرنا بنوء كذا، ليس فيه تكذيب بشيء، ولذلك احتاج ابن عطية إلى تأويله بقوله: «فإن الله تعالى قال: {ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحبَّ الحصيد والنخلَ باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد} [ق: 9 11] فهذا معنى {أنكم تكذبون} أي تكذبون بهذا الخبر.
والذي نحاه الفخر منحى آخر فجعل معنى {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} تكملة للإِدهان الذي في قوله تعالى: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} [الواقعة: 81] فقال: «أي تخافون أنكم إن صدّقتم بالقرآن ومنعتم ضعفاءكم عن الكفر يفوت عليكم من كسبكم ما تربحونه بسببهم فتجعلون رزقكم أنكم تكذّبون الرسول أي فيكون عطفاً على {مدهنون} [الواقعة: 81] عطف فعل على اسم شبيه به، وهو من قبيل عطف المفردات، أي أنتم مدهنون وجاعلون رزقكم أنكم تكذِّبون، فهذا التكذيب من الإدهان، أي أنهم يعلمون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنهم يظهرون تكذيبه إبقاء على منافعهم فيكون كقوله تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33]. وعلى هذا يقدر قوله: {أنكم تكذبون} مجروراً بباء الجر محذوفة، والتقدير: وتجعلون رزقكم بأنكم تكذبون، أي تجعلون عوضه بأن تكذِّبوا بالبعث». ================= {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ولكن لاَّ تُبْصِرُونَ * فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صادقين}.
مقتضى فاء التفريع أن الكلام الواقع بعدها ناشئ عما قبله على حسب ترتيبه وإذ قد كان الكلام السابق إقامةَ أدلة على أن الله قادر على إعادة الحياة للناس بعد الموت، وأعقب ذلك بأن تلك الأدلة أيدت ما جاء في القرآن من إثبات البعث، وأنحى عليهم أنهم وضحت لهم الحجة ولكنهم مكابرون فيها ومظهرون الجحود وهم موقنون بها في الباطن، وكل ذلك راجع إلى الاستدلال بقوة قدرة الله على إيجاد موجودات لا تصل إليها مدارك الناس، انتقل الكلام إلى الاستدلال على إثبات البعث بدليل لا محيص لهم عن الاعتراف بدلالته.
فالتفريع على جملة {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} [الواقعة: 62] وهو أن عجزهم عن إرجاع الروح عند مفارقتها الجسد ينبههم على أن تلك المفارقة مقدَّرة في نظام الخلقة وأنها لحكمة.
فمعنى الكلام قد أخبركم الله بأنه يجازي الناس على أفعالهم ولذلك فهو محييهم بعد موتهم لإِجراء الجزاء عليهم، وقد دلكم على ذلك بانتزاع أرواحهم منهم قهراً، فلو كان ما تزعمون من أنكم غير مجزيين بعد الموت لبقيتْ الأرواح في أجسادها، إذ لا فائدة في انتزاعها منها بعد إيداعها فيها لولا حكمة نقلها إلى حياة ثانية، ليجري جزاؤها على أفعالها في الحياة الأولى.
وهذا نظير الاستدلال على تفرد الله بالإِلهية بأنّ في كينونة الموجودات دلائل خِلقية على أنها مخلوقة لله تعالى وذلك قوله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15]. ومرجع هذا المعنى إلى أن هذا استدلال بمقتضى الحكمة الإِلهية في حالة خَلْق الإنسان فإن إيداع الأرواح في الأجساد تصرف من تصرف الله تعالى، وهو الحكيم، فما نزع الأرواح من الأجساد بعد أن أودعها فيها مدة إلا لأن انتزاعها مقتضى الحِكمة أن تنتزع، وانحصر ذلك في أن يجري عليها الحساب على ما اكتسبته في مدة الحياة الدنيا.
وهذا كقوله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115]، فالله تعالى جعل الحياة الدنيا والآجال مُدَدَ عمل، وجعل الحياة الآخرة دار جزاء على الأعمال، ولذلك أقام نظام الدنيا على قاعدة الانتهاء لآجاللِ حياة الناس.
أما موت من كان قريباً من سن التكليف ومَن دونه وموت العَجَماوات فذلك عارض تابع لإِجراء التكوين للأجساد الحية على نظام التكوين المتماثل، وكذلك ما يعرض لها من عوارض مهلكة اقتضاها تعارض مقتضيات الأنظام وتكوين الأمزجة من صحة ومرض، ومسالمة وعدوان.
فبقي الإِشكال في جعل {ترجعونها} من جملة جواب شرط {إن} إذ لا يلزم من عدم قدرتهم على صد الأرواح عن الخروج، أن يكون خروجها لإجراء الحساب. ودفع هذا الإشكال وجوب تأويل {ترجعونها} بمعنى تحاولون إرجاعها، أي عدمُ محاولتكم إرجاعها منذ العصور الأولى دليل على تسليمكم بعدم إمكان إرجاعها، وما ذلك إلا لوجوب خروجها من حياة الأعمال إلى حياة الجزاء. وأصل تركيب هذه الجملة: فإذا كنتم صادقين في أنكم غير مدينين فلولا حاولتم عند كل محتضر إذا بلغت الروح الحلقوم أن ترجعوها إلى مواقعها من أجزاء جسده فما صرفكم عن محاولة ذلك إلا العلم الضروري بأن الروح ذاهبة لا محالة. فإذا علمت هذا اتضح لك انتظام الآية التي نُظمت نظماً بديعاً من الإِيجاز، وأدمج في دليلها ما هو تكملة للإعجاز.
و (لولا) حرف تحْضيض مستعمل هنا في التعجيز لأن المحضوض إذا لم يفعل ما حُضّ على فعله فقد أظهر عجزه والفعل المحضوض عليه هو {ترجعونها}، أي تحاولون رجوعها.
و {إذا بلغت} ظرف متعلق ب {ترجعونها} مقدم عليه لتهويله والتشويق إلى الفعل المحضوض عليه.
والضمير المستتر في {بلغت} عائد على مفهوم من العبارات لظهور أن التي تبلغ الحلقوم هي الروح حذف إيجازاً نحو قوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} [ص: 32] أي الشمس. و(ال) في {الحلقوم} للعهد الجنسي.
وجملة {وأنتم حينئذٍ تنظرون} حال من ضمير {بلغت} ومفعول {تنظرون} محذوف تقديره: تنظرون صاحبها، أي صاحب الروح بقرينة قوله بعده {ونحن أقرب إليه}، وفائدة هذه الحال تحقيق أن الله صرفهم عن محاولة إرجاعها مع شدة أسفهم لموْت الأعِزَّة.
وجملة {ونحن أقرب إليه منكم} في موضع الحال من مفعول {تنظرون} المحذوف، أو معترضة والواو اعتراضية.
وأيَّاً ما كانت فهي احتراس لبيان أن ثمة حضوراً أقرب من حضورهم عند المحتضر وهو حضور التصريف لأحواله الباطنة.
وقربُ الله: قربُ علممٍ وقدرة على حد قوله: {وجاء ربك} [الفجر: 22] أو قرب ملائكته المرسلين لتنفيذ أمره في الحياة والموت على حد قوله: {ولقد جئناهم بكتاب} [الأعراف: 52]، أي جاءهم جبريل بكتاب، قال تعالى: {حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} [الأعراف: 37].
وجملة {ولكن لا تبصرون} معترضة بين جملة {ونحن أقرب إليه منكم} وجملة {فلولا إن كنتم غير مدينين} وكلمة {فلولا} الثانية تأكيد لفظي لنظيرها السابق أعيد لتُبنى عليه جملة {ترجعونها} لطول الفصل.
وجملة {إن كنتم غير مدينين} معترضة أو حال من الواو في {ترجعونها}.
وجواب شرط {إن} محذوف دل عليه فعل {ترجعونها}. قال ابن عطية: وقوله: {ترجعونها} سدّ مسدّ الأجوبة والبيانات التي تقتضيها التحضيضات، و{إذا} من قوله: {فلولا إذا بلغت} و(إن) المتكررة وحمل بعض القول بعضاً إيجاز أو اقتضابات» اه.
وجملة {إن كنتم صادقين} بيان لجملة {إن كنتم غير مدينين} وعلى التفسير الأول لمعنى {مدينين} يكون وجه إعادة هذا الشرط مع أنه مما استفيد بقوله: {إن كنتم غير مدينين} هو الإيماء إلى فرض الشرط في قوله: {إن كنتم غير مدينين} بالنسبة لما في نفس الأمر وأن الشرط في قوله: {إن كنتم صادقين} هو فرض وتقدير لا وقوع له نفي البعث، وعلى الوجه الثاني يرجع قوله: {إن كنتم صادقين} إلى ما أفاده التحضيض، وموقع فاء التفريع من إرادة أن قبض الأرواح لتأخيرها إلى يوم الجزاء، أي إن كنتم صادقين في نفي البعث والجزاء.
وضمير التأنيث في قوله: {ترجعونها} عائد إلى الروح الدال عليه التاء في قوله: {إذا بلغت الحلقوم}.
ومعنى الاستدراك في {ولكن لا تبصرون} راجع إلى قوله: {ونحن أقرب إليه منكم} لرفع توهم قائل: كيف يكون أقرب إلى المحتضر من العوّاد الحافين حوله وهم يرون شيئاً غيرهم يدفع ذلك بأنهم محجوبون عن رؤية أمر الله تعالى.
وجملة {ولكن لا تبصرون} معترضة، والواو اعتراضية. ومفعول {تبصرون} محذوف دلّ عليه قوله: {ونحن أقرب إليه}.
ومعنى {مدينين} مُجَازَيْنَ على أعمالكم. وعلى هذا المعنى حمله جمهور المتقدمين من المفسرين ابن عباس ومجاهد وجابر بن زيد والحسن وقتادة، وعليه جمهور المفسرين من المتأخرين على الإِجمال، وفسره الفراء والزمخشري {مدينين} بمعنى: عبيد لله، من قولهم: دَان السلطان الرعية، إذا ساسهم، أي غير مرْبوبين وهو بعيد عن السياق.
واعلم أن قوله: {إن كنتم غير مدينين} فرض وتقدير فَ {إنْ} فيه بمنزلة (لو)، أي لو كنتم غير مدينين، أي غير مجزيين على الأعمال.
وأسند فعل {إن كنتم غير مدينين} إلى المخاطبين بضمير المخاطبين، دون أن يقول: إن كان الناس غير مدينين لأن المخاطبين هم الذين لأجل إنكارهم البعث سيق هذا الكلام. والمعنى: لو كنتم أنتم وكان الناس غير مدينين لما أخرجت الأرواح من الأجْساد إذ لا فائدة تحصل من تفريق ذينك الإِلفين لولا غرض ساممٍ، وهو وضع كل روح فيما يليق بها من عالم الخلود جزاء على الأعمال، ولذلك أوثر لفظ {غير مدينين} دون أن يقال: غير مبعوثين، أو غير مُعادين، وإن كان لا يلزم من نفي الإدانة نفي البعث فإنه يجوز أن يكون بعث بلا جزاء لكن ذلك لا يدَعى لأنه عبث.
فقوله: {إن كنتم غير مدينين} إيماء إلى أن الغرض من سوق هذا الدليل إبطال إنكارهم البعث الذي هو لحكمة الجزاء.
ومن مستتبعات هذا الكلام أن يفيد الإيماء إلى حكمة الموت بالنسبة للإنسان لأنه لتخليص الأرواح من هذه الحياة الزائلة المملوءة باطلاً إلى الحياة الأبدية الحق التي تجري فيها أحوال الأرواح على ما يناسب سلوكها في الحياة الدنيا، كما أشار إليه قوله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115] فيقتضي أنه لولا أنكم مدينون لما انتزعنا الأرواح من أجسادها بعد أن جعلناها فيها ولأبقيناها لأن الروح الإنساني ليس كالروح الحيواني، فتكون الآية مشتملة على دليلين: أحدهما بحاقِّ التركيب، والآخر بمستتبعاته التي أومأ إليها قوله: {إن كنتم غير مدينين}. والغرض الأول هو الذي ذيل بقوله: {إن كنتم صادقين}.
هذا تفسير الآية الذي يحيط بأوفر معانيها دلالة واقتضاء ومستتبعات. وجعل في «الكشاف» معنى الآية يصب إلى إبطال ما يعتقده الدهريون، أي الذين يقولون {نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24]، لأنهم نفوا أن يكونوا عباداً لله. وجعل معنى {مدينين} مملوكين لله، وبذلك فسره الفراء وقال ابن عطية: «إنه أصح ما يقال في معنى اللفظة هنا، ومن عبر بمجازَى أو بمحاسب، فذلك هنا قلق». وقلت: في كلامه نظر ظاهر.
وجعل الزمخشري تفريعه على ما حكي من كلامهم السابق مبنياً على أن ما حكي من كلامهم في الأنْواء والتكذيب يفضي إلى مذهب التعطيل، فاستدل عليهم بدليل يقتضي وجود الخالق وهو كله ناء عن معنى الآية لأن الدهرية لا ينتحلها جميع العرب بل هي نحلة طوائف قليلة منهم وناء عن متعارف ألفاظها وعن ترتيب استدلالها.
{فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)}
لما اقتضى الكلام بحذافره أن الإِنسان صاحب الروح صائر إلى الجزاء فرع عليه إجمال أحوال الجزاء في مراتب الناس إجمالاً لما سبق تفصيله بقوله: {وكنتم أزواجاً ثلاثة إلى قوله: لا بارد ولا كريم} [الواقعة: 7 44] ليكون هذا فذلكة للسورة وردّاً لعجزها على صدرها.
فضمير {إن كان} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {إليه} من قوله: {ونحن أقرب إليه منكم} [الواقعة: 85].
والمقربون هم السابقون الذين تقدم ذكرهم في قوله تعالى: {والسابقون السابقون أولئك المقربون} [الواقعة: 85] وأصحاب اليمين قد تقدم والمكذبون الضالون: هم أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم.
وقد ذكر لكل صنف من هؤلاء جزاء لم يُذكر له فيما تقدم ليضم إلى ما أعدّ له فيما تقدم على طريقة القرآن في توزيع القصة.
والرَّوْح: بفتح الراء في قراءة الجمهور، وهو الراحة، أي فرَوْح له، أي هو في راحة ونعيم، وتقدم في قوله: {ولا تيأسوا من روح الله} في سورة يوسف (87). وقرأه رويس عن يعقوب بضم الراء. ورويت هذه القراءة عن عائشة عن النبي عند أبي داود والترمذي والنسائي، أي أن رسول الله روي عنه الوجهان، فالمشهور روي متواتراً، والآخر روي متواتراً وبالآحاد، وكلاهما مراد.
ومعنى الآية على قراءة ضم الراء: أن روحه معها الريحان وهو الطيب وجنة النعيم. وقد ورد في حديث آخر: أن رُوح المؤمن تخرج طيبة. وقيل: أطلق الرُّوح بضم الراء على الرحمة لأن من كان في رحمة الله فهو الحيّ حقاً، فهو ذو روح، أما من كان في العذاب فحياته أقل من الموت، قال تعالى: {لا يموت فيها ولا يحيى} [الأعلى: 13]، أي لأنه يتمنى الموت فلا يجده.
والريحان: شجر لورقة وقضبانه رائحة ذكية شديد الخضرة كانت الأمم تزين به مجالس الشراب. قال الحريري «وطوراً يستبزل الدنان، ومرة يستنثق الريحان» وكانت ملوك العرب تتخذهُ، قال النابغة:
يُحَيَّوْن بالريحان يوم السباسب ***
وتقدم عند قوله تعالى: {والحب ذو العصف والريحان} في سورة الرحمن (12)، فتخصيصه بالذكر قبل ذكر الجنة التي تحتوي عليه إيماء إلى كرامتهم عند الله، مثل قوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} [الرعد: 23، 24].
وجملة {فروح وريحان} جواب (أما) التي هي بمعنى: مهما يكن شيء. وفُصل بين (ما) المتضمنة معنى اسم شرط وبين فعل شرط وبين الجواب بشرط آخر هو {إن كان من المقربين} لأن الاستعمال جرى على لزوم الفصل بين (أمّا) وجوابها بفاصل كراهية اتصال فاء الجواب بأداة الشرط لما التزموا حذف فعل الشرط فأقاموا مقامه فاصلاً كيفَ كان.
وجواب (إن) الشرطية محذوف أغنى عنه جواب (أمَّا).
وكذلك قوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين}.
والسلام: اسم للسلامة من المكروه، ويطلق على التحية، واللام في قوله: {لك} للاختصاص.
والكلام إجمال للتنويه بهم وعلوّ مرتبتهم وخلاصهم من المكدرات لتذهب نفس السامع كل مذهب.
واختلف المفسرون في قوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين} فقيل: كاف الخطاب موجهة لغير معين، أي لكل من يسمع هذا الخبر. والمعنى: أن السلامة الحاصلة لأصحاب اليمين تسر من يبلغه أمرها. وهذا كما يقال: ناهيك به، وحسبك به، و(من) ابتدائية، واللفظ جرى مجرى المثل فطوي منه بعضه، وأصله: فلهم السلامة سلامة تسرّ من بلغه حديثها.
وقيل: الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وتقرير المعنى كما تقدم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يُسرّ بما يناله أهل الإسلام من الكرامة عند الله وهم ممن شملهم لفظ {أصحاب اليمين}. وقيل: الكلام على تقدير القول، أي فيقال له: سلام لك، أي تقول له الملائكة.
و {من أصحاب اليمين} خبر مبتدأ محذوف، أي أنت من أصحاب اليمين، و{من} على هذا تبعيضية، فهي بشارة للمخاطب عند البعث على نحو قوله تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} [الرعد: 23، 24].
وقيل: الكاف خطاب لمن كان من أصحاب اليمين على طريقة الالتفات. ومقتضى الظاهر أن يقال: فسلام له، فعدل إلى الخطاب لاستحضار تلك الحالة الشريفة، أي فيسلم عليه أصحاب اليمين على نحو قوله تعالى: {وتحيتهم فيها سلام} [يونس: 10] أي يبادرونه بالسلام، وهذا كناية عن كونه من أهل منزلتهم، و{من} على هذا ابتدائية.
فهذه محامل لهذه الآية يستخلص من مجموعها معنى الرفعة والكرامة.
والمكذبون الضالون: هم أصحاب الشمال في القسم السابق إلى أزواج ثلاثة.
وقدم هنا وصف التكذيب على وصف الضلال عكس ما تقدم في قوله: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون} [الواقعة: 51]، لمراعاة سبب ما نالهم من العذاب وهو التكذيب، لأن الكلام هنا على عذاب قد حان حينه وفات وقت الحذر منه فبُينّ سبب عذابهم وذكروا بالذي أوقعهم في سببه ليحصل لهم ألم التندم.
والنزل: ما يُقدم للضيف من القرى، وإطلاقه هنا تهكم، كما تقدم قريباً في هذه السورة كقوله تعالى: {هذا نزلهم يوم الدين} [الواقعة: 56].
والتصلية: مصدر صلاَّه المشدّد، إذا أحرقه وشواه، يقال: صلى اللحم تصلية، إذا شواه، وهو هنا من الكلام الموجه لإِيهامه أنه يُصلّى له الشواء في نزله على طريقة التهكم، أي يحرّق بها.
والجحيم: يطلق على النار المؤججة، ويطلق عَلَماً على جهنّم دار العذاب الآخرة.
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95)}
تذييل لجميع ما اشتملت عليه السورة من المعاني المثبتة.
والإِشارة إلى ذلك بتأويل المذكور من تحقيق حق وإبطال باطل.
والحق: الثابت. و{اليقين}: المعلوم جزماً الذي لا يقبل التشكيك.
وإضافة {حق} إلى {اليقين} من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي لهو اليقين الحق. وذلك أن الشيء إذا كان كاملاً في نوعه وصُف بأنه حقّ ذلك الجنس، كما في الحديث: «لأبعثن مَعكم أميناً حقَّ أمين». فالمعنى: أن الذي قصصنا عليك في هذه السورة هو اليقين حقُّ اليقين، كما يقال: زيد العالم حقُ عالم. ومآل هذا الوصف إلى توكيد اليقين، فهو بمنزلة ذكر مرادف الشيء وإضافة المترادفين تفيد معنى التوكيد، فلذلك فسروه بمعنى: أن هذا يقينُ اليقين وصوابُ الصواب. نريد: أنه نهاية الصواب. قال ابن عطية: وهذا أحسن ما قيل فيه.
ويجوز أن تكون الإِضافة بيانية على معنى (مِن)، وحقيقته على معنى اللام بتقدير: لهو حق الأمر اليقين، وسيجيء نظير هذا التركيب في سورة الحاقة. وسأبين هنالك ما يزيد على ما ذكرته هنا فانظره هنالك.
وقد اشتمل هذا التذييل على أربعة مؤكدات وهي: (إن)، ولام الابتداء، وضمير الفصل، وإضافة شبه المترادفين.
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)}
تفريع على تحقيق أن ما ذكر هو اليقين حقاً فإن ما ذكر يشتمل على عظيم صفات الله وبديع صنعه وحكمته وعدله، ويبشر النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بمراتب من الشرف والسلامة على مقادير درجاتهم وبنعمة النجاة مما يصير إليه المشركون من سوء العاقبة، فلا جرم كان حقيقاً بأن يؤمر بتسبيح الله تسبيحاً استحقه لعظمته، والتسبيح ثناء، فهو يتضمن حمداً لنعمته وما هدى إليه من طرق الخير، وقد مضى تفصيل القول في نظيره من هذه السورة.
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)}
افتتاح السورة بذكر تسبيح الله وتنزيهه مؤذن بأن أهم ما اشتملت عليه إثبات وصف الله بالصفات الجليلة المقتضية أنه منزّه عما ضل في شأنه أهل الضلال من وصفه بما لا يليق بجلاله، وأول التنزيه هو نفي الشريك له في الإِلهية فإن الوحدانية هي أكبر صفة ضل في كنهها المشركون والمانوية ونحْوهم من أهل التثنية وأصحاب التثليث والبراهمة، وهي الصفة التي ينبئ عنها اسمه العَلَم أعني «الله» لما علمت في تفسير الفاتحة من أن أصله الإِله، أي المنفرد بالإِلهية.
وأتبع هذا الاسم بصفات ربانية تدل على كمال الله تعالى وتنزّهُهُ عن النقص كما يأتي بيانه فكانت هذه الفاتحة براعة استهلال لهذه السورة، ولذلك أتبع اسمهُ العلَم بعشر صفات هي جامعة لصفات الكمال وهي: العزيز، الحكيم، له ملك السماوات والأرض، يحيي، ويميت، وهو على كل شيء قدير، هو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، وهو بكل شيء عليم.
وصيغ فعل التسبيح بصيغة الماضي للدلالة على أن تنزيهه تعالى أمر مقرر أمر الله به عباده من قبل وألهمه الناس وأودعَ دلائله في أحوال ما لا اختيار له، كما دل عليه قوله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] وقوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44].
ففي قوله: {سبح} تعريض بالمشركين الذين أهملوا أهم التسبيح وهو تسبيحه عن الشريك والند.
واللام في قوله: {لله} لام التبيين. وفائدتها زيادة بيان ارتباط المعمول بعامله لأن فعل التسبيح متعدَ بنفسه لا يحتاج إلى التعدية بحرف، قال تعالى: {فاسجد له وسبحه} [الإنسان: 26]، فاللام هنا نظيره اللام في قولهم: شكرتُ لك، ونصحتُ لك، وقوله تعالى: {ونقدس لك} [البقرة: 30]، وقولهم سَقْيا لك ورعيا لك، وأصله: سقَيَك ورَعْيَك.
و {ما في السموات والأرض} يعم الموجودات كلها فإن {ما} اسم موصول يعمّ العقلاء وغيرهم، أو هو خاص بغير العقلاء فجرى هنا على التغليب، وكلها دال على تنزيه الله تعالى عن الشريك فمنها دلالة بالقول كتسبيح الأنبياء والمؤمنين، ومنها دلالة بالفعل كتسبيح الملائكة، ومنها دلالة بشهادة الحال كما تنبئ به أحوال الموجودات من الافتقار إلى الصانع المنفرد بالتدبير، فإن جُعل عموم {ما في السموات والأرض} مخصوصاً بمن يتأتى منهم النطق بالتسبيح وهم العقلاء كان إطلاق التسبيح على تسبيحهم حقيقة.
وإن حمل العموم على ظاهره لزم تأويل فعل {سبح} بما يشمل الحقيقة والمجاز فيكون مستعملاً في حقيقته ومجازه.
والعزيز: الذي لا يغلب، وهذا الوصف ينفي وجود الشريك في الإِلهية.
و {الحكيم} الموصوف بالحكمة، وهي وضع الأفعال حيثُ يليق بها، وهي أيضاً العلم الذي لا يخطئ ولا يتخلف ولا يحول دون تعلقه بالمعلومات حائل، وتقدما في سورة البقرة. وهذا الوصف يثبت أن أفعاله تعالى جارية على تهيئة المخلوقات لما به إصابة ما خُلقت لأجله، فلذلك عززها الله بإرشاده بواسطة الشرائع.
{لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2)}
استئناف ابتدائي بذكر صفة عظيمة من صفات الله التي متعلقها أحوال الكائنات في السماوات والأرض وخاصة أهل الإِدراك منهم.
ومضمون هذه الجملة يؤذن بتعليل تسبيح الله تعالى لأن من له ملك العوالم العليا والعالم الدنيوي حقيق بأن يعرف الناس صفات كماله.
وأفاد تعريف المسند قصر المسند على المسند إليه وهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد بملك غيره في الأرض إذ هو ملك ناقص فإن الملوك مفتقرون إلى من يدفع عنهم العوادي بالأحلاف والجند، وإلى من يدبر لهم نظام المملكة من وزراء وقواد، وإلى أخذ الجباية والجزية ونحو ذلك، أو هو قصر حقيقي، إذَا اعتبرتْ إضافة {ملك} إلى مجموع {السموات والأرض} فإنه لا ملك لمَالك على الأرض كلها بَلْهَ السماوات معها.
وهذا معنى صفته تعالى «الملك»، وتقدم في آخر سورة آل عمران.
وجملة {يحي ويميت} بدل اشتمال من مضمون {له ملك السموات والأرض} فإن الإِحياء والإِماتة ممّا يشتمل عليه معنى مُلك السماوات والأرض لأنهما من أحوال ما عليهما، وتخصيص هذين بالذكر للاهتمام بهما لدلالتهما على دقيق الحكمة في التصرف في السماء والأرض ولظهور أن هاذين الفعلين لا يستطيع المخلوق ادعاء أن له عملاً فيهما، وللتذكير بدليل إمكان البعث الذي جحده المشركون، وللتعريض بإبطال زعمهم إلهية أصنامهم كما قال تعالى: {ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً} [الفرقان: 3]، ومن هذين الفعلين جاء وصفه تعالى بصفة «المحيي المميت».
وتقدم ذكر الإِحياء والإِماتة عند قوله تعالى: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} في أول سورة البقرة (28).
وجملة وهو على كل شيء قدير} تفيد مفاد التذييل لجملة {يحي ويميت} لتعميم ما دل عليه قوله: {يحي ويميت} من بيان جملة {له ملك السموات والأرض}، وإنما عطفت بالواو وكان حق التذييل أن يكون مفصولاً لقصد إيثار الإِخبار عن الله تعالى بعموم القدرة على كل موجود، وذلك لا يفيت قصد التذييل، لأن التذييل يحصل بالمعنى.
{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)}
{هُوَ الاول والاخر والظاهر والباطن وَهُوَ بِكُلِّ شَئ عَلِيمٌ}.
استئناف في سياق تبْيين أن له ملك السماوات والأرض، بأن مُلكه دائم في عموم الأزمان وتصرف فيهما في كل الأحوال، إذ هو الأول الأزلي، وأنه مستمر من قبل وجود كل محدث ومن بعد فنائه إذ الله هو الباقي بعد فناء ما في السماوات والأرض، وذلك يظهر من دلالة الآثار على المؤثِر فإن دلائل تصرفه ظاهرة للمتبصر بالعقل وهو معنى {الظاهر} كما يأتي، وأن كيفيات تصرفاته محجوبة عن الحس وذلك معنى {الباطن} تعالى كما سيأتي.
فضمير {هو} ليس ضمير فصل ولكنه ضمير يعبر عن اسم الجلالة لاعتبارنا الجملة مستأنفة، ولو جعلته ضمير فصل لكانت أوصاف {الأول والأخر والظاهر والباطن} أخباراً عن ضمير {هو العزيز الحكيم} [الحديد: 1].
وقد اشتملت هذه الجملة على أربعة أَخبار هي صفات لله تعالى.
فأما وصف {الأول} فأصل معناه الذي حصُل قبل غيره في حالة تُبينُها إضافة هذا الوصف إلى ما يدل على الحالة من زمان أو مكان، فقد يقع مع وصف (أول) لفظُ يدل على الحالة التي كان فيها السبق، وقد يستدل على تلك الحالة من سياق الكلام، فوصف {الأول} لا يتبين معناه إلا بما يتصل به من الكلام ولا يتصور إلا بالنسبة إلى موصوف آخر هو متأخر عن الموصوف ب (أول) في حالة مَّا.
فقول امرئ القيس:
ومُهلهل الشعراء ذَاك الأول ***
يفيد أنه مهلهل سابق غيره من الشعراء في الشعر، وقوله تعالى: {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} [الأنعام: 14] أي أولهم في اتباع الإِسلام، وقوله: {ولا تكونوا أول كافر به} [البقرة: 41]، أي أولهم كُفراً وقوله: {وقالت أولاهم لأخراهم} [الأعراف: 39]، أي أُولاهم في الدخول إلى النار.
وأشهر معاني الأوَّلية هو السبق في الوجود، أي في ضد العدم، ألا ترى أن جميع الأحوال التي يسبق صاحبُها غيره فيها هي وجودات من الكيفيات، فوصف الله بأنه {الأول} معناه: أنه السابق وُجوده على كل موجود وُجد أو سيوجد، دون تخصيص جنس ولا نوع ولا صنف، ولكنه وصف نسبي غير ذاتي.
ولهذا لم يذكر لهذا الوصف هنا متعلِّق بكسر اللام، ولا ما يدل على متعلِّق لأن المقصود أنه الأول بدون تقييد.
ويرادف هذا الوصفَ في اصطلاح المتكلمين صفةُ القدم.
واعلم أن هذا الوصف يستلزم صفة الغِنَى المطلق، وهي عدم الاحتياج إلى المخصِّص، أي مخصص يخصصه بالوجود بدلاً عن العدم، لأن الأول هنا معناه الموجود لِذاته دون سبق عدم، وعدم الاحتياج إلى محل يقوم به قيام العرض بالجوهر.
ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود لأنه لو كان غيرُ الله واجباً وجودُه لما كان الله موصوفاً بالأولية، فالموجودات غير الله ممكنة، والممكن لا يتصف بالأولية المطلقة، فلذلك تثبت له الوحدانية، ثم هذه الأولية في الوجود تقتضي أن تثبت لله جميع صفات الكمال اقتضاء عقلياً بطريق الالتزام البينّ بالمعنى الأعمّ وهو الذي يلزم من تصور ملزومه وتصوُّره الجزم بالملازمة بينهما.
وأما وصف {الآخر} فهو ضد الأول، فأصله: هو المسبوق بموصوف بصفة متحدث عنها في الكلام أو مشار إليها فيه بما يذكر من متعلق به، أو تمييزه، على نحو ما تقدم في قوله: {هو الأول} كقوله تعالى: {حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم} [الأعراف: 38] أي أخراهم في الإدِّرَاك في النار، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " آخر أهل الجنة دخولاً الجنة... " الخ، وقول الحريري في المقامة الثانية «وجلس في أُخريات الناس»، أي الجماعات الأخريات في الجلوس، وهو وصف نسبيّ.
ووصف الله تعالى بأنه {الآخر} بعد وصفه بأنه {الأول} مع كون الوصفين متضادّين يقتضي انفكاك جهتي الأولية والآخرية، فلما تقرر أن كونه الأول متعلق بوجود الموجودات اقتضى أن يكون وصفه ب {الآخر} متعلقاً بانتقاض ذلك الوجود، أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض، وهو معنى قوله تعالى: {نرث الأرض ومن عليها} [مريم: 40] وقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88].
فتقدير المعنى: والآخِر في ذلك أي في استمرار الوجود الذي تقرر بوصفه بأنه الأول. وليس في هذا إشعار بأنه زائل ينتابه العدم، إذ لا يشعر وصف الآخِر بالزوال لا مطابقة ولا التزاماً، وهذا هو صفة البقاء في اصطلاح المتكلمين. فآل معنى {الآخر} إلى معنى «الباقي»، وإنما أوثر وصف {الآخر} بالذكر لأنه مقتضى البلاغة ليتم الطباق بين الوصفين المتضادين، وقد عُلم عند المتكلمين أن البقاء غير مختص بالله تعالى وأنه لا ينافي الحُدوث على خلاف في تعيين الحوادث الباقية، بخلاف وصف القدم فإنه مختص بالله تعالى ومتناففٍ مع الحدوث.
واعلم أن في قوله: {هو الأول والأخر} دلالة قصر من طريق تعريف جزأي الجملة.
فأما قصر الأولية على الله تعالى في صفة الوجود فظاهر، وأما قصر الآخرية عليه في ذلك وهو معنى البقاء، فإن أريد به البقاء في العالم الدنيوي عرض إشكال المتعارض بما ورد من بقاء الأرواح، وحديث " أن عَجْب الذَّنب لا يفنى وأن الإِنسان منه يعادُ ". ورفع هذا الإشكال أن يجعل القصر ادعائياً لعدم الاعتداد ببقاء غيره تعالى لأنه بقاء غير واجب بل هو بجعل الله تعالى.
والجمع بين وصفي {الأول والأخر} فيه محسّن الطباق.
و {الظاهر} الأرجح أنه مشتق من الظُّهور الذي هو ضد الخفاء فيكون وصفه تعالى به مجازاً عقلياً، فإن إسناد الظهور في الحقيقة هو ظهور أدلة صفاته الذاتية لأهل النظر والاستدلال والتدبر في آيات العالم فيكون الوصف جامعاً لصفته النفسية، وهي الوجود، إذ أدلة وجوده بيّنة واضحة ولصفاته الأخرى مما دل عليها فعله من قدرة وعلم وحياة وإرادة، وصفات الأفعال من الخلق والرزق والإِحياء والإِماتة كما علمت في قوله: {هو الأول} عن النقص أو ما دل عليها تنزيهه عن النقص كصفة الوحدانية والقدم والبقاء والغنى المطلق ومخالفة الحوادث، وهذا المعنى هو الذي يناسبه المقابلة بالباطن.
ويجوز أن يكون مشتقاً من الظهور، أي الغلبة كالذي في قوله تعالى: {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم} [الكهف: 20]، فمعنى وصفه تعالى ب {الظاهر} أنه الغالب.
وهذا لا يناسب مقابلته ب {الباطن} إلا على اعتبار محسِّن الإِيهام، وما وقع في حديث أبي هريرة في «صحيح مسلم» من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأنت الظاهر فليس فوقك شيء " فمعنى فاء التفريع فيه أن ظهوره تعالى سبب في انتفاء أن يكون شيء فوق الله في الظهور، أي في دلالة الأدلة على وجوده واتصافه بصفات الكمال، فدلالة الفاء تفريع لا تفسير.
و {الباطن} الخفي يقال: بطن، إذا خفي ومصدره بُطُون.
ومعنى وصفه تعالى بباطن وصف ذاته وكنهه لأنه محجوب عن إدراك الحواس الظاهرة قال تعالى: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103].
والقصر في قوله: {والظاهر والباطن} قصر ادعائي لأن ظهور الله تعالى بالمعنيين ظهور لا يدانيه ظهور غيره، وبطونه تعالى لا يشبهه بطون الأشياء الخفية إذ لا مطمع لأحد في إدراك ذاته ولا في معرفة تفاصيل تصرفاته.
والجمع بين وصفه ب {الظاهر} بالمعنى الراجح و{الباطن} كالجمع بين وصفه ب {الأول والآخر} كما علمته آنفاً. وفي الجمع بينهما محسن المطابقة.
وفائدة إجراء الوصفين المتضادين على اسم الله تعالى هنا التنبيه على عظم شأن الله تعالى ليتدبر العالمون في مواقعها.
واعلم أن الواوات الثلاثة الواقعة بين هذه الصفات الأربع متحدة المعنى تقتضي كل واحدة منها عطف صفة.
وقال الزمخشري: «الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوّلية والآخريَّة. والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين» اه. وهو تشبث لا داعي إليه ولا دليل عليه ولو أريد ذلك لقال: هو الأول الآخر، والظاهر الباطن، بحذف واوين. والمعنى الذي حاوله الزمخشري: تقتضيه معاني هاته الصفات بدون اختلاف معاني الواوات.
{وَهُوَ بِكُلِّ شَئ عَلِيم}.
عطف على جملة {هو الأول والآخر} الخ عطفت صفة علمه على صفة ذاته، وتقدم نظير هذه الجملة في أوائل سورة البقرة.
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)}
{هُوَ الذى خَلَقَ السماوات والارض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش}.
موقع هذه الجملة استنئاف كموقع جملة {هو الأول والآخر} [الحديد: 3] الآية، فهذا استئناف ثان مفيد الاستدلال على انفراده تعالى بالإِلهية ليقلعوا عن الإِشراك به.
ويفيد أيضاً بياناً لمضمون جملة {له ملك السموات والأرض} [الحديد: 5] وجملة {وهو على كل شيء قدير} [الحديد: 2]، فإن الذي خلق السماوات والأرض قادر على عظيم الإِبداع.
والاستواءُ على العرش تمثيل للمُلك الذي في قوله: {له ملك السموات والأرض} [الحديد: 2]
وهذا معنى اسمه تعالى: «الخالق»، وتقدم قريب من هذه الآية في أوائل سورة الأعراف (11).
{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الارض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} استئناف لتقرير عموم علمه تعالى بكل شيء فكان بيانَ جملة {وهو على كل شيء قدير} [الحديد: 2] وجملة {وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] جارياً على طريقة النشر لللف على الترتيب، وتقدم نظير هذه الآية في سورة سبأ. فانظر ذلك.
{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير}.
عطف معنى خاص على معنى شمله وغيرَه لقصد الاهتمام بالمعطوف.
والمعيّة تمثيل كنائي عن العلم بجميع أحوالهم.
و {أين ما} ظرف مركب من (أين) وهي اسم للمكان، و(ما) الزائدة للدلالة على تعميم الأمكنة.
وجملة {والله بما تعملون بصير} تكملة لمضمون {وهو معكم أين ما كنتم}، وكان حقها أن لا تعطف وإنما عطفت ترجيحاً لجانب ما تحتوي عليه من الخبر عن هذه الصفة.
{لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5)}
{لَّهُ مُلْكُ السماوات والارض وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور}.
هذا تأكيد لنظيره الذي في أول هذه السورة كرر ليبنى عليه قوله: {وإلى الله ترجع الأمور}، فكان ذكره في أول السورة مبنيَّاً عليه التصرفُ في الموجودات القابلة للحياة والموت في الدنيا، وكان ذكره هنا مبنيًّا عليه أن أمور الموجودات كلّها ترجع إلى تصرفه.
وتقديم المسند لقصر الإِلهية عليه تعالى فيفيذ صفة الواحد.
{وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمُورُ}.
عطف على {له ملك السموات والأرض} عطفَ الخاص من وجه على العام منه فيما يتعلق بالأمور الجارية في الدنيا، وعطف المغاير فيما يتعلق بالأمور التي تجري يوم القيامة على ما سيتضح في تفسير معنى {الأمور}.
فالأمور: جمع أمر، واشتهر في اللغة أن الأمر اسم للشأن والحادث فيعم الأفعال والأقوال.
وقال ابن عطية: {الأمور} هنا: جميع الموجودات لأن الأمر والشيء والموجود أسماء شائعة في جميع الموجودات: أعراضِها وجواهرها» اه. ولم أره لغيره. وفي «المحصول» و«شرحه» في أصول الفقه، ومن تبعه من كتب أصول الفقه أن كلمة (أمر) مشتركة بين الفعل والقول والشأن والشيء ولم أر عزو ذلك إلى معروف ولا أتوا له بمثال سالم عن النظر ولا أحسب أن ذلك من اللغة.
فإن أَخَذْنَا بالمشهور في اللغة كان المعنى تَرجع أفعال الناس إلى الله، أي ترجع في الحشر، والمراد: رجوع أهلها للجزاء على أعمالهم إذ لا يتعلق الرجوع بحقائقها، فعطف قوله: {وإلى الله ترجع الأمور} تتميم لجملة {له ملك السموات والأرض}، أي له ملك العوالم في الدنيا وله التصرف في أعمال العقلاء من أهلها في الآخرة.
وإن أخذنا بشمول اسم الأمور للذوات كان مفيداً لإِثبات البعث، أي الذوات التي كانت في الدنيا تصير إلى الله يوم القيامة فيجازيها على أعمالها.
وعلى كلا الاحتمالين فمفادهُ مفاد اسمه (المهيمن).
وتعريف الجمع في {الأمور} من صيغ العموم.
وتقديم المجرور على متعلّقه للاهتمام لا للقصر إذ لا مقتضى للقصر الحقيقي ولا داعي للقصر الإضافي إذ لا يوجد من الكفار من يثبت البعث ولا من زعموا أن الناس يصيرون في تصرف غير الله.
والرجوع: مستعار للكوننِ في مكان غير المكان الذي كان فيه دون سبق مغادرة عن هذا المكان.
وإظهار اسم الجلالة دون أن يقول: وإليه ترجع الأمور، لتكون الجملة مستقلة بما دلت عليه فتكون كالمَثل صالحة للتسيير.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر {ترجع} بضم التاء وفتح الجيم على معنى يرجعها مُرجع وهو الله قسراً. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف {تَرجِع} بفتح التاء وكسر الجيم، أي ترجع من تلقاء أنفسها لأنها مسخرة لذلك في آجالها.
{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)}
{يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل}.
مناسبة ذكره هذه الجملة أن تقدير الليل والنهار وتعاقبهما من التصرفات الإِلهية المشاهدة في أحوال السماوات والأرض وملابسات أحوال الإِنسان، فهذه الجملة بدل اشتمال من جملة {له ملك السموات والأرض} [الحديد: 5]
وهو أيضاً مناسب لمضمون جملة {وإلى الله ترجع الأمور} [الحديد: 5] تذكير للمشركين بأن المتصرف في سبب الفناء هو الله تعالى فإنهم يعتقدون أن الليل والنهار هما اللذان يُفنيان الناس، قال الأعشى:
ألم تَروا إرَماً وعادا *** أفناهُما الليلُ والنهار
وحكى الله عنهم قولهم: {وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] فلما قال: {له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور} [الحديد: 5]، أبطل بعده اعتقاد أهل الشرك أن للزمان الذي هو تعاقب الليل والنهار والمعبر عنه بالدهر تصرفاً فيهم، وهذا معنى اسمه تعالى: «المدبر».
{وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور}.
لما ذكر تصرف الله في الليل وكان الليل وقت إخفاء الأشياء أعقب ذكره بأن الله عليم بأخفى الخفايا وهي النوايا، فإنها مع كونها معاني غائبة عن الحواس كانت مكنونة في ظلمة باطن الإِنسان فلا يطلع عليها عالم إلا الله تعالى، وهذا كقوله تعالى: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض} [الأنعام: 59]، وقوله: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} [هود: 5].
{ذات الصدور}: ما في خواطر الناس من النوايا، ف (ذات) هنا مؤنث (ذو) بمعنى صاحبة.
والصحبة: هنا بمعنى الملازمة.
ولما أريد بالمفرد الجنس أضيف إلى «جمع»، وتقدم {إنه عليم بذات الصدور} في سورة الأنفال (43). وقد اشتمل هذا المقدار من أول السورة إلى هنا على معاني ست عشرة صفة من أسماء الله الحسنى: وهي: الله، العزيز، الحكيم، الملك، المحيي، المميت، القدير، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، العليم، الخالق، البصير، الواحد، المدبر.
وعن ابن عباس أن اسم الله الأعظم هو في ست آيات من أول سورة الحديد فهو يعني مجموع هذه الأسماء.
واعلم أن ما تقدم من أول السورة إلى هنا يرجح أنه مكي.
{آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)}
استئناف وقع موقع النتيجة بعد الاستدلال فإن أول السورة قرر خضوع الكائنات إلى الله تعالى وأنه تعالى المتصرف فيها بالإِيجاد والإِعدام وغير ذلك فهو القدير عليها، وأنه عليم بأحوالهم مطلّع على ما تضمره ضمائرهم وأنهم صائرون إليه فمحاسبهم، فلا جرم تهيأ المقام لإِبلاغهم التذكير بالإِيمان به إيماناً لا يشوبه إشراك والإِيمان برسوله صلى الله عليه وسلم إذ قد تبين صدقه بالدلائل الماضية التي دلت على صحة ما أخبرهم به مما كان محل ارتيابهم وتكذيبهم كما أشار إليه قوله: {والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم} [الحديد: 8].
فذلك وجه عطف {ورسوله} على متعلق الإِيمان مع أن الآيات السابقة ما ذكرت إلا دلائل صفات الله دون الرسول صلى الله عليه وسلم
فالخطاب ب {آمنوا} للمشركين، والآية مكية حسب ما رُوي في إسلام عُمَر وهو الذي يلائم اتصال قوله: {وما لكم لا تؤمنون بالله} [الحديد: 8] الخ بها.
والمراد بالإِنفاق المأمور به: الإِنفاق الذي يدعو إليه الإِيمان بعد حصول الإِيمان وهو الإِنفاق على الفقير، وتخصيص الإِنفاق بالذكر تنويه بشأنه، وقد كان أهل الجاهلية لا ينفقون إلا في اللذات، والمفاخرة والمقامرة، ومعاقرة الخمر، وقد وصفهم القرآن بذلك في مواضع كثيرة كقوله: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين} [الحاقة: 34] وقوله: {بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلاً لمّاً وتحبون المال حباً جماً} [الفجر: 17 20] وقوله: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} [التكاثر: 1، 2] إلى آخر السورة.
وقيل: نزلت في غزوة تبوك يعني الإِنفاق بتجهيز جيش العُسْرة قاله ابن عطية عن الضحاك، فتكون الآية مدنية ويكون قوله: {آمنوا} أمراً بالدوام على الإِيمان كقوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} [النساء: 136]
ويجوز أن يكون أمراً لمن في نفوسهم بقية نفاق أو ارتياب، وأنهم قبضوا أيديهم عن تجهيز جيش العُسرة كما قال تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض إلى قوله: ويقبضون أيديهم} [التوبة: 67]، فهم إذا سمعوا الخطاب علموا أنهم المقصود على نحو ما في آيات سورة براءة، ولكن يظهر أن سنَة غزوة تبوك لم يبق عندها من المنافقين عدد يعتد به فيوجه إليه خطاب كهذا.
وجيء بالموصول في قوله: {مما جعلكم مستخلفين فيه} دون أن يقول: وأنفقوا من أموالكم أو مما رزقكم الله لما في صلة الموصول من التنبيه على غفلة السامعين عن كون المال لله جعلَ الناسَ كالخلائف عنه في التصرف فيه مدةً مَّا، فلما أمرهم بالإِنفاق منها على عباده كان حقاً عليهم أن يمتثلوا لذلك كما يمتثل الخازن أمرَ صاحب المال إذا أمره بإنفاذ شيء منه إلى من يعيِّنه.
والسين والتاء في {مستخلفين} للمبالغة في حصول الفعل لا للطلب لاستفادة الطلب من فعل {جعلكم}.
ويجوز أن تكون لتأكيد الطلب.
والفاء في قوله: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} تفريع وتسبب على الأمر بالإيمان والإِنفاق لإِفادة تعليله كأنه قيل لأن الذين آمنوا وأنفقوا أعددنا لهم أجراً كبيراً.
والمعنى على وجه كون الآية مكية: أن الذين آمنوا من بينكم وأنفقوا، أي سبقوكم بالإِيمان والإِنفاق لهم أجر كبير، أي فاغتنموه وتداركوا ما فاتوكم به.
و (مِن) للتبعيض، أي الذين آمنوا وهم بعض قومكم.
وفي هذا إغراء لهم بأن يماثلوهم.
ويجوز أن يكون فعلا المضيِّ في قوله: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا} مستعملان في معنى المضارع للتنبيه عن إيقاع ذلك.
{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8)}
ظاهر استعمال أمثال قوله: {وما لكم لا تؤمنون} أن يكون استفهاماً مستعملاً في التوبيخ والتعجيب، وهو الذي يناسب كون الأمر في قوله: {آمنوا بالله ورسوله} مستعملاً في الطلب لا في الدوام.
وتكون جملة {لا تؤمنون} حالاً من الضمير المستتر في الكون المتعلق به الجار والمجرور كما تقول: ما لك قائماً؟ بمعنى ما تصنع في حال القيام. والتقدير: وما لكم كافرين بالله، أي ما حصل لكم في حالة عدم الإيمان.
وجملة {والرسول يدعوكم} حال ثانية، والواو واو الحال لا العطف، فهما حالان متداختان. والمعنى: ماذا يمنَعكم من الإيمان وقد بين لكم الرسولُ من آيات القرآن ما فيه بلاغ وحجة على أن الإِيمان بالله حق فلا عذر لكم في عدم الإِيمان بالله فقد جاءتكم بينات حقّيّته فتعين أن إصراركم على عدم الإِيمان مكابرة وعناد.
وعلى هذا الوجه فالميثاق المأخوذ عليهم هو ميثاق من الله، أي ما يماثل الميثاق من إيداع الإيمان بوجود الله وبوحدانيته في الفطرة البشرية فكأنه ميثاق قد أخذ على كل واحد من الناس في الأزل وشرط التكوين فهو ناموس فطري. وهذا إشارة إلى قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} وقد تقدم في سورة الأعراف (172).
فضمير {أخذ} عائد إلى اسم الجلالة في قوله: {وما لكم لا تؤمنون بالله} والمعنى: أن النفوس لو خلت من العناد وعن التمويه والتضليل كانت منساقة إلى إدراك وجود الصانع ووحدانيته وقد جاءهم من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ما يكشف عنهم ما غشى على إدراكهم من دعاء أيمة الكفر والضلال.
وجملة {إن كنتم مؤمنين} مستأنفة، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله: {والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم}.
واسم فاعل في قوله {إن كنتم مؤمنين} مستعمل في المستقبل بقرينة وقوعه في سياق الشرط، أي فقد حصل ما يقتضي أن تؤمنوا من السبب الظاهر والسبب الخفي المرتكز في الجبلة.
ويرجح هذا المعنى أن ظاهر الأمر في قوله: {آمنوا بالله ورسوله} [الحديد: 7] أنه لطلب إيجاد الإِيمان كما تقدم في تفسيرها وأن الآية مكية.
وقرأ الجمهور {أخذ} بالبناء للفاعل ونصب {ميثاقكم} على أن الضمير عائد إلى اسم الجلالة، وقرأه أبو عمرو {أُخِذ} بالبناء للنائب ورفع {ميثاقُكم}.
{هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9)}
استئناف ثالث انتقل به الخطاب إلى المؤمنين، فهذه الآية يظهر أنها مبدأ الآيات المدنية في هذه السورة ويزيد ذلك وضوحاً عطف قوله: {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله} [الحديد: 10] الآيات كما سيأتي قريباً.
والخطاب هنا وإن كان صالحاً لتقرير ما أفادته جملة {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم} [الحديد: 8] ولكن أسلوب النظم وما عطف على هذه الجملة يقتضيان أن تكون استئنافاً انتقالياً هو من حسن التخلص إلى خطاب المسلمين، ولا تفوته الدلالة على تقرير ما قبله لأن التقرير يحصل من انتساب المعنيين: معنى الجملة السابقة، ومعنى هذه الجملة الموالية.
فهذه الجملة بموقعها ومعناها وعلتها وما عُطف عليها أفادت بياناً وتأكيداً وتعليلاً وتذييلاً وتخلصاً لغرض جديد، وهي أغراض جمعْتها جمعاً بلغ حد الإِعجاز في الإِيجاز، مع أن كل جملة منها مستقلة بمعنى عظيم من الاستدلال والتذكير والإِرشاد والامتنان.
والرؤوف: من أمثلة المبالغة في الاتصاف بالرأفة وهي كراهية إصابة الغير بضر.
والرحيم: من الرحمة وهي محبة إيصال الخير إلى الغير.
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم {لرؤوف} بواو بعد الهمزة على اللغة المشهورة. وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بدون واو بعد الهمزة وهي لغة ولعلها تخفيف، قال جرير:
يرى للمسلمين عليه حقاً *** كفعل الوالد الرَّؤُف الرحيم
وتأكيد الخبر ب {إنّ} واللام في قوله: {وإن الله بكم لرؤوف رحيم} لأن المشركين في إعراضهم عن دعوة الإسلام قد حسبوها إساءة لهم ولآبائهم وآلهتهم، فقد قالوا: {أهذا الذي بعث الله رسولاً إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها} [الفرقان: 41، 42]. وهذا يرجح أن قوله تعالى: {آمنوا بالله ورسوله} [الحديد: 7] إلى هنا مكّي. فإن كانت الآية مدنيّة فلأن المنافقين كانوا على تلك الحالة.
{وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)}
{وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والارض}.
الإِنفاق في سبيل الله بمعناه المشهور وهو الإِنفاق في عتاد الجهاد لم يكن إلا بعد الهجرة فإن سبيل الله غلب في القرآن إطلاقه على الجهاد ويؤيده قوله عقبه: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح}، لأن الأصل أن يكون ذلك متصلاً نزوله مع هذا ولو حمل الإِنفاق على معنى الصدقات لكان مقتضياً أنها مدنية لأن الإِنفاق بهذا المعنى لا يطلق إلا على الصدقة على المؤمنين فلا يُلام المشركون على تركه.
وعليه فالخطاب موجّه للمؤمنين، فقد أعيد الخطاب بلون غير الذي ابتدئ به.
ومن لطائفه أنه موجه إلى المنافقين الذين ظَاهِرُهم أنهم مسلمون وهم في الباطن مشركون فهم الذين شحّوا بالإِنفاق.
ووجه إلحاق هذه الآية وهي مدنيّة بالمكيّ من السورة مناسبة استيعاب أحوال الممسكين عن الإِنفاق من الكفار والمؤمنين تعريضاً بالتحذير من خصال أهل الكفر إذ قد سبقها قوله: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد: 7].
و {ما} استفهامية مستعملة في اللوم والتوبيخ على عدم إنفاقهم في سبيل الله.
و (أَنْ) مصدرية، والمصدر المنسبك منها والفعل المنصوب بها في محل جر باللام، أو ب (في) محذوف، والتقدير: ما حصل لكم في عدم إنفاقكم، أي ذلك الحاصل أمر منكر.
وعن الأخفش أنَّ (أَنْ) زائدة فيكون بمنزلة قوله: {وما لكم لا تؤمنون بالله} [الحديد: 8]. وليس نصبها الفعل الذي بعدها بمانع من اعتبارها زائدة لأن الحرف الزائد قد يعمل مثلَ حرف الجر الزائد، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: {قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله} في سورة البقرة (246).
والواو في {ولله ميراث السموات والأرض} واو الحال وهو حال من ضمير {تنفقوا} باعتبار أن عموم السماوات والأرض يشمل ما فيهما فيشمل المخاطبين فذلك العموم هو الرابط. والتقدير: لله ميراث ما في السماوات والأرض، ويشمل ميراثُه إياكم.
والمعنى: إنكار عدم إنفاق أموالهم فيما دعاهم الله إلى الإِنفاق فيه وهم سيهلكون ويتركون أموالهم لمن قدَّر الله مصيرها إليه فلو أنفقوا بعض أموالهم فيما أمرهم الله لنالوا رضى الله وانتفعوا بمال هو صائر إلى من يرثهم.
وإضافة ميراث إلى السماوات والأرض من إضافة المصدر إلى المفعول وهو على حذف مضاف، تقديره: أهلها، وليس المراد ميراث ذات السماوات والأرض لأن ذلك إنما يحصل بعد انقراض الناس فلا يؤثر في المقصود من حثهم على الإنفاق.
{لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وقاتلوا وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}.
استئناف بياني ناشئ عمّا يجول في خواطر كثير من السامعين من أنهم تأخروا عن الإنفاق غير ناوين تركه ولكنهم سيتداركونه.
وأدمج فيه تفضيل جهاد بعض المجاهدين على بعض لمناسبة كون الإِنفاق في سبيل الله يشمل إنفاق المجاهد على نفسه في العُدة والزاد وإنفاقَه على غَيْرِهِ ممن لم يستكمل عُدته ولا زاده، ولأن من المسلمين من يستطيع الجهاد ولا يستطيع الإِنفاق، فأريد أن لا يغفل ذكره في عداد هذه الفضيلة إذ الإِنفاق فيها وسيلة لها.
وظاهر لفظ الفتح أنه فتح مكة فإن هذا الجنس المعرّف صار علماً بالغلبة على فتح مكة، وهذا قول جمهور المفسرين.
وإنما كان المنفقون قبل الفتح والمجاهدون قبله أعظم درجة في إنفاقهم وجهادهم لأن الزمان الذي قبل فتح مكة كان زمان ضعف المسلمين لأن أهل الكفر كانوا أكثرَ العرب فلما فُتحت مكة دَخلت سائر قريش والعرب في الإسلام فكان الإنفاق والجهاد فيما قبل الفتح أشَقَّ على نفوس المسلمين لقلة ذات أيديهم وقلة جمعهم قبالة جمع العدوّ، ألا ترى أنه كان عليهم أن يثبتوا أمام العدوّ إذا كان عدد العدوّ عشرة أضعاف عدد المسلمين في القتال قال تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65].
وقيل المراد بالفتح: صلح الحديبية، وهذا قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه والزهري، والشعبي، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، واختاره الطبري. ويؤيده ما رواه الطبري عن أبي سعيد الخدري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية عام الحديبية» وهو الملائم لكون هذه السورة بعضها مكي وبعضها مدنيّ فيقتضي أن مدنيّها قريب عهد من مدة إقامتهم بمكة، وإطلاق الفتح على صلح الحديبية وَاردٌ في قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} [الفتح: 1].
و {مَن أنفق} عامٌّ يشمل كلّ من أنفق. وقيل: أريد به أبو بكر الصديق فإنه أنفق ماله كله من أول ظهور الإسلام.
ونفي التسوية مراد به نفيها في الفضيلة والثواب فإن نفي التسوية في وصف يقتضي ثبوت أصل ذلك الوصف لجميع من نفيت عنهم التسوية، فنفي التسوية كناية عن تفضيل أحد جانبين وتنقيص الجانب الآخر نقصاً متفاوتاً.
ويعرف الجانب الفاضل والجانب المفضول بالقرينة أو التصريح في الكلام، وليس تقديم أحد الجانبين في الذكر بعد نفي التسوية بمقتض أنه هو المفضل فقد قال الله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} [النساء: 95] وقدم هذه الآية الجانب المفضَّل، وكذا الذي في قول السموأل:
فليس سواءً عالم وَجَهول ***
وقد أكد هذا الاقتضاء بقوله: {أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا}، أي أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا من بعد الفتح، فإن اسم التفضيل يدل على المشاركة فيما اشتق منه اسم التفضيل وزيادة من أخبر عنه باسم التفضيل في الوصف المشتق منه، أي فكلا الفريقين له درجة عظيمة.
وحُذف قسم من أنفق من قبل الفتح إيجازاً لدلالة فعل التسوية عليه لا محالة.
والتقدير: لا يستوي من أنفق من قبل الفتح ومن أنفق بعده.
والدرجة: مستعارة للفضل لأن الدرجة تستلزم الارتقاء، فوصف الارتقاء ملاحظ فيها، ثم يشبَّه الفضل والشرف بالارتقاء فعبر عنه بالدرجة، فالدرجة من أسماء الأجناس التي لوحظت فيها صفات أوصاف مثل اسم الأسد بصفة الشجاعة في قول الخارجي:
أسد علي وفي الحروب نعامة ***
وقوله: {وكلاًّ وعد الله الحسنى} احتراس من أن يتوهم متوهم أن اسم التفضيل مسلوب المفاضلة للمبالغة مثل ما في قول: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} [يوسف: 33]، أي حبيب إليّ دون ما يدعونني إليه من المعصية.
وعبر ب {الحسنى} لبيان أن الدرجة هي درجة الحسنى ليكون للاحتراس معنى زائد على التأكيد وهو ما فيه من البيان.
والحسنى: لقب قرآني إسلامي يدل على خيرات الآخرة، قال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26].
وقوله: {منكم} حال من {من أنفق} أصله نعت قُدّم للاهتمام تعجيلاً بهذا الوصف.
وجيء باسم الإِشارة في قوله: {أولئك أعظم درجة} دون الضمير لما تؤذن به الإِشارة من التنويه والتعظيم، وللتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما يذكر بعد اسم الإِشارة، لأجل ما ذُكر قبله من الإِخبار ومثله قوله: {أولئك على هدًى من ربهم} [البقرة: 4] بعد قوله: {هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] الخ.
وقرأ الجمهور {وكلاً وعد الله الحسنى} بنصب {كلاًّ} على أنه مفعول أول مقدم على فعله على طريقة الاشتغال بالضمير المحذوف اختصاراً. وقرأه ابن عامر بالرفع على الابتداء وهما وجهان في الاشتغال متساويان.
وهذه الآية أصل في تفاضل أهل الفضل فيما فُضلوا فيه، وأن الفضل ثابت للذين أسلموا بعد الفتح من أهل مكة وغيرهم. وبئس ما يقوله بعض المؤرخين من عبارات تؤذن بتنقيص من أسلموا بعد الفتح من قريش مثل كلمة «الطلقاء» وإنما ذلك من أجل حزازات في النفوس قبلية أو حزبية، والله يقول: {ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} [الحجرات: 11].
وجملة {والله بما تعملون خبير} تذييل، والواو اعتراضية، والمعنى: أن الله يعلم أسباب الإِنفاق وأوقاته وأعذاره، ويعلم أحوال الجهاد ونوايا المجاهدين فيعطي كل عامل على نية عمله.
{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)}
موقع هذه الجملة موقع التعليل والبيان لجملة {وكلاًّ وعد الله الحسنى} [الحديد: 10].
وما بينهما اعتراض، والمعنى: أن مثل المنفق في سبيل الله كمثل من يُقرض الله ومَثَلُ الله تعالى في جزائه كمثل المستسلف مع من أحسن قرضه وأحسن في دفعه إليه.
و {من} استفهامية كما هو شأنها إذا دخلت على اسم الإشارة والموصول، و{الذي يقرض} خبرها، و{ذا} معترضة لاستحضار حال المقترض بمنزلة الشخص الحاضر القريب.
وعن الفراء: (ذا) صلة، أي زائدة لمجرد التأكيد مثل ما قال كثير من النحاة: إن (ذا) في (ماذا) ملغاة، قال الفراء: رأيتها في مصحف عبد الله {منذا الذي} والنون موصولة بالذال اه.
والاستفهام مستعمل في معنى التحريض مجازاً لأن شأن المحرِّض على الفعل أن يبحث عمن يفعله ويتطلب تعيينه لينوطه به أو يجازيه عليه.
والقرض الحسن: هو القرض المستكمل محاسن نوعه من كونه عن طيب نفس وبشاشة في وجه المستقرض، وخلو عن كل ما يعرِّض بالمنة أو بتضييق أجل القضاء. والمشبّه هنا بالقرض الحسن هو الإِنفاق في سبيل الله المنهيُّ عن تركه في قوله: {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله} [الحديد: 10].
وقرأ الجمهور {فيضاعفه} بألف بعد الضاد. وقرأه ابن كثير وابن عامر ويعقوب {فيضعِّفه} بدون ألف وبتشديد العين.
والفاء في جملة {فيضاعفه له} فاء السببية لأن المضاعفة مسببة على القرض. وقرأ الجمهور فعل {يضاعفُه} مرفوعاً على اعتباره معطوفاً على {يقرض}. والمعنى: التحريض على الإِقراض وتحصيل المضاعفة لأن الإِقراض سبب المضاعفة فالعمل لحصول الإِقراض كأنه عمل لحصول المضاعفة.
أو على اعتبار مبتدأ محذوف لتكون الجملة اسمية في التقدير فيقع الخبر الفعلي بعد المبتدأ مفيداً تقوية الخبر وتأكيد حصوله، واعتبارِ هذه الجملة جواباً، ل (مَن) الموصولة بإشراب الموصول معنى الشرط وهو إشراب كثير في القرآن.
وقرأه حفص عن عاصم وابن عامر ويعقوب كل على قراءته بالنصب على جواب الاستفهام.
ومعنى {وله أجر كريم}: أن له أنفس جنس الأجور لأن الكريم في كل شيء هو النفيس، كما تقدم في قوله تعالى: {إني ألقي إلي كتاب كريم} في سورة النمل (29). وجعل الأجر الكريم مقابل القرض الحسن فَقُوبِل بهذا موصوف وصفته بمثلهما.
والمضاعفة: مماثلة المقدار، فالمعنى: يعطيه مثلي قرضه.
والمراد هنا مضاعفته أضعافاً كثيرة كما قال: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} الآية في سورة البقرة (261).
وقال: {من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} [البقرة: 245]. وضمير النصب في {يضاعفه} عائد إلى القرض الحسن، والكلام على حذف مضاف تقديره: فيضاعف جزاءه له. لأن القرض هنا تمثيل بحال السلف المتعارف بين الناس فيكون تضعيفه مثل تضعيف مال السلف وذلك قبل تحريم الربا.
والأجر: ما زاد على قضاء القرض من عطية يسديها المستسلف إلى من سلفه عندما يجد سعة، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم «خيركم أحسنكم قضاء» وقال تعالى: {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} [النساء: 40].
والظاهر أن هذا الأجر هو المغفرة كما في قوله تعالى: {إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم} في سورة التغابن (17). وهذا يشمل الإِنفاق في الصدقات قال تعالى: {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم} [الحديد: 18]، وهو ما فسره قول النبي صلى الله عليه وسلم «والصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار» أي زيادة على مضاعفتها مثل الحسنات كلها.
{يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)}
لما كان معلوماً أن مضاعفة الثواب وإعطاء الأجر يكون في يوم الجزاء، ترجح أن يكون قوله: {يوم ترى المؤمنين} منصوباً بفعل محذوف تقديره: اذكُر تنويهاً بما يحصل في ذلك اليوم من ثواب للمؤمنين والمؤمنات ومن حرمان للمنافقين والمنافقات، ولذلك كرر {يوم} ليَختصَّ كل فريق بذكر ما هو من شؤونه في ذلك اليوم.
وعلى هذا فالجملة متصلة بالتي قبلها بسبب هذا التعلق، على أنه في نظم الكلام يصح جعله ظرفاً متعلقاً ب {يُضاعفه له وله أجر كريم} [الحديد: 11] على طريقة التخلص لذكر ما يجري في ذلك اليوم من الخيرات لأهلها ومن الشر لأهله.
وعلى الوجه الأول فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لمناسبة ذكر أجر المنفقين فعقب ببيان بعض مزايا المؤمنين، وعلى الوجه الثاني فهي متصلة بالتي قبلها بسبب التعلق.
والخطاب في {ترى} لغير معينّ ليكون على منوال المخاطبات التي قبله، أي يوم يرى الرائي، والرؤية بصرية، و{يوم} مبني على الفتح لأنه أضيف إلى جملة فعلية، ويجوز كونها فتحة إعراب لأن المضاف إلى المضارع يجوز فيه الوجهان.
ووجه عطف {المؤمنات} على {المؤمنين} هنا، وفي نظائره من القرآن المدني التنبيه على أن حظوظ النساء في هذا الدين مساوية حظوظ الرجال إلا فيما خُصصن به من أحكام قليلة لها أدلتها الخاصة وذلك لإِبطال ما عند اليهود من وضع النساء في حالة ملعونات ومحرومات من معظم الطاعات.
وقد بيّنا شيئاً من ذلك عند قوله تعالى: {والأنثى بالأنثى} في سورة البقرة (178).
والنور المذكور هنا نور حقيقي يجعله الله للمؤمنين في مسيرهم من مكان الحشر إكراماً لهم وتنويهاً بهم في ذلك المحشر.
والمعنى: يسعى نورهم حين يسعون، فحذف ذلك لأن النور إنما يسعى إذا سعى صاحبه وإلا لا نفصل عنه وتركه.
وإضافة (نور) إلى ضميرهم وجعلُ مكانه من بين أيديهم وبأيمانهم يبين أنه نور لذواتهم أكرموا به.
وانظر معنى هذه الإِضافة لِضميرهم، وما في قوله: يسعى} من الاستعارة، ووجه تخصيص النور بالجهة الأمام وبالأيمان كل ذلك في سورة التحريم.
والباء في {وبأيمانهم} بمعنى (عن) واقتصر على ذكر الأيمان تشريفاً لها وهو من الاكتفاء، أي وبجانبيهم.
ويجوز أن تكون الباء للملابسة، ويكون النور الملابس لليمين نورَ كتاب الحسنات كما قال تعالى: {فأمَّا من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً} [الانشقاق: 7، 8] فإن كتاب الحسنات هدى فيكون لفظ «النور» قد استعمل في معنييه الحقيقي والمجازي وهو الهدى والبركة.
قال ابن عطية: «ومن هذه الآية انتُزع حمل المعتَق للشمعة» ا ه. (لعله يشير إلى عادة كانت مألوفة عندهم أن يجعلوا بيد العبد الذي يعتقونه شمعة مشتعلة يحملها ساعة عتقه ولم أقف على هذا في كلام غيره).
والبشرى: اسم مصدر بشَّر وهي الإِخبار بخبر يسر المخبَر، وأطلق المصدر على المفعول وهو إطلاق كثير مثل الخَلْق بمعنى المخلوق، أي الذي تُبشَّرون به جناتٌ، والكلام على حذف مضافين تقديرهما: إعلام بدخول جنات كما دل عليه قوله: {خالدين فيها}.
وجملة {بشراكم} إلى آخرها مقول قول محذوف، والتقدير: يقال لهم، أي يقال من جانب القدس، تقوله الملائكة، أو يسمعون كلاماً يخلقه الله يعلمون أنه من جانب القدس.
وجملة {ذلك هو الفوز العظيم} يحتمل أن يكون من بقية الكلام المحكي بالقول المبشَّر به، ويحتمل أن يكون من الحكاية التي حكيت في القرآن، وعلى الاحتمالين فالجملة تذييل تدل على مجموع محاسن ما وقعت به البشرى. واسم الإِشارة للتعظيم والتنبيه، وضميرُ الفصل لتقوية الخبر.
{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)}
{يوم يقول} بدل من {يوم ترى المؤمنين} [الحديد: 12] بدلاً مطابقاً إذا اليوم هو عين اليوم المعرف في قوله: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم} [الحديد: 12].
والقول في فتحة {يوم} تقدم في نظره قريباً.
وعطف {المنافقات} على {المنافقون} كعطف {المؤمنات على المؤمنين} في الآية (12) قبل هذه.
والذين آمنوا تغليب للذكور لأن المخاطبين هم أصحاب النور وهو للمؤمنين والمؤمنات.
و {انظرونا} بهمزة وصل مضموماً، من نظره، إذا انتظره مثل نظر، إذا أبصر، إلا أن نظر بمعنى الانتظار يتعدّى إلى المفعول، ونظر بمعنى أبصر يتعدى بحرف (إلى) قال تعالى: {وانظر إلى العظام كيف ننشرها} [البقرة: 259].
والانتظار: التريث بفعل مَّا، أي تريثوا في سيركم حتى نلحق بكم فنستضيءَ بالنور الذي بين أيديكم وبجانبكم وذلك يقتضي أن الله يأذن للمؤمنين الأولين بالسيْر إلى الجنة فَوجا، ويجعلُ المنافقين الذين كانوا بينهم في المدينة سائرين وراءهم كما ورد في حديث الشفاعة «وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها» والمعنى: أنهم يسيرون في ظلمات فيسأل المنافقون المؤمنين أن ينتظروهم.
وقرأ الجمهور {انظرونا} بهمزة وصل وضم الظاء، وقرأه حمزة وحده بهمزة قطع وكسر الظاء، من أنظرهُ، إذا أمهله، أي أمهلونا حتى نلحق بكم ولا تعجلوا السير فينأى نوركم عنا وهم يحسبون أن بُعدهم عنهم من جراء السرعة.
والاقتباس حقيقته: أخذ القَبَس بفتحتين وهو الجذوة من الحَمْر. قال أبو علي الفارسي: ومَجيء فَعلت وافتعلت بمعنىً واحد كثير كقولهم: شويتُ واشتويت، وحقَرت واحتقرت. قلت: وكذلك حفرت واحتفرت، فيجوز أن يكون إطلاق تقتبس هنا حقيقة بأن يكونوا ظنّوا أن النور الذي كان مع المؤمنين نور شُعلة وحسبوا أنهم يستطيعون أن يأخذوا قبساً منه يُلقى ذلك في ظنهم لتكون خيبتهم أشدَّ حسرة عليهم.
ويجوز أن يستعار الاقتباس لانتفاع أحد بضوء آخر لأنه يشبه الاقتباس في الانتفاع بالضوء بدون علاج فمعنى {نقتبس من نوركم} نُصِب منه ونلتحق به فنستبرْ به.
ويظهر من إسناد {قيل} بصيغة المجهول أن قائله غير المؤمنين المخاطبين وإنما هو من كلام الملائكة السائقين للمنافقين.
وتكون مقالة الملائكة للمنافقين تهكما إذ لا نور وراءهم وإنما أرادوا إطماعهم ثم تخييبهم بضرب السور بينهم وبين المؤمنين، لأن الخيبة بعد الطمع أشد حسرة. وهذا استهزاء كان جزاء على استهزائهم بالمؤمنين واستسخارهم بهم، فهو من معنى قوله تعالى: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم} [التوبة: 79].
و {وراءكم}: تأكيد لمعنى {ارجعوا} إذ الرجوع يستلزم الوراء، وهذا كما يقال: رجع القهقرى. ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل {التمسوا نوراً}، أي في المكان الذي خَلفكم.
وتقديمه على عامله للاهتمام فيكون فيه معنى الإِغراء بالتماس النور هناك وهو أشد في الإِطماع، لأنه يوهم أن النور يُتناول من ذلك المكان الذي صدر منه المؤمنون، وبذلك الإِيهام لا يكون الكلام كذباً لأنه من المعاريض لاسيما مع احتمال أن يكون {وراءكم} تأكيداً لمعنى {ارجعوا}.
وضمير {بينهم} عائد إلى المؤمنين والمنافقين.
وضرب السور: وضعه، يقال: ضرب خيمة، قال عبدة بن الطيِّب:
إن التي ضربتْ بيتاً مُهاجَرة *** بكوفةِ الجُند غالتْ ودَّها غُولُ
وضمن {ضُرب} في الآية معنى الحجْز فعدي بالباء، أي ضرب بينهم سورٌ للحجز به بين المنافقين والمؤمنين، خلقه الله ساعتئذٍ قطعاً لأطماعهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فَحَق بذلك التمثيل الذي مثّل الله به حالهم في الدنيا بقوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} في سورة البقرة (17). وأن الحيرة وعدم رؤية المصير عذاب أليم.
ولعل ضرب السور بينهم وجعْلَ العذاببِ بظاهره والنعيم بباطنه قصد منه التمثيل لهم بأن الفاصل بين النعيم والعذاب هو الأعمال في الدنيا وأن الأعمال التي يعملها الناس في الدنيا منها ما يفضي بعامله إلى النعيم ومنها ما يفضي بصاحبه إلى العذاب فأحد طرفي السور مثال لأحد العملين وطرفه الآخر مثال لضده. والباب واحد وهو الموت، وهو الذي يسلك بالناس إلى أحد الجانبين.
ولعل جعل الباب في سور واحد فيه مع ذلك ليمر منه أفواج المؤمنين الخالصين من وجود منافقين بينهم بمرأى من المنافقين المحبوسين وراء ذلك السور تنكيلاً بهم وحسرة حين يشاهدون أفواج المؤمنين يفتح لهم الباب الذي في السور ليجتازوا منه إلى النعيم الذي بباطن السور.
وركَّب القصَّاصُون على هذه الآية تأويلات موضوعة في فضائل بلاد القُدس بفلسطين عَزوها إلى كعببٍ الأحْبارِ فسموا بعض أبواب مدينة القدس باب الرحمة، وسموا مكاناً منها وادي جهنم، وهو خارج سور بلاد القدس، ثم ركبوا تأويل الآية عليها وهي أوهام على أوهام.
واعلم أن هذا السور المذكور في هذه الآية غير الحجاب الذي ذكر في سورة الأعراف.
وضمائر له باب} و{باطنه} و{ظاهره} عائدة إلى السور، والجملتان صفتان ل {سور}. وإنما عطفت الجملة الثالثة بالواو لأن المقصود من الصفة مجموع الجملتين المتعاطفتين كقوله تعالى: {ثيبات وأبكاراً} [التحريم: 5].
والباطن: هو داخل الشيء، والظاهر: خارجه.
فالباطن: هو داخل السور الحاجز بين المسلمين والمنافقين وهو مكان المسلمين.
والبطون والظهور هنا نسبيان، أي باعتبار مكان المسلمين ومكان المنافقين، فالظاهر هو الجهة التي نحو المنافقين، أي ضُرب بينهم بسور يشاهِد المنافقون العذاب من ظاهره الذي يواجههم، وأن الرحمة وراء ما يليهم.
و (قبل) بكسر ففتح، الجهةُ المقابلة، وقوله: {من قلبه} خبر مقدم، و{العذاب} مبتدأ والجملة خبر عن {ظاهره}.
و {مِنْ} بمعنى (في) كالتي في قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} [الجمعة: 9] فتكون نظير قوله: {باطنه فيه الرحمة}.
والعذاب: هو حرق جهنم فإن جهنم دار عذاب، قال تعالى:
{إن عذابها كان غَراماً} [الفرقان: 65].
وجملة {ينادونهم} حال من {يقول المنافقون والمنافقات}.
وضمائر {ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى} تعرف مراجعُها مما تقدم من قوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات} الآية.
و {ألم نكن معكم} استفهام تقريري، استعمل كناية عن طلب اللحاق بهم والانضمام إليهم كما كانوا معهم في الدنيا يعملون أعمال الإسلام من المسلمين.
والمعية أطلقت على المشاركة في أعمال الإسلام من نطق بكلمة الإسلام وإقامة عبادات الإسلام، توهموا أن المعاملة في الآخرة تجري كما تجري المعاملة في الدنيا على حسب صور الأعمال، وما دَرَوا أن الصور مُكملات وأن قِوامها إخلاص الإِيمان وهذا الجواب إقرار بأن المنافقين كانوا يعملون أعمالهم معهم.
ولما كان هذا الإقرار يوهم أنه قول بموجَب الاستفهام التقريري أعقَبوا جوابهم الإِقراريّ بالاستدراك الرافع لما توهمه المنافقون من أن الموافقة للمؤمنين في أعمال الإسلام تكفي في التحاقهم بهم في نعيم الجنة فبينوا لهم أسباب التباعد بينهم بأن باطنهم كان مخالفاً لظاهرهم.
وذكروا لهم أربعة أصول هي أسباب الخسران، وهي: فتنة أنفسهم، والتربص بالمؤمنين، والارتياب في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم والاغترار بما تُموِّه إليهم أنفسهم.
وهذه الأربعة هي أصول الخصال المتفرعة على النفاق.
الأول: فتنتهم أنفسهم، أي عدم قرار ضمائرهم على الإِسلام، فهم في ريبهم يترددون، فكأنَّ الاضطراب وعدم الاستقرار خُلُق لهم فإذا خطرت في أنفسهم خواطر خير من إيمان ومحبة للمؤمنين نقضوها بخواطر الكفر والبغضاء، وهذا من صنع أنفسهم فإسناد الفَتْن إليهم إسناد حقيقي، وكذلك الحال في أعمالهم من صلاة وصدقة.
وهذا ينشأ عنه الكذب، والخداع، والاستهزاء، والطعن في المسلمين، قال تعالى: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} [النساء: 60].
الثاني: التربص، والتربص: انتظار شيء، وتقدم في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] الآية.
ويتعدى فعله إلى المفعول بنفسه ويتعلق به ما زاد على المفعول بالباء. وحذف هنا مفعوله ومتعلقه ليشمل عدة الأمور التي ينتظرها المنافقون في شأن المؤمنين وهي كثيرة مرجعها إلى أذى المسلمين والإضرار بهم فيتربصون هزيمة المسلمين في الغَزوات ونحوها من الأحداث، قال تعالى في بعضهم: {ويتربص بكم الدوائر} [التوبة: 98]، ويتربصون انقسام المؤمنين فقد قالوا لفريق من الأنصار يندّمونهم على من قتل من قومهم في بعض الغزوات {لو أطاعونا ما قتلوا} [آل عمران: 168].
الثالث: الارتياب في الدين وهو الشك في الاعتماد على أهل الإسلام أو على الكافرين وينشأ عنه القعود عن الجهاد قال تعالى: {فهم في ريبهم يترددون} [التوبة: 45] ولذلك كانوا لا يؤمنون بالآجال، وقالوا لإخوانهم: {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} [آل عمران: 156].
الرابع: الغرور بالأماني، وهي جمع أمنية وهي اسم التمني. والمراد بها ما كانوا يمنون به أنفسهم من أنهم على الحق وأن انتصار المؤمنين عرض زائل، وأن الحوادث تجري على رغبتهم وهواهم، ومن ذلك قولهم:
{ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] وقولهم: {لو نعلم قتالاً لاتبعناكم} [آل عمران: 167] ولذلك يحسبون أن العاقبة لهم {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} [المنافقون: 7]. وقد بينتُ الخصال التي تتولد على النفاق في تفسير سورة البقرة فطبِّق عليه هذه الأصول الأربعة وألحق فروع بعضها ببعض.
والمقصود من الغاية ب {حتى جاء أمر الله} التنديدُ عليهم بأنهم لم يرعَوُوا عن غيهم مع طول مدة أعمارهم وتعاقب السنين عليهم وهم لم يتدبروا في العواقب، كما قال تعالى: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} [فاطر: 37] وإسناد التغرير إلى الأماني مجاز عقلي لأن الأماني والطمع في حصولها سبب غرورهم وملابِسُه.
ومَجيء أمر الله هو الموت، أي حتى يتمّ على تلك الحالة السيئة ولم تقلعوا عنها بالإِيمان الحق.
والغاية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، ومن حق المؤمن أن يعتبر بما تضمنه قوله تعالى: {وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله} الآية، فلا يماطل التوبة ولا يقول: غداً غدا.
وجملة {وغركم بالله الغرور} عطف على جملة {وغرتكم الأماني} تحقيراً لغرورهم وأمانيهم بأنها من كيد الشيطان ليزدادوا حسرة حينئذٍ.
والغَرور: بفتح الغين مبالغة في المتصف بالتغرير، والمراد به الشيطان، أي بإلقائه خواطر النفاق في نفوسهم بتلوينه في لون الحق وإرضاء دين الكفر الذي يزعمون أنه رضي الله {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} [الزخرف: 20].
ويجوز أن يراد جنس الغَارِّين، أي وغركم بالله أيمة الكفر وقادة النفاق.
والتغرير: إظهار الضار في صورة النافع بتمويه وسفسطة.
والباء في قوله: {بالله} للسببية أو للآلة المَجازية، أي جعل الشيطان شأن الله سبباً لغروركم بأن خَيّل إليكم أن الحِفاظ على الكفر مرضي لله تعالى وأن النفاق حافظتم به على دينكم وحفظتم به نفوسكم وكرامة قومكم واطلعتم به على أحوال عدوكم.
وهذا كله معلوم عندهم قد شاهدوا دلائله فَمِنْ أجل ذلك فَرَّعوا لهم عليه قولَهم: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} [الحديد: 15]، قطعاً لطمعهم أن يكونوا مع المؤمنين يومئذٍ كما كانوا معهم في الحياة.
{فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)}
يجوز أن يكون هذا الكلام من تتمة خطاب المؤمنين للمنافقين استمراراً في التوبيخ والتنديم. وهذا ما جرى عليه المفسرون، فموقع فاء التفريع بينّ والعلم للمؤمنين بأن لا تؤخذ فدية من المنافقين والذين كفروا حاصل مما يسمعون في ذلك اليوم من الأقضية الإِلهية بين الخلق بحيث صار معلوماً لأهل المحشر، أو هو علم متقرر في نفوسهم مما علموه في الدنيا من أخبار القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وذلك موجب عطف {ولا من الذين كفروا} تعبيراً عما علموه بأسره وهو عطف معترض جَرَّته المناسبة.
ويجوز أن يكون كلاماً صادراً من جانب الله تعالى للمنافقين تأييساً لهم من الطمع في نوال حظ من نور المؤمنين، فيكون الفاء من عطف التلقين عاطفة كلام أحد على كلام غيره لأجل اتحاد مكان المخاطبة على نحو قوله تعالى قال: {ومن ذريتي} [إبراهيم: 40].
ويكون عطف {ولا من الذين كفروا} جمعاً للفريقين في توبيخ وتنديم واحد لاتحادهما في الكفر.
وإقحام كلمة {فاليوم} لتذكيرهم بما كانوا يضمرونه في الدنيا حين ينفقون مع المؤمنين ريَاء وتقيّة. وهو ما حكاه الله عنهم بقوله: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر} [التوبة: 98].
وقرأ الجمهور {لا يؤخذ} بياء الغائب المذكر لأن تأنيث {فدية} غير حقيقي، وقد فُصل بين الفعل وفاعله بالظرف فحصل مسوغان لترك اقتران الفعل بعلامة المؤنث. وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بمثناة فوقية جرياً على تأنيث الفاعل في اللفظ، والقراءتان سواء.
وكني بنفي أخذ الفدية عن تحقق جزائهم على الكفر، وإلا فإنهم لم يبذلوا فدية، ولا كان النفاق من أنواع الفدية ولكن الكلام جرى على الكناية لما هو مشهور من أن الأسير والجاني قد يتخلصان من المؤاخذة بفدية تبذل عنهما.
فعطف {ولا من الذين كفروا} قُصد منه تعليل أن لا محيص لهم من عذاب الكفر، مثل الذين كفروا، أي الذين أعلنوا الكفر حتى كان حالةً يعرفون بها. وهذا يقتضي أن المنافقين كانوا هم والكافرون في صعيد واحد عندَ أبواببِ جهنم، ففيه احتراس من أن يتوهم الكافرون الصرحاء من ضمير {لا يؤخذ منكم فدية} أن ذلك حكم خاص بالمنافقين تعلقاً بأقل طمع، فليس ذكر {ولا من الذين كفروا} مجرد استطراد.
والمأوى: المكان الذي يُؤَوى إليه، أي يصَار إليه ويُرجع، وكني به عن الاستمرار والخلود.
وأكد ذلك بالصريح بجملة {مأواكم النار هي مولاكم} أي ترجعون إليها كما يرجع المستنصر إلى مولاه لينصره أو يفادي عنه، فاستعير المولى للمَقَرَّ على طريقة التهكم.
ويجوز مع ذلك أن يجعل المولى اسم مكان الوَلْي، وهو القرب والدنوّ، أي مقركم، كقول لبيد:
فغدتْ كلا الفرجينْ تحسب أنه *** مَولَى المخافة خلْفُها وأمَامُها
أي مكان المخافة ومقرها.
و {بئس المصير} تذييل يشمل جميع ما يصيرون إليه من العذاب. وقد يحصل العلم للمؤمنين بما أجابوا به أهل النفاق لأنهم صاروا إلى دار الحقائق.
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)}
قد علم من صدر تفسير هذه السورة أن هذه الآية نزلت بمكة سنة أربع أو خمس من البعثة رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} إلى {وكثير منهم فاسقون} إلا أرْبَعُ سنين.
والمقصود من {الذين آمنوا}: إما بعض منهم ربما كانوا مقصرين عن جمهور المؤمنين يومئذٍ بمكة فأراد الله إيقاظ قلوبهم بهذا الكلام المجمل على عادة القرآن وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في التعريض مثل قوله: " ما بال أقوام يفعلون كذا " وقوله تعالى: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} [آل عمران: 154]. وليس ما قاله ابن مسعود مقتضياً أن مثله من أولئك الذين ذكرهم الله بهذه الآية ولكنه يخشى أن يكون منهم حذراً وحيطة.
فالمراد ب {الذين آمنوا} المؤمنون حقاً لا من يُظهرون الإيمان من المنافقين إذ لم يكن في المسلمين بمكة منافقون ولا كان دَاع إلى نِفاق بعضهم. وعن ابن مسعود «لما نزلت جعل بَعضنا ينظر إلى بعض ونَقول: ما أحدثْنا».
وإما أن يكون تحريضاً للمؤمنين على مراقبة ذلك والحذرِ من التقصير.
والهمزة في {ألم يأن} للاستفهام وهو استفهام مستعمل في الإنكار، أي إنكار نفي اقتراب وقت فاعل الفعل.
ويجوز أن يكون الاستفهام للتقرير على النفي، وفعل {يأن} مشتق من اسم جامد وهو الإِنَى بفتح الهمزة وكسرها، أي الوقت قال تعالى: {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53]. وقريب من قوله: {ألم يأن} قولهم: أما آن لك أن تفعل، مثل ما ورد في حديث إسلام عمر بن الخطاب من قول النبي صلى الله عليه وسلم له " أَمَا آنَ لك يا ابنَ الخطاب أن تُسلم " وفي خبر إسلام أبي ذر من أن علي بن أبي طالب وجده في المسجد الحرام وأراد أن يُضيفه وقال له: «أما آن للرجل أن يعرِف منزله» يريد: أن يعرف منزلي الذي هو كمنزله. وهذا تلطف في عرض الاستضافة، إلا أن فعل {يأن} مشتق من الإِنى وهو فعل منقوص آخره ألف. وفعل: آن مشتق من الأَين وهو الحين وهو فعل أجوف آخره نون.
فأصل: أنى أَنِيَ وأصل آنَ: آوِن وآل معنى الكلمتين واحد.
واللام للعلة، أي ألم يأن لأجل الذين آمنوا الخشُوع، أي ألم يحقَّ حضوره لأجْلهم.
و {أن تخشع} فاعل {يأن}، والخشوع: الاستكانة والتذلل.
و {ذِكْر الله} ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم أو هو الصلاة. و{ما نزل من الحق} القرآن، قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2].
ويجوز أن يكون الوصفان للقرآن تشريفاً له بأنه ذكر الله وتعريفاً لنفعه بأنه نزل من عند الله، وأنه الحق، فيكون قوله: {وما نزل من الحق} عطف وصف آخر للقرآن مثل قول الشاعر أنشده في «الكشاف»:
إلى الملك القِرْم وابن الهمّام... البيت ***
واللام في {لذكر الله} لام العلة، أي لأجل ذكر الله.
ومعنى الخشوع لأجله: الخشوع المسبب على سماعه وهو الطاعة والامتثال.
وقرأ نافع وحفص عن عاصم {وما نزل} بتخفيف الزاي. وقرأه الباقون بتشديد الزاي على أن فاعل {نزل} معلوم من المقام، أي الله.
و {لا يكونوا} قرأه الجمهور بياء الغائب. وقرأه رويس عن يعقوب {ولا تكونوا} بتاء الخطاب.
و {لا} نافية على قراءة الجمهور والفعل معمول ل «أنْ» المصدرية التي ذكرت قبله، والتقدير: ألم يأن لهم أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب. وعلى قراءة رويس عن يعقوب فتاء الخطاب الالتفات و(لا) نافية، والفعل منصوب بالعطف كقراءة الجمهور، أو (لا) ناهية والفعل مجزوم والعطف من عطف الجُمل.
والمقصود التحذير لا أنهم تلبسوا بذلك ولم يأن لهم الاقلاع عنه. والتحذير مُنْصَبٌّ إلى ما حدث لأهل الكتاب من قسوة القلوب بعد طول الأمد عليهم في مزاولة دينهم، أي فليحذر الذين آمنوا من أن يكونوا مثلهم على حدثان عهدهم بالدين. وليس المقصود عذر الذين أوتوا الكتاب بطول الأمد عليهم لأن طول الأمد لا يكون سبباً في التفريط فيما طال فيه الأمدُ بل الأمر بالعكس ولا قصدُ تهوين حصوله للذين آمنوا بعد أن يطول الأمد لأن ذلك لا يتعلق به الغرض قبل طول الأمد، وإنما المقصود النهي عن التشبه بالذين أوتوا الكتاب في عدم خشوع قلوبهم ولكنه يفيد تحذير المؤمنين بعد أن يطول الزمان من أن يقعوا فيما وقع فيه أهل الكتاب. ويستتبع ذلك الأنباءَ بأن مدة المسلمين تطول قريباً أو أكثر من مدة أهل الكتاب الذين كانوا قبل البعثة، فإن القرآن موعظة للعصور والأجيال.
ويجوز أن تجعل (لا) حرف نهي وتعلق النهي بالغائب التفاتاً أو المراد: أَبْلِغْهم أن لا يكونوا.
وفاء {فطال عليهم الأمد} لتفريع طول الأمد على قسوة القلوب من عدم الخشوع، فهذا التفريع خارج عن التشبيه الذي في قوله: {كالذين أوتوا الكتاب من قبل}، ولكنه تنبيه على عاقبة ذلك التشبيه تحذيراً من أن يصيبهم مثل ما أصاب الذين أوتوا الكتاب من قبل. والأمد: الغاية من مكان أو زمان والمراد به هنا: المدة التي أوصوا بأن يحافظوا على اتباع شرائعهم فيها المغيَّاةُ بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم المبشر في الشرائع {وإذا أخذ الله ميثاق النبييئن لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} [آل عمران: 81]. والمعنى: أنهم نَسُوا ما أوصوا به فخالفوا أحكام شرائعهم ولم يخافوا عقاب الله يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً، وصار ديدناً لهم رويداً رويداً حتى ضرئوا بذلك، فقست قلوبهم، أي تمردت على الاجتراء على تغيير أحكام الدين.
وجملة {وكثير منهم فاسقون} اعتراض في آخر الكلام. والمعنى: أن كثيراً منهم تجاوزوا ذلك الحَدَّ من قسوة القلوب فنبذوا دينهم وبدلوا كتابهم وحرفوه وأفسدوا عقائدهم فبلغوا حدّ الكفر. فالفسق هنا مراد به الكفر كقوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثرهم فاسقون} [المائدة: 59]، أي غير مؤمنين بدليل المقابلة بقوله: {آمنا بالله} إلى آخره. وبين قوله: {فقست} وقوله: {فاسقون} محسّن الجناس. وهذا النوع فيه مركب مما يسمى جناس القلب وما يسمى الجناس الناقص وقد اجتمعا في هذه الآية.
{اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)}
افتتاح الكلام ب {اعلموا} ونحوه يؤذن بأن ما سيلقى جدير بتوجه الذهن بشراشره إليه، كما تقدم عند قوله تعالى: {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} في سورة [البقرة: 235] وقوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} الآية في سورة [الأنفال: 41].
وهو هنا يشير إلى أن الكلام الذي بُعده مغزى عظيم غير ظاهرِ، وذلك أنه أريد به تمثيل حال احتياج القلوب المؤمنة إلى ذكر الله بحال الأرض الميتة في الحاجة إلى المطر، وحاللِ الذكر في تزكية النفوس واستنارتها بحال الغَيث في إحياء الأرض الجدبة. ودل على ذلك قوله بعده: قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون}، وإلا فإن إحياء الله الأرض بعد موتها بما يصيبها من المطر لا خفاء فيها فلا يقتضي أن يفتتح الإخبار عنه بمثل {اعلموا} إلاّ لأن فيه دلالة غير مألوفة وهي دلالة التمثيل، ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي مسعود البَدري وقد رآه لَطم وجه عبدٍ له «اعلَمْ أبا مسعود، اعلَمْ أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا».
فالجملة بمنزلة التعليل لجملة {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} إلى قوله: {فقست قلوبهم} [الحديد: 16] لما تتضمنه تلك من التحريض على الخشوع لذكر الله، ولكن هذه بمنزلة العلة فَصلت ولم تعطف، وهذا يقتضي أن تكون مما نزل مع قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم} الآية.
والخطاب في قوله: {اعلموا} للمؤمنين على طريقة الالتفات إقبالاً عليهم للاهتمام.
وقوله: {أن الله يحي الأرض بعد موتها} استعارة تمثيلية مصرّحة ويتضمن تمثيلية مَكْنية بسبب تضمنه تشبيه حال ذِكر الله والقرآن في إصلاح القلوب بحال المطر في إصلاحه الأرض بعد جدبها. وطُوي ذكر الحالة المشبه بها ورُمز إليها بلازمها وهو إسناد إحياء الأرض إلى الله لأن الله يحيي الأرض بعد موتها بسبب المطر كما قال تعالى: {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} [النحل: 65].
والمقصود الإِرشاد إلى وسيلة الإِنابة إلى الله والحث على تعهد النفس بالموعظة، والتذكير بالإِقبال على القرآن وتدبره وكلاممِ الرسول صلى الله عليه وسلم وتعليمه وأن في اللجأ إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نجاة وفي المفزع إليهما عصمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " تركتُ فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتابَ الله وسنتي " وقال: " مَثَل ما بَعثني الله به من الهُدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نَقَيّة قبِلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشْب، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناسَ فشربوا وسقَوْا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قِيعانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثَل من فَقُهَ في دين الله وَنَفَعه ما بعثني الله به فَعلِم وعلَّم، ومثلُ من لم يرفع لذلك رأساً ولم يقبَل هدى الله الذي أرسلتُ به "
وقوله: {قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون} استئناف بياني لجملة {أن الله يحي الأرض بعد موتها} لأن السامع قولَه: {اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها} يتطلب معرفة الغرض من هذا الإعلام فيكون قوله: {قد بينا لكم الآيات} جواباً عن تطلبه، أي أعلمناكم بهذا تبييناً للآيات.
ويفيد بعمومه مُفاد التذييل للآيات السابقة من أول السورة مكيّها ومدنيها لأن الآية وإن كانت مدنيّة فموقعها بعد الآيات النازلة بمكة مراد لله تعالى، ويدل عليه الأمر بوضعها في موضعها هذا، ولأن التعريف في الآيات للاستغراق كما هو شأن الجمع المعرّف باللام.
والآيات: الدلائل. والمراد بها: ما يشمل مضمون قوله: {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد} إلى قوله: {بعد موتها} [الحديد: 16]، وهو محل ضرب المثل لأن التنظير بحال أهل الكتاب ضرب من التمثيل.
وبيان الآيات يحصل من فصاحة الكلام وبلاغته ووفرة معانيه وتوضيحها، وكل ذلك حاصل في هذه الآيات كما علمت آنفاً. ومن أوضح البيان التنظير بأحوال المشابهين في حالة التحذير أو التحضيض.
و {لعلكم تعقلون}: رجاء وتعليل، أي بيّنا لكم لأنكم حالكم كحال من يرجى فهمه، والبيان علة لفهمه.
{إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)}
يشبه أن تكون هذه الآية من المدني وأن تكون متصلة المعنى بقوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم} [الحديد: 11] وأن آية {ألم يأن للذين آمنوا} [الحديد: 16] وما بعدها معترض. وقد تخلل المكي والمدني كل مع الآخر في هذه السورة ألاَ ترى أن ألفاظ الآيتين متماثلة إذ أريد أن يعاد ما سبق من التحريض على الإِنفاق فيُؤتى به في صورة الصلة التي عُرف بها الممتثلون لذلك التحريض.
وعطف {والمصدقات} كما تقدم في قوله: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات} [الحديد: 12]، ولأن الشُحَّ يكثر في النساء كما دلت عليه أشعار العرب.
وقرأ الجمهور {والمصّدقين} بتشديد الصاد على أن أصله المتصدقين فأدغمت التاء في الصاد بعد قَلْبِهَا صاداً لقرب مخرجيهما تطلباً لخفة الإِدغام، فقوله: {واقرضوا الله قرضاً حسناً} من عطف المرادف في المعنى لما في المعطوف من تشبيه فِعلهم بقرض لله تنويهاً بالصدقات.
وقرأه ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد على أنه من التصديق، أي الذين صدَّقوا الرسول صلى الله عليه وسلم أي آمنوا وامتثلوا أمره فأقرضوا الله قرضاً حسناً.
وقرأ الجمهور {يضاعف لهم} بألف بعد الضاد. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب {يضعّف} بدون ألف وبتشديد العين.
وعطف {واقرضوا} وهو جملة على {المصدقين} وهو مفرد لأن المفرد في حكم الفعل حيث كانت اللام في معنى الموصول فقوة الكلام: إن الذين اصَّدَّقوا واللائي تصدقْنَ وأقرضوا، على التغليب ولا فَصْلَ بأجنبي على أن الفصل لا يمنع إذا لم يفسد المعنى.
ووجه العدول عن تماثل الصلتين فلم يقل: إن المصدقين والمقرضين، هو تصوير معنى كون التصدق إقراضاً لله.
وتقدم معنى {يضاعف لهم ولهم أجر كريم} في قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له} [الحديد: 11] الآية.
{وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)}
{والذين ءَامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أولئك هُمُ الصديقون}
لما ذكر فضل المتصدقين وكان من المؤمنين من لا مال له ليتصدق منه أعقب ذكر المتصدقين ببيان فضل المؤمنين مطلقاً، وهو شامل لمن يستطيع أن يتصدق ومن لا يستطيع على نحو التذكير المتقدم آنفاً في قوله: {وكلاًّ وعد الله الحسنى} [النساء: 95].
وفي الحديث: «إن قوماً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدُثور بالأجور يصلّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم ولا أموال لنا، فقال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدَّقون به، إن لكم في كل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة».
و {الذين آمنوا} يعم كل من ثبت له مضمون هذه الصلة وما عطف عليها.
وفي جمع {ورسله} تعريض بأهل الكتاب الذين قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، فاليهود آمنوا بالله وبموسى، وكفروا بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون آمنوا برسل الله كلهم، ولذلك وصفوا بأنهم الصدّيقون.
والصدّيق بتشديد الدال مبالغة في المُصَدِّق مثل المسِّيك للشحيح، أي كثير الإِمساك لماله، والأكثر أن يشتق هذا الوزن من الثلاثي مثل: الضلّيل، وقد يشتق من المزيد، وذلك أن الصيغ القليلة الاستعمال يتوسعون فيها كما توسع في السّميع بمعنى المُسْمِع في بيت عمرو بن معد يكرب، والحكيم بمعنى المحكم في أسماء الله تعالى، وإنما وصفوا بأنهم صدّيقون لأنهم صدّقوا جميع الرسل الحقِّ ولم تمنعهم عن ذلك عصبية ولا عناد، وقد تقدم في سورة يوسف وصفه بالصدّيق ووصفت مريم بالصدّيقة في سورة العقود.
وضمير الفصل للقصر وهو قصر إضافي، أي هم الصدّيقون لا الذين كذّبوا بعضَ الرسل وهذا إبطال لأن يكون أهل الكتاب صدّيقين لأن تصديقهم رسولهم لا جدوى له إذ لم يصدّقوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم
واسم الإِشارة للتنويه بشأنهم وللتنبيه على أن المشار إليهم استحقوا ما يرد بعد اسم الإِشارة من أجل الصفات التي قبل اسم الإِشارة.
{الصديقون والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ}.
يجوز أن يكون عطفاً على {الصديقون} عطفَ المفرد على المفرد فهو عطف على الخبر، أي وهم الشهداء. وحكي هذا التأويل عن ابن مسعود ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة. فقيل: معنى كونهم شهداء: أنهم شهداء على الأمم يوم الجزاء، قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143]، فالشهادة تكون بمعنى الخبر بما يُثبت حقاً يجازى عليه بخير أو شر.
وقيل معناه: أن مؤمني هذه الأمة كشهداء الأمم، أي كقتلاهم في سبيل الله وروي عن البراء بن عازب يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فتكون جملة {عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} استئنافاً بيانياً نشأ عن وصفهم بتينك الصفتين فإن السامع يترقب ما هو نَوَالهم من هذين الفضلين.
ويجوز أن يكون قوله: {والشهداء} مبتدأ وجملة {عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} خبر عن المبتدأ، ويكون العطف من عطف الجمل فيوقَف على قوله: {الصديقون}. وحكي هذا التأويل عن ابن عباس ومسروق والضحاك فيكون انتقالاً من وصف مزية الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى وصف مزية فريق منهم استأثروا بفضيلة الشهادة في سبيل الله، وهذا من تتمة قوله: {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله} إلى قوله: {والله بما تعملون خبير} [الحديد: 10] فإنه لما نوّه بوعد المؤمنين المصدقين المعفيين من قوله: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم} [الحديد: 8] الخ فأوفاهم حقهم بقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} أقبل على وعد الشهداء في سبيل الله الذين تضمن ذكرهم قوله: {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله} [الحديد: 10] الآيات، فالشهداء إذن هم المقتولون في الجهاد في سبيل الله.
والمعنيَاننِ من الشهداء ممكن الجمع بينهما فتحمل الآية على إرادتهما على طريقة استعمال المشترك في معنييه. وقد قررنا في مواضع كثيرة أنه جرى استعمال القرآن عليه.
وضميرا {أجرهم} و{نورهم} يعودان إلى الصدّيقين والشهداء أو إلى الشهداء فقط على اختلاف الوجهين المتقدمين آنفاً في العطف.
و {عند ربهم} متعلق بالاستقرار الذي في المجرور المخبر به عن المبتدأ، والتقدير: لهم أجرهم مستقر عند ربهم، والعندية مجازية مستعملة في العناية والحظوة.
والظاهر في عود الضمير إلى أن يكون عائداً إلى مذكور في اللفظ بمعناه المذكور فظاهر معنى {أجرهم ونورهم} أنه أجر أولئك المذكورين، ومعنى إضافة أجر ونور إلى ضميرهم أنه أجر يعرَّف بهم ونور يعرف بهم.
وإذ قد كان مقتضى الإضافة أن تفيد تعريف المضاف بنسبته إلى المضاف إليه وكان الأجر والنور غير معلومين للسامع كان في الكلام إبهام يكنى به عن أجر ونور عظيمين، فهو كناية عن التنويه بذلك الأجر وذلك النور، أي أجر ونور لا يوصفان إلا أجرهم ونورهم، أي أجراً ونوراً لائقَيْن بمقام، مع ضميمة ما أفادته العندية التي في قوله: {عند ربهم} من معنى الزلفى والعناية بهم المفيد عظيم الأجر والنور.
ويجوز أن يكون ضميرا {أجرهم ونورهم} عائدين إلى لفظي {الصديقون} و{الشهداء} أو إلى لفظ {الشهداء} خاصة على ما تقدم لكن بمعنى آخر غير المعنى الذي حمل عليه آنفاً بل بمعنى الصدّيقين والشهداء ممن كانوا قبلهم من الأمم، قاله في «الكشاف».
ومعنى الصديقين والشهداء حينئذٍ مغاير للمعنى السابق بالعموم والخصوص على طريقة الاستخدام في الضمير. وطريقة التشبيه البليغ في حمل الخبر على المبتدأ في قوله: {لهم أجرهم ونورهم} بتقدير: لهم مثل أجرهم ونورهم، ولا تأويل في إضافة الأجر والنور إلى الضميرين بهذا المحمل فإن تعريف المضاف بَيّن لأنه قد تقرر في علم الناس ما وُعد به الصدّيقون والشهداء من الأمم الماضية قال تعالى في شأنهم:
{وكانوا عليه شهداء} [المائدة: 44] وقال: {فأولئك مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً} [النساء: 69].
وفائدة التشبيه على هذا الوجه تصوير قوة المشبه وإن كان أقوى من المشبه به لأن للأحوال السالفة من الشهرة والتحقق ما يقرِّب صورة المشبه عند المخاطب، ومنه ما في لفظ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من التشبيه بقوله: «كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم».
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}.
تتميم اقتضاه ذكر أهل مراتب الإيمان والتنويه بهم، فأتبع ذلك بوصف أضدادهم لأن ذلك يزيد التنويه بهم بأن إيمانهم أنجاهم من الجحيم.
والمراد بالذين كفروا بالله وكذّبوا بالقرآن ما يشمل المشركين واليهودَ والنصارى على تفاوت بينهم في دركات الجحيم، فالمشركون استحقوا الجحيم من جميع جهات كفرهم، واليهود استحقوه من يوم كذبوا عيسى عليه السلام، والنصارى استحقّه بعضُهم حين أثبتوا لله ابناً وبعضهم من حين تكذيبهم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم
وفي استحضارهم بتعريف اسم الإشارة من التنبيه على أنهم جديرون بذلك لأجل الكفر والتكذيب نظيرُ ما تقدم في قوله: {أولئك هم الصديقون}. ولم يؤت في خبرهم بضمير الفصل إذ لا يظن أن غيرهم أصحاب الجحيم.
والتعبير عنهم بأصحاب مضاف إلى الجحيم دلالة على شدة ملازمتهم للجحيم.
{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)}
{اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الاموال والاولاد}.
أعقب التحريض على الصدقات والإِنفاققِ بالإِشارة إلى دحض سبب الشح أنه الحرص على استبقاء المال لإِنْفَاقَه في لذائذ الحياة الدنيا، فضُرب لهم مثلُ الحياة الدنيا بحاللٍ محقَّرة على أنها زائلة تحقيراً لحاصلها وتزهيداً فيها لأن التعلق بها يعوق عن الفَلاَح قال تعالى: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9]، وقال: {وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} [النساء: 128].
كل ذلك في سياق الحث على الإنفاق الواجب وغيره، وأشير إلى أنها ينبغي أن تتخذ الحياة وسيلة للنعيم الدائم في الآخرة، ووقاية من العذاب الشديد، وما عدا ذلك من أحوال الحياة فهو متاع قليل، ولذلك أعقب مثل الحياة الدنيا بالإِخبار عن الآخرة بقوله: «في الآخرة عذاب» الخ.
وافتتاح هذا بقوله تعالى: {اعلموا} للوجه الذي بيناه آنفاً في قوله: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها} [الحديد: 17].
و {أَنَّمَا} المفتوحةُ الهمزة أخت (إنما) المكسورة الهمزة في إفادة الحصر، وحصر الحياة الدنيا في الأخبار الجارية عليها هو قصر أحوال الناس في الحياة على هذه الأمور الستة باعتبار غالب الناس، فهو قصر ادعائي بالنظر إلى ما تنصرف إليه همم غالب الناس من شؤون الحياة الدنيا، والتي إن سلم بعضهم من بعضها لا يخلو من ملابسة بعض آخر إلا الذين عصمهم الله تعالى فجعل أعمالهم في الحياة كلها لوجه الله، وإلا فإن الحياة قد يكون فيها أعمال التقى والمنافع والإحسان والتأييد للحق وتعليم الفضائل وتشريع القوانين.
وقد ذكر هنا من شؤون الحياة ما هو الغالب على الناس وما لا يخلو من مقارفة تضييع الغايات الشريفة أو اقتحام مساوٍ ذميمة، وهي أصول أحوال المجتمع في الحياة، وهي أيضاً أصول أطوار آحاد الناس في تطور كل واحد منهم، فإن اللعب طور سِنّ الطفولة والصبا، واللهوَ طور الشباب، والزينة طور الفتوة، والتفاخرَ طور الكهولة، والتكاثر طور الشيخوخة. وذكر هنا خمسة أشياء:
فاللعب: اسم لقول أو فعل يراد به المزح والهزل لتمضية الوقت أو إزالة وحشة الوحدة، أو السكون، أو السكوت، أو لجلب فرح ومسرة للنفس، أو يجلب مثل ذلك للحبيب، أو يجلب ضده للبغيض، كإعمال الأعضاء وتحريكها دفعاً لوحشة السكون، والهذيان المقصود لدفع وحشة السكوت، ومنه العبث، وكالمزح مع المرأة لاجتلاب إقبالها ومع الطفل تحبباً أو إرضاء له.
واللعب: هو الغالب على أعمال الأطفال والصبيان فطور الطفولة طور اللعب ويتفاوت غيرهم في الإِتيان منه فيقل ويكثر بحسب تفاوت الناس في الأطوار الأولى من الإِنسان وفي رجاحة العقول وضعفها. والإِفراط فيه من غير أصحاب طوره يؤذن بخسة العقل، ولذلك قال قوم إبراهيم له:
{أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين} [الأنبياء: 55]. واللعب يكثر في أحوال الناس في الدنيا فهو جزء عظيم من أحوالها وحسبك أنه يَعمُر معظم أحوال الصبا.
واللهو: اسم لفعل أو قول يقصد منه التذاذ النفس به وصرفها عن ألم حاصل من تعب الجسد أو الحزن أو الكمد، يقال: لها عن الشيء، أي تشاغل عنه. قال امرؤ القيس:
وبيضة خدر لا يرام خِباؤها *** تمتعتُ من لَهْو بها غيرَ معجَل
وقال النابغة يذكر حجه:
حيَّاككِ ربي فإنا لا يحل لنا *** لَهْوُ النساء وإن الدِّين قد عَزَما
ويغلب اللهو على أحوال الشباب فطور الشباب طوره، ويكثر اللهو في أحوال الدنيا من تطلب اللذات والطرب.
والزينة: تحسين الذات أو المكان بما يجعل وقعه عند ناظره مُسراً له، وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم وذلك في طباع النساء أشد، وربّما كان من أسباب شدته فيهن كثرةُ إغراء الرجال لهن بذلك.
ويكثر التزين في طور الفتوة لأن الرجل يشعر بابتداء زوال محاسن شبابه، والمرأة التي كانت غانية تحب أن تكون حالِيَة، وليس ذلك لأجل تعرضها للرجال كما يتوهمه الرجال فيهن غروراً بأنفسهم بل ذلك لتكون حسنة في الناس من الرجال والنساء.
ويغلب التزين على أحوال الحياة فإن معظم المساكن والملابس يراد منه الزينة، وهي ذاتية ومعنوية، ومن المعنوية ما يسمى في أصول الفقه بالتحسيني.
والتفاخر: الكلام الذي يفخر به، والفخر: حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل. وصيغ منه زنة التفاعل لأن شأن الفخر أن يقع بين جانبين كما أنبأ به تقييده بظرف {بينكم}.
والناس يتفاخرون بالصفات المحمودة في عصورهم وأجيالهم وعاداتهم، فمن الصفات ما الفخر به غير باطل. وهو الصفات التي حقائقها محمودة في العقل أو الشرع. ومنها ما الفخر به باطل من الصفات والأعمال التي اصطلح قوم على التمدح بها وليست حقيقة بالمدح مثل التفاخر بالإِغلاء في ثمن الخمور وفي الميسر والزنى والفخر بقتل النفوس والغارة على الأموال في غير حق.
وأغلب التفاخر في طور الكهولة واكتمال الاشُدَّ لأنه زمن الإِقبال على الأفعال التي يقصد منها الفخر.
والتفاخر كثير في أحوال الناس في الدنيا، ومنه التباهي والعُجب، وعنه ينشأ الحسد.
والتكاثر: تفاعل من الكثرة، وصيغة التفاعل هنا للمبالغة في الفعل بحيث ينزل منزلة من يغالب غيره في كثرة شيء، فإنه يكون أحرص على أن يكون الأكثر منه عنده فكان المرء ينظر في الكثرة من الأمر المحبوب إلى امرئ آخر له الكثرة منه، ألا ترى إلى قول طرفة:
فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم *** ولو شاء ربي كنت عمرو بن مَرثد
فأصبحت ذا مال كثير وطافَ بي *** بنونَ كرامٌ سَادة لمسوَّد
ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر فصارت تستعمل في الحرص على تحصيل الكثير من غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه، قال تعالى:
{ألهاكم التكاثر} [التكاثر: 1].
و {في} من قوله: {في الأموال والأولاد}: إما مستعملة في التعليل، وإما هي الظرفية المجازية، فإن جُعلت الأموال كالظرف يحصل تكاثر الناس عنده كمن ينزع في بئر.
والمعنى: أن الله أقام نظام أحوال الناس في الحياة الدنيا على حكمة أن تكون الحياة وسيلة لبلوغ النفوس إلى ما هيّأَها الله له من العروج إلى سمو المَلَكِيَّة كما دل عليه قوله: {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30]، فكان نظام هذه الحياة على أن تجري أمور الناس فيها على حسب تعاليم الهدى للفوز بالحياة الأبدية في النعيم الحق بعد الممات والبعث، فإذا الناسُ قد حرفوها عن مهيعها، وقد تضمن ذلك قوله تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97].
{والاولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ}.
يجوز أن يكون في موضع خبر من مبتدأ محذوف، أي هي كمثللِ غيث فتكون الجملة استئنافاً، وحَذفُ المسند إليه من النوع الذي سماه السكاكي «متابعةَ الاستعمال».
ويجوز أن يكون الكاف في موضع الحال و{كمثل} معناه كحال، أي حال الحياة الدنيا كحال غيث الخ، فشبهت هيئة أهل الدنيا في أحوالهم الغالبة عليهم والمشار إلى تنويعها بقوله: {لعب ولهو} إلى آخره بهيئة غيث أنبت زرعاً فأينع ثم اصفر ثم اضمحلّ وتحطم، أي تشبيه هيئة هذه الأحوال الغالبة على الناس في الحياة في كونها محبوبة للناس مزهية لهم وفي سرعة تقضيها بهيئةِ نبات جديد أنبته غيث فاستوى واكتمل وأُعجب به من رآه فمضت عليه مدة فيبس وتحطم.
والمقصود بالتمثيل هو النبات، وإنما ابتدئ بغيث تصويراً للهيئة من مبادئِها لإِظهار مواقع الحسن فيها لأن ذلك يكتسب منه المشبه حُسناً كما فعل كعب بن زهير في تحسين أوصاف الماء الذي مُزجت به الراح في قوله:
شُجت بذي شَيم من ماء مَحنية *** صاففٍ بأبطحَ أضحَى وهو مشمول
تَنفي الرياحُ القَذى عنه وأفرطَه *** من صَوْب ساريةٍ بيضٌ يعاليل
وعن ابن مسعود «أن الكفار: الزُرَّاع، جمع كافر وهو الزارع لأنه يَكفر الزريعة بتراب الأرض، والكفر بفتح الكاف الستر، أي ستر الزريعة، وإنما أوثر هذا الاسم هنا وقد قال تعالى في سورة [الفتح: 29]: {يعجب الزراع}، قصدا هنا للتورية بالكفار الذين هم الكافرون بالله لأنهم أشد إعجاباً بمتاع الدنيا إذ لا أمل لهم في شيء بعده. وقال جمع من المفسرين: الكفار جمع الكافر بالله لأنهم قصروا إعجابهم على الأعمال ذات الغايات الدنيا دون الأعمال الدينية، فذكر الكفار تلويح إلى أن المثل مسوق إلى جانبهم أوّلاً.
والنبات: اسم مصدر نَبت قال تعالى: {والله أنبتكم من الأرض نباتاً} [نوح: 17]، وهو هنا أطلق على النابت من إطلاق المصدر على الفاعل وهو كثير، وأصله أن يراد به المبالغة، وقد يشيع فيزول قصد المبالغة به.
وقوله: {ثم يهيج} تضافرت كلمات المفسرين على تفسير يهيج ب (ييبس) أو يجف، ولم يستظهروا بشاهد من كلام العرب يدل على أن من معاني الهياج الجفاف، وقد قال الراغب: يقال: هاج البقل، إذا اصفَرّ وطاب، وفي «الأساس»: من المجاز هاج البقل، إذا أخذ في اليبس. وهذان الإِمامان لم يجعلا (هاج) بمعنى (يبس) وكيف لفظ الآية {ثم يهيج فتراه مصفراً}، فالوجه أن الهياج: الغلظ ومقاربة اليبس، لأن مادة الهياج تدل على الاضطراب والثوران وسميت الحرب الهيجاء، وقال النابغة:
أهاجك من سُعداك مغنى المعاهد ***
والزرع إذا غلظ يكون لحركته صوت فكأنه هائج، أي ثائر وذلك ابتداء جفافه، وذلك كقوله تعالى: {كزرع أخرج شطأه فئازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع} في سورة [الفتح: 29].
وعطفت جملة يهيج} ب (ثم) لإِفادة التراخي الرتبي لأن اصفرار النبات أعظم دلالة على التهيّؤ للزوال، وهذا هو الأهم في مقام التزهيد في متاع الدنيا.
وعطف {فتراه مصفراً} بالفاء لأن اصفرار النبت مقارب ليبسه، وعطف {ثم يكون حطاماً} ب (ثم) كعطف {ثم يهيج}.
والحُطام: بضم الحاء ما حطم، أي كُسر قطعاً.
فضرب مثل الحياة الدنيا لأطوار ما فيها من شباب وكهولة وهرم ففناء، ومن جدة وتبذّل وبلى، ومن إقبال الأمور في زمن إقبالها ثم إدبارها بعد ذلك، بأطوار الزرع. وكلُّهَا أعراض زائلة وآخرها فناء.
وتندرج فيها أطوار المرء في الحياة المذكورة في قوله: {لعب ولهو} إلى {والأولاد} كما يظهر بالتأمل.
وهذا التمثيل مع كونه تشبيه هيئة مركّبة بهيئةٍ مثلها هو صالح للتفريق ومقابلة أجزاء الهيئة المشبهة بأجزاء الهيئة المشبه بها، فيشبَّه أول أطوار الحياة وإقبالها بالنبات عقب المطر، ويشبّه الناس المنتفعون بإقبال الدنيا بناس زُراع، ويشبّه اكتمال أحوال الحياة وقوة الكهولة بهياج الزرع، ويشبّه ابتداء الشخوخة ثم الهرم وابتداء ضعف عمل العامل وتجارة التاجر وفلاحة الفلاح باصفرار الزرع وتهيئه للفناء، ويشبه زوال ما كان للمرء من قوة ومال بتحطم الزرع.
ويفهم من هذا أن ما كان من أحوال الحياة مقصوداً لوجه الله فإنه من شؤون الآخرة فلا يدخل تحت هذا التمثيل إلا ظاهراً. فأعمال البِر ودراسة العلم ونحو ذلك لا يعتريها نقصٌ ما دام صاحبها مقبلاً عليها، وبعضها يزداد نماء بطول المدة، وتقدم نظير هذه الآية في سورة الزمر.
{وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
كان ذكر حال الحياة الدنيا مقتضياً ذكر مقابلة على عادة القرآن، والخبرُ مستعمل في التحذير والتحريض بقرينة السياق، ولذلك لم يبين أصحاب العذاب وأصحاب المغفرة والرضوان لظهور ذلك.
وكنِيَ عن النعيم بمغفرة من الله ورضوان لأن النعيم قسمان مادي وروحاني، فالمغفرةَ والرضوان أصل النعيم الروحاني كما قال تعالى:
{ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72] وهما يقتضيان النعيم الجسماني لأن أهل الجنة لما ركبت ذواتهم من أجسام وأودعت فيها الأرواح كان النعيمان مناسبين لهم تكثيراً للذات، وما لذة الأجسام إلا صائرة إلى الأرواح لأنها المدركة اللذات، وكان رضوان الله يقتضي إعطائهم منتهى ما به التذاذهم، ومغفرته مقتضية الصفح عما قد يعوق عن بعض ذلك.
وعطف {وما الحياة الدنيا إلاَّ متاع الغرور} على {وفي الآخرة عذاب شديد} للمقابلة بين الحالين زيادة في الترغيب والتنفير.
والكلام على تقدير مضاف، أي وما أحوال الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
والحصر ادعائي باعتبار غالب أحوال الدنيا بالنسبة إلى غالب طالبيها، فكونها متاعاً أمر مطرد وكون المتاع مضافاً إلى الغرور أمر غالب بالنسبة لما عدا الأعمال العائدة على المرء بالفوز في الآخرة.
والغُرور: الخديعة، أي إظهار الأمر الضار الذي من شأنه أن يحترز العاقل منه في صورة النافع الذي يرغب فيه.
وإضافة {متاع} إلى {الغرور} على معنى لام العاقبة، أي متاع صائر لأجل الغرور به، أي آيل إلى أنه يغرّ الناظرين إليه فيسرعون في التعلق به.
{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)}
فذلكة لما تقدم من قوله تعالى: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم} [الحديد: 12] إلى هنا فذلك مسوق مساق الترغيب فيما به تحصيل نعيم الآخرة والتحذير من فواته وما يصرف عنه من إيثار زينة الدنيا، ولذلك فُصلت الجملة ولم تُعطف، واقتُصر في الفذلكة على الجانب المقصود ترغيبه دون التعرض إلى المحذر منه لأنه المقصود.
وعبر عن العناية والاهتمام بفعل السابقة لإِلهاب النفوس بصرف العناية بأقصى ما يمكن من الفضائل كفعل من يسابق غيره إلى غاية فهو يحرص على أن يكون المجلِّي، ولأن المسابقة كناية عن المنافسة، أي واتركوا المقتصرين على متاع الحياة الدنيا في الآخريات والخوالف.
وتنكير {مغفرة} لقصد تعظيمها ولتكون الجملة مستقلة بنفسها، وإلا فإن المغفرة سبق ذكرها في قوله: {ومغفرة من الله}، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: سابقوا إلى المغفرة، أي أكثروا من أسبابها ووسائلها: فالمسابقة إلى المغفرة هي المسابقة في تحصيل أسبابها.
والعَرْض: مستعمل في السعة وليس مقابل الطُور لظهور أنه لا طائل في معنى ما يقابل الطول، وهذا كقوله تعالى: {وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} [فصلت: 51]، وقول العُديل لما فَرَّ من وعيد الحجاج:
ودون يد الحجاج من أن تنالني *** بساط بأيدي الناعجات عَريض
وتشبيه عَرْض الجنة بعَرْض السماء والأرض، أي مجموع عرضيهما لقصد تقريب المشبه بأقصى ما يتصوره الناس في الاتساع، وليس المراد تحديد ذلك العرض ولا أن الجنة في السماء حتى يقال: فماذا بقي لمكان جهنم.
وهذا الأمر شامل لجميع المسابقات إلى أفعال البر الموجبة للمغفرة ونعيم الجنة، وشامل للمسابقة الحقيقية مع المجازية على طريقة استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وهي طريقة شائعة في القرآن إكثاراً للمعاني، ومنه الحديث: «لو يعلم الناس ما في الصف الأول لاستبقوا إليه أو استهموا إليه»
وليس في الآية دليل على أن الجنة غير مخلوقة الآن إذ وجه الشبه في قوله: {كعرض السماء والأرض} هو السعة لا المقدار ولا على أن الجنة في السماء الموجودة اليوم ولا عدمه، وتقدم من معنى هذه الآية قوله: {سارعوا إلى مغفرة من ربكم} الآية في سورة [آل عمران: 133].
وظاهر قوله: أعدت} أن الله خلقها وأعدّها لأن ظاهر استعماله الفعل في الزمان الماضي إن حصل مصدره فيه، فقد تمسك بهذا الظاهر الذين قالوا: إن الجنة مخلوقة الآن، وأما الذين نفوا ذلك فاستندوا إلى ظواهر أخرى وتقدم ذلك في سورة آل عمران.
وعُلم من قوله: {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} أن غيرهم لاحظَ لهم في الجنة لأن معنى اعداد شيء لشيء قصره عليه.
وجَمْع الرسل هنا يشمل كل أمة آمنوا بالله وبرسولهم الذي أرسله الله إليهم، وليس يلزمها أن تؤمن برسول أرسل إلى أمة أخرى ولم يَدْع غيرها إلى الإِيمان به.
والإِشارة في {ذلك فضل الله} إلى المذكور من المغفرة والجنة.
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)}
لما جرى ذكر الجهاد آنفاً بقوله: {لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} [الحديد: 10] وقوله: {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} [الحديد: 19] على الوجهين المتقدمين هنالك، وجرى ذكر الدنيا في قوله: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغروب} [الحديد: 20] وكان ذلك كله مما تحدُث فيه المصائب من قتل وقطع وأسر في الجهاد، ومن كوارث تعرض في الحياة من فقد وألم واحتياج، وجرى مَثَل الحياة الدنيا بالنّبات، وكان ذلك ما يعرض له القحط والجوائح، أُتبع ذلك بتسلية المسلمين على ما يصيبهم لأن المسلمين كانوا قد تخلقوا بآداب الدنيا من قبلُ فربما لحقهم ضر أو رزء خارج عن نطاق قدرتهم وَكسبهم فأعلموا أن ذلك مما اقتضاه ارتباط أسباب الحوادث بعضها ببعض على ما سيرها عليه نظام جميع الكائنات في هذا العالم كما أشار إليه قوله تعالى: {إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] كما ستعلمه، فلم يملكهم الغم والحزن، وانتقلوا عن ذلك إلى الإقبال على ما يهمهم من الأمور ولم يلهمهم التحرق على ما فات على نحو ما وقع في قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 154 156]، ولعل المسلمين قد أصابتهم شدة في إحدى المغازي أو حبس مطر أو نحو ذلكم مما كان سبب نزول هذه الآية.
و (ما) نافية و(من) زائدة في النفي للدلالة على نفي الجنس قصداً للعموم.
ومفعول {أصاب} محذوف تقديره: ما أصابكم أو ما أصاب أحداً.
وقوله: {في الأرض} إشارة إلى المصائب العامة كالقحط وفيضان السيول وموتان الأنعام وتلف الأموال.
وقوله: {ولا في أنفسكم} إشارة إلى المصائب اللاحقة لذوات الناس من الأمراض وقطع الأعضاء والأسر في الحرب وموت الأحباب وموت المرء نفسه فقد سماه الله مصيبة في قوله: {فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106]. وتكرير حرف النفي في المعطوف على المنفي في قوله: {ولا في أنفسكم} لقصد الاهتمام بذلك المذكور بخصوصه فإن المصائب الخاصة بالنفس أشد وقعاً على المصاب، فإن المصائب العامة إذا اخْطأَتْه فإنما يتأثر لها تأثراً بالتعقل لا بالحسّ فلا تدوم ملاحظة النفس إياه.
والاستثناء في قوله: {إلا في كتاب} استثناء من أحوال منفية ب (ما)، إذ التقدير: ما أصاب من مصيبة في الأرض كائنة في حال إلا في حال كونها مكتوبة في كتاب، أي مثبتة فيه.
والكتاب: مجاز عن علم الله تعالى ووجه المشابهة عدم قبوله التبديل والتغيير والتخلف، قال الحارث بن حلزة:
حذر الجور والتطاخي وهل *** ينْقض ما في المهارق الأهواء
ومن ذلك علمه وتقديره لأسباب حصولها ووقت خلقها وترتب آثارها والقصر المفاد ب (إلاّ) قصر موصوف على صفة وهو قصر إضافي، أي إلا في حال كونها في كتاب دون عدم سبق تقديرها في علم الله ردّاً على اعتقاد المشركين والمنافقين المذكور في قوله تعالى:
{وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} [آل عمران: 156] وقوله: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} [آل عمران: 168]. وهذا الكلام يجمع الإِشارة إلى ما قدمناه من أن الله تعالى وضع نظام هذا العالم على أن تترتب المسببات على أسبابها، وقدر ذلك وعلمه، وهذا مثل قوله: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [فاطر: 11] ونحو ذلك.
والبرءُ: بفتح الباء: الخَلْق ومن أسمائه تعالى البارئ، وضمير النصب في {نبرأها} عائد إلى الأرض أو إلى الأنفس.
وجملة {إن ذلك على الله يسير} ردّ على أهل الضلال من المشركين وبعض أهل الكتاب الذين لا يثبتون لله عموم العلم ويجوّزون عليه البَداء وتمشّي الحِيَل، ولأجل قصد الرد على المنكرين أكد الخبر ب (إنّ).
والتعليل بلام العلة و(كي) متعلق بمقدر دل عليه هذا الإِخبار الحكيم، أي أعلمناكم بذلك لكي لا تأسوا على ما فاتكم الخ، أي لفائدة استكمال مدركاتكم وعقولكم فلا تجزعوا للمصائب لأن من أيقَنَ أن ما عنده من نعمة دنيوية مفقود يوماً لا محالة لم يتفاقم جزعه عند فقده لأنه قد وطّن نفسه على ذلك، وقد أخذ هذا المعنى كُثّير في قوله:
فقلت لها يا عزّ كل مصيبة *** إذا وُطِّنت يوماً لها النفس ذَلّتِ
وقوله: {ولا تفرحوا بما آتاكم} تتميم لقوله: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم} فإن المقصود من الكلام أن لا يأْسَوْا عند حلول المصائب لأن المقصود هو قوله: {ما أصاب من مصيبة... إلا في كتاب} ثم يعلم أن المسرات كذلك بطريق الاكتفاء فإن من المسرات ما يحصل للمرء عن غير ترقب وهو أوقع في المسرة كَمُل أدبه بطريق المقابلة.
والفرح المنفي هو الشديد منه البالغ حدّ البطر، كما قال تعالى في قصة قارون {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} [القصص: 76]. وقد فسره التذييل من قوله: {والله لا يحب كل محتال فخور}.
والمعنى: أخبرتكم بذلك لتكونوا حكماء بُصراء فتعلموا أن لجميع ذلك أسباباً وعللاً، وأن للعالم نظاماً مرتبطاً بعضه ببعض، وأن الآثار حاصلة عقب مؤثراتها لا محالة، وإن إفضاءها إليها بعضه خارججِ عن طوق البشر ومتجاوز حد معالجته ومحاولتِه، وفعل الفوات مشعر بأن الفائتَ قد سعى المفوتُ عليه في تحصيله ثم غُلب على نواله بخروجه عن مِكنته، فإذا رسخ ذلك في علم أحد لم يحزن على ما فاته مما لا يستطيع دفعه ولم يغفل عن ترقب زوال ما يسره إذا كان مما يسره، ومن لم يتخلق بخلُق الإسلام يتخبط في الجوع إذا أصابه مصاب ويُستطار خُيلاء وتطاولاً إذا ناله أمر محبوب فيخرج عن الحكمة في الحالين.
والمقصود من هذا التنبيهُ على أن المفرحات صائرة إلى زوال وأن زوالها مصيبة.
واعلم أن هذا مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند نوال الرغيبة.
وصلة الموصول في {بما آتاكم} مشعرة بأنه نعمة نافعة، وفيه تنبيه على أن مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند انهيال الرغيبة، هو أن لا يحزن على ما فات ولا يبطر بما ناله من خيرات، وليس معنى ذلك أن يترك السعي لنوال الخير واتقاء الشر قائلاً: إن الله كتب الأمور كلها في الأزل، لأن هذا إقدام على إفساد ما فَطر عليه الناس وأقام عليه نظام العالم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للذين قالوا أفلا نَتَّكِل «اعمَلوا فكل ميسَّر لما خُلق له»
وقوله: {والله لا يحب كل مختال فخور} تحذير من الفرح الواقع في سياق تعليل الأخبار بأن كل ما ينال المرءَ ثابت في كتاب، وفيه بيان للمراد من الفرح أنه الفرح المفرط البالغ بصاحبه إلى الاختيال والفخر.
والمعنى: والله لا يحب أحداً مختالاً وفخوراً ولا تتوهمْ أن موقع (كل) بعد النفي يفيد النفي عن المجموع لا عن كل فرد لأن ذلك ليس مما يقصُده أهل اللسان، ووقع للشيخ عبد القاهر ومتابعيه توعم فيه، وقد تقدم عند قوله تعالى: {والله لا يحب كل كفار أثيم} في سورة البقرة (276) ونبهت عليه في تعليقي على دلائل الإِعجاز.
وقرأ الجمهور آتاكم} بمدّ بعد الهمزة مُحول عن همزة ثانية هي فاء الكلمة، أي ما جعله آتياً لكم، أي حاصلاً عندكم، فالهمزة الأولى للتعدية إلى مفعول ثان، والتقدير: بما آتاكموه. والإِتيان هنا أصله مجاز وغلب استعماله حتى ساوَى الحقيقة، وعلى هذه القراءة فعائد الموصول محذوف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل، والتقدير: بما آتاكموه، وفيه إدماج المنة مع الموعظة تذكيراً بأن الخيرات من فضل الله. وقرأه أبو عمرو وَحدَه بهمزة واحدة على أنه من (أتى)، إذا حَصل، فعائد الموصول هو الضمير المستتر المرفوع ب (آتى)، وفي هذه القراءة مقابلة {آتاكم} ب (فاتكم) وهو محسن الطباق ففي كلتا القراءتين محسّن.
{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)}
يجوز أن يكون {الذين يبخلون} ابتداء كلام على الاستئناف لأن الكلام الذي قبله ختم بالتذييل بقوله: {والله لا يحب كل مختال فخور} [الحديد: 23] فيكون {الذين يبخلون} مبتدأ وخبره محذوفاً يدل عليه جواب الشرط وهو {فإن الله هو الغني الحميد}. والتقدير: فإن الله غني عنهم وحامد للمنفقين.
ويجوز أن يكون متصلاً بما قبله على طريقة التخلص فيكون {الذين يبخلون} بدلاً من {كل مختال فخور}، أو خبراً لِمبتدأ محذوف هو ضمير {كل مختال فخور}. تقديره: هم الذين يبخلون، وعلى هذا الاحتمال الأخير فهو من حذف المسند إليه اتّباعا للاستعمال كما سماه السكاكي، وفيه وجوه آخر لا نطوِّل بها.
والمراد ب {الذين يبخلون}: المنافقون، وقد وصفهم الله بمثل هذه الصلة في سورة النساء، وأمرهم الناس بالبخل هو الذي حكاه الله عنهم بقوله: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} [المنافقون: 7]، أي على المؤمنين.
وجملة {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} تذييل لأن {من يتولّ} يعم {الذين يبخلون} وغيرهم فإنّ {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} أي في سبيل الله وفي النفقات الواجبه قد تولوا عن أمر الله و(مَن) شرطية عامة.
وجملة {فإن الله هو الغني الحميد} قائمة مقام جواب الشرط لأن مضمونها علة للجواب، فالتقدير: ومن يتولّ فلا يضر الله شيئاً ولا يضر الفقير لأن الله غني عن مال المتولّين، ولأن له عباداً يطيعون أمره فيحمدهم.
والغنيّ: الموصوف بالغنى، أي عدم الاحتياج. ولما لم يذكر له متعلق كان مفيداً الغنى العام.
والحميد: وصف مبالغة، أي كثير الحمد للمنفقين على نحو قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] الآية.
ووصفه ب {الحميد} هنا نظير وصفه ب«الشكور» وفي قوله: {إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم} [التغابن: 17]، فإن اسمه {الحميد} صالح لمعنى المحمود فيكون فعيلاً بمعنى مفعول، وصالح لمعنى كثير الحمد، فيكون من أمثلة المبالغة لأن الله يثيب على فعل الخير ثواباً جزيلاً ويُثني على فاعله ثناء جميلاً فكان بذلك كثير الحمد. وقد حمله على كلا المعنيين ابن يَرَّجَان الأشبيلي في «شرحه لأسماء الله الحسنى» ووافقه كلام ابن العربي في «أحكام القرآن» في سورة الأعراف، وهو الحق. وقصره الغزالي في «المقصد الأسنى» على معنى «المحمود».
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر {فإن الله الغني الحميد} بدون ضمير فصل، وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام. وقرأه الباقون {فإن الله هو الغني الحميد} بضمير فصل بعد اسم الجلالة وكذلك هو مرسوم في مصاحف مكة والبصرة والكوفة، فهما روايتان متواترتان.
والجملة مفيدة للقصر بدون ضمير فصل لأن تعريف المسند إليه والمسند من طرق القصر، فالقراءة بضمير الفصل تفيد تأكيد القصر.
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)}
استئناف ابتدائي ناشئ عما تقدم من التحريض على الإِنفاق في سبيل الله وعن ذكر الفتح وعن تذييل ذلك بقوله: {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} [الحديد: 24]، وهو إعذار للمتولين من المنافقين ليتداركوا صلاحهم باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتدبر في هدي القرآن وإنذار لهم إن يرعووا وينصاعوا إلى الحجة الساطعة بأنه يكون تقويم عوجهم بالسيوف القاطعة وهو ما صرح لهم به في قوله في سورة [الأحزاب: 60، 61] {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً} وقوله في سورة [التحريم: 9] {يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} لئلا يحسبوا أن قوله: {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} [الحديد: 24] مجرد متاركة فيطمئنوا لذلك.
وتأكيد الخبر بلام القسم وحرف التحقيق راجع إلى ما تضمنه الخبر من ذكر ما في إرسال رسل الله وكتبه من إقامة القسط للناس، ومن التعريض بحمل المعرضين على السيف إن استمروا على غلوائهم.
وجمع (الرسل) هنا لإِفادة أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل، وأن مكابرة المنافقين عماية عن سنة الله في خلقه فتأكيد ذلك مبني على تنزيل السامعين منزلة من ينكر أن الله أرسل رسلاً قبل محمد صلى الله عليه وسلم لأن حالهم في التعجب من دعواه الرسالة كحال من ينكر أن الله أرسل رسلاً من قبل. وقد تكرر مثل هذا في مواضع من القرآن كقوله تعالى: {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} [آل عمران: 183].
والبينات: الحجج الدالّة على أن ما يدعون إليه هو مراد الله، والمعجزات داخلة في البينات.
وتعريف {الكتاب} تعريف الجنس، أي وأنزلنا معهم كتباً، أي مثل القرآن.
وإنزال الكتاب: تبليغ بواسطة المَلك من السماء، وإنزال الميزان: تبليغ الأمر بالعدل بين الناس.
والميزان: مستعار للعدل بين الناس في إعطاء حقوقهم لأن مما يقتضيه الميزان وجود طرفين يراد معرفة تكافئهما، قال تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء: 58]. وهذا الميزان تبيّنه كُتب الرسل، فذكره بخصوصه للاهتمام بأمره لأنه وسيلة انتظام أمور البشر كقوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء: 105] وليس المراد أن الله ألهمهم وضع آلات الوزن لأن هذا ليس من المهم، وهو مما يشمله معنى العدل فلا حاجة إلى التنبيه عليه بخصوصه.
ويتعلق قوله: {ليقوم الناس بالقسط} بقوله: {وأنزلنا معهم}.
والقيام: مجاز في صلاح الأحوال واستقامتها لأنه سبب لتيسير العمل وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: {ويقيمون الصلاة} في أوائل [البقرة: 3].
والقسط: العدل في جميع الأمور، فهو أعم من الميزان المذكور لاختصاصه بالعدل بين متنازعين، وأما القسط فهو إجراء أمور الناس على ما يقتضيه الحق فهو عدل عام بحيث يقدر صاحب الحق منازعاً لمن قد احتوى على حقه.
ولفظ القسط مأخوذ في العربية من لفظ قسطاس اسم العدل بلغة الرُّوم، فهو من المعرّب وروي ذلك عن مجاهد.
والباء للملابسة، أي يكون أمر الناس ملابساً للعدل ومماشياً للحق، وإنزال الحديد: مستعار لخلق معدنه كقوله: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} [الزمر: 6]، أي خلق لأجلكم وذلك بإلهام البشر استعماله في السلاح من سيوف ودروع ورماح ونبال وخُوذ وَدَرَق ومَجَانّ. ويجوز أن يراد بالحديد خصوص السلاح المتخذ منه من سيوف وأسنة ونبال، فيكون إنزاله مستعاراً لمجرد إلهام صنعه، فعلى الوجه الأول يكون ضمير {فيه بأس شديد} عائداً إلى الحديد باعتبار إعداده للبأس فكأن البأس مظروف فيه.
والبأس: الضر. والمراد بأس القتل والجرح بآلات الحديد من سيوف ورماح ونبال، وبأسُ جُرأة الناس على إيصال الضر بالغير بواسطة الواقيات المتخذة من الحديد.
والمنافع: منافع الغالب بالحديد من غنائم وأسرى وفتح بلاد.
ويتعلق قوله: {للناس} بكلَ من {بأس} و{منافع} على طريقة التنازع، أي فيه بأس لِنَاس ومنافع لآخرين فإن مصائب قوم عند قوم فوائد.
والمقصود من هذا لفت بصائر السامعين إلى الاعتبار بحكمة الله تعالى من خَلق الحديد وإلهاممِ صنعه، والتنبيه على أن ما فيه من نفع وبأس إنما أريد به أن يوضع بأسه حيث يستحق ويوضع نفعه حيث يليق به لا لتجعل منافعه لمن لا يستحقها مثل قطّاع الطريق والثوار على أهل العدل، ولتجهيز الجيوش لحماية الأوطان من أهل العدوان، وللادخار في البيوت لدفع الضاريات والعاديات على الحُرم والأموال.
وكان الحكيم (انتيثنوس) اليوناني تلميذ سقراط إذا رأى امرأة حالية متزينة في أثينا يذهب إلى بيت زوجها ويسأله أن يريه فرسه وسلاحه فإذا رآهما كاملين أذن لامرأته أن تتزين لأن زوجها قادر على حمايتها من داعرٍ يغتصبها، وإلا أمرها بترك الزينة وترك الحلي.
وهذا من باب سد الذريعة، لا ليجعل بأسه لإِخضاد شوكة العدل وإرغام الآمرين بالمعروف على السكوت، فإن ذلك تحريف لما أراد الله من وضع الأشياء النافعة والقارة، قال تعالى: {والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205]، وقال على لسان أحد رسله {إن أُريد إلاّ الإصلاح ما استطعت} [هود: 88].
وقد أومَا إلى هذا المعنى بالإِجمال قوله: {وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب}، أي ليظهر للناس أثر علم الله بمن ينصره، فأطلق فعل {ليعلم} على معنى ظُهور أثر العلم كقول إياس بن قبيصة الطائي:
وأقبلتُ والخطيُّ يخطر بيننا *** لأَعْلَمَ مَن جَبانُها من شُجاعها
أي ليظهر للناس الجبان والشجاع، أي فيعلموا أني شجاعهم.
ونصرُ الناس الله هو نصرهم دينه، وأما الله فغني عن النصر، وعطف {ورسله}، أي من ينصر القائمين بدينه، ويدخل فيه نصر شرائع الرسول صلى الله عليه وسلم بعده ونصر ولاة أمور المسلمين القائمين بالحق.
وأعظم رجل نصر دين الله بعد وفاة رسوله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق في قتاله أهل الردة رضي الله عنه.
وقوله: {بالغيب} يتعلق ب {ينصره}، أي ينصره نصراً يدفعه إليه داعي نفسه دون خشية داع يدعوه إليه، أو رقيب يرقب صنيعه والمعنى: أنه يجاهد في سبيل الله والدفاع عن الدين بمحض الإِخلاص.
وقد تقدم ذكر الحديد ومعدنه وصناعته في تفسير قوله تعالى: {آتوني زبر الحديد} في سورة [الكهف: 96].
وجملة إن الله قوي عزيز} تعليل لجملة {أرسلنا رسلنا بالبينات} إلى آخرها، أي لأن الله قوي عزيز في شؤونه القدسية، فكذلك يجب أن تكون رسله أقوياء أعزة، وأن تكون كتبه معظمة موقرة، وإنما يحصل ذلك في هذا العالم المنوطة أحداثه بالأسباب المجعولة بأن ينصره الرسل وأقوام مخلصون لله ويُعينوا على نشر دينه وشرائعه.
والقوي العزيز: من أسمائه تعالى. فالقوي: المتصف بالقوة، قال تعالى: {ذو القوة المتين} [الذاريات: 58] وتقدم القوي في قوله: {إن الله قوي شديد العقاب} [الأنفال: 52].
والعزيز: المتصف بالعزة، وتقدمت في قوله: {إن العزة لله جميعاً} في سورة يونس وقوله: {فاعلموا أن الله عزيز حكيم} [البقرة: 209].
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26)}
معطوف على جملة {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} [الحديد: 25] عطف الخاص على العام لما أريد تفصيل لإِجماله تفصيلاً يسجل به انحراف المشركين من العرب والضالّين من اليهود عن مناهج أبويهما: نوح وإبراهيم، قال تعالى في شأن بني إسرائيل {ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً} [الإسراء: 3]، والعرب لا ينسون أنهم من ذرية نوح كما قال النابغة يمدح النعمان بن المنذر:
فألفيت الأمانةَ لم تخنْها *** كذلك كان نوح لا يخون
والنبوءة في ذريتهما كنبوءة هود وصالح وتُبّع ونبوءة إسماعيل وإسحاق وشعيب ويعقوب.
والمراد ب {الكتاب} ما كان بيد ذرية نوح وذرية إبراهيم من الكتب التي فيها أصول ديانتهم من صحف إبراهيم وما حفظوه من وصاياه ووصايا إسماعيل وإسحاق.
والفسق: الخروج عن الاهتداء، ومن الفاسقين: المشركون من عاد وثمود وقوم لوط واليمن والأوس والخزرج وهم من ذرية نوح، ومن مدين والحجاز وتهامة وهم من ذرية إبراهيم.
والمراد: مَنْ أشركوا قبل مجيء الإسلام لقوله: {ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم} [الحديد: 27].
{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)}
{ثم} للتراخي الترتبي لأن بعثه رسل الله الذين جاءوا بعد نوح وإبراهيم ومن سَبق من ذريتهما أعظمُ مما كان لدى ذرية إبراهيم قبل إرسال الرسل الذين قفّى الله بهم، إذ أرسلوا إلى أمم كثيرة مثل عاد وثمود وبني إسرائيل وفيهم شريعة عظيمة وهي شريعة التوراة.
والتقفية: إتْباع الرسول برسول آخر، مشتقة من القَفا لأنه يأتي بعده فكأنه يمشي عن جهة قفاه، وقد تقدم في قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل} في سورة [البقرة: 87].
والآثار: جمع الأثر، وهو ما يتركه السائر من مواقع رجليه في الأرض، قال تعالى: {فارتدا على آثارهما قصصاً} [الكهف: 64].
وضمير الجمع في قوله: {على آثارهم} عائد إلى نوح وإبراهيم وذريتهما الذين كانت فيهم النبوءة والكتاب، فأما الذين كانت فيهم النبوءة فكثيرون، وأما الذين كان فيهم الكتاب فمثل بني إسرائيل.
و (على) للاستعلاء. وأصل (قفى على أثره) يدل على قرب ما بين الماشِيين، أي حضر الماشي الثاني قبل أن يزول أثر الماشي الأول، وشاع ذلك حتى صار قولهم: على أثره، بمعنى بعده بقليل أو متصلاً شأنه بشأن سابقه، وهذا تعريف للأمة بأن الله أرسل رسلاً كثيرين على وجه الإجمال وهو تمهيد للمقصود من ذكر الرسول الأخير الذي جاء قبل الإسلام وهو عيسى عليه السلام.
وفي إعادة فعل {قفينا} وعدم إعادة {على آثارهم} إشارة إلى بُعد المدة بين آخر رسل إسرائيل وبين عيسى فإن آخر رسل إسرائيل كان يونس بن متَّى أرسل إلى أهل نَيْنَوى أول القرن الثامن قبل المسيح فلذلك لم يكن عيسى مرسلاً على آثار من قبله من الرسل.
والإنجيل: هو الوحي الذي أنزله الله على عيسى وكتَبه الحواريون في أثناء ذكر سيرته.
والإِنجيل: بكسر الهمزة وفتحها معرّب تقدم بيانه أول سورة آل عمران. ومعنى جَعْل الرأفة والرحمة في قلوب الذين اتّبعوه أن تعاليم الإنجيل الذي آتاه الله عيسى أمرتهم بالتخلق بالرأفة والرحمة فعملوا بها، أو إن ارتياضهم بسيرة عيسى عليه السلام أرسخَ ذلك في قلوبهم وذلك بجعل الله تعالى لأنه أمرهم به ويسّره عليهم.
ذلك أن عيسى بُعث لتهذيب نفوس اليهود واقتلاع القسوة من قلوبهم التي تخلقوا بها في أجيال طويلة قال تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} في سورة [البقرة: 74].
والرأفة: الرحمة المتعلقة بدفع الأذى والضرّ فهي رحمة خاصة، وتقدمت في قوله تعالى: {إن الله بالناس لرؤوف رحيم} في سورة [البقرة: 143] وفي قوله: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} في سورة [النور: 2].
والرحمة: العطف والملاينة، وتقدمت في أول سورة الفاتحة.
فعطف الرحمة على الرأفة من عطف العام على الخاص لاستيعاب أنواعه بعد أن اهتم ببعضها.
والرهبانية: اسم للحالة التي يكون الراهب متصفاً بها في غالب شؤون دينه، والياء فيها ياء النسبة إلى الراهب على غير قياس لأن قياس النسب إلى الراهب الراهبية، والنون فيها مزيدة للمبالغة في النسبة كما زيدت في قولهم: شَعْراني، لكثير الشعر، ولحياني لعظيم اللحية، ورُوحاني، ونَصراني.
وجعل في الكشاف} النون جائية من وصف رُهبان مثل نون خشيان من خشي والمبالغة هي هي، إلا أنها مبالغة في الوصف لا في شدة النسبة.
والهاء هاء تأنيث بتأويل الاسم بالحالة وجعل في «الكشاف» الهاء للمرة.
وأما اسم الراهب الذي نسبت إليه الرهبانية فهو وصف عومل معاملة الاسم، وهو العابد من النصارى المنقطع للعبادة، وهو وصف مشتق من الرهَب: أي الخوف لأنه شديد الخوف من غضب الله تعالى أو من مخالفة دين النصرانية. ويلزم هذه الحالة في عرف النصارى العزلة عن الناس تجنباً لما يشغل عن العبادة وذلك بسكنى الصوامع والأديرة وترك التزوج تجنباً للشواغل، وربما أوجبت بعض طوائف الرهبان على الراهب تَرك التزوج غلوا في الدين.
وجعل في «الكشاف»: الرهبانية مشتقة من الرهب، أي الخوف من الجبابرة، أي الذين لم يؤمنوا بعيسى عليه السلام من اليهود، وأن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعيسى فقاتلوهم ثلاث مرات فَقُتِلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتنوا في دينهم فاختاروا الرهبانية وهي ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين اه.
وأول ما ظهر اضطهاد أتباع المسيح في بلاد اليهودية، فلما تفرق أتباع المسيح وأتباعهم في البلدان ناواهم أهل الإِشراك والوثنية من الروم حيث حلّوا من البلاد التابعة لهم فحدثت فيهم أحوال من التقية هي التي دعاها صاحب «الكشاف» بمقاتلة الجبابرة.
فالراهب يمتنع من التزوج خيفة أن تشغله زوجه عن عبادته، ويمتنع من مخالطة الأصحاب خشية أن يلهوه عن العبادة، ويترك لذائذ المآكل والملابس خشية أن يقع في اكتساب المال الحرام، ولأنهم أرادوا التشبه بعيسى عليه السلام في الزهد في الدنيا وترك التزوج، فلذلك قال الله تعالى: {ابتدعوها}، أي أحدثوها فإن الابتداع الإِتيان بالبدعة والبِدَععِ وهو ما لم يكن معروفاً، أي أحدثوها بعد رسولهم فإن البدعة ما كان محدثاً بعد صاحب الشريعة.
ونصب {رهبانية} على طريقة الاشتغال. والتقدير: وابتدعوا رهبانية وليس معطوفاً على {رأفة ورحمة} لأن هذه الرهبانية لم تكن مما شرع الله لهم فلا يستقيم كونها مفعولاً ل {جعلنا}، ولأن الرهبانية عمل لا يتعلق بالقلوب وفعل {جعلنا} مقيد ب {في قلوب الذين اتبعوه} فتكون مفعولاته مقيدة بذلك، إلا أن يتأول جعلها في القلوب بجعل حبها كقوله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93].
وعلى اختيار هذا الإعراب مَضى المحققون مثل أبي علي الفارسي والزجاج والزمخشري والقرطبي. وجوز الزمخشري أن يكون عطفاً على {رأفة ورحمة}.
واتهم ابن عطية هذا الإعراب بأنه إعراب المعتزلة فقال: «والمعتزلة تعرب {رهبانية} أنها نصب بإضمار فعل يفسره {ابتدعوها} ويذهبون في ذلك إلى أن الإِنسان يخلق أفعاله فيعربون الآية على هذا» اه. وليس في هذا الإِعراب حجة لهم ولا في إبطاله نفع لمخالفتهم كما علمت.
وإنما عطفت هذه الجملة على جملة {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه} لاشتراك مضمون الجملتين في أنه من الفضائل المراد بها رضوان الله.
والمعنى: وابتدعوا لأنفسهم رهبانية ما شرعناها لهم ولكنهم ابتغوا بها رضوان الله فقبلها الله منهم لأن سياق حكاية ذلك عنهم يقتضي الثناء عليهم في أحوالهم.
وضمير الرفع من ابتدعوها عائد إلى الذين اتبعوا عيسى. والمعنى: أنهم ابتدعوا العمل بها فلا يلزم أن يكون جميعهم اخترع أسلوب الرهبانية ولكن قد يكون بعضهم سنها وتابَعَه بقيتهم.
والذين اتبعوه صادق على من أخذوا بالنصرانية كلهم، وأعظم مراتبهم هم الذين اهتدوا بسيرته اهتداء كاملاً وانقطعوا لها وهم القائمون بالعبَادة.
والإِتيان بالموصول وصلته إشعار بأن جعل الرأفة والرحمة في قلوبهم متسبب عن اتباعهم سيرته وانقطاعهم إليه.
وجملة {ما كتبناها عليهم} مبينة لجملة {ابتدعوها}، وقوله: {إلا ابتغاء رضوان الله} احتراس، ومجموع الجمل الثلاث استطراد واعتراض.
والاستثناء بقوله: {إلا ابتغاء رضوان الله} معترض بين جملة {ما كتبناها عليهم} وجملة {فما رَعَوْها}.
وهو استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع يشمله حكم العامل في المستثنى منه وإن لم يشمله لفظ المستثنى منه فإن معنى كونه منقطعاً أنه منقطع عن مدلول الاسم الذي قبله، وليس منقطعاً عن عامله، فالاستثناء يقتضي أن يكون ابتغاء رضوان الله معمولاً في المعنى لفعل {كتبناها} فالمعنى: لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، أي أن يبتغوا رضوان الله بكل عمل لا خصوص الرهبانية التي ابتدعوها، أي أن الله لم يكلفهم بها بعينها.
وقوله: {إلا ابتغاء رضوان الله} يجوز أن يكون نفياً لتكليف الله بها ولو في عموم ما يشملها، أي ليست مما يشمله الأمر برضوان الله تعالى وهم ظنوا أنهم يرضون الله بها. ويجوز أن يكون نفياً لبعض أحوال كتابة التكاليف عليهم وهي كتابة الأمر بها بعينها فتكون الرهبانية مما يبتغَى به رضوان الله، أي كتبوها على أنفسهم تحقيقاً لما فيه رضوان الله، فيكون كقوله تعالى: {إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} [آل عمران: 93]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " شَدّدوا فشدّد الله عليهم " في قصة ذبح البقرة. وهذا هو الظاهر من الآية.
وانتصب {إِلاَّ} على المفعول به لفعل {مَا}، ولك أن تجعله مفعولاً لأجله بتقدير فعل محذوف بعد حرف الاستثناء، أي لكنهم ابتدعوها لابتغاء رضوان الله.
وفي الآية على أظهر الاحتمالين إشارة إلى مشروعية تحقيق المناط وهو إثبات العلة في آحاد جزئياتها وإثباتُ القاعدة الشرعية في صورها.
وفيها حجة لانقسام البدعة إلى محمودة ومذمومة بحسب اندراجها تحت نوع من أنواع المشروعية فتعْتريها الأحكام الخمسة كما حققه الشهاب القرافي وحذاق العلماء. وأما الذين حاولوا حصرها في الذم فلم يجدوا مصرفاً. وقد قال عمر لما جمع الناس على قارئ واحد في قيام رمضان «نعمت البدعة هذه».
وقد قيل: إنهم ابتدعوا الرهبانية للانقطاع عن جماعات الشرك من اليونان والروم وعن بطش اليهود، وظاهر أن ذلك طلب لرضوان الله كما حكى الله عن أصحاب الكهف {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف} [الكهف: 16].
وفي الحديث: " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتتبع بها شَعَف الجبال ومواقعَ القَطر يَفرّ بدينه من الفِتَن "، وعليه فيكون تركهم التزوج عارضاً اقتضاه الانقطاع عن المدن والجماعات فظنه الذين جاءوا من بعدهم أصلاً من أصول الرهبانية.
وأما ترك المسيح التزوج فلعله لعارض آخر أمره الله به لأجله، وليس ترك التزوج من شؤون النبوءة فقد كان لجميع الأنبياء أزواج قال تعالى: {وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} [الرعد: 38.]
وقيل: إن ابتداعهم الرهبانية بأنهم نذروها لله وكان الانقطاع عن اللذائذ وإعناتُ النفس من وجوه التقرب في بعض الشرائع الماضية بقيت إلى أن أبطلها الإسلام في حديث النذر في «الموطأ» «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس صامتاً فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يتكلم ولا يستظل وأن يصوم يومه فقال: مُروه فليتكلمْ وليستظل وليُتِمَّ صومه إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغني». وقد مضى في سورة [مريم: 26] قوله تعالى: {فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً ولا تنافي بين القولين لأن أسباب الرهبانية قد تتعدد باختلاف الأديان.} وقد فُرع على قوله: {ابتدعوها} و{ما كتبناها عليهم} وما بعده قوله: {فما رعوها حق رعايتها} أي فترتب على التزامهم الرهبانية أنهم، أي الملتزِمين للرهبانية ما رعوها حق رعايتها. وظاهر الآية أن جميعهم قصروا تقصيراً متفاوتاً، قصروا في أداء حقها، وفيه إشعار بأن ما يكتبه الله على العباد من التكاليف لا يشق على الناس العمل به.
والرعي: الحفظ، أي ما حفظوها حق حفظها، واستعير الحفظ لاستيفاء ما تقتضيه ماهية الفعل، فالرهبانية تحوم حول الإِعراض عن اللذائذ الزائلة وإلى التعود بالصبر على ترك المحبوبات لئلا يشغله اللهو بها عن العبادة والنظرِ في آيات الله، فإذا وقع التقصير في التزامها في بعض الأزمان أو التفريط في بعض الأنواع فقد انتفى حق حفظها.
و {حق رعايتها} من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي رعايتها الحق.
وحق الشيء: هو وقوعه على أكمل أحوال نوعه، وهو منصوب على المفعول المطلق المبين للنوع.
والمعنى: ما حفظوا شؤون الرهبانية حفظاً كاملاً فمصبّ النفي هو القيد بوصف {حق رعايتها}.
وهذا الانتفاء له مراتب كثيرة، والكلام مسوق مساق اللوم على تقصيرهم فيما التزموه أو نذروه، وذلك تقهقر عن مراتب الكمال وإنما ينبغي للمتقي أن يكون مزداداً من الكمال.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم «أحب الدين إلى الله أدْوَمه». وقوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} تفريع على جملة {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه} إلى آخره وما بينهما استطراد.
والمراد ب {الذين آمنوا} المتصفون بالإِيمان المصطلح عليه في القرآن، وهو توحيد الله تعالى والإِيمانُ برسله في كل زمان، أي فآتينا الذين آمنوا من الذين اتبعوه أجرهم، أي الذين لم يخلطوا متابعتهم إياه بما يفسدها مثل الذين اعتقدوا إلهية عيسى عليه السلام أو بنوتَه لله، ونحوهم من النصارى الذين أدخلوا في الدين ما هو مناقض لقواعده وهم كثير من النصارى كما قال: {وكثير منهم فاسقون}.
والمراد بالفسق: الكفر وهذا ثناء على المؤمنين الصادقين ممن مضوا من النصارى قبل البعثة المحمدية وبلوغ دعوتها إلى النصارى، وادعاؤهم أنهم أتباع المسيح باطل لأنهم ما اتبعوه إلا في الصورة والذين أفسدوا إيمانهم بنقض حصوله هم المراد بقوله تعالى: {وكثير منهم فاسقون}، أي وكثير من الذين التزموا دينه خارجون عن الإِيمان، فالمراد بالفسق ما يشمل الكفر وما دونه مثل الذين بدلوا الكتاب واستخفوا بشرائعه كما قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} [التوبة: 34].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)}
الغالب في القرآن أن الذين آمنوا لقب للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ولكن لما وقع {يا أيها الذين آمنوا} هنا عقب قوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} [الحديد: 27]، أي من الذين اتبعوا عيسى عليه السلام، احتمل قوله: {يا أيها الذين آمنوا} أن يكون مستعملاً استعماله اللَّقبي أعني: كونه كالعلَم بالغلبة على مؤمني ملّة الإسلام. واحتمل أن يكون قد استُعمل استعمالَه اللُّغوي الأعَمَّ، أعني: من حصل منه إيمان، وهو هنا من آمن بعيسى. والأظهر أن هذين الاحتمالين مقصودَاننِ ليأخذ خُلص النصارى من هذا الكلام حظهم وهو دعوتهم إلى الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ليستكملوا ما سبق من اتباعهم عيسى فيكون الخطاب موجهاً إلى الموجودين ممن آمنوا بعيسى، أي يا أيها الذين آمنوا إيماناً خالصاً بشريعة عيسى اتقوا الله واخشَوْا عقابه واتركوا العصبية والحسد وسوء النظر وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم
وأما احتمال أن يراد بالذين آمنوا الإِطلاق اللقبي فيأخذَ منه المؤمنون من أهل الملة الإِسلامية بشارةً بأنهم لا يقلّ أجرهم عن أجر مؤمني أهل الكتاب لأنهم لما آمنوا بالرسل السابقين أعطاهم الله أجر مؤمني أهل مِللهم، ويكون قوله: {وآمنوا} مستعملاً في الدوام على الإِيمان كقوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} في سورة [النساء: 136]، ويكون إقحام الأمر بالتقوى في هذا الاحتماللِ قصداً لأن يحصل في الكلام أمر بشيء يتجدد ثم يُردفَ عليه أمر يفهم منه أن المراد به طلب الدوام وهذا من بديع نظم القرآن.
ومعنى إيتاء المؤمنين من أهل ملة الإسلام كفلين من الأجر: أن لهم مثل أجرَي من آمن من أهل الكتاب. ويشرح هذا حديث أبي موسى الأشعري عن النبي في صحيح البخاري} الذي فيه «مثل المسلمين واليهود والنصار كمثَل رجل استأجر أَجراء يعملون له، فعملت اليهود إلى نصف النهار، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر على قيراط، ثم عمل المسلمون من العصر إلى الغروب على قيراطين، قال فيه: واستكمَلُوا أجر الفريقين كليهما» أي استكملوا مثل أجر الفريقين، أي أخذوا ضعف كل فريق.
وتقوى الله تتعلق بالأعمال وبالاعتقاد، وبعلم الشريعة (وقد استدل أصحابنا على وجوب الاجتهاد للمتأهل إليه بقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16].
وقوله: {اتقوا الله} أمر لهم بما هو وسيلة ومقدمة للمقصود وهو الأمر بقوله: {وآمنوا برسوله}.
ورتب على هذا الأمر ما هو جواب شرط محذوف وهو جملة {يؤتكم كفلين} الخ المجزوم في جواب الأمر، أي يؤتكم جزاءً في الآخرة وجزاء في الدنيا فجزاء الآخرة قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} وقوله: {ويغفر لكم}، وجزاء الدنيا قوله: {ويجعل لكم نوراً تمشون به}.
والكِفل: بكسر الكاف وسكون الفاء: النصيب.
وأصله: الأجر المضاعف، وهو معرب من الحبشية كما قاله أبو موسى الأشعري، أي يؤتكم أجرين عظيمين، وكل أجر منهما هو ضِعف الآخر مماثل له فلذلك ثُني كفلين كما يقال: زوج، لأحد المتقاربين، وهذا مثل قوله تعالى: {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} [الأحزاب: 68] وقوله: {يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30]. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يوتَوْن أجورهم مرتيْن: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيئه وآمن بي، واتبعني، وصدقني فله أجران» الحديث.
ويتعلق {من رحمته} ب {يؤتكم}، و(من) ابتدائية مجازياً، أي ذلك من رحمة الله بكم، وهذا في جانب النصارى معناه لإِيمانهم بمحمد وإيمانهم بعيسى، أي من فضل الله وإكرامه وإلا فإن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجب عليهم كإيمانهم بعيسى وهو متمم للإِيمان بعيسى وإنما ضوعف أجرهم لما في النفوس من التعلق بما تدين به فيعسر عليها تركه، وأما في جانب المسلمين فهو إكرام لهم لئلا يفوقهم بعض من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من النصارى.
ويجوز أن يكون {من رحمته} صفةً ل {كفلين} وتكون (من) بيانية، والكلام على حذف مضاف، تقديره: من أثر رحمته، وهو ثواب الجنة ونعيمها.
وقوله: {ويجعل لكم نوراً تمشون به} تمثيل لحالة القوم الطالبين التحصيل على رضى الله تعالى والفوز بالنعيم الخائفين من الوقوع في ضد ذلك بحالة قوم يمشون في طريق بليل يخشون الخطأ فيه فيعطون نوراً يتبصرون بالثنايا فيأمنون الضلال فيه. والمعنى: ويجعل لكم حالة كحالة نور تمشون به، والباء للاستعانة مثل: كتبت بالقلم.
والمعنى: ويُيسّر لكم دلالة تهتدون بها إلى الحق.
وجميع أجزاء هذا التمثيل صالحة لتكون استعارات مفردة، وهذا أبلغ أحوال التمثيل، وقد عرف في القرآن تشبيه الهدى بالنور، والضلال بالظلمة، والبرهان بالطريق، وإعماللِ النظر بالمشي، وشاع ذلك بعد القرآن في كلام أدباء العربية.
والمغفرة: جزاء على امتثالهم ما أمروا به، أي يغفر لكم ما فرط منكم من الكفر والضلال.
{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)}
اسم {أهل الكتاب} لقب في القرآن لليهود والنصارى الذين لم يتديّنوا بالإِسلام لأن المراد بالكتاب التوراة والإِنجيل إذا أضيف إليه (أهل)، فلا يطلق على المسلمين: أهل الكتاب، وإن كان لهم كتاب، فمن صار مسلماً من اليهود والنصارى لا يوصف بأنه من أهل الكتاب في اصطلاح القرآن، ولذلك لما وصف عبد الله بن سلام في القرآن وصف بقوله: {ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] وقوله: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10]، فلما كان المتحدث عنهم آنفاً صاروا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد انسلخ عنهم وصف أهل الكتاب، فبقي الوصف بذلك خاصاً باليهود والنصارى، فلما دعا الله الذين اتبعوا المسيح إلى الإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ووعدهم بمضاعفة ثواب ذلك الإِيمان، أعلمهم أن إيمانهم يُبطل ما ينتحلُه أتباع المسيحية بعد ذلك من الفضل والشرف لأنفسهم بدوامهم على متابعة عيسى عليه السلام فيغالطوا الناس بأنهم إن فاتهم فضل الإِسلام لم يفتهم شيء من الفضل باتباع عيسى مع كونهم لم يغيروا دينهم.
وقد أفاد هذا المعنى قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله}.
قال الفخر: قال الواحدي: هذه آية مشكلة وليس للمفسرين كلام واضح في اتصالها بما قبلها اه أي هل هي متصلة بقوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] الآية، أو متصلة {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} إلى قوله: {والله ذو الفضل غفور رحيم} [الحديد: 27، 28]. يريد الواحدي أن اتصال الآية بما قبلها ينبني عليه معنى قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله}.
فاللام في قوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب} يحتمل أن تكون تعليلية فيكون ما بعدها معلولاً بما قبلها، وعليه فحرف (لا) يجوز أن يكون زائداً للتأكيد والتقوية.
والمعلَّل هو ما يرجع إلى فضل الله لا محالة وذلك ما تضمنه قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم} أو قوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم إلى غفور رحيم} [الحديد: 27، 28].
وذهب جمهور المفسرين إلى جعل (لا) زائدة. وأن المعنى على الإِثبات، أي لأن يعلم، وهو قول ابن عباس وقرأ {ليعلم}، وقرأ أيضاً {لكي يعلم} (وقراءته تفسير). وهذا قول الفرّاء والأخفش، ودرج عليه الزمخشري في «الكشاف» وابن عطية وابن هشام في «مغني اللبيب»، وهو بناء على أن (لا) قد تقع زائدة وهو ما أثبته الأخفش، ومنه قوله تعالى: {ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني} [طه: 92، 93] وقوله: {ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] وقوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] ونحو ذلك وقوله: {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} [الأنبياء: 95] على أحد تأويلات، وروي أن العرب جعلتها حشواً في قول الشاعر أنشده أبو عمرو بن العلاء:
أَبَى جُودُه لا البخلَ واستعجلت به
«نعم» من فتى لا يمنع الجود قائلُه
في رواية بنصب (البخل)، البخل وأن العرب فسروا البيتَ بمعنى أبَى جودُه البخلَ.
والمعنى: على هذا الوجه أن المعلَّل هو تبليغ هذا الخبر إلى أهل الكتاب ليعلموا أن فضل الله أُعطيَ غيرهم فلا يتبجحوا بأنهم على فضل لا ينقص عن فضل غيرهم إذا كان لغيرهم فضل وهو الموافق لتفسير مجاهد وقتادة.
وعندي: أنه لا يعطي معنى لأن إخبار القرآن بأن للمسلمين أجرين لا يصدِّق به أهل الكتاب فلا يستقر به علمهم بأنهم لا فضل لهم فكيف يعلل إخبار الله به بأنه يُزيل علم أهل الكتاب بفضل أنفسهم فيعلمون أنهم لا فضل لهم.
وذهب أبو مسلم الأصفهاني وتبعه جماعة إلى أن (لا) نافية، وقرره الفخر بأن ضمير {يقدرون} عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به (أي على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وأصله أن لا تقدروا) وإذا انتفى علم أهل الكتاب بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين لا يقدرون على شيء من فضل الله ثبت ضد ذلك في علمهم أي كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين يقدرون على فضل الله، ويكون {يقدرون} مستعاراً لمعنى: ينالون، وأن الفضل بيد الله، فهو الذي فضلهم، ويكون ذلك كناية عن انتفاء الفضل عن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم
ويرد على هذا التفسير ما ورد على الذي قبله لأن علم أهل الكتاب لا يحصل بإخبار القرآن لأنهم يكذبون به.
وأنا أرى أن دعوى زيادة (لا) لا داعي إليها، وأن بقاءها على أصل معناها وهو النفي متعينّ، وتجعل اللام للعاقبة، أي أعطيناكم هذا الفضل وحرم منه أهل الكتاب، فبقي أهل الكتاب في جهلهم وغرورهم بأن لهم الفضل المستمر ولا يحصل لهم علم بانتفاء أن يكونوا يملكون فضل الله ولا أن الله قد أعطى الفضل قوماً آخرين وحَرمَهَم إيّاه فينسون أن الفضل بيد الله، وليس أحد يستحقه بالذات.
وبهذا الغرور استمروا على التمسك بدينهم القديم، ومعلوم أن لام العاقبة أصلها التعليل المجازي كما علمته في تفسير قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} في سورة [القصص: 8].
وقوله: {أهل الكتاب} يجوز أن يكون صادقاً على اليهود خاصة إن جعل التعليل تعليلاً لمجموع قوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} [الحديد: 27] وقوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28].
ويجوز أن يكون صادقاً على اليهود والنصارى إن جعل لام التعليل علة لقوله: {يؤتكم كفلين من رحمته}.
و (أن) من قوله: {أن لا يقدرون} مخفّفة من (أنَّ) واسمها ضمير شأن محذوف.
والمعنى: لا تكترثوا بعدم علم أهل الكتاب بأنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وبأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، أي لا تكترثوا بجهلهم المركب في استمرارهم على الاغترار بأن لهم منزلة عند الله تعالى فإن الله عالم بذلك وهو خلقهم فهم لا يقلعون عنه، وهذا مثل قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم} في سورة [البقرة: 7].
وجملة والله ذو الفضل العظيم} تذييل يعمّ الفضلَ الذي آتاه الله أهل الكتاب المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وغيرَه من الفضل.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire